← Сира

Сира · id 37731

التعليق على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للمقدسي

صالح المغامسي

Полный текст (72 стр.). Показаны 36–72 · переход к 41.

стр. 36

قبول النبي نصرة عمه أبي طالب له رغم كفره يجب على العاقل المسلم أن يستفيد من الأوضاع التاريخية التي يعاصرها، فـ أبو طالب كان كافراً، فاستفاد النبي ﷺ من جاه عمه ومن نصرته، ولم يقل: إنه كافر ولا أستعين به ولا ألجأ إليه، فإن الأوضاع تختلف من زمن إلى زمن ومن مرحلة إلى مرحلة، والمقصود هو نصرة الدين، فحيثما كان الطريق يؤدي إلى نصرة الدين فاعمل به ولا تبال؛ لأنه لا يخلو الأمر من مصالح ومفاسد، لكن إذا كان الإنسان يقدم أعظم المصلحتين ويدرأ أعظم المفسدتين فإن المقصود الأعظم نصرة الدين، وقد قبل ﷺ أن يكون مع عمه وهو كافر يسجد لغير الله في شعب واحد استفادة من جاه عمه ونصرته، وكان ﵊ يُثني على عمه، وتشفع له عند ربه أن يكون أهون أهل النار عذاباً، هذه الفائدة الأولى، وهي أن النبي ﷺ استفاد من نصرة عمه أبي طالب. الفائدة الثانية أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان قلبه كقلب غيره بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنت لا تفرح بشيء أعظم من نعمة الهداية، فإن نعمة الهداية التي رزقك الله إياها أو رزقكِ الله إياها يا أختاه حُرمها أبو طالب الذي نصر النبي ﷺ ، حتى تعلم فضل الرب ﵎ عليك، ولا ييئس أحد من أحد وهو يدعوه، ولا يجزم أحد في أحد وهو يراه، بمعنى: مهما رأيت على رجل من الصلاح لا تقطع له بجنة ولا بنار، ومهما رأيت على أحد من سوء وفساد لا تقطع له بجنة ولا نار، إنما الأعمال بالخواتيم. كان عبد الله بن أبي السرح أحد الصحابة، أسلم قديماً ثم هاجر إلى المدينة وكان يجيد الكتابة، فكان يكتب الوحي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فلما نزلت سورة المؤمنون كان جبريل يمليها على النبي ﵊ وعبد الله بن أبي السرح يسمعها منه، (فقرأ جبريل على النبي ﵊: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] فكان يقرؤها النبي ﵊ فيكتبها عبد الله، ثم قرأ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] فكتبها، ثم أتم الآية، حتى قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤] فكتبها عبد الله، فقال عبد الله قبل أن يتكلم النبي ﷺ : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] فقال ﷺ : هكذا أنزلت علي أو هكذا أملاني إياها جبريل، فطبق الورقة التي كان يكتبها وقال: إن كان محمد كاذباً فأنا أكذب كما يكذب محمد، وإن كان محمد صادقاً فأنا يوحى إلي كما يوحى إلى محمد، وترك الإسلام وخرج من الدين ورجع إلى الكفر، وأصبح كافراً حتى كان عام الفتح). وعبد الله هذا أخ لـ عثمان ﵁ من الرضاعة، فلما كان عام الفتح دخل عثمان به على النبي ﷺ ، وكان ﵊ قد أهدر دمه، فطلب له العهد أي: طلب منه أن يصون دمه، فسكت ﷺ وهو في ملأ من أصحابه، فجعل يحدق النظر فيه مدة طويلة، فلما ألح عثمان على رسول الله قال ﵊: (نعم) أي: أجرناه، فخرج عثمان بأخيه عبد الله خارج معسكر المسلمين، فلما خرجوا قال ﵊ لأصحابه: (أما قام منكم أحد حين رآني قد أبطأت عنه فيضرب عنقه؟ قالوا: يا رسول الله! لم نكن ندري ما مرادك، لو أشرت إلينا بعينيك، قال: ما كان ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين). موضع الشاهد: أن هذا الرجل الذي ارتد أصابه الندم على ما كان عليه من الردة، فلما أسلم أخذ يكثر من الصالحات تعويضاً عما فات، فلما كانت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ترك الفتنة واعتزلها وسكن في عكا في أرض فلسطين، ومكث حريصاً على الصلوات خوفاً من أن يختم له بسوء، وذات ليلة دعا ربه: اللهم أمتني وأنا أصلي الفجر، فلما كانت صلاة الفجر صلى بالناس إماماً، وقرأ في الأولى والعاديات ضبحاً - ولم ينقل الرواة ماذا قرأ في الركعة الثانية - ثم سلم التسليمة الأولى وقبل أن يسلم التسليمة الثانية فاضت روحه إلى ربه جل وعلا، ومات في صلاة الفجر كما دعا. فانظر كيف تقلب ثم استقر على خير حال، فالقلوب بين يدي الرحمن. وهذا أبو طالب كان مع النبي ﵊ في الحرب والسلم والسراء والضراء، وأقول: الحرب تجوزاً وإلا فلم يكن في مكة حرب، ومع ذلك لم يرزق الهداية، وقد يرزقها رجل في أقاصي الأرض كما قال الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] نسأل الله لنا ولكم الثبات على هذا الدين.

