Полный текст (95 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
التدليس في الحديث - المقدمة
لقد اهتم العلماء اهتماماً منقطعاً بعلم مصطلح الحديث، وأولوه كل عنايتهم، بل هم الذين وضعوه، وأسسوا قواعده وأصوله، وذلك حفاظاً على حديث النبي ﷺ من الكذب والوضع، فوضعوا أعظم المناهج والمصطلحات في ذلك، وتتبعوا رواة الحديث وأخبارهم، وقسموا الحديث إلى أنواعه المعروفة عند أهل العلم، حتى استقر على ما هو عليه اليوم، ومن الأنواع التي وضعوها: الإرسال والتدليس، وتتبعوا رواية المرسلين والمدلسين، وصنفوها إلى طبقات، وذلك كله من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ ، فرحمهم الله، وأجزل مثوبتهم.
стр. 2
التعريف بمؤلف كتاب: التدليس في الحديث
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: نستهل الكلام على هذا الكتاب الجليل، كتاب: (التدليس في الحديث، حقيقته وأقسامه وأحكامه ومراتبه والموصوفون به)، يعني: طبقات المدلسين، وهو للشيخ الفاضل الكريم الدكتور: مسفر بن غرم الله الدميني من الرياض، وقد أخذ الدكتوراة من الأزهر، وهو رجل وتد في علم الحديث، وإن كان ليست له تخريجات أو تعليقات أو تحقيقات، فقد كان يهتم بالجانب النظري أكثر، فهو فحل في هذا الجانب، وله كتب ماتعة، منها: نقض في السنة، ومنهج الترمذي في كتابه، وهذا الكتاب الذي نشرحه.
стр. 3
أهمية السنة النبوية
إن السنة النبوية من الأهمية بمكان، وتظهر أهمية السنة بعلاقتها مع كتاب الله جل في علاه، فهما صنوان متلازمان، لا يمكن أن يفترقا بحال من الأحوال.
وسنة النبي ﷺ قال عنها عمران بن حصين: إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وما ذلك إلا لأن الله جل في علاه قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]، وهذا التبيين يكون من النبي ﷺ بسنته وبشرعه الذي شرعه، أو نقلاً لشرعه وحياً عن الله جل في علاه وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وتظهر أهمية السنة النبوية في أنها مبينة لكلام الله جل في علاه، ومبينة لمراده جل في علاه في كتابه، وهذا التبيين أنواع: فقد تكون مفسرة للمجملات، أو مبينة للمشكلات أو مقيدة للمطلقات ومخصصة للعمومات.
فالسنة النبوية هي التي تفسر لنا وتبين لنا مراد الله في كتابه، فمثلاً: لما أمر الله بالصلاة والزكاة في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فإنه لم يبين أن صلاة الصبح ركعتان، وصلاة الظهر والعصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، وصلاة العشاء أربع ركعات، ولم يبين وقت كل صلاة، ولا شروط الصلاة وأركانها، وإنما أتت الآية مجملة، آمرة بإقامة الصلاة فقط.
فبينت السنة كل هذا، وهذه الآية من أعظم ما يرد به على القرآنيين، الذين يقولون: لا نأخذ إلا بالقرآن، ويرمون بسنة النبي ﷺ خلفهم ظهرياً، فإن قولهم هذا يؤدي إلى تعطيل الدين في نهاية المطاف؛ لأن أغلب الأحكام بينتها السنة، ولم تذكر في القرآن.
стр. 4
أهمية صلاح الباطن في تعلم العلم
إن التوفيق مداره على صلاح الباطن لا على الظاهر؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]، ويقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] والميزان الرباني: هو النظر إلى القلوب وإلى طهارتها، حتى العلم لا يناله إلا نقي القلب، وقد جاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه كان يقول: يؤتى المرء الفهم بنيته.
فرد المسألة بالفهم إلى النية، وهذه أيضاً مستقاة من قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
وهذه ليست دليلاً على العلم، ولكن المعنى: إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً تفرقون به بين الحق والباطل.
وأسال الله جل وعلا أن يجمعنا وإياكم مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، وأن يغفر لنا زلاتنا، ويستر علينا عيوبنا، ويعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
стр. 5
اهتمام السلف بالسنة والنبوية
القرآن والسنة صنوان لا يفترقان بحال من الأحوال؛ لأن القرآن كما قال عمران بن حصين: إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن.
وقد بينا أن السنة تبين مجملات أو مشكلات القرآن، وضربنا المثل بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ولم يبين نصاب الزكاة، ولا اشتراط الحول لإخراجها، وإنما بينتها السنة.
ولما ظهرت أهمية السنة عند علمائنا وعند السلف الصالح علموا أنه لابد من الحفاظ على هذه السنة، وعلى هذا التراث العظيم من أحاديث النبي ﷺ ؛ لأنها هي المبينة لمراد الله جل في علاه، ونحن إنما خلقنا كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
ولن نعبد الله جل في علاه حق العبادة إلا إذا عقلنا عن الله ما أمرنا به، ولن نعقل عن الله مراده إلا بسنة النبي ﷺ ؛ ولذلك اهتم العلماء بالسنة، وفهموا معنى قول النبي ﷺ كما في الصحيحين عن أنس وعن غيره: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
стр. 6
شدة تحري الصحابة في حديث النبي ﷺ
وقد كان الصحابة من أشد الناس تحرياً في ضبط القول، وهل قال النبي ﷺ هذا اللفظ أم لا؟ ولذلك جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما حدثني أحد - من الصحابة أو من التابعين - بحديث عن النبي ﷺ إلا أمرته أن يقسم بالله، -يعني: حلفته بالله جل في علاه أسمعت هذا من رسول الله؟ إلا أبا بكر قال: وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر فهو صديق من فوق سبع سماوات.
فهذا بيان لتحري الصحابة على ضبط أن هذا القول من النبي ﷺ .
وكان عمر بن الخطاب لا يحدثه أحد بحديث إلا قال له: ائتني بشاهد.
وتحري عمر هذا يحتج به بعض المتنطعين الذين يقولون: لا تقبل أحاديث الآحاد لا سيما في العقائد، والرد على ذلك وجيز، وهو أن عمر بن الخطاب ما كان يرد أحاديث الآحاد في هذه المواقف، بل لقد قبل كثيراً من أحاديث الآحاد، وإنما كان شديد التحري، فمثلاً: لما حدث عمار بن ياسر بحديث اليتيم، وأنه كان مع عمر، وقد نسيه عمر، فقال له عمر: انظر ما تحدث به عن رسول الله ﷺ .
فقال: لو أردت لم أحدث به، قال: لا، أرو، ونوليك ما توليت.
فهذا يدل على أنه قبله منه، وهو حديث آحاد، بل إن القصة كان فيها عمر، وقد علم أنه قد وهم، ولذلك ترك الأمر إلى الراوي نفسه، وقال: نوليك ما توليت، فهو لا يشدد في هذه المسألة إلا لحكمة، فالمسائل التي فيها أحكام وتحتاج لضبط كان يشدد فيها ويريد الشاهد، لا لأنه يرد حديث الآحاد، وحديث عمار ظاهر جداً في أنه لا يرد حديث الآحاد.
فالغرض المقصود من هذا هو أن الصحابة كان لهم تحر فائق في أن هذا الحديث قاله النبي ﷺ أم لا، وأيضاً أبو بكر قد فعل ذلك لما جاءته الجدة تطلب ميراثها فقال: لا أعلم لكن ميراثاً في كتاب الله جل في علاه ولا في سنة النبي ﷺ ، ولكن انتظري حتى نسأل المهاجرين والأنصار، فقام المغير بن شعبة فقال: عندي فيها سنة، قد أعطاها النبي ﷺ السدس، فقال: ائتني بشاهد، ولم يقصد بقوله: ائتني بشاهد ليرد حديثه، وإنما لأن هذا حكم فيه مال، فأراد أن يعضده بغيره.
