← Акыда

Акыда · id 37719

شرح كتاب فضل الإسلام لمحمد بن عبد الوهاب - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأسئلة

стр. 37

جنس البدع أعظم من جنس الكبائر السؤال قولك: إن البدعة أشد من الكبائر، هل تقصد جميع أنواع البدع؟ الجواب أقصد أن جنس البدع أعظم من جنس الكبائر، وإلا فقد يكون بعض مفردات البدع أهون من الكبائر، فالبدع الصغيرة صنف منها هي أهون من ارتكاب الفواحش والكذب ونحو ذلك، لكن القصد الجنس، وعموم البدع لا شك أنها أعظم من الكبائر؛ لأن من البدع ما هو شرك وكفر، والبدع المغلظة أيضاً أشد من الكبائر، حتى إن بدع أهل الافتراق الذين يدخلون في عموم الأمة وأهل القبلة بدعهم أشد من مخالفات أصحاب المعاصي والكبائر.

стр. 38

تكفير الخوارج السؤال بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن البدعة أشد من الكبائر، ثم ذكر الخوارج، فهل يرى الشيخ تكفيرهم؟ الجواب لا، ما يلزم أنه يرى تكفيرهم، والذي أعرف أن الشيخ لا يرى تكفيرهم عموماً، والخوارج ليسوا كفاراً، ولكنهم من أهل البدع، ولا يلزم من قتال المبتدع أن يكون كافراً، ولذلك قاتلهم الصحابة وعلى رأس الصحابة علي بن أبي طالب ﵁، ولما سئل عنهم، قال: هم إخواننا بغوا علينا، ثم قيل له: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، فينبغي أن نفهم أنه لا يلزم من القتال الكفر، فقتال أهل البغي والخارجين عن الإمام وقد يكونون من الصالحين، لكنهم تأولوا ويقاتلون، ولذلك جاء عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم وغيره أن من خرج على إمام له بيعة وله عهد أو خرج عن الجماعة فإنه يقاتل كائناً من كان، وإن كان ظاهره الصلاح، فأمره إلى الله ، وأيضاً أهل الذنوب الذين تقتضي ذنوبهم قتلهم مثل المرجوم الزاني إذا استحق الرجم، فهذا لا يخرج من الملة وإن قتل في ظاهر الأمر قتلة فيها نوع من التعزير الشديد، لكن لله في ذلك حكمة بالغة. فهذا علي ﵁ والصحابة معه اجتهدوا في تنفيذ القتل متى يكون، وكأن الإمام علياً والله أعلم وتخصيص علي بالإمام دون بقية الصحابة هذا من سمات الرافضة والشيعة، فهو خليفة من الخلفاء الراشدين، والمهم أن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة الذين قاتلوا الخوارج كانوا يرون أن قتالهم محل خلاف، لكن علي الذي هو إمام المسلمين في ذلك الوقت، كان لا يرى قتالهم حتى يحدثوا ويقاتلوا، وهذا ظن غالب عندي، أنه يقصد أننا لا نتحقق من بدعتهم حتى يعملوا بمقتضاها، لأننا لا نستطيع أن نلزمهم بأنهم ارتكبوا بدع التكفير، لأنه قد يكون قول بعضهم، أو لهم في التكفير معاذير لجهل أو تأويل نحو ذلك، فلما قاتلوا عليها تبين إصرارهم على بدعة التكفير التي هي فعلهم للقتال واستباحهم للدم، ودليل على أن هذه البدعة تعمقت فيهم، وأنها ليست مجرد عوارض أو قول البعض، بل هي إجماعهم وقد اتفقوا عليها، فمن هنا استباح علي قتالهم؛ لأن بدعتهم ظهرت وتأكدت من خلال أفعالهم، أما الأحاديث فهي مطلقة، فبعضها رد في الخوارج القدامى، وبعضها في الخوارج المتأخرين الذين ذكرهم النبي ﷺ في حديث البخاري وغيره: (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، -ثم سرد صفاتهم والقول فيهم إلى أن قال:- فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن لمن قتلهم الجنة)، فهذا الذي جاء في سياق الحديث هو في خوارج يخرجون في آخر الزمان، وهم على القول الراجح في كلام كثير من المحققين من أهل العلم أنهم غير الخوارج الأولين؛ لأن هؤلاء جاءت فيهم نصوص، وهؤلاء جاءت فيهم نصوص، وكلهم خوارج. إذاً: قتل الخوارج لا يدل على خروجهم من الملة، ولا أن بدعتهم بدعة مكفرة.

стр. 39

الفرق بين الشرك والكفر السؤال ما الفرق بين الشرك الأكبر وبين الكفر الأكبر؟ الجواب الشرك الأكبر هو صنف من أصناف الكفر الأكبر، والكفر الأكبر أشمل من الشرك؛ لأن الكفر قد يكون بغير شرك مباشر، فقد يكون بترك أعمال الإسلام، أو بالإعراض عن الدين، أو الاستهزاء بالله ، أو الاستهزاء بالرسول ﷺ ، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة، فهذا كفر، لكن ليس له صورة الشرك، فعلى هذا يكون الشرك نوعاً من أنواع الكفر الأكبر، والكفر الأكبر يشمل الشرك وغيره. والله أعلم. أما الأمثلة على الشرك الأصغر، فمنها الرياء، والسمعة، وهذا من أوضح أمثلة الشرك الأصغر، والرياء هو الخلط في أمر يجب الإخلاص فيه للخالق ، وسواء كان قلبياً أو من أعمال الجوارح، فيجب أن يخلص لله ، وهذا الرياء فيما إذا كان لم يصل إلى صرف العبادة لغير الله، فإذا صرفت العبادة لغير الله صار شركاً، أما إذا كان مجرد مراعاة الخلط في عمل يجب أن يكون فيه الإخلاص لله ، فيكون من الرياء الأصغر، وصوره كثيرة، وأبرزها الرياء والسمعة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 40

شرح كتاب فضل الإسلام [٧] دين الإسلام هو الحنيفية السمحة دين إبراهيم ﵇ ووصيته، فمن رغب عن هذه الملة فقد سفه نفسه، وهو دين اليسر والسماحة، فلا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تنطع، ومن يسره وسماحته أن شرع الله تعالى الرخص لأهل الأعذار، ولم يكلف نفساً إلا ما تطيق وتستطيع، وهذا كله يدل على فضل الإسلام وهيمنته على سائر الأديان.

стр. 41

المحاجة في إبراهيم والرغوب عن ملته ودينه قال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٦٥]، إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠]]. قبل أن نتجاوز الآيتين أحب أن أقف بعض الوقفات؛ لأن الأحاديث والآثار التالية تحتاج إلى كلام مستقل. ذكر الشيخ أن من خصائص الإسلام أنه المهيمن، وأنه الحنيفية ملة إبراهيم، وأنه وصية إبراهيم ﵇، وأن من رغب عن هذه الملة فإنه قد وقع في السفه، وأن محاجة أهل الكتاب ودعواهم على المسلمين في كثير من الأمور في نسبتهم إبراهيم إليهم، ودعواهم أنهم أتباعه وأنه حجة على العرب، وأن النبوة لا تكون إلا في ذرية إسحاق ونحو ذلك من الأمور التي ادعوها، فإن الله قد أقام عليهم الحجة بأن ما يقولونه ليس عندهم فيه سند؛ لأن سندهم التوراة والإنجيل، والتوراة والإنجيل إنما أنزلت بعد إبراهيم ﵇، وليست ملغية للحنيفية؛ لأن التوراة والإنجيل كانت في بني إسرائيل، وملة إبراهيم كانت في قومه عامة، منهم أبناؤه هؤلاء وغيرهم، وكانت في بني إسرائيل وبني إسماعيل، وملة إبراهيم عامة وشاملة، وليس فيها حجة لبني إسرائيل -اليهود والنصارى- ولذلك فإن الله جعل ملة إبراهيم هي ملة لجميع أهل التوحيد من بعده: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، ومن ذلك ما جاء به النبي ﷺ ؛ فإن محمداً ﷺ من ذرية إبراهيم، وكتابه في ذرية إبراهيم القرآن، إنما هو في ذرية إبراهيم، فليس لهم حجة ولا أن يحتكروا ديانة إبراهيم أو يزعموا أنها لهم أو أنها فيهم، أو غير ذلك مما ادعوه، فمن فضل الإسلام أنه جمع بين خصائص ملة إبراهيم التي من ضمنها الديانات التي جاءت بعدهم، وأيضاً من خصائص الإسلام أنه جاء لجميع البشرية.

