المؤمنين. وفي الحديث الصحيح: (ليس بالكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا، أو نمى «١» خيرا «٢» والمباح: كذب الرجل لامرأته في الوعد والتأميل «٣»، ليكف شرها عنه أو لا تكدر «٤» عليه. والحرام: ما سوى ذلك وهو كل كذب لم يتضمن مصلحة راجحة على مفسدته «٥».
стр. 667
وقد صرحت التوراة بأن إبراهيم وإسحاق جميعا قال كل منهما عن زوجته:
إنها أخته «١» حين خشي عليها من" أبيمالخ" ملك الأردن وفلسطين، ولما تضمن ذلك مصلحة لم يقبح منهما. فهذا مثله سواء، لأن محمدا وأصحابه كانوا مظلومين مع كعب في هجائه لهم وقذفه لنسائهم، كما كان إبراهيم مظلوما بتغلب" أبيمالخ" ملك الأردن «٢» على زوجته، لولا عصمة الله لها منه.
الوجه الثاني: أن عظيم ساليم قرية «٣» سجيم لما فضح «٤» بنت يعقوب وأراد أن يتزوجها صعب على بني يعقوب ذلك. فقالوا له: إن من ديننا الختان، فإن اختتنت أنت وأهل قريتك زوجناك. فلما اختتنوا جميعا دخلوا عليهم، وهم في ألم الختان لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، وهذا غدر صريح، والجواب عنه مشترك لأن/ الجميع أنبياء، وقد نصت التوراة على هذه الحكاية «٥».
وذكر حديث: أعطيت/ خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل
стр. 668
لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة «١»، وكل نبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى الناس عامة «٢» ".
قلت: لا أعلم ما «٣» وجه السؤال من هذا، إلا أن يكون يكذب بالإخبار بهذه الأشياء بناء على عدم علمه بها، أو على مناقضة محرفة في كتبهم، ولو ذكر وجه سؤاله منه لأجبته بحسبه «٤».
[حسن العطاس وكراهة التثاؤب]
وذكر قوله- ﵇:" إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" إلى قوله:" وأما التثاؤب فهو من الشيطان. فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإنه إذا تثاءب «٥» ضحك منه الشيطان «٦» ".
стр. 669
قلت: قد سبق ذكرنا لقواطع الإنجيل على جسمية الشيطان «١»، ومناقشتنا له في قوله: الشياطين بسائط مجردة عن المائدة" ومع جسميتهم لا يمتنع الضحك والأكل وسائر خواص الأجسام منهم. وأما قوله:" إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب" ومعنى كونه من الشيطان فله تأولان:
أحدهما: ذكره الخطابي «٢»، وهو أن العطاس يكون عن خفة البدن من الطعام، والتثاؤب عن ثقله به «٣». فالحب والكراهة راجعان إلي سببيهما «٤»، وهما قلة الأكل وكثرته الموجبان لخفته وثقله «٥» لا إلى ذاتيهما «٦».
الثاني: أن العطاس يتعقبه حمد الله. وذكره بخلاف التثاؤب، فلذلك فرّق بينهما في الحب والكراهة، وعدم ذكر الله من أخلاق الشيطان، وما يؤثره، فلذلك قيل في التثاؤب: إنه من الشيطان.
стр. 670
[آدب الأكل فى الإسلام وجهل النصارى بها]
وذكر أن رسول الله أمر بلعق الأصابع والصحفة. وقال:" إنكم لا تدرون في أيّه البركة «١» ".
وقوله:" إذا أكل أحدكم فلا/ يمسح يده حتى يلعقها، أو يلعقها «٢» " وأنه كان" يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها" «٣».
وقوله:" إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء حتى يحضره عند أكل طعامه «٤»، فإذا سقط «٥» من أحدكم اللقمة فليمط ما بها «٦» من أذى، ثم
стр. 671
ليأكلها، ولا يدعها للشيطان وإذا «١» فرغ فليلعق أصابعه «٢» ".
