← Акыда

Акыда · id 37720

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية

ناصر العقل

Полный текст (186 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هل الطيب والمطّلب من أسماء الله السؤال هل الطيب والمطّلب من أسماء الله ؟ الجواب الطيب من أوصاف الله وليس من أسمائه، وأما المطلّب فليس من أسماء الله .

стр. 37

حكم تقسيم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة أقسام السؤال هل صحيح أن بعض أهل العلم قسَّم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة أقسام؟ الجواب نعم، فمسألة التقسيم هذه أمور اصطلاحية ترجع إلى استقراء المعاني واستقراء الألفاظ، والتوحيد أصلاً هو توحيد الله لا ينقسم، لكن من الناحية العلمية التنظيرية لا شك أننا نجده أقساماً عديدة، فالخبر عن أسماء الله هو توحيد الأسماء، والخبر عن صفات الله هو توحيد الصفات، والخبر عن أفعال الله هو توحيد الأفعال، وما يتعلق بالربوبية هو توحيد الربوبية، وما يتعلق بالعبادة لله يسمى توحيد العبادة أو الألوهية، ويمكن أن تقسم التوحيد إلى أكثر من ذلك أيضاً، وقد يصل إلى عشرة أقسام أو أكثر؛ لأنك إذا أخذت مفردات العبادة فستجد كلها توحيداً، فتوحيد التوكل معناه: وحّدت التوكل على الله ، وتوحيد الإنابة واليقين هو توحيد توجه الإنسان إلى الله ، وتوحيد الربوبية يمكن أن نقول: هو توحيد الخلق، توحيد التدبير لله ، فهو خالق الخلق، توحيد الرزق؛ لأنه لا رازق إلا الله وهكذا ليس هناك مانع في التقسيم، فتقسيم التوحيد تقسيم اصطلاحي علمي فني، وهو نتيجة لاستقراء نصوص التوحيد، فتجد أن هناك أشياء تتعلق بإثبات الربوبية، ويمكن أن هذا يسمى بتوحيد الربوبية، وأشياء تتعلق بالصفات الإلهية يمكن أن تسمى بتوحيد الإلهية، ونصوص تتعلق بإثبات صفات الله يمكن أن نسميها بتوحيد الصفات، وأسماء الله يمكن أن نسميها بتوحيد الأسماء، وأفعال الله يمكن أن نسميها بتوحيد الأفعال، لكن الأقسام الرئيسية للتوحيد ثلاثة: الربوبية، وهذا واضح جداً، الإلهية، وهذا واضح جداً، الأسماء والصفات وهذا واضح جداً، يمكن أيضاً اختصار أنواع التوحيد إلى اثنين: الربوبية، والإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات في الربوبية من وجه، وفي توحيد الإلهية من وجه آخر، وأغلب الأسماء والصفات تدخل في توحيد الربوبية.

стр. 38

حكم مقولة: قدس الله روحه السؤال ما رأيكم في مقولة: قدّس الله روحه؟ الجواب في الحقيقة أن العبارة فيها إشكال، لكن الذين أطلقوها من أهل العلم قصدوا بتقديس الروح إعلاء الروح إلى عليين، أو إلى أعلى المنازل في الجنة، وليس المقصود بالتقديس التعظيم، والأولى اجتناب العبارة مع إحسان الظن بمن قالها. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 39

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [٤] العبودية لله تعالى تقتضيها الفطرة والغريزة التي فطر الله الناس عليها، وأن على الناس أن يتوجهوا إلى من يعظمونه ويخشونه ويرجونه، والموفق من توجه إلى الله ، ومن الناس من يتوجه إلى غير الله ، وذلك إما بالشرك أو بالبدعة أو نحو ذلك، فمن توجه إلى الله فقد حقق العبودية الحقة وامتثل أعلى معاني العبودية، وعند ذلك تطمئن نفسه ويرتاح قلبه وينال السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 40

فصل يتضمن مقدمة لتفسير (إياك نعبد وإياك نستعين)

стр. 41

التعبد والتأله أمر بدهي وفطري في العبد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا يزال الشيخ ابن تيمية ﵀ يتكلم في بيان أن العبودية لله تعالى لها حقائق عظيمة، وأنها تقتضي الفطرة والغريزة التي فطر الله الناس عليها، وأن الناس لا بد أن يتوجهوا إلى من يعظّمونه ويخشونه ويرجونه، والموفق من توجه إلى الله ، لكن من الناس من يتوجه إلى غير الله ، وذلك إما بالشرك أو بالبدعة أو نحو ذلك، وهو في هذا يقرر أن العبودية تقتضيها الفطرة، وأنها نزعة عند الإنسان، وأن الإنسان إذا لم يتعبد لله تعبّد لغيره، وأن هذا الانجذاب والتأله يعتبر من الأمور التي فُطر عليها الإنسان، أو بني عليها الكون كله، لكن هذا الإنسان الذي أعطي الحرية والقدرة والإرادة، وخيّر بين الخير والشر قد يتأله ويتعبد لغير الله ، وهذا ما سيبينه الشيخ من خلال هذا الفصل، ويبين حقيقة العبودية وبعض صورها، وكذلك نتائج وثمار العبودية الحقة لله . قال رحمه الله تعالى: [فصل: وهو مثل المقدمة لهذا الذي أمامه، وهو أن كل إنسان فهو همّام حارث حساس متحرك بالإرادة، بل كل حي فهو كذلك له علم وعمل بإرادته، والإرادة هي المشيئة والاختيار، ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصّله، فإن حصل بفعل العبد فلا بد من قدرة وقوة، وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره، وإن كان منه ومن الخارج فلا بد من الأسباب كالآلات ونحو ذلك، فلا بد لكل حي من إرادة، ولا بد لكل مريد من عون يحصل به مراده]. يريد الشيخ بهذا أن يبين أن التعبّد والتأله -وهو من أعظم إرادات المكلفين- أمر بدهي وفطري غريزي، وأن الإنسان لا بد أن ينجذب بطبعه ما دام عنده إرادة وحرية، فهو همّام حارث، ولا بد لأي إنسان أن ينجذب بطبعه إلى ما ينفعه ويتوقى ما يضره، وهذا الانجذاب إن كان إلى الله فهذه هي حقيقة العبودية، والتي فيها كمال العبادة وكمال الطمأنينة والأمن النفسي والروحي، والإنسان إذا كان همّه تحقيق العبودية لله ، وكان انجذاب قلبه وجوارحه إلى ما يرضي الله فقد حقق اليقين والعمل والتوكل والاستعانة والامتثال والخضوع، ويكون بذلك قد امتثل أعلى معاني العبودية، وعند ذلك تطمئن نفسه ويرتاح قلبه، ويشعر بالأمن والسعادة في الدنيا والآخرة، وإذا انجذب إلى غير الله وكله إلى تلك الأسباب، وإذا انجذب انجذاباً كاملاً إلى غير الله فقد أشرك، وإذا انجذب انجذاباً جزئياً بأن اعتمد أو مال إلى طلب النفع بالأسباب، فربما ينقص توحيده أو ينقص توكله، لكنه قد يقع في بدعة أو نقص في الإيمان أو رياء أو نحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [فصار العبد مجبولاً على أن يقصد شيئاً ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده، هذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان يجده في نفسه، لكن المراد والمستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره، ومنه ما يراد لنفسه. والمستعان: منه ما هو المستعان لنفسه، ومنه ما هو تبع للمستعان وآلة له، فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب، فهو الذي يذل له الطالب ويحبه، وهو الإله المقصود، ومنه ما يراد لغيره، وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير، فهذا مراد بالعرض. ومن المستعان ما يكون هو الغاية التي يعتمد عليه العبد، ويتوكل عليه، ويعتضد به، ليس عنده فوقه غاية في الاستعانة، ومنه ما يكون تبعاً لغيره، بمنزلة الأعضاء مع القلب، والمال مع المالك، والآلات مع الصانع. فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس، وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين: لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها، ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، هو مستعانها، سواء كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا فقد يكون عامّاً، وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقاً، وسأل غير الله مطلقاً، مثل: عبّاد الشمس والقمر وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات، ويفزعون إليهم في النوائب. وقد يكون خاصاً في المسلمين، مثل: من غلب عليه حب المال، أو حب شخص، أو حب الرياسة، حتى صار عبد ذلك، كما قال ﷺ : (تعس عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! تعس عبد الخميصة! تعس عبد الخميلة! إن أُعطي رضي، وإن منع سخط! تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش). وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرءوساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم، أو أصدقاؤه أو أمواله، هي التي تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها ومستعين بها، والمستعان هو مدعو ومسئول. وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره، خضع له وذل وانقاد، وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيراً ممن يحب المال، أو يحب من يحصل له به العز والسلطان]. يعني: الشيخ يق

