إلّا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، ما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأن قد جادت وسخت، وإذا لم تبك، مسيئة موصوفة بأن قد ضنّت وبخلت.
فإن قيل: إنه أراد أن يقول: «إنّ اليوم أتجرّع غصص الفراق، وأحمل نفسي على مرّه، وأحتمل ما يؤدّيني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها، لكي أتسبّب بذلك إلى وصل يدوم، ومسرة تتّصل، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلا، ولا تعرف عيني البكاء، وتصير في أن لا ترى باكية أبدا، كالجمود التي لا يكون لها دمع».
فإن ذلك «١» لا يستقيم ولا يستتبّ، لأنه يوقعه في التناقض، ويجعله كأنه قال:
«أحتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا، لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي، لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها»، وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيها.
وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة، وكناية عن أن الحال حال فرح.
فهذا مثال فيما هو بالضدّ مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك، من معناه إلى قلبك لأنك ترى اللّفظ يصل إلى سمعك، وتحتاج إلى أن تخبّ وتوضع في طلب المعنى.
ويجري لك هذا الشرح والتفسير في «النظم» كما جرى في «اللفظ»، لأنه إذا كان النظم سويّا، والتأليف مستقيما، كان وصول المعنى إلى قلبك، تلو وصول اللفظ إلى سمعك. وإذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللّفظ إلى السمع، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: «إنّه يستهلك المعنى».
واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب، إلّا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنت لا ترى أغرب مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه. وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدّعى على كبار العلماء أنّهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟ فقد ترى أنّ البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس: أيّهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقيل: فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون علمه، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته.
стр. 177
ثمّ لم ينفكّ العالمون به والذين هم من أهله، من دخول الشبهة فيه عليهم، ومن اعتراض السّهو والغلط لهم. روي عن الأصمعي أنّه قال «١»: كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكان يأتيان بشارا فيسلّمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزّوال، ثم ينصرفان. وأتياه يوما فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. قالوا: بلغنا أنّك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم،
بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالوا: فأنشدناها يا أبا معاذ. فأنشدهما: [من الخفيف]
بكّرا صاحبيّ قبل الهجير ... إنّ ذاك النّجاح في التّبكير «٢»
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إنّ ذاك النجاح في التبكير»:
بكّرا فالنّجاح في التّبكير كان أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت: إنّ ذاك النجاح في التبكير، كما يقول الأعراب البدويّون، ولو قلت: «بكّرا فالنجاح»، كان هذا من كلام المولّدين، ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبّل بين عينيه» «٣»، فهل كان هذا القول من خلف والنّقد على بشّار، إلّا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟.
واعلم أن من شأن «إنّ» إذا جاءت على هذا الوجه، أن تغني غناء «الفاء» العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا. فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، ومقطوعا موصولا معا. أفلا ترى أنك لو أسقطت «إنّ» من قوله: «إنّ ذاك النجاح في التبكير»، لم تر الكلام يلتئم، ولرأيت الجملة الثانية لا تتّصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل، حتى تجيء بالفاء فتقول: «بكّرا صاحبيّ قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير»، ومثله قول بعض العرب: [من الرجز]
стр. 178
فغنّها، وهي لك الفداء ... إنّ غناء الإبل الحداء «١»
فانظر إلى قوله: «إنّ غناء الإبل الحداء»، وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن تشبّثه به، وإلى حسن تعطّف الكلام الأوّل عليه. ثم انظر إذا تركت «إنّ» فقلت:
«فغنّها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء»، كيف تكون الصّورة؟ وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر؟ وكيف يشئم هذا ويعرق ذاك؟ حتى لا تجد حيلة في ائتلافهما حتّى تجتلب لهما «الفاء» فتقول: «فغنّها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء»، ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وأن قد ذهبت الأنسة التي كنت تجد، والحسن الذي كنت ترى.
وروي عن عنبسة «٢» أنه قال: قدم ذو الرّمّة الكوفة فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائية التي منها: [من الطويل]
هي البرء، والأسقام، والهمّ، والمنى، ... وموت الهوى في القلب منّي المبرّح
وكان الهوى بالنأي يمحى فيمّحي، ... وحبّك عندي يستجدّ ويربح
إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح «٣»
قال: فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة «٤»: يا غيلان «٥»، أراه قد برح! قال: فشنق ناقته «٦» وجعل يتأخّر بها ويفكّر، ثم قال:
стр. 179
إذا غيّر النأي المحبّين لم أجد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
قال: فلمّا انصرفت حدّثت أبي، قال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرّمة ما أنكر، وأخطأ ذو الرمة حين غيّر شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [النور: ٤٠]، وإنّما هو: لم يرها ولم يكد «١».
واعلم أنّ سبب الشّبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال: «ما كاد يفعل» و «لم يكد يفعل» في فعل قد فعل، على معنى أنه لم يفعل إلّا بعد الجهد، وبعد أن كان بعيدا في الظّن أن يفعله، كقوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١]، فلما كان مجيء النفي في «كاد» على هذا السبيل، توهّم ابن شبرمة أنه إذا قال: «لم يكد رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح» فقد زعم: أن الهوى قد برح، ووقع لذي الرمة مثل هذا الظّن.
وليس الأمر كالذي ظنّاه، فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل: «لم يكد يفعل» و «ما كاد يفعل»، أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ولا ظنّ أنه يكون. وكيف بالشك في ذلك؟ وقد علمنا أن «كاد» موضوع لأن يدلّ على شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنّه قد شارف الوجود. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدّي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وجوده، وأن يكون قولك: «ما قارب أن يفعل»، مقتضيا على البتّ أنه قد فعل. وإذ قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر. فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كانت هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل، وحال يبعد معها أن يكون، ثمّ تغير الأمر، كالذي تراه في قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١]، فليس إلّا أن تلزم الظاهر، وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون.
فالمعنى إذن في بيت ذي الرمة على أن الهوى من رسوخه في القلب، وثبوته فيه وغلبته على طباعه، بحيث لا يتوهّم عليه البراح، وأن ذلك لا يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون، كما تقول: «إذا سلا المحبّون وفتروا في محبتهم، لم يقع لي في وهم، ولم يجر منّي على بال: أنه يجوز عليّ ما يشبه السّلوة، وما يعدّ فترة، فضلا عن أن يوجد ذلك مني وأصير إليه.
стр. 180
وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: «لم يرها ولم يكد»، فبدءوا فنفوا الرؤية، ثم عطفوا «لم يكد» عليه، ليعلموك أن ليس سبيل «لم يكد» هاهنا سبيل «ما كادوا» في قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] في أنه نفي معقّب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون، ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلا عن أن تكون. ولو كان «لم يكد» يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام منهم محالا جاريا مجرى أن تقول: «لم يرها ورآها»، فاعرفه.
وهاهنا نكتة، وهي أنّ «لم يكد» في الآية والبيت واقع في جواب «إذا»، والماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل، كان مستقبلا في المعنى فإذا قلت: «إذا خرجت لم أخرج»، كنت قد نفيت خروجا فيما يستقبل. وإذا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآي على الفعل قد كان، لأنه يؤدي إلى أن يجيء «بلم أفعل» ماضيا صريحا في جواب الشرط فتقول: «إذا خرجت لم أخرج أمس»، وذلك محال. ومما يتّضح فيه هذا المعنى قول الشاعر: [من المتقارب]
ديار لجهمة بالمنحنى ... سقاهنّ مرتجز باكر
وراح عليهنّ ذو هيدب ... ضعيف القوى، ماؤه زاخر
إذا رام نهضا بها لم يكد ... كذي السّاق أخطأها الجابر «١»
وأعود إلى الغرض. فإذا بلغ من دقّة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على مثل خلف الأحمر وابن شبرمة، وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله، فيرى أنه غير صواب، فما ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك من أن يكثر التخليط فيه؟ ومن العجب في هذا المعنى قول أبي النجم: [من الرجز]
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع «٢»
стр. 181
قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع «كلّ» في شيء إنما يجوز عند الضرورة، من غير أن كانت به إليه ضرورة. قالوا: لأنه ليس في نصب «كلّ» ما يكسر له وزنا، أو يمنعه من معنى أراده. وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك، وإلّا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد. وذاك أنه أراد أنها تدّعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتّة لا قليلا ولا كثيرا ولا بعضا ولا كلّا. والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادّعته بعضه.
وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في «كل» والفعل منفيّ، لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان وبعضا لم يكن. تقول: «لم ألق كلّ القوم»، و «لم آخذ كلّ الدراهم»، فيكون المعنى أنك لقيت بعضا من القوم ولم تلق الجميع، وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدا من القوم، ولم تأخذ شيئا من الدراهم.
وتعرف ذلك بأن تنظر إلى «كلّ» في الإثبات وتتعرّف فائدته فيه. وإذا نظرت وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى الجملة أو توقعه بها.