стр. 42

الإسلام دين السنة والفطرة قال رحمه الله تعالى: [وفيه حديث الخوارج وقد تقدم. وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما أوليائي المتقون)، وفيه أيضاً عن أنس: (أن رسول الله ﷺ ذُكر له أن بعض الصحابة قال: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أُفطر، فقال ﷺ : لكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فتأمل إذا كان بعض الصحابة لما أراد التبتل للعبادة قيل فيه هذا الكلام الغليظ، وسمي فعله رغوباً عن السنة، فما ظنك بغير هذا من البدع، وما ظنك بغير الصحابة؟]. في هذه الأحاديث فوائد تتعلق بأصل الكتاب وما تفرع عنه من الأمور التي ذكرها في الأبواب السابقة، والتي سيعيدها فيما بعد أيضاً. ويريد الشيخ بسياق هذه النصوص أن يبيّن أن من فضل الإسلام أنه دين السنة ودين الفطرة، وأن الإسلام يتميّز بأنه نقي صافٍ وأنه البيضاء التي أمر النبي ﷺ بسلوكها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأن البدع والمحدثات ليست من الإسلام، وأن الذين وقعوا في البدع والمحدثات في الدين وخالفوا السنة فمخالفتهم طعن في أصل الدين وفي أصل تمام الدين، وأن الله ميّز الإسلام بالحفظ وبالكمال بحيث لا يحتاج إلى تجديد أو ابتداء، كما أن الله ميّز الإسلام بالشمول. والشيخ ﵀ بدأ الأحاديث بقول النبي ﷺ : (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما أوليائي المتقون) يشير بذلك إلى أن الإسلام يتضمن ولاية الله، وأن المسلم ولي لله، وأن شرط هذه الولاية هي التقوى، فلا تنال ولاية الله إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهذا من خصائص الإسلام أنه لا تصح فيه دعوى التقوى إلا بأن يظهر ذلك على أمر المسلم وفي قلبه، وأن هذا يعني أن الإسلام من كماله أنه يشمل صلاح القلوب وصلاح الأعمال، وأنه ليس مجرد دعوى، فالإنسان لا ينال ولاية الله بالدعوى. ثم ذكر الحديث الذي فيه قصة بعض الصحابة الذين مالوا إلى التبتل تعبداً لله، هؤلاء الذين أرادوا أن يحرموا أنفسهم أو يشددوا على أنفسهم في بعض الأمور ما ورد على أذهانهم مسألة الابتداع، إنما الذي كان يرد على أذهانهم صريحاً أنهم أرادوا أن يعبدوا الله على أصول موجودة في الدين، لكن على غير ما أمر به الشرع تفصيلاً، أي: أنهم أخذوا بمجملات الدين لكن على غير ما شرعه الرسول ﷺ على جهة التفصيل؛ وهذا يدل على أن الدين لا بد أن يؤخذ جملة وتفصيلاً، فلا يقال: إن مبدأ الصيام مطلوب شرعاً، فأنا إذاً أصوم الدهر كله! نقول: إن جنس الصيام مطلوب شرعاً في الجملة، لكن لا يجوز أن تصوم أو تشرع صياماً على جهة التفصيل إلا بأمر شرعي. حتى ولو كان يوماً واحداً تتعبد به دون أن يكون لهذا اليوم أصل شرعي؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز للمسلم أن يزيد فيها ولا ينقص، ومنها ما هو مقيد ومنها ما هو مطلق، والمطلق له ضوابط أيضاً، فالنوافل بعضها مطلقة، لكن إطلاقها يكون وفق ضوابط شرعية لئلا يتعبد الإنسان بوقت دائم ويشرعه للناس، وأن لا يزيد في الصلاة بما يشغله عن واجبات أخرى، أو عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. فهؤلاء الصحابة الذين فعلوا ما فعلوا كان قصدهم الخير وكانوا ينهجون على أمور لها أصل في الإسلام، لكنهم شرّعوا تشريعاً تفصيلياً لم يرد به الإسلام بل يتنافى مع قواعد أخرى للشرع، فصيام الدهر لا شك أنه يؤدي إلى الإخلال بواجبات أوجبها الله على المسلم، والتبتل وترك الزواج يؤدي إلى ترك أمر أوجبه الله على العباد وهو التناسل، والحقوق المتبادلة بين الناس والرحم وغير ذلك، والقيام دائماً يحجب الإنسان عن أن يقوم بواجبات سائر النهار؛ لأنه إذا سهر الليل للقيام فلا بد أن يأخذ قسطه من النوم كسائر البشر، فهذا يؤدي إلى الإخلال بواجبات أوجبها الله عليه من طلب المعاش، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومعايشة أمور الناس ومخالطتهم على وجه شرعي. إذاً: هناك نتيجة نستفيدها عند تطبيقنا على مناهج الناس وهي: أنه تبين بالاستقراء أن الكمل من الرجال أولو العزائم ليسوا هم الذين يتفرغون للعبادة، ولا لنوع واحد من أنواع الطاعات والقربات، وليسوا هم الذين يقبلون على الدين ويهجرون الدنيا، أو يعتزلون الناس تعبداً لله، مع أن هذه المناهج فردية قد يُمدح بعض الناس فيها، لكن ليست هي الأمثل للمنهج السليم في اقتفاء السنة، لأن اقتفاء السنة يقتضي أن المسلم يعبد الله ويقوم بالفرائض والنوافل على الوجه الذي يناسب حاله وواجباته ووقته ثم يقوم بالأمور الأخرى، بمعنى أن يسد عملاً من أعمال المسلمين بحسب قدرته واستطاعته، وبمعنى أن يسد حاجة نفسه ومن حوله في أمور الدنيا فلا يبقى عالة على الآخرين، وأن يسهم في أعمال الخير ويسابق إليها جملة

стр. 43

الشمولية في تطبيق الدين وأحكامه ولذلك فإن الأفضل من صحابة رسول الله ﷺ الذين اكتمل فيهم معنى الدين بعد النبي ﷺ ، واكتملت فيهم معاني القدوة، نجدهم ليسوا ممن ينزع إلى العبادة فحسب، أو إلى الجهاد فحسب، أو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسب، أو إلى الدنيا وإن صرفها في سبيل الله فحسب، بل تجد الكُمّل النماذج والطراز الأول والرعيل الأول والقدوة الذين هم الأئمة أولو العزم من الرجال، هم الذين تتكامل شخصياتهم في العبادة والعمل في الدين والدنيا، في العمل الفردي والعمل الجماعي الذي يشاركون فيه الأمة، الأنموذج هم الأئمة والخلفاء الأربعة الراشدون، كل منهم إذا نظرنا إلى حاله وجدناه قمة في العبادة، وإذا نظرنا إلى عمله وجدناه قمّة في أمور إدارة دنيا الناس، وكلهم تولوا الخلافة الراشدة وأداروا بالفتح الدين والإسلام والمسلمين على وجه نادر في التاريخ، وكلهم لهم في الدنيا نصيب، فمنهم من هم أصحاب تجارة كـ أبي بكر وعثمان، وما ألهتهم تجارتهم عن العبادة ولا عن القيام بالجهات الأخرى، وفي الجهاد نجدهم كلهم من المبرزين، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجدهم كلهم من المبرزين، وفي أعمال الخيرات والمسابقة إليها نجدهم كلهم من المتسابقين والسابقين لغيرها على ما بينهم من تفاوت، ولا يستطيع مسلم أن يكون مثلهم، لكن يجب ألا نغتر بما يلجأ إليه بعض أصحاب الأهواء والبدع من النزوع إلى أخذ خصائص بعض الصحابة وجعلها هي المنهج فقط، فمثلاً: المتصوفة زعموا أن منهج أهل الصفّة هو المنهج الذي يجب الأخذ به، مع أنهم ما نهجوا منهج أهل الصفّة، فأهل الصفّة لهم ظروفهم وأحوالهم وهم فقراء من مساكين المسلمين، لكن مع ذلك كانوا يجاهدون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إلا أنهم مع ذلك اشتهروا بأنهم أكثر الناس تفرغاً للعبادة؛ لأنه لا يشغلهم شاغل ولا يوجد عندهم وسائل للدنيا، فكذلك نجد من يسلك مسلك المراء والجدل والكلاميات يدّعي أن أمثال علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس أصحاب جدل ومناظرات، وليس الأمر كذلك، فما كانت هذه صفاتهم، بل كانت هذه أموراً عارضة يحتاجونها عند الضرورة والحاجة وأيضاً فإن بعض الصحابة لهم خصائص أخرى لكن نجد أنهم في الأمور الأخرى التي ليست من خصائصهم ما نعرف أن لهم إسهاماً مثل إسهام الآخرين، فمثلاً: خالد بن الوليد ﵁ اشتهر بالشجاعة والبراعة في الجهاد والقتال، فهذا من خصائصه لكن لم يكن له في الفقه كبير موقف، ولا يعني أن هذا لا يقدر، لكن أشغله الجهاد، فإذاً: الكمال ندرة في الرجال، وهذا المنهج هو الذي نعتبره المنهج الأمثل، سواء استطاع كل واحد منا أن يصل إليه أو لم يستطع؛ لأن أغلب الناس لا يستطيعون أن يكونوا على هذا المستوى، لكن يجب أن نعلم نظرياً ومنهجياً أن هذا هو المنهج الأمثل وأن نسعى إليه، وإلا فمن المعلوم أنه لا يستطيع كل واحد منا ولا أكثرنا، وربما أننا على وضعنا الحاضر لا نستطيع أن نكون مثل هؤلاء أو قريبين منهم، لكن يجب أن نسعى إلى الأمثل، بمعنى أن نعرف أن نهج الشخصية المسلمة التي تتمثل به القدوة هي الشخصية المتكاملة، وأن هذا هو النهج الذي يدعى إليه الناس، وهو نهج الأئمة الذين يقتدى بهم في الدين، وعلى هذا قيسوا على مدار التاريخ كبار التابعين، الأئمة الأربعة، الدعاة المشاهير في التاريخ، وفي المعاصرين على سبيل المثال الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ تجده في كل عمل يستطيعه له إسهام، في العلم ونشره لا يبارى، وفي الاجتهاد والفقه والأحكام لا يبارى، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يضاهيه أحد، وفي النصح للمسلمين عامتهم وخاصتهم لا يضاهيه أحد، وفي رعاية أحوال المسلمين من الأيتام والأرامل والمساكين لا يضاهيه أحد في عصره، وفي إغاثة المسلمين في الخارج والاهتمام بشئون المسلمين والأمة جميعاً والسبق إلى الأمور الإغاثية لا يضاهيه أحد، وفي الاهتمام بالأقليات في أقصى الدنيا لا يضاهيه أحد، وفي تفقد أحوال المسلمين حتى خارج هذه البلاد أفراداً وجماعات، مثل المستضعفين والمساكين والعجائز والمرضى لا يكاد يضاهيه أحد، وفي نصرة المظلومين عندما يصل الظلم إلى أقصاه لا يضاهي منهج الشيخ أحد، وتعرفون أنه حينما حدث لبعض طلاب العلم وكادوا أن يُقتلوا في بعض البلاد الإسلامية وحُكم عليهم بالقتل، فالشيخ فزع واتصل بالمسئولين حتى أنقذهم الله على يده، ولم يكتفِ بذلك بل دعاهم بأن يأخذوا عمرة ثم يزوروه في بيته، لما أنقذهم الله على يديه، وغير ذلك من القصص العجيبة التي تدل على كمال الشخصية فيه، فلا تجد الشيخ يدرك باباً للمعروف إلا ويسلكه وهذه من كرامات الله له. ولو تأملنا كثرة أشغال الشيخ في أمور المسلمين الخاصة والعامة، وتأملنا عملاً واحداً من أعماله لقلنا: هذا يكفي لإتعاب مئات الرجال بل لا أشك ولا أُبالغ حينما أقول: إن بعض أعمال الشيخ في جانب الإغاثة فقط تُعادل عمل مؤسسات