إذاً: كان الصحابة شديدي التحري في حديث النبي ﷺ .
стр. 7
شدة تحري العلماء في حديث النبي ﷺ
ثم جاء الجهابدة بعدهم والسلف الصالح فقالوا: لما قعد النبي ﷺ هذه القاعدة: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ولما كانت السنة مكانتها من القرآن هذه المكانة فلا بد من أن نتأكد تأكداً تاماً أو غالباً على الظن أن النبي ﷺ تكلم بهذا الكلام، فوضعوا له أصولاً وقواعد، لابد أن يتبعها طالب العلم، أو العالم الذي يريد أن يأخذ الحديث بسند صحيح كالشمس عن النبي ﷺ ، وهذه الشروط والضوابط التي وضعوها منها شروط عامة، ومنها شروط خاصة.
стр. 8
الشروط العامة لصحة الحديث
فأما الشروط العامة فإن الحديث لا يقبل عندهم بحال من الأحوال إلا إذا توافرت فيه خمسة شروط أو أربعة، وهي: أن يتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة.
والضبط نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب، والمقصود هنا: ضبط الصدر، والفرق بين العدل والعادل: أن العادل متعدي، فهو عادل في أحكامه ومعاملاته، وأما العدل فهو ذاتي.
فالشرط الأول هو أهم الشروط، وهو ما اتصل سنده، واتصال السند لا يكون إلا من رواية التلميذ عن شيخه، بأن يسمع من شيخه، ولذلك فإن العلماء أخذوا المدلسين ووضعوا عليهم سياجاً عظيماً، وذلك مثل أبي الزبير، فإنه مدلس، وروايته في مسلم عن جابر ﵁، ولكن العلماء لم يهملوا المدلسين، سواء في الصحيح أو غير الصحيح، فمثلاً: قالوا عن أبي الزبير: إنه يقبل حديثه بدون قيد أو شرط إذا روى عنه الليث بن سعد؛ لأن الليث كان يوقفه في حديثه ويسأله: أسمعت ذلك من جابر؟ فيقول: سمعت من جابر إذا كان سمعه، وإلا قال: حدثني به فلان عن جابر.
فيكتب الليث كلامه.
إذاً: فقد كان الرواة الثقات وعلماء الجرح والتعديل شديدي الحرص على اتصال السند؛ لأنه شرط أصيل لصحة الحديث.
стр. 9
العلاقة بين الإرسال والتدليس
وعند الكلام عن اتصال السند لابد من الكلام عن التدليس والإرسال، والإرسال الخفي، وطبقات المدلسين؛ لأنها كلها ناتجة عن انقطاع السند.
والإرسال مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتدليس، والعلاقة هي الإسقاط، فالمدلس يروي عن شيخه الذي عاصره ما لم يسمع منه، والمرسل: هو أن يروي عمن لم يعاصره بصيغة محتملة للسماع.
إذاً: فهما يتفقان ويفترقان، فيتفقان في الإسقاط، ويختلفان في المعاصرة، فالمدلس قد عاصر من دلس عليه، وأما المرسل فلم يعاصر من أرسل عنه.
مثل: سليمان بن مهران الأعمش، فقد كان مدلساً، وكان بحراً ثقة، كما قال الذهبي عنه: أنه إذا صرح بالسماع فلا كلام، فإذا قال الأعمش في إسناده: عن أنس بن مالك، نظرنا هل سمعه منه أو لا؟ وهو قد رأى أنساً، ولكن هل سمع منه أم لا؟ فينظر في هذه العنعنة؛ لأن الصحيح الراجح أنه لم يسمع من أنس، فيبحث عن الواسطة بينهما، الذي أسقطه، وهل هو ثقة أو لا؟ وكذلك إذا قال سعيد بن المسيب: قال رسول الله ﷺ ، فإن سعيداً مختلف في سماعه من عمر، فكيف يروي عن رسول الله ﷺ ، فهو لم يعاصر النبي ﷺ ؛ لأنه من التابعين، وليس من الصحابة.
إذاً: المدلس عاصر من دلس عليه، وأما المرسل فلم يعاصر من أرسل عنه، وأهل التحقيق يسمون هذا النوع من التدليس: إرسالاً خفياً.
стр. 10
الحديث المرسل وتعريفه
стр. 11
تعريف المرسل لغة
المرسل لغة: من أرسل الشيء، أي: أطلقه، ويأتي بمعنى: وجهه، ذلك أن المرسل هو الذي روى الحديث عمن لم يسمعه ولم يعاصره؛ فكأنه أطلقه عن راويه.
مثل أن يقول سعيد بن المسيب: عن رسول الله ﷺ ، أو يقول أيوب السختياني -وهو من طبقة صغار التابعين- أو الزهري أو الشعبي: عن النبي ﷺ ، فهؤلاء أرسلوا هذا الحديث، أي: أنهم أطلقوه ولم يقيدوه براو معروف، فمثلاً: لم يقل سعيد بن المسيب: سمعت عثمان قال: قال ﷺ ، ولم يقل الزهري: سمعت أنس قال: عن النبي ﷺ كذا وكذا، وإنما أطلقوه ولم يقيدوه براو معروف، الذي هو أحد الصحابة ﵃.
وأيضاً يأتي المرسل في اللغة بمعنى: الاسترسال، والاسترسال بمعنى: الاطمئنان، أي: أن الراوي الذي أرسل الحديث اطمئن للطبقة التي فوقه، والتي أخذ منها، مثل أن نقول: إن الزهري أخذ الحديث عن أنس، فلما أخذه عن أنس اطمئن على صحة الحديث؛ لأنه لا كلام في أنس ﵁؛ لأنه معدل من فوق سبع سماوات، فلا يحتاج إلى أن يعدله أحد، فلما اطمأن على رواية أنس أسقطه، وروى مباشرة عن النبي ﷺ ؛ لأنه يعلم أن هذا الحديث صحيح وليس ضعيفاً؛ لأنه من رواية أنس بن مالك ﵁ وأرضاه.
فكأن الراوي في مجلس التحديث استعجل، أو استعجله طلبة الحديث فروى الحديث وأسقط السند، فرواه عن النبي ﷺ ، وأرسله عنه، أي: أنه تعجل في روايته ولم يتأن، ولم يأت بالسند الذي فوقه.
стр. 12
تعريف المرسل اصطلاحاً
وأما معنى المرسل في الاصطلاح فإن المحدثين اختلفوا في تعريفه على أقوال كثيرة جداً، وسنجملها -إن شاء الله تعالى- في ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول كثير من المحدثين: أنه رواية التابعي الكبير عن رسول الله ﷺ ، ومعنى هذا التعريف: أن الرواة بعد الصحابة إما أن يكونوا من التابعين أو لا، والتابعون قسمان: كبار وصغار، فالكبار مثل: سعيد بن المسيب وعبدالله بن عتبة بن مسعود ومسلم بن يسار، هؤلاء من طبقة كبار التابعين، وأما صغار التابعين فكـ الزهري وأيوب السختياني، وأما غير التابعين فمطلق وليس مقيداً، فقال أصحاب هذا القول في تعريف المرسل بأنه: رواية التابعي الكبير عن رسول الله ﷺ .
كـ سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ ، وكـ القاسم بن محمد بن أبي بكر عن النبي ﷺ ، فهذا هو المرسل فقط عندهم.
ووجهة ذلك: أنه لما كان النظر في الحديث المرسل إلى من أسقط من السند، فإن التقييد بكبار التابعين معناه: أن الذي أسقط سيكون صحابياً، وأن التابعي قد أرسله عن النبي ﷺ بإسقاط الصحابي، قالوا: وهذا في غالب ظننا أنه لا يكون إلا من التابعي الكبير؛ لأنه لو كان تابعياً صغيراً فيحتمل أنه أخذ من التابعي الكبير ولم يأخذ عن الصحابة، إلا من عاش دهراً من الصحابة، ومنهم أنس بن مالك، وهذا نادر؛ لأنه نادر؛ ولأنه يصعب على كل صغار التابعين الرحلة إلى هذا الصحابي الذي عُمِّر، حتى يسمعوا منه هذا الحديث، هذا هو التعريف الأول للمرسل عند العلماء، وهو الصحيح الراجح.