стр. 37

خبر بحيرا الراهب قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما بلغ اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى فرآه بحيرا الراهب فعرفه بصفته، فجاء وأخذ بيده وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدون إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب فرده خوفاً عليه من اليهود]. هذه رحلة النبي ﷺ الأولى إلى الشام، وفيها خبر بحيرا الراهب وقوله: لم يبق حجر ولا شجر إلا سجد له، غير ثابتة، وإن ثبتت فيكون تخريجها على أن المقصود بالسجود هنا سجود تحية لا سجود عبادة؛ لأن الله لا يأذن لأحد شرعاً أن يسجد لغيره ﵎، فسجود الملائكة لآدم وسجود أخوة يوسف ليوسف كله كان سجود تحية ولم يكن سجود عبادة. والمقصود: أنه ﷺ كان معروفاً في التوراة، وهذا الراهب اطلع على ما في التوراة، فعرف فيه من الدلائل ما يدل على أنه ﷺ سيكون خاتم الأنبياء.

стр. 38

خروجه ﵊ إلى الشام في تجارة لخديجة ثم زواجه بها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم خرج ثانياً إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة ﵂ في تجارة لها قبل أن يتزوجها، حتى بلغ إلى سوق بصرى، فباع تجارته، فلما بلغ خمساً وعشرين سنة تزوج خديجة ﵍]. هذه هي الرحلة الثانية إلى الشام، وكانت كما ذكر المصنف مع ميسرة غلام خديجة، وهذه أحد الأسباب التي أرادها الله أن تقع حتى يتزوج ﷺ من خديجة بنت خويلد. وخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها لها خصائص لا يشاركها فيها أحد من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها أحد من نساء العالمين. من الخصائص التي لم يشاركها فيها أحد من أمهات المؤمنين أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين أحد من النساء. والثانية: أن الله رزقه منها الولد ولم يرزقه الولد من غيرها إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم، هذه الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين. أما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين: أن الله جل وعلا بلغها سلامه مع جبريل ﵇، وهذه خصيصة لا يعلم أن أحداً من نساء العالمين نالها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وقد ثبت عنه ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (إني رزقت حبها) أي: حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

