← Акыда

Акыда · id 37713

الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية

الطوفي

Полный текст (943 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثالثا: التحقيق * ترقيم الآيات القرآنية. * عزو النصوص. * توثيق ما نقله المؤلف. * وضع عناوين جانبية للموضوعات. * تخريج الأحاديث والحكم عليها. * شرح المصطلحات والمفردات الغربية. * التعليق على بعض المسائل. * التعريف بالأماكن والبقاع والأعلام والفرق.

стр. 212

الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية تأليف: سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري الحنبلي ت ٧١٦ هـ دراسة وتحقيق د- سالم بن محمد القرني

стр. 213

الخطبة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الله عوني وبه توفيقي «١» أحمد الله الذي أرشدنا إلى الإسلام، وهدانا بفضله سبل السلام، وجنبنا عبادة الأوثان والأصنام، وسائر مذاهب الكفرة اللئام «٢». وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم أنف الكافر أشد إرغام، وتوجب لقائلها النعيم «٣» في دار المقام. وأصلي على رسوله محمد، الداعي إلى أفضل دين بأشرف كلام، الباقي معجزة على ممر السنين، وتعاقب الأيام، وسلم تسليما كثيرا. وبعد: فإني رأيت كتابا صنفه بعض النصارى «٤»، يطعن به في دين الإسلام ويقدح به في نبوة محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- فرأيت مناقضته «٥» إلى الله

стр. 214

ورسوله قربانا «١»، ورجوت بها مغفرة من الله ورضوانا، حذرا من أن يستخف «٢» ذلك بعض ضعفاء «٣» المسلمين، فيورثه شكا في الدين، ولقد رأيت بعض ذلك عيانا وآنست «٤» عليه دليلا وبرهانا. فأوردت مناقضته حرفا من كلامه فحرفا، وأبنت عن مقاصد السؤال والجواب على وجه لا يخفى، مع تلخيص العبارة خشية الضجر «٥» والإملال «٦»، وتخليص المعاني ونصوصيتها «٧» خفية الإخلال

стр. 215

والاختلال. وقدمت على ذلك مقدمات كلية، تتضمن مباحث جلية، عليها ينبني معظم الجواب، وبها يتيسر ظهور الصواب. وعلى الله توكلي، وإليه المآب «١». وتلك المقدمات ثلاث: [المقدمة الأولى: سد باب الاستدلال بكتب أهل الكتاب] الأولى: أن هذا النصراني رأيته يعتمد في طعنه على الإسلام، على التوراة والإنجيل «٢» التي بيد اليهود والنصارى، وعلى كتب الأنبياء الأوائل/: كنبوة أشعياء «٣»، وأرمياء «٤»،

стр. 216

ودانيال «١» والأنبياء الاثني عشر «٢»، ومزامير «٣» داود، ونحوها. واعلم أن هذه الكتب مما لا تقوم الحجة علينا بها. لأنها عندنا محرفة مبدلة «٤». نعم: التبديل لم يأت على جميعها، بل دخلها في الجملة. فلهذا قال

стр. 217

نبينا محمد- ﵊: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم،" وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون «١»». فمنع من تصديقهم خشية أن يكون ما

стр. 218

حدثونا «١» به مما حرف جزما، ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرف «٢». عدلا منه ﷺ ولو لم يكن للعاقل دليل على صدقه- ﵇ إلا هذا لكفاه، كما قررته في التعليق على بعض كتب الأوائل «٣»، وفي آخر هذا التعليق «٤». ولهذا قال علماء الحديث من المسلمين: إن الراوي إذا عرف منه الكذب يرد حديثه كله، ويصير غير موثوق به. وكذلك من اختلط ولم يتميز ما رواه قبل اختلاطه مما رواه بعده، يترك/ الكل احتياطا، وحزما في الدين. وأيضا: كما أنهم لا يعدون كتابنا حجة عليهم، كذلك نحن لا نعد كتبهم حجة علينا وأولى، لأن كتبهم تقادم عهدها، وتعاورتها اللغات لفظا وكتابة، بخلاف كتابنا. أما «٥» التهمة فهي متجهة إلينا منهم، وإليهم منا.