القول الثاني: وهو قول جمهور المحدثين: أنه رواية التابعي بإطلاق عن النبي ﷺ .
قالوا: لأنه لا يشق على التابعي الصغير أن يذهب إلى هذا الصحابي ليأخذ منه الحديث ويرويه عنه، وقد كان هذا موجوداً، وإذا كان موجوداً وممكناً فلابد أن نلحقه بالحكم المجاور له.
فقالوا: بأنه رواية التابعي بإطلاق عن النبي ﷺ .
القول الثالث: وهو قول الأحناف: أنه رواية التابعي وغير التابعي عن النبي ﷺ ، ولو من المتأخرين.
وهذا غير مرضي بحال من الأحوال؛ لأننا إذا قلنا بأن المرسل هو: رواية التابعي الكبير، فيكون قد أسقط فيه الصحابي، فيكون احتمال الضعف قليلاً، وإذا قلنا بأن المرسل هو: رواية من تحت التابعي، بل تحت أتباع التابعين، فإنه يكون من المحتمل أنه قد سقط من السند أكثر من راو، فيكون احتمال الضعف كبيراً.
وقال بعض العلماء: كل منقطع مرسل، فقالوا: المرسل: هو إسقاط راوٍ من أي طبقة من طبقات الإسناد، بشرط أن يكون الساقط واحداً فقط، أما لو سقط أكثر من واحد فإنه يكون معضلاً.
وهذا أيضاً توسع غير مرضي، مثل رواية مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي ﷺ ، فلو أسقط زيد أباه فرواه عن النبي ﷺ مباشرة، أو أسقط مالك زيداً فرواه عن أسلم فإن أصحاب هذا القول يسمونه مرسلاً.
стр. 13
حكم العمل بالحديث المرسل
جاء في حكم العمل بالحديث المرسل تسعة أقوال، ونجملها في الأقوال الآتية: جمهور علماء الحديث كـ أحمد وابن المديني والقطان وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن معين: يرون الحديث المرسل ضعيفاً، وليس بحجة، وهو قول المحققين من أهل الحديث، كما رجح ذلك الإمام النووي؛ لأننا لا نعلم من سقط منه، وهل هو صحابي أو غيره، فإن كان صحابياً فالحديث صحيح؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وإن كان غير صحابي فلا نعلم هل هو ضعيف أو ثقة؟ فلما نشأ هذا الاحتمال ضعف الحديث المرسل، ولم يعمل به؛ لأنه يحتمل أن يكون الساقط ضعيفاً، فيضعف الحديث.
ويرى الأحناف أنه يقبل مطلقاً إذا كان المرسل ثقة، وهي رواية عن أحمد وبعض المالكية، وحجتهم: أن من أسند فقد برئ.
وهذه قاعدة عند المحدثين، ولذلك ترى كثيراً من العلماء عندما ينظرون في الكتب المتقدمة يقولون: هؤلاء قد برءوا ساحتهم، حتى ولو كان في كتبهم بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لأنهم قد أسندوا ما يروونه، ومن أسند فقد برئ، ومن أسند فقد أحال، أي: أحالك على التعب والشقاء والبحث، حتى ترى هذا السند صحيح أم لا؟ إذاً: فهذا الراوي الثقة عندما أرسل عن النبي ﷺ فقد أراحك، وهو لم يسند ولم يحلك على غيره، وإنما قال لك: أنا أثق بأن رواية هذا الحديث صحيحة.
إذاً: فوجهة نظرهم: أنه لما أسقط فإنه قد تأكد من صحة الحديث، فحمل عنك هذا العناء، وقال لك تلميحاً: هذا الحديث صحيح، فخذه مني واعمل به.
فمن أسند فقد أحال وأتعبك في البحث، ولكن من أسقط وأعطاك وهو ثقة فهذه دلالة على أنه يعلم يقيناً أن هذا الحديث من الصحة بمكان.
القول الثالث: التفصيل، وفيه أقوال كثيرة، سنبينها ونجملها في أمرين: الأول: النظر إلى المرسل، والثاني: النظر إلى المرسَل، والمرسِل هو: الراوي، والمرسَل هو: المتن نفسه.
فقال العلماء: إذا كان المرسِل لا يرسل إلا عن ثقة فيؤخذ حديثه ويؤخذ بمرسله ويعمل به، وذلك كمراسيل ابن المسيب، وقد قال الشافعي: أحسن المراسيل بعد التتبع هي مراسيل سعيد بن المسيب، فقد كان لا يرسل إلا عن ثقة، فقد وجد بعد البحث والتتبع أنه لا يسقط إلا الثقات، فإذا كان المرسل بهذه الحال فيكون حديثه حجة.
وأما إن كان المرسِل لا يرسل عن ثقة فحديثه ليس بحجة، مثل الحسن البصري، قال فيه العلماء: مراسيله كالريح؛ لأنه كان يرسل عن الضعفاء والثقات، يأخذ من كل أحد، فمراسيله ضعيفة، وقد رجح هذا القول بعض الشافعية، وعليه تعقيب وتفصيل ليس هذا محله.
وأما من جهة النظر إلى المرسَل فقال العلماء: إنه يمكن العمل بالمرسل ويكون حجة، وذلك إذا جاء من طريق آخر مرسلاً غير الطريق الأول، وذلك مثل رواية ابن المسيب عن النبي ﷺ : (كل مولود مرتهن بعقيقته)، ورواية الشعبي أيضاً عن النبي ﷺ مرسلاً: (كل مولود مرتهن بعقيقته)، فيتفق هذا المرسل مع المرسل الأول، ويعضد كل منهما الآخر، فيحتج به؛ لأن العلماء يقولون: ضعيف مع ضعيف يتقوى أحدهما بالآخر، وكان بعض العلماء يضرب لطلبته مثلاً لذلك ويقول: لو أن أحداً عنده في رجله أو يده ضعف مثلاً، وجاء رجل آخر عنده نفس الضعف في رجله أو يده، فأخذ هذا بيد الآخر فإن كلاً منهما يتقوى بصاحبه، ويسيرون معاً.
إذاً: إذا جاء المرسل من طريق آخر مرسلاً فإنه يكون حجة.
وهذا كلام الشافعي.
وقال أيضاً: إذا جاء من طريق آخر مسنداً فإنه أيضاً يقوي هذا المرسل، وهذا مأخوذ من كلام الشافعي، حيث قال: والمرسل حجة عندنا إذا جاء من طريق آخر من مخرج آخر أو جاء من رواية أخرى مسندة.
فإن قيل: ولم تأخذ بالمرسل وقد أغناك الله بالمسند، فلا عبرة أن تقول هذا تقوى بالمسند؛ لأن المسند فيه غنية -وهذا مأخذ جيد-؟ فنقول: تظهر ثمرة ذلك عند الترجيح في التعارض، فلو جاء مثلاً مرسل ومسند يقول: طلاق الحائض يقع، وجاء مسند آخر يقول: لا يقع، ولم يمكن الجمع بينهما، فإننا نلجأ إلى الترجيح بينهما بطرقه المعروفة، ومن هذه الطرق: الترجيح بكثرة الطرق.
وكذلك إذا عمل به جمع غفير من العلماء، أو كانت عليه فتوى العلماء، أو عمل به علماء العصر، فإذا عمل به علماء العصر غلب على الظن أنه مرفوع للنبي ﷺ .
فقال الشافعي: إن الحكم عندنا في المرسل لا الرد مطلقاً ولا القبول مطلقاً بل التفصيل؛ فننظر في المرسِل إن كان يرسل عن ثقات قبلناه، وإن كان لا يرسل عن ثقات كـ الحسن البصري فإنا لا نقبله، وأيضاً ننظر إلى المرسَل -المتن- فإن عضد بمتن آخر، أو جاء من طريق آخر أخذناه، أو كان له فتوى عالم من العلماء قبلناه أيضاً.