стр. 42

أقسام الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به قال رحمه الله تعالى: [وأما من أحبه القلب وأراده وقصده، فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه، كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله. فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه وإلا فلا، فالأقسام ثلاثة: فقد يكون محبوباً غير مستعان، وقد يكون مستعاناً غير محبوب، وقد يجتمع فيه الأمران. فإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه، وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته، تبيّن أن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] كلام جامع محيط أولاً وآخراً، لا يخرج عنه شيء، فصارت الأقسام أربعة: إما أن يعبد غير الله ويستعينه وإن كان مسلماً، فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم، ورزقهم، وهدايتهم، من جهته، من الملوك والأغنياء والمشايخ. وإما أن يستعينه وإن عبد غيره، مثل كثير من ذوي الأحوال، وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجئون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله. والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به، وهذا القسم الرباعي قد ذُكر فيما بعد أيضاً، لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة، وتارة يكون بحسب المستعان، فهنا هو بحسب المعبود والمستعان، لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد بحسب عبادة الله واستعانته، فإن الناس فيها على أربعة أقسام]. الأقسام الأربعة التي ذكرها، الشيخ: الأول: إما أن يعبد غير الله ويستعينه، وهذا قد وقع في الشرك؛ لأنه عبد غير الله واستعان بغير الله، لكن قد يستعين بالله عند الضرورة، وهذا لا ينفعه، وهذا كثير ما يقع فيه كثير من المشركين، فلا يستعمل الاستعانة بالله إلا عند الضرورة القصوى أو في حالة حصول الشدة، ومع ذلك يبقى على شركه. الثاني: أن يعبد الله ويستعين بغيره، والمقصود بالاستعانة هنا ضعف التوكل على الله ، ويظهر لي أنه لا يقصد الشرك الخالص، وإنما يقصد ما يقع فيه بعض أهل البدع وبعض المفرطين الذين تستحوذ عليهم الشهوات، وهؤلاء غالباً ينسون الاستعانة بالله ، ويكثر اعتمادهم على غير الله في كثير من الأمور، وهذا يقع فيه كثير من الناس. ثالثاً: أن يستعين بالله وإن عبد غيره، وهذا يقع فيه كثير من عباد الصوفية والفلاسفة الجهلة، وكذلك عند بعض الذين يغلّبون جانب الشهوات أو جانب المطامع والمصالح. رابعاً: الذين هم على الاستقامة، إذ إنهم يجمعون بين عبادة الله والاستعانة به، أي: بمعناها الكامل. وأما قوله: (وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة)، فأيهما الغالب؟ أن العبادة تستلزم الاستعانة، فتكون العبادة هي الفاعل والاستعانة هي المفعول، وهذا الذي يظهر لي، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل وانقاد وأحبه، لكن الشرع يرى أن الاستعانة تستلزم العبادة، مع أن العكس صحيح، فلو قيل: إن العبادة تستلزم الاستعانة، بمعنى: أن العبادة الحقيقية تستلزم الاستعانة صح التعبير، وإذا قلنا: الاستعانة تستلزم العبادة فربما يكون هنا أوجه؛ لأن الاستعانة الحقة لا ينتج عنها إلا حقيقة العبادة، فنقول: لو عكسنا صح ذلك، لكن ربما الشيخ قصد معنى آخر وهو ما ذكره، فجعل اللازم هو الاستعانة، والملزوم هو العبادة.

стр. 43

فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل قال رحمه الله تعالى: [فصل: في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه، فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلاً، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره. ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك:٢٠ - ٢١]. وهو سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه، إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن العالمين ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧ - ٨]. وفي الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئاً) إلى آخر الحديث. فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، بل أفعاله من كماله: كمُل ففعل، وإحسانه وجوده من كماله، لا يفعل شيئاً لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كل ما يريده فعله، فإنه فعّال لما يريد، وهو سبحانه بالغ أمره، فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولي من الذل].

стр. 44

أعظم الناس عبودية لله أكثرهم خضوعاً له وذلاً وافتقاراً قال رحمه الله تعالى: [فصل: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل: بين التذلل والتدلل نقطة في رفعها تتحير الأفهام ذاك التذلل شرك فافهم يا فتى بالخلف فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرك به شيء. ولهذا قال حاتم الأصم -لما سئل: فيم السلامة من الناس؟ - قال: أن يكون شيئك لهم مبذولاً وتكون من شيئهم آيساً، لكن إن كنت معوضاً لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك. فالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه، والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟ فإنهم لا يقدرون عليها، ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة، والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلاً، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريداً راحماً، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئاً إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك، فهم ثلاثة أصناف: ظالم، وعادل، ومحسن. فالظالم: الذي يأخذ منك مالاً أو نفعاً ولا يعطيك عوضه، أو ينفع نفسه بضررك. والعادل: المكافئ، كالبايع لا لك ولا عليك، كل به يقوم الوجود، وكل منهما محتاج إلى صاحبه، كالزوجين، والمتبايعين، والشريكين. والمحسن: الذي يحسن لا لعوض يناله منك، فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته، وهو انتفاعه بالإحسان، وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر، أو طلب مدح الخلق وتعظيمهم، أو التقرب إليك إلى غير ذلك، وبكل حال ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع، وسائر الخلق إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك، وانتفاعهم بك، إما بطريق المعاوضة؛ لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه، والملوك محتاجون إلى الجند والجند محتاجون إليهم، وعلى هذا بني أمر العالم، وإما بطريق الإحسان منك إليهم، فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك، فهم إنما يحبونك ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة، فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك، فهم في الحقيقة إنما يحبون أنفسهم وأغراضهم. فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم، تجد أحدهم سيداً مطاعاً، وهو في الحقيقة عبد مطيع، وإذا أوذي أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر بحسب الأحوال، ومتى كنت محتاجاً إليهم نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك. والرب تعالى يمتنع أن يكون المخلوق مكافئاً له أو متفضلاً عليه ولهذا كان النبي ﷺ يقول إذا رفعت مائدته: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) رواه البخاري من حديث أبي أمامة ﵁. بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه، أي: بموجب علمه ذلك، فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا يعلم، بل يظنه باقياً، فإذا علم بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاء هم عباد الله].

стр. 45

الافتقار إلى الله من لوازم المخلوقين قال رحمه الله تعالى: [فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن يكون إلا فقيراً إلى خالقه، وليس أحد غنياً بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بُسط هذا في مواضع. والإنسان يذنب دائماً فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه لما وَجِدَ خير أصلاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائماً إلى حصول النعمة، ودفع الضر والشر، ولا تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] والمراد بالسيئات ما يسوء العبد من المصائب، وبالحسنات ما يسره من النعم، كما قال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف:١٦٨]، فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلاً وجوداً من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان تعالى عليه حق لعباده، فذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا في مواضع. والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]]. يعني: أن الله هو الذي يوفق العبد للطاعة، ثم قد جازاه عليها وأنعم عليه بها، فالعبد لم ينتفع بنفسه، وإنما هو يفتقر إلى الله في كل الأحوال. قال رحمه الله تعالى: [والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها، فهو سبحانه المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه سبحانه هو الذي خلق العبد وجعله مسلماً طائعاً، كما قال الخليل ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]. وقال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]. وقال: ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم:٤٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فسأل ربه أن يجعله مسلماً وأن يجعله مقيم الصلاة. وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] الآية، قال بعدها: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨]. وفي صحيح أبي داود وابن حبان: (اهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا)، وفي الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وفي الدعاء الذي رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (مما دعا به رسول الله ﷺ عشية عرفة: اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقياً، وكن بي رءوفاً رحيماً، يا خير المسئولين، ويا خير المعطين)].

стр. 46

لفظ العبد في القرآن قال رحمه الله تعالى: [ولفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢] وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦]، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧]. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص:٤١]. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص:٤٥]. ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف:٦٥]. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]. ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]. ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ونحو هذا كثير. وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤]. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف:١٠٢] قد يقال في هذا: إن المراد به الملائكة والأنبياء، إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى، فقد قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]. وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في الدجال: (فيوحي الله إلى المسيح أن لي عباداً لا يدان لأحد بقتالهم)، وهذا كقوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]، فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم مُعبّدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره. وقد يكون كونهم عبيداً هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفاراً، كقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. وقوله: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] أي: ذليلاً خاضعاً، ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك، وإنما الاستكبار عن عبادة الله كان في الدنيا، ثم قال: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥]، فذكر بعدها أنه يأتي منفرداً، كقوله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]. وقال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣]. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد:١٥] الآية. وقال: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦]، فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة، فإن هذا لا يقال طوعاً وكرهاً، فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعاً وكرهاً، فأما ما لا فعل له فيه فلا يقال له: ساجد أو قانت، بل ولا مسلم، بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم، وهم خاضعون مستسلمون قانتون مضطرون من وجوه: منها: علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه. ومنها: دعاؤهم إياه عند الاضطرار. ومنها: خضوعهم واستسلامهم لما يجري عليهم من أقداره ومشيئته. ومنها: انقيادهم لكثير مما أمر به في كل شيء، فإن سائر البشر لا يمكّنون العبد من مراده، بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذي يكرهه، وهو مما أمر الله به، وعصيانهم له في بعض ما أمر به، وإن كان هو التوحيد لا يمنع كونهم قانتين خاضعين، مستسلمين كرهاً، كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذمة وغيرهم، فإنهم خاضعون للدين الذي بعث به رسله، وإن كانوا يعصونه في أمور. والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعاً، وكذلك لما يقدّره من المصائب، فإنه يفعل عندها ما أُمر به من الصبر وغيره طوعاً، فهو مسلم لله طوعاً خاضع له طوعاً، والسجود مقصوده الخضوع، وسجود كل شيء بحسبه سجوداً يناسبها ويتضمن الخضوع للرب].