стр. 219

وأيضا: فإن هذا النصراني في استدلاله بما لا تقوم به الحجة علينا. إما أن يكون مع العلم بذلك فهو مغالطة ومخاتلة/ وتغابي «١»: إن قصد إقامة الحجة علينا. وتحصيل الحاصل. إن قصد إقامة الحجة للنصارى إذ هم «٢» في ثبوتهم على دينهم «٣» غنيون عن ذلك، حتى لو أراد منهم خلافه لما أطاعوه. أو مع عدم العلم فهو جهالة/ بمذهب الخصم. والعلم بما يلزم الخصم وما لا يلزمه ينبغي أن يكون مقدما على مناظرته. وفائدة هذه المقدمة: سد باب الاستدلال علينا بكتب الأوائل مطلقا. [المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع] المقدمة الثانية: إنه من المعلوم عندنا وعندهم: أن الله- سبحانه- إنما خلق العباد ليعبدوه كما صرح بذلك في القرآن الكريم حيث يقول: وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٤». لكن لما كانت عبادة المعبود تستدعي تقدم معرفته، خلق لهم العقول ليعرفوه بها، ويوطدوا بها قواعد العبادة ومقدماتها. فظهر من هذا التقرير ما قاله المحققون من أهل العلم بالأصول، وهو أن

стр. 220

العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده «١»، الذي وافقنا عليه النصارى لفظا لا معنى «٢»، وحدوث العالم وجواز إرسال الرسل والدليل على صدقهم، وهو المعجز الذي به تثبت النبوة «٣». فإذا ثبتت ثبت الشرع، ووجب قبول ما جاء به. ثم إن كان مما يدركه العقل فلله الحمد. وإن كان مما لا

стр. 221

يدركه- وهو المسمى في عرف فقهاء الإسلام: تعبدا- وجب تسليمه، وتقليد «١» الشارع فيه، وبثبوت الشرع ينعزل العقل كما ينعزل بقدوم السلطان من سفره من كان استنابه موضعه في بلده. وسر هذه المقدمة: ما قررته في" القواعد الصغرى «٢» " وهو: أن العبادات والتكاليف مستلزمة للمشقة على أهل التكليف. لكن المشقة تارة تكون عملية كما في الصلاة والصيام والحج والجهاد «٣»، وتارة علمية كما في الإيمان بالغيب. وهو

стр. 222

كلما غاب عن العيان كالله «١» - سبحانه- وملائكته وأحكام الآخرة. وهذا أشق التكليفين «٢». ولهذا بدأ الله- به في وصف المؤمنين حيث قال/: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ... (٣) «٣» فالأول: تكليف علمي. والثاني: عملي. وكذلك قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... (١٩) «٤» ولذلك المسيح وغيره من الأنبياء/ إنما بدءوا بدعاء الناس إلى الإيمان بهم، وأنهم من عند الله. ووجه المشقة في الإيمان بالغيب: هو أن النفس الناطقة مطبوعة مفطورة على حب إدراك الأمور بحقائقها، فإذا رأت ما لا تدرك حقيقته تألمت واضطربت، كما يشاهده كل عاقل من غيره، ويجده من نفسه، حتى في أيسر الأشياء. ولهذا يحدث «٥» للنفس العجب، وهو عرض يلحقها لخفاء سبب الأمر الحادث، فإذا ظهر لها سبب الأمر «٦» بطل العجب، واستراحت.

стр. 223

فحاصل الأمر: أن الإنسان مركب من هيكل ونفس، وأن التكليف واقع على جزئيه كليهما، على هيكله عملا، وعلى نفسه اعتقادا وعلما. هذا كله مع اتفاق العقلاء «١» على أن الشرع لم يأت بما ينافي العقل، ولا يجوز فيه، بل بما قد لا يدركه العقل مع إمكانه في نفسه. ولهذا قال" أرسطو «٢» " على ما حكى عنه هذا النصراني في كتابه هذا الذي نحن بصدد مناقضته في بيان ضرورة النبوة للخلق قال/:" إن الحال في عقولنا عند النظر إلى المبادي الأولى «٣»، كحال الخفاش «٤» عند النظر إلى الشمس أعني أن الشمس في غاية الظهور في نفسها، وهي خفية عند الخفاش لضعف إبصاره".