هذا هو التفصيل، وإذا أردنا الترجيح فلابد أولاً من التقعيد التفصيلي، ولا بد لطالب العلم أن يؤصل أولاً، حتى إذا أراد أن يخرج بعد ذلك فإنه يخرج على هذا التفصيل.
فنقول أولاً: كل مرسل ليس بحجة؛ لأنه قد اشترط العلماء في تصحيح الحديث أن يتصل إسناده، وهذا غير متصل، بل قد أسقط الراوي من روى عنه، ونحن لا نعلم أهو ثقة أو ضعيف؟ فإذاً: كل مرسل ليس بحجة، إلا إذا كان الذي أرسل لا يرسل إلا عن الثقات، وهذا ليس خاصاً بـ ابن المسيب، وإنما كل من أرسل عن الثقات فيؤخذ بإرساله، هذا هو الصحيح الراجح.
إذاً: كل مرسَل ضعيف، إلا إذا كان من أرسل لا يرسل إلا عن ثقة، أو اعتضد بغيره.
стр. 14
حكم مرسل الصحابي
وقد كان بعض الصحابة يرسلون الحديث، فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يقولون: أكثر أبو هريرة، والله الموعد، كان إخواننا من المهاجرين ينشغلون بالصفقة -أي: بالتجارة- وكان إخواننا من الأنصار ينشغلون بالزرع، وكنت أصحب رسول الله ﷺ على شبع بطني.
ويتصور الإرسال في صغار الصحابة كـ ابن عباس وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد أرسلت عائشة نفسها حديث بداية الوحي؛ لأنها لم تكن قد ولدت في ذلك الوقت، فقد جاء في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم عن عائشة قالت: تزوجني الرسول ﷺ وأنا بنت ست سنين.
وقد تزوجها وهو في المدينة بعد الهجرة، وكان قد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، إذاً عائشة ﵂ وأرضاها قد أرسلت هذا الحديث عن النبي ﷺ .
وأيضاً ابن عباس أرسل حديث: (لا ربا إلا في النسيئة) فإنه لما روجع فيه قال: سمعته من أسامة بن زيد، فأرسله عن النبي ﷺ .
وقد وردت أقوال عن أهل العلم في حكم مرسل الصحابي.
القول الأول: قالوا: يقبل مطلقاً.
القول الثاني: قالوا: هو وباقي المراسيل سواء.
القول الثالث: التفصيل: فإن كان ممن يأخذ عن التابعين، فمرسله لا يكون حجة حتى في الغيبيات، وهذا كـ ابن عباس فإنه كان يأخذ عن كعب الأحبار، وكـ عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان يأخذ عن كثير من التابعين، وأما غيره فيكون حجة.
والراجح الصحيح في ذلك قولاً قاطعاً: أن مرسل الصحابي صحيح، وهو حجة؛ لأنهم كلهم عدول، وقد عدلهم الله من فوق سبع سماوات، وعدلهم رسوله ﷺ ، فلا يحتاجون إلى التعديل، فمرسل الصحابي حجة بلا نزاع.
ونرد على من قال: إن مرسل الصحابي كباقي المراسيل بأن نقول: لا والله لا يستويان مثلاً ولا يشتركان في الفضل؛ لقول النبي ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم)، فهم من أهل الخيرية، وقد قال النبي ﷺ مبيناً لعظمة مكانتهم: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد)، وفي رواية في السنن بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (يغزو فئام من الناس فيقال لهم: أفيكم من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم.
-بلا قتال ولا شيء بل ببركة الصحبة مع أصحاب رسول الله ﷺ ثم يغزو فئام من الناس، -وهذا أيضاً في الفضل- فيقال لهم: أفيكم من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم)، وقال كذلك في الثالثة.
فهذا فيه دلالة على فضل الصحابة على غيرهم، فإنهم لا يستوون مع غيرهم، فقد جاء تعديلهم من فوق سبع سماوات، وعلى لسان النبي ﷺ ، فالصحابة كلهم عدول.
وأما قول القائل الذي قال: إنهم يأخذون عن التابعين، فهذا من الندرة بمكان، ولم يكن ابن عباس ولا عبد الله بن عمرو بن العاص يأخذون عنهم رواية عن النبي ﷺ ؛ إذ الصحابة متوافرون، فكانوا يأخذون عنهم، ولم يكونوا ينزلون في السند، وعندهم العلو، إذ النزول مذموم إذا وجد العلو.
هذا هو الصحيح الراجح في ذلك.
стр. 15
الصبر على طلب العلم
إن طلب العلم شاق جداً في بدايته، فينبغي على طالب العلم أن يصبر عليه ويصابر، ويظهر لله أنه صادق في طلبه، فإن فعل ذلك فتح الله عليه الفتوح التي لا يمكن أن تفتح على مثله، وإن صدق الله صدقه، وليشرب ماء زمزم كثيراً على العلم، فقد شرب من هم أفضل منا جميعاً على طلب العلم، فمنحهم الله ما لم يتصوروا، فـ ابن حجر كان يقول: كنت آتي ماء زمزم - وهو يصحح حديث النبي ﷺ أن زمزم لما شرب له - وأشرب حتى أصل لحفظ الذهبي.
فكان فحلاً موسوعة في حفظ الحديث.
قال: شربت ماء زمزم لأصل لحفظ الذهبي، فما لبثت إلا أن تفوقت على حفظ الذهبي.
وأيضاً أبو بكر بن العربي قال: شربت كثيراً ماء زمزم ليؤتيني الله الفقه والعلم، يعني: الفقه والحديث.
فآتاه الله ما طلب، فكان مفسراً محدثاً بارعاً، فقال: وليتني تداركت الأمر أن أشرب ماء زمزم على العلم والعمل.
إذاً: فاصدق الله يصدقك، وكلما استيقنت في ربك آتاك الله ما تريد، وإن الله عند ظن عبده به، وأختم: لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا وبعدها ستعرف الفرق الكبير بين مجلس العلم وبين مجلس الوعظ والتذكير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 16
التدليس في الحديث - صيغ أداء الحديث مع بيان حكم الحديث المعنعن
لأداء الحديث صيغ كثيرة عند المحدثين، منها: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وقال، وسمعت، وعن، وأن، ومن هذه الصيغ ما يدل على السماع من الشيخ، ومنها ما يدل على القراءة على الشيخ، ومنها ما يدل على الرواية بالإجازة، ومنها ما لا يدل على السماع كصيغة عن وأن، فإن كانت من مدلس لم تقبل، وإن كانت من غيره وأمكن اللقاء قبلت.
стр. 17
جهود المحدثين في تنقيح الأحاديث
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع كتاب التدليس في الحديث للدكتور مسفر الدميني.
العلماء وضعوا القواعد والضوابط في علم الحديث ليميزوا قول النبي ﷺ من قول غيره، وكانوا يقمشون ثم ينقشون، أي: يجمعون الحديث ثم يحققون ويدققون هل هذا حديث النبي أو ليس بحديث النبي ﷺ , ولذلك وضعوا ضوابط وقواعد لمعرفة صحة الحديث.
وهذه الشروط وضعوها بالاستقراء وبالبحث والتنقيب، ومن أهم الشروط: اتصال السند، وهذا الكتاب برمته يتكلم عن مسألة اتصال السند والانقطاع وغير ذلك، وقد ذكرنا أن المرسل نوعان: مرسل مطلق ومرسل خفي.
واليوم إن شاء الله سوف نتكلم عن مسألة الحديث المعنعن، وصيغ التحمل والأداء.
والعلماء عندما نقحوا الأحاديث نظروا فقالوا: لابد أن نعلم هل هذا الحديث فيه اتصال أم فيه انقطاع, والاتصال معناه: أن التلميذ يروي مباشرة عن شيخه، فيقول: حدثني، أخبرني، أنبأني، حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، فإذا قال: حدثنا فهذه دلالة على أنه جلس في مجلس التحديث مع أقرانه الذين يسمعون من الشيخ.