стр. 47

أول درجات الافتقار هو الافتقار إلى الربوبية قال رحمه الله تعالى: [وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى: حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له، وله سبحانه الملك والحمد. وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأشياء إلى محدثها، وكذلك حاجاتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق. والصواب أن الأشياء مفتقرة إلى الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها، لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن غَنَاء الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير غني، فهو غني بنفسه لا بوصف جعله غنياً، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها، وهي معدومة وهي موجودة، فإذا كانت معدومة فقيل عن مطر يُنتظر نزوله: وهو مفتقر إلى الخالق كان معناه: أنه لا يوجد إلا بالخالق، هذا قول الجمهور من نظار المسلمين وغيرهم، وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل، وما أثبته القرآن من استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها وقنوتها، أمر زائد على هذا عند عامة المسلمين من السلف وجمهور الخلف. ولكن طائفة تدعي أن افتقارها، وخضوعها، وخلقها وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها وقنوتها، وإن كان ذلك بلسان الحال، ولكونها دلالة شاهدة للخالق ﷻ ، وقل للأرض: من فجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج نباتها وثمارها، فإن لم تجبك حواراً وإلا أجابتك اعتباراً، وهذا يقوله الغزالي وغيره. وهو أحد الوجوه التي ذكرها أبو بكر بن الأنباري في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦] قال: كل مخلوق قانت له باشر صنعته فيه وأجرى أحكامه عليه، فذلك دليل على ذله لربه. وهو الذي ذكره الزجاج في قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:٨٣] قال: إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جِبِلِّهم لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله عليها، وهذا المعنى صحيح، لكن الصواب الذي عليه جمهور علماء السلف والخلف: أن القنوت والاستسلام والتسبيح أمر زائد على ذلك، وهذا كقول بعضهم: إن سجود الكاره وذله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر، وكما قال بعضهم في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]، قال: تسبيحه دلالته على صانعه، فتوجب بذلك تسبيحاً من غيره، والصواب أن لها تسبيحاً وسجوداً بحسبها]. يقصد الشيخ بهذا أن التسبيح الذي ذكره الله في المخلوقات هو تسبيح حقيقي، فكل مخلوق يسبح بحسب ما فطره الله عليه من نوع التسبيح، وأن هذا غير الخضوع الكوني العام؛ لأن أهل الكلام الذين فسّروا التسبيح بالخضوع الكوني العام فسّروا التسبيح ببعض وجوهه وببعض صوره، لكن الخبر ورد بأنه ما من شيء إلا يسبح بحمد الله ، وهو خبر زائد عن مجرد خضوع واستسلام الربوبية، وإن كان كل ذلك عبادة وطاعة وانقياد، لكن الطاعة الغريزية القسرية التي هي سنة من سنن الكون أمر مشترك عند جميع المخلوقات، وأما التسبيح الذي هو تسبيح العبادة فهو أمر زائد، فما من شيء إلا يسبح الله بنوع غيبي يعلمه الله، وعلى هذا فجميع المخلوقات لها تسبيح يليق بها، وربما يكون هذا التسبيح مما يدركه بعض الناس في بعض الأشياء، وربما يكون مما لا يُدرك، وربما تكون حركة الأشجار هي نوع من التسبيح، وربما يكون غير ذلك، فهذا أمر غيبي لا نستطيع أن نتحكم به. إذاً: تسبيح الكائنات والمخلوقات لله هو أمر زائد عن مجرد الخضوع العام والربوبية والاستسلام لله ، وهذا هو الراجح كما ذكره الشيخ، مع أن الشيخ لم ينكر ما قالوه، بل قال: إن هذا المعنى صحيح، وهو: أن هذه المخلوقات لافتقارها عابدة لله بخضوعها وتذللها له ، وهذا هو مقتضى القيومية لله ، وكونه القائم على كل شيء. وأما المكلّفون فإن الله قد ابتلاهم، فمنهم من يسبّح وهو العبد الطائع المطيع، ومنهم من لا يسبّح وهو العبد الكافر المعاند نسأل الله العافية، بينما المخلوقات الأخرى -كما ذكرنا- فكلها تسبح بحمد الله تسبيحاً يليق بها، وبكيفية لا نعلمها. قال رحمه الله تعالى: [والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق، ودلالتها عليه وشهادتها له، أمر فطري فطر الله عليه عباده، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات، كما قد بُسط الكلام على هذا في مواضع، وبُين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس الشمولي والتمثيلي، فإن القياس البرهاني العقلي، سواء صيغ بلفظ الشمول كالأشكال المنطقية، أو صيغ بلفظ التمثيل، وبُيّن أن الجامع هو علة الحكم ويلزم ثبوت الحكم أينما وجد، وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين في غير هذا الموضع. والتحقيق: أن العلم بأن المُحدث لا بد له من محدث هو علم فطري ضروري في

стр. 48

التكلف في تقرير البدهيات منهج الفلاسفة قال رحمه الله تعالى: [فإن الكليات إنما تصير كليات في العقل بعد استقرار جزئياتها في الوجود، وكذلك عامة القضايا الكلية التي يجعلها كثير من النُظّار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم، كقولهم: الكل أعظم من الجزء، أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك فإنه أي كلي تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه، وإن لم تخطر له القضية الكلية، كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض، وأن الدرهم أكبر من بعضه، وأن المدينة أكثر من بعضها، وأن الجبل أكبر من بعضه، وكذلك النقيضان وهما: الوجود والعدم، فإن العبد إذا تصور وجود أي شيء كان وعدمه، علم أن ذلك الشيء لا يكون موجوداً معدوماً في حالة واحدة، وأنه لا يخلو من الوجود والعدم، وهو يقضي بالجزئيات المعينة، وإن لم يستحضر القضية الكلية، وهكذا أمثال ذلك]. يعتبر هذا من تكلفات الفلاسفة والنظّار والمتكلمين في تقرير البدهيات؛ لأن هذه الأمور لا تحتاج إلى كبير جهد ووقت، بل حتى عند أبسط الناس، ككون الجبل أكبر من بعضه، أو النقيضان هما: الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو السواد والبياض إلى آخره، سواء كانا نقيضين أو متضادين أو متقابلين، فهذه الأمور بدهية والتكلف في تقريرها هو نوع من عبث الصبيان، وإضاعة الوقت والجهد، وكد الذهن فيما لا طائل تحته، والتفريع عليها في الأمور الوهمية في الغالب يجعل البدهيات معضلات، وعليه فالتكلّف في تقرير هذه الأمور البدهية هو منهج الفلاسفة؛ لأنهم فارغون ومثاليون وليس لهم في الواقع وجود، وأغلب كلامهم هو من باب إضاعة الوقت وكد الذهن فيما لا طائل تحته، أو فيما هو معلوم بالضرورة، ولذلك حينما تكلّفوا في هذه الأمور وجد منهم من يعارض البدهيات، فأحياناً تجد عند بعض الجهمية والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم أشياء هي شك في البدهيات، حتى قالوا: وجود الكون وجود مجازي، يعني: أنه ليس حقيقة، وحتى إن بعضهم افترض أن الإنسان يمكن أن يشك في وجوده، ويقول: إن وجودي مجرد وهم، فهذه الترّهات سببها التكلّف في تقرير البدهيات. ويقصد بالآيات الآيات الكونية الدالة على وجود الله ، يقال: إن الإنسان وإن لم يفكّر بعقله فقد رُكّب بفطرته على أنه لا بد أن يوقن بوجود الله والإقرار بربوبيته، لكن الآيات تلزم وتزيد اليقين في الإنسان. وهو في الحقيقة قد بدأ في موضوع آخر، ولم يتكلم عن الآيات، وكأنه يريد أن يقرر أن ما قاله المتكلمون والفلاسفة في مسألة تفسير كثير من الأمور الشرعية -ومن ضمنها تفسير التسبيح- مبني على أنهم أخذوا الأمور بالقواعد العقلية فيما يتعلق باستقراء الأمور، ومن ضمنها القياس. فإذاً: سيصل إلى النتيجة في آخر المقالة، ونحن على وشك انتهاء الموضوع فلا نستعجل النتيجة، لذلك سيخرج بنتيجة بيّنة فيما بعد إن شاء الله. قال ﵀: [ولما كان القياس الكلي فائدته أمر مطلق لا معين، كان إثبات الصانع بطريق الآيات هو الواجب، كما نزل به القرآن، وفطر الله عليه عباده، وإن كانت الطريقة القياسية صحيحة، لكن فائدتها ناقصة، والقرآن إذا استعمل في الآيات الإلهيات استعمل قياس الأولى لا القياس الذي يدل على المشترك، فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من النقائص والعيوب التي لا كمال فيها، فالباري تعالى أولى بتنزيهه عن ذلك، وما ثبت للمخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه كالحياة والعلم والقدرة، فالخالق أولى بذلك منه، فالمخلوقات كلها آيات للخالق، والفرق بين الآية وبين القياس أن الآية تدل على عين المطلوب الذي هي آية وعلامة عليه، فكل مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه، كما قد بسطناه في مواضع].

стр. 49

كون دلالة الفطرة على وجود الله هي الأصل قال رحمه الله تعالى: [ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فُطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة عليه، مثل كون الاسم يدل على المسمى، فلا بد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلاً على هذا يقتضي تصور المدلول عليه، وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له، فلا بد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو لم يكن المدلول متصوراً لم يعلم أنه دليل عليه، فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه، لكن قد لا يكون الإنسان عالماً بالإضافة ولا كونه دليلاً، فإذا تصوره عرف المدلول، إذا عرف أنه مستلزم له، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له]. يقصد الشيخ هنا أن دلالة الفطرة على وجود الله هي الأصل، وأن ما ينضاف إليها من الآيات الكونية الدالة على وجود الله وصفاته، والاستدلال بآيات الله المقروءة على وجود الله وصفاته، إنما جاءت هذه محركة ومقوية لدلالة الفطرة، وكأنه يقول: إن المخلوقات رُكِّبت بفطرتها على ضرورة الإيمان بالله وبربوبيته وإلهيته، وأن هذه الأدلة ما هي إلا مقوية لهذا الإيمان الفطري، ولذلك قال: إن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، يعني: تستحث الفطرة، لا بطريق القياس فقط، وإنما بطريق الدلالة المباشرة، مثل قوله : ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، فهذا دليل فطري، وليس للفت النظر إلى الآيات الكونية بالتفصيل، وإنما لإثارة عوامل الفطرة، وإن كان للفت النظر إلى الآيات الكونية، لكنه لفت إلى الكون كله وليس إلى جزئيات الآيات، ومع ذلك أحياناً تستعمل الدلالة على وجود الله بجزئيات الآيات من باب تقوية اليقين، وإقامة الحجة على المعاندين، وإلا فهذا أمر فطري تقتضيه الفطرة، سواء وجدت الآيات أم لم توجد، ولذلك فإن المؤمنين الخُلّص، أو الذين سلمت فطرتهم قد لا يتمعنون في الدلالات الكونية إلا إذا جاء للتمعن مناسبة أو سبب، وإلا فقلوبهم قبل ذلك ممتلئة باليقين بالله ، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: أنه لم يكن عنده شك في قدرة الله على الخلق، ولا في عظيم آيات الله، لكنه أراد أن يرى أمراً حسياً يستدل به على ما في قلبه من يقين، أو يقوى به ما في قلبه، وإلا فدلالة الفطرة موجودة في نفسه، ولذلك استخدمها لما رأى الشمس ورأى القمر ورأى النجوم، ونفى أن تكون هذه المخلوقات هي ما يقصده ويعبده، وكل ذلك بالفطرة الكاملة التي فطره الله عليها، لا بأدلة أخرى أو بمقاييس الفلاسفة وغيرهم. وأما قوله ﵀: [والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له]. في الحقيقة هذه لفتة جميلة جداً؛ لأنهم ما استدلوا إلا على شيء في نفوسهم، يعني: لماذا الناس احتاجوا أو استعملوا الدلالات على وجود الله، سواء من استعملها حجة على غيره، أو استعملها ليقوى إيمانه؟ إنما استعملها ليقينه بوجود الله ، وإلا لاحتاج الناس إلى أن يؤمنوا بالله أن يروا الآيات، بينما العكس هو الصحيح، فالناس آمنوا بالله ثم إن الآيات زادتهم إيماناً وأقامت الحجة على من عاند، سواء من المشركين أو من الملاحدة الذين يزعمون أنهم ينكرون وجود الله، وفي الحقيقة هم لا ينكرون وجود الله، بل يعبّرون عن وجود الله بتعبيرات أخرى؛ لأنهم لو اعترفوا فقالوا: الله، ففيه إلزامهم بالطاعة، لكن منهم من قال: الذي يدبر الكون هي الطبيعة، ومنهم من قال: القوة، ومنهم من قال: الذي يدبر الكون عقل كبير أو العقل الأول، ومنهم من قال: الذي يدبّر الكون هو الروح، ومعنى هذا أنهم كلهم لا بد أن يؤمنوا بمدبّر للكون، ومن ينكر وجود الله تعالى فهو مستكبر عن وصف الله باسمه أو بما يليق به، وإلا فهو يقول: للكون مدبر. ومن هنا فكلام الشيخ جيد، ويدل على قوة دلالة الفطرة، وأن الناس يعلمون أن الله قد فطرهم على العلم بأن هذه المخلوقات آيات ودلائل على الخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه؛ لأنهم ما بحثوا عن الدلائل، سواء المنكر الذي يريد الدليل أو المؤمن الذي يستدل على غيره أو ليستدل لغيره، فما استدلوا إلا لأمر كانوا يوقنون به فطرة وغريزة، وهو وجود الله وعظمته وكماله.