стр. 44

الأسئلة

стр. 45

الاقتصار على جانب واحد مما ينفع الإسلام السؤال ما رأيك فيمن يقول: إن القيام بجانب واحد من أمور نفع الإسلام أجدى وأنفع من الجوانب المتنوعة؛ لأن في ذلك تركيزاً للجهود؟ الجواب هذا صحيح لبعض الناس ومن بعض الوجوه، وهناك فرق بين المنهج وبين التطبيق، فحينما نتحدث عن المنهج الأمثل في الإسلام لا بد أن نعترف ونقر بأن المنهج الأمثل في الإسلام لمن يستطيعه هو الشمولية والعمومية، لكن عند التطبيق نجد أن بعض الناس لا يستطيع أن ينفع بأكثر من نفع واحد، فقد تعطيه مهمة واحدة يشتغلها، وإذا أعطي أكثر من مهمة يرتبك، فهذه قدرات ولكن ليس له دخل في المنهج، ولذلك حتى الصحابة ﵃ وهم الجيل الأول والكمّل قد لا يستطيع الفرد الواحد أن يعمل إلا عملاً واحداً، ومنهم من برّز في شيء ولم يبرّز في أشياء، وليس معناه أنه مقصّر، بل هذه استطاعته، كذلك بالنسبة للتطبيق وبالنسبة للعمل في الدين والإسلام سواء العمل الواجب على كل فرد أو الأعمال التطوعية، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وينبغي أن نحمد هذا ونحمد هذا، والإنسان الذي يعمل بعمل واحد ويتمه ولا يستطيع أن يعمل أكثر منه، يُحمد على ذلك وربما لا يقل أجره عن أجر ذاك الذي يعمل أصنافاً من الأنشطة أو غيرها، فربما كان أجر هذا أكثر من أجر ذاك. إذاً: يجب أن نفرّق بين أمرين: بين مسألة المنهج عندما نرسم القدوة لأجيال المسلمين، نبيّن لهم أن القدوة كذا وكذا، ولا نجعل القدوة في أمر جزئي يصرف الناس عن الواجبات الأخرى، والذي جعل بعض الجماعات الإسلامية وبعض المراكز وبعض الهيئات وبعض الاتجاهات يعمل بعمل واحد ويخطئ الآخرين، مثل بعض الشباب الذين يدّعون السلفية لا يهمهم فقط إلا قراءة علم الحديث، وإذا قرأت في الفقه فأنت قد خرجت عن منهجهم، وإذا اعتنيت بالعقيدة فأنت قد خرجت عن منهجهم، وإذا عملت بنشاط عملي للناس في أنشطة مدرسية أو مؤسسية أو مراكز صيفية، فتكون عندهم قد خرجت عن المنهج، وهذا غلط بل المفروض أن يحمدوا لهذا عمله ويشجعونه، وقد يكون الواحد ليس عنده استيعاب للعلم الشرعي ولا يستطيع ذلك وحتى يقرأ الحديث قراءة متخصصة، لكنه يعمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا نقل: إنه مقصّر! لا، نقول: جزاك الله خيراً، وهذا عملك، إذاً: يجب أن نعرف أن الناس تختلف قدراتهم كأفراد، فالذي يقدر على الكمال ولا يسعى إليه مقصر، والذي يسعى إلى الكمال ولا يستطيعه هذا مفرط، فينبغي أن نبيّن له أنه كما قال الخليل بن أحمد للأصمعي حينما أراد أن يتعلم العروض، وهو إمام ترجع الأمة إليه إلى الآن قال له بيتاً: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع فعرف وأدرك أنه يريده، فخرج، فهذا عالم ولا يضره هذا، ولا يضر ذلك في قدره ولا في أجره عند الله ، فالأجور عند الله لا يعلمها إلا هو . ويبدو لي من خلال السؤال أن هناك فرقاً بين أن نرسم المنهج الأمثل وبين واقع الناس، لأن الناس حسب مقدراتهم، وكل من عمل خيراً وهذا ما يستطيعه نقول: جزاك الله خيراً، ونشجعه ونؤيده، حتى لو ما عمل إلا أدنى المعروف الذي أوصى به من وصايا، فينبغي أن نفهم هذا وذاك لئلا نخلط. فمن الخطأ الفادح والخلل الذي أوقع شبابنا في ربكة وجعل كثيراً منهم لهم جهود في الخير ولكن يكون عندهم نوع من الاضطراب الآن هو خطأ كثير ممن ينتسبون إلى الدعوة والعلم في تبصير الناس وقصرهم الخير على باب واحد، ويخطئون من يعمل بغير هذا الباب، ويجعلون ما يجيدونه هم هو الأنموذج بأمر قد لا يريده بعض الناس الآخرين، والناس يتفاوتون، فمنهم من لا يفهم إلا فهماً بسيطاً، ومنهم من لا يعمل إلا عملاً بسيطاً، ومنهم من يستطيع أن يصدر عن عمله ويشغل الأمة، وفرق بين هذا وذاك، وبعض الناس ينفع نفسه ويكف شره عن الناس، فهذا على خير عظيم، وبعض الناس خير كله، تجده معطاء، فلا نجعل الناس كلهم على درجة واحدة، إنما المنهج ينبغي أن يكون هو المنهج الشامل وهو منهج السنة.

стр. 46

التخصص في العلوم الشرعية السؤال ما رأيكم فيمن يدعو إلى التخصص في العلم الشرعي وفي العمل الإسلامي عموماً؟ الجواب لا نطلق ولا نحجر، فالتخصص في العلم الشرعي إذا كان لا يستطيع الإنسان أن يكون عنده شمولية فلا حرج فيه، ولكن ينبغي ألا يجهل البدهيات في العلوم الأخرى، فمثلاً: يركز على التخصص في الحديث ويجهل الفقه والعقيدة هذا أو في منهج الاستدلال هذا لا يصح، لكن ينبغي أن يؤسس شخصيته العلمية على أصول العلوم الشرعية، مثل القرآن وعلومه وتفسيره، والحديث وعلومه ورجاله، ثم العقيدة وما يتفرع عنها من الأصول الضرورية، ثم الفقه وأصوله، ثم اللغة العربية فهذه العلوم لا بد أن ترتكز عليها قاعدة طالب العلم، ولا بد أن توجد مثل الأسس للبيت، فأنت إذا أسست البيت لا بد أن تؤسس قواعده، فإذا انتهيت من القواعد تشكل البيت حسب حاجتك وهذا راجع لك، لكن لا بد أن تكون الأسس قوية ومتينة بحيث لو احتجتها تجدها على أصول شرعية. فلذلك لا حرج في هذا ولكن لا يحجر أحد على أحد خاصة في العلوم الشرعية التي ينفع الله بها، لكن من استطاع أن يكون شمولياً في العلم الشرعي فهذا هو المطلوب الإمامة في الدين لا تكون للأمة إلا من العلماء الراسخين وليس المتخصصين، والمتخصصون يكفل بعضهم بعضاً، ولذلك لو أردنا أن نناقش قضية من النوازل الحديثة المتشابكة، يكون فيها جانب طبي وجانب هندسي وجانب كذا وآخر، فأردنا أن نبحث فيها فلابد أن نأتي بالمتخصصين كلهم ويعطونا خلاصة عن التخصص، ولكن الذي يفتي فيها هو العالم، وكذلك القضايا الشرعية الأخرى لو افترضنا أننا الآن ليس عندنا عالم شمولي، وأتت قضية من القضايا العلمية التي تحتاج أن نرجع فيها للتفسير والحديث والفقه والعقيدة واللغة العربية، فهذا يتأتى في كثير من قضايا الشرع، لأن كثيراً من القضايا الشرعية تحتاج إلى التخصصات فلو فرضنا أننا احتجنا قضية من القضايا الخطيرة التي لا بد فيها من تكامل هذه التخصصات، وليس عندنا عالم شمولي، فلا بد أن نأتي بأربعة أو خمسة كل في تخصصه، وهنا تدركون خطأ التركيز على التخصصات، فالتخصصات مفيدة لكن بشرط أن يوجد عندنا مرجعية وأن نركز على أنموذج من طلاب العلم ننمي فيهم العلم الشرعي الشامل، ولذلك ينبغي أن نستدرك أنفسنا، ونستدرك الحال مع طلاب العلم في أن نشجع الطلاب النابهين للحضور عند دروس المشايخ الشاملة، ولا يقتصر على فن واحد، فإن وجد عند شيخ من المشايخ الشمولين وإلا فينبغي أن ينوع، فيحضر عند هذا الشيخ درساً وعند الآخر الدرس الثاني، حتى نخرج شخصيات متكاملة، ولذلك أقول: الأمة مقبلة على كارثة في هذا الجانب، فمسألة طلب العلم صارت تخصصات، فإذا ذهب هذا الجيل الذي بقي منه حبيبات الجيل التخصصي الشامل جيل الراسخين في العلم ماذا ستتصورون؟ وعندنا علماء لكنهم ليسوا علماء شمولية، هذه حقيقة خطيرة ينبغي أن نشجع طلاب العلم الذين يأخذون من عموم المشايخ ونركز على أن يطلبوا العلم الشمولي. كما نحثكم على قراءة كتاب الحداثة في ميزان الإسلام، وهو كتاب جيد وأثنى عليه سماحة الشيخ ابن باز ﵀. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 47

شرح كتاب فضل الإسلام [٨] الإسلام هو دين الفطرة التي هي دين إبراهيم ودين جميع الأنبياء ﵈، وهي تعني إخلاص العبادة لله تعالى دون من سواه، ومن خرج عن الفطرة وتنكب الصراط المستقيم فقد عرض نفسه للعذاب، وليأتين يوم يذاد فيه عن الحوض أقوام بدلوا وغيروا، وارتدوا على أدبارهم، فيقول لهم الرسول ﷺ : سحقاً سحقاً لمن غير وبدل.

стр. 48

أدلة الفطرة من الكتاب والسنة قال رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]. وعن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم وخليل ربي، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨] رواه الترمذي). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). ولهما عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم احتجبوا دوني، فأقول: أي رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). ولهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً). وللبخاري: (بينما أنا قائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة فذكر مثله قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم). ولهما في حديث ابن عباس ﵄: (فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧])]. بوب الشيخ لهذا الموضوع بالفطرة: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)) الذي هو دين الفطرة، وقد ذكر وبيّن ذلك من خلال الأحاديث فأراد في هذا الفصل أن يبيّن أن الإسلام هو الفطرة، وأنه هو الحنيفية ملة إبراهيم، وهو وصية إبراهيم ﵇، ثم بدأ الباب بالآية وهي قوله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. والدين القيّم هو الدين المستقيم، دين الله ، وهو ما جاء به جميع الأنبياء بمقتضى هذه الفطرة، سواء في جانب الاعتقاد أو في أصول التشريع، إنما الاختلاف في فروع الشريعة وفي الأحكام التفصيلية، أما في مجملات الدين الذي يتمثل في العقيدة وفي أصول الأحكام وتحقيق الغاية الكبرى من الخلق وهو عبادة الله ، ثم أيضاً تحقيق الأصول الكبرى مثل العدل والفضيلة والصدق والوفاء والأمانة ونحو ذلك هذا كله مقتضى الفطرة وكله جاء به جميع الأنبياء، وهو ملة إبراهيم ومن قبله ومن بعده.