[حكم مرور الكلب الأسود بين يدي المصلي، والرد على النصراني في اعتراضه على ذلك]
قلت: هذه آداب حسنة من آداب الأكل، فإن في لعق الأصابع والصحفة تعظيم ما عليهما من بقية الطعام بأكله وتنظيف الإصبع «٣» والصحفة، ولعله علم في ذلك سرا آخر من خصائص النبوة، وإليه أشار بقوله/" لا تدرون في أيّه البركة" وقد سبق في أول الكتاب قول أرسطو وغيره" أنه لا بدّ في معرفة الشرائع من «٤» توقيف إلهي يبين للعقل ما يقصر عنه، وليس من شأنه إدراكه" «٥».
وذكر حديث أبي ذر:" يقطع الصلاة: الحمار والمرأة والكلب الأسود"
وقال:" الكلب الأسود شيطان" «٦».
стр. 672
قلت: الجواب من وجوه:
أحدها: أن الشيطان لا يمتنع أن يختص بالدخول في الكلب الأسود لخصيصة فيه من شدة خبثه أو نحو ذلك، كما ذكر في الإنجيل: أن المسيح أخرج الشياطين من الناس فدخلت في قطيع خنازير ثم ألقتها في البحر فغرقت «١».
وقد ذكر ابن الأشل «٢» مطران حمص في تقرير الثالوث:" أن الله سبحانه ظهر في كبش إبراهيم" فإذا جاز في عقولكم أن خالق السماوات والأرض يظهر في كبش فكيف يمتنع ذلك في بعض مخلوقاته أن يظهر في كلب.
الثاني: قال الجاحظ «٣»:" معنى قوله: الكلب الأسود شيطان:/ أن فعله فعل الشيطان لأنه أخبث الكلاب، وأكثرها عقرا للحيوان «٤» ".
стр. 673
قلت أنا: لكن هذا لا يناسب قطعه للصلاة، فيحتمل أن يكون لكثرة خبثه، ويدل على خبثه، سواده كما استدلوا على خبث الأسود من الحيات بسواده، وحيث اشتد خبثه قاربت طبيعة الشيطان في الشر، فاستأنس به- والشكول أقارب «١» - فدخل فيه وقارب المصلي، لينتهز منه فرصة، كما دخل إبليس في في الحية إلى الجنة/ حتى أغوى آدم «٢».
стр. 674
وقد ذكر بعض أهل التاريخ- أحسبه الشيخ أبا الفرج في المنتظم- أن آدم لما كان فخارا، كان إبليس يطوف به ويتعجب منه، ففي بعض الأيام بصق عليه، فوقع بصاقه في موضع السرة منه، فقطع موضع البصقة منه فألقي، فخلق منه الكلب الأسود «١».
فإن ثبت هذا صح أن في الكلب الأسود طبيعة من الشيطان، لأجل تلك البصقة، وإن كان المخلوق من بصقة إبليس كلبا غير أسود، فلعله انضم إلى الأسود خصيصة كملت بها شيطنته، فاختص بما ذكر من قطع الصلاة وتحريم صيده «٢»، ونحوه.
الثالث: قال الخطابي: في قوله:" تطلع الشمس بين قرني الشيطان" «٣» هذا
стр. 675
[التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب]
من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد هو بمعانيها، ويجب علينا «١» التصديق بها والوقوف عند الإقرار بأحكامها والعمل بها «٢».
قلت أنا"/ والاختلاف في أن هذا «٣» معقول المعنى، أو هو تعبد، اختلف الفقهاء فيما لو اتفق أن مر بين يدي المصلي شيطان حقيقى. هل يقطع الصلاة أم لا؟ «٤» على وجهين:
أحدهما: يقطعها «٥»، لمقتضى تعليله أن/ الكلب الأسود شيطان.
والثاني: لا. لأنا لا نعقل ما معنى شيطنته فهو إذن تعبد نتلقاه بالتسليم.
والتعبدية «٦» فرع المعقولية، وحيث لا معقولية فلا تعبدية «٧».
وذكر عن ابن قتيبة «٨» في مختلف الحديث قال «٩»:" وقد رخّص في
стр. 676
الكذب في الحرب لأنه «١» خدعة، وفى الإصلاح «٢» بين الناس، وفي إرضاء الرجل أهله، ورخص «٣» أن يوري في يمينه إلى شيء، إذا ظلم، أو خاف على نفسه. والتورية: أن ينوي غير ما نوى مستحلفه: ... وجاءت الرخصة في المعاريض وقيل:" إن فيها مندوحة عن الكذب" «٤».
