Полный текст (493 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كيفية دفع السحر قبل وقوعه
السؤال
كيف لنا دفع السحر قبل وقوعه؟
الجواب
هذا سؤال جيد، نعم، يدفع السحر قبل وقوعه بالأسباب الشرعية كما ذكرت، وأهمها إقامة الفرائض لله، والبعد عن المعاصي، والمواظبة على الأوراد والذكر، هذه أهم الأمور التي بها يحمي الله المسلم ويدفع عنه الشرور.
نسأل الله أن يدفع عنا الشرور، وأن يعافي مرضانا ويشفيهم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يحمينا من الشرور والآثام والمعاصي، ونسأل الله التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 177
حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
إن المتتبع لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى يجد أنها جاءت لتجدد ما اندرس من أصول العقيدة في حياة الناس، فهي لم تخرج عن أصول أهل السنة والجماعة قيد شبر، وما يشاع عنها إنما هو مجرد افتراءات وبهتان وكذب، وهو نتاج الجهل والتعصب للأهواء والمذاهب المنحرفة، والتقليد الأعمى للمذاهب الفقهية ونحوها.
стр. 178
حقيقة السمعيات والإلهيات والفرق بينهما
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: من الأسئلة التي وردت تقول أخت سائلة: الإلهيات والسمعيات هذا التقسيم ناشئ عن ماذا؟ وما الفرق بينهما؟ الشيخ: هذا تقسيم حادث، وهو اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن بين المصطلحين شيء من العموم والخصوص.
أولاً المقصود بالسمعيات كل قضايا الدين التي الطريق إليها هو الوحي فقط، مثل: ثوابت الدين، علل الشرع الخفية، ومثل مسائل الغيب، جميع مسائل الغيب المتعلقة بذات الله وأسمائه وصفاته، وتتعلق بالإيمان بالملائكة والكتب والرسل، وأخبار القيامة، وأخبار الساعة، فكل ما جاء وثبت في الكتاب والسنة بالنصوص من الأمور التي لا تُدرك بالحواس تسمى سمعيات، والطريق إلى معرفتها هو الوحي المسموع.
أما الإلهيات التي وردت في الكتاب والسنة فيدخل فيها ما تكلم به الناس في حق الله بحق أو بباطل، لا سيما ما تكلم فيه الفلاسفة وأهل الكلام، وأغلبه من التخرصات التي لا أصل لها، هذه تسمى الإلهيات، من باب أنها تنصب على الكلام حول الإله، وهو الرب .
стр. 179
المراد بمصطلح الإلهيات والسمعيات
المقدم: هل مرادهم أن الإلهيات مرجعها إلى العقل، وأن السمعيات مرجعها إلى السمع؟ الشيخ: غالباً يستعملون مصطلح الإلهيات ويقصدون به ما تقرره عقولهم وفلسفاتهم في الجانب الإلهي، وهذا هو الغالب، لكن أحياناً يدخلون ما ورد في الكتاب والسنة في الإلهيات بالتبع، وهذا هو السائد في الدراسات الأكاديمية في الجامعات، ومراكز البحث العلمي، غالباً يدرجون قضايا العقيدة تحت الإلهيات، وعلى هذا فإنهم أحياناً يعممون كل مسائل الاعتقاد تحت مسمى الإلهيات من باب التغليب.
стр. 180
موقف أهل السنة من مصطلح الإلهيات والسمعيات
المقدم: ما هو موقف أهل السنة لهذا المصطلح؟ الشيخ: هذا عند أهل السنة يندرج تحت مسمى الألفاظ المجملة، وموقفهم منها: أن المعنى الصحيح يُثبت، ونقول: إن قُصد بالإلهيات ثوابت الدين الواردة في الكتاب والسنة وعند السلف الصالح فلا حرج، خاصة فيما يتعلق بالله ، وإن قُصد بالإلهيات تخرصات المتخرصين من الفلاسفة والمتكلمين وسائر الذين يتكلمون بمجرد الآراء في الأمور الغيبية فهذا لا نُقره ولا نسميه إلهيات، وكذلك السمعيات تندرج تحت القاعدة نفسها.
стр. 181
بيان الأسبق في معرفة الله العقل أم النقل
المقدم: أيهما أسبق بمعرفة الله العقل أم النقل مع التفصيل في ذلك؟ الشيخ: هذه الأسبقية تختلف، هناك الأسبقية الاعتبارية والأسبقية الزمنية، ولعل السائل يقصد الأسبقية الزمنية، نقول: هذا راجع إلى مفهوم هذا المصطلح، فإن قُصد به معرفة مجملات الحق فهذه أسبق من حيث إن الإنسان مفطور عليها حتى قبل أن يبلغ، والإنسان منذ أن يُدرك عنده مُدركات فطرية صحيحة، فهذه أسبق من الناحية الزمنية، كذلك نستطيع أن نقول: آدم كان مفطوراً على الحق، ثم نزل عليه الوحي، فهذا أسبقية زمنية نسبية أيضاً.
أما إن قُصد بالأسبقية الاعتبارية: أيهما أقوى وأجدر وأصدق وأولى بالاعتبار الدلالة الشرعية أم الدلالة العقلية؟ فلا شك أنها الدلالة الشرعية التي هي شرع الله الذي جاء من عنده سبحانه، والوحي المعصوم الذي جاء عن رسول الله ﷺ فلا شك أن له الاعتبار الأول من الناحية الاعتبارية، أي: من ناحية التقدير والاحترام والتقديم الاعتباري والاستدلالي.
стр. 182
عدم وجود التعارض بين العقل والنقل
المقدم: وهل هناك تعارض بين العقل والنقل؟ الشيخ: لا أبداً، ليس بينهما تعارض، إلا أنه لا بد أن نقيد فنقول: العقل السليم الذي هو عقل الفطرة لا يتعارض مع الشرع أبداً؛ لأن الشرع دين الله ووحيه، وأوامره ونواهيه وخبره، والعقل السليم هو نعمة من الله يقوم ويتأسس على احترام الشرع بالضرورة، فمن هنا العقل السليم يعتبر الشرع هو المرجعية، وهو المقدم في الاعتبار، فهو لا يتعارض مع النقل، بل يؤيده ويسعى إليه.
стр. 183
حكم قول القائل: ربك يقطع من هنا ويوصلها من هنا
المقدم: ما حكم قول: ربك يقطع من هنا ويوصلها من هنا؟ الشيخ: هذه من العبارات التي تدرج على ألسنة العامة، فليس فيها حرج، بمعنى أنها من باب الخبر وليست من باب الوصف والتسمية لله ، ويقطع بمعنى يفعل، ولا أظن أن فيها حرجاً، فمعناها صحيح إذا كان على المعنى الذي نفهمه، وهو أن الله يقدر الخير والشر، ويُنقص الله الإنسان من جانب ويعوّضه من جانب آخر.
стр. 184
وجه كون المؤمن لا يبتلى بالمصائب وعلاقة ذلك بمحبة الله
المقدم: الناس الذين لا يبتلون ولا تصيبهم مصائب هل يعني ذلك أنهم غير محبوبين من الله ؟ الشيخ: إن ذكر النصوص التي تدل على أن المؤمن يُبتلى، ليس هذا لازماً، لكنه هو الغالب بالنسبة للمؤمنين، فغالباً أن المؤمن يُبتلى بأنواع الابتلاء، لكن مع ذلك قد يدفع الله عن المؤمن البلاء بأسباب: مثل: صلة الرحم، كثرة الدعاء، كثرة اللجوء إلى الله، الاستعانة بالأسباب والتي من أهمها الدعاء، فقد ثبت عن النبي ﷺ في حديث صحيح: (أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء) فمن هنا قد يكون الإنسان القريب من الله الذي يُكثر اللجوء إلى الله، والذي يعظّم الله في قلبه، ويحب الله ويخشاه ويرجوه، فيكون هذا سبباً لدفع البلاء عنه، لكن الأغلب أن المؤمن يُبتلى.
стр. 185
واجب كافة المسلمين تجاه تعلم العلوم الشرعية
المقدم: هل نأمر الذين يقرءون ويكتبون بدراسة الكتب الشرعية، سواء كان فرض عين أو فرض كفاية؟ الشيخ: نعم، الضروريات والأولويات في دين المسلم يجب أن يتعلمها، إن كان قارئاً فيقرأ كما هو السائد اليوم، وأغلب المسلمين الآن خاصة في بلادنا -ولله الحمد- أغلبهم قراء، فهؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا ثوابت الدين وضرورياته، كيف يعرفون ضوابط الدين وضرورياته؟ بسؤالهم أهل الذكر وأهل العلم، ويبقى ما بعد ذلك وهو التعمق في العلم والتوسع فيه والفقه في الدين.
مجملات النصوص تأمر بطلب العلم والفقه في الدين، وأنها هي المطلب الأسمى؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) وعلى المسلم دائماً أن يسعى إلى التفقه في الدين بقدر استطاعته، لكن يبقى درجة التفقه: ما الذي يجب على هذا ولا يجب على هذا؟ ما الذي يتعين عليه أن يتعلم من العلوم الشرعية أو غيرها من فروض الكفاية؟ هذا بحسب أحوال الأشخاص وقدراتهم ومواقعهم في خدمة الأمة، وحسب الاستعداد عندهم والميول والإمكانات.
стр. 186
حكم رؤية أهل الميت ميتهم في المنام وإخباره لهم عن حاله
المقدم: ما صدق قول العامة: إنه إذا مات لهم ميت رأوه في المنام وطمأنهم على نفسه مثلاً فهل يكون صادقاً؟ وما ضابط الرؤيا لتمييز هذا القول؟ الشيخ: على أي حال رؤيا الأموات ثبتت في عهد النبي ﷺ ، لكن ما الصادق منها من الكاذب؟ هذا أمر لا ينضبط بضابط دقيق إلا بسؤال أهل الذكر؛ لأن كثيراً من الرؤى تختلط بالأحلام، والرؤى لها علامات: أولاً: أن يكون فيها وضوح، وألا يكون فيها إلا أشياء توافق الشرع، وأنها غالباً تكون مبشرة، وتكون موعظة واضحة، لكن إذا كانت الأحلام تتعلق بهموم الإنسان اليومية وارتبطت بالأموات أو لم ترتبط فالغالب أن هذه انعكاسات الحياة التي يعيشها الإنسان في اليقظة، وإذا كانت الأحلام والرؤى يظهر فيها ما يخالف الشرع كأن تؤيد بدعة أو معصية، أو توقع الإنسان في وسواس أو أوهام أو تشاؤم أو نحو ذلك، فهذه تكون في الغالب من عبث الشياطين.