تفسير ذلك، أنك إنما قلت: «جاءني القوم كلهم»، لأنك لو قلت: «جاءني القوم» وسكتّ، لكان يجوز أن يتوهّم السامع أنه قد تخلّف عنك بعضهم، إلا أنك لم تعتدّ بهم، أو أنّك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم فكأنما وقع من الجميع، لكونهم في حكم الشخص الواحد، كما يقال للقبيلة: «فعلتم وصنعتم»، يراد فعل قد كان من بعضهم أو واحد منهم. وهكذا الحكم أبدا.
فإذا قلت: «رأيت القوم كلّهم» و «مررت بالقوم كلّهم»، كنت قد جئت «بكل» لئلّا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمرر به.
وينبغي أن يعلم أنا لا نعني بقولنا «يفيد الشمول»، أنّ سبيله في ذلك سبيل الشيء يوجب المعنى من أصله، وأنه لولا مكان «كلّ» لما عقل الشمول ولم يكن فيما سبق من اللفظ دليل عليه. كيف؟ ولو كان كذلك لم يكن يسمى «تأكيدا».
فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي الشمول مستعملا على خلاف ظاهره ومتجوّزا فيه.
وإذ قد عرفت ذلك، فهاهنا أصل، وهو أن من حكم النفي إذا دخل على كلام، ثم كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجّه إلى ذلك التقييد، وأن يقع له خصوصا.
стр. 182
تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «أتاني القوم مجتمعين»، فقال قائل: «لم يأتك القوم مجتمعين»، كان نفيه ذلك متوجّها إلى الاجتماع الذي هو تقييد في الإتيان دون الإتيان نفسه، حتّى إنه إن أراد أن ينفي الإتيان من أصله، كان من سبيله أن يقول: «إنهم لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك: مجتمعين». هذا مما لا يشكّ فيه عاقل.
وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد، فإن التأكيد ضرب من التقييد. فمتى نفيت كلاما فيه تأكيد، فإن نفيك ذلك يتوجّه إلى التأكيد خصوصا ويقع له. فإذا قلت: «لم أر القوم كلهم» أو «لم يأتني القوم كلهم» أو «لم يأتني كلّ القوم» أو «لم أر كلّ القوم»، كنت عمدت نفيك إلى معنى «كل» خاصة، وكان حكمه حكم «مجتمعين» في قولك: «لم يأتني القوم مجتمعين». وإذا كان النفي يقع «لكلّ» خصوصا فواجب إذا قلت: «لم يأتني القوم كلهم» أو «لم يأتني كل القوم»، أن يكون قد أتاك بعضهم كما يجب إذا قلت: «لم يأتني القوم مجتمعين»، أن يكونوا قد أتوك أشتاتا. وكما يستحيل أن تقول: «لم يأتني القوم مجتمعين»، وأنت تريد أنّهم لم يأتوك أصلا لا مجتمعين ولا منفردين كذلك محال أن تقول: «لم يأتني القوم كلهم»، وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا، فاعرفه.
واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه. وذلك أنك إذا قلت: «جاءني القوم كلهم»، كان «كلّ» فائدة خبرك هذا، والذي يتوجّه إليه إثباتك، بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنّه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله «الكل»، وذلك الذي عناك أمره من كلامك.
وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرّد إثبات المعنى للشيء، إلّا كان الغرض الخاصّ من الكلام، والّذي يقصد إليه ويزجّى القول فيه. فإذا قلت:
«جاءني زيد راكبا»، و «ما جاءني زيد راكبا» كنت قد وضعت كلامك لأن تثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك، لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا. هذا ما لا سبيل إلى الشكّ فيه.
واعلم أنه يلزم من شكّ في هذا فتوهّم أنه يجوز أن تقول: «لم أر القوم كلهم»، على معنى أنك لم تر واحدا منهم أن تجري النّهي هذا المجرى فتقول: «لا تضرب القوم كلّهم»، على معنى لا تضرب واحدا منهم وأن تقول: «لا تضرب
стр. 183
الرجلين كليهما»، على معنى لا تضرب واحدا منهما. فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل قول الناس: «لا تضربهما معا، ولكن اضرب أحدهما»، و «لا تأخذهما جميعا، ولكن واحدا منهما»، وكفى بذلك فسادا.
وإذ قد بان لك من حال النّصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من الذّنب بعضا وترك بعضا، فاعلم أنّ الرّفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئا، وأتى منه قليلا أو كثيرا، وأنك إذا قلت: «كلّهم لا يأتيك»، و «كلّ ذلك لا يكون»، و «كلّ هذا لا يحسن»، كنت نفيت أن يأتيه واحد منهم، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه.
ومما يشهد لك بذلك من الشّعر قوله: [من الطويل]
فكيف؟ وكلّ ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عمّا قضى الله مزحل «١»
المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه، بلا شبهة. ولو قلت:
«فكيف وليس يعدو كلّ حمامه»: فأخرت «كلّا»، لأفسدت المعنى، وصرت كأنك تقول: «إن من الناس من يسلم من الحمام ويبقى خالدا لا يموت».
ومثله قول دعبل: [من الطويل]
فو الله ما أدري بأيّ سهامها ... رمتني، وكلّ عندنا ليس بالمكدي
أبا الجيد، أم مجرى الوشاح، وإنّني ... لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد «٢»
المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه.
ومن البيّن في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبيّ ﷺ :
«أقصرت الصّلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال ﷺ : كلّ ذلك لم يكن. فقال ذو اليدين: بعض ذلك قد كان» «٣»، المعنى لا محالة على نفي الأمرين جميعا، وعلى أنه
стр. 184
عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النّسيان. ولو قيل: «لم يكن كلّ ذلك»، لكان المعنى أنه قد كان بعضه.
واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في «كلّ» نحو: «لم يأتني القوم كلّهم» و «لم أر القوم كلّهم»، على أن الفعل قد كان من البعض، ووقع على البعض، قلت: «لم يأتني القوم كلّهم، ولكن أتاني بعضهم» و «لم أر القوم كلّهم، ولكن رأيت بعضهم» فأثبتّ بعد ما نفيت، ولا يكون ذلك مع رفع «كلّ» بالابتداء.
فلو قلت: «كلهم لم يأتني، ولكن أتاني بعضهم» و «كلّ ذلك لم يكن، ولكن كان بعض ذلك»، لم يجز، لأنّه يؤدّي إلى التناقض، وهو أن تقول: «لم يأتني واحد منهم، ولكن أتاني بعضهم».
واعلم أنّه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر، وهو دخول «كلّ» في حيّز النفي، وأن لا يدخل فيه. وإنما علقنا الحكم في البيت «١» وسائر ما مضى بإعمال الفعل وترك إعماله، من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيّز النفي، وترك إعماله يوجب خروجه منه، من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل عن الفعل، وهو «لم» لا أنّ كونه معمولا للفعل وغير معمول، يقتضي ما رأيت من الفرق. أفلا ترى أنّك لو جئت بحرف نفي يتصوّر انفصاله عن الفعل، لرأيت المعنى في «كل» مع ترك إعمال الفعل، مثله مع إعماله، ومثال ذلك قوله: [من البسيط] ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه «٢» وقول الآخر: [من البسيط] ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد «٣»
стр. 185
«كلّ» كما ترى غير معمل فيه الفعل، ومرفوع، إمّا بالابتداء، وإمّا بأنه اسم «ما»، ثم إنّ المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: «ما يدرك المرء كلّ ما يتمناه»، «ما يدعو كلّ رأي الفتى إلى رشد»، وذلك أن التأثير لوقوعه في حيّز النفي، وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت «كلّا» في هذا فقلت:
«كلّ ما يتمنى المرء لا يدركه» و «كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد» لتغير المعنى، ولصار بمنزلة أن يقول: «إنّ المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه»، و «لا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه».
واعلم أنك إذا أدخلت «كلّا» في حيّز النفي، وذلك بأن تقدم النّفي عليه لفظا أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه. وإذا أخرجت «كلّا» من حيّز النفي ولم تدخله فيه، لا لفظا ولا تقديرا، كان المعنى على أنك تتبّعت الجملة، فنفيت الفعل والوصف عنها واحدا واحدا. والعلة في أن كان ذلك كذلك، أنك إذا بدأت «بكل» كنت قد بنيت النّفي عليه، وسلّطت الكلّية على النفي وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النّفي يقتضي أن لا يشذّ شيء عن النّفي، فاعرفه.
واعلم أن من شأن الوجوه والفروق أن لا يزال تحدث بسببها وعلى حسب الأغراض والمعاني التي تقع فيها، دقائق وخفايا لا إلى حدّ ونهاية وأنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا يتنبّه لأكثرها، ولا يعلم أنها هي، وحتى لا تزال ترى العالم يعرض له السّهو فيه، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ، كلّ ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض.