قلت: هذه أحكام صحيحة في الإسلام. وقد سبق الكلام على أنواع الكذب «٥».
وأما التورية والمعاريض فكما قال إبراهيم عن زوجته: إنها أختي. وعني باعتبار الأب الأبعد، أو في الإسلام. وكذلك إسحاق.
وفي الحديث النبوي الصحيح قال:" لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" ما حل «٦» بهن عن دين الله. ذكر قوله عن زوجته:" إنها أختي" وقوله لقومه:" إني سقيم" أي سأسقم. وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا» «٧» وهذه معاريض وسماها كذبا مجازا.
стр. 677
[جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك]
قال:" حديث يكذبه النظر، والخبر:" إن الشمس تطلع على قرني شيطان فلا تصلوا لطلوعها «١» " فجعلوا للشيطان قرونا تبلغ «٢» إلى السماء وجعلوا الشمس التي هي مثل الأرض مرات تجري بين قرنيه، وهم مع هذا يزعمون أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فهو في هذه الحال ألطف من كل شيء وفي تلك الحال أعظم من كل شيء، وجعلوا علة ترك الصلاة، في وقت طلوع الشمس طلوعها من بين قرنيه، وما على المصلي لله إذا/ خرجت الشمس بين قرني الشيطان؟ وما في هذا مما يمنع من الصلاة لله؟.
قلت: الجواب عن هذا الحديث قد سبق «٣»، لكنه لم يوجه السؤال منه هناك كما وجهه هاهنا فيحتاج أن نعيده فنقول: الجواب من وجوه:
أحدها: ما ذكر عن" إبراهيم الحربي «٤» " وحسبك به إماما في معرفة
стр. 678
الحديث ومعانيه- قال:" هذا تمثيل أي حينئذ يتحرك/ الشيطان ويتسلط، يعني حيث يرى الكفار قد أشركوا/ بالله وسجدوا للشمس في الشرق والغرب، وهم المراد بقرنيه" قال:" كذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، أي يتسلط عليه، فيوسوس له، لا أنه يدخل جوفه" «١».
الوجه الثاني: جواب مفصل:
قوله:" جعلوا للشيطان قرونا تبلغ إلى السماء".
أما جعل القرون له فمبني على جسميته وقد أثبتناها قبل هذا، وإن كانت مادته لطيفة. وعندكم «٢» أن الملائكة منهم على صور البقر وعلى صور الأسد، وعلى صور النسور وعلى صور الناس. وإذا جاز هذا في الملائكة كان في الشياطين أجوز، لأن الجميع مشترك في التجرد عن المادة عند الفلاسفة «٣» وفي لطافتها عندنا. وأما كون قرونه تبلغ إلى السماء فلم نقل به، ولا هو لازم لقولنا، بل يجوز في رأي العين أن تخرج الشمس بين جبلين، بل أكمتين، بل جدارين صغيرين بل انسانين بل من بين قرني ثور متباعدين قليلا، كما تقرر في قوله «٤»:
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ... (٨٦) «٥».
стр. 679
قوله:" وهم مع ذلك يزعمون: أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم".
قلنا: نعم ولذلك توجيهان:
أحدهما:/ أن الشياطين كثيرة فالذي يجري من ابن آدم مجرى الدم هو قرينه الملازم له، كما سبق في قوله- ﵇:" ما منكم أحد إلا معه شيطان «١» ".
والذي تطلع الشمس بين قرينه شيطان آخر أكبر منه، فإن جنود إبليس كثيرون على أنواع وصفات مختلفة بينهم في أشغاله ومهامه، ولا يمتنع أنه يبعث بعض سحرة الشياطين العظيمي الخلقة أو غيرهم، فيقارن الشمس ويزينها في أعين الكفار بزينة صنم أو آلهة على جهة الشعبذة والتخييل فيسجدون لها لزينتها في أعينهم فإنا قد علمنا في بني آدم من يأتي من التخييلات بما لا يشك الرائي في ثبوته في الأعيان، وهو سيماء «٢» وتخييل، لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي خيالات ذهنية تغلب وتقوى وتستولي حتى تغلب الأحكام الخارجية، فيبقى الإنسان كأنه نائم يقظان، وقد علم هذا بفعل سحرة فرعون حيث خيلوا أن حبالهم حيات تسعى.