стр. 187
حكم أخذ الأحكام الشرعية من الرؤى والأحلام المنامية
المقدم: وأحياناً يؤخذ منها حكم شرعي؟ الشيخ: الرؤيا لا يؤخذ منها حكم شرعي، وإنما الرؤيا تؤيد الحكم الشرعي أو تنبه عليه، كأن أكون مثلاً: ليس عندي بصيرة بحكم شرعي من الأحكام، فيوفق الله رؤيا مني أو من غيري يكون فيها تبصير بهذا الحكم الشرعي، لكن يستحيل أن تكون الرؤيا الصادقة تخالف الشرع.
أخيراً أقول وأظنه هو مغزى
السؤال
كون الناس الأحياء يرون أمواتهم فهذه رؤى وأحلام، والأصل فيها أنها ثابتة شرعاً، لكن ليس كل ما يراه الناس في أحوال الأموات يكون صادقاً.
стр. 188
ضوابط تفسير الرؤى والأحلام
المقدم: ذكرت يا شيخ أهل الذكر، من هم أهل الذكر في تأويل الرؤى في هذا الزمان؟ الشيخ: تأويل الرؤى في الحقيقة له عدة ضوابط: أولاً: أن الرؤيا غالباً موهبة مثل: موهبة الخط وموهبة الحفظ، وهذه الموهبة إذا توافر لها الفقه في الدين زادت وانضبطت.
ثانياً: هذه الموهبة إذا توافر لها إحاطة بعلم الرؤى وقواعده من أصحاب الخبرة من علماء السلف وغيرهم، فإنها تزداد وتنضبط.
ثالثاً: إذا توافر للرؤيا تجارب مع بُعد نظر وحكمة عند المفسِّر، فهي غالباً تكون أقرب للصواب، لكن ليس من لوازم تفسير الرؤيا الفقه في الدين أو العلم الشرعي بالضرورة، ولا أيضاً أن تكون هذه الضوابط موجودة جميعاً، لكن أقول: أصل تفسير الرؤى موهبة، وهذه الموهبة تزداد وتصقل مع الأسباب التي ذكرتها.
تأتي مسألة مهمة حول الرؤى وهي: أنه قد تختلط الموهبة أحياناً بما نسميه المؤثرات على الإنسان التي تجعله أمام الناس يفسّر الرؤى وهو ليس بمفسِّر، ويبدو له أنه مفسِّر وهو ليس بمفسِّر، وهو أن يقوم بتفسير الرؤى عن طريق الجن والقرناء، من حيث يشعر المفسِّر أو لا يشعر؛ وذلك أن الله جعل مع كل إنسان قريناً، وهذا القرين إذا وجد في الإنسان مدخلاً يستخف به منه استخف به، ومن ذلك تفسير الرؤى، فمثلاً: بعض الرقاة تجده في مجلس فتُعرض عليه رؤيا، فربما يكلم شخصاً آخر ويقول: فلان الآن على الحالة الفلانية وهو غائب، فيتصلون به فيخبرهم أنه على الحالة الفلانية التي ذكرها الراقي، هذه أحياناً تكون لها علاقة بالرؤيا، وأحياناً لا تكون لها علاقة بالرؤيا، وتكون عبارة عن حدس ينقدح في ذهن المفسِّر من خلال عوامل مساعدة مثل: القرين، وأحياناً الجن، والجن قد يعبثون بمفسري الرؤى وهم لا يشعرون.
стр. 189
الفئات المهاجمة لأهل الخير وعمل الخير
المقدم: هناك فئة من الناس تُهاجم أهل الخير، سواء كانوا من العلماء أو المؤسسات الدينية أو المراكز الصيفية أو الدور النسائية، وليس لهم شغل شاغل إلا هذا الأمر، هل من نصيحة لمثل هؤلاء، وهم كتاب الصحف والمنتديات؟ الشيخ: على أي حال هؤلاء فئات: الفئة الأولى: هم مرضى قلوب، ونسأل الله السلامة، بمعنى أنهم أصحاب شهوات وأصحاب شبهات، ومن الذين عندهم نزعة نفاق ونزعة إعراض عن الدين، أو أصحاب أهواء، بمعنى أنهم ينتمون إلى فرق أو أحزاب أو غيرها، فهؤلاء لا شك أن ميزانهم مختل، فيصنّفون أهل الحق بتصنيفات عديدة تتضمن السخريات، وتتضمن التقاط الأخطاء والزلات، والانتقائية في نقد الأشخاص، وعدم الإنصاف إلى آخره.
الفئة الثانية: ممن ينتسبون إلى الخير مع الأسف، وربما أن السائل يقصد هؤلاء أو لا يقصدهم، لكنه واقع وموجود أن هناك فئة من المحتسبين -إن صح التعبير- أو الغيورين على كثير من مسائل الدين تسوءهم بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس أو الجماعات أو الأحزاب، فيضخّمون هذه الأخطاء، وتدخل عليهم أوهام فيسيئون الظن كثير من أهل الخير وبالدعاة، ويفسّرون الأقوال والتصرفات بأسوأ التفسير، ثم يقفون من أهلها مواقف سلبية، وربما يحذّرون منهم، ثم أعظم من هذا أنهم إذا وجدوا بعض الأخطاء والتجاوزات التي توجد بطبيعتها في البشر في الجمعيات والمؤسسات الخيرية، ودور التربية التطوعية وغيرها، إذا لاحظوا هذه الأخطاء عمموها وجعلوها وسيلة للتحذير من هذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية، وهذا نوع من الوسواس، أو نوع مما نسميه المبالغة أحياناً في علاج الأخطاء، وهذا ناتج غالباً عن قصور نظر، أو عن ردود أفعال، ولعله وإن كان السائل لا يقصد هؤلاء فإني أحب أن أنتهز الفرصة مع إخواني المشاهدين لأقول: إن هذا مع الأسف مرض، وأنا يسعدني جداً أن ننقد مؤسساتنا الخيرية وأهل الخير، وننقد العلماء والدعاة بالأسلوب المنهجي الشرعي، وواجب علينا أن نفعل ذلك، وأن نقبل الرأي الاجتهادي في هذا الأمر بالأسلوب المنهجي والشرعي الذي يتوخى النصح والإشفاق والرفق والتثبت، وعدم التشهير، وأيضاً عدم التعميم، وأن يتوخى دفع المفسدة، أي: أن كثيراً ممن يسلكون هذا المسلك الآن أوهموا بعض الغافلين أن مثل هذه المؤسسات تتضمن أشياء خطيرة، وأنها خطر على المجتمع وعلى الأمة، إلى هذا الحد وكأنها قنبلة، وهذا نسف لبذور الخير التي بدأت تظهر عندنا الآن، وإن كان العقلاء من المسئولين والدعاة يعرفون أن هذا بعيد عن العدل والإنصاف، لكن هذا أحدث إرجافاً عند بعض شبابنا الناشئ، وأحدث تخوُّفاً، وأنا اعبتره نوعاً من الوسواس في تعميم الأخطاء، وإساءة الظن بجميع عمل الخير والأخيار؛ بسبب وجود هذه الأخطاء.
إذاً: هذا المنهج خطير.
المقدم: ذكرت يا شيخ أن هناك من الأخيار أحياناً من ينقد الأخيار، لكن يضخّم هذه الأخطاء، أي: أن هناك من الناس ممن نشاهده أحياناً في الساحة، سواء عندنا هنا في البلاد أو في البلاد الأخرى من يتحامل على جهات شرعية معينة، أو على دعاة بأعيانهم، أو على أحزاب إسلامية مثلاً في دول أخرى، ويضخّم هذه الأخطاء، بينما تجد المنافقين أو المنحلين أو المنحرفين أو التقريبيين يأخذون راحتهم بلا نقد؟ الشيخ: أو ينقدون، لكن نقد غير مكافئ، أي: أنه قد يوجد من يعمل هذا وذاك، وأنا أقول: يجب أن ننقد ونناصح، وهذا أمر لا نختلف عليه، لكن نختلف على الأسلوب والمنهج في هذا.
стр. 190
الرد على شبهة أن العلماء فوق النقد وموقف العامة ممن ينتقد العلماء
المقدم: الإشكال يا شيخ الآن بعضهم يلبّس على الناس يقولون: لماذا تجعلون العلماء فوق النقد؟ من قال: إن العلماء فوق النقد؟ الشيخ: هؤلاء يعتبرون دفاعنا عن العلماء ادعاء للعصمة لهم، وهذا من التلبيس على الناس، وأنا أدّعي أنه لا يوجد بيننا في هذه البلاد من يعتقد العصمة للعلماء أبداً، نعم يوجد عند أهل الأهواء من يعتقد العصمة لشيوخهم، ويتحمسون له ويبثونها حتى في الفضائيات الآن، لكن عندنا أهل السنة والجماعة لا يوجد، إلا ما يمكن أن يكون من باب اللازم، فمثلاً عامتنا يسوءهم نقد العلماء، فإذا عبّروا عن فطرتهم في استنكارهم لنقد العلماء قال الناس: إذاً أنتم تعتقدون لهم العصمة، لا، لا يعتقدون لهم إلا الحق والكرامة، فعامة المسلمين بفطرتهم يريدون لعلمائهم أن يبقوا على عزتهم وكرامتهم، فالنقد أحياناً يكون جارحاً وأحياناً يكون نقداً غير مناسب، ومن هنا يستثير ردة الفعل فيدّعي المقابل أو يدّعي الخصم عدم الخطأ من العلماء، لكن نقول: إن علماءنا ليسوا معصومين.
المقدم: لذلك يا شيخ الذي أغاظ هؤلاء العامة على مثل هذا الطرح، أن الذي يطرح ليس بكفء أصلاً أن ينقد هذا العالم؛ لجهله وبعده عن العلم الشرعي، فمثلاً يا شيخ: الآن نقاش العلماء واجتهاداتهم وردود بعضهم على بعض منذ عهد الصحابة وإلى عصرنا هذا موجود، ولم يستنكر أحد من العامة، لكن أن يأتي شخص لا يتصل بالعلم الشرعي، ثم بعد ذلك ينقد عالماً جليلاً من العلماء، هنا يتعرض لنقد العامة.
الشيخ: نعم، أحسنت، وهذا خلل في جميع الموازين من الجانب الشرعي لمن يعتبر الشرع، أيضاً من لا يعتبر الشرع لو أخذنا هذا بالموضوعية والإنصاف لاعتبرنا أن هذا خلاف المنهج العلمي، وخلاف الموضوعية والإنصاف أن تستهدف العالم وأنت لست بعالم.