стр. 49

معاني الإسلام ثم ذكر أن ذلك وصية إبراهيم وهو الإسلام في كل زمان بحسبه؛ لأن الإسلام مسمى لهذا الدين الذي أنزله الله في كل أمة حسب وقتها وما أرسل الله إليها، ووصية إبراهيم ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] وهذه الوصية تعني التزام الإسلام كما هو آخر الآية ((فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) والإسلام هو دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، ثم إن الإسلام يعني جميع ما جاءت به الرسل في أوقاتهم، ومن هنا فإن الإسلام بعد مبعث النبي ﷺ ينطبق على معنيين: المعنى الأول: الإسلام العام الذي هو العقيدة والأصول التي جاء بها جميع النبيين، وهذا أمر لا يختلف فيما جاء به النبي ﷺ عما جاء به غيره من لدن نوح إلى خاتم النبيين كله واحد. والمعنى الثاني: الإسلام بالمعنى الخاص وهو ما يضاف إلى ذلك من الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ ، والتي هي مهيمنة وناسخة للشرائع السابقة. إذاً: فالإسلام بعد مبعث النبي ﷺ إنما يعني هذا المعنى وهو: الإسلام الخاص، ولا يعني ذلك أن نخرج الأمم من مسمى الإسلام، فآدم وذريته مسلمون إلا من انحرف فيما بعد عن الإسلام، ونوح وأتباعه مسلمون، وإبراهيم وأتباعه مسلمون، وبنوه الذين بعثهم الله وجعل النبوة في ذريته ذرية يعقوب وذرية إسحاق وذرية إسماعيل، وأغلب أنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق، لكن النبي محمداً ﷺ من ذرية إسماعيل، فهم فيهم النبوة، وكلهم جاءوا بالإسلام، وكلهم وأتباعهم مسلمون، لكن بعدما اندثرت الشرائع وطالها التحريف ووقع أتباعها في الجهل والفرقة والتحريف والتبديل نسخ الله ذلك كله وأبدله بهذا الدين وبهذا الإسلام، فصار الإسلام يعني هذا الإسلام الخاص الذي جاء به محمد ﷺ ، ولذلك لا يسع أحد من الناس بأن يدّعي أنه مسلم بمجرد أن ينتسب إلى نبي كما هي الدعوى الحاصلة الآن من رافعي لواء التقريب بين الديانات الكتابية أو ما يسمى بالديانات الإبراهيمية، فإنهم زعموا أن هؤلاء كلهم على الإسلام؛ لأنهم أتباع الأنبياء، وهذا خطأ، بل ضلال مبين، ومن أعظم الضلال والتلبيس، فإنا كما نؤمن بموسى وعيسى ومحمد ﷺ فإنهم كلهم أوصوا باتباع محمد ﷺ إذا بعث، فلا يجوز أن نتبع غيره ولا أن نعترف بالإسلام أو بأن من حاد عن هذا الدين على الحق، لا نعترف لأحد بالإسلام إلا من كان على هذا الدين، ولا أنه على الحق إلا من كان على هذا الدين، وقد أقسم النبي ﷺ بذلك، فقال: (والله لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار). ثم ذكر قوله : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] وهذا في جانب الاعتقاد، أما في الشريعة فإن الله جعل لهذه الأمة شريعة خاصة.

стр. 50

أولى الناس بإبراهيم ﵇ ثم ذكر حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم خليلي وخليل ربي، ثم قرأ قوله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]). ويعني هذا أن دعوى بني إسرائيل بأنهم هم أولياء إبراهيم هذه دعوى باطلة، وكذلك دعوى أصحاب القوميات والنزعات القومية العرقية الذين يدعون أن اجتماع العرب واجتماع الأمم ينبغي أن يكون على مثل هذه السلالة، وأن الأخوة بين البشر ينبغي أن تنبني على مثل ذلك، حتى ادعوا أن بني إسرائيل المعاصرين من اليهود إخوة للمسلمين؛ لأنهم كلهم يرجعون إلى إبراهيم ﵇، وهذا خطأ، لأن الله إنما أشار إلى أن الولاية للذين اتبعوه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران:٦٨] لا الذين انتسبوا إليه بالنسب، ومع أننا نلتقي مع بني إسرائيل الذين هم اليهود نسباً بإبراهيم ﵇، لكن لا يعني ذلك أن هذا هو طريق الولاية، فالولاية لا تكون إلا بالإيمان والتقوى، ولا تكون إلا باتباع ملة إبراهيم التي جاء بها محمد ﷺ ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)) جميعاً، أي: الذين اتبعوا إبراهيم على هذا النهج، وكذلك اتبعوا هذا النبي الذي هو محمد ﷺ ، وهذه الآية من الآيات المحكمة في تقرير الولاية وتقرير الولاء للمسلم، فلا يجوز للمسلم أن يوالي إلا على الدين، ولا يوالي على دين إلا على دين الإسلام، وأن الذين ينحرفون عن هذا الدين الذي هو الإسلام ليسوا أولياء لا لإبراهيم ولا لغيره من النبيين، بل النبيون براء منهم، والمؤمنون يجب أن يتبرءوا منهم، ويجب أن يكون هذا الحد من الأمور الواضحة عند كل مسلم، فلا يوالي إلا على الدين، ولا يوالي إلا على النهج السليم الذي هو مقتضى السنة، ولذلك لا تحصل للمسلم ولا لغيره الولاية لله إلا بالإيمان، ولا يمكن لأحد أن يدّعي دعوى صحيحة أنه من أتباع إبراهيم ولا من أتباع محمد ﷺ إلا إذا التزم هذا الدين، وهذا يقتضي بالضرورة البراءة من عكس ذلك والبراءة ممن لم ينتسب لهذا الدين الحق.

стр. 51

الفطرة هي موافقة العمل الصالح ثم ذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وهذا يفيد أن المعوّل في الحكم بالصلاح والاستقامة وتحقيق رضا الله وتقواه هو التقوى والعمل الصالح، وليس المظاهر ولا الأموال، فالأموال والأجسام والصور يعطيها الله جميع العباد المسلم والكافر، إذاً: المعوّل على ما في القلوب والأعمال من الإيمان بالله والتقوى والإحسان والاستقامة وسائر الأعمال القلبية التي يتحقق بها الإيمان الحقيقي الذي أراده الله ، وأيضاً الأعمال لا تصح إلا على مقتضى دين الله . فإذاً: الولاية لله لا تكون إلا بذلك؛ لأن معنى قول الرسول ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم) بمعنى أن الله لا يبالي بغير ذلك، ولا تنال ولاية الله إلا بالتقوى والعمل.

стр. 52

مآل من خرج عن فطرة الإسلام ثم ذكر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم احتجبوا دوني، فأقول: أي رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). فهذا الحديث ونحوه من الأحاديث المشابهة تعتبر من النصوص التي تشتبه معانيها، ولا بد من ردها إلى نصوص أخرى، والاشتباه آتٍ من أن أهل الأهواء استدلوا بمثل هذا الحديث على أن الصحابة ارتدوا، وهذا استدلال خاطئ ومبني على أن أهل الأهواء لا يردون النصوص إلى النصوص الأخرى، ولا يفسّرون النص بنص آخر، أو يردون النصوص إلى القواعد الشرعية التي تفسرها وتبينها، فإن هذا الحديث وأمثاله جاء على عدة ألفاظ وعلى عدة معانٍ تقتضي أن نفسّر هذا الحديث بغيره، وهذا الحديث لا بد أن يخصص هذه الفئة الذين يرتدون، والمخصص هو الأحاديث الأخرى التي فيها تزكية الصحابة ﵃ وأن الله رضي عنهم، وأن النبي ﷺ توفي عنهم وقد زكاهم وأمر بعدم سبهم، وعلى ذلك فإنا لا بد أن نفسّر الحديث بمقتضى نصوص أخرى كما سيأتي. إذاً: الحديث من يعني من فئة أصحاب النبي ﷺ ؟ بعض أهل العلم قال: إن هذا فيه إشارة إلى المنافقين ممن كانوا في عهد النبي ﷺ الذين يتظاهرون بأنهم أصحابه، وهؤلاء لا يعلمهم إلا الله ، وبعضهم قال: إن هذا لا يعني الردة، وهو الراجح، وإن وردت في بعض ألفاظه: (ارتدوا) وارتدوا بمعنى تراجعوا أو تركوا بعض الحق لا ارتدوا عن الإسلام، فيحمل الحديث على معنى آخر، وهو أن المقصود به الذين وقعوا في أخطاء عن اجتهاد بعد النبي ﷺ ممن كانوا في وقته لكنهم يذادون عن الحوض فقط، ولا يعني ذلك عدم دخولهم الجنة، فهم يعاقبون بذنوب كسائر الذنوب التي يقع فيها المؤمنون، فهم قد يكونون ممن كانوا في عهد النبي ﷺ وهذا احتمال بعيد، لكن ليسوا من أصحاب الردة أو البدع أو الأهواء والافتراء، إنما ممن وقعوا في معاصٍ أو مخالفات للسنة، فيذادون عن الحوض ولا يشربون لكنهم يدخلون الجنة، وهذا يؤيده القول الراجح في أن الحوض بعد الصراط، ونحن نعلم أن من تجاوز الصراط لا بد أن يدخل الجنة، لكن قد يحصل له قبل دخول الجنة أمور، منها: أن توصد أبواب الجنة أمام الكثيرين من المؤمنين، وأيضاً بعض المؤمنين قد لا يشربون من الحوض عقوبة لهم على ذنوب عملوها، لكنهم نجوا بغيرها فعوقبوا عقوبة جزئية لا تحرمهم من الجنة، لكن تحرمهم من بعض النعيم قبل دخول الجنة، وهذا على احتمال أن المقصود به أناس من أصحاب النبي ﷺ ، لكن الاحتمال الراجح والذي يفسره النصوص أن المقصود بـ (أصحاب) هنا الأتباع وليس المقصود بالأصحاب الصحابة، لأن أمة النبي ﷺ كلهم أصحابه وإن كان فسّر ذلك في حديث آخر حينما قال: (أنتم أصحابي) فنقول: إن المقصود هنا بالأصحاب المعنى الخاص، والأصحاب هناك يقصد المعنى العام، ولا شك أن الصحبة لها معنى خاص ومعنى عام، فالأصحاب قد تطلق على الأتباع حتى على مقتضى اللغة العربية، وجاءت بعض الألفاظ الشرعية تدل على أن الأصحاب هم الأتباع الذين هم الأمة، فأصحاب النبي ﷺ هم جملة أمته، وصحابته الذين عاشوا في عصره لهم صحبة أخص؛ فإذاً: المقصود بالأصحاب هنا المعنى اللغوي العام، وهو أنهم من أمته. ولذلك عندما يأتي مثل حديث أبي هريرة التالي قوله ﷺ : (وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي) فالأصحاب هنا بمعنى الصحبة الخاصة، لكن الإخوان لا يخرجون من المعنى العام للأصحاب، وهذا هو الظاهر على مقتضى القواعد الشرعية واللغة العربية (الذين لم يأتوا بعد، قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد) إلى آخره، ثم ذكر وصف أمة محمد ﷺ ، وأنهم غر محجلون، تظهر آثار الوضوء على جباههم وأيديهم وأرجلهم، وهذه من فضائل هذه الأمة وتدخل في فضائل الإسلام التي أشار إليها الشيخ في العنوان. وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري: (بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة) إلى آخره، فقوله: (ثم زمرة) يدل على أن هذا يحصل في أجيال بعد الصحابة ﵃؛ لأن الحديث لا يدل على الردة عن الإسلام، وإن كان يحتمل هذا المعنى، لكن ظاهره أن المقصود به الارتداد عن الحق بمعنى التفريط وبمعنى الإخلال لا بمعنى أن ينهدم الإسلام في نفوسهم، هذا هو الظاهر؛ لأن هذه من نصوص الوعيد. ثم قال: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)، هذا يدل على أنه ليس المقصود بهم الصحابة؛ لأن الصحابة جملتهم ناجون بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 53

شرح كتاب فضل الإسلام [٩] ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، هذه الفطرة هي التوحيد والإسلام بمعناه العام، فإذا نشأ العبد على الإسلام تحقق له الإسلام الخاص بتفاصيله المعروفة. ولابد أن تأتي الفتن وتظهر خاصة في آخر الزمان، فإذا ظهرت فعلى المؤمن ان يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فليعتزل تلك الفرق كلها ولو أن يعض على أصل شجرة حتى يأتيه الموت.