стр. 224

وحكى أيضا هذا النصراني عن" ابن رشد «١» المالكي من المسلمين أنه قال:" لم يقل أحد «٢» في العلوم الإلهية قولا يعتد به، ولم يعصم أحد من الخطأ فيها، إلا من عصمه الله «٣» بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء «٤» ". وحكى عن" أرسطو" أيضا أنه قال في كتابه" الأسباب" أنه قال:" العلة الأولى «٥» أعلى من أن توصف، ولا تعجز الألسنة عن وصفها، إلا لأنها فوق كل علة «٦» ".

стр. 225

وحكى عن أبي حامد/ هو الغزالي «١» - شيئا في معنى ذلك عزاه إلى" كيمياء السعادة" وإلى" المقصد السني «٢». قلت: فالحاصل من هذا أن إدراك الشيء (قد يمتنع تارة لضعف المدرك كبصر الخفاش، وتارة لخفاء المدرك كالسهى «٣» عند بعض الناس، كما أن التأثير «٤») قد يمتنع في الأمور الفعلية والانفعالية تارة لضعف الفاعل. كالسيف الكال وتارة لصعوبة القابل «٥» أو ملابسة مانع له كالجسم الصلب إذا ضرب بسيف «٦» ونحوه.

стр. 226

وفائدة هذه المقدمة: أن نحيل عليها بالجواب عن كل حديث أورده هذا السائل من السنة الإسلامية مما يقصر العقل عن إدراك مضمونه أو يدركه على تعسف، أو بتأويل بعيد. وقد ساعدنا هو على ذلك بما ذكره عن الحكيم" أرسطو" فكان هذا الخصم كالجادع مارن أنفه بكفه «١»، والباحث عن حتفه بظلفه «٢». وأيضا: فإن من الطرق العامة التي لا يستغنى عنها في كل شريعة، أو غالب الشرائع: أن يقال فيما اشتملت عليه من التعبدات العملية أو العلمية: هذا ممكن أخبر به الصادق، وكل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع. فهذا المشار إليه حق/ واقع.

стр. 227

والنزاع في هذا الدليل يقع في أمرين: أحدهما: كون الأمر المشار إليه ممكنا، وقد بينا: أن الشرع لم يأت بما ليس ممكنا. والثاني: في كون المخبر به صادقا. وعلى أهل كل ملة بيانه بالدليل. ونحن سنبين صدق محمد- ﵇ في أثناء هذا الكتاب، حيث يناسب ذكره،- إن شاء الله تعالى- على وجه يقبله كل منصف عاقل. [المقدمة الثالثة: ما تثبت به الأصول] المقدمة الثالثة: إن الأحكام العقلية على وزان الأحكام الحسية. ولهذا إذا أشكل على العقلاء أمر عقلي، ضربوا له مثالا حسيا ليتصور لهم. وصور ذلك كثيرة جدا في سائر العلوم، يعرف ذلك من له أدنى نظر في العلم. وإذا عرفت/ ذلك فاعلم أن الأدلة الشرعية لها مراتب مختلفة بحسب اختلاف مدلولاتها. فيثبت ببعضها فروع الشريعة دون أصولها، كالخبر المستفيض «١»، وخبر الواحد «٢»، والقياس الظني «٣»،

стр. 228

والاستحسان «١»، والاستصحاب «٢»، وقول الصحابي «٣» ونحوه. ولا تثبت أصول الشريعة إلا بقاطع كالبديهيات والنظريات «٤» والمتواترات «٥» ونحوها.

стр. 229

ووزانه من المحسوسات البناء. فإنه يحتاط لأسه بتخير الآلة الجيدة القوية الثابتة ما لا يحتاط لحشوه وأعلاه، لأن ثبوت أعلاه بأسّه. وفائدة هذه المقدمة: أن يستند إليها في أن كل ما أورده علينا من الأخبار التي حقها أن لا تثبت بمثلها الأصول، لا ترد علينا، ولا تلزمنا لأن تلك أخبار توجب العمل دون العلم، لكونها مظنونة الثبوت. وإن كانت في البخاري «١» ومسلم «٢»، لاحتمال وقوع علة قادحة في طريقها، فلا تقوى على إثبات أصل، ولا على أن يقدح بها في أصل، خصوصا وقد دخلها تصرف الرواة في الرواية بالمعنى. وقد أورث ذلك إشكالا عظيما في أحكام الفروع، واختلافا جمّا بين أهل العلم. فنقول في مثل تلك الأحاديث: هذه لا نثبت بها أصلا، ولا ترد علينا نقصا «٣». وإنما المعتمد على ما يثبت به ذلك «٤».