стр. 191
الوسائل الواقية للأبناء والبنات من الأفكار المنحرفة
المقدم: كيف أحمي أبنائي وبناتي من الأفكار المنحرفة؟ الشيخ: هذا في الحقيقة سؤال جاد، وأحس أنه في ذهن كل مسلم في كل بلد، وهذا في الحقيقة هاجس جميع المسلمين في كل الدنيا، كيف نحمي أجيالنا؟ الآن أدرك المسلمون في كل مكان أن أجيالهم مستهدفة، استهدفت استهدافاً مقنناً ومرتباً بوسائل فتّاكة، وحينما ننظر إلى ضماناته لحفظ الدين وكمال الدين وبقاء الدين إلى قيام الساعة، وبقاء طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم، وحينما ننظر إلى واقع الأمة في الأزمات ينتج عنها ظواهر صحية تعيدها إلى الحق ومصادر الحق.
إذاً: أقول: الأسباب موجودة، وكل إنسان له ظروفه وبيئته، والسائل لا أدري أين يعيش وفي أي بيئة؟ لكن الله أمرنا بأن نتقيه ما استطعنا، وأن نسدد ونقارب، فليبحث كل منا عن الوسائل الواقية في بيئته لأبنائه وأجياله، لكن هناك أمور عامة تتعلق بهذه الوسائل: أولاً: تربيتهم في البيت، وتعهدهم بوسائل التربية على احترام ثوابت الدين، وعلى المحافظة على فرائض الإسلام، وتعليمهم أركان الدين وأركان الإسلام وأركان الإيمان، هذه أمور سهلة وميسورة لكل مسلم.
ثانياً: تربيتهم على الأخذ عن المصادر النقية: كتاب الله سبحانه وسنة النبي ﷺ كل بقدر استطاعته.
ثالثاً: توفير الوسائل الصالحة، ونجد بحمد الله الآن مع كثرة شيوع الوسائل الفتاكة التي عبثت بعقول كثير من المسلمين وقلوبهم وأخلاقهم، وعقائدهم، إلا أنه ومع ذلك الآن تزداد وسائل الحماية، وأقصد بالذات الوسائل الإعلامية، مثل: الفضائيات والنت وغيرها، تزداد الآن الوسائل البديلة التي إذا صدقنا مع الله نجدها متوافرة لدينا، فنحفظ أجيالنا بقصرهم على الوسائل المأمونة، مثل: قناة المجد وفقها الله لكل خير، وكذلك القنوات الأخرى وهي كثيرة، وتزداد شهرياً ولله الحمد إذا لم يكن أسبوعياً، ثم كذلك المحاضن التي توافرت في جميع بلاد المسلمين وتزداد الآن، وهي المؤسسات الخيرية والتربوية والتعليمية، ومحاضن تحفيظ القرآن ودروس العلم وغيرها، وأهم ما ينبغي هو حجب الأجيال قبل أن تعقل وتفقه في الدين عن المصادر غير النقية، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة.
стр. 192
إمكانية تطبيق وسائل وقاية الأبناء من الأفكار المنحرفة
المقدم: هل هذا ممكن يا شيخ؟ الشيخ: نعم ممكن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، لكن قد تتفاوت ظروف الأسر والأشخاص، وبعض الأسر قد تكون ابتليت ببيئة أقرب إلى الانحراف والانغماس، ومع ذلك انتشال هذه الأسرة ممكن بالتشاور والتعاون وطرح القضايا أمام أهل الفكر والرأي عبر الوسائل الآن، وأنا أرى كثيراً من دعاتنا الراشدين -ولله الحمد- الآن لهم إسهام كبير جداً في طرح حلول ومشكلات لمثل هذا السؤال، فليتبعوا هؤلاء ويتابعوا برامجهم، وليكونوا على صلة بالمأمونين، كذلك ما من بيئة الآن في بيئة المسلمين إلا يوجد عندهم مجال للتشاور في المسجد، وفي المركز الإسلامي، وفي العمل، حتى في البلاد الأجنبية التي زرناها وفيها أقليات مسلمة بعيدة وغريبة نجد عندهم وسائل التشاور والتحصين لأجيالهم موفورة، لكن تحتاج المسألة إلى شيء من الجدّية والصبر.
стр. 193
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بين جهل أصحابها وظلم أعدائها
المقدم: ننتقل إلى مقدمات حول دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وإلى تلك الصحف والكتب التي تحدثت عن دعوة الشيخ، سواء كانت بإنصاف أو أحياناً بظلم لهذه الدعوة، بداية دعني أسألك: ما هي حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ الشيخ: في الحقيقة أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعرفها أكثرية البشرية وليس العالم الإسلامي فقط، وعندي من خلال بحثي عن إسلامية لا وهابية دلائل على ذلك، بعضها باستبانات، وسأذكر منها إن شاء الله في حلقة من الحلقات استبانة توضّح للمشاهدين بعض الحقائق الغائبة عنا، فالآن أكثر الدول وأكثر الشعوب وأكثر الديانات تعرف شيئاً اسمه: الوهابية غالباً بهذا الاسم، وليس عندي إحصائيات تدل على أن الأغلبية الساحقة لا يفهمون حقيقة هذه الدعوة، لكن أظن أني صادق إذا قلت: كثير من مناصريها بل من أبنائها من يجهلون الحقائق الكثيرة عنها.
стр. 194
حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
المقدم: يعني: إذا كان أغلب الناس الذين يسمعون بهذه الدعوة ولا يعرفون حقيقتها، إذاً فأغلب الناس عندهم الدعوة مشوهة؟ الشيخ: أغلب الناس لا يسمعون عنها إلا من خلال مفتريات عليها، من خلال النافذة الناقدة الظالمة، لا من خلال الحقيقة، فأقول وعندي براهين على هذا: إن أهل السنة والجماعة أنفسهم الذين أهل هذه الدعوة في جميع الدنيا يجهلون الكثير من الحقائق عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تسمى: الوهابية.
إذاً: دعني أعرّج على أهم النقاط في حقيقة هذه الدعوة بإيجاز: أولاً: هذه الدعوة ما هي إلا امتداد لمنهاج النبوة، لا أتكلم عن الجزئيات ومفردات التطبيقات، فالمنهج الذي قامت عليه هذه الدعوة هو المنهج العقدي والعلمي والعملي السياسي والاقتصادي والاجتماعي وجميع جوانب منهج إقامة الدعوة، وهذه الدعوة شاملة، لا كما يقول بعض الناس: إنها مجرد دعوة إصلاحية، أي: صلاح ديني، وهذا خطأ فادح، ومع الأسف سمعت من بعض أتباع الدعوة من يقول هذا الكلام، مع أنها دعوة دينية شاملة، وهذا خطأ فادح، وواقعها يخالف هذا القول.
إذاً: هي امتداد لمنهاج النبوة، فهي دعوة الإسلام، ودعوة السنة والجماعة بعد الافتراق، قامت على إحياء السنن بجميع معانيها، السنن في العقيدة، التي هي الاعتقادات السليمة، والسنن في العبادات، والسنن في فرائض الدين، والسنن في الأخلاق، والسنن في جميع شعب الحياة.
وأيضاً قامت على محاربة البدع، ابتداءً من الشركيات فجميع أنواع البدع، قامت على هذا قياماً متكاملاً.
كذلك من حقيقة الدعوة أنها عبارة عن تجديد للدين في مصادره، وفي منهج الاستدلال وفي التطبيقات، وفي التعامل مع الرب ، وفي التعامل مع الخلق، وفي الجانب الفردي والجانب الأسري والجانب الاجتماعي والجانب الدولي والأممي.
стр. 195
معنى تجديد الدين ودور الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا التجديد
المقدم: ما هو المقصود بتجديد هذا الدين؟ الشيخ: التجديد هو إحياء ما اندثر من السنن ونفي البدعة، يعني: التجديد بمفهومه الذي ذكره النبي ﷺ أنه على رأس كل مائة سنة يبعث الله من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، هذا الحديث صحيح، فالإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد في الدين التجديد الشامل، ولا أعرف في التاريخ مثل هذا التجديد، ولا سيما أنه وجد في وقت ضعُفت فيه كثير من مناهج الدين العلمية والعقدية والتطبيقية في الأمة، ولا أقول: اندثرت؛ لأن الحق لن يندثر، والدعوى بأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تدّعي أنه لا يوجد في الأمة خير، هذه دعوى سنفندها إن شاء الله من خلال كلام الشيخ نفسه، عندما رد على هذه الشبهة.
إذاً: هذه الدعوة هي حقيقة الإسلام وهي حقيقة السنة والجماعة، وهي ذات منهج متكامل عقدي ديني إصلاحي شامل لجميع جوانب الحياة، قامت عليه دولة، وقام عليه كيان اجتماعي في مهبط الوحي، والدعوة عبارة عن دعوة متكاملة حقيقتها حقيقة الدين، وقامت بكيانين: الكيان الأول: كيان دولة، الذي هو الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة التي نعيش في ظلالها الآن حماها الله من كل سوء.
الكيان الثاني: الذي هو انتشار الدعوة، وانبعاج الدعوة في جميع الدنيا، ولا تزال دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب حيّة، والدليل على أنها حية ردود الأفعال ضدها، فلو كانت ميتة ما همّت الأمم الضالة وأهل الأهواء، والناعقون الآن باسم أهل الأهواء من أبناء جلدتنا.
المقدم: الصورة على قدر الألم؟ الشيخ: نعم الصورة على قدر الألم، فإذاً حقيقة الدعوة هي كيان الإسلام، والذي نعيش الآن ثماره؛ لأنه عرق الأجداد والآباء، ونحن جيل يكاد يفرِّط بهذه النعمة، بل من أجيالنا الآن من تنكر لهذه النعمة وملَّ منها، أسمعت أحداً مل من النعمة؟ نعم هم أهل سبأ ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩] وهذه حقيقة، فحال كثير منا الآن سواء الذين مالوا إلى التفريط والانفلات وإلى التبعية وتمييع الدين، أو الذين مالوا إلى الغلو والتشدد ومعالجة الأمور بالعنف، فهؤلاء كلهم ملّوا النعمة، ملّوا الدعوة وإن ادّعوا أنهم ينهلون من ثوابتنا، وما أبعدهم عن الثوابت.