стр. 54

معاني الفطرة والحنيفية قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [(ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها)، ثم قرأ أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]، متفق عليه. وعن حذيفة ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فتنة عمياء ودعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله! ما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) أخرجاه. وزاد مسلم: (ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط عنه وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره. قلت: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة). وقال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ وإياكم وهذه الأهواء. انتهى. تأمل كلام أبي العالية رحمه الله تعالى هذا ما أجله واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة والإسلام، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]. وأشباه هذه الأصول الكبار التي هي أصل الأصول والناس عنها في غفلة، وبمعرفته يتبين معاني الأحاديث في هذا الباب وأمثالها، وأما الإنسان الذي يقرؤها وأشباهها وهو آمن مطمئن أنها لا تناله، فيظنها في قوم كانوا فبانوا، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: هذه سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]) رواه أحمد والنسائي]. هذا الكلام والنصوص متمم لما سبق تحت الباب الأصل وهو، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم:٣٠]، وهنا ساق الشيخ عدة نصوص وأقوال وآثار للعلماء هي امتداد لتفسير معنى الحنيفية والدين، وأيضاً ما أمر الله به من الاستقامة على الفطرة والإسلام، وللشيخ وقفات عجيبة ولمحات تدل على قوة فقهه في السنة والنصوص، فهو أورد الحديث ليبين أن الإسلام هو دين الفطرة (ما من مولود يولد إلا على الفطرة). ثم أشار إلى أن الأصل في الناس كلهم أنهم على الفطرة، وعلى الإسلام بمعناه العام، فإذا وفق الإنسان لأن ينشأ في بيئة مسلمة ويتربى على يد أبوين مسلمين فإنه يتحقق له الإسلام بمعناه الخاص وهذه درجة ثانية، ودرجة ثالثة وهي إذا وفق العبد للاستقامة على السنة وربي عليها وبقي له معنى الإسلام الصحيح الكامل وإن لم يوفق فقد ينحرف عن السنة ولو لم يخرج من مسمى الإسلام بمفهومه العام الشامل، ولذلك لما تكلم الشيخ بعد ذلك عن هذه الأمور فصل فيها على هذا النحو.

стр. 55

تأملات في حديث حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) ثم ذكر حديث حذيفة ﵁ في مسألة موقف المسلم من الفتن إذا كثرت، ومن غربة الإسلام إذا صارت، وقد كثر كلام أهل العلم حول هذا الحديث وما الذي قصده النبي ﷺ بمثل هذا الحديث، والنبي ﷺ حينما أخبر وأوصى حذيفة ووصى بعض الصحابة بمثل هذه الأمور أوصاهم على أمر سيكون، لكن إذا تأملنا الوصاية التي أوصى النبي ﷺ في هذا الحديث وجدناها تخصص بأحوال؛ لأن هناك نصوصاً أخرى تفسر معاني هذه الوصاية، فلو تأملنا قوله ﷺ حينما سئل عن الشر الذي كان قبل الجاهلية وهل سيحدث مثله أو سيعود مرة أخرى: (فهل بعد هذا الخير) أي: هذا الإسلام الذي جاء في عهد النبي ﷺ حينما سئل (هل بعده من شر؟ قال: نعم) وبهذا نفهم أنه ليس المقصود بالشر عودة الجاهلية بكاملها لكنه شر نسبي، وهذا التفسير يشمل نصوصاً وأخباراً كثيرة عن النبي ﷺ ، مثل: نفي الإسلام عن بعض الأحوال، ونفي الإسلام عن بعض الأشخاص، ونفي الإسلام عن بعض الفئات، لابد أن يخصص لما جاء له، كذلك سيكون شر لكنه نسبي فتنة أو فتن تقع لكنها لا تزيل جذور الإسلام ولا تستبيح بيضة الإسلام والمسلمين، إنما هو أمر جزئي يقع لفتنة عارضة أو لأمور تحدث في بعض فئات المسلمين دون البقية، ودليل ذلك: الأخبار المؤكدة بأن الله سيحفظ هذا الدين، والأخبار المؤكدة بأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، حتى مع وجود الشر النسبي الذي سيكون على طوائف من الأمة أو يكون في أحوال تكون الفتنة هي السائدة، ولكن هذه ومضات وإلا فالخير باقٍ إلى قيام الساعة وإلى أن يقاتل المسلمون الدجال كما في آخر الحديث. إذاً: لابد من تخصيص مثل هذه النصوص التي تحكي وجود الشر، وهيمنة الفتنة والغربة لابد من تخصيصها بالنصوص الأخرى وتفسيرها بالنصوص الأخرى. ولذلك لما قال: (وهل بعد الشر من خير؟) معناه أنه يمر على الأمة مراحل تسود فيها الفتن ويسود فيها بعض الشرور، لكن تبقى جذوة السنة وتبقى الطائفة المنصورة ويبقى الحق ظاهراً بيناً كما ذكر النبي ﷺ في حديث آخر: (تركتكم على المحجة أو على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، فهذه البيضاء معناها أنها كالشمس الطالع لا تغيب فالشمس الظاهرة لا يمكن أن تخفى على الناس، (فقال: نعم، وفيه دخن)، فلو أخذنا أنموذجاً لتطبيق هذا الحديث لوجدنا أنه بعد هذا الحديث حدثت فتنة في عهد عثمان ﵁ وهذه الفتنة صار فيها شيء من الأمور التي جعلت بعض الصحابة لا يستطيع أن يجزم بالحق في أمر ما حدث بين الأمة فوقفوا؛ فمنهم من أخذ بهذه الوصية واعتزل؛ لأنه لم يستبصر الأمر فاعتزل لكن هذا الاعتزال لم يحكم الأمة كلها، فمن الصحابة من استبصر الأمر وصار الأمر عنده واضحاً كما حدث من علي ﵁ ومن كانوا معه، ومنهم من تأول كـ معاوية ﵁ ومن كان معه، ومنهم من قال: لا أدري؛ لأن هؤلاء صحابة وهؤلاء صحابة وليس عندنا ما نجزم به، وهؤلاء يريدون الحق ولا نستطيع أن نتهم دين أحد، فهؤلاء عملوا بمقتضى الحديث في ذلك الوقت المبكر. لكن أثناء تطبيقهم لمقتضى الحديث: هل زال الإسلام وزالت السنة؟ لا، الإسلام كان قوياً والسنة كانت ظاهرة، لكن بعد هذه الفتنة وبعد انجلائها تبين الأمر أكثر من قبل، وأعقبها خير، والخير الذي فيه الدخن هو ظهور الفرق. فالخير يكون فيه دخن ولبس وخلط، أي: يعرفون فيه نوعاً من المخالفات والبدع، ويكون الناس يرجعون للإسلام ولكن يبقى مخالفات البدع في طوائف من الأمة وليس في كل الأمة، ولذلك ينبغي أن نحذر من تفسير بعض المعاصرين لهذا الحديث حين قال: يجب أن نقبل من المسلمين ما هم عليه، فصاحب البدعة نقبل بدعته، وصاحب الفساد والفسق والفجور نقبل منه ذلك؛ لأن النبي ﷺ أخبرنا أنه سيعود الخير وفيه دخن، فلابد أن نقبل ما عند الناس ولا داعي أن نقول: السنة هكذا أو الحق هكذا أو النهج الذي كان عليه السلف هو الذي ينبغي أن يلتزم؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأن الحق أو الخير يعود وفيه دخن! نقول له: لا، هذا فقه قاصر، فليس كل الحق يكون فيه دخن، إنما معنى ذلك أنه بعد الفتن وبعد ما يحدث على الأمة أحياناً في بعض الظروف تخرج طوائف من الأمة عن السنة، فهذا الدخن في مجموع الأمة لا في كلها، فبعد الفتنة على عثمان ﵁ وبعدما حدث الشجار بين الصحابة ظهرت فرق، وهذه الفرق هي الدخن، لكن بقية المسلمين على السنة وليس في عقائدهم لبس، ولا عندهم دخن في الدين، بل كانوا على السنة الظاهرة. ثم فسر الدخن، (قال: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) وهم أهل البدع والظلم والفسق والفجور وهذا يدل على أن

стр. 56

لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن أيضاً: في قوله ﷺ : (تلزم جماعة المسلمين)، لما قال: (قلت: يا رسول الله! ما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، وهذه وصية عامة لكل مسلم يحدث له مثل ذلك في أي زمان وفي أي مكان إذا رأى الأمر يوجد فيه شيء مما يخفى فيه الحق، فإذا حدثت فتنة بين المسلمين أياً كان نوع هذه الفتنة، فعليه أن يلزم ما عليه جماعة المسلمين؛ لأن كلاً يدعي أنه الجماعة، وفي الأزمنة الأخيرة خصوصاً ضاعت مسألة المفاهيم الشرعية في أذهان الناس، فقد يقول قائل: ما الجماعة؟ وهذا حق وكل يدعي اليوم مفهوم الجماعة فظهرت نابتة تدعي أن المسلمين كلهم هم جماعة مسلمة، وأن الفرق المفارقة هي أولى بأن تكون جماعة المسلمين ممن يسمون السلف، وهذه دعوى من أكبر الدعاوى العريضة الفاتنة للناس، ولكن هناك ضابط شرعي للجماعة، فالجماعة لها مفاهيم كلها ينطبق عليها هذا الوصف، ومن هذه المفاهيم أولاً: أن جماعة المسلمين هم الذين اجتمعوا على إمام له بيعة، والمسلم يجمع على البيعة، فهذه من الأوصاف التي تعرف بها الجماعة، حتى وإن كانوا على رأي مرجوح، وإن كان فيهم شيء من الخلل والتقصير ما دامت كلمتهم مجتمعة على إمام مسلم، فلابد أن تتمثل بهم الجماعة في مثل هذه الوصية التي ذكرها النبي ﷺ وأوصى بها. ثانياً: أن جماعة المسلمين يتمثلون بأهل الحق، وأهل الحق أيضاً دعوى ولكن نعرفها بما كان عليه العلماء أصحاب الثقة والرسوخ العلماء، والعلماء أيضاً وصف اعتباري له شروطه وضوابطه، يهبه الله لمن يشاء ممن يوفق بأن يكون له من العلم والفضل والاعتبار في قلوب المسلمين، فالعالم القدوة الذي يكون له الرأي هذا معنى من معاني جماعة المسلمين ولا ينفك عن الأول، فالمسلمون الذين تحت إمام أو حاكم مسلم لابد أن يمثلهم علماؤهم، فيجتمع المعنيان على هذا المعنى، جماعة المسلمين الذين لهم بيعة بإمام مسلم ومن فيهم من العلماء هم داخلون على رأس الجماعة، ثم يدخل في مفهوم الجماعة من يصدرون عن العلماء وعن الحاكم المسلم من أهل الحل والعقد أهل الرأي والمشورة من أمراء وولاة وقواد ورؤساء عشائر ومطاعون في الأمة، هؤلاء يتمثل بمجموعهم جماعة المسلمين أو في بعضهم إذا فقد البعض الآخر، فقد تجتمع هذه المعاني جميعاً أو بعضها. إذاً: المسلم إذا أشكل عليه أمر وظهرت الأقوال المتضاربة وظهرت الفتنة، عليه أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم على حالهم التي كانوا عليها بعيداً عن النظرة المثالية كما يحدث من بعض الناس الذين يجهلون أحكام الشرع، وبعيداً عن العواطف وبعيداً عن الاعتداد بالرأي. ومما ينبغي التنبه له: أن الجماعة في بعض الأزمان والأمكنة التي يجب الاعتصام بها قد لا تكون على الحال الأمثل وقد لا تكون في خلافة راشدة، قد تكون في ملك عضوض وقد لا يكون العلماء فيها بالصورة التي نسمع بها في القرون الثلاثة الفاضلة، وقد لا يكون الناس في جملتهم على الاستقامة، وقد يكون عندهم شيء من الانحرافات في الجملة لكن لا يضيع الحق بينهم.