الوجه الثاني: أن مادة الشيطان لطيفة، وقد جعل له من القابلية، والقوة ما أنه/ يتشكل في أشكال مختلفة ويتصور في صور متباينة، فإن سلمنا أن الشيطان المقارن للشمس هو الجاري من ابن آدم مجرى الدم وأنه كبير عظيم هائل الخلقة،
стр. 680
فلا يمتنع أن يكون يتشكل عند مقارنتها بشكل عظيم وعند جريانه من ابن آدم بشكل صغير كما قرره" ابن الأشل" مطران" حمص"- وهو من فضلاء النصارى- في أن خالق السموات والأرض ظهر لإبراهيم في صورة كبش، ولإسرائيل في صورة رجل صارعه إلى الصبح ولموسى في صورة نار في عليقة «١» وظهر للناس في صورة/ المسيح فهذا- وإن كنا ننكره عليكم- لكنه يلزمكم لتجويزكم إياه أو بعضكم ممن هو موافق لكم على مقالتكم أو بعضها، فما ذكرناه في الشيطان أولى بالجواز، وأما الملائكة، فثبت ذلك فيهم في دين الإسلام فملك الموت: الدنيا بين عينيه كدارة درهم «٢»، ثم إنه جاء إلى موسى في صورة رجل فأراد قبض روحه،
стр. 681
ففقأ موسى عينه «١»، وجبريل تراءى للنبي- ﷺ في أول الأمر، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب «٢». ثم كان يأتيه بعد ذلك في صورة دحية الكلبي «٣» - رجل أعرابي-/ وجاءه مرة في صورة شاب أبيض الثياب، يسأله عن معالم الدين
стр. 682
ليتعلمها المسلمون «١».
ثم هذا مما لا يمتنع عقلا أن تكون المادة منطبعة لطيفة تقبل توارد الأشكال عليها، كبندقة شمع «٢»، إن شئت صورتها فرسا أو فيلا أو خنزيرا أو شجرة، كبيرا ذلك أو صغيرا، وكالنور والماء إذا وجدا محلا فسيحا انبسطا فيه كشعاع الشمس في الفضاء، والماء في البحار، وإذا اكتنفتهما الأجرام الكثيفة انقبضا كالنور في كوة البيت «٣»، يرى دقيقا ضئيلا، والماء في ساقية الدولاب «٤»، وأنبوب القصب «٥» ونحوه يرى دقيقا قليلا. فهذا أنهى ما تصل إليه عقول البشر «٦» في هذا من التقريب والتمثيل ووراء ذلك أمر لا يرام جليل.
стр. 683
الوجه الثالث: ما سبق من قول الخطابي «١»: أن قوله:" بين قرني الشيطان" من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد بمعانيها، ويجب علينا التصديق بها، والوقوف عند الإقرار بأحكامها، والعمل بها يعني التسليم المحض والتقليد الصرف/- بناء على ما سبق «٢» من قول" أرسطو" وغيره «٣»:" إن عقولنا عند أحكام المبادي الأولى «٤» كالخفاش عند شعاع الشمس".
قوله:" جعلوا علة ترك الصلاة لله: طلوع/ الشمس بين قرني الشيطان وليس مناسب".
[النهي عن مشابهة النصارى غيرهم في أوقات الصلوات]
قلنا: قد سبق جواب هذا بأن من أصول شريعة الإسلام المبالغة في خلاف الكفار، فيما لم يرد شرعنا بوقفه، حتى في «٥» التشبه بهم ولو أدنى مشابهة ولا شك أن عند طلوع الشمس يسجد لها الكفار فتكون في الصلاة حينئذ مشابهة لهم.
قلت: وهذا سؤال يورده المسلمون على هذا الحديث ومع التحقيق لا جواب عنه إلا بنسبه إلى التعبد المتلقى بالقبول. وذلك لأنا لا نجد سببا ظاهرا نعلل به منع الصلاة عند طلوع الشمس إلا ما ذكرناه من مشابهة الكفار لكنه يعارض بأن في الصلاة حينئذ مخالفة للشيطان وحزبه ومراغمة لهم أشد من التشبه بهم.