стр. 196
المقصود بالتجديد في مصادر الدين
السؤال
ذكرت يا شيخ أن التجديد أحياناً يكون في مصادر الدين، ما المقصود بالتجديد في المصادر؟ الشيخ: ليس المعنى أنه جدد في مصادر الدين بالمعنى الاصطلاحي العام، ولكنه نقى مصادر الدين، وأرجع الأمة إلى الأخذ بمصادر الدين النقية من حيث الاستدلال والتلقي، فدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب قامت على ألا يُستدل في الدين إلا من كتاب الله أو ما صح عن رسول الله ﷺ ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه التزموا هذا المنهج التزاماً دقيقاً يُشبه عهد الخلفاء الراشدين من وجوه كثيرة، إلا اجتهادات خاطئة أو تجاوزات وزلات قد تقع من العالم، وهذه أمور معروف الحكم فيها، لكن أقصد من حيث المنهج، التزموا مصادر نقية، ولذلك أثّرت هذه الدعوة تأثيراً باهراً، أزعج الخصوم وحيّر الأصدقاء.
стр. 197
شمولية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب
المقدم: ذكرت يا شيخ قبل قليل حسب علمكم حفظكم الله أنه لا توجد دعوة مرت من بعد عهد النبي ﵊ إلى هذا الوقت تشابه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إحياء السنة، قد يقول قائل: إنكم تبالغون بهذا الكلام، وأنتم معجبون بهذه الدعوة حتى إنكم عممتم هذا الحكم، أين عصر الدعوة الأموية والعباسية والإمام أحمد بن حنبل ومواقفه؟ الشيخ: عصر القرون الثلاثة الفاضلة ما كانت بحاجة إلى التجديد الشامل، وإنما كانت فقط بحاجة إلى التجديد الجزئي، فقامت المذاهب وقامت حركات إصلاحية قوية في القرون الثلاثة الفاضلة، فبعد الخلفاء الراشدين جاء عهد عمر بن عبد العزيز، ثم الأئمة الكبار أمثال الإمام أبي حنيفة فقد كان له أثر كبير في تأصيل كثير من أمور الفقه في الدين، ثم الإمام مالك، ثم الإمام الشافعي، ثم الإمام أحمد، وهؤلاء كلهم لهم إسهام في التجديد، لكنه تجديد يتناسب مع وضع الأمة؛ لأن الأمة ما كانت بحاجة إلى التجديد الشمولي، كذلك في عهد الإمام ابن تيمية وتلاميذه هناك نوع من التجديد، لكن الأمة ما أعرضت إعراضاً شمولياً، أما في عهد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان هناك نوع من البعد عن الإسلام ككيان لا كوجود، وإلا فيوجد علماء وصالحون ولا شك حتى في جزيرة العرب، ونجد بالذات التي قامت فيها الدعوة، كان يوجد فيها علماء ويوجد فيها طلاب علم، لكن لا يوجد كيان متكامل كالكيان في القرون الثلاثة الفاضلة، فما كانت الأمة بحاجة إلى مثل هذه التجديد الشامل كما هي بحاجة إليه بعد القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر، فلما احتاجت الأمة إلى التجديد الشامل وجدت مثل هذه الحركة فكانت فعلاً تتميز بالشمولية التي لم يسبقها مثلها بعد القرون الثلاثة الفاضلة؛ لأن الأمة ما كانت بحاجة إلى مثل هذه الشمولية.
стр. 198
حقيقة الافتراءات الموجهة ضد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
المقدم: بما أنا في مقدمات لحلقات قادمة حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نود أن نتعرف على طبيعة الافتراءات حول هذه الدعوة بشكل عام؟ الشيخ: لو أردنا أن ندرس هذه الافتراءات دراسة موضوعية لوجدناها تنقسم إلى ثلاثة أقسام، فالافتراء الذي قيل عن هذه الدعوة غالبه من الكذب والبهتان المتعمد ممن أشاعوه، والدليل على هذا أنهم قوبلوا من قبل أئمة الدعوة الأوائل ومن بعدهم بإقامة الحجة والحوار، وأيضاً التاريخ كشف هذا الكذب والبهتان، فالتاريخ إذا حُقق فهو من أعظم الوسائل لكشف الكذب، فبالتحقيق التاريخي انكشف الكذب الكثير على الدعوة من خلال الواقع، ومن خلال البحث العلمي المؤصّل، ومن خلال التتبع التاريخي.
إذاً: أغلب المفتريات من باب الكذب والبهتان.
فمثلاً: أشاعوا في العالم كله إلى اليوم أن الوهابية مذهب خامس، أقول: هذا يدل على الجهل عند هؤلاء الكذبة، المذهب الخامس هل فيه عيب؟ لو جاء إمام من أئمة الدين بمذهب يشبه المذاهب الأربعة مؤصل على أصول الشرع بالاستدلال، هل ننكره؟ فـ ابن حزم مثلاً مجتهد، وكثير من العلماء يعتبرونه خامساً مع الأئمة، وابن تيمية يعتبرونه مجتهداً مطلقاً، ويعتبرونه إماماً خرج عن تقليد الأئمة الأربعة، وهكذا أئمة لا يُعدّون.
فإذاً: تسميتهم مذهباً خامساً جاءت من باب الجهل، لكن هم يقصدون إثارة العامة بأن مذاهب المسلمين محصورة بأربعة، وأن ما خرج منها خارج عن أصل الإسلام، فكلمة (مذهب خامس) كأنه مذهب خارج عن الإسلام.
стр. 199
الرد على دعوى أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مذهب خامس
المقدم: هذا الافتراء حقيقة يا شيخ يثير الدهشة، فالمذاهب الأربعة مذاهب فقهية، فما أتى به الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إطار الفقه كان فيه تبعاً لأحد المذاهب الفقهية وهو الحنبلي، علماً أن أصول العقيدة ليس فيه خلاف بين أئمة المذاهب، وهذه الأصول هي التي جاء الإمام ببيانها في زمنه؟ الشيخ: على أي حال هذه معادلة صعبة وقديمة، ونريد أن نتعمق فيها، لكن أشير إليها هنا بشيء من الإيجاز، وهي أن هذه الدعوة تنسحب على كل الذين خرجوا عن السنة والجماعة، فكثير من أهل الأهواء والبدع يدّعون أنهم مالكية، ولا أقول: كل المالكية؛ لأن المالكية الأصل أنهم على السنة، والشافعية على السنة، لكن هناك من يدّعي الشافعية وتجده بدعي بكل معنى الكلمة، وهو من أبعد الناس عن مذهب الشافعي، وكذلك من الحنابلة أيضاً، وبعض الناس يظن أنا نعتقد أن الحنابلة ليس فيهم من خرج عن السنة والجماعة، ويوجد ممن ينتسب إلى الإمام أحمد من خرج عن السنة والجماعة.
إذاً: هم يوهمون الناس بأن المذاهب مختلفة في الدين، بينما المذاهب هي اجتهادية، وكل الأئمة الأربعة دينهم واحد وعقيدتهم واحدة، والإمام محمد بن عبد الوهاب هو على هذه العقيدة وصرّح بهذا، وكان يستدل بوضوح بأقوال أبي حنيفة والشافعي والإمام مالك وأحمد في قضية تأصيل الدين وأصوله.
إذاً: هذه معادلة معضلة، وهي أنه يوجد ممن كان قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب خارج عن السنة ويقول: أنا شافعي، مع أن الشافعي إمام في العقيدة والسنة قبل أن يكون إماماً في الفقه، بل إنه عرض أقواله في الفقه على الدليل، وقال: إذا خالف رأيي وقولي الدليل فاضربوا به عرض الحائط.
فالعقيدة لا يساوم عليها ولا يتنازل عن شيء منها؛ فهو على عقيدة أبي حنيفة ومالك والإمام أحمد وهكذا.
стр. 200
وجه انتساب أهل الكلام إلى الأشعري والشافعي
المقدم: كيف ينسب الأشعرية أنفسهم للشافعي، مع أن الشافعي من أكثر العلماء ذماً لأهل الكلام؟ الشيخ: بل السؤال أعمق ولعلي أصحح المسار لنختصر: المتكلمة الأشاعرة لماذا سموا أشاعرة انتساباً لمن؟ انتساباً لـ أبي الحسن الأشعري وهو على مذهب أهل السنة والجماعة.
المقدم: ألم يكن كلابياً مثلاً؟ الشيخ: لا، هو عاصر ابن كلاب وما التقيا، بل هو أقدم وأعمق في فهم الفرق والأهواء من ابن كلاب، والإمام الأشعري على مذهب أهل السنة والجماعة فضلاً عن الإمام الشافعي، فمن هنا تأتي المعضلة وهي الانتماء للإمام والانتساب إليه، في حين أنه ليس على دينهم، فكتبه موجودة، و (مقالات الإسلاميين) الذي هو للإمام الأشعري، وكذلك و (الإبانة) و (رسالة إلى أهل الثغر)، يوجد فيها بعض الثغرات التي خرج فيها عن السنة، وهي نزعات باقية من تبعيته الكلامية لـ ابن كلاب وغيره، لكن مع ذلك في الجملة فالإمام الأشعري على منهج السلف، ويثبت الصفات الذاتية والفعلية، إلا تأويلاته التي تعلقت بالكلام ومسائل معدودة عند أهل العلم فتُعتبر زلات عالم.
إذاً: ما دمتم أنتم تعتبون علينا اتباع محمد بن عبد الوهاب وتقولون: نحن ندفع المذاهب الأربعة نقول: الإمام محمد بن عبد الوهاب على مذهب الأئمة الأربعة وعلى مذهب الأشعري، وأتحدى أن يكون الأشاعرة أقرب من الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى الأشعري، بل هو أقرب إلى الأشعري بنسبة (٩٠ %) أو أكثر.
المقدم: فعلاً الأشاعرة انحرفوا إلى مذهب المعتزلة؟ الشيخ: أي: متكلمة الأشاعرة؛ لأن المعاصرين الآن لا يتعمقون بالكلاميات، فهؤلاء -إن شاء الله- هم أقرب إلى السنة والفطرة، خاصة العوام منهم الذين لا يتعمقون في الكلاميات، أما متكلمة الأشاعرة فقد بعدوا، وأنا لا أدري لماذا جاء هذا الموضوع، لكن بمناسبة نسبة المذهب الخامس لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب نقول: ليست مذهباً خامساً، بل هو يلتزم بمذهب الأئمة الأربعة، وهذه الدعوى من باب التشويه.
كذلك من الكذب قولهم: إن أئمة الدعوة يكفّرون بالذنوب، بل هم أبعد الناس عن التكفير بالذنوب، صحيح أنهم حازمون في الأحكام التي وصف الله بها الكفار والمشركين، وحازمون في مسألة حماية العقيدة من غوائل الشرك والبدع، وهذا الحزم لا يطيقه بعض الناس، فيفسّره بأنه تشديد، ويفسّره بأنه تكفير، في حين أنهم أبعد الناس عن التكفير، خاصة الإمام محمد بن عبد الوهاب، فعنده ورع عن التكفير لم نجده عند كثير من أئمة السلف الأوائل.