فصل
واعلم أنه إذا كان بيّنا في الشيء أنه لا يحتمل إلّا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقّه وأنه الصواب، إلى فكر وروية فلا مزيّة. وإنّما تكون المزيّة ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجها آخر، ثم رأيت النّفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسنا وقبولا تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني.
مثال ذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الأنعام: ١٠٠]، ليس بخاف أن لتقديم «الشركاء» حسنا وروعة ومأخذا من القلوب، أنت لا تجد شيئا منه إن أنت أخّرت فقلت: «وجعلوا الجنّ شركاء لله»، وأنك ترى حالك حال من نقل عن
стр. 186
الصورة المبهجة والمنظر الرّائق والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل. والسبب في أن كان ذلك كذلك، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير.
بيانه، أنّا وإن كنّا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجنّ شركاء وعبدوهم مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، فإن تقديم «الشركاء» يفيد هذا المعنى ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا غير الجن.
وإذا أخّر فقيل: «جعلوا الجنّ شركاء لله»، لم يفد ذلك، ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأمّا إنكار أن يعبد مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع تأخير «الشركاء» دليل عليه. وذلك أن التقدير يكون مع التقديم: أن «شركاء» مفعول أوّل لجعل، و «لله» في موضع المفعول الثاني، ويكون «الجن» على كلام ثان، وعلى تقدير أنه كأنه قيل: «فمن جعلوا شركاء لله تعالى؟»، فقيل: «الجن». وإذا كان التقدير في «شركاء» أنّه مفعول أوّل، و «لله» في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء لله تعالى على الإطلاق، من غير اختصاص شيء دون شيء. وحصل من ذلك أنّ اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار دخول اتّخاذه من الجنّ، لأنّ الصفة إذا ذكرت مجرّدة غير مجراة على شيء، كان الذي تعلّق بها من النفي عامّا في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة.
فإذا قلت: «ما في الدار كريم»، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كلّ من يكون الكرم صفة له. وحكم الإنكار أبدا حكم النفي. وإذا أخّر فقيل: «وجعلوا الجنّ شركاء لله»، كان «الجن» مفعولا أوّل، و «الشركاء» مفعولا ثانيا. وإذا كان كذلك، كان «الشركاء» مخصوصا غير مطلق، من حيث كان محالا أن يجرى خبرا على الجن، ثم يكون عامّا فيهم وفي غيرهم. وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى «الجن» خصوصا، أن يكونوا «شركاء» دون غيرهم، جلّ الله تعالى عن أن يكون له شريك وشبيه بحال.
فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدّم «الشركاء»، واعتبره فإنه ينبّهك لكثير من الأمور، ويدلّك على عظم شأن «النظم»، وتعلم به كيف يكون الإيجاز به وما صورته؟ وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ترى أن ليس إلا
стр. 187
تقديم وتأخير، وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولته مع تركه لم يحصل لك، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاما، نحو أن تقول: «وجعلوا الجنّ شركاء لله، وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم»، ثم لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس، ما تجده له الآن وقد عقل من هذا الكلام الواحد.
ومما ينظر إلى مثل ذلك، قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦]، إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسّك، وجدت لهذا التنكير وأن قيل: «على حياة»، ولم يقل: «على الحياة»، حسنا وروعة ولطف موقع لا يقادر قدره، وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن الأريحيّة والأنس إلى خلافهما.
والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحيّ، فأما العادم للحياة فلا يصحّ منه الحرص على الحياة ولا على غيرها. وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: «ولتجدنّهم أحرص الناس، ولو عاشوا ما عاشوا، على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه، حياة في الذي يستقبل». فكما أنّك لا تقول هاهنا: «أنّ يزدادوا إلى حياتهم الحياة» بالتعريف، وإنما تقول: «حياة» إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق، كقولنا:
«كل أحد يحب الحياة، ويكره الموت»، كذلك الحكم في الآية.
والذي ينبغي أن يراعى: أنّ المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان موجودا حال وصفك له بالحرص عليه، لم يتصوّر أن تجعله حريصا عليه من أصله. كيف؟ ولا يحرص على الراهن ولا الماضي، وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد.
وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]، وذلك أن السبب في حسن التنكير، وأن لم يحسن التعريف، أن ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل قتل، ارتدع بذلك عن القتل، فسلم صاحبه، صار حياة هذا المهموم بقتله «١» في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص، وصار كأنّه قد حيي في باقي عمره به. وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته، وجب التنكير وامتنع التعريف، من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من
стр. 188
أصلها، وأن يكون القصاص قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات. وذلك خلاف المعنى وغير ما هو المقصود.
ويبيّن ذلك أنّك تقول: «لك في هذا غنى»، فتنكّر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغني به، فإن قلت: «لك فيه الغنى»، كان الظاهر أنك جعلت كلّ غناه به.
وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون همّ وإرادة، وليس بواجب أن لا يكون إنسان في الدنيا إلّا وله عدوّ يهمّ بقتله ثم يردعه خوف القصاص. وإذا لم يجب ذلك، فمن لم يهمّ إنسان بقتله، فكفي ذلك الهمّ لخوف القصاص، فليس هو ممّن حيّ بالقصاص. وإذا دخل الخصوص، فقد وجب أن يقال «حياة» ولا يقال «الحياة»، كما وجب أن يقال «شفاء» ولا يقال «الشّفاء» في قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩]، حيث لم يكن شفاء للجميع.
واعلم أنه لا يتصوّر أن يكون الذي همّ بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلا في الجملة، وأن يكون القصاص أفاده حياة كما أفاد المقصود قتله. وذلك أنّ هذه الحياة إنّما هي لمن كان يقتل لولا القصاص، وذلك محال في صفة القاصد للقتل، فإنما يصحّ في وصفه ما هو كالضّدّ لهذا، وهو أن يقال: إنه كان لا يخاف عليه القتل لولا القصاص.
وإذا كان هذا كذلك، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير.
فصل: منه في اشتراط الذوق والأريحية في هذا الباب
واعلم أنّه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، ولا يجد لديه قبولا، حتى يكون من أهل الذّوق والمعرفة، وحتى يكون ممن تحدّثه نفسه بأنّ لما يومئ إليه من الحسن واللّطف أصلا، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمّل الكلام، فيجد الأريحيّة تارة، ويعرى منها أخرى، وحتّى إذا عجّبته عجب، وإذا نبّهته لموضع المزية انتبه.
فأمّا من كان الحالان والوجهان عنده أبدا على سواء، وكان لا يتفقّد من أمر «النّظم» إلا الصّحة المطلقة، وإلّا إعرابا ظاهرا، فما أقلّ ما يجدي الكلام معه. فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر، والذّوق الذي يقيمه به، والطّبع الذي يميّز صحيحه من مكسوره، ومزاحفه من سالمه، وما خرج من البحر ممّا لم يخرج منه في أنّك لا تتصدّى له، ولا تتكلّف تعريفه، لعلمك أنّه قد عدم الأداة
стр. 189
التي معها يعرف، والحاسّة التي بها يجد. فليكن قدحك في زند وار، والحكّ في عود أنت تطمع منه في نار.
واعلم أن هؤلاء، وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإنّ من الآفة أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلّة في قليل ما تعرف المزيّة فيه وكثيره، وأن ليس إلا أن تعلم أن هذا التقديم وهذا التنكير، أو هذا العطف أو هذا الفصل حسن، وأن له موقعا من النفس وحظّا من القبول، فأمّا أن تعلم لم كان كذلك؟ وما السبب؟ فممّا لا سبيل إليه، ولا مطمع في الاطّلاع عليه، فهو بتوانيه والكسل فيه، في حكم من قال ذلك.
واعلم أنّه ليس إذا لم تمكن معرفة الكل، وجب ترك النّظر في الكلّ. وأن تعرف العلّة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه وإن قلّ فتجعله شاهدا فيما لم تعرف، أحرى من أن تسدّ باب المعرفة على نفسك، وتأخذها عن الفهم والتفهّم، وتعوّدها الكسل والهوينا. قال الجاحظ:
«وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس، وله مضرّة شديدة وثمرة مرّة. فمن أضرّ ذلك قولهم: «لم يدع الأوّل للآخر شيئا»، قال: فلو أنّ علماء كلّ عصر مذ جرت هذه الكلمة في أسماعهم، تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمّن قبلهم، لرأيت العلم مختلّا.
واعلم أنّ العلم إنما هو معدن، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألوف وقر «١» قد أخرجت من معدن تبر «٢»، أن تطلب فيه، وأن تأخذ ما تجد ولو كقدر تومة «٣»، كذلك، ينبغي أن يكون رأيك في طلب العلم». ومن الله تعالى نسأل التوفيق.
فصل هذا فنّ من المجاز لم نذكره فيما تقدّم
اعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبل، أنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردف له أو شبيه، فتجوّزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذا قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازا على غير هذا السبيل، وهو أن يكون التجوّز في حكم يجرى على الكلمة فقط، وتكون الكلمة
стр. 190
متروكة على ظاهرها، ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية ولا تعريض.