стр. 684
وقد حكي في مناقب" معروف الكرخي «١» " أنه كان يمر عليه اليهود، يوم السبت إلى" الكنيسة" فقال في نفسه: إن هؤلاء يكفرون بالله في هذا اليوم كفرا عظيما، فلأخالفنهم بأن أقطع هذا اليوم بالصلاة والصوم فجازاه الله على ذلك بأن جعل زيارته يوم السبت، فيهرع إلى ضريحه خلق عظيم فيه على الخصوص «٢».
ولأن وفاق الكفار بالصلاة عند طلوع الشمس بالصورة الفعلية وخلافهم بالقصد والنية لأنهم يعبدون الشمس ونحن نعبد الله وقد قال الله تعالى «٣»:
стр. 685
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) «١».
فالاعتبار هنا «٢» بالقصد والنية، لا بالمشابهة الصورية «٣».
فإن قيل: لما تعارض عندنا مفسدة المشابهة، ومصلحة المراغمة غلب الشارع جانب مفسدة المشابهة لأن الخطاب كان في صدر الإسلام والقوم «٤» قريبو عهد بالجاهلية. فمنعهم من الصلاة حينئذ تنفيرا عن المشابهة، مبالغة في تكريه الكفر
стр. 686
وشعاره إليهم، ثم صار «١» ذلك سنة متبعة، كالرمل «٢» زالت حكمته السببية وبقيت صورته السنية.
قلنا: جوابه من وجهين:
أحدهما: أن تنفيرهم من الكفر وتكريهه إليهم/ بأمرهم بمراغمته ومناقضة أهله بعبادة الله «٣» عبادة أبلغ.
الثاني: أن ذلك منقوض بصلاة الفرض. فإنه أجازها لهم، وهي جائزة بالاجماع في تلك الأوقات المنهي عن التطوع فيها. مع أن مشابهة الكفار الصورية موجودة «٤» / فإن قيل: الفرض واجب فلا يترك حق لباطل «٥» قلنا: والتطوع مندوب فلا يترك حق لباطل، وخصيصة الوجوب لا تصلح فارقا فبان بهذا البحث والتقرير: أن هذا الحكم وأمثاله مما يتلقى عن الشرع بالقبول ولا يصادم بتصرفات العقول، ولا شك أن دين الإسلام مشتمل على الأحكام التعبدية والمعقولة «٦» العلية كما قررته في" القواعد الصغرى" وبنيت الحكمة فيه على الوجه الأجل.
стр. 687
[إثبات نصوص الصفات على ما يليق بالله سبحانه]
وذكر حديث أبي هريرة وأبي ذر:" من تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هروله «١» ".
قلت: ووجه سؤاله منه: أن ظاهره/ التجسيم.
قلت: وقد سبق تقرير قاعدة هذه الأحاديث.
ثم الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن الحديث مؤول عندنا على التقرب بالرحمة واللطف والإكرام، كما يقال: فلان قريب من السلطان، والأمير «٢» قريب من فلان يعنى تقارب القلوب والمنزلة «٣»، وأنا وإن كنت أثريا في آيات الصفات وأخبارها، إلا أن
стр. 688
المجاز «١» عندي في هذا الحديث ظاهر غالب، فلا يتوقف في تأويله إلا جامد «٢».
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن النصوص في الصفات من حيث السند على ثلاث طبقات: صحيح مجمع على صحته بين أهل النقل، وضعيف متفق على ضعفه، ومختلف في صحته.
стр. 689
فالأول مما تثبت «١» به الصفات، والآخرين لا يعول عليهما في ذلك، في وقت من الأوقات «٢».
ثم الحديث المجمع على صحته من حيث دلالة المتن على ثلاث طبقات:
ما ترجح فيه إرادة الحقيقة، وما ترجح فيه إرادة المجاز، وما استوى فيه الأمران.