стр. 39

بدء الوحي قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته وابتعثه برسالته، أتاه جبريل ﵇ وهو بغار حراء -جبل بمكة- فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشراً، والصحيح الأول]. هذا ذكر ما كان له ﷺ عند تمام الأربعين، ولما قارب الأربعين بدأ ما يدل على أن الله جل وعلا سيختصه بأمر عظيم، فكان لا يمشي في طرقات مكة إلا ناداه الحجر والشجر: السلام عليك يا نبي الله، فيلتفت يميناً وشمالاً فلا يرى شخصاً ولا خيالاً فيتعجب ويمضي، وكان يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، فحبب إليه الخلاء، فكان يأخذ معه سويقاً وماءً وكان يتحنث الليالي ذوات عدد في غار حراء يتأمل في ملكوت الله، وكل هذا يمضي بقدر الله حتى أتم ﵊ رأس الأربعين. فلما أتمها جاءه جبريل بالوحي من الله ليعطيه أعظم شرف على الإطلاق وهو أنه خاتم النبيين، ولم يكن ﵊ قد رأى الملك من قبل لا في صورته الحقيقية ولا في غيرها، كان رجلاً من عامة الناس. وما بين هذه اللحظة وهذه اللحظة أصبح خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، جاءه الملك وقال: اقرأ، فقال: (ما أنا بقارئ) أي: لا أجيد القراءة. فالملك يردد الطلب، والنبي ﷺ يردد الإجابة، ثم قال له الملك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] الخمس الآيات الأول من سورة العلق. فنزل ﷺ يرجف فؤاده وتتسابق خطواته، يشكل عليه أمران، لذة المناجاة، والخوف والفزع الذي أصابه مما رآه لأول وهلة، فلما وصل إلى خديجة ﵁ وأرضاها أخبرها بما رأى فصدقته، فأصبحت خديجة أول هذه الأمة إيماناً برسولنا ﷺ ، فضمته وهو يقول: (دثروني دثروني، زملوني زملوني). ولما أخبرها الخبر كانت تعلم أن باطنه وظاهره سواء، فقالت: والله لا يخزيك الله أبداً، ثم هذا اليمين استدلت عليه بدلائل، قالت: إنك لتعين على نوائب الحق، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وأخذت تعدد ما تراه وما تشاهده من زوجها صلوات الله وسلامه عليه، وأنه أهل للنبوة ﵊، فلم تفاجأ أنه سينبأ لما علمت ﵂ وأرضاها وهي تعاشره وتخالطه ويأوي إليها من عظيم صفاته وجليل مناقبه التي فطره الله جل وعلا عليها قبل أن ينبأ. والإنسان إذا خاف يحتاج إلى شيء ثقيل يمسك جوارحه حتى تقل وحشته، فكانت بديهياً أن يقول: (زملوني زملوني دثروني دثروني) لأن الخوف بلغ به مبلغاً عظيماً، فدثرته خديجة فأنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] فأخذ ﷺ يدعو إلى ربه. ثم انقطع الوحي فترة لحكمة إلهية، ولما انقطع الوحي لفترة ذهب الخوف وبقيت لذة المناجاة، فأصبح ﷺ في أعظم الشوق للمناجاة، فلما جاءه الوحي مرة أخرى بالقرآن كان ﷺ في أكمل حال يبلغ رسالة ربه على أكمل وجه. ثم ذكر المصنف أنه عاش بمكة ثلاث عشرة سنة، وهذا هو الصحيح، وغيره شاذ لا يعول عليه، وفي المدينة عشر سنين بعد أن هاجر إليها صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 40

فرض الصلوات الصلاة أعظم فرائض الدين، وكان ﷺ يصلي قبل أن تفرض عليه الصلوات الخمس -على الأظهر- ركعتين قبل الغروب وركعتين قبل طلوع الشمس، وكان يصلي بين الركنين اليمانيين. فالإنسان إذا وقف بين الركنين اليمانيين واستقبل القبلة يصبح بيت المقدس أمامه، فيكون ﷺ في آن واحد قد جمع بين استقبال بيت المقدس لأنه شمال مكة، وما بين استقبال الكعبة، يعني: لم يجعل الكعبة وراء ظهره، فكان يصلي على هذه الحال. ثم فرضت عليه الصلوات الخمس في رحلة الإسراء والمعراج، ثم هاجر إلى المدينة فمكث فيها ستة عشر شهراً، ثم أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]. فولى النبي ﷺ وجهه شطر المسجد الحرام، وعلى هذا يفهم أن ما ينقل من أن النبي ﷺ لما أراد أن يبني المسجد جاءه جبريل فمحى ما بينه وبين مكة حتى رأى الكعبة فجعل القبلة عليها هذا غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما بنى المسجد كانت قبلته جهة الشمال، ولم تكن جهة مكة جهة الجنوب، وإنما بدل هذا بعد ستة عشر شهراً، لكن إن قيل: إن هذا حصل بعد التبديل ربما يكون له وجه من النظر.