стр. 201
أمثلة ونماذج من الافتراءات على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
المقدم: لعلنا نأخذ أمثلة يا شيخ؟ الشيخ: من البهتان والكذب: الأول: دعواهم أن دعوة الشيخ خارجية وأنها مجسّمة.
الثاني: الجهل والتقليد الذي عليه عامة المسلمين شُوهَتْ في أذهانهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فتجدهم يسمونها الوهابية، فهم مقلّدة للكذبة والمفترين، ولعلي أكتفي بنموذج طريف على هذا الجانب الثاني وهو الجهل والتقليد.
هناك قصة مشهورة سمعتها من عدد من العلماء، منهم الشيخ الألباني ﵀ يقول: إن أحد العوام من بلد مجاور للملكة العربية السعودية زار الرياض، وهو في ذهنه مما في بعض بيئته أن الوهابية لا يحبون الصلاة على النبي ﷺ ، وكأنه يرى أنهم يستنقصون النبي ﷺ ، أو أنهم جفاة في حقه، فهذا العامي عندما أتى إلى الرياض رغب أن يذهب إلى السوق، وهذا السوق مشهور، حتى قال لي الشيخ الألباني ﵀: أنتم تسمونها سوق ابن قاسم، هذه خصوصية للرياض، حراج ابن قاسم، فيقول: عندما ذهب إلى السوق صُعق وجاء إلينا مرتبك وهو يشتم أناساً معينين وغير معينين، قلنا: ما الذي حصل؟ قال: إني كنت أفهم من فلان وفلان وفلان بديارنا أن هؤلاء أهل نجد لا يحبون النبي ﷺ ، يقول: وأنا في السوق وهم يتبايعون بالصلاة على النبي ﷺ ، يقول: فأسأل أول هؤلاء: بكم هذه السلعة؟ فيقول: صل على محمد ﷺ ، هي بكذا وآخر يقول: صل على النبي ﷺ ، يقول: إنهم يتبايعون بالصلاة على النبي ﷺ ملء السمع والبصر، وسمعت عدة أشخاص يصلون على النبي ﷺ في كل أمر وهم في السوق، ويقول هذا العامي: أما نحن فنتشاتم، وأحياناً يسب بعضنا الدين أثناء البيع والشراء، ثم يقول: أهذه الوهابية التي يقولون عنها؟! هذا نموذج للجهلة والمقلّدة.
стр. 202
مداخلة الدكتور سهل حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
بداية نشكر لشيخنا الشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل هذا الطرح المميز لهذا الموضوع المهم، والذي نحن بحاجة إليه في هذا العصر، خاصة فيما يتعلق بمسائل العقيدة، ودعوة الأئمة المجددين إليها.
فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هي امتداد لدعوة أئمة السلف ودعوة المجددين من العلماء، فالشيخ ﵀ لم يأت بجديد، وإنما هو يدعو لما دعا إليه نبينا ﵊، وما دعا إليه الصحابة الكرام، والمتأمل في دعوة الشيخ -وكتبه موجودة بحمد الله ومنتشرة في العالم الإسلامي- يجد أن هذه الدعوة المباركة ما هي إلا امتداد لدعوة الصحابة رضوان الله عليهم وأئمة الهدى، ولهذا العلماء ﵏ يشبهون (كتاب التوحيد) لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بأنه قطعة من صحيح الإمام البخاري , وأنا عندما أدرس الطلاب في الجامعة، وخاصة طلاب المنح يُعجبون كثيراً بـ (كتاب التوحيد) وغيره بأسلوب الطرح المتميز، ما هو إلا آية وحديث وقول لصحابي، ومصطلحات شرعية مأخوذة من الكتاب والسنة وأئمة السلف؛ ولهذا ندعو كل من يلمز دعوة الشيخ إلى أن يقرأ كتب الشيخ ﵀ في مصادرها وفي مصطلحاتها وفي دلالاتها، فسوف يتبين له الحق في أن دعوة الشيخ ﵀ ما هي إلا امتداد لدعوة أئمة السنة وأئمة الدين من الفقهاء الأربعة المتبعين في العالم الإسلامي؛ ولهذا كل من يلمز دعوة الشيخ أو غيره فلنقل له: اقرأ كتب الإمام الذي تتبعه في الفقه سواء الإمام مالك أو الإمام أبي حنيفة أو الإمام الشافعي أو الإمام أحمد تجد أن كلام هؤلاء الذي يقولونه في العقيدة هو ما يقوله إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
المقدم: دكتور سهل أحياناً من يقرأ كتب الشيخ يرى أنها مختصرة، هل في هذا مغزى؟ مداخلة: مختصرة من جهة ماذا؟ المقدم: من جهة عدم الحشو في الكلام أحياناً وعدم إطالة الشروح إنما أحياناً يكتفي بآيات أو بحديث.
مداخلة: هذا من أساليب الشيخ ﵀، وأساليب الأئمة أنهم يذكرون الكلام المختصر الذي يفهمه العالم ويفهمه العامي، ولكن المتأمل في كتبه يجد أنها تعتمد على الدليل، ولننظر في كتاب (التوحيد) وفي كتاب (الأصول الثلاثة) وفي كتاب (كشف الشبهات) وغيرها يجد مع اختصار العبارة سهولة العبارة واعتمادها على الدليل من الكتاب والسنة، وهذا ما يميز هذه الدعوة المباركة، كدعوة المجددين قبله.
المقدم: دكتور سهل شكراً لك على هذه المداخلة.
لنكمل ما تبقى من النقاط حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما أشيع حوله من المفتريات في الحلقات القادمة بإذن الله تعالى.
أسأل الله أن يبارك فيكم وفي جهودكم شيخ ناصر.
نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 203
حقيقة التدين
حقيقة التدين هي التمسك بجميع أوامر الدين وترك نواهيه ظاهراً وباطناً، فمن تمسك بالدين ظاهراً وباطناً فهو المتدين حقيقة، ومن تمسك به ظاهراً وتركه باطناً فهو مدَّعٍ للتدين، وليس متديناً، والدعاوى ما لم تكن عليها بينات فأهلها أدعياء، وللتدين مظاهر متعلقة بالقلب والجوارح ينبغي مراعاتها، والحرص على تحقيقها.
стр. 204
تعريف التدين لغة واصطلاحاً
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله، ورضي عن صحابته أجمعين.
أما بعد: فإن كل دعوى لابد لها من حقيقة، وأعظم الحقائق هي حقيقة الدين.
والدين والتدين أوصاف يتمنى كل مسلم أن يتصف بها، بل ربما يدعيها كثير من المسلمين، وقد تكون هذه الدعوى صحيحة، وقد لا تكون، ولابد من وزن كل دعوى بموازينها الشرعية والعقلية.
ودعوى التدين دعوى كبيرة لابد لها من حقيقة، وهذا ما سنقف عنده بعض الوقفات بقدر ما يتسع له الوقت.
أولاً: ما هو التدين بمعناه اللغوي والاصطلاحي؟ التدين: مأخوذ من الدين، والدين: هو التسليم والطاعة والتذلل والخضوع والعبودية، وعلى هذا فإن التدين -تدين المسلم- بمعناه الاصطلاحي يتمثل أولاً بالتسليم لله ، والتذلل له سبحانه، والخضوع والطاعة والامتثال، وجماع ذلك كله: العبودية لله سبحانه.
ولذلك سمي الإسلام بهذا الاسم من هذا المعنى، فالإسلام معناه: التسليم، وهو: الاستسلام لله بالعبودية والطاعة، الاستسلام المطلق.
والاستسلام -أي: استسلام التدين- لابد أن يشمل استسلام القلب واستسلام الجوارح، وخضوع القلب وخضوع الجوارح، ولو تأملنا حال المسلمين اليوم ثم قارناها بحال المسلمين في القرون الثلاثة لانكشفت لنا الكثير من الحقائق المتعلقة بدعوى التدين.
أثر عن الحسن البصري ﵀ حكمة صائبة قال فيها: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال.
وعلى هذا تستجلى حقيقة التدين من إظهار علامات التدين على القلب أولاً، أي: الأعمال القلبية، التي سيأتي الإشارة إلى شيء منها، ثم على الجوارح التي هي الأعمال الظاهرة، والتي تتمثل بأعمال المسلم الظاهرة تجاه أركان الدين وواجباته والأخلاق ونحو ذلك.
ثم ما يستلزم ذلك أيضاً من منهج التعامل، تعامل الإنسان أولاً مع ربه ، وتعامله مع الحقائق الشرعية، وتعامله مع أصول الإسلام، ومدى امتثاله لسنة النبي ﷺ ، ثم مدى تحقيقه لمعنى الإسلام، ومدى تعلقه بهذا الدين.
стр. 205
حقيقة التدين ومظاهره
أوجز النبي ﷺ حقيقة التدين بوصيته لأحد الصحابة لما سأله فقال: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، وهذه كلمات جامعات جمعت الدين كله في كلمتين: (قل: آمنت بالله)، يعني: حقق الإيمان في قلبك.
(ثم استقم)، في أعمالك في عبادتك في أخلاقك في تعاملك مع الحياة مع الناس.
والإيمان بالله لا يكون إلا بمقتضى العقيدة الصحيحة، وهذا لا شك فيه، وإلا كل يدعي الإيمان بالله.
والاستقامة على دين الله لا تكون إلا بمقتضى العمل بشرع الله، وبما سنه رسول الله ﷺ ؛ فحتى الإيمان بالله والاستقامة هي دعوى، لكن لها شروط وضوابط وحقيقة، وعلى هذا فإن التدين أمر لابد أن يحكم حياة المسلم كلها، في قلبه وروحه ونفسه وعواطفه ومشاعره وأعماله ومواقفه، كل هذه الأمور لابد أن يتحقق فيها معنى التدين.
أو أول حقيقة في بلوغ المراد الشرعي بالتدين: هي صلاح القلب، وصلاح القلب يكون أولاً بتعظيم الله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
فإذا أراد المسلم أن يختبر نفسه، أو يستجلي حقيقة تعلق قلبه بالله فلينظر في حاله إذا قرأ القرآن وسمعه، ثم مرت عليه أسماء الله ، فهل يجد في نفسه تأثراً بمعاني أسماء الله؟ وهل يجد في استعراضه لأسماء الله والتفكر فيها وتمعن معانيها أثراً في قلبه بزيادة تعظيم الله ومحبته ورجائه وخوفه وتقواه؟ وكل أسماء الله لابد أن تغرس هذه المعاني، فإن وجد أثراً طيباً في ذلك فليحمد الله، وليعلم أنه بدأ طريق الاستقامة، وإن أحس بالغفلة وعدم التأثر بمعاني أسماء الله ؛ فليفتش عن حاله.