стр. 57

العزلة زمن الفتن ثم ذكر الشيخ بعد ذلك توجيهاً آخر فيما إذا لم يجد المسلم في بيئة من البيئات أو مكان من الأمكنة جماعة ولا إماماً، وهذا قد ينطبق على عصرنا أكثر من غيره، فقد مر على المسلمين فترات في السابق ويحدث في بعض الأزمان والأمكنة مثل هذا الحال لا يكون للمسلمين في بلد ما أو في مكان ما، لا جماعة ولا إمام ولكنه في زماننا أكثر، وقد يوجد في بعض بيئات المسلمين وفي بعض الأمكنة وفي بعض الظروف أن المسلم عندما يتأمل يجد أنه لا يتحقق في البيئة التي هو فيها معنى الجماعة الشرعي ولا الإمام، ولكن هذا لا يكون في الأمة كلها لوجود طائفة على الحق ظاهرين، والأمة كما ثبت عن النبي ﷺ لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا يضيع الحق، وأن الحق يبقى كالبيضاء ليلها كنهارها إلى آخره من النصوص التي نجزم قطعاً بأن الحق لا يضيع في مجموع الأمة بكل مكان وفي زمان واحد لا يمكن إلى أن تقوم الساعة، لكن الحديث يحكم حالات محدودة لأفراد محدودين وفي بيئات محدودة وفي زمن محدود، فإذا حدث مثل ذلك فعلى المسلم أن يعتزل هذه الفرق؛ لأنه لا يجد واحدة على السنة ولو وجد واحدة على السنة لما وسعه أن يعتزل، ويجوز له أن يعتزل، لكن ما وجد أحداً على السنة، ولا وجد إماماً يسمع له ويطيع ويخضع، فمن هنا عليه أن يعمل بهذه الوصية، وهذه حالات نادرة تحدث في الأمة. قال ﵊: (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) ولذلك لما تأول بعض الصحابة ﵃ ما شجر بين الأمة في ذلك الوقت ونظروا في فقه هذا الحديث أبعدوا عن الحاضرة وذهب بعضهم إلى البادية والأرياف بعيدين عن المدن، واعتزلوا الفتنة أخذاً بمثل هذه الوصية، لكن ليس لجميع أفراد الأمة وإنما لمن لم يستبن له الأمر. ثم ذكر بعد ذلك قال: (ثم يخرج الدجال معه نهر) وهذا فيه إشارة والله أعلم إلى أن الحال الأخيرة تحدث قبيل ظهور الدجال أكثر من غيرها، وإلا فإنها تحدث على فترات التاريخ، ثم قبل خروج الدجال.

стр. 58

الصراط المستقيم هو الإسلام أما قول أبي العالية: (تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام) كلمة الإسلام يقصد بها في الأولى السنة وقصد بالثانية الإسلام بمفهومه العام. ولا يعني ذلك أنه حصر الإسلام بمفهومه العام بالسنة، لكنه حصر الحق النقي من البدع والشوائب بالسنة؛ لأنه في سياق هذه النصوص أراد أن يشير إلى أنه عند الاختلاف والفتن وعند الأهواء والبدع ودعاة الضلالة فإن الإسلام الحقيقي الذي أمر الله به يتمثل بالسنة؛ لأن من لم يكونوا على السنة أدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وزعموا أنه من الإسلام، فليس هذا هو الإسلام المطلوب وإن كان المخالف بما أحدثه لا يخرج به من الإسلام بالجملة إلى الردة، لكنه يخرج به من المفهوم الصحيح النقي للإسلام الذي هو الصراط المستقيم. ثم قال: (ولا تنحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً وعليكم بسنة نبيكم وإياكم وهذه الأهواء) انتهى. ثم ذكر استنتاجاً من كلام أبي العالية قال: (وتأمل كلام أبي العالية هذا وما أجله واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء)، فإنه يلفت نظرنا إلى المقارنة فكأنه يقول: إذا كان أبو العالية ذكر هذا في وقت مبكر وأبو العالية من كبار التابعين في وقت مبكر في القرن الأول، فكيف بعصرنا هذا المليء بالأهواء والتي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام. وتفسير الإسلام هنا هو السنة. والشيخ يقول: إنه لما بدأت تظهر الأهواء في عهد أبي العالية فسر الإسلام المطلوب شرعاً بالسنة؛ لأن الأهواء حدثت وكل يدعي الإسلام، فلابد من حصر المفهوم الحقيقي الشرعي للإسلام النقي المطلوب من العباد بالسنة، أما ما حدث من أهل الأهواء والبدع فليس هو الإسلام بمفهومه النقي الصحيح وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة:١٣١] أي: لإبراهيم. ثم ذكر وصية ابن مسعود (أن النبي ﷺ خط خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]) وفي هذا بيان لمعنى السنة، وأن السنة لا تتعدد، وفيه رد على أهل الأهواء قديماً وحديثاً والمفتونين الذين لم يميزوا بين الحق والباطل ولا بين المحق من المبطل، رد عليهم بأنه ليس كل من انتسب للإسلام يكون على سبيل الله، وأن أهل الأهواء والبدع خرجوا عن السبيل التي هي سبيل الله، وأنهم اتبعوا السبل ذات اليمين وذات الشمال، وهذا إشارة إلى الإفراط والتفريط، فالذين غلوا والذين تساهلوا، كغلو الخوارج وتساهل المرجئة هؤلاء سلكوا ذات اليمين، وهؤلاء سلكوا ذات الشمال عن صراط الله المستقيم. إذاً: فسبيل الله الذي هو دين الحق الصافي هو سبيل واحدة، والفرق التي خرجت عن السنة من فرق المسلمين ليست على سبيل الله إنما هي على سبل الأهواء والبدع وعلى سبل الشيطان حتى وإن لم تخرج بذلك من الملة، وهذا الفهم لابد من بثه بين أذهان الناس اليوم؛ لأن بعض شبابنا فتن في هذه المسألة بدعوى أن أهل الأهواء ما داموا ما خرجوا؛ فهم على الإسلام، وهذا كلام مجمل، نعم هم على الإسلام لكن هل هم على ما يرضي الله ؟ هل هم على سبيل الله؟ هل هم على السنة؟ لأنه لما أخبر النبي ﷺ عن الافتراق ذكر أن أهل الافتراق متوعدون بالنار، وحذر من هذه السبل، وبين أنها ليست على السنة، وأن السبيل الحق واحدة كما ذكر في حديث ابن مسعود في الخط واحدة، فمن هنا نجزم أنه لا يبقى على الحق والاستقامة إلا أهل السنة والجماعة الذين هم على سبيل الله، أما البقية فهم على غير السنة، وعلى غير استقامة، وفي سبل الشيطان، نسأل الله السلامة والعافية، وهم معرضون للوعيد وإن خرجوا من الملة، فهم من أهل الردة نسأل الله العافية. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 59

الأسئلة

стр. 60

حكم الانتخابات التي تجري في البلدان الإسلامية اليوم السؤال هل يعد ترشيح رئيس معين عن طريق الانتخابات بيعة يلزم المسلمين اعتمادها وعدم الخروج عليها؟ الجواب الولاية والإمارة في الإسلام والخلافة والسلطة تحدث بعدة وجوه، وبعضها حدث في الإسلام وبعضها ربما لم يحدث لكن يبقى من الوجوه المفترضة، فهناك بيعة الطائفة من المسلمين وهم أهل الحل والعقد كأن يجتمع العلماء وقواد الأمة وأهل الرأي فيها فيبايعون الإمام، فهذه تكون طريقاً من طرق البيعة أحياناً، وقد تكون البيعة عن طريق الترشيح العام، كأن يطرح الاسم أو الأسماء على جميع الأمة أو على جميع المجتمع أو الدولة فيخرج بالأصوات وهذا إذا كان الإمام مسلماً ثم تمكن بهذه الطريقة فله حق الولاية، وإن كانت هذه الطريقة عليها مآخذ شرعية؛ لأن دخول الدهماء والغوغاء هم أكثر الناس في كل بيئة، في كل مكان وفي كل زمان، فإذا فتح باب الترشيح من الغوغاء وهم الأكثرية فالغالب أنهم يرشحون بأهوائهم ويغرر بهم. ولذلك لما اتخذت بعض الدول الإسلامية هذا المسلك رشحت فسقة ونساء، فالدول التي ترشح النساء كان عن طريق هذه الطريقة المعيبة، وهذه الطريقة وإن كان يتشدق بها المثقفون فيجوز للأمة أن يتاح لهم فرصة أن يرشحوا أهل الحل والعقد والرأي والمشورة، أما البقية فلهم عقول مشتراة، اشتراها الشيطان والهوى وأصحاب الأحزاب والشعارات، لكن إن حدث وتوافرت شروط الإمامة في هذا الإنسان على ما ذكر السائل وتمكن بهذه الطريقة فقد وجب له السمع والطاعة وصحت بيعته بأي وجه من وجوه الولاية، سواء من وال إلى والٍ آخر، أياً كان صورة العهد مثل عهد أبي بكر لـ عمر أو عهد معاوية ﵁ لـ يزيد فذاك عهد خلافة، وهذا عهد ملك، وكلها صحت في الأمة، وكلها اندرجت تحت أحاديث النبي ﷺ وفي وصيته بالسمع والطاعة، فعلى أي حال ما يتسع الوقت لسرد الصور التي تكون فيها، بل علماء السنة اتفقوا على أنه لو بغى إنسان على الإمام -رغم أن هذا خروج عن السنة- وقاتل وتمكن على الأمة بقوة السيف ولا يستطيع الناس إزالته وهو مسلم صارت له البيعة، وإن كان ارتكب أمراً لا يجوز، ولا يجوز للأمة أن تسلك هذا المسلك. إذاً: الصور الكثيرة تنتهي إلى أنه إذا تمكن إمام مسلم من أن يكون والياً على بلاد المسلمين في أي صورة من صور التمكن، سواء كانت مشروعة برضا الأمة أو بغير رضاها، فإذا تمكن وصارت له الغلبة وجب له السمع والطاعة والبيعة.