والمثال فيه قولهم: «نهارك صائم وليلك قائم» و «نام ليلي وتجلّى همي»، وقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، وقول الفرزدق: [من الطويل]
سقتها خروق في المسامع، لم تكن ... علاطا، ولا مخبوطة في الملاغم «١»
أنت ترى مجازا في هذا كلّه، ولكن لا في ذوات الكم وأنفس الألفاظ، ولكن في أحكام أجريت عليها. أفلا ترى أنّك لم تتجوّز في قولك: «نهارك صائم، وليلك قائم» في نفس «صائم» و «قائم»، ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار والليل.
وكذلك ليس المجاز في الآية في لفظة «ربحت» نفسها، ولكن في إسنادها إلى التجارة.
وهكذا الحكم في قوله: «سقتها خروق» ليس التجوز في نفس «سقتها»، ولكن في أن أسندها إلى الخروق. أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا وقد أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته، فلم يرد بصائم غير الصوم، ولا بقائم غير القيام، ولا بربحت غير الرّبح، ولا بسقت غير السقي، كما أريد «بسالت» في قوله: [من الطويل] وسالت بأعناق المطيّ الأباطح «٢» غير السّيل.
واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك، من أن من شأنه أن يفخم عليه المعنى وتحدث فيه النباهة، قائم لك مثله هاهنا، فليس يشتبه على عاقل أن ليس حال المعنى وموقعه في قوله: [من الرجز] فنام ليلي وتجلّى همّي «٣» كحاله وموقعه إذا أنت تركت المجاز وقلت: «فنمت في ليلي وتجلّى همي»، كما لم يكن الحال في قولك: «رأيت أسدا»، كالحال في «رأيت رجلا كالأسد».
ومن الذي يخفى عليه مكان العلوّ وموضع المزية وصورة الفرقان بين قوله تعالى:
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ، وبين أن يقال: «فما ربحوا في تجارتهم؟».
стр. 191
وإن أردت أن تزداد للأمر تبيّنا، فانظر إلى بيت الفرزدق: [من الكامل]
يحمي إذا اخترط السّيوف نساءنا ... ضرب تطير له السّواعد أرعل «١»
وإلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطّلاوة. ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة وقل: «نحمي إذا اخترط السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل»، ثم اسبر حالك؟ هل ترى مما كنت تراه شيئا؟
وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادّة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام، قريبا من الأفهام. ولا يغرّنّك من أمره أنك ترى الرجل يقول: «أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حقّ لي على إنسان»، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدا، بل يدقّ ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادر تأنق لها.
وجملة الأمر أن سبيله سبيل الضّرب الأول الذي هو مجاز في نفس اللفظ وذات الكلمة، فكما أنّ من الاستعارة والتمثيل عاميّا مثل: «رأيت أسدا» و «وردت بحرا»، و «شاهدت بدرا»، و «سلّ من رأيه سيفا ماضيا»، وخاصيّا لا يكمل له كلّ أحد، مثل قوله:
وسالت بأعناق المطيّ الأباطح كذلك الأمر في هذا المجاز الحكميّ.
واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أنك تقول في: رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة:
١٦]، «ربحوا في تجارتهم»، وفي «يحمي نساءنا ضرب»، «نحمي نساءنا بضرب» فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء. ألا ترى أنّه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك:
«أقدمني بلدك حقّ لي على إنسان»، فاعلا سوى الحق، وكذلك لا تستطيع في قوله:
[من مجزوء الوافر]
стр. 192
وصيّرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل «١»
وقوله: [من مجزوء الوافر]
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا «٢»
أن تزعم أنّ «لصيّرني» فاعلا قد نقل عنه الفعل، فجعل «للهوى» كما فعل ذلك في «ربحت تجارتهم» و «يحمي نساءنا ضرب»، ولا تستطيع كذلك أن تقدر «ليزيد» في قوله: «يزيدك وجهه» فاعلا غير «الوجه»، فالاعتبار إذن بأن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته.
معنى ذلك أن «القدوم» في قولك» «أقدمني بلدك حقّ لي على إنسان»، موجود على الحقيقة، وكذلك «الصيرورة» في قوله: «وصيّرني هواك»، و «الزيادة» في قوله:
«يزيدك وجهه» موجودا على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجودا على الحقيقة، لم يكن المجاز فيه نفسه، وإذا لم يكن المجاز في نفس اللفظ، كان لا محالة في الحكم. فاعرف هذه الجملة، وأحسن ضبطها، حتى تكون على بصيرة من الأمر.
ومن اللطيف في ذلك قول حاجز بن عوف: [من الوافر]
أبي عبر الفوارس يوم داج ... وعمّي مالك وضع السّهاما
فلو صاحبتنا لرضيت منّا ... إذا لم تغبق المائة الغلاما «٣»
يريد إذا كان العام عام جدب وجفّت ضروع الإبل، وانقطع الدّر، حتى إن حلب منها مائة لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد. فالفعل الذي هو «غبق» مستعمل في نفسه على حقيقته، غير مخرج عن معناه وأصله إلى معنى شيء آخر، فيكون قد دخله مجاز في نفسه، وإنّما المجاز في أن أسند إلى الإبل وجعل فعلا لها، وإسناد الفعل إلى الشّيء حكم في الفعل، وليس هو نفس معنى الفعل، فاعرفه.
واعلم أن من سبب اللّطف في ذلك أنه ليس كلّ شيء يصلح لأن يتعاطى فيه
стр. 193
هذا المجاز الحكميّ بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر، وأنت تحتاج إلى أن تهيّئ الشيء وتصلحه لذلك، بشيء تتوخّاه في النظم. وإن أردت مثالا في ذلك فانظر إلى قوله: [من الطويل]
تناس طلاب العامريّة إذ نأت ... بأسجح «١» مرقال «٢» الضّحى قلق الضّفر «٣»
إذا ما أحسّته الأفاعي تحيّزت ... شواة «٤» الأفاعي من مثلّمة سمر «٥»
تجوب له الظّلماء عين كأنّها ... زجاجة شرب «٦» غير ملأى ولا صفر
يصف جملا، ويريد أنّه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسّد والحاجز الذي لا يجد شيئا يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلا. فأنت الآن تعلم أنه لولا أن قال: «تجوب له»: فعلّق «له» تجوب، ولما صلحت «العين» لأن يسند «تجوب» إليها، ولكان لا تتبيّن جهة التجوّز في جعل «تجوب» فعلا للعين كما ينبغي. وكذلك تعلم أنه لو قال مثلا:
«تجوب له الظلماء عينه»، لم يكن له هذا الموقع، ولاضطرب عليه معناه، وانقطع السّلك من حيث كان يعييه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن. فتأمل هذا واعتبره. فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز الحكمي، نظير أنك تراك في الاستعارة التي هي مجاز في نفس الكلمة وأنت تحتاج في الأمر الأكثر إلى أن تمهّد لها وتقدّم أو تؤخّر ما يعلم به أنك مستعير ومشبّه، ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة.
ألا ترى إلى قوله: [من الطويل]
وصاعقة من نصله ينكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب «٧»
стр. 194
عنى بخمس السحائب، أنامله، ولكنه لم يأت بهذه الاستعارة دفعة، ولم يرمها إليك بغتة، بل ذكر ما ينبئ عنها، ويستدلّ بها عليه، فذكر أن هناك صاعقة، وقال:
«من نصله»، فبيّن أن تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال: «أرؤس الأقران»، ثم قال: «خمس»، فذكر «الخمس» التي هي عدد أنامل اليد، فبان من مجموع هذه الأمور غرضه.
وأنشدوا لبعض العرب: [من الرجز]
فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإنّ في أيماننا نيرانا «١»
يريد أن في أيماننا سيوفا نضربكم بها، ولولا قوله أولا: «فإن تعافوا العدل والإيمان»، وأن في ذلك دلالة على أنّ جوابه أنهم يحاربون ويقسرون على الطاعة بالسيف، ثم قوله: «فإن في أيماننا»، لما عقل مراده، ولما جاز له أن يستعير النيران للسيوف، لأنه كان لا يعقل الذي يريد، لأنّا وإن كنا نقول: «في أيديهم سيوف تلمع كأنها شعل نار» كما قال: [من الكامل]
ناهضتهم والبارقات كأنّها ... شعل على أيديهم تتلهب «٢»
فإن هذا التشبيه لا يبلغ مبلغ ما يعرف مع الإطلاق، كمعرفتنا إذا قال: «رأيت أسدا»، أنه يريد الشجاعة، وإذا قال: «لقيت شمسا وبدرا»، أنه يريد الحسن ولا يقوي تلك
القوة، فاعرفه.