стр. 206
أركان العبادة المتعلقة بالقلب
ينبغي أن يختبر المسلم قلبه بمدى تحقق أركان العبادة في قلبه، فالعبادة في القلب لابد أن تقوم على ثلاثة أركان: الركن الأول: محبة الله محبة تعظيم وتقديس، بأن يمتلئ قلب المسلم بمحبة الله.
الركن الثاني: خشية الله والخوف منه.
الركن الثالث: تعلق القلب برجاء رحمة الله وعفوه في الدنيا والآخرة.
فإذا امتلأ القلب بهذه المعاني أو شعر بها فلابد أن تثمر أموراً كثيرة: من تقوى الله ورقابته والإنابة إليه والتوكل عليه، والتعلق به سبحانه في كل الأمور، بحيث يحب المسلم ما يحبه الله، ويحب من يحبهم الله، ويبغض ما يبغضه الله، ويبغض من يبغضهم الله.
стр. 207
تحقيق التدين عند العبد بصلاح القلب ومظاهر ذلك
لابد أن يتحقق معنى التدين في صلاح القلب بالتذلل لله سبحانه، التذلل القدري والشرعي، بأن يخضع لقدر الله ، ويؤمن بقدر الله، ويصبر على قضاء الله.
وكذلك التذلل بالاستعداد والتسليم للعمل بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه.
وكذلك لابد أن يشعر المسلم إذا تحقق التدين في قلبه بالإذعان لشرع الله: أنه يستلزم ذلك فعل ما أمر الله به، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ومما يستلزم صلاح القلب: اتباع ما أمر الله به واتباع رسوله ﷺ ، والاتباع يبدأ بالمحبة، بأن يحب المسلم الرسول ﷺ حتى يكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين، ولتثمر هذه المحبة الاستعداد لقبول ما جاء عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، فيستعد المسلم لتوقير النبي ﷺ في كل أحواله، ثم اتباع سنته والاهتداء بهديه، وحب ما يحبه الرسول ﷺ ، وحب من يحبه، وبغض ما يبغضه الرسول ﷺ ، وبغض من يبغضه.
كذلك تتجلى حقيقة التدين من حيث صلاح القلب: في الرقابة لله ، والذي ينتج عنها تقوى الله، فمن راقب الله اتقاه، وهذه من معاني الإحسان التي أشار إليها النبي ﷺ في حديث جبريل، حينما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، بهذا الاستشعار تتحقق الرقابة لله في قلب المؤمن وعقله ومشاعره وروحه وعواطفه، فإذا تحققت الرقابة لله فإن المسلم لابد أن يتقي الله، وهذه نتيجة طبيعية، بل نتيجة حتمية، فكل من راقب الله واتقاه فلابد أن يقوم بما أوجب الله عليه، وأن ينتهي عما نهى الله عنه.
والمسلم إذا استشعر أن الله يراقبه على معنى حقيقي وصحيح وسليم، فإنه لا يمكن أن يقع فيما يخل بحقيقة التدين.
مثال ذلك ولله المثل الأعلى: الإنسان إذا شعر برقابة غيره له من البشر فتصوروا ما يفعله من التصنع والتكلف والمجاملة والمداراة إلى آخره؛ لأنه يشعر برقابة بشر برقابة إنسان لا يملك نفعه ولا ضره إلا بإذن الله، ولله المثل الأعلى، فكيف بمن يستشعر رقابة الله؟ ولذلك فإن حقيقة صلاح القلب إنما تتمثل بهذا المعنى، بالرقابة لله ؛ لأنه إذا امتلأ قلب المسلم بمحبة الله ورجائه وخشيته والإنابة إليه، إذا استشعر معاني صفات الله وأسمائه وأفعاله، إذا استشعر ما يجب لله من التعظيم، فإنه لابد أن يجد أثر ذلك في قلبه وسلوكه، تتحقق التقوى التي أبرز معانيها: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية؛ باتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه.
ثم لابد أن ينتج عن هذا الأمر أمر آخر تتجلى فيه أيضاً حقيقة من حقائق التدين: وهو التعبد لله بما شرع، فالإنسان إذا خضع قلبه لله ، وإذا استكانت جوارحه وعواطفه وعقله وروحه لله ، فلا بد أن يتمثل ذلك بتحقيق العبادة، فإذا كانت العبادة على منهج سليم، على ما شرع الله وسن رسوله ﷺ تحقق التدين في جانب العبادة لله، وذلك بامتثال ما شرعه الله بامتثال الفرائض والواجبات، والتقرب إلى الله بما يحبه من الأعمال القلبية والعملية، والابتعاد عما يبغضه الله من الأعمال والأقوال القلبية والعملية.
كما تتجلى حقيقة التدين بعد إقامة الفرائض وإقامة الواجبات في عمل السنن والنوافل، فالأعمال الصالحة يجر بعضها إلى بعض، والحسنات تدعو إلى الحسنات، فإذا وفق الإنسان وقبلت منه الحسنة فلابد -بإذن الله- أن يهتدي بها إلى الحسنة الأخرى، فمن أقام الفرائض على وجهها، وأدى الواجبات على وجهها فلابد أن يثمر ذلك في ظهور مظهر آخر من التدين، لا يتذوقه إلا من كان على هذا الطريق، وهو التقرب إلى الله بالنوافل، كما جاء في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؛ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه).
وهذه المعاني العظيمة تتحقق إذا تدين المسلم لله بالنوافل، ولكن لا يعقل أن يتدين بالنوافل ويقبل منه ذلك إلا إذا قام بالفرائض والواجبات، وهذا من جوامع الكلم للنبي ﷺ ، فإنه اختصر الكلام، فبدل أن يقول: (تقرب بالواجبات والفرائض) قال: (بالنوافل)؛ لأنه لا يعقل أن الإنسان يتقرب بالنوافل على وجه شرعي صحيح مقبول عند الله إلا وقد وفى بالأركان والواجبات والفرائض، ولو عمل بالنوافل دون الفرائض ما نفعه ذلك.
إذاً: تتجلى حقيقة التدين كذلك بالتعبد لله ، والتعبد لابد أن يكون على ما شرعه الله ، فكثير من عباد الأمم وأصحاب الديانات الباطلة قديماً وحديثاً يتعبون وينصبون في التعبد، لكنهم على غير شرع صحيح، فهؤلاء من الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا
стр. 208
الخشوع
أول مظاهر التدين في الحقيقة: الخشوع.
والخشوع: هو استكانة القلب والجوارح لله ، استكانة تظهر آثارها على حركات الإنسان وتصرفاته وأفعاله، ويتجلى هذا بأمور ظاهرة: أولها: بالقرآن الكريم، فإذا أردت أن تختبر قلبك ومدى خشوعك فانظر مدى تأثر قلبك بآيات الله المقروءة، فالقرآن هو كلام الله الذي لو أنزل على جبل لتصدَّع من خشية الله، هذا القرآن كلام الله الذي فيه الأوامر والنواهي والمواعظ والعبر والقصص، وفيه الوعد والوعيد، فإذا شعر المسلم عندما يسمع آيات القرآن بالخشوع والتأثر فليبشر بخير، وليعلم أنه تحقق فيه معنى من معاني التدين.
ثم الخشوع في الصلاة، وهو اختبار حقيقي جلي، فمن أبرز آثار الأعمال القلبية: الخشوع، ومن أبرز مظاهر الخشوع بعد التأثر بكلام الله: الخشوع في الصلاة؛ ولذلك نجد في النصوص في القرآن والسنة أنه وصف عمل الصلاة بالإقامة، وأن تقيم الصلاة: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة:٥٥]، لا إلى الأداء؛ لأن الأداء يستوي فيه المؤمن والمنافق، وكل يؤدي الصلاة، لكن لا يقيم الصلاة إلا من تحقق فيه معنى التدين.
وأول مظاهر إقامة الصلاة: الخشوع فيها.
والصلاة الخاشعة أيضاً لابد أن تثمر؛ لأنها لا بد أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، ونجد معاني هذا في سيرة النبي ﷺ في تعظيمه لقدر الصلاة، وفي أثر الصلاة في نفسه وروحه وقلبه ومشاعره وعواطفه، فإن النبي ﷺ جعل الصلاة قرة عين، كما ورد في الحديث الصحيح: (حبب إلي من دنياكم الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وقرة العين هي منتهى السعادة، والأم إذا أرادت أن تصف حبها لابنها لا تجد أفضل من كلمة: يا قرة عيني! لأنها في منتهى السعادة والحبور والمحبة لابنها.
كذلك النبي ﷺ لما استشعر معنى الصلاة وخشع في الصلاة قرت عينه، وشعر بأمن القلب وسعادة النفس وطمأنينة الروح وهدوء الجوارح، وزوال التعب والنصب الجسدي والقلبي؛ ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (أرحنا بالصلاة يا بلال!) لا كما يكون من كثير من حالنا نسأل الله أن يعفو عنا، وكثير من حال الذين يقصرون في الصلاة حيث تجد الواحد يتململ ويتذمر من أداء الصلاة؛ حتى يعطيها أقل وقت ممكن، وينتظر وقت الإقامة، ثم يأتي ساعياً إلى المسجد، فإذا سلم ربما يسبح أو لا يسبح، ثم يمشي.
ولو شعر ببعض قرة العين في الصلاة، وببعض السعادة والأمن والطمأنينة التي تكون للمصلي الذي يقيم الصلاة على وقتها لبكر، وربما جاء إلى المسجد قبل الأذان.
إذاً: من مظاهر وحقيقة التدين وعلاماتها: الخشوع في الصلاة، ومما يعين على الخشوع: أن يقدم المسلم مقدمات للخشوع، وذلك بالاستعداد للصلاة استعداداً يحتسبه عند الله ، ويأتي بنية جازمة صادقة إلى المسجد مبكراً، وعلى الأقل إذا سمع الأذان وسمع (حي على الصلاة) (حي على الفلاح)؛ انشرحت نفسه واستعد للإقبال على بيت الله أو على المسجد أو على الصلاة، ثم توضأ الوضوء الذي يكون على السنة، ومشى إلى المسجد محتسباً خطواته، ثم دخل المسجد وسلم، ثم كبر واستشعر أثناء تكبيرة الإحرام بأنه رفع الحجاب بينه وبين ربه، ثم حقق المعنى الذي أشار إليه النبي ﷺ في الإحسان: بأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.