стр. 61

الكلام عن منهج ابن عثيمين ﵀ في الدعوة إلى الله السؤال لو كان هناك تخصيص لبعض الدروس يستخلص منها ما تميز به الشيخ ابن عثيمين ﵀ في مناهجه في الدعوة في الوقت المعاصر؟ الجواب الكلام عن مناهج العلماء والأئمة في الدعوة طيب ومخيف؛ لأنهم هم القدوة لاسيما في هذا العصر ونحتاج إلى أن نستجلي مناهج علمائنا ومشايخنا، الأموات منهم ﵏ والأحياء وفقهم الله على حياة طيبة وعلى مصالح نحن وإياهم، لكن أرى أن هذا إذا كان بعد موت الإمام أو العالم مباشرة أن فيه نوعاً من المخالفة الشرعية، فينبغي أن يكون بعد مدة، والشيخ ﵀ لا تزال سيرته حية في أذهان كثير من طلاب العلم، والعمل بمثل هذه الأمور وهو قريب عهد فيه شيء من الندبة والنعي الذي لا يجوز شرعاً، خاصة إذا كان فيه تخصيص وقت حتى يطول الوقت ويحتاج الناس إلى التنبيه على هذه المناهج.

стр. 62

مفاهيم حول الطائفة المنصورة السؤال ما رأيكم فيمن تنطبق عليه الجماعة المنصورة في هذا الوقت وعلى أي من البقاع؟ الجواب بدأت ترد بعض الآراء الغريبة في مفهوم الطائفة المنصورة ومن تكون وأين تكون إلى آخره، وهذا ما قرره أهل العلم من أن الطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية وتعني أهل السنة والجماعة أنه لا يلزم أن يجمعها مكان أو زمان، لكنها قد تتوافر في مكان أكثر من غيره، وإلا فمن كان على السنة والاستقامة في أي بلد كان فهو داخل في الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أهل الحق وأهل السنة والجماعة أينما كانوا، سواء في بلاد المسلمين وهذا هو الأولى والأصل، أو كان في غير بلاد المسلمين فهو من الطائفة المنصورة ما دام على نهجهم ويحبهم ويتواصل معهم ومستقيم في عقيدته وعمله على السنة. أما هل يشترط في الطائفة المنصورة أن تكون محكمة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قلباً وقالباً أو قد يوجد بها بعض الخلل أو كثير من الخلل في تحكيم الكتاب والسنة ولكنه أفضل الموجود، أهل السنة والجماعة في جملتهم سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين لابد أن يكونوا على الكتاب والسنة في جملتهم، أما الأفراد فلا يلزم أن يكون الواحد منهم على الاستقامة الكاملة، وأهل السنة والجماعة منهم المقصر، ومنهم من يكون عنده شيء من الإعراض، ومنهم من يكون عنده شيء من الغلو، ومنهم من يكون عنده شيء من البدع غير المغلظة؛ لأن البدع المغلظة تخرجهم من السنة، فيقع في أفرادهم ما يقع للبشر من التقصير والخلل حتى في العقيدة أحياناً، لكن لا يكون في أصول العقيدة فضلاً عن السلوك والتقصير في العبادات أو التشدد أو غير ذلك. إذاً: أهل السنة والجماعة في جملتهم لابد أن يكونوا على مقتضى الكتاب والسنة أما أفرادهم فقد يكون من بعضهم شيء من التقصير، أو شيء من الخروج عن بعض الجزئيات في السنة.

стр. 63

حكم مبايعة المرأة بعد انتخابها السؤال هل يجوز مبايعة المرأة بعد أن تفوز في الانتخابات؟ الجواب المرأة ليس لها ولاية على المسلمين، فالمسلم لا يجوز له أن يبايع امرأة طائعاً غير مكره، وكذلك بيعة الكافر، بيعة دين لا تجوز، وقد يضطر المسلم وهو في بلد غير مسلم أن يبايع على أمور دنيوية، أما بيعة الخلافة والإمارة التي هي السمع والطاعة على مقتضى الكتاب والسنة فلا تكون للكافر أصلاً.

стр. 64

حجة تعطيل الصفات السؤال ما حجة أهل التعطيل عندما قالوا في أسماء الله وصفاته: إنه سميع بلا سمع، عليم بلا علم؟ الجواب هذا كلام المعتزلة؛ لأنهم قالوا: إذا قلنا: لله سمع وعلم إلخ، فهذا يعني تعدد الصفات، وتعدد الصفات عندهم يدل على تعدد الموصوف، فمن هنا نفوا الصفات، وهذا أمر غير معقول، لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بعض الناس يتكلف في رد أصول أهل الباطل ظناً منه أن لها أصلاً ولو أنك نظرت لها بداهة لوجدتها لا يمكن أن يقرها العقل السليم، لكن هؤلاء عقولهم غير سليمة، وقد يقول قائل: كيف وصلت عقولهم التي يعتزون بها إلى هذا المقام من الخروج عن البدهيات، ومصادمة العقل السليم والفطرة وهو قول المعتزلة ومنه: أن تعدد الصفات يدل على تعدد الموصوف؟ وهل هذه قاعدة صحيحة إذا تعددت الصفات حتى في المخلوقات -ولله المثل الأعلى-؟ الإنسان كم له من صفة الجماد وكم له من صفة؟ لكنهم عندهم نظرة لله تجريدية ليست حقيقية، فهم وقعوا في معضلة إذا وصفوا الله بالصفات فلابد أن الصفات تنطبق على ذلك، وهم يهربون من إثبات الذات، وعبروا عن هذا بمسألة تعدد الموصوف؛ لأنهم يقولون: إن الذات لابد أن تتجزأ والله غير متجزئ، وهذه فلسفات تعالى الله عما يقولون، فلسفات أوهام، فمن هنا فإن أهل التعطيل ليس لهم من الحجج إلا الشبهات الواهية التي لا يقرها العقل، وأهم شيء عندهم وقاعدتهم في التعطيل أن الصفات لابد أن تدل على موصوف، وإذا تعددت الصفات تعددت الموصوفات، وهذا لا يجوز بحق الله، وهذا بالنسبة للمعتزلة. أما الجهمية فهم ينكرون ذات الله ، ولذلك أنكروا الأسماء والصفات؛ لأنهم قالوا: إن الاسم لابد أن يدل على مسمى، والمسمى لابد أن يكون له حقيقة ذاتية، ونظراً لأنه ليس لله عندهم حقيقة ذاتية، نفوا الأسماء والصفات ببساطة، والمسألة ما فيها تعقيد في أولياتها، إنما التعقيد فيما يسلكونه من مسالك إلى مثل هذه الأمور التي تصادم البدهيات. نسأل الله العافية. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 65

شرح كتاب فضل الإسلام [١٠] ذكر النبي ﷺ أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، وهم أهل الصلاح المتمسكون بالكتاب والسنة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، الذي يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، هؤلاء للعامل منهم في زمن الغربة أجر خمسين عاملاً من صحابة رسول الله ﷺ ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 66

باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في غربة الإسلام وفضل الغرباء. وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]، الآية. وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، رواه مسلم، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: (قيل: من الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل). وفي رواية: (الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس)، ورواه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص وفيه: (فطوبى يومئذٍ للغرباء، إذا فسد الناس)، وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: (فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي). وعن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشني ﵁: (كيف تقول في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم. قلنا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم)، رواه أبو داود والترمذي. وروى ابن وضاح معناه من حديث ابن عمر ﵄ ولفظه: (إن من بعدكم أياماً للصابر فيها المتمسك بمثل ما أنتم عليه اليوم له أجر خمسين منكم). ثم قال: أنبأنا محمد بن سعيد أنبأنا أسد قال: أنبأنا سفيان بن عيينة عن أسلم البصري عن سعيد أخي الحسن يرفعه، قلت لـ سفيان عن النبي ﷺ ؟ قال: نعم، قال: (إنكم اليوم على بينة من ربكم، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتجاهدون في سبيل الله، ولم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حب العيش. وستحولون عن ذلك لا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر، ولا تجاهدون في الله، وتظهر فيكم السكرتان، فالمتمسك يومئذٍ بالكتاب والسنة له أجر خمسين. قيل: منهم؟ قال: لا، بل منكم). وله بإسناد عن المعافري قال: قال رسول الله ﷺ : (طوبى للغرباء، الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفأ)].

стр. 67

ضوابط في معرفة الغربة الكلام عن غربة الإسلام لابد له من ضوابط: منها أنه لابد من رد نصوص الغربة إلى النصوص الأخرى التي فيها الإشارة إلى ضمان بقاء طائفة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم، وهم أهل السنة والجماعة، وهذا يفسر معنى الغربة شرعاً، وعلى هذا فإن حدود الغربة لا يمكن أن تكون بضياع الحق وانعدامه وخفائه، كما أنها لا تكون باستئصال أهل الحق، وهذا أمر قطعي، وبه لابد أن تفسر نصوص الغربة من الوجه الآخر، وهو أن الغربة تأتي على وجوه قد تجتمع وقد يوجد بعضها، ومن وجوه الغربة قلة أهل الحق عددياً، وأحياناً قلة المسلمين عددياً، وقلة أهل الحق أهل الاستقامة بين المسلمين نوع من الغربة، وقلة المسلمين بين الأمم نوع من الغربة؛ خاصة إذا صحب هذا النوع الثاني من الغربة أو النوع الثالث كثرة الخبث وكثرة البدع والأهواء والافتراق والفسق والفجور، فإنه إذا كثر ذلك قلَّ عدد أهل الحق لكن لا يكون ذلك بانعدام وجودهم ولا بضياع الحق ولا بخفاء السنة، لا يمكن أن يكون من الغربة خفاء السنة في العموم ولا خفاء جميع أهل الإسلام، فالغربة قد تكون في بلاد ما، أي: غربة المسلم المستمسك بدينه في بلد كانت إسلامية ثم أصابها ما أصابها، إما من اعتداء الكفار، أو انحراف أهلها إلى البدع والخرافات كما يكون في أقاصي العالم الإسلامي، أقاصي بلاد المسلمين كانت في يوم من الأيام الأصل فيها السنة، والسنة هي الظاهرة والبدعة مقموعة، ثم مع تحولات الزمن أصبح صاحب السنة فيها في غربة شديدة، فهذا يكون في بعض البلاد الإسلامية لا في كلها. وأيضاً قد تكون غربة الإسلام نفسه في بلد كانت إسلامية ثم تحولت إلى غير إسلامية مثل الأندلس، لأن الأندلس تمثلت فيها معاني الغربة للمسلم الذي بقي بعد دخول الكفار فيها بعد أن بقيت على الإسلام ثمانية قرون، فهذه غربة تتمثل فيها أقسى أنواع الغربة، وهناك بلاد في العصور الحديثة كانت مسلمة ثم تحولت إلى نصرانية بقوة السيف مثلما صار في الفلبين، والفلبين كانت مسلمة وكانت دولتها مسلمة وفيها سلطان مسلم، ويحكم فيها بشرع الله، ثم دخلها الأسبان وحاربوا الإسلام والمسلمين بعنف حتى تحولت إلى دولة نصرانية، حتى إنهم حجبوا الأخبار عن الأجيال حينما كان الاستعمار هو المستولي عليها والاحتلال، فكانوا يحجرون على جهات التعليم والمراكز العلمية والمدارس أن تدرس هذه الحقبة من التاريخ إلى وقت متأخر، كما علمنا أنه بدأت المدارس والمناهج في تلك البلاد يقرأ فيها أنها كانت مسلمة ثم تحولت إلى نصرانية، فمثل هذه البلاد تجد المسلمين إلى اليوم فيها في غربة شديدة. فهذه الغربة قد لا تكون على البلاد الإسلامية كلها، وأحياناً تكون الغربة غربة السنة وأهل السنة، وتكون بمخالفة الناس من الوجهين، والناس يخالفون أهل السنة، وأهل السنة يخالفون الناس، فربما في بعض البلاد الإسلامية يحكم على صاحب السنة بأنه إنسان مخالف للحق، وربما يرمى بأوصاف الشذوذ والإرهاب ونحو ذلك، وأحياناً بالألقاب مثل الوهابية وغيرها من الألقاب التي يعتبرونها من الأمور المنفرة، فيعيش صاحب السنة في غربة في مثل هذه البلاد وإن كانت إسلامية، وهذا واقع كثير من البلاد الإسلامية اليوم. فإن صاحب الحق يعيش غربة حقيقية وإن كانت البلاد مسلمة، وأحياناً الغربة قد تعني المشقة في العمل بالعمل بالسنة حتى بين المنتسبين لأهل السنة، العمل بها على الوجه الشرعي الكامل قد يكون فيه مشقة كما هو حاصل اليوم حتى في البلاد التي أهلها هم أهل السنة، فإن الذي يريد أن يأخذ السنة بحذافيرها قد يعيش غربة، لكنها ليست الغربة الكبرى أو الغربة التي تنطبق عليها أغلب هذه الأحاديث لكنها نوع من الغربة؛ لأن الناس الآن قد يكون لهم جرأة على من يعمل بالسنة وإن كان معه الدليل؛ وذلك لأنه خالفهم أو خالف ما هم عليه. كما أن الغربة قد تكون غربة الإسلام وقد تكون غربة السنة، أما غربة الإسلام فلا شك أن المسلمين تمر عليهم فترة من فترات التاريخ مثل عصرنا هذا، قد يكونون أقل عدداً من عموم الكفار والمشركين، فإذا صاحب هذا شيء من الضعف فإننا نجد أن المسلمين اليوم في جملتهم أمام العالم يعيشون غربة فعلاً؛ لأنهم وإن كانوا كثرة لكنهم كما وصفهم النبي ﷺ : (كغثاء السيل)، وثبت في الخبر عن النبي ﷺ أن المسلمين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود إزاء الأمم المشركة، فهذه الغربة إذا اجتمعت معها الغربة المعنوية كما هو حاصل اليوم فقد يكون أهل الإسلام عموماً في نوع من الغربة وهذا حاصل، أما غربة أهل السنة فهي ظاهرة، غربة أهل السنة في سائر البلاد الإسلامية اللهم إلا القليل مثل هذه البلاد نسأل الله أن يثبتنا على السنة.