стр. 50

التحذير من استعمال عبارات الفلاسفة قال رحمه الله تعالى: [والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، واتفق العقل والشرع، وتلازم الرأي والسمع. والمتفلسفة كـ ابن سينا والرازي ومن اتبعهما قالوا: إن طريق إثباته الاستدلال عليه بالممكنات، وإن الممكن لا بد له من واجب، قالوا: والوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، وهذه المقالة أحدثها ابن سينا، وركّبها من كلام المتكلمين وكلام سلفه، فإن المتكلمين قسّموا الوجود إلى قديم ومحدث، وقسّمه هو إلى واجب وممكن، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثاً، بل زعم أنه ممكن، وهذا التقسيم لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة، بل حُذّاقهم عرفوا أنه خطأ، وأنه خالف سلفه وجمهور العقلاء وغيرهم، وقد بيّنا في مواضع أن القدم ووجوب الوجود متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يُعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوماً أو سيكون معدوماً لا يكون واجب الوجود، ولا قديماً أزلياً. ثم إن هؤلاء إذا قُدِّر أنهم أثبتوا واجب الوجود فليس في دليلهم أنه مغاير للسماوات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي وغيره، لكن عمدتهم أن الجسم لا يكون واجباً؛ لأنه مركب، والواجب لا يكون مركباً، هذا عمدتهم. وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة، وما زال النُظّار يبينون فساد هذا القول كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه. وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان: فيقال للموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم، فتكون الذات واجبة والصفات واجبة، ويقال للموجود بنفسه والقائم بنفسه، فتكون الذات واجبة دون الصفات، ويقال لمبدع الممكنات، وهي المخلوقات، والمبدع لها هو الخالق، فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك الصفات، والذات مجردة عن الصفات لم تخلق، والصفات مجردة عن الذات لم تخلق، ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعي التحقيق والعرفان، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق، كما قد بُسط القول عليه في مواضع]. يقصد الشيخ بالوجود المطلق الوجود الذي ليس له ذات وليس له حقيقة، وإنما هو وجود ذهني أو وجود عقلي أو روح أو قوة ونحو ذلك من التعبيرات التي يعبّر بها الفلاسفة عن وجود الخالق ، والشاهد أن تقرير الفلاسفة ومن سلك سبيلهم في مسلك المُحدَث والمُحدِث، أو الممكن والواجب -الذي أحدثه ابن سينا - ونحو هذا إنما هو من الألفاظ المجملة التي لها دلالات ناقصة ودلالات كاملة، كما أنها أيضاً من الأمور التي لا يفهمها إلا خاصة هؤلاء الفلاسفة ومن سلك سبيلهم، وعامة الناس يخوضون فيها بغير علم، ولهم في دلالاتها مفاهيم متباينة، فلذلك يجب على المسلم وعلى طالب العلم خاصة ألا يستعمل هذه العبارات التي لها لوازم باطلة، والغالب أنها تؤدي إلى الخروج من اليقين إلى الشك؛ لأن الإنسان ليس بحاجة إلى أن يعرف معنى واجب الوجود ليثبت وجود الله ، فوجود الله وجود فطري، وإنما نحن بحاجة إلى إثبات ذلك بالآيات الكونية لمن أنكر أو شك، أما ما عدا ذلك فإنما هي ألفاظ أشبه بالأوهام والتكلّفات التي لا تقرر عقيدة، بل أن من استعملها يخرج من اليقين إلى الشك، ولذلك نجد هؤلاء الذين يستعملون هذه العبارات كلهم أصحاب شك وريب نسأل الله العافية، بل ولم يصلوا إلى أي نتيجة، وأغلبهم وقعوا في محارات عقلية وذهنية أدت بهم إلى اليأس والقنوط وإلى إعلان الإفلاس، وكل الذين اشتهر عنهم هذا الأمر وخاصة الكبار منهم والمنظّرين أعلنوا الحيرة والاضطراب في العقيدة، بل ومنهم من أعلن ذلك عند الموت، وغير هؤلاء كثيرين جداً نسأل الله العافية؛ لأنهم تكلموا في أمور لا داعي لها، والقاعدة في ذلك: أن أوصاف الله وأسماءه متقررة في الكتاب والسنة على أكمل وجه، ولسنا بحاجة إلى أن نستحدث ألفاظاً أو تعبيرات نعبّر بها عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله، وأن كل ما نتخيله أو نتصوره أو نتوهمه أو تنطق به ألسنتنا من الكمالات فإنما هو راجع إلى ألفاظ الشرع، بل إن من أسماء الله جوامع يرجع إليها كل ما تفلسف به المتفلسفون، ولو أنهم نزهوا أنفسهم ووصفوا الله بما وصف به نفسه من الكمالات التي تجمعها بعض العبارات مثل الله أو الحي أو القيوم أو العظيم أو الكبير -عبارات جامعة تجمع كل معاني الكمال- لكان خيراً لهم، وعليه فالناس ليسوا بحاجة إلى أن يقرروا وجود الله وكماله وأسمائه وصفاته بمثل هذه الألفاظ المبتدعة؛ لأنها أمور توقع الناس في الريب والشك، بل وتوقعهم في الإثم والكلام على الله بغير علم، وهذا من أعظم الإثم، بل من كبائر الذنوب، والغالب أنه في مثل هذا قد يصل إلى الكفر. قال ﵀: [والمقصود هنا الكلام أولاً في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه، أي: في أن يشهد ذلك ويعرفه، ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخ

стр. 51

الأسئلة

стр. 52

وجه الخوض في القضايا الكلامية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على أهل الكلام السؤال قال شيخ الإسلام: (وعلم الكلام لا يحتاج إليه البليد ولا يستفيد منه الذكي)، فإذا كان كذلك فهل لنا أن نتجاوز القضايا التي يذكرها ابن تيمية في الرد على أهل الكلام من أجل كسب الوقت؟ الجواب في الحقيقة هذه مسألة في نفسي منها شيء، لكن مع ذلك أحياناً أقول: ما دام أن الحضور طلاب علم، وأكثر الأمور إن شاء الله ليست مشكلة عليهم، فلعلنا نستفيد على الأقل إذا كان هناك جوانب سلبية مما يورده شيخ الإسلام في رده على أهل الكلام تبيّن لنا هذه الجوانب، لا سيما أننا نجد أن هناك من بدأ يثير هذه القضايا من جديد، من متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فقد بدءوا الآن يقررون عقائدهم الفلسفية هذه، وتدرس في كثير من الجامعات والمدارس في العالم الإسلامي على هذا النحو، بل أشد منه، كما يدرسون محارات تتعب العقول وتمرض القلوب، ولا يصل فيها الناس إلا إلى مسالك وعرة لا توصلهم إلى اليقين. أيضاً: أن هناك كتباً تقرر هذه المسائل. كذلك: أن هناك أصحاب اتجاه جديد لا هم أشاعرة ولا ماتريدية ولا متكلمون، لكنهم أخطر من هؤلاء كلهم، فقد بدءوا يتناولون هذه القضايا إما بالتأييد وإما بالرفض، وأغلبه من باب التأييد، وهم أصحاب الاتجاهات العقلانية والعصرانية، فبدءوا يستعملون هذه الأساليب وهذه المصطلحات من جديد، ويقررون بها الدين على نحو ما قرره أولئك الأوائل من أسلافهم. فأنا أقول: لعلنا نتوسط، فإذا جاءت بعض المقاطع التي فيها استطراد طويل في المسائل الكلامية، وهي قليلة في المجلد الأول والثاني فربما نستبعدها، وأما إذا كان مجرد عرض أو استعراض سريع في المسائل الكلامية مثل ما مر قبل قليل فأرجو ألا يكون فيه حرج. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 53

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [٥] من الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق أن ترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثوابه سبحانه لا لمكافأتهم، وأن تكف عن ظلمهم خوفاً من الله، فإن هذا من ثمار العبودية لله تعالى ولوازمها، وبذلك تنال السعادة في الدارين.