إذا استشعر هذا المعنى في صلاته ارتفع الحجاب بينه وبين ربه، واستشعر أنه يرى ربه، ثم بدأ بصلاته على هذا النحو: إذا قال: الله أكبر، استشعر عظمة الله ، وأن الله أكبر من كل شيء، وأنه جاء ليقدم عبادة يحتسبها أمام الله ، ثم شرع في التسمية، وشرع بقراءة الفاتحة مستشعراً معانيها، مستشعراً معنى: (الحمد لله)، ومعنى: (رب العالمين)، واستشعر معنى الاستعانة بالله ومعنى عبادة الله، واستشعر الدعاء الذي يدعوه في الفاتحة وما بعد الفاتحة، إذا استشعر هذه المعاني في الصلاة خشعت جوارحه، ولذلك لا يتصور من إنسان على هذا الوضع في الصلاة أن يأتي بحركات أخرى، فلابد أن تسكن جوارحه، كما قال أحد الصحابة لما رأى إنساناً يعبث بيده وثيابه: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.
إذاً: بهذا المعنى وبهذه الصورة تتجلى حقيقة من حقائق التدين، فالخشوع يكون في جميع ما يتعرض له المسلم من آيات الله ونعمه وآلائه، فيخشع عندما يرى العبر، وعندما يرى المواعظ، يخشع لله ويستكين لله فيسكن قلبه وتهدأ جوارحه، وتطمئن نفسه وتسعد روحه، ويشعر بالأمن الذي وعد الله به المؤمنين، والأمن يشمل أمن الدنيا وأمن الآخرة، وأول أمن: أمن القلب، فالإنسان إذا لم يأمن قلبه وإذا لم يأنس قلبه بالله استوحش، ولو توافرت له جميع الأسباب المادية، وإذا أنس بالله وأمن قلبه بالله أمن، ولو توافرت عنده أكثر المخاطر ما دام متوكلاً على الله باذلاً الأسباب.
стр. 209
الورع
كذلك من مظاهر التدين: الورع، والورع ثمرة طبيعية لتحقيق العبودية لله ، ولتحقيق صلاح القلب والتعبد لله والخشوع، والمسلم إذا عبد الله على ما شرع الله وإذا عظم الله في قلبه وجوارحه وعواطفه.
وإذا ظهر أثر ذلك في خشوعه فلا بد أن ينتج عن ذلك الورع، فالورع معنى عظيم يجهله كثير من الناس.
وأول الورع: الورع عما حرم الله، وليس أمام الخلق فقط، بل أولاً أمام الخالق ، فيجب أن يتورع المسلم من أن يقع فيما ينهى الله عنه، وأن يجد في قلبه واعظاً ورادعاً يردعه عما يغضب الله.
ثم لابد أن ينتج عن هذا الورع ورع آخر: وهو الورع في حقوق الخلق، الورع في سائر ما يتناوله المسلم في حياته، فيتورع في مأكله، ويتورع في مشربه، ويتورع في دخله، ويتورع في حقوق الخلق، ويتورع عن الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق، وكثير من الناس يفقد حقيقة الورع وإن تدين ظاهراً؛ لأن الفارق بين التدين الحقيقي والتدين العاطفي، أو من أكبر الفوارق وأظهرها بين التدين العاطفي الذي لا يوزن بميزان الشرع وبين التدين الحقيقي: الورع.
ولهذا أمثلة من مسالك الذين سلكوا التدين بغير ورع فيها العبرة، ولنأخذ أبرز مثال: تدين الخوارج الذين أخبر عنهم النبي ﷺ أنهم يخرجون في أكثر من زمان، أخبر عن الخوارج الأولين، وأخبر عن خوارج يخرجون في آخر الزمان، جاء في حديث البخاري: (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية)، يعني: ظاهرهم قول الدين، والغيرة على الدين.
ولكنهم لا يتورعون عما حرم الله، بل لا يتورعون عن أعظم المحرمات في حقوق الخلق وهي الدماء، فأعظم المحرمات في حقوق الخلق هي الدماء، ومع ذلك هم متدينون، بل وصفهم النبي ﷺ بأنا نحقر صلاتنا عند صلاتهم وصيامنا عند صيامهم، وقد وصفهم بعض الصحابة الذين جاءوهم في معسكراتهم بأن لهم دوياً كدوي النحل، مصفرة وجوههم، ناحلة أجسامهم من القيام بالليل، أُسوْد في القتال، لكن تدينهم غير حقيقي، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ لأن تدينهم عواطف جياشة، تفجر الطاقات، والواحد منهم لو لم يضبط هذه العاطفة لربما فجر نفسه، كما يحصل من بعض المتأخرين.
فعندهم عواطف جياشة، لكنها على غير هدى، وليس هذا هو التدين الذي أمر الله به، ومن هنا أحب أن أنبه على ظاهرة ظهرت في الآونة الأخيرة عند بعض الشباب، وإن كانوا قليلاً والحمد لله، لكن معظم النار من مستصغر الشرر، وهي تتعلق بحقيقة التدين، وهي أنهم تدينوا تديناً عاطفياً غير منضبط بالضوابط الشرعية، ولا بمنهج الرشد وأهل الرشد العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وغير منضبط بمناهج العقلاء، فأدى بهم هذا التدين غير المنضبط إلى سلوك مسالك الغلو، فوقعوا في مصيدة المخالفين، ثم اتهام المخالفين لهم من العلماء وأهل الخير والصلاح والاستقامة -فضلاً عن غيرهم- بتهم تصل إلى حد التكفير، ثم أدى ذلك نتيجة التدين العاطفي غير الراشد إلى سلوك مسالك استحلت فيها الدماء، والفساد في الأرض بدعوى الغيرة على الدين وبدعوى الجهاد، وهذا يتنافى مع الورع؛ فالدين جاء بحفظ الضرورات الخمس: حفظ الدين، وحقيقة التدين: أن يحرص المسلم على حفظ الدين في نفسه وفي الأمة وفي البشرية جميعاً.
ثم حفظ النفس، فاحفظ نفسك ونفس غيرك.
وحفظ العقل.
وحفظ العرض.
وحفظ المال.
هذه تسمى ضرورات عند جميع العقلاء، وحفظها حقيقة التدين، فحقيقة التدين تتجلى في هذا الأمر، ولا مانع أن نطيل في هذه الظاهرة؛ لأنها ظاهرة ظهرت آثارها فينا وسببت شق الصفوف والتغرير ببعض شبابنا المتدين، وظهرت لها آثار في أمننا وفي جميع أمورنا، فلابد من الوقوف عندها قليلاً.
وحقيقة التدين تتجلى أولاً بالاستقامة على العقيدة، ثم بسلوك سبيل المؤمنين الذين توعد الله من خالفهم، كما قال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥]، وسبيل المؤمنين هو سبيل السلف الصالح، ومن سار على نهجهم إلى قيام الساعة، وسبيل المؤمنين إنما يمثله العلماء أهل الحل والعقد إلى يوم القيامة، وإذا لم نقل بهذه الحقيقة ضاعت الأمور، وإلا لماذا أرشدنا الله إلى أهل الذكر، ولماذا أوصانا النبي ﷺ بالأخذ عن العلماء وقال: (العلماء هم ورثة الأنبياء).
إذاً: فحقيقة التدين تتمثل بسلوك سبيل المؤمنين الذي يمثله العلماء، والعلماء قد يشك فيهم بعض من عنده شبهات، لكن مع ذلك يبقى من الثوابت الشرعية والعقلية أن العلماء هم رأس الأمة دائماً، وهم الذين حفظ الله بهم الدين، وهم رأس الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم)، فإذا لم يكونوا ظاهرين بالعلم
стр. 210
الإخلاص والمراقبة والإحسان
من حقيقة التدين: وجود الإخلاص في القلب، والمراقبة لله ، والإحسان، وكما يكون الإحسان في العبادة لابد أن يكون الإحسان مع الخلق، ولعل أظهر محك للناس في ظهور حقيقة التدين هو التعامل مع الآخرين، فمن التدين أن يكون المسلم رفيقاً شفيقاً رحيماً بالمسلمين، أن يرفق بالمسلمين في كل شيء، في نصحه، في بيانه، في رده، في بيعه، في شرائه، في جميع أنواع التعامل، والنبي ﷺ يقول: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)، ولو استعرضنا سيرة النبي ﷺ لوجدنا أن الأصل في تعامله مع الآخرين -حتى الذين يخطئون والذين يقعون في فواحش الذنوب، والذين يقعون في الأمور المستشنعة- أنه يعاملهم برفق، فعامل الأعرابي الذي بال في المسجد بالرفق، وعامل حاطب بن أبي بلتعة الذي وقع في عمل ظاهره الكفر بالرفق، وكثير من ذلك، إلا إذا انتهكت حدود الله فهذا أمر آخر، وله ضوابطه، ويكون لأهل الحل والعقد أيضاً، وليس لكل إنسان أن يدعي دعوى الغيرة على الحدود فيفتات على العلماء.
فالمهم الإحسان إلى الخلق عموماً، وكل له درجة من الإحسان، وحسن التعامل مع الآخرين هو المحك، ولذلك لما أخل كثير من المسلمين بهذه الحقيقة، حقيقة التعامل مع الآخرين، ولم يسلك كثير منهم مسلك الرفق والرحمة والحلم والنصح والإشفاق والتدرج في الدعوة ونحو ذلك، لما تخلف هذا الأصل عند المسلمين قل وضعف جانب القدوة فيهم، فالقدوة الآن في المسلمين قليلة ونادرة جداً في التعامل، وكثيرون نجدهم في عقائدهم على الاستقامة، وتجد هناك نماذجاً من الناس عقيدة أحدهم سليمة، وعلمه وفقهه في الشرع سليم، وقد يكون أيضاً باذلاً جهده في سبيل الدعوة إلى الله ، لكن لا يحسن التعامل مع الخلق، فهذا غالباً لا تنفع دعوته، ولا يقتدي به أحد، والمسلمون الآن بحاجة إلى الأنموذج الأمثل في التعامل أكثر من حاجتهم إلى الخطب والكتابات والوسائل الأخرى، وأنا أجزم أنا لو استغنينا عن أكثر ما نقوله وما نكتبه واتجهنا إلى غرس القدوة في الناس لتحقق الخير الكثير، فكثيرون ممن حرموا الاستقامة كان الحاجب بينهم وبين الاستقامة سلوك بعض المتدينين؛ لأنهم ما حققوا التدين.