ومما طريق المجاز فيه الحكم، قول الخنساء: [من البسيط]
ترتع ما رتعت، حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار «٣»
وذاك أنها لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما، فتكون قد تجوّزت في نفس الكلمة، وإنما تجوّزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر، ولغلبة ذاك عليها واتّصاله منها، وأنه لم يكن لها حال غيرهما، كأنها قد تجسّمت من الإقبال والإدبار. وإنّما
стр. 195
كان يكون المجاز في نفس الكلمة، لو أنها كانت قد استعارت «الإقبال والإدبار» لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في اللّغة. ومعلوم أن ليس الاستعارة مما أرادته في شيء.
واعلم أن ليس بالوجه أن يعدّ هذا على الإطلاق معدّ ما حذف منه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، مثل قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، ومثل قوله النابغة الجعدي: [من المتقارب]
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب «١»
وقول الأعرابيّ: [من الوافر]
حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق «٢»
وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف، ويقولون إنه في تقدير: «فإنما هي ذات إقبال وإدبار»، ذاك لأن المضاف المحذوف من نحو الآية والبيتين، في سبيل ما يحذف من اللفظ ويراد في المعنى، كمثل أن يحذف خبر المبتدأ والمبتدأ، إذا دلّ الدليل عليه إلى سائر ما إذا حذف كان في حكم المنطوق به.
وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء، لأنا إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى إذا نحن قلنا: «فإنما هي ذات إقبال وإدبار»، أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول، وإلى كلام عاميّ مرذول، وكان سبيلنا سبيل من يزعم مثلا في بيت المتنبي: [من الوافر]
بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا «٣»
стр. 196
أنّه في تقدير محذوف، وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلت: «بدت مثل قمر، ومالت مثل خوط بان، وفاحت مثل عنبر، ورنت مثل غزال»، في أنّا نخرج إلى الغثاثة، وإلى شيء يعزّل البلاغة عن سلطانها ويخفض من شأنها، ويصدّ أوجهنا عن محاسنها، ويسدّ باب المعرفة بها وبلطائفها علينا.
فالوجه أن يكون تقدير المضاف في هذا على معنى أنّه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وأن تجعل الناقة كأنها قد صارت بجملتها إقبالا وإدبارا، حتى كأنها قد تجسّمت منهما، لكان حقّه حينئذ أن يجاء فيه بلفظ «الذات» فيقال: «إنما هي ذات إقبال وإدبار». فأمّا أن يكون الشعر الآن موضوعا على إرادة ذلك وعلى تنزيله منزلة المنطوق به حتّى يكون الحال فيه كالحال في:
حسبت بغام راحلتي عناقا حين كان المعنى والقصد أن يقول: «حسبت بغام راحلتي بغام عناق»، فمما لا مساغ له عند من كان صحيح الذوق صحيح المعرفة، نسّابة للمعاني.
فصل
هذه مسألة قد كنت عملتها قديما، وقد كتبتها هاهنا لأن لها اتصالا بهذا الذي صار بنا القول إليه. قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق:
٣٧]، أي لمن أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبّر والتفكّر والنّظر فيما ينبغي أن ينظر فيه. فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا يتفكّر، كأنه قد عدم القلب من حيث عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه، كما يجعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما يؤدّيان إليه، ولا يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على فائدة، بمنزلة من لا سمع له ولا بصر.
فأما تفسير من يفسّره على أنه بمعنى «من كان له عقل»، فإنه إنما يصحّ على أن يكون قد أراد الدّلالة على الغرض على الجملة. فأما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كأن «القلب» اسم «للعقل»، كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج الكلام، فمحال باطل، لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية، وإلى تحريف الكلام عن صورته، وإزالة المعنى عن جهته. وذاك أنّ المراد به الحثّ على النّظر، والتقريع على تركه، وذمّ من يخل به ويعقل عنه. ولا يحصل ذلك إلا بالطّريق الذي قدّمته، وإلّا بأن يكون
стр. 197
قد جعل من لا يفقه بقلبه ولا ينظر ولا يتفكّر، كأنه ليس بذي قلب، كما يجعل كأنه جماد، وكأنه ميّت لا يشعر ولا يحسّ وليس سبيل من فسّر «القلب» هاهنا على «العقل»، إلّا سبيل من فسّر عليه «العين» و «السمع» في قول الناس: «هذا بيّن لمن كانت له عين، ولمن كان له سمع»، وفسّر «العمى» و «الصّمم» و «الموت» في صفة من يوصف بالجهالة، على مجرّد الجهل، وأجرى جميع ذلك على الظّاهر، فاعرفه.
ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم، أن يوهموا أبدا في الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل، أنها على ظواهرها، فيفسدوا المعنى بذلك، ويبطلوا الغرض، ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة، وبمكان الشّرف. وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه، وجعلوا يكثرون في غير طائل، هناك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه، وزند ضلالة قد قدحوا به، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.
[فصل: في الكناية والتعريض]
هذا فنّ من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ، وهو أنّا نراهم كما يصنعون في نفس الصّفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات الصّفة هذا المذهب. وإذا فعلوا ذلك، بدت هناك محاسن تملأ الطّرف، ودقائق تعجز الوصف، ورأيت هنالك شعرا شاعرا، وسحرا ساحرا، وبلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر المفلق، والخطيب المصقع. وكما أن الصفة إذا لم تأتك مصرّحا بذكرها، مكشوفا عن وجهها، ولكن مدلولا عليها بغيرها، وكان ذلك أفخم لشأنها، وألطف لمكانها، كذلك إثباتك الصّفة للشيء تثبتها له، إذا لم تلقه إلى السامع صريحا، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية والرّمز والإشارة، كان له من الفضل والمزيّة، ومن الحسن والرّونق، ما لا يقلّ قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه.
وتفسير هذه الجملة وشرحها: أنهم يرومون وصف الرجل ومدحه، وإثبات معنى من المعاني الشريفة له، فيدعون التصريح بذلك، ويكنون عن جعلها فيه بجعلها في شيء يشتمل عليه ويتلبّس به، ويتوصّلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات، لا من الجهة الظاهرة المعروفة، بل من طريق يخفى، ومسلك يدقّ؟ ومثاله قول زياد الأعجم: [من الكامل]
стр. 198
إنّ السّماحة والمروءة والنّدى ... في قبّة ضربت على ابن الحشرج «١»
أراد، كما لا يخفى، أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خلالا للممدوح وضرائب «٢»، فترك أن يصرّح فيقول: «إن السماحة والمروءة والندى لمجموعة في ابن الحشرج، أو مقصورة عليه، أو مختصّة به»، وما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات الأوصاف للمذكورين بها، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح فيجعل كونها في القبّة المضروبة عليه، عبارة عن كونها فيه، وإشارة إليه، فخرج كلامه بذلك إلى ما خرج إليه من الجزالة، وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة، ولو أنه أسقط هذه الواسطة من البين، لما كان إلا كلاما غفلا، وحديثا ساذجا.
فهذه الصّنعة في طريق الإثبات، هي نظير الصّنعة في المعاني، إذا جاءت كنايات عن معان أخر، نحو قوله: [من الوافر]
وما يك فيّ من عيب فإنّي ... جبان الكلب مهزول الفصيل «٣»
فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر، ومما يقع في الاختيار «٤»، لأجل أنّه أراد أن يذكر نفسه بالقرى والضيافة، فكنّى من ذلك بجبن الكلب وهزال الفصيل، وترك أن يصرّح فيقول: «قد عرف أن جنابي مألوف، وكلبي مؤدّب لا يهرّ في وجوه من يغشاني من الأضياف، وأني أنحر المتالي «٥» من إبلي وأدع فصالها هزلى» كذلك، إنّما راقك بيت زياد، لأنّه كنى عن إثباته السماحة والمروءة والندى كائنة في الممدوح، بجعلها كائنة في القبّة المضروبة عليه.
стр. 199
هذا، وكما أن من شأن الكناية الواقعة في نفس الصّفة أن تجيء على صور مختلفة، كذلك من شأنها إذا وقعت في طريق إثبات الصّفة أن تجيء على هذا الحدّ، ثم يكون في ذلك ما يتناسب، كما كان ذلك في الكناية عن الصفة نفسها.
تفسير هذا: أنك تنظر إلى قول يزيد بن الحكم «١» يمدح به يزيد بن المهلّب، وهو في حبس الحجّاج: [من المنسرح]
أصبح في قيدك السّماحة والمج ... د وفضل الصّلاح والحسب
فتراه نظيرا لبيت «زياد»، وتعلم أن مكان «القيد» هاهنا هو مكان «القبة» هناك.
كما أنك تنظر إلى قوله: «جبان الكلب»، فتعلم أنه نظير لقوله: [من الطويل] زجرت كلابي أن يهرّ عقورها «٢» من حيث لم يكن ذلك «الجبن» إلا لأن دام منه الزّجر واستمرّ، حتى أخرج الكلب بذلك عما هو عادته من الهرير والنّبح في وجه من يدنو من دار هو مرصد لأن يعسّ دونها.