стр. 54

فصل: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فسنبدأ في فصل جديد يعتبر امتداداً للفصل السابق في الكلام على العبودية ولوازمها وقواعدها وثمارها، وفي هذا الفصل سيركز فيه شيخ الإسلام على قاعدة في مسألة معاملة الخلق، وبيان وجه السعادة في معاملة الخلق، وقد تضمنت هذه القاعدة حكماً بليغة، ووصايا عظيمة، وفوائد جليلة كما حدث في القاعدة السابقة.

стр. 55

الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [فصل: والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: (ارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله)، أي: لا تفعل شيئاً من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفاً من ذمهم، بل ارج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتي وما تذر، بل افعل ما أمرت به وإن كرهوه]. ذكر الشيخ هنا أربعة من الأسس التي تقوم عليها السعادة في معاملة الخلق، وهي في الحقيقة أمور جامعة ومانعة تشمل جميع وجوه السعادة في معاملة الخلق التي يكون بها رضا الله وتحقيق العبودية له، وهذه الأسس الأربعة هي: أولاً: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله. ثانياً: تخافه فيهم ولا تخافهم في الله. ثالثاً: تحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم. رابعاً: أن تكف عن ظلمهم خوفاً من الله. فجعل جميع هذه الأسس الأربعة تقوم على مراعاة حق الله في معاملة العباد، وعلى تحقيق العبودية من خلال معاملة العباد، وأشار إلى أن هذا هو الذي يكون به السعادة في معاملة الخلق، أي: سعادة القلب وسعادة النفس، وإلا فالإنسان قد يشعر بالسعادة الشكلية من خلال ما يحققه من مصالح دنيوية من خلال تعامله مع العباد، لكنها مصالح منغصة كما سيذكره فيما بعد، وهذا إذا لم يكن فيها مراعاة لحق الله ، وعليه فلا بد أن يكون هذا هو الأصل والمنطلق في معاملة العباد.

стр. 56

مآل من التمس رضا الناس بسخط الله والعكس قال رحمه الله تعالى: [وفي الحديث: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، أو تذمهم على ما لم يؤتك الله) فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقناً، لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفاً منهم ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين. وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يُقدّر، كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم، ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، لكن من حمده الله ورسوله فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله فهو المذموم. ولما قال بعض وفد بني تميم: (يا محمد! أعطني، فإن حمدي زين وإن ذمي شين. قال رسول الله ﷺ : ذاك الله . وكتبت عائشة إلى معاوية ﵁، وروي أنها رفعته إلى النبي ﷺ : (من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً) هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاماً)، هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه في الدين، والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، فالله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً، كالظالم الذي يعض على يده يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]، وأما كون حامده ينقلب ذاماً، فهذا يقع كثيراً، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم]. في الحقيقة يمكن إيجاز كلام الشيخ هنا: بأن من التمس رضا الناس بسخط الله فإن مآله وعاقبة أمره إلى الخسران، حتى وإن وجد بعض الفائدة من ذلك، لكن العاقبة لا تكون حميدة أبداً، سواء في الدنيا أو في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط، وكذلك العكس، فمن التمس رضا الله بسخط الناس فلا بد أن تكون عاقبته حميدة، وقد لا يتأتى هذا عاجلاً، وإنما يتأتى بالصبر، فالإنسان قد يرى أول الأمر شيئاً من الإعراض من الناس إذا التمس رضا الله بسخطهم، وقد يجد شيئاً من المضايقة، لكنه بالصبر لا بد أن تكون العاقبة له، إما في الدنيا والآخرة وهو الغالب، وإما في الآخرة فقط. فإذاً العاقبة لا بد أن تكون لمن راعى حق الله في ذلك، مع أنه بالتجربة والاستقراء نجد أن كل من صبر على أذى الناس والتمس رضا الله ولو بسخطهم، فإنه لا بد أن يجد العاقبة الحميدة في دنياه قبل آخرته، مع ما ادخره الله له في الآخرة، لكن ذلك مشروط بأمرين: صدق النية، وصدق الإخلاص مع الله ، والصبر على ما يصيبه من بلاء، وأكثر الناس قد لا يصبر، فلا تحصل له النتيجة التي يأملها؛ لأنه لم يتحقق عنده الشرط الذي ضمن الله به لمن فعل ذلك.

стр. 57

انتفاع العبد بطاعة ربه قال رحمه الله تعالى: [فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق الله، فعبده لا يشرك به شيئاً كان موحداً. ومن توحيد الله وعبادته التوكل عليه والرجاء له والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك. وإعطاء الناس حقوقهم وترك العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم ومن الشرك بهم. وبطاعة ربه واجتناب معصيته يخلص العبد من ظلم نفسه، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)، فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد، وكما في الحديث الذي رواه الطبراني في الدعاء: (يا عبادي! إنما هي أربع، واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فالتي لي: تعبدني لا تشرك بي شيئاً، والتي لك عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة، والتي بينك وبين خلقي فائت إليهم ما تحب أن يؤتوه إليك) والله يحب النصفين، ويحب أن يعبدوه. وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه، وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إنما يحبه لكونه طريقاً إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج أولاً، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة، فهو يطلب ما يحتاج إليه أولاً ليتوسل به إلى محبوب الرب الذي فيه سعادته، وكذلك قوله: (عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه)، فإنه يحب الثواب الذي هو جزاء العمل، فالعبد إنما يعمل لنفسه، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث هي نافعة له، محصلة لسعادته، محصنة له من عذاب ربه، فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له، وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، فمن عبد الله لا يشرك به شيئاً أحبه وأثابه، فيحصل للعبد ما يحبه من النعم تبعاً لمحبوب الرب، وهذا كالبائع والمشتري، البائع يريد من المشتري أولاً الثمن، ومن لوازم ذلك: إرادة تسليم المبيع، والمشتري يريد السلعة، ومن لوازم ذلك: إرادة إعطاء الثمن. فالرب يحب أن يُحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به، والعبد يحب ما يحتاج إليه]. ذكر الشيخ ﵀ أمراً كثيراً ما يسأل عنه بعض الناس، ويستشكله بعض العوام وحتى بعض المبتدئين من طلاب العلم، أو ممن عندهم شيء من الوساوس نسأل الله العافية، ويتلخص هذا الإشكال في أن بعض الناس يتحرج من أن يكون قصده نفع نفسه مع عبادته لربه ورجاء ثوابه ، ويظن أن هذا مذلّة، حتى إن بعضهم يقول: إني أجد في نفسي حينما أندفع للصيام أو للصدقة أو لفعل الخير أني أريد بذلك الجزاء من الله لا مجرد العبادة، وهذا جاهل؛ لأن الله تعبّدنا بما ينفعنا، فلا حرج عليه، بل من محض الإيمان إن شاء الله، وصدق اليقين أن يكون قصدك أن تنتفع بعبادتك لله ؛ لأنك أنت المستفيد أولاً وآخراً، والله هو الغني، وكون المسلم يعبد الله ويرجو ثوابه ويحبه ويخشاه، ثم يحتسب ذلك ويريد ثوابه ويرجو فائدة ذلك في الدنيا والآخرة فهذا من أعظم المقاصد الشرعية التي يحتسب بها المسلم إلى الله ، بل إن من أعظم المقاصد التي تتوجه إليها القلوب توجهاً صحيحاً أن يكون المسلم يتطلع إلى ثواب الله وإلى جزاء في عمله، وأن يتطلّع إلى السعادة في الدنيا والآخرة كما ذكر الشيخ. وأما قوله: (فالرب يحب أن يحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به)، فهذه العبارة فيها شيء من الغموض تحتاج إلى توضيح، يعني: أن الله يحب العباد الذين يحققون العبودية له، والله يحب من لا تحصل العبادة إلا به ممن أطاعوه واتبعوا شرعه من عباده الصالحين.

стр. 58

أنواع الشرك وضرورة تعاهد الإنسان نفسه خشية الوقوع في الرياء قال رحمه الله تعالى: [فالرب يحب أن يُحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به، والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك: محبته لعبادة الله، فمن عبد الله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله، في إخلاص الدين له، ومن طلب من العباد العوض، ثناء أو دعاء أو غير ذلك، لم يكن محسناً إليهم لله، ومن خاف الله فيهم ولم يخفهم في الله كان محسناً إلى الخلق وإلى نفسه، فإن خوف الله تحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم، ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ظالم لنفسه ولهم، حيث خاف غير الله ورجاه؛ لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم، وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرهم أو مثله، وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله، وهو إذا لم يخف الله فهو مختار للعدوان عليهم، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها؟ فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر، مهين ذليل إذا قهر، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس. وكذلك إذا رجاهم فهم لا يُعطونه ما يرجوه منهم، فلا بد أن يبغضهم فيظلمهم إذا لم يكن خائفاً من الله ، وهذا موجود كثير في الناس، تجدهم يخاف بعضهم بعضاً، ويرجو بعضهم بعضاً، وكل من هؤلاء يتظلّم من الآخر، ويطلب ظلمه، فهم ظالمون بعضهم لبعض، ظالمون في حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التي تُعذب النفس بها وعليها، وهو يجر إلى فعل المعاصي المختصة كالشرك والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه، ولا سيما إذا كان طالباً ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور، وذكر ماجريات النفس والهزل واللعب، ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك، ولا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى]. قوله: (ماجريات النفس)، أي: رغباتها وميولاتها؛ لأن النفس أمّارة بالسوء، وقد ذكر السلف أن للنفس وجوهاً متعددة، أو أن النفوس ثلاثة: منها: الأمّارة بالسوء، وهذه أكثر إلحاحاً على الإنسان؛ لأنها هي التي تستجيب لأهواء ورغبات النفس، ووساوس الشيطان، وهي أشد النفوس وقوعاً في الشهوات والشبهات، ولذا فالرغبات والميولات هي التي تدفع الإنسان إلى أن يرضي نفسه الأمّارة بالسوء. قال رحمه الله تعالى: [فإن الإنسان خُلق محتاجاً إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ونفسه مريدة دائماً، ولا بد لها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به، وليس ذلك إلا لله وحده، فلا تطمئن القلوب إلا به، ولا تسكن النفوس إلا إليه، و ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فكل مألوه سواه يحصل به الفساد، ولا يحصل صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له]. ذكر الشيخ هنا أنواع الشرك، فذكر الشرك الخفي والشرك الجلي، وأغلب ما يشير إليه هنا هو الشرك الخفي؛ لأن أغلب المسلمين يقعون فيه، بمعنى: أنهم يتّبعون أهواءهم ويطيعون رغبات أنفسهم، ويطيعون الناس ويخافونهم ويرجونهم وغير ذلك مما قد لا يصل إلى الشرك الأكبر، ولذلك ينبغي للإنسان دائماً أن يتعاهد نفسه في كل عمل يعمله، بل وفي كل ما يأتي به وما يذر، حتى فيما يفكّر فيه من الأمور غير العملية، أو فيما يخطر على باله من خطرات، فينبغي للمسلم أن يتعاهد نفسه لئلا تقع فيما تستريح إليه النفس الأمّارة بالسوء من المحرمات، وفعل الفواحش وقول الزور والحسد والهزل وإضاعة الوقت واللعب ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك مما تُدفع إليه النفس؛ ولأنه ربما يكون فيه شيء كثير من الشرك الخفي؛ لأن الشرك الخفي ليس عليه دليل، لكن من أبرز معاني الشرك الخفي هو الرياء؛ لأنه أخفى الأعمال، ولأن الإنسان قد يظهر بمظهر حسن أو مستقيم في حين أنه فيما بينه وبين ربه قلبه منصرف إلى العباد، لكن كل ما توجه به الإنسان إلى غير الله من الرغبات والخوف والرجاء فإنه نوع من الشرك، فإن وصل إلى العبادة فهو شرك جلي، أي: شرك أكبر، وعليه فالشرك درجات كما أن الإيمان درجات، والشرك شعب كما أن الإيمان شعب.