فالأول: كحديث الساق «٣» والقدم «٤» والأصابع «٥» ونحوه فهذه إرادة المجاز فيها مرجوحة فحكمها أن تحمل على حقائق لائقة بالباري- ﷻ ولا يلزمنا تعيين كيفيتها كذاته سبحانه أثبتنا وجودها ونحن عن تفاصيل أحكامها بمعزل، والثاني: كهذا الحديث قوله:" من تقرب مني تقربت منه" وقوله:" قلوب
стр. 690
الخلق بين اصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء «١» " و" الحجر الأسود يمين الله فى الأرض «٢» " وقوله:" ساعد الله أشد" وموسى الله أحد «٣» " ونحوه. فإن المجاز فيه راجح وحكمه: التأويل على ما ترجح فيه «٤»، كقوله: ويَبْقى وَجْهُ
стр. 691
رَبِّكَ ... (٢٧) «١» فإنه متردد «٢» بين الصفة الوجيهة اللائقة بمنصب الإلهية/ وبين/ الرتبة الجاهية الراجعة إلى العظمة الذاتية فحكم مثل هذا راجع إلى ترجيح المجتهد في أحكام العقائد فإن غالب مسائلها من هذا وأشباهه اجتهادية لكنها أعلى رتبة من مسائل الفروع فهذا هو الطريق الذي أراه قصدا بين الإفراط والتفريط سالما من الخبط والتخليط واللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ.
стр. 692
الوجه الثاني: أنه قد ثبت في التوراة أن آدم لما أكل من الشجرة انفتحت عينه وبان له أنه عريان فاستتر بالشجر وجعل يخصف عليه الورق وسمع «١» حس الله يمشي في الجنة فاختفى منه فقال له، الله الرب: ما لك يا آدم؟ قال: أنا عريان أستحي منك وسمعت حسك تمشي فاستحيت/ فقال:" لعلك أكلت من شجرة معرفة الخير والشر؟ قال: نعم" «٢»، وقد سبق ذلك «٣». فهذا تصريح بأن الله يمشي والمجاز فيه مرجوح جدا، فما تنكر «٤» علينا من حديث المجاز فيه راجح جدا، هذا ما هو إلا عناد ولو وقع لارتفع الخلاف.
[حث محمد- ﷺ لأمته على طاعة الله والرد على إنكار النصراني لمغفرة الله لذنوب عباده]
قال: وفى حديث أبي هريرة:" من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا «٥» غفر له ما تقدم من ذنبه «٦» " وذكر حديث:" من صام رمضان إيمانا واحتسابا «٧» غفر له
стр. 693
ما تقدم من ذنبه «١» "، وقوله:" إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فمن وافق تأمينه تامين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه «٢» " وحديث سلمان:" من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر" الحديث إلى قوله:" غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى «٣» " وقوله:" حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده «٤» " وحديث أبي عبس: «٥» " سمعت النبي يقول:" من
стр. 694
اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه/ الله على النار «١» ".
وقوله:" من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه «٢» " وحديث أبي ذر قال: قال النبي ﷺ : «أخبرني جبريل بالحرة، قال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: نعم». كررها ثلاثا «٣»، حتى قال في الثالثة: (وإن شرب الخمر «٤»).
стр. 695
وذكر النصراني: في لفظ آخر للحديث" قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «١» يدخل النار «٢» " وقوله:" لكل نبي دعوة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة «٣» ".
وقوله:" لله تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا،/ لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة «٤» " وقوله:" من صلى البردين دخل الجنة «٥» " وقوله:" من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" الحديث إلى قوله:" كفرت عنه خطاياه «٦» وإن كانت
стр. 696
مثل زبد البحر «١» " وقوله:" قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله. يبتغي بذلك وجه الله «٢» ".
ثم قال النصراني:" فقد ظهر أنه لم يوجد فيه شيء من الشروط الأربعة «٣» التي ينبغي- ولا بد- أن توجد في النبي".
قلت: سرد هذا «٤» الخصم هذه الأحاديث، ولم يبين وجه سؤاله منها والذي فهمته من ذلك أنه أوردها إشكالا على وعد النبي أمته على الطاعات المذكورة مغفرة الذنب، ودخول الجنة، والتحريم على النار. إما استبعادا من هذا الخصم لذلك بناء على اعتقاده في المسلمين أنهم عنده كفار، أو على ما صح في السنة من دخول عصاة الأمة النار وإخراجهم بالرحمة والشفاعة، فيكون ذلك تناقضا في الأخبار «٥».