وتنظر إلى قوله: «مهزول الفصيل»، فتعلم أنه نظير قول ابن هرمة:
لا أمتع العوذ بالفصال وتنظر إلى قول نصيب: [من المتقارب]
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره
فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالزّائرين ... من الأمّ بالابنة الزّائره «٣»
стр. 200
فتعلم أنه من قول الآخر: [من الطويل]
يكاد إذا ما أبصر الضّيّف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم «١»
وأن بينهما قرابة شديدة ونسبا لاصقا، وأن صورتهما في فرط التناسب صورة بيتي «زياد» و «يزيد».
وممّا هو إثبات للصّفة على طريق الكناية والتعريض، قولهم: «المجد بين ثوبيه، والكرم في برديه»، وذلك أن قائل هذا يتوصّل إلى إثبات المجد والكرم للممدوح، بأن يجعلهما في ثوبه الذي يلبسه، كما توصّل «زياد» إلى إثبات السماحة والمروءة والندى لابن الحشرج، بأن جعلها في القبّة التي هو جالس فيها.
ومن ذلك قوله: [من البسيط] وحيثما يك أمر صالح فكن «٢» وما جاء في معناه من قوله: [من المتقارب]
يصير أبان قرين السّماح ... والمكرمات معا حيث صارا «٣»
وقول أبي نواس: [من الطويل]
فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير «٤»
стр. 201
كل ذلك توصّل إلى إثبات الصفة في الممدوح بإثباتها في المكان الذي يكون فيه، وإلى لزومها له بلزومها الموضع الذي يحله. وهكذا إن اعتبرت قول الشّنفرى يصف امرأة بالعفة: [من الطويل]
يبيت بمنجاة من اللّؤم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلّت «١»
وجدته يدخل في معنى بين «زياد»، وذلك أنه توصّل إلى نفي اللّؤم عنها وإبعادها عنه، بأن نفاه عن بيتها وباعد بينه وبينه، وكان مذهبه في ذلك مذهب «زياد» في التوصل إلى جمع «السماحة والمروءة والندى» في ابن الحشرج، بأن جعلها في القبة المضروبة عليها. وإنّما الفرق أنّ هذا ينفي، وذاك يثبت. وذلك فرق لا في موضع الجمع، فهو لا يمنع أن يكونا من نصاب واحد.
وممّا هو في حكم المناسب لبيت «زياد» وأمثاله التي ذكرت، وإن كان قد أخرج في صورة أغرب وأبدع، قول حسان ﵁: [من الطويل]
بنى المجد بيتا فاستقرّت عماده ... علينا، فأعيى النّاس أن يتحوّلا «٢»
وقول البحتري: [من الكامل]
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثمّ لم يتحوّل «٣»
ذاك لأنّ مدار الأمر على أنه جعل المجد والممدوح في مكان، وجعله يكون حيث يكون.
стр. 202
واعلم أنه ليس كلّ ما جاء كناية في إثبات الصفة يصلح أن يحكم عليه بالتناسب.
معنى هذا: أن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما قال البحتريّ: [من الطويل]
ظللنا نعود الجود من وعك الّذي ... وجدت، وقلنا اعتلّ عضو من المجد «١»
وإن كان يكون القصد منه إثبات الجود والمجد للممدوح، فإنه لا يصحّ أن يقال إنه نظير لبيت «زياد» كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس:
ولكن يصير الجود حيث يصير وغيره مما ذكرنا أنه نظير له كما أنه لا يجوز أن يجعل قوله:
وكلبك أرأف بالزّائرين «٢» مثلا، نظيرا لقوله:
مهزول الفصيل وإن كان الغرض منهما جميعا الوصف بالقرى والضيافة، وكانا جميعا كنايتين عن معنى واحد، لأن تعاقب الكنايات على المعنى الواحد لا يوجب تناسبها، لأنه في عروض أن تتّفق الأشعار الكثيرة في كونها مدحا بالشجاعة مثلا أو بالجود أو ما أشبه ذلك. وقد يجتمع في البيت الواحد كنايتان، المغزى منهما شيء واحد، ثم لا تكون إحداهما في حكم النظير للأخرى. مثال ذلك أنه لا يكون قوله: «جبان الكلب» نظيرا لقوله: «مهزول الفصيل»، بل كل واحدة من هاتين الكنايتين أصل بنفسه، وجنس على حدة، وكذلك قول ابن هرمة: [من المنسرح]
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلّا قريبة الأجل «٣»
ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى، وإن كان المكنيّ بهما عنه واحدا، فاعرفه.
وليس لشعب هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه حدّ ونهاية.
ومن لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام: [من الوافر]
стр. 203
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد «١»
ومثله، وإن لم يبلغ مبلغه، قول الآخر: [من الوافر]
متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم
وكذلك قول بعض العرب: [من المتقارب]
إذا الله لم يسق إلّا الكرام ... فسقّى وجوه بني حنبل
وسقّى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزّمن الممحل «٢»
وفنّ منه غريب، قول بعضهم في البرامكة: [من الطويل]
سألت النّدى والجود: ما لي أراكما ... تبدّلتما ذلّا بعزّ مؤيّد
وما بال ركن المجد أمسى مهدّما؟ ... فقالا: أصبنا بابن يحيى محمّد
فقلت: فهلّا متّما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كلّ مشهد؟
فقالا: أقمنا كي نعزّى بفقده ... مسافة يوم، ثمّ نتلوه في غد «٣»
стр. 204
فصل [من التوكيد]
واعلم أن ممّا أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده، أنّ هاهنا فروقا خفيّة تجهلها العامة وكثير من الخاصّة، ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في آخر، بل لا يدرون أنّها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل.
روي عن ابن الأنباريّ «١» أنه قال: ركب الكنديّ «٢» المتفلسف إلى أبي العباس «٣» وقال له: إنّي لأجد في كلام العرب حشوا! فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: «عبد الله قائم»، ثم يقولون «إنّ عبد الله قائم»، ثم يقولون: «إنّ عبد الله لقائم»، فالألفاظ متكرّرة والمعنى واحد.
فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ فقولهم: «عبد الله قائم»، إخبار عن قيامه وقولهم: «إنّ عبد الله قائم»، جواب عن سؤال سائل وقوله: «إنه عبد الله لقائم»، جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكرّرت الألفاظ لتكرّر المعاني. قال فما أحار المتفلسف جوابا.
وإذا كان الكنديّ يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض، فما ظنّك بالعامّة، ومن هم في عداد العامّة، ممن لا يخطر شبه هذا بباله؟.
واعلم أنّ هاهنا دقائق لو أنّ الكنديّ استقرى وتصفّح وتتبع مواقع «إنّ»، ثم ألطف النّظر وأكثر التدبّر، لعلم علم ضرورة أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل. فأوّل ذلك
وأعجبه ما قدّمت لك ذكره في بيت بشّار: [من الخفيف]
بكّرا صاحبيّ قبل الهجير ... إنّ ذاك النّجاح في التّبكير «٤»
وما أنشدته معه من قول بعض العرب: [من الرجز]
فغنّها وهي لك الفداء ... إنّ غناء الإبل الحداء «٥»
стр. 205
وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة، وأدلّ على أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل، أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتّحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر؟
هذه هي الصّورة، حتى إذا جئت إلى «إنّ» فأسقطتها، ورأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتّصل به ولا يكون منه بسبيل، حتى تجيء «بالفاء» فتقول: «بكّرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير»، و «غنّها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء»، ثم لا ترى «الفاء» تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة، ولا تردّ عليك الذي كنت تجد «بإنّ» من المعنى.
وهذا الضرب كثير في التنزيل جدّا، من ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١]، وقوله عزّ اسمه: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧]، وقوله سبحان: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: ١٠٣]، ومن أبين ذلك قوله تعالى: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود: ٣٧] [المؤمنون:
٢٧]، وقد يتكرّر في الآية الواحدة كقوله عز اسمه: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف ٥٣]، وهي على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء.
ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللّطف ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها، وذلك في مثل قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٩] وقوله:
أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [التوبة: ٦٣]، أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ [الأنعام: ٥٤]، وقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧]، ومن ذلك قوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [الحج: ٤٦]، وأجاز أبو الحسن «١» فيها وجها آخر، وهو أن يكون الضمير في «إنها» للأبصار، أضمرت قبل الذكر على شريطة التفسير. والحاجة في هذا الوجه أيضا إلى «إنّ» قائمة، كما كانت في الوجه الأوّل فإنه لا يقال: «هي لا تعمى الأبصار» كما لا يقال:
«هو من يتّق ويصبر فإن الله لا يضيع».
стр. 206
فإن قلت: أو ليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرّى من العوامل في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ؟.
قيل: هو وإن جاء هاهنا، فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا «بإنّ»، على أنّهم قد أجازوا في «قل هو الله أحد»، أن لا يكون الضمير للأمر.
ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره، ما تجده في آخر هذه الأبيات، أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيّين: [من الطويل]
إذا طمع يوما عراني قريته ... كتائب يأس، كرّها وطرادها
أكد ثمادي، والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها
وأرضى بها من بحر آخر، إنّه ... هو الرّيّ أن ترضى النّفوس ثمادها «١»
المقصود قوله: «إنّه هو الرّيّ»، وذلك أن الهاء في «إنّه» تحتمل أمرين:
أحدهما: أن تكون ضمير الأمر، ويكون قوله: «هو» ضمير «أن ترضى»، وقد أضمره قبل الذكر على شريطة التفسير. الأصل: «إن الأمر، أن ترضى النفوس ثمادها، الريّ»، ثم
أضمر قبل الذكر كما أضمرت «الأبصار» في «فإنها لا تعمى الأبصار» على مذهب أبي الحسن، ثم أتى بالمضمر مصرّحا به في آخر الكلام، فعلم بذلك أن الضمير السابق له، وأنه المراد به.
والثاني: أن تكون الهاء في «إنه» ضمير «أن ترضى» قبل الذكر، ويكون «هو» فصلا، ويكون أصل الكلام: «إنّ أن ترضى النفوس ثمادها هو الرّيّ» ثم أضمر على شريطة التفسير.
وأيّ الأمرين كان، فإنه لا بدّ فيه من «إن»، ولا سبيل إلى إسقاطها، لأنك إن أسقطتها أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع، وهو أن تقول: «وأرضى بها من بحر آخر هو هو الريّ أن ترضى النفوس ثمادها». هذا، وفي «إنّ» هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها، وهو أنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار.
ألا ترى أنّك لو أسقطت «إنّ» والضميرين معا، واقتصرت على ذكر ما يبقى من
стр. 207
الكلام، لم تقله إلا «بالفاء» كقولك: «وأرضى بها من بحر آخر، فالرّيّ أن ترضى النفوس ثمادها».
فلو أنّ الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع، لما ظنّ الذي ظن. هذا، وإذا كان خلف الأحمر وهو القدوة، ومن يؤخذ عنه، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله الفحول الجاهليّين فيخفى ذلك له، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتّى يقع له أن ينتقد على بشار، فلا غرو أن تدخل الشّبهة في ذلك على الكنديّ.
ومما تصنعه «إنّ» في الكلام، أنك تراها تهيّئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم المبتدأ، أعني أن تكون محدّثا عنها بحديث من بعدها. ومثال ذلك قوله:
[من البسيط المنخلع]
إنّ شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون «١»
قد ترى حسنها وصحة المعنى معها، ثم إنك إن جئت بها من غير: «إنّ» فقلت: «شواء ونشوة وخبب البازل الأمون» لم يكن كلاما.
فإن كانت النكرة موصوفة، وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها، فإنك تراها مع «إن» أحسن، وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن، أفلا ترى إلى قوله: [من الخفيف]
إنّ دهرا يلفّ شملي بسعدى ... لزمان يهمّ بالإحسان «٢»
ليس بخفيّ وإن كان يستقيم أن تقول: «دهر يلف شملي بسعدى دهر صالح» أن ليس الحالان على سواء، وكذلك ليس بخفيّ أنك لو عمدت إلى قوله: [من المديد المشطور]
إنّ أمرا فادحا ... عن جوابي شغلك «٣»
فأسقطت منه «إنّ» لعدمت منه الحسن والطّلاوة والتمكّن الذي أنت واجده الآن، ووجدت ضعفا وفتورا.
стр. 208
ومن تأثير «إنّ» في الجملة، أنها تغني إذا كانت فيها من الخبر، في بعض الكلام. ووضع صاحب الكتاب في ذلك بابا فقال: «هذا باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة، لإضمارك ما يكون مستقرّا لها وموضعا لو أظهرته. وليس هذا المضمر بنفس المظهر، وذلك: «إنّ مالا» و «إنّ ولدا»، و «إنّ عددا»، أي: «إنّ لهم مالا» فالذي أضمرت هو «لهم» ويقول الرجل للرجل: «هل لكم أحد؟ إنّ الناس ألب عليكم؟»، فتقول: «إنّ زيدا وإنّ عمرا» أي: «لنا»، وقال الأعشى: [من المنسرح]
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا «١»
ويقول: «إنّ غيرها إبلا وشاء» كأنه قال: «إنّ لنا، أو: عندنا، غيرها»، قال:
وانتصب «الإبل» و «الشّاء» كانتصاب «الفارس» إذا قلت: «ما في الناس مثله فارسا»، وقال: ومثل ذلك قوله: [من الرجز] يا ليت أيّام الصّبا رواجعا «٢» قال: فهذا كقولهم: «ألا ماء باردا»، كأنه قال: «ألا ماء لنا باردا» وكأنّه قال:
«يا ليت أيّام الصبا أقبلت رواجع».
فقد أراك في هذا كلّه أنّ الخبر محذوف، وقد ترى حسن الكلام وصحّته مع حذفه وترك النّطق به. ثم إنك إن عمدت إلى «إنّ» فأسقطتها، وجدت الذي كان حسن من حذف الخبر، لا يحسن أو لا يسوغ. فلو قلت: «مال»، و «عدد» و «محلّ» و «مرتحل»
стр. 209
و «غيرها إبلا وشاء» لم يكن شيئا. وذلك أنّ «إنّ» كانت السبب في أن حسن حذف الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته، والمترجم عنه، والمتكفّل بشأنه.
واعلم أن الذي قلنا في «إن» من أنها تدخل على الجملة، من شأنها إذا هي أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى «الفاء» لا يطّرد في كلّ شيء وكلّ موضع، بل يكون في موضع دون موضع، وفي حال دون حال، فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ليست هي مما يقتضي «الفاء»، وذلك فيما لا يحصى كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وذاك أنّ قبله إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان: ٥٠ - ٥٢]. ومعلوم أنك لو قلت: «إنّ هذا ما كنتم به تمترون، فالمتقون في جنات وعيون»، لم يكن كلاما وكذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ، لأنك لو قلت: «لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: ١٠٠ - ١٠١] فالذين سبقت لهم منا الحسنى»، لم تجد لإدخالك «الفاء» فيه وجها وكذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الحج: ١٧]، «الذين آمنوا» اسم «إنّ»، وما بعده معطوف عليه، وقوله «إن الله يفصل بينهم يوم القيامة»، جملة في موضع الخبر، ودخول «الفاء» فيها محال، لأن الخبر لا يعطف على المبتدأ ومثله سواء: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠].
فإذا، إنما يكون الذي ذكرنا في الجملة من حديث اقتضاء «الفاء»، إذا كان مصدرها مصدر الكلام يصحّح به ما قبله، يحتجّ له، ويبيّن وجه الفائدة فيه. ألا ترى أن الغرض من قوله:
إنّ ذاك النّجاح في التبكير جلّه أن يبيّن المعنى في قوله لصاحبيه: «بكّرا»، وأن يحتجّ لنفسه في الأمر بالتبكير، ويبيّن وجه الفائدة فيه؟
وكذلك الحكم في الآي التي تلوناها فقوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، بيان للمعنى في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ، ولم أمروا بأن يتّقوا وكذلك قوله إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ، بيان للمعنى في أمر النبي ﷺ بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيل كلّ ما أنت ترى فيه الجملة يحتاج فيها إلى «الفاء»، فاعرف ذلك.
стр. 210
فأما الذي ذكر عن أبي العباس «١»، من جعله لها جواب سائل إذا كانت وحدها، وجواب منكر إذا كان معها اللّام، فالذي يدلّ على أن لها أصلا في الجواب، أنّا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كانت جوابا للقسم، نحو: «والله إنّ زيدا منطلق»، وامتنعوا من أن يقولوا: «والله زيد منطلق».
ثمّ إنّا إذا استقرينا الكلام وجدنا الأمر بيّنا في الكثير من مواقعها، أنّه يقصد بها إلى الجواب كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ [الكهف: ٨٣ - ٨٤]، وكقوله في أول السورة:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) [الكهف: ١٣]، وكقوله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٦]، وقوله تعالى:
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنعام: ٥٦] [غافر: ٦٦]، وقوله: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩]، وأشباه ذلك ممّا يعلم به أنه كلام أمر النبي ﷺ بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا فيه. وعلى ذلك قوله تعالى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٦]، وذاك أنه يعلم أن المعنى: فأتياه، فإذا قال لكما ما شأنكما؟ وما جاء بكما؟ وما تقولان؟
فقولا: إنّا رسول رب العالمين. وكذا قوله: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ١٠٤]، هذا سبيله.
ومن البيّن في ذلك قوله تعالى في قصّة السّحرة: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ [الأعراف: ١٢٥]، وذلك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الأعراف: ١٢٣]، فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية.