стр. 230

وإذا فهمت مقاصد هذه المقدمات، تيسر عليك الجواب، فإن ما أراده هذا الخصم، إن كان من كتبهم كالتوراة والإنجيل ونحوها: منعنا كون ذلك حجة، بما قررناه في المقدمة الأولى. ثم قد نسلمه على جهة التنزل ونجيب عنه بالتزام أو فساد «١» بوجه ما. وإن كان من كتبنا، فإن كان (مما يقصر العقل عن فهمه أجبنا عنه بما حكى هو عن" أرسطو" كما تقرر في المقدمة الثانية، وإن كان «٢») مما يصل العقل إلى فهمه أجبنا عنه: إما بأنه مما لا يثبت/ بمثله أصل. بناء على ما قرر في المقدمة الثالثة، أو بتوجيهه وهو يسير بطريق من طرق الأجوبة الجدلية./ والذكي الفطن إذا اقتصر في جواب كتاب هذا النصراني كله على هذه المقدمات كفاه ذلك. مع أني لا أقتصر عليه، بل سأجيب عن كل منه بما أمكن مفصلا- إن شاء الله تعالى- وما كان في عبارته من تطويل لخصته مع الإتيان بكمال المعنى، وأعرضت عن مكافأته على سوء «٣» أدبه على النبي ﷺ بمثله، لا إكراما له، بل هوانا «٤» بقدره ومحله. [المتنبئون الكذبة والتحذير منهم] فأقول: أول ما افتتح به كتابه أن قال:" احذروا من الأنبياء الكذابين، الذين يأتونكم في لباس الضأن، وهم في الباطن ذئاب مغيرة، من ثمراتهم

стр. 231

يعرفون" قال:" وهذه الآية قول الله في الإنجيل الطاهر"، وذكر عليها كلاما لا ضرورة لنا إلى ذكره فيما نحن بصدده. قلت: هذا من كلام المسيح ابن مريم «١»، ذكر في الفصل الخامس «٢» من إنجيل متى «٣». وقول هذا المصنف:" هذه الآية قول الله تعالى «٤» في الإنجيل الطاهر" هو بناء على معتقده: أن المسيح هو الله «٥». ويكفيه

стр. 232

ذلك «١» شناعة وبشاعة على ما قررته «٢» بحسب الإمكان في التعليق على الأناجيل الأربعة «٣». قلت: وغرضه بتصدير كتابه بهذه الآية «٤»: القدح في محمد ﵇

стр. 233

ونسبته إلى الكذب. ولا حجة له «١» فيها على ذلك، فإنها كلام صحيح، ونحن نقول به/ ومحمد ﷺ قد حذرنا من الأنبياء الكذابين «٢» أيضا «٣»، والمسيح ﵇ لم ينص على أحد بعينه أنه كاذب، بل حذر ممن «٤» صفته الكذب، ممن يدعي النبوة. وقد كان في بني إسرائيل متنبئون/ كذبة كثير. كما قد صرح به في نبوة أرمياء في الأصحاح الرابع «٥» والخامس «٦» والسادس «٧» منها. كما ذكر هذا

стр. 234

النصراني بعينه بعد ذكر هذه الآية بأسطر: أن نحو أربعمائة من بني إسرائيل ادعوا النبوة في «١» زمن" آخاب «٢» " ملك بني إسرائيل، وكانوا كذبة وأنهم وعدوه بالنصرة على بعض أعدائه فاغتر بهم فخذل وقتل «٣». فالمسيح إنما حذر من مثل هؤلاء، لا من مثل محمد، الذي جاء بأتم «٤» أخلاق وآداب ودين لا يتمارى في صدقه بعده إلا جاهل أو مجنون وبمعجزات جمة «٥»، بأيسرها تثبت النبوة. على ما سيأتي، بل المسيح بشر بمحمد- ﵇ كما سيأتي في موضعه من هذا الكتاب «٦»، وكما قررتة في «٧» فصل" البارقليط «٨» " في