стр. 697
والجواب: أن هذه الأحاديث صحيحة وأحكامها ثابتة عندنا ولا/ مطعن فيها لطاعن. أما استبعاده لما وعدت به هذه الأمة بناء على سوء اعتقاده فيهم، فلا وجه له «١» إذ لا اعتبار به. إنما الاعتبار بالحجة. ثم هو معارض باستبعاد المسلمين ما يزعم النصارى: أن المسيح وعدهم به في قوله:" من عرفني وآمن بي كان معي عند أبي الذي في السموات «٢» " ونحوه.
فإن من آمن بالمسيح كإيمان النصارى/ به في أنه: الله، أو ابن الله فهو كافر عند المسلمين، خالد في النار، قد حرم الله عليه الجنة «٣». فلم كان اعتبار أحد الاعتقادين أولى من الآخر؟.
وأما دعواه التناقض فمردودة بأن هذه ظواهر وعمومات كانت في أول الإسلام وآخره قبل أن يكمل الإسلام وتتم أركانه وشروطه ومتقوماته. ثم لما كمل الإسلام صار غفران الذنوب ودخول الجنة والتحريم على النار متوقفا على كماله وتمامه، فمن أخل بجميع حقيقته كان كافرا، ومن أخل بشيء منه جوزي بحسبه، كما قال الزهري في قوله ﵇ «٤»:" من قال لا إله إلا الله
стр. 698
حرمه الله على النار) «١»:" كان ذلك فى أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي «٢» ".
قلت: وقد قال بعض أهل العلم:" إن المراد تحريم الخلود لا تحريم الدخول «٣» " جمعا بين الأحاديث. فأما اللفظ الذي ذكره وهو قوله:" من مات
стр. 699
لا يشرك بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «١» يدخل النار" فهذه الزيادة لا نعرفها في شيء من دواوين «٢» السنة، بل الذي صح في السنة: إثبات دخول الجنة لا نفي دخول النار «٣»، ولا تنافي/ بينهما لجواز أن يدخل النار بمعصيته «٤»، ثم يخرج منها فيدخل الجنة بطاعته «٥»، كما تواترت به أحاديث الشفاعة تحقيقا لقول «٦» الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) «٧».
على أن هذا اللفظ إن صح وجب تأويله على أنه لم يدخل النار دخول خلود بخلاف المشركين فإنهم يدخلونها دخول خلود، وحينئذ رد الله كيد هذا الخصم، وتبين أن شروط النبوة الأربعة موجودة في محمد- ﷺ .
стр. 700
[زيارة النبي- ﷺ لقبر أمه. وأنه لا محذور في ذلك]
قال:" وينضم إلى ذلك فى حقه ما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال:
" زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي «١» " وقال:" جاء رجل إلى رسول الله- ﷺ «٢» - فقال: يا رسول الله: أين أبي؟ قال: «إن أبي وأباك في النار «٣»».
قلت: ولا محذور في هذا، فإن إبراهيم الخليل- صلوات الله عليه- كان أبوه كافرا، ولأن من قاعدة الإسلام وغيره من الأديان «٤» أن الكفار في النار، وأبوا «٥» النبي كانا كافرين فحكم لهما بحكم الله فيهما. وهذا من أكبر الأدلة على صدقه لوجهين:
أحدهما: أنه ظهر من قول كفار يدعو إلى الناموس الأعظم، فلو لم يكن صادقا لا تبع دين آبائه كغيره.
стр. 701
الثاني: أنه حكم لأبويه بالنار ولجده وعمه وكل قريب له، فلو لم يكن في غاية الصدق والأمانة والعدل حتى أنه يخبر بالحق على نفسه ولها لتعصب لقومه وقال: هم في الجنة ببركتي لاختصاصي عند ربي، وكان يصدق في ذلك كما صدق في غيره.
قال: وقال أيضا:" ليت شعري ما فعل أبواي؟ فأنزل عليه «١»: ... ولا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) «٢».
قلت: هذا إن صح فجوابه ما سبق قبله، لكنه لا يصح لسياق «٣» الكلام وهو قوله تعالى في سياق ذم اليهود والنصارى والكفار:/ إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً ونَذِيراً ولا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) بضم التاء «٤» المثناة من تسأل على ما لم يسم فاعله، فهو معنى قوله: .. ولا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) «٥» وقوله:
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا ولا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) «٦» وقوله: ... فَإِنَّما عَلَيْهِ ما
стр. 702
حُمِّلَ وعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ ... (٥٤) «١» وقوله: ... إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) «٢» وقوله: ... ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ... (١٦٤) «٣» ومعنى ذلك كله: أن عليك إنذارهم وليس عليك شيء من «٤» عقابهم، كما قال: ... ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... (٥٢) «٥» وهذا عام فى جميع الكفار.