стр. 59

غنى الإنسان وسعادته في طاعة ربه وتوحيده لافتقاره إليه سبحانه قال رحمه الله تعالى: [فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين، عبدت غيره من الآلهة التي يعبدها أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم، فأشركت بالله بعبادة غيره واستعانته، فتعبد غيره وتستعين به، لجهلها بسعادتها التي تنالها بعبادة خالقها والاستعانة به، فبالعبادة له تستغني عن معبود آخر، وبالاستعانة به تستغني عن الاستعانة بالخلق، وإذا لم يكن العبد كذلك كان مذنباً محتاجاً، وإنما غناه في طاعة ربه وهذا حال الإنسان، فإنه فقير محتاج وهو مع ذلك مذنب خطاء، فلا بد له من ربه، فإنه الذي يسدي مغافره، ولا بد له من الاستغفار من ذنوبه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبالتوحيد يقوى العبد ويستغني، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، وبالاستغفار يغفر له ويدفع عنه عذابه، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، فلا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، فإنه لا بد له منه، وإذا لم يحصل له لم يزل فقيراً محتاجاً معذباً في طلب ما لم يحصل له، والله تعالى لا يغفر أن يُشرك به، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار حصل له غناه وسعادته، وزال عنه ما يعذبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 60

افتقار العبد إلى التوكل على الله والاستعانة به قال رحمه الله تعالى: [والعبد مفتقر دائماً إلى التوكل على الله والاستعانة به كما هو مفتقر إلى عبادته، فلا بد أن يشهد دائماً فقره إلى الله، وحاجته في أن يكون معبوداً له، وأن يكون معيناً له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه]. هذه المسألة من المسائل التي كثيراً ما يغفل عنها الناس، ولذلك ينبغي بل يجب على طلاب العلم وخاصة من يتصدون للخطابة والتعليم والوعظ والإرشاد أن يركّزوا على هذه القضية، ألا وهي الاستعانة بالله ، إذ هي من أعظم أبواب إصلاح القلوب، لا سيما والناس قد بدأت عندهم بعض مظاهر القلق والأمراض النفسية والشعور بالخوف ونحو ذلك، مما جعلهم يلجئون إلى الوسائل غير المشروعة، كالدجل والدجالين وغير ذلك من الأمور التي قد تكون مظهراً من مظاهر ضعف الاستعانة بالله . لذا ينبغي على الوعاظ والمرشدين والدعاة أن ينبهوا الناس ويربوهم على مسألة الاستعانة بالله دائماً في كل شيء، وأن يبدأ كل مسلم باللجوء إلى الله والإلحاح عليه عندما يطرأ عليه أي أمر من الأمور، سواء كان صغيراً أو كبيراً، ولا يحقرن في ذلك شيئاً، وقد نجد ممن يتنبه ويتفطن لهذه القضية، لكن هذا قليل، وهذا القليل أيضاً قد لا يتفطن إلا بعد أن يصل إلى اليأس والشعور بالإحباط، وخاصة الذين يعانون شيئاً من الأمراض النفسية والجسمية، فإذا لم يجدوا فائدة عند الأطباء أو الرقاة أو الدجالين تفطنوا باللجوء إلى الله ، وهذا خير، لكن أعظم منه أن يلجأ الإنسان إلى الله في كل أمر صغير أو كبير بالدعاء والاستغفار والتوبة، وعمل الصالحات التي تنجيه وتنفعه وتصله بالله . ولذا أقول: ينبغي لكل من يعلم الناس ويربيهم ويرشدهم أن ينبه على هذا الأمر كثيراً، لا سيما مع كثرة الظواهر المزعجة في الآونة الأخيرة، وكثرة لجوء الناس إلى غير الله واللجوء إلى الأسباب، مع أن بذل الأسباب مطلوب لا شك، لكن لا يعني ذلك الإعراض أو الغفلة عن اللجوء إلى الله ، فيحسن التنبيه لهذه المسألة العظيمة. قال ﵀: [قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥]، أي: يخوّفكم بأوليائه، هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، كـ ابن عباس وغيره وأهل اللغة كـ الفراء وغيره. قال ابن الأنباري: والذي نختاره في الآية: يخوّفكم أولياءه. تقول العرب: أعطيت الأموال، أي: أعطيت القوم الأموال، فيحذفون المفعول الأول. قلت: وهذا لأن الشيطان يخوّف الناس أولياءه تخويفاً مطلقاً، ليس له في تخويف ناس بناس ضرورة، فحذف الأول لأنه ليس مقصوداً. وقال بعض المفسرين: يخوف أولياءه المنافقين، والأول أظهر؛ لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار، فهي إنما نزلت فيمن خوّف المؤمنين من الناس، وقد قال: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٥] الضمير عائد إلى أولياء الشيطان، الذين قال فيهم: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] قبلها، والذي قال الثاني فسرها من جهة المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه؛ لأن سلطانه عليهم، فهو يدخل عليهم المخاوف دائماً، وإن كانوا ذوي عَدَد وعُدَد، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوّفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول، أي: يخوّف المنافقين أولياءه، وهو يخوّف الكفار كما يخوف المنافقين، ولو أُريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه، وهو قوله: ((فَلا تَخَافُوهُمْ)). وأيضاً فإنه يعد أولياءه ويمنيهم، ولكن الكفار يلقي الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:١٣] وقال: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢]، ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوّف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين، وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة:٥٦]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب:١٩] الآية، فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ (أولياءه) هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين كما دل عليه السياق، وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوّفه الشيطان منهم. فدلّت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناساً خائفين منهم. ودلّت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، فخوف الله أَمَر به، وخوف أولياء الشيطان نهى عنه، قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُو

стр. 61

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [٦] من أعظم مباني العبودية التوكل على الله تعالى والاستعانة به، ودعاؤه، وهذه هي صفة أتباع الأنبياء الذين وعدهم الله بالنصر لقوة توكلهم عليه، وقد حذر من التشبه باليهود والنصارى، وما هم عليه من الكفر والضلال الذي سببه الغلو في الدين.

стр. 62

معنى قوله تعالى: (ربيون) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: بعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال رحمه الله تعالى: [ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] الآية، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦] الآيات، والأكثرون يقرءون: (قاتل)، والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف هم الجماعات الكثيرة، قال ابن مسعود وابن عباس ﵃ في رواية عنه والفراء: ألوف كثيرة. وقال ابن عباس في أخرى ومجاهد وقتادة: جماعات كثيرة، وقرئ بالحركات الثلاث في الراء، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه الذين ما وهنوا وما ضعفوا، وأما على قراءة أبي عمرو وغيره ففيها وجهان: أحدهما: يوافق الأول، أي: الربيون يُقتلون، (فما وهنوا)، أي: ما وهن من بقي منهم لقتل كثير منهم، أي: ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم، بل قاموا بأمر الله في القتال حتى أدالهم الله عليهم وصارت كلمة الله هي العليا]. في هذه السطور لا يزال الشيخ يقرر مسألة التوكل على الله ، وهي من أعظم مباني العبودية، فهو ﵀ من أول الكتاب يقرر مسألة العبودية والإلهية لله ، ولا يزال يقرر مسألة التوكل حتى في هذا المقام، وهو هنا يقرر أن الذين ما ضعفوا ولا استكانوا، ونصرهم الله أو وعدهم بالنصر لقوة توكلهم، هم الخلص الذين كانوا مع الأنبياء؛ لأنهم حققوا التوكل الذي هو من أعظم مباني العبودية، مع أن الشيخ بعد قليل سيقرر في هذه المسألة معنى الربّيون وأقوال الناس فيها، وهي استطراد منه ﵀ لاستكمال الموضوع. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن النبي ﷺ قُتل معه ربيون كثير، فما وهن من بقي منهم لقتل النبي ﷺ ، وهذا يناسب صراخ الشيطان أن محمداً ﷺ قد قُتل، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا، ولو أريد أن النبي ﷺ قُتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم، بل تقليلهم هو المناسب لها، فإذا كُثّروا لم يكن في مدحهم بذلك عبرة. وأيضاً لم يكن فيه حجة على الصحابة، فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم، فيقولون: ولم يهنوا؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون. وأيضاً فقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ [آل عمران:١٤٦] يقتضي كثرة ذلك، وهذا لا يُعرف أن أنبياء كثيرين قُتلوا في الجهاد. وأيضاً فيقتضي أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير، وهذا لم يوجد، فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى وأنبياء بني إسرائيل لم يُقتلوا في الغزو، بل ولا يُعرف نبي قتل في جهاد، فكيف يكون هذا كثيراً ويكون جيشه كثيراً؟]. هذه فائدة نادرة من شيخ الإسلام، والتي كثيراً ما يتكلم عنها عن علم واستقراء، فقوله: (ولا يُعرف نبي قُتل في جهاد) مبني على استقرائه ﵀، بمعنى: أنه لم يرد في النصوص الشرعية التي ذكرت قصص الأنبياء أن نبياً قد قتل في جهاد، فهذه من الدرر التي كثيراً ما يشير إليها شيخ الإسلام في كتاباته؛ لأن الله قد أعطاه علماً وإحاطة بكثير من المراجع، فكان إذا قرأ الكتاب استوعبه، ومع كثرة قراءته كانت كثيراً من استنتاجاته صائبة؛ لأنها مبنية على الاستقراء، ولذلك نجده في حواره مع الآخرين خاصة من أهل الفرق والمذاهب كان أعلم منهم بمذاهبهم، وقد اعترفوا له بذلك، وقد سُطّرت اعترافات كثير منهم ولا تزال موجودة في كتبهم، فاعترفوا له بأنه أعلم منهم بمذاهبهم؛ لأنه كان ﵀ يقرأ كثيراً ويستوعب ما يقرأ. ولذلك فمثل هذه الفائدة وغيرها كثير، ينبغي أن يحرص عليها طلاب العلم، وأتمنى لو أن أحد طلاب العلم انبرى لجمع مثل هذه الفوائد النادرة في مصنف واحد ليستفيد منها طلاب العلم، سواء في مفردات المسائل أو فيما يتعلق بالأصول والقواعد، أو ما يتعلق بالمناهج، أو ما يتعلق بالمواقف وغير ذلك مما هو لـ شيخ الإسلام من استنتاجات مبنية على استقرائه، فقد كان ﵀ أحياناً يجزم بناء على استقرائه، وأحياناً يغلّب الظن، لكن غالباً كان يجزم بناء على ما توصل إليه من خلال اطلاعه الواسع. قال رحمه الله تعالى: [والله سبحانه أنكر على من ينقلب، سواء كان النبي مقتولاً أو ميتاً، فلم يذمهم إذ مات أو قُتل على الخوف، بل على الانقلاب على الأعقاب]. لأن هذا ينافي التوكل، وهذا استطراد منه ﵀ -كما قلت- يستوفي فيه مسألة عارضة. قال ﵀: [ولهذا تلاها الصدّيق ﵁ بعد موته ﷺ ، فكأن لم يسمعوها قبل ذلك.