أما إذا قال: حدثني، فيكون المحدث ذكر لطالب الحديث هذا الحديث وهو يجلس معه وحده، فحدثني أقوى من حدثنا؛ لأنه يكون أتقن وأوعى وأضبط، وممكن أن يقول للشيخ: تمهل علي، وأعد هذه الكلمة، لكن ما يستطيع في مجلس التحديث أن يوقفه ويقول: أعد علينا هذا الحديث, لكن لو كان وحده يستطيع أن يفعل ذلك كما فعل مالك ﵀، ففي يوم العيد الناس ينشغلون بما ينشغلون به من اللحم وإدخال السرور على الناس, أما مالك فذهب فتوسد عتبة باب الزهري، فرأته الخادمة فقالت لـ الزهري: عبدك الأبيض بالباب، فأخذ لحماً وقال لها: أعطيه إياه, فأخذت اللحم وأعطته إياه، فقال: ما لهذا جئت؟ قالت: لم جئت؟ قال: هو يعرف لماذا جئت، فدخلت على الزهري فقال: أدخليه، فدخل مالك فجلس، فقال الزهري: ما تريد؟ قال: أريد حديث النبي، فسرد عليه حديثاً واحداً، ثم قال: زدني، فسرد عليه الحديث الثاني، ثم قال: زدني، قال: كفاك، قال: لا والله لا يكفيني، زدني فأعطاه الثالث إلى أن بلغ العشرين حديثاً, فلما بلغ العشرين حديثاً قال: الآن قم، قال مالك: والله ما اكتفيت زدني، قال: بشرط، قال: وما شرطك؟ قال: ردد علي هذه الأحاديث، وتلك الأحاديث يرويها الزهري بإسناده مثلاً يقول: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنما الولاء لمن أعتق) مثلاً، فهو يذكر السند سواء كان طبقتين أو ثلاثاً، فقال مالك -كأن الأحاديث بين عينيه مكتوبة-: أما حديثك الأول: فذكرته عن الشيخ الفلاني عن فلان عن النبي ﷺ ، إلى أن سرد كل الأحاديث، فقام الزهري مدهشاً معجباً بالإمام مالك فكافأه مكافأة عظيمة فقال: إنك من أوعية العلم، ارحل وليس لك شيء, فيبين له أن هذه الأحاديث ليس لأحد أن يأخذها بهذا الكم في هذا الوقت؛ ولذلك تعلم الإمام مالك من هذه القصة فقال: ضياع العلم أن تؤتيه لغير أهله؛ ولذلك نحن نقول: طالب العلم هو أخص الناس بعلم الحديث وعلم الفقه وعلم الأصول, طالب العلم لا بد أن يستغرق أوقاته ويجهد نفسه في تحصيل علم النبي ﷺ ، فهو أحق الناس به.
стр. 18
الحديث المعنعن
قلنا: المحدثون يبحثون عن اتصال السند، وهل كل راو سمع من شيخه، فيقول مالك مثلاً: حدثني الزهري، والزهري يقول: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف , وأبو سلمة يقول: حدثني أبو هريرة، وأبو هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك جاء النساخ فيذكرون هذا الحديث هكذا: مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ , فوقف المحدثون وقفة عظيمة وقالوا: نحن لجناب حديث النبي ﷺ لا بد أن نغربل أحاديث النبي ﷺ , لنعلم صحيحها من سقيمها، فقالوا: الآن عندنا حدثنا وحدثني وأخبرنا وأخبرني، وهذه صيغ اتفقت كلمة أهل العلم على أنها تدل على السماع، وإن كان بعضهم يخالف في مسألة أنبأني، لكن الصحيح الراجح أنها تحمل على السماع, وجاءت صيغ أخرى من صيغ الأداء فالعلماء بحثوا فيها هل هي على الاتصال أم هي على الانقطاع؟ وهذه هي صيغ العنعنة، ولذلك علماء المصطلح يفردون باباً فيقولون: الحديث المعنعن، فما معنى الحديث المعنعن؟ وما حكم الحديث المعنعن؟
стр. 19
صورة الحديث المعنعن
صورة الحديث المعنعن: أن يقول مالك في الموطأ: عن نافع، ونافع هذا رجل فارسي كان فحلاً في علم الفقه، عن ابن عمر، وهذه سلسلة ذهبية كما قال البخاري، قالوا: ولا أنبل من الشافعي وهو يروي عن مالك، فتزيد حلقة من الذهب أيضاً: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، قالوا: ولا أحد أنبل من أحمد بن حنبل وهو يروي عن الشافعي , وفي المسند ثلاثة عشر حديثاً بهذه السلسلة: أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر.
فعلماء الحديث ينظرون هل مالك سمع من نافع أم لا؟ وهل نافع سمع من ابن عمر أم لا؟ وهذا البحث والتنقيب ليتحقق شرط من شروط صحة الحديث.
قال بعض العلماء: (عن) تحمل على الاتصال، وقال بعضهم: لا تحمل على الاتصال, بل يحمل على الاتصال حدثنا أو أخبرنا وهو لم يقل: حدثنا ولا أخبرنا.
مثال آخر للعنعنة: رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله، هذه الروايات هي أشهر السلسة، يقول حماد: عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله، فهنا العنعنة أيضاً ينظر ويقف أمامها المحدثون هل سمع أم لم يسمع؟ نأتي إلى سلسلة أخرى مثلاً: عبد الرزاق عن معمر بن راشد عن أنس.
مثال آخر للعنعنة: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، أو معمر عن الزهري عن أنس.
إذاً: صورة الحديث المعنعن أن يروي الراوي عن شيخه المباشر له بصيغة (عن)، فيقف المحدثون أمام هذا الحديث الذي فيه العنعنة وليس فيه تصريح بالتحديث, هل هذا الحديث يكون صحيحاً أو يكون ضعيفاً؟ وهل ينسب للنبي ﷺ أو لا ينسب إلى النبي ﷺ ؟ والثمرة من معرفة المعنعن: أنك إذا علمت أن هذا الحديث متصل علمت أن شرطاً من شروط الصحة قد توافر, وإن قلت: فيه انقطاع, فيكون شرط من شروط الصحة لم يتوافر، فيكون الحديث ضعيفاً.
стр. 20
حكم الحديث المعنعن
صيغة (عن) ليست تصريحاً بالسماع, وهي تحتمل السماع، فيحتمل أن نافعاً سمعه من ابن عمر وأتى بهذه الصيغة، ويحتمل عدم السماع، وأنه قد سمعه من تلميذ ابن عمر ثم أسقط هذا التلميذ وأتى بهذه الصيغة (عن).
والمحدثون لهم في حكم المعنعن أربعة أقوال: القول الأول: المنع من قبولها مطلقاً, قالوا: تحمل هذه الصيغة على الانقطاع, ولا يصح أن نقبل حديثاً عن النبي ﷺ بإسناد إلا وفيه التصريح بالسماع، قال شعبة: كل حديث ليس فيه حدثنا ولا أخبرنا فهو خل وبقل.
وهذا تشدد مرفوض؛ لأنه سيضيع علينا كثير من أحاديث النبي ﷺ .
القول الثاني: قول أبي المظفر السمعاني قال: تقبل العنعنة بشروط: الشرط الأول: ألا يكون الراوي مدلساً.
الشرط الثاني: أن يثبت لقاء التلميذ مع الشيخ.
الشرط الثالث: طول الصحبة.
وهذا تشدد؛ إذ لا يمكن لكل محقق أن يثبت طول الصحبة أو ينفيها.
القول الثالث: قول البخاري جبل الحفظ أمير المؤمنين في الحديث شمس الحديث التي أشرقت على الدنيا فانهال الخير عليها بهذه الشمس, يقول: يشترط في قبول الحديث المعنعن ثلاثة شروط: الشرط الأول: ألا يكون الراوي مدلساً.