ثم كثير من الكفار وغير المسلمين حرموا نعمة الإسلام بسبب كثير من المسلمين، وهذا أمر معلوم مشهور، يعلمه كل من خالط أو عايش أو سافر إلى بلاد الكفار للدعوة إلى الله ، أو حتى دعا أحداً من الكفار في أي مكان، فسيجد أن من أعظم عوائق إسلام هؤلاء القوم أفراداً وجماعات وأمماً وقبائل هو سلوك المسلمين، وهذا صرحوا به وقالوه، فأكبر عائق لدخولهم في الإسلام هو عدم تحقيق التدين بين المسلمين في تعاملاتهم، فتجد كثيراً من المسلمين غليظاً فظاً، عنده جفاء، وعنده سلبية، وقد يتعامل مع الناس بشيء من المراوغة والكذب، وعدم الإتقان للأعمال إلى آخره.
وكما تتحقق حقيقة التدين بالتمييز بين الحق والباطل لابد لكل من يدعي التدين أن يميز بين الحق والباطل، ويتجلى ذلك بأن يميز المسلم بين المعروف وبين المنكر، ويميز بين الكفر وبين الإسلام، ويميز بين المسلم وبين الكافر، ويميز بين المؤمنين وبين الكافرين، والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، ويقول : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، وبعض الناس يقول: الكل سواء، وهذا غير صحيح، لكن التمييز ينبغي أن يكون له ضوابطه وحدوده، فلا يصل إلى حد الخشونة في التعامل، أو الإساءة إلى الدين الحق أو إلى الفظاظة والغلظة في التعامل مع الآخرين.
فمن حقيقة التدين أن يكون المسلم مميزاً، وكما يميز بين الضار والنافع في مأكله ومشربه ومعاملاته مع الناس يجب أن يميز قبل ذلك بين الحق والباطل، لكن بالضوابط الشرعية، لا يتخطى الحواجز الشرعية والطبيعية كما يفعل بعض الناس، فالأمر يحتاج إلى اعتدال؛ فلابد من التمييز بين الحق والباطل في حقيقة التدين.
стр. 211
اعتبار الآخرة نصب عين المسلم
أخيراً: من حقيقة التدين: اعتبار الآخرة في تدينك، فلابد أن تضع الآخرة نصب عينيك، بمعنى أن تسعى إلى ما ينجيك ويسعدك في آخرتك، وأن تتجنب ما يعرضك للوعيد، وأن تسعى إلى ما يوصلك إلى رضا الله والجنة، ورؤية الرب ، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن يتمتع بذلك، وأن تحرص على اتقاء عذاب الله، نسأل الله الإعاذة من ذلك.
فحقيقة التدين: أن يكون هذا الأمر نصب عيني المسلم في أعماله القلبية وأعمال الجوارح جميعاً، بأن يسعى دائماً إلى إنقاذ نفسه من الهلكة، وأن يسعى إلى التطلع للاستعداد للآخرة في كل أموره، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 212
الأسئلة
стр. 213
حقيقة التدين وعلاقته بالقلب والجوارح
السؤال
ذكرت في كلامك أن من حقيقة التدين: أن تظهر على المتدين علامات التدين، ألا ترى أنه يوجد من تغلب عليه علامات التدين يكون من أقبح الناس، وهناك في الجانب الآخر من تظهر عليه علامات الفسق وهو من أتقى الناس، والناس شهداء كما في الحديث: (الناس شهداء الله في أرضه)، فكيف يكون هذا؟
الجواب
على أي حال أنا لم أقل شيئاً ينافي ما جاء في السؤال، وأنا أوافق السائل بأنه قد يوجد كثير من التدين عند بعض من يوجد عندهم شيء من الفسق، وقد يتخلف كثير من مظاهر التدين عند بعض من ظاهرهم التدين، فأنا ما قلت: إن التدين مظاهر، بل بالعكس أنا بدأت قولي بأن التدين يبدأ من القلب، وبعلاقة الإنسان بربه ، فأرجو أن يتأمل السائل ما قلته، وسيجد أني لا أختلف أنا وهو.
стр. 214
أثر الدروس والمحاضرات والجلساء الصالحين في تدين المسلم
السؤال
هل الحلقات والجلوس في المكتبات وحضور مثل هذه المحاضرات يعتبر أيضاً من حقيقة التدين وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
في الحقيقة أنا كنت سأشير إلى هذا الأمر في مسألة أن حقيقة التدين تظهر أيضاً من الجليس، والنبي ﷺ أشار إلى ذلك فقال: (المرء من خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل)، وفي بعض الألفاظ: (المرء من جليسه)، فلا شك أن من حقيقة التدين: المجالسة، والعرب تقول: (الطيور على أشباهها تقع)، وهذا مثل صحيح، فلا يمكن للطير إلا أن يكون مع جنسه، وكذلك المؤمن لا يكون إلا مع جنسه، والفاسق يكون مع جنسه، وإذ تخلف شيء من هذا فهو نادر، والنادر لا حكم له.
فلذلك أقول: من علامات التدين بالنسبة للشاب الناشئ أن يسلك مسالك الخير، ومن ضمنها: حلق تحفيظ القرآن ومجالس الذكر ودروس العلماء والمحاضرات، والجلساء الصالحون، وأهل الصلاح قد يكون منهم من يتجاوز هذه الأمور، فإذا رأيت من أحدهم إسرافاً في الغيبة والنميمة والقيل والقال وبهت العلماء والكلام في الولاة والكلام في مصالح الأمة العظمى وغير ذلك، فخير لك أن تبحث عمن هو أصلح منه، وستجد إن شاء الله.
стр. 215
تعريف بالخوارج وبيان مذهبهم وأفكارهم
السؤال
من هم الخوارج؟ وما هو مذهبهم؟ وعلى ماذا يتركز فكر الخوارج؟
الجواب
الخوارج: هم أناس خرجوا عن جماعة المسلمين وعن إمام المسلمين في عهد علي بن أبي طالب، ثم بعده أيضاً ظهرت فئات من الخوارج، ويظهرون آخر الزمان كما جاء في حديث البخاري، وهم قوم يتدينون على غير منهج صحيح، عندهم عاطفة في التدين شديدة جداً، لكنهم على غير منهج صحيح.
وهذا ذكرني بفائدة أعرج عليها وهي: أن بعض الناس يشكل عليه الأمر فيما يتعلق بالظواهر الجديدة التي تشبه ظواهر الخوارج، وإن لم تكن كلها على مذهب الخوارج؛ لأنه لا يلزم أن يكون الغلو كله هو مذهب الخوارج؛ فالغلو واسع يشمل مذهب الخوارج وغيرهم، ولا يلزم أن كل من وقع في استحلال الفساد في الأرض أن يسمى من الخوارج، فقد يكون باغياً وقد يكون متأولاً إلى آخره، لكن عمله حرام وفساد وإن لم يكن من الخوارج.
على أي حال الحقيقة التي ينبغي أن نفهمها في هذا الأمر أن مذهب الخوارج وما يشبهه غلو، والدليل على ذلك: أنه ما سلك مسالك العلماء والمعتدلين وأهل العقل والرشد.
وإذا ما كان الفساد في الأرض والتكفير والتفجير هو الغلو في هذا الزمن فما هو الغلو؟ وإذا لم يكن هذا المظهر هو الغلو الذي يشبه غلو الخوارج فما هو الغلو؟ ومذهب الخوارج يقوم على الخروج على أئمة المسلمين وعلى العلماء وبقية المسلمين، وعلى التكفير واستحلال دماء المخالفين.
أيضاً: يقوم على مناهج خاطئة في الاستدلال، فهم يستدلون بنصوص على غير وجهها، ولذلك لما جاءهم عبد الله بن عباس ﵁ وبصرهم بخطئهم في الاستدلال وقلب أدلتهم عليهم، واستدل عليهم بأدلة أخرى رجع منهم قيل: أربعة آلاف، وقيل: ألفان في جلسة واحدة، وهذا عدد هائل، مع أنهم أصعب الناس في أن يقتنعوا بقول يخالف قولهم.
وغالباً صاحب الغلو يقفل ذهنه عن قبول رأي الآخرين؛ لأنه مصمم في ذهنه على أن الآخرين على باطل، فلا تجد عنده الاستعداد لسماعك أو لفهمك على أنك إنسان لك وجهة نظر شرعية قابلة للاجتهاد، لا يفهم منك هذا.
أيضاًَ لا يجلس معك، وليس لديه استعداد على أنه ممكن أن يقبل منك الحق، بل هو جازم على أن الحق معه، وأنك على باطل؛ ولذلك يكتفي بالحوقلة والحسبلة إذا حدثته فقط؛ لأنه يراك ضالاً يراك لا تعرف الاستدلال يرى أنك لم تعرف الحق الذي يعرفه، وإن كان مشفقاً عليك يمكن أن يدعو لك فقط بأن يهديك الله.
فهذا هو منهج الخوارج، لكن أحب أن أنبه على أمر: ليس كل من سلك شيئاً من هذه المسالك يسمى خارجياً، فقد يقع الإنسان في الغلو ولا يسمى من الخوارج، وقد يقع في التكفير -وهو خطأ- ولا يسمى من الخوارج، وقد يستحل الفساد في الأرض، وقد يستحل التفجير، ولا يلزم أن يكون من الخوارج، فقد لا تتوافر فيه صفات الخوارج، قد تكون فيه خصلة من خصال الخوارج وهي التكفير، واستحلال الدماء إلى آخره، وهذا نوع من الفساد أو بغي، أو تأول خاطئ.
ثم لا ننسى أن كثيراً مما يقعون فيه من هذه الأمور يقعون فيه بسبب أنهم مغرر بهم، فأحدهم شاب تدين بعاطفة قوية، وجاءه شخص من أصحاب الغلو وجلس معه ثلاث ساعات وشحنه شحناً عاطفياً مركزاً، فقلبه (١٨٠درجة)، وبدل أن كان إنساناً وديعاً ومسالماً أصبح خلال ثلاث ساعات إنساناً عدوانياً يتمنى أن يفعل أي شيء ينتقم فيه للدين بزعمه؛ فتحول إلى مفجر، وهذا في نظري إلى الآن ما حدث من الخوارج، ولا أظنه كان من البغاة.
وتجد أغلب أصحاب هذا الفكر من صغار السن، وقد رؤيت بعض الأشرطة التي عرضت عنهم تجد أن فيهم خفة أو سفاهة في أحكامهم وتصرفاتهم، خفة مراهقين غوغاء، فهؤلاء مساكين يحتاجون إلى من يرجعهم إلى رشدهم، يحتاجون إلى من يعالجهم؛ فلا نستطيع أن نقول: إنهم خوارج، لكنهم وقعوا في الخطأ، وأعمالهم أعمال خوارج، لكن أشخاصهم الله يتولاهم، هو أعلم بحالهم.
следующие страницы →