стр. 63

أوجه ترجيح شيخ الإسلام للمعنى المراد للربيين قال رحمه الله تعالى: [والأول أصح من وجوه]. يقصد الشيخ بالأول هنا: الأول القريب وليس الأول البعيد، يعني: أنهم العلماء -يدل عليه ما سيأتي- وهو أصح من وجوه. قال رحمه الله تعالى: [أحدها: أن الربانيين عين الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم أئمتهم في دينهم، ولا يكون هؤلاء إلا قليلاً]. هذا فيه تضمين للمعاني السابقة، ولا يزال الشيخ في استصحاب قضية حقيقة العبودية، وأن أعظم مباني العبودية التوكل، فهو يميل إلى أن الربيين بمعنى العلماء؛ لأنهم أقوى الناس توكلاً وتحقيقاً للعبودية لله ، وقيمة هذا الاستطراد من الشيخ ﵀ استكمال معنى العبودية والتوكل في الربيين، وأن أخص معانيها وأقواها أنهم العلماء والفقهاء، أعني: أهل الأمر المطاعين، والذين لهم اهتمام بتربية الأمة على عبودية الله وإلهيته والتوكل عليه. قال رحمه الله تعالى: [الثاني: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين، وإن كانوا قد أعطوا علماً ومعهم الخوف من الله . الثالث: أن استعمال لفظ الرباني في هذا ليس معروفاً في اللغة. الرابع: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفاً في اللغة، بل المعروف فيها هو الأول، والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهورة: (ربي) بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء، وقد قُرئ بالضم، فعُلم أنها لغات]. قوله: (بلا نون) يعني: يقال: ربي، ولا يقال: رباني. قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء كان من الربانيين أو لم يكن. السادس: أنه لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر، وإنما المناسب ذكرهم في مثل قوله: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٦٣] الآية، وفي قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩] فهناك ذكرهم به مناسباً. السابع: قيل: إن الرباني منسوب إلى الرب، فزيادة الألف والنون كاللحياني، وقيل: إلى تربيته الناس، وقيل: إلى ربان السفينة، وهذا أصح]. قوله: (ربان السفينة)، أي: قائدها ومدبرها، الآمر والناهي فيها، وكأن الشيخ لا يزال يؤيد أن الربيين بمعنى: العلماء والفقهاء، فهم أهل الأمر والنهي، وأهل القدوة، ونلاحظ أن الشيخ كلما أتت دلالة اصطلاحية أو لغوية تؤيد هذا التفسير نجد أنه يميل إليه. قال رحمه الله تعالى: [لأن الأصل عدم الزيادة في النسبة، لأنهم منسوبون إلى التربية، وهذه تختص بهم، وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك، بل كل عبد له فهو منسوب إليه، إما نسبة عموم أو خصوص، ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين، ولا سمى به رسله وأنبياءه، فإن الرباني من يربي الناس كما يربي الرباني السفينة، ولهذا كان الربانيون يُذمون تارة ويُمدحون أخرى، ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يُذموا قط، وهذا هو الوجه. الثامن: أنها إن جُعلت مدحاً فقد ذُموا في مواضع، وإن لم تكن مدحاً لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح، وإذا كان منسوباً إلى رباني السفينة بطل قول من يجعل الرباني منسوباً إلى الرب، فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان. التاسع: أنه إذا قُدِّر أنهم منسوبون إلى الرب فلا تدل النسبة على أنهم علماء، نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله، وهذا يعم جميع المؤمنين، فكل من عبد الله وحده لا يشرك به شيئاً فهو متأله عارف بالله، والصحابة كلهم كذلك، ولم يُسموا ربانيين ولا ربيون، وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس ﵃: اليوم مات رباني هذه الأمة، وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم، والخلفاء أفضل منه ولم يُسموا ربانيين، وإن كانوا هم الربانيين. وقال إبراهيم: كان علقمة من الربانيين. ولهذا قال مجاهد: هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره. فهم أهل الأمر والنهي، والأخبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر أو ينه. وذلك هو المنقول عن السلف في الرباني، نُقل عن علي أنه قال: هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها، وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء المعلمون. قلت: أهل الأمر والنهي هم الفقهاء المعلمون. وقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. وقال ابن قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون. قال أبو عبيد: أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا تعرف الربانيين. قلت: اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذي ينزلها ويقوم لمصلحتها، ولكن العرب في جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون؛ لأنهم لم يكونوا على شريعة منزلة من الله ]. نخرج من هذا الكلام بخلاصة تتكون من شقين: الشق الأول: أن شيخ الإسلام يرى أن معنى الرب

стр. 64

فصل في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)

стр. 65

حكاية الله لأخلاق وأوصاف اليهود والنصارى والتحذير من اتباعهم والتشبه بهم قال رحمه الله تعالى: [فصل قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)، وكتاب الله يدل على ذلك في مواضع، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٦٠]]. الآية تشير إلى اليهود وإلى كل من سلك سبيلهم، كما هو معروف في غالب ألفاظ القرآن التي تأتي في وصف أعمال أحد من الناس أو تأتي لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثل هذه الآية لا شك أنها كانت تحكي أخلاق اليهود وأوصافهم، لكن فيها أيضاً إشارة إلى كل من سلك سبيلهم. قال ﵀: [وقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]، وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢]، وقال في النصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]]. الذين ضلوا وأضلوا كما وردت الإشارة إليه في كثير من النصوص، وكما اتفق عليه السلف أو اشتهر عند جمهورهم: اليهود، ومن كان له أثر في تحريف ديانة النصارى، لكن أعظمهم اليهود، فهم أول من حرّف دين النصارى وسعى إلى تحريفه. قال رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]. ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يُخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، فقد وقع ذلك كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: (لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) وهو حديث صحيح. وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى]. وهذا معلوم؛ لأن اليهود انحرفوا عن العلم، بمعنى: أنهم كانوا يعلمون أحكام الله ، وكانوا على بصيرة من أمرهم، لكنهم انحرفوا عناداً واستكباراً، وكذلك النصارى فقد انحرفوا جهلاً، وكان بسبب انحرافهم تفريطهم في الأخذ بما جاء عن الرسل، فهؤلاء غلوا في ترك ما جاء به الرسل، وأولئك غلوا في الانحراف عما جاء به الرسل. فإذاً: كل من انحرف عن علم ففيه شبه من اليهود، وكل من انحرف عن جهل، بمعنى: أنه فرّط في أخذ ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ففيه شبه من النصارى؛ لأنه وقع في الجهل بتفريطه.

стр. 66

نعت الله لرسوله ﷺ بالعبودية في أرفع مقاماته قال رحمه الله تعالى: [كما يرى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم، والكبر، وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم وغير ذلك. وكما يرى في منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو في الأنبياء والصالحين، والابتداع في العبادات، من الرهبانية والصور والأصوات. ولهذا قال النبي ﷺ (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) ولهذا حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]]. هذا فيه تقرير بأن العبودية هي أعلى المقامات التي يمكن أن يصل إليها البشر، بعكس ما يتوهمه كثير من أهل التصوف والفلسفة، وأيضاً كثير من الجهلة الذين يتوهمون أن التعبد لله فيه نوع من القيود والاستذلال للبشر، بل الأمر بعكس ذلك؛ لأن التذلل لله بالعبودية هي الكمال الذي يطمع إليه البشر، ولذلك وصف الله رسوله ﷺ بالعبودية في أعلى المقامات، وذلك عندما أسرى به إلى بيت المقدس، ووصفه بها عند المقام المحمود الذي وعده الله به يوم القيامة، ووصفه بها في مقام الوحي، ووصفه بها في مقام الصلاة والقيام لله بالعبادة. إذاً: فالعبودية لله هي أعلى مقام يسعى إليه البشر، وأعلى مقام يمكن أن يصل إليه بشر؛ لأن ذلك يعني الاستجابة لله وتحقيق رضاه. قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، ولهذا يشرع في التشهد وفي سائر الخطب المشروعة، كخطب الجمع والأعياد، وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله]. الشاهد هنا: الشهادة للنبي ﷺ بالعبودية، وأنها من أعظم ما يمكن أن يحتسبه المسلم عند الله ؛ ولهذا شرع في التشهد وغيره أن يقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فالشهادة لرسوله ﷺ بالعبودية تعتبر من أعظم ما يحتسبه المسلم ويدين الله به؛ لأن ذلك أعلى المقامات للبشر.