ثم إنّ الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء، هو الذي دوّن في الكتب، من أنّها للتأكيد، وإذا كان قد ثبت ذلك، فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظنّ في خلافه البتة، ولا يكون قد عقد في نفسه أن الذي تزعم أنّه كائن غير كائن، وأن الذي تزعم أنه لم يكن كائن- فأنت لا تحتاج هناك إلى «إنّ»، وإنما تحتاج إليها إذا كان له ظنّ في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما تثبت أو إثبات ما تنفي. ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، ولشيء قد جرت عادة الناس بخلافه، كقول أبي نواس: [من السريع]
стр. 211
عليك باليأس من النّاس ... إنّ غنى نفسك في الياس «١»
فقد ترى حسن موقعها، وكيف قبول النفس لها، وليس ذلك إلّا لأن الغالب على الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس، ولا يدعون الرّجاء والطّمع، ولا يعترف كل أحد ولا يسلّم أن الغنى في اليأس. فلما كان كذلك، كان الموضع موضع فقر إلى التأكيد، فلذلك كان من حسنها ما ترى.
- ومثله سواء قول محمد بن وهيب: [من الطويل]
أجارتنا إنّ التّعفّف بالياس ... وصبرا على استدرار دنيا بإبساس
حريّان أن لا يقذفا بمذلّة ... كريما، وأن لا يحوجاه إلى النّاس
أجارتنا إنّ القداح كواذب ... وأكثر أسباب النّجاح مع الياس «٢»
هو: كما لا يخفى، كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد خلافه. ومعلوم أنه لم يقله إلا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرّض للناس، وعلى الطّلب.
ومن طيف مواقعها أن يدّعى على الخاطب ظنّ لم يظنّه، ولكن يراد التهكم به، وأن يقال: «إن حالك والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك». ومثال ذلك قول الأوّل: [من السريع]
جاء شقيق عارضا رمحه، ... إنّ بني عمّك فيهم رماح «٣»
يقول: إن مجيئه هكذا مدلّا بنفسه وبشجاعته قد وضع رمحه عرضا، دليل على إعجاب شديد، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم له أحد، حتى كأن ليس مع أحد منّا رمح يدفعه به، وكأنّا كلّنا عزل.
وإذا كان كذلك، وجب إذا قيل إنها جواب سائل، أن يشترط فيه أن يكون
стр. 212
للسائل ظنّ في المسئول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به. فأمّا أن يجعل مجرّد الجواب أصلا فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أن لا يستقيم لنا إذا قال الرجل: «كيف زيد؟» أن تقول: «صالح»، وإذا قال: «أين هو؟» أن تقول: «في الدار» - وأن لا يصح حتّى تقول: «إنه صالح»، «إنّه في الدار»، وذلك ما لا يقوله أحد.
وأمّا جعلها إذا جمع بينها وبين «اللام» نحو: «إنّ عبد الله لقائم» - للكلام مع المنكر، فجيّد، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر، كانت الحاجة إلى التأكيد أشدّ.
وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خبرك، إذا كان هناك من يدفعه وينكر صحّته، إلّا أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون للإنكار قد كان من السامع، فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أنه يكون من السامعين. وجملة الأمر أنك لا تقول: «إنه لكذلك»، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزع «١» فيه عن الإنكار.
واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظّن قد كان منك أيّها المتكلم في الذي كان أنّه لا يكون. وذلك قولك للشيء هو بمرأى من المخاطب ومسمع: «إنّه كان من الأمر ما ترى، وكان منّي إلى فلان إحسان ومعروف، ثمّ أنّه جعل جزائي ما رأيت»، فتجعلك كأنك تردّ على نفسك ظنّك الذي ظننت، وتبيّن الخطأ الذي توهمت.
وعلى ذلك، والله أعلم، قوله تعالى حكاية عن أمّ مريم ﵂: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [آل عمران: ٣٦]، وكذلك قوله حكاية عن نوح ﵇: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ [الشعراء: ١١٧]. وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفيّة، بالشيء يدرك بالهوينا.
ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتّصلت بها «ما».
فصل في مسائل «إنّما»
قال الشيخ أبو علي في «الشّيرازيّات» «٢»: «يقول ناس من النحويين في نحو قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣]،
стр. 213
إن المعنى: ما حرّم ربّي إلّا الفواحش. قال: وأصبت ما يدلّ على صحّة قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق: [من الطويل]
أنا الذّائد الحامي الذّمار، وإنّما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي «١»
فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيّا. فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم، ألا ترى أنك لا تقول: «يدافع أنا» و «لا يقاتل أنا»، وإنما تقول:
«أدافع» و «أقاتل» إلا أنّ المعنى لما كان: «ما يدافع إلّا أنا»، فصلت الضمير كما تفصله مع النفي إذا ألحقت معه «إلّا»، حملا على المعنى. وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ [البقرة: ١٧٣]، [النحل: ١١٥]، النّصب في «الميتة» هو القراءة، ويجوز: «إنّما حرّم عليكم». قال أبو إسحاق: والذي أختاره أن تكون «ما» هي التي تمنع «إنّ» من العمل، ويكون المعنى: «ما حرّم عليكم إلّا الميتة»، لأن «إنّما» تأتي إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه، وقول الشاعر:
وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلّا أو مثلي». انتهى كلام أبي علي.
اعلم أنّهم، وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنهم لم يعنوا بذلك أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد. وفرق بين أن يكون في الشّيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق.
يبيّن لك أنهما لا يكونان سواء، أنه ليس كلّ كلام يصلح فيه «ما» و «إلّا»، يصلح فيه «إنّما». ألا ترى أنّها لا تصلح في مثل قوله تعالى: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢]، ولا في نحو قولنا: «ما أحد إلّا وهو يقول ذاك»، إذ لو قلت: «إنّما من إله الله» و «إنّما أحد وهو يقول ذاك»، قلت ما لا يكون له معنى.
стр. 214
فإن قلت: إن سبب ذلك أن «أحدا» لا يقع إلّا في النّفي وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، وأن «من» المزيدة في «ما من إله إلّا الله»، كذلك لا تكون إلّا في النفي.
قيل: ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليسا سواء، لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في «إنّما» من النّفي مثل ما يكون في «ما» و «إلّا» وكما وجدت «إنما» لا تصلح فيما ذكرنا، كذلك تجد «ما» و «إلّا» لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه «إنما، وذلك في مثل قولك: «إنما هو درهم لا دينار»، لو قلت: «ما هو إلّا درهم لا دينار»، لم يكن شيئا. وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم حين جعلوا «إنما» في معنى «ما» و «إلا»، لم يعنوا أن المعنى فيهما واحد على الإطلاق، وأن يسقطوا الفرق فإني أبيّن لك أمرهما، وما هو أصل في كل واحد منهما، بعون الله وتوفيقه.
اعلم أن موضع «إنما» على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحّته، أو لما ينزّل هذه المنزلة.
تفسير ذلك أنّك تقول للرجل: «إنّما هو أخوك» و «إنما هو صاحبك القديم»:
لا تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحّته، ولكن لمن يعلمه ويقرّ به، إلّا أنك تريد أن تنبّهه للذي يجب عليه من حقّ الأخ وحرمة الصاحب، ومثله قوله: [من الخفيف]
إنّما أنت والد، والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد «١»
لم يرد أن يعلم كافورا أنه والد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام، ولكنه أراد أن يذكّره منه بالأمر المعلوم ليبني عليه استدعاء ما يوجبه كونه بمنزلة الوالد.
ومثل ذلك قولهم: «إنّما يعجل من يخشى الفوت»، وذلك أن من المعلوم الثابت في النفوس أنّ من لم يخش الفوت لم يعجل.
ومثاله من التنزيل قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام:
٣٦]، وقوله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [يس:
стр. 215
١١]، وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: ٤٥]، كلّ ذلك تذكير بأمر ثابت معلوم. وذلك أنّ كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممّن يسمع ويعقل ما يقال له ويدعى إليه، وأنّ من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذار ويكون له تأثير، إذا كان مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدّق بالبعث والساعة، فأمّا الكافر الجاهل، فالإنذار وترك الإنذار معه واحد. فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ينكره بحال.
وأمّا مثال ما ينزّل هذه المنزلة، فكقوله: [من الخفيف]
إنّما مصعب شهاب من اللّ ... هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء «١»
ادّعى في كون الممدوح بهذه الصفة، أنه أمر ظاهر معلوم للجميع، على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدّعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنّها ثابتة لهم، وأنهم قد شهروا بها، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي لا يدفعه أحد، كما قال: [من الطويل]
وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلّا بالّذي علمت سعد «٢»
وكما قال البحتريّ:
لا أدّعي لأبي العلاء فضيلة ... حتّى يسلّمها إليه عداه «٣»
ومثله قولهم: «إنما هو أسد»، و «إنّما هو نار»، و «إنما هو سيف صارم»، وإذا أدخلوا «إنما» جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ولا يخفى.