الشرط الثاني: المعاصرة.
الشرط الثالث: ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة.
فمثلاً: حبيب بن أبي ثابت يروي عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ وأرضاها، فإذا ثبت أن حبيب بن أبي ثابت التقى مع عروة بن الزبير مرة واحدة فنقبل عنعنته، وإلا لم نقبلها؛ لأنه يحتمل أنه أرسل عنه إرسالاً خفياً ولم يسمع منه، وإمكان اللقيا تعرف بالسن وتعرف بالبلد, فينظر سنة وفاة هذا، وسنة ولادة هذا، وأيضاً: حبيب بن أبي ثابت كوفي, وقد ثبت أن عروة دخل الكوفة, فإذا دخل عروة الكوفة فلا يبعد أن يذهب إليه حبيب وهو يعلم من عروة الذي انتشر اسمه وسط كل المحدثين، وهو الذي وقف عند الكعبة يدعو الله أن يأخذ عنه الناس علم حديث النبي ﷺ .
وقد تثبت اللقيا بالقصة كما قال الرواي عن عمران بن حصين: رأيت عمران بن حصين يرتدي قميصاً صفته كذا.
فهذا القول الثالث هو قول فحول أهل الحديث, قول البخاري وقول شيخه علي بن المديني، والقول الأول الذي فيه تشديد هو قول الشافعي مع شعبة، فـ الشافعي صرح بذلك في الرسالة.
القول الرابع: قول الإمام مسلم وهو الاكتفاء بالمعاصرة، فإن عنعن الراوي الذي لا يدلس عن شيخ معاصر له فإنه يقبل حديثه، وقد اشتد نكيره على البخاري في اشتراطه ثبوت اللقاء.
فإذا روى سعيد بن المسيب عن عمر، وسعيد بن المسيب ليس مدلساً، وأتى بصيغة (عن) التي تحتمل السماع، فعلى القول الأول لا يقبل حديثه، وعلى القول الثاني: لا يقبل حديثه أيضاً؛ لأنه لم يثبت أن سعيداً أطال مصاحبة عمر، وعلى القول الثالث: يقبل حديثه؛ لأنه ثبت أن سعيداً حضر خطبة عمر، وعلى القول الرابع: أيضاً يقبل حديثه؛ لأنه عاصره، وإن لم يثبت أنه التقى به.
إذاً: قول الإمام مسلم أسهل الأقوال الأربعة، وهو أن الحديث المعنعن يحمل على الاتصال بشروط ثلاثة: الأول: عدم الاتهام بالتدليس.
الثاني: أن يكون التلميذ قد عاصر شيخه.
الثالث: إمكان اللقاء في الرحلة وغيرها.
стр. 21
القول الراجح في حكم الحديث المعنعن
والقول الراجح هو قول البخاري وابن المديني، وهذا الذي عليه كثير من المحدثين من أهل التحقيق، وقد ذكر مسلم كلاماً شديداً جداً في القائل بهذا القول، واختلف العلماء هل يقصد مسلم بكلامه ذلك البخاري أم يقصد ابن المديني؟ والصحيح أنه يقصد البخاري، قال الذهبي: وفي مسلم حدة في خلقه حتى أنه لم يذكر البخاري بحديث واحد في صحيحه، والدارقطني يقول: لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء، فـ البخاري هو الجبل بحق، وكلام مسلم الشديد هو قوله: وقال بعض المنتحلين لعلم الحديث! فهل البخاري ينتحل علم الحديث؟! هل البخاري يقال فيه: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)؟! البخاري هو أبو الحديث وأم الحديث وابن الحديث، البخاري هو جبل الحديث، البخاري هو الذي أشرقت شمسه علينا، وما عرفنا حديث النبي ﷺ إلا من دقة وإتقان البخاري , فكيف يقول الإمام مسلم هذه القولة في شيخه البخاري؟! اعتذر كثير من أهل العلم لـ مسلم بأنه ما قال ذلك إلا حفاظاً على السنة, وخشي أن يأخذ المحدثون بقول البخاري لجلالة قدره ولمكانته فتضيع كثير من السنن, وما اشتدت لهجته للقدح في البخاري، بل حفاظاً على كثير من السنن من باب: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه، ولو تهاون في الرد لقال العلماء: هذا هو البخاري فمن هو مسلم الذي يناطح هذا الجبل الشم الشامخ؟! وبعض العلماء رجح قول الإمام مسلم حتى لا تضيع كثير من السنن، وبعضهم رجح قول البخاري، وهذا هو القول الأقوى والأصح، وهذا هو الذي رجحه من المتأخرين ابن حجر والسخاوي؛ ولذلك كثير من المحدثين يقدمون صحيح البخاري على صحيح مسلم؛ لهذا الشرط الذي اشترطه البخاري وهو ثبوت اللقيا ولو مرة واحدة مع وجود المعاصرة.
стр. 22
الحديث المؤنأن وحكمه
الحديث المؤنأن مثل الحديث المعنعن، لكن بدل كلمة (عن) يأتي بكلمة (أن) , والحديث المؤنأن له حكم الحديث المعنعن، مثاله أن يروي الشافعي أن ابن عيينة قال عن الزهري، أو أن الزهري قال: أن أنساً قال، مثال آخر: يقول مالك أن نافعاً أخبره: (أن ابن عمر أخبره: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته).
مثال آخر: أن يروي حماد بن زيد أن عمرو بن دينار قال: إن جابر بن عبد لله قال: إن رسول الله ﷺ قال: كذا وكذا.
فصيغة (عن) و (أن) كلاهما تحتمل السماع وليست صريحة فيه.
وقد اختلف العلماء في حكم الحديث المؤنأن على أقوال: القول الأول: قول جماهير المحدثين وهو قول مالك كما نقله عنه ابن عبد البر أنه يحمل على السماع، وسووا بين العنعنة والأنأنة فقبلوها مطلقاً.
القول الثاني: قول أحمد بن حنبل: أن الأصل في الأنأنة الانقطاع، وهذا صنيع البخاري في التاريخ الكبير وفي غيره، فجعلوا حكم الأنأنة حكم العنعنة لكنها أقل رتبة منها.
وقد فصل ابن رجب الحنبلي في شرح علل الترمذي هذه المسألة تفصيلاً بديعاً، مما يدل على طول باعه وسعة اطلاعه وتضلعه في علم الحديث وعلم الفقه وعلم الأصول، وهو من فحول أهل العلم ومن فحول الفقهاء المحدثين, قال في شرح علل الترمذي: الحديث المؤنأن له حالتان: الحالة الأولى: حكاية قول, الحالة الثانية: حكاية فعل أو قصة.
مثال الأول: مالك أن نافعاً أخبره أن ابن عمر أخبره، فهذه حكاية قول، مثال آخر: عن مالك أن نافعاً قال: إن ابن عمر قال: إن رسول ﷺ قال.
ومثال حكاية فعل أو قصة أن يروي محمد بن الحنفية (أن رسول الله مر بـ سلمان وهو يصلي فأشار إليه أن السلام عليكم).
قال ابن رجب: ننظر في الحالتين, أما حالة حكاية القول فهي والعنعنة سواء، وإن كانت أقل رتبة، وهذا قول البخاري وهو الراجح الصحيح, فتقبل بالشروط التي ذكرناها في العنعنة.
قال: وأما الثانية وهي حكاية الفعل فلا نقبلها إلا إذا ثبت السماع، ففي المثال السابق لا نقبل رواية محمد بن الحنفية لأنه لم يثبت سماعه من سلمان.
стр. 23
التدليس في الحديث - حكم الحديث المرسل والمنقطع
من أنواع الحديث الضعيف: المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، وكلها فيها سقط في السند، إلا أن المرسل يكون السقط من آخر الإسناد، والمنقطع يكون السقط لراوٍ من أثناء الإسناد، والمعضل ما سقط منه راويان أو أكثر على التوالي، والمعلق ما سقط منه راوٍ من أول السند، والمرسل قد يقبل بشروط ذكرها الشافعي ورضيها كثير من المحدثين، ومعلقات البخاري لها حكم خاص بالنسبة للصحة والضعف.