стр. 67

صور العبودية العملية التي ينبغي أن تكون في أعمال الناس وأقوالهم قال رحمه الله تعالى: [وكان رسول الله ﷺ يحقق عبوديته؛ لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى في المسيح من دعوى الألوهية]. سيذكر الشيخ صوراً أربعاً من الصور العملية للعبودية التي يغفل عنها كثير من الناس، ويظنونها من باب الأحكام أو أنها من باب المنهيات أو نحو ذلك، في حين أنها من أعظم صور العبودية التي ينبغي أن تكون في أعمال الناس وفي أقوالهم، سواء كانت قولية أو فعلية. قال ﵀: [حتى قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده). وقال أيضاً لأصحابه: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد). وقال: (لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني). وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). وقال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)]. الصورة الأولى: قوله: (ما شاء الله)، ثم ذكر تبعاً لذلك صوراً من صور الإخلال بجوانب العبودية، وهو قوله: (وشئت)، فـ: (ما شاء الله) تحقيق للعبودية لله ، وعطف مشيئة النبي ﷺ أو غيره على مشيئة الله تعتبر نوعاً من الإخلال بالعبودية؛ لأنه هنا لا مشيئة مع مشيئة الله ، ولأن العطف يقتضي المساواة، ولذلك ينبغي أن يقال: ما شاء الله وحده؛ لأن المشيئة لا عطف فيها. الصورة الثانية: قوله: (ما شاء الله وشاء محمد)، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وهو قول، لكن القول لا ينبع إلا عن اعتقاد، ولذلك صحح النبي ﷺ هذا القول، وهو تصحيح للاعتقاد والقول. الصورة الثالثة: متمثلة في قول النبي ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني). فهذا نوع من تحقيق العبودية لله ، والإخلال به إخلال بالعبودية، وعلى هذا فلا يجوز اتخاذ قبر النبي ﷺ عيداً، يعني: مكاناً للتقديس؛ لأن النبي ﷺ بعد وفاته لم يعد له تصريف أو تدبير أو نفع مباشر للبشر، وإنما نفعه ﷺ كان في حياته، واتخاذ قبره عيداً هو نوع من البدعة التي تؤدي إلى تعظيمه وتقديسه فيما لا يجوز إلا لله ، وحتماً سيؤدي عند الجهلة إلى دعائه من دون الله ، وممارسة الأعمال التي تخل بتوحيد الإلهية أو تنقيص الربوبية. وقوله ﷺ : (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)؛ لأنهم في بنائهم للمساجد على القبور قد فتحوا ذريعة لتقديس القبور، ودعاء أهلها من دون الله ، والتوجه إليها بالصلاة وغير ذلك، وقد وقع ما حذّر منه النبي ﷺ من أولئك القوم المبتدعة الذين بنوا وشيدوا المساجد على القبور، لذا فأهل البدع معلوم أنهم ما فعلوا ذلك إلا لأن قلوبهم قد مرضت بالبدع، حتى إن عامة الناس الذين ابتليت بلادهم بوجود المساجد على القبور ظنوا أن لصاحب القبر من القدرة ومن الأحوال التي يتصرف فيها ما لم يكن قبل ذلك، وظنوا أن لصاحب القبر اعتباراً، بل وظن بعضهم أن ذلك يعني: التوجه إليه في الصلاة، وظن آخرون أن ذلك يعني الدعاء عنده أو عند قبره، وآخرون دعوا المقبور أو المدفون من دون الله ، واستعانوا واستغاثوا به من دون الله، فوقع الشرك والبدعة من خلال ذلك، فهذا إما مناف لتوحيد الألوهية كالشركيات، أو ينقص توحيد الإلهية كالبدع والتبرك وغير ذلك، والمساجد إنما هي بيوت الله للعبادة، وهي محترمة ومعظّمة، فإذا وجد القبر في المسجد فلا يعني ذلك إلا التوجه إلى صاحب القبر بشيء من هذه الأمور الشركية أو البدعية، وهذا كما تعلمون منقص لتوحيد الله.

стр. 68

وقوع الغلو في الأمة في طائفتي الشيعة والصوفية أخذ الشيخ ﵀ في بيان أمر عظيم يقع من خلاله الشرك بالله ، وهو: الغلو في الأئمة والرجال، إذ إنه يعتبر وسيلة إلى الشرك، وأحياناً يعتبر من أبواب الشرك، وهو مخل أو منقص لتوحيد الإلهية؛ لأنه قد يصل إلى التقديس -وهو الغالب- كما عند الرافضة والصوفية، وقد يصل إلى حد التبرك البدعي أو نحو ذلك، وهذا كله ينقص توحيد الإلهية. قال رحمه الله تعالى: [والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضلّال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جُهّال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين، فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئاً من الألوهية والربوبية، فهو من جنس النصارى].

стр. 69

حقوق الأنبياء على الخلق قال رحمه الله تعالى: [وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم، قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المائدة:١٢] والتعزير: النصر والتوقير والتأييد].

стр. 70

حقوق الرسول ﷺ على الخلق [وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٨ - ٩]، فهذا في حق الرسول. ثم قال في حق الله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]. وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤]. وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعاً من القرآن، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]. وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢] فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، كما قال: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]. وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]. وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]. وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]. وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]. وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، وقال له عمر ﵁: والله يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل أحد إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: فأنت أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر). فقد بين الله في كتابه حقوق الرسول ﷺ من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضا بحكمه، والتسليم له، واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق]. في هذه الخلاصة الأخيرة بيّن الشيخ مجمل حقوق الرسول ﷺ ، إذ عدها اثني عشر حقاً: الطاعة، المحبة، التعزير، التوقير، النصرة، التحكيم، أي: تحكيم سنة النبي ﷺ في كل شيء، ثم الرضا بحكمه، والتسليم له، والاتباع، والصلاة والسلام عليه، وتقديمه ﵊ على النفس

стр. 71

العبادة والاستعانة والتوكل والدعاء لله وحده قال رحمه الله تعالى: [فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]. وقد جمع بينهما في مواضع، كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]. وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨]. وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]. وكذلك التوكل كما قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢]، وقال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]. وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. والدعاء لله وحده، سواء كان دعاء العبادة، أو دعاء المسألة والاستعانة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤]. وقال: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣]. وقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]. وذم الذين يدعون الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]، روي عن ابن مسعود: أن قوماً كانوا يدعون الملائكة والمسيح وعزيراً، فقال الله: هؤلاء الذين تدعونهم يخافون الله ويرجونه، ويتقربون إليه كما تخافونه أنتم، وترجونه وتتقربون إليه، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]. وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ﴾ [النمل:٦٢]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]]. في هذا المقطع وقبله بدأ الشيخ في تعداد أنواع العبادة، أو في تعداد نماذج من أنواع العبادة، وأنواع العبادة في الحقيقة لا حصر لها، لكن يمكن أن توضع لأنواع العبادة أصولاً، وقد بدأها الشيخ أولاً بمسألة الاستعانة بالله ، ثم التوكل، ثم الدعاء، أعني: دعاء المسألة، أو دعاء العبادة، ثم بعد ذلك سيأتي بنماذج أخرى فيما بعد.

стр. 72

الأسئلة

стр. 73

بيان ما عليه الصوفية من الانحراف في العبادة والسلوك السؤال كثير ما يرد في كلام شيخ الإسلام عند الكلام عن الابتداع ذكر الصور والأصوات، فما المراد بذلك؟ الجواب لا أدري، إلا إذا كان قصد السائل أن شيخ الإسلام يذكر هذا غالباً عند ذكر الصوفية، فإن كان قصده ذلك فإن هناك طائفة منهم يتعبدون بالنظر إلى الصور الجميلة، ويقولون: هذه عبادة لله ، فدخل عليهم الشيطان من باب التلذذ بالمحرم من أجل أن يستهويهم، فجعلوا ذلك عبادة، وقلبوا الأمر حتى جعلوا الكبيرة حسنة، بل عبادة لله ، ولذلك وقعوا في الفواحش نسأل الله العافية، وكذلك التلذذ بالأصوات، فقد يتعمدون أحياناً أن تقرأ أورادهم البدعية بصوت جميل لا لمجرد ترقيق القلوب، وإنما للتلذذ الشهواني بالأصوات، ويزعمون أن ذلك من التعبد لله سبحانه، وهذا ما عليه طوائف كثيرة من أهل الطرق الصوفية، نسأل الله العافية.

стр. 74

الفرق بين غلو الرافضة والصوفية السؤال هل هناك فرق بين غلو الرافضة والصوفية؟ الجواب لا فرق في الحقيقة، وإنما الفرق في الشكليات، فكلهم يعتقدون في الأشخاص أنهم يعلمون الغيب أو بعض الغيب، كما يعتقدون أنهم يملكون الضر والنفع من دون الله ، أحياء وأمواتاً، ويعتقدون في الأشخاص أنهم يصرّفون مقاليد الكون أو شيئاً من مقاليد الكون، وأن بيدهم أمور العباد أو بعض أمور العباد، لكن مع ذلك فإن الأشكال والصور تختلف، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 75

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [٧] توحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته من أعظم مباني العبودية، ولذا كانت الاستعانة والخشية والإنابة لا تنبغي إلا لله، وكذلك سائر العبادات كأركان الإسلام، وغيرها لا ينبغي أن تصرف لغير الله تعالى، فينبغي الحذر من الوقوع في الشرك بأنواعه.
следующие страницы →