стр. 235

التعليق «١» على بشارة يوحنا بن زيدي «٢». والله أعلم. ثم قال:" وهذا يعني تعريف الأنبياء الكذابين «٣» وتعرفهم، والتحذير منهم ضروري، بيّن الضرورة، نافع، ظاهر المنفعة، والعمل به واضح النجح بيّن الصلاح لأنه لا رتبة أعلى ولا خطة أرفع في بني آدم من النبوة. فكم ملتمس رامها بالحيل، فأظهر/ من دقائق «٤» الحيل، وخفي المكائد ما اغتر به كثير من ضعفاء العقول، فألقى الشيطان الضلال في الناس، وأدخل بينهم الفساد بواسطة هذا الصنف من الأنبياء الكذابين، كما جاء في قصة" آخاب" ملك إسرائيل، وذكر

стр. 236

قصته مع أربع المائة الذين تنبئوا في زمانه، وقد سبق ذكرهم. قلت: هذا «١» كلام صحيح، لا غبار عليه. ونحن نقول به، لكن غرض هذا الخصم، لا يتم منه بحسب ما هو بصدده إلا ببيان: أن محمدا ﵇ من هذا الصنف من الأنبياء الكذابين/. وذلك صعب المرام عليه، لوجهين: أحدهما: أنا ما رأينا ولا سمعنا منذ أهبط آدم «٢» إلى الآن: أن نبيا كذابا «٣» استوسق «٤» له ناموسه، كما استوسق دين الإسلام نحو ألف

стр. 237

سنة «١»، وهو كلما جاء «٢» في زيادة وتمكن. بل كان المتنبّئ لا يلبث إلا يسيرا، حتى يفضحه الله، ويهتك ستره، لأن عادة الله في خلقه: أن يحق الحق، ويبطل الباطل، ويجعل العاقبة للمتقين «٣». الوجه الثاني: أن تأييد الكذاب بالمعجز، وإظهار أمره، وانقياد الناس له قبيح. لأن فيه التباس النبي بالمتنبي، والقبيح لا يجوز على الله فعله خصوصا على رأي هذا الخصم «٤»، في انكار القدر «٥». فإن هذا من جملة أدلة القدرية «٦»

стр. 238

على نفيه، وسيأتي ذلك في أثناء هذا الكتاب إن شاء الله تعالى «١» وسنذكر من معجزات محمد- ﵇ ما يخزى له كل معاند. [حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها] ثم قال:" فينبغي للعاقل أن يعرف أولا: ما النبوة؟ وما فائدتها؟ وما النبي؟ وما شروطه؟ وما مراد الله تعالى بإرساله لعبيده؟ لأنه لا بد من تصور الشيء «٢» قبل/ التصديق به، ليكون الإنسان «٣» قادرا على التفرقة بين كذب النبوة وصدقها، وعلى الفصل بين الصادق والكاذب من الأنبياء". قلت: هذا كلام صحيح، لا اعتراض لنا، ولا لغيرنا عليه. ثم قال:" ولا بد عند الخوض في هذا من معرفة الكلام في أربعة أمور: حقيقة النبوة، ووجودها، ووقوعها، وضرورة الخلق إليها. ومنفعتها". قلت: هذا أيضا كلام صحيح مسلم. ثم قال:" أما حقيقة النبوة: فإنها وحي صادق نافع للناس إلهي «٤»، يكشف عن الغيب الذي لا يمكن انكشافه بحسب مجرى الطبيعة" وذكر ما في هذه القيود من/ الاحترازات، وهي ظاهرة. قلت: وهذا تعريف صحيح لا مطعن عليه. ثم قال:" وأما وقوع النبوة فغير منازع فيه، عند أهل الملل الثلاث «٥».