стр. 68

أجر الغرباء في حديث أبي هريرة الأول ذكر الغرباء، وذكر وصفهم حينما قال: (فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي)، فهنا الغرباء هم أهل الإصلاح أهل السنة والجماعة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فهي تعني طائفة من المسلمين، وهم الذين يتصدون للباطل ويدعون للسنة. وفي النصوص الأخرى كثير من الأحاديث فيها ضعف، لكن بعض معانيها وردت في الصحاح، وكثير منها فيها ضعف إما في ألفاظها أو أسانيدها، وكثير منها وردت في أحاديث صحيحة، فهي في الجملة صح منها الكثير، لكن قد يكون بعض ألفاظها فيه نظر. وفيما يتعلق بالإشارة إلى أن المستمسك الصابر على السنة اليوم له أجر خمسين، هذا له توجيهات كثيرة، ولعل من أحسنها أن المقصود الأجر وليس مطلق الفضل؛ لأن هذا قد يتعارض مع فضل الصحابة ﵃، فالنبي ﷺ ذكر في فضل الصحابة ما لم يكن لغيرهم ممن يأتون بعدهم. فله في هذا وجوه كثيرة في الجمع، وأحسنها وجهان: الوجه الأول: أن يقال: قد يوجد من أفراد الأمة في آخر الزمان -ولكن ليسوا كثرة- من يكون له أجر خمسين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن هذا لا يكون في جماعة أو طائفة تكون أفضل من الصحابة، إنما هم نزَّع من أفراد الأمة؛ وهذا توجيه لا بأس به. الوجه الثاني: أن يقال: إن هذا الأجر -أجر الخمسين- على عمل معين، وليس على جميع الأعمال، ولا يعني الأفضلية المطلقة، فإن أفضلية صحبة الرسول ﷺ لا يعدلها شيء، لكن تتفاضل من بعض الوجوه، وليس من جميع الوجوه.

стр. 69

الأسئلة

стр. 70

من هم النزَّاع من القبائل السؤال ما معنى النزاع؟ وقوله في مكان آخر: (النزاع من القبائل) هل هو بمعنى ما ذكرت؟ الجواب النزاع هم الأفراد القلائل. والغربة تأتي على وجوه كثيرة، ومن ضمنها: أن يكون هناك نزاع من القبائل، أي: أفراد قلة يصمدون بالحق، وقليل من يعينهم، وأكثر الناس يخذلونهم، لكن مع ذلك يوجدون في بلاد متنوعة، وفي قبائل متنوعة، وأقاليم متنوعة، وهذا معنى قوله: (نزَّاع) أي: أفراد قلة وليسوا جماعات.

стр. 71

غرباء السنة السؤال من يقوم بإحياء سنة مندثرة إلى حد ما هل يعد من الغرباء؟ الجواب نعم، إذا كان على فقه، فمن أحيا سنة مهجورة على فقه؛ لأنه قد يبدو لإنسان أنها مهجورة وهي من الأمور الاختيارية، فإذا كان على فقه صحيح ووجد شيئاً من الإنكار من الناس؛ فربما يشعر بشيء من الغربة. وأضرب لذلك مثالاً واضحاً: استجدت عندنا الآن حول مسألة العزاء والمآتم أشياء من عمل بالسنة فيها سينكر عليه، فالناس إذا مات لهم ميت لا بد من جلوس ثلاثة أيام للعزاء، ويعلن عن ذلك العزاء في الجرائد، وإذا ما فعل ذلك اعتبر مقصراً في حق الميت، وهذا إذا عمل السنة، وقال: أنا سأتقبل العزاء في البيت أو في الشارع أو في المسجد أو في أي مكان، ما يلزم أجلس ثلاثة أيام كأنه حداد؛ فمن خالف سنتهم في ذلك فسينكر عليه كثير من الناس. فلذلك ينبغي أن يتنبه طلاب العلم لمثل هذه الظواهر ولا يستهينوا بها، وإن كانت خلافية، لكن التوجه فيها إلى الابتداع واضح. والناس تعدوا حدود ما أفتى به العلماء، وتجرءوا إلى أكثر مما يقول به بعض أهل العلم.

стр. 72

شرح كتاب فضل الإسلام [١١] لقد حذر النبي ﷺ من البدع والمحدثات في الدين، وما ذاك إلا لعظيم خطرها وكبر إثمها، والواجب على المسلم هو أن يتعبد الله بما شرع في كتابه وسنة رسوله وما جاء عن الصحابة الكرام، لا بالأهواء والبدع؛ فإن الخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف.

стр. 73

باب التحذير من البدع قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [باب التحذير من البدع: عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون؛ قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودِّع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن حذيفة قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله يا معشر القراء! وخذوا طريق من كان قبلكم. رواه أبو داود. وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن المبارك أنبأنا عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا! فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت آنفاً في المسجد أمراً أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيراً، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدّوا سيئاتكم؛ فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله! ما أدري لعل أكثرهم منكم، تم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج. والله المستعان، وعليه التكلان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين].

стр. 74

وقفات وفوائد من حديث العرباض بن سارية في هذه الأحاديث تحذير صريح مجمل ومفصل من البدع، ويحسن أن نقف على بعض المسائل بعض الوقفات. أولاً: في حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة)، ووصف هذه الموعظة بأنها (وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون)، وهذا فيه عدة فوائد:

стр. 75

التخول بالموعظة الفائدة الأولى: أن النبي ﷺ كان يتخول أصحابه بالموعظة بين وقت وآخر، فلا يكثر منها، ولا يغفل عنهم، وكان في مجالسه يبين لهم شيئاً من الأحكام وما جاءهم من الوحي، وأحياناً يسمر معهم، وأحياناً يطيل الحديث، وأحياناً يوجز، لكن بين ذلك كله كان لا يغفل عن الموعظة، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له طلاب العلم، والمرشدون والوعاظ والدعاة، وذلك لأنه قلَّ عند الناس اليوم في كلماتهم الإرشادية والدعوية الاهتمام بجانب الوعظ؛ ولذلك فقد يستغرب أو يستهين بعض الناس بهذا الجانب حتى إنهم يصفون الخطيب الواعظ أو الداعية الواعظ أو العالم الواعظ بأنه ليس على المنهج، أو أن منهجه غير متكامل، أو أن عنده جانب نقص في الدعوة، وهذا خطأ، بل ينبغي لكل من تصدى لتوجيه الناس، سواء خطباء الجمع، أو المشايخ وطلاب العلم في الدروس، أو المعلمون في المدارس والمربون، وغيرهم ممن تصدى لإرشاد الأمة بأفرادها ومجموعها، ومؤسساتها ومساجدها وغيرها، أن يكثر من الجانب الوعظي في هذا العصر بالذات؛ لأن الناس كثرت عندهم الملهيات والمشغلات والصوارف التي قست بسببها القلوب. ولذلك فإن أكثر المسلمين اليوم لا يتعظون بالمواعظ، وأكثر ما يتعرض الناس في حياتهم اليومية للموت بينهم، كم من الجنائز نصلي عليها وندفنها، وكم من أخبار الموتى؟! طربنا الآن من خلال ما نرى وما نسمع وما نقرأ، ومع ذلك تجد المتعظ والمستبصر والمستفيد من عبرة الموت -وكفى بالموت واعظاً- قليل جداً. بل أصبحت تجمعات الناس واجتماعاتهم والجنائز والمآتم والتعازي شبيهة بالأعراس، أكل وشرب وحديث وابتسامات وضحكات وبيع وشراء. فالناس يحتاجون إلى الموعظة من قبل الدعاة والمصلحين، وهكذا كانت سنة الرسول ﷺ وسنة أصحابه والسلف الصالح، كانوا يتخولون الناس بالموعظة وقلوبهم أنقى من قلوب الناس اليوم، وأكثر استعداداً للخشوع والخشية. أما الناس اليوم فهم أحوج إلى الموعظة وإلى الخطاب الوعظي، وكنت أتمنى لو أن كل خطيب من خطباء الجمعة هم أكثر من يجتمع حولهم عموم المسلمين في كل مكان أن يخصصوا خطباً متقاربة ولو في الشهر مرة، أو في الشهرين مرة على الأقل يخصص منها خطبة أو خطبتين للمواعظ.
следующие страницы →