стр. 24
الحديث المرسل
стр. 25
تعريفه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: المرسل لغة: من أرسل بمعنى أطلق, واصطلاحاً: هو ما أضافه التابعي للنبي ﷺ ، وبعضهم يقول: هو الذي سقط منه الصحابي, والأولى أن نقول: ما سقط منه راوٍ من طبقات الصحابة, وليس من الصحابة؛ لأننا لو تأكدنا أن الصحابي قد سقط فإن هذا الإسناد يكون صحيحاً؛ لأن الصحابة كلهم عدول, فسواء أبهم الصحابي أو سقط الصحابي, فحكمه كأنه ذكر.
والمرسل ضعيف؛ لأن هناك احتمالات, فيحتمل أن يكون الذي سقط هو الصحابي, ويحتمل أن يكون الذي سقط هو التابعي, فلما نجم الاحتمال, والأصل في الرواية الحيطة والتشديد؛ قلنا بالضعف.
стр. 26
مثال الحديث المرسل
فالمرسل هو ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ , كـ مالك عن نافع عن النبي ﷺ , أو كـ مالك عن الزهري عن النبي ﷺ , فـ نافع من طبقات التابعين, والزهري أيضاً من طبقات التابعين, فأضاف التابعي ورفع الحديث إلى النبي ﷺ من غير أن يبين لنا الواسطة بينه وبين النبي ﷺ .
ومثاله أيضاً أن تقول: عن الأعمش عن النبي ﷺ , أو عن ابن عيينة عن الزهري عن النبي ﷺ , فهذا مرسل؛ لأن طبقة الصحابي ما وجدت, وسقطت الواسطة بين الراوي وبين النبي ﷺ .
стр. 27
حكم الحديث المرسل
الصحيح الراجح ضعف الحديث المرسل؛ لأننا لا نعلم هل الذي سقط صحابي أو تابعي, وسقوط طبقة من طبقات الإسناد تدل على ضعف الإسناد؛ لأن الحديث الصحيح شروطه خمسة, ومن هذه الشروط الخمسة: الاتصال, وضد الاتصال: الانقطاع أو الإسقاط، والانقطاع أو الإسقاط يدخل فيه المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، فالإرسال إذاً ضعف لاختلال شرط من شروط الحديث الصحيح, وهو عدم اتصال السند.
стр. 28
الحديث المنقطع
стр. 29
تعريف الحديث المنقطع
المنقطع لغة: اسم فاعل من الانقطاع، وهو ضد المتصل، واصطلاحاً: هو ما سقط من أثناء السند راوٍ.
فالمنقطع له شروط: الشرط الأول: سقوط راوٍ من الرواة لا أكثر.
الشرط الثاني: أن لا يكون السقط من آخر السند.
الشرط الثالث: أن لا يكون السقط من أول السند.
والمنقطع غير المقطوع، فالمنقطع من صفات الإسناد، والمقطوع من صفات المتن.
стр. 30
حكم الحديث المنقطع
حكم الحديث المنقطع أنه ضعيف, مع أن الساقط قد يكون ثقة ثبتاً, وقد يكون من الفحول الجبال الحفاظ, لكن لما نجم احتمال أن يكون ثقة ثبتاً، ونجم احتمال أن يكون ضعيفاً، ونجم احتمال أن يكون مجهولاً, ونجم احتمال أن يكون راوياً يخطئ كثيراً أو متروكاً؛ قلنا: الحديث طالما اعتورته الاحتمالات فإن الأصل في الرواية الحيطة، فنقول بضعف الحديث حتى يتبين لنا أنه صحيح.
стр. 31
مثال الحديث المنقطع
بعض العلماء يرى أن مطلق السقط يسمى إرسالاً حتى لو كان من أثناء السند, والمعتمد هو التفريق بين المرسل والمنقطع، فالمنقطع هو ما كان السقط في أثناء السند، مثال ذلك: أن يروي البخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ , فسقط راوٍ بين البخاري ومالك، فإن البخاري يروي عن محمد بن مسلمة عن مالك، ولم يدرك مالكاً.
ومحمد بن مسلمة كان سكيراً عربيداً, يشرب الخمر كثيراً, وفي يوم رأى كوكبة عظيمة من الشباب يطوفون حول شيخ ويبجلونه تبجيلاً عظيماً، وكان محمد بن مسلمة مخموراً، فنظر إليه نظرة إعجاب, فقال لمن حوله: من هذا؟ قالوا: هذا شعبة , قال: وما شعبة؟ فلم يعرفوا كيف يجيبونه, فذهب إليه فقال: من أنت؟ قال: شعبة , قال: وما شعبة؟ قال: محدث, قال: بم تحدث؟ قال: أحدث عن رسول الله, قال: حدثني, قال: نح نفسك عني, قال: والله لا أتركك حتى تحدثني, قال: لن أحدثك, فأشهر سيفه وقال: لتحدثني أو لأعلونك بالسيف, فقال: نعم, حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فسقط السيف من يده وبكى، وذهب فاغتسل, وتاب إلى الله توبة نصوحاً، وصار زاهداً عابداً، وكان من أحفظ الناس وأروى الناس للموطأ، والبخاري أخذ عنه الموطأ, فهو يروي أحاديث مالك بواسطة محمد بن مسلمة , والترمذي أيضاً يروي أحاديث مالك من طريق القعنبي , ولو رواها من طريق أحمد لكان بينه وبين مالك راويان؛ لأن أحمد ما أخذ عن مالك , وقال: قد كفانا الله بـ ابن عيينة أحاديث مالك.
مثال آخر للمنقطع: أن يروي القعنبي عن مالك عن ابن عمر عن النبي ﷺ , فهذا منقطع؛ لوجود سقط أثناء السند، فـ مالك لا يروي عن ابن عمر مباشرة.
стр. 32
الحديث المعضل
стр. 33
تعريف الحديث المعضل
الإعضال: مأخوذ من أعضله أي: أعياه, وهو الشيء المعجوز عنه, كالدواء الذي أعضل الأطباء.
واصطلاحاً: ما سقط من أثناء سنده راويان فأكثر بشرط التوالي.
فيشترط في المعضل شرطان: الشرط الأول: أن يسقط راويان.
الشرط الثاني: أن يكون السقوط على التتابع, فإذا سقط من أثناء السند راوٍ من الطبقة الأولى، ثم سقط راوٍ من الطبقة الثالثة أو الطبقة الرابعة أو الخامسة, فهذا السقط غير متتالٍ, فليس بمعضل.
стр. 34
مثال الحديث المعضل وحكمه
مثال المعضل: أن يروي القعنبي عن مالك عن النبي ﷺ , فبين مالك والنبي ﷺ راويان, مثل الزهري عن أنس عن النبي ﷺ , فهذا معضل.
والزهري قد أدرك أنساً وسمع منه، فهو من المعمرين من الصحابة، ومن المعمرين منهم سويد بن غفلة وكان قد صلى بالناس التراويح وقد بلغ مائة وعشرين سنة, وبعدما صلى بالناس مات, وكان قد تزوج بكراً وعمره مائة وخمس عشرة سنة! وحكم الحديث المعضل أنه ضعيف؛ لاختلال شرط من شروط الصحة وهو اتصال الإسناد.
стр. 35
الحديث المعلق
стр. 36
تعريف الحديث المعلق ومثاله
الحديث المعلق: هو الحديث الذي سقط منه راو من أول السند.
مثال المعلق: أن يروي أحمد عن مالك عن نافع عن ابن عمر , فـ أحمد يروي عن مالك بواسطة الشافعي , أو بواسطة ابن عيينة , فـ أحمد لو روى عن مالك لابد أن يكون بينه وبين مالك واسطة مثل الشافعي , وفي المسند ثلاثة عشر حديثاً بهذه السلسلة: أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ .
مثال آخر: أن يروي البخاري عن نافع عن ابن عمر , والبخاري كثيراً ما يقول: قال رسول الله, أو يقول: قال ابن عباس، ولا يأتي بالسند أو لا يأتي بشيخه المباشر فيقول: قال مالك , فهذا يسمى معلقاً؛ لأن السقط من أول السند, وهذا إذا أسقط طبقة واحدة, لكن لو أسقط راويين على التوالي فالحديث معلق معضل, لكن يكفي أن نقول: هذا معلق.
стр. 37
حكم الحديث المعلق
المعلق حكمه الضعف؛ لأنه اختل فيه شرط من شروط الصحيح.
إذاً: يدخل في الانقطاع: المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق, وأحكام هذه الأربعة الضعف؛ لاختلال شرط من شروط الحديث الصحيح.
стр. 38
حكم معلقات البخاري
نتكلم عن معلقات البخاري ومسلم، ومسلم ما علق كثيراً, أما البخاري فمعلقاته كثيرة, ولها حالان: الحالة الأولى: أن يأتي بها بصيغة الجزم, كأن يقول: قال ابن عباس , قال النبي، أو يقول: ذكر ابن عباس , ذكر مالك , ذكر نافع , قال نافع.
الحالة الثانية: أن يرويه بصيغة التمريض, مثل أن يقول: يروى, يقال, يذكر, فهذه الصيغة تسمى صيغة تمريض.
وكتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر اهتم بهذه المعلقات جداً، وبين أسانيدها، وبين أن كل ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح.
وهذا يرد على الذين يقولون: إن حديث المعازف حديث ضعيف؛ لأنه معلق, فنقول لهم: قد ذكره البخاري بصيغة الجزم, قال: وقال هشام بن عمار، ثم هشام بن عمار هو شيخ مباشر للبخاري.
هذا حكم الحالة الأولى، أما الحالة الثانية وهي أن يأتي به بصيغة التمريض, نحو: يقال, يذكر, يروى, فهذه لابد من التتبع والنظر في الأسانيد، وقد بين ابن حجر أنه يكون منها الصحيح والضعيف والحسن.
إذاً: توجد حالة للمعلقات لا تبحث فيها، وهي إذا ذكرها بصيغة الجزم نحو: قال, وحالة تبحث فيها إذا ذكرها بصيغة التمريض نحو: يذكر أو يروى.
стр. 39
التدليس في الحديث - تعريف التدليس - أنواع التدليس - حكم التدليس
التدليس هو رواية الراوي من شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، وهو أنواع، والمدلسون على مراتب، وحكم التدليس يختلف باختلاف نوعه وحال المدلس، وقد بين المحدثون حكم رواية المدلس إذا عنعن ولم يصرح بالتحديث.
стр. 40
تعريف التدليس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
التدليس مأخوذ من الدلس، والدلس: هو اختلاط الظلمة، وقيل: هو من التغطية والإخفاء والستر، والظلمة فيها ذلك أيضاً.
ومن التدليس أن يبيع رجل سلعة لرجل ويخفي ما فيها من العيوب، فيجعل للمشتري الخيار في رد البيع، فهذا تدليس من البائع؛ لأنه أخفى عيب هذه السلعة، فكأن المدلس يخفي عيب الإسناد.
أما في الاصطلاح فاختلف العلماء في تعريف التدليس على أربعة أقوال، وهذه الأقوال لا تخرج عن النظر في السماع والمعاصرة والإدراك: القول الأول: قول كثير من أئمة الحديث وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر وهو: رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه.
يعني: تلميذ سمع من شيخه أحاديث ورواها هذا التلميذ عنه، ثم روى أحاديث أخرى لم يسمعها التلميذ عن شيخه بل أخذها بواسطة ثم رواها عنه بدون الواسطة، مثلاً: ابن عيينة يجلس في مجلس الزهري، وابن عيينة يروي عن الزهري، وهو ثقة لازم الزهري مدة وأخذ من أحاديثه ثم عن له أمر فرحل، فلما رحل كان الزهري يعقد مجالس التحديث، ثم رجع ابن عيينة من سفره فيجد أحاديث كثيرة قد فاتته، فيكتب الأحاديث التي فاتته من التلميذ الذي سمعها من الزهري، ثم يقول ابن عيينة: أنا أروي عن الزهري مباشرة، وأروي عنه بعلو، فكيف أنزل وأروي عنه بواسطة؟! فيأتي إلى التلميذ فيسقطه من الرواية ولا يذكره، فيقول ابن عيينة: عن الزهري، فيحدث عنه ما لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع وعدمه وهي: عن، أو يقول: قال الزهري، ولا يصرح بالتحديث، وهذا القول رجحه الحافظ ابن حجر.
القول الثاني: التدليس هو رواية الراوي عمن عاصره ولقيه ما لم يسمعه منه بصيغة توهم السماع، مثلاً: الأعمش عاصر أنس بن مالك ولم يسمع منه، فيقول الأعمش: قال أنس بن مالك سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا.
والأعمش مدلس، ورواية الأعمش عمن عاصره بصيغة ليس فيها التصريح بالسماع يعتبر تدليساً.
القول الثالث: هو رواية الراوي عن رجل لم يسمع منه بصيغة توهم السماع، كـ مالك عن سعيد بن جبير مثلاً، أو الثوري عن إبراهيم النخعي، وهذا توسع غير مرضي؛ لأنهم ما اشترطوا المعاصرة ولا اللقاء.
ومعنى ذلك أنهم أدخلوا تحت التدليس الإرسال الخفي.
القول الرابع: أن يروي عن أي راو فوق طبقته، ولو طبقة شيوخ شيوخه، بصيغة توهم السماع، ومعنى هذا أنه سيدخل في تدليس الإرسال المطلق، وعلى هذا لن يسلم أحد من التدليس، فمثلاً: مالك قد يرسل عن سعيد بن المسيب، وهو لم يعاصره، فعلى التعريف سيكون مالك مدلساً.
وأيضاً سعيد بن المسيب يقول: عن النبي ﷺ ، فعلى هذا سيقال عن سعيد بن المسيب أعلم التابعين: مدلس، فهذا توسع من بعض العلماء غير مرضي؛ لأنه سيدخل في التدليس كثير من المحدثين الذين يرسلون؛ وفي التراجم يقولون عن الراوي: ثقة ثابت يرسل كثيراً، مثل عامر بن شراحيل الشعبي، وهذا ليس قدحاً، فـ مالك معلوم أنه ليس معاصراً لـ ابن المسيب، وظاهر جداً أن هناك واسطة سقطت بين مالك وبين سعيد بن المسيب.
وأيضاً معلوم أن ابن المسيب لم يعاصر رسول الله ﷺ ، فهناك واسطة سقطت، فلا يمكن أن نقول: هذا فيه إخفاء وفيه تدليس.
فهذا التعريف ليس بسديد، ولا يدخل في تعاريف التدليس، فتنحصر التعاريف الصحيحة في التدليس على ثلاثة أقوال: الأول وهو المعتمد: رواية الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، الثاني: رواية الراوي عمن عاصره وأدركه ما لم يسمع منه، الثالث: رواية الراوي عن رجل لم يسمع مه بصيغة توهم السماع.
وفي التعريف الثاني ليس شيخاً مباشراً له، فلم يسمع منه، فهناك معاصرة لكنه لم يسمع منه، كـ الأعمش عن أنس ما لم يسمعه منه، والتعريف الثالث وإن كان له وجاهة لكنه سيخلط بين التدليس وبين الإرسال الخفي، فيصفو لنا تعريفان: التعريف الأول والثاني، والفرق بين التدليس والمرسل الخفي: أن التدليس هو الراوية عمن عاصره ولقيه، والمرسل الخفي هو الرواية عمن عاصره ولم يلقه.
إذاً: التعريف المعتمد في التدليس هو: رواية الراوي عمن لقيه أو عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة توهم السماع.
следующие страницы →