стр. 239

وبيانه لمن نازع فيه بحجتين: إحداهما «١»: أن عناية الباري سبحانه/ بخلقه" قد تثبت في اليسير، من مصالح المعاش، كوضع الحواس والأعضاء، متهيئة لما وضعت له ونحو ذلك من نعم الله التي لا تحصى «٢». فالعناية بهم في أمر المعاد بإرسال من يهديهم إلى طريق السعادة الأبدية والحياة الدائمة «٣»، ويكف شر بعض العالم عن بعض «٤»، لينتظم أمرهم أولى «٥».

стр. 240

الثانية: ما دل عليه التواتر الكامل الشروط من أن جماعة من الرجال، ادّعوا أنهم رسل الله، وظهرت المعجزات على أيديهم، كمعجزات موسى وعيسى، ورد الشمس ليوشع «١». ثم ذهبوا على أوضح سنن من الطهارة والفضيلة والزهد في الدنيا، ودعوا الناس إلى مثل ذلك: فإن هذا يدل على صدقهم في دعواهم وذلك يفيد وقوع النبوة قطعا، هذا حاصل ما ذكره من الحجتين، لخصته أنا، وهو في عبارته طويل جدا. قلت: وهاتان الحجتان مسلمتان. لكن الأولى مبنية على رعاية الأصلح ونحن لا نقول به وجوبا على الله، بل جوازا «٢» على جهة

стр. 241

التفضل «١»، خلافا للمعتزلة. وبهاتين الحجتين بعينهما ثبتت نبوة محمد- ﵇. أما الأولى: فلأنه بعث على فترة من الرسل طويلة «٢»، وقد أكل العالم بعضه بعضا خصوصا العرب في جاهليتها وغاراتها. وكانوا يعبدون الأوثان. والنصارى الصلبان. والفرس: النيران. وغير ذلك من المنكرات فأزال الله به ذلك وأبدل الناس به خير ما ينبغي «٣».

стр. 242

ولا نعلم زمنا قط، كان أحوج إلى/ النبوة من زمن نبوة محمد- ﵇ «١» -. وأما الثانية: فلأنه ثبت بالتواتر الكامل الشروط. أنه ﵇ ادعى النبوة وظهرت على يديه «٢» معجزات خارقة سيأتي بيانها وإثباتها على من أنكرها في موضعه إن شاء الله تعالى ثم توفي ﷺ «٣» على أوضح سنن، وأظهر طريقة، وأزكاها وأزهدها في الدنيا، ودعى الناس إلى ذلك، والخصم ينازع من هذه الجملة في ظهور المعجز على يده، وفي طهارته. وسيأتي إثباتهما.

стр. 243

ومن معجزاته: انشقاق القمر له «١»، ورد الشمس لابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ «٢» فكان ردها معجزا للنبي ﵇/ وكرامة لعلي ﵁ «٣» وقد صحح الحديث بذلك «٤»:" الطحاوي «٥» " و" القاضي عياض «٦» وحسبك بهما إمامين في العلم ولا التفات مع ذلك إلى من جعله موضوعا. إذ

стр. 244

الإثبات مقدم، وردها ليوشع إنما ثبت عندنا بخبر من أخبار الآحاد، إذ لا وثوق لنا بما يخبر به أهل الكتاب. فحينئذ الذي ثبت ليوشع النبي، قد ثبت مثله لواحد من أصحاب محمد- ﵇. قال:" وأما ضرورة الخلق إليها، فلأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة كثير من الأمور «١» الإلهية بمجرد العقل ضرورة، ولا نظرا. بدون الاطلاع الإلهي على ذلك تكميلا لقصور العقل الإنساني- إذ الموجودات بالنسبة إليه إما معلوم «٢» ضرورة، كالعلم بأن/ الجزء أصغر من الكل، أو نظرا كالعلم بوجود الإله، واستحالة الخلاء «٣»، أو ما يعجز عن إدراكه، كالعلم بعدد أنواع الحيوانات والنبات فضلا عن عدد أشخاصها، وكالعلم بفصول أكثر الأنواع وبكثير من الطبائع والحقائق على الجملة، لا نشك في أن المجهول عندنا غالب على المعلوم منها. فما ظنك بالأمور الإلهية/.