نعم. قد قرئ لا تُسْئَلُ على النهي له عن السؤال،/ وهو محتمل لما ذكره هذا الخصم «٦». والجواب عنه ما سبق.
[الرد على زعم النصراني بأن النبي- ﷺ لا بدّ أن يعلم الغيب]
وذكر النصوص التي تضمنت أنه لا يعلم الغيب كقوله «٧»: وما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ... (٩) «٨» وقوله: ... ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ... (١٨٨) «٩».
стр. 703
قال:" فأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لاجتلب الخير، واجتنب الشر، واستعد لكل أمر بما ينبغي له. وكقوله «١»: ... لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولا ضَرًّا ... (١٨٨) «٢» وقوله: ولا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ... (٣١) «٣»
وقوله: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَداً (٢١) «٤» وقول عائشة:" من زعم أن محمدا يخبر بما يكون فقد أعظم الفرية على الله «٥». والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ... (٦٥) «٦».
قلت: هذا غير وارد بحمد الله- تعالى- فإن محمدا لم يدع أنه يعلم الغيب كله ولا أنه يعلم ما علم منه بنفسه، بل بإخبار الله له بذلك، كما قال الله سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) «٧».
стр. 704
وأما قول عائشة:" من زعم أن محمدا يخبر بما يكون" فلا أعرف هذا اللفظ إنما المشهور من رواية الترمذي وغيره أنها قالت:" ومن زعم أن محمدا يعلم ما في غد «١» " والمعنى متقارب، وكلامها محمول على ما ذكرناه من التقييد، أي لا يعلم ما في غد ولا يخبر بما يكون من عند نفسه بل بإخبار الله له وهل كان النبي- ﷺ إلا عبدا مأمورا «٢»؟.
ولم يكن إلها معبودا كما اعتقدتم في المسيح، ثم خفي عنكم ما تضمنه اعتقادكم الفاسد، من جهلكم المتزايد، فإن المسيح إن كان يعلم الغيب فكيف لم «٣» يعلم أنه يؤخذ فيقتل،/ فيختفي عنهم، لئلا يقع في الصلب والقتل؟.
فإن قلتم: كان يعلم ذلك لكن هو سلم نفسه ليفتدي الخلق من العذاب بنفسه.
قلنا: نتابعكم على جهلكم في هذا، ونسلمه لكم، لكنه لما بات ليلة في الجبل ساهرا يصلي ويدعو أباه من الموت، ويعبر عنه كأسه.
стр. 705
يرد عليكم إذ من يجود بنفسه هذا الجود، كيف يجزع هذا الجزع ويشح بنفسه هذا الشح، ويستسعد بالتلاميذ أن يساهروه، ويسألوا معه تعبير «١» كأس الموت عنه؟.
سامحناكم في هذه، لكنه لو كان يعلم الغيب- كما زعمتم- فلا يخلو في سؤاله تعبير كأس الموت عنه، إما أن يكون علم أنه يجاب في سؤاله أو لا يجاب/ والأول باطل لوقوع الأمر بخلافه، فما علم الغيب في هذه القضية «٢».
والثاني: يوجب أن سؤاله كان عبثا لا يليق برعاع الناس فضلا عن الأنبياء على رأينا فيه. فضلا عن ابن الله أو الله، خالق السموات والأرض على رأيكم الفاسد فيه.
ثم نقول لكم: من «٣» من الأنبياء/ علم الغيب لذاته؟ آدم لما أخرج من الجنة؟
أو إبراهيم لما امتحن بذبح ولده؟ أو إسحاق لما أوهمه ابنه يعقوب أنه ابنه العيص، فأخذ بكوريته وجعل يخبر «٤» في أمره، ويقول:" الصوت صوت يعقوب واللمس لمس العيص" «٥»؟ أو يعقوب لما جرى ليوسف ما جرى وهو يظنه ميتا؟ أو موسى لما