стр. 245

ثم ذكر كلام" أرسطو" و" ابن رشد" و" أبي حامد" الذي قدمنا ذكره في المقدمة الثانية. قلت: هذا كلام صحيح، لا نزاع فيه. لكن قوله:" كالعلم باستحالة الخلاء" رأي فلسفي، والمتكلمون يخالفونهم فيه، ونبهت «١» على هذا. وإن لم يتعلق بما نحن بصدده. وقد ذكر المتكلمون فوائد النبوات «٢»: [فوائد النبوات ومنفعتها] منها: تعريف أوضاع العبادات ومقاديرها ومواقيتها وكيفياتها ومقوماتها من شرط وركن ونحو ذلك. ومنها: إقامة الحجة على الخلق. إذ بدونها لا تقوم حجة الله على خلقه، كما صرح به في غير موضع من القرآن، كقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... (١٦٥) «٣» وقوله: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ... (١٣٤) «٤» الآية، وغيرها. ومنها: تعريف الأحكام الفلكية كتفاصيل علم الهيئة «٥»، وأدوار الفلك،

стр. 246

وحركات الكواكب. فإن ذلك مما لا تستقل «١» به عقول البشر، ولا تفي أعمارهم بادراكه بالتجربة لو اشتغلت به عقولهم «٢». ومنها: تعريف الأحكام البطنية كقوى الأدوية والأغذية وخواصها، ومنافعها، ومضارها «٣»، إذ الأعمار لا تفي بمعرفة ذلك بالتجربة «٤»، كما قال" أبقراط «٥» ":

стр. 247

" العمر قصير، والصناعة طويلة، ... والتجربة «١» خطر، والقضاء عسر «٢» ". قلت: ومنها: ما أجرى الله سبحانه على أيديهم من البركات من جلب المصالح، ودرء المفاسد، والدعاء لهم، كإبراء المرضى «٣»، ودعاء موسى لقومه، برفع العذاب عنهم مرارا «٤»، ورد النبي- ﵇ عين قتادة بن النعمان عليه «٥»، وأشباه ذلك.

стр. 248

قال:" وأما منفعة النبوة: فكما قال" أبو حامد" في رسالة التوفيق «١» في ثلاثة أشياء. أحدها: إصلاح الأخلاق النفسية كالعدل والعفة والصدق والنجدة والحلم والصبر/ والرحمة في مواضعها، والتزام/ حسنها، واجتناب سيئها كأضداد ذلك، فإنه لا غنى للعاقل في معاشه عن ذلك. الثاني: حفظ حقوق الناس من دم ومال وعرض ونحوه، ورفع المظالم «٢» من بينهم، وإلا هلك العالم/، واختل نظامه. الثالث: نجاة النفس من الهلكة في الدار الآخرة بمعرفة الخالق- سبحانه- وطاعته، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بمجرد الفلسفة «٣» بدون النبوة. ومن ادعى ذلك فدعواه مجردة عن دليل الحق «٤»، إذ الفلاسفة مختلفون في الآراء كغيرهم، فمتابعة بعضهم دون بعض ترجيح بلا مرجح". قلت: هذا كلام صحيح، وهو من جملة فوائد النبوة، وضرورة الناس إليها، المذكورة في الفصل قبله. وقد جاء محمد ﷺ من ذلك بأفضل مما جاء به كل من سبقه. يعرف ذلك بالنظر الانصافي «٥» في دين الإسلام، وقوانينه «٦» الأصلية والفرعية.

стр. 249

قال:" وإذ قد فرغنا مما ذكرناه. فنبين: ما النبي؟ وما شروطه؟ فنقول: [النبي وشروطه] النبي: هو الذي يعطى الوحي من عند الله على الصفة المذكورة في حد النبوة" «١». قلت: هذا مسلم. قال:" وأما شروطه فأربعة نسوقها بعد توطئة وتمهيد لذلك". وحاصل التمهيد الذي ذكره:" أن من تردد في شيء فإنه لا يقف على حقيقته إلا بالنظر. فكذلك النبي إنما يعرف صدقه من كذبه بوجود الشروط الأربعة فيه «٢». أولها: الصدق. وثانيها: طهارة النفس ونزاهتها عن الفواحش، لأن النبي

стр. 250

من عند الله، فوجب أن يكون على صفته «١» في الصدق
следующие страницы →