стр. 41

هجرته ﷺ ثم هاجر ﷺ إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁ ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام، وأقام بالمدينة عشر سنين]. ذكر المصنف هنا هجرته ﷺ إلى المدينة، فالنبي ﵊ لما اشتد عليه أذى الكفار رأى رؤيا أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل، فظن أنها أرض هجر - الأحساء -، ثم استبان له ﵊ أنها المدينة، وهي ذات نخل بين حرتين، فهاجر إليها ﵊. والهجرة قصتها معروفة، لكن الذي يعنينا في الهجرة كدرس أن يعلم أن هناك أموراً تتعلق بكونه ﷺ يقتدى به، وأموراً تتعلق بكونه نبياً له مقام عظيم عند الله. فما كان يتعلق بكونه نبياً له مقام عند الله لا علاقة لنا به من حيث الاقتداء، وما يتعلق بكونه نبياً يقتدى به هذا الذي لنا علاقة به. وحتى تتضح الصورة فإن الله جلّ وعلا أسرى به في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به في نفس الليلة إلى السماوات السبع، وعاد به ليلتها، ولأنها رحلة لا يتعلق بها اقتداء جعلها الله جل وعلا رحلة خارجة عن نطاق البشر، وهي تتعلق برفيع مقامه، ولا نؤمر نحن بالعروج. أما الهجرة فتتعلق بكونه نبياً يقتدى به، فلما كان النظر إليه ﷺ هنا على أنه يقتدى به في هذا الأمر كانت الرحلة أمراً بشرياً بحتاً أخذ له ﷺ الأسباب التي يأخذها البشر عادة، فتخفى ووارى وخرج إلى الجهة التي لا يعتقد أنه سيخرج إليها، وجعل علياً مكانه على الفراش، واختفى في الغار ثلاثة أيام، وأمر من يمسح آثاره بعد صعوده إلى الجبل، ووضع له الطعام يذهب به إليه حتى لا يموت من الجوع، زاد مادي، وزاد معنوي مع الله، وجلس في الغار ثلاثة أيام، ثم مكث تقريباً أحد عشر يوماً في الطريق معه دليل كافر يدله على الطريق، ومعه مولى لـ أبي بكر يعينه في الطعام والشراب، ومعه صاحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه كلها أسباب مادية، ولو استغنى عن الأسباب أحد لاستغنى عنها رسولنا ﷺ . والناس في هذا الباب على ثلاث فرق: فرقة تترك الأخذ بالأسباب كلية وتقول: جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غياهبه الجنين وهذا باطل لا تدل السنة عليه. وفرقة لا تعرف الله أبداً، وإنما تنظر إلى الماديات، وهو ما تمليه العلمانية المعاصرة. وفرقة هداها الله للإيمان وإلى سنة نبيه ﷺ فتأخذ بالأسباب وتعتمد على الملك الغلاب جل شأنه، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه حتى يقتدي الناس به ﵊. هذه هي القضية الأولى. القضية الثانية بالهجرة: أن الولاة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانوا يكتبون لـ عمر فيرد عليهم حصل هذا في شعبان، حصل هذا في رمضان، حصل هذا في شوال، فكتبوا إليه إننا لا نفهم منك أي شوال تقصد، وأي شعبان تقصد، فلو جعلت شيئاً نؤرخ به. فاجتمع ﵁ مع الصحابة وتشاوروا في أن يختاروا حدثاً يؤرخون به، فنظروا إلى ثلاثة أمور، مولد النبي ﵊ وهجرته ووفاته، فأعرضوا عن المولد وأعرضوا عن الوفاة، واختاروا الهجرة، ورأوها أنها يوم فرق الله به بين الحق والباطل، وقامت بعدها دولة الإسلام، وكان هذا مشورة من علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأقره عمر، ثم أجمع المسلمون عليه. وهذا من أعظم الدلائل على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي. واستعانة النبي ﷺ بـ عبد الله بن أريقط - بالطاء على رواية وعبد الله بن أريقد بالدال على رواية - فيه دلالة على أن المؤمن يستعين بما يمكن الاستعانة به إذا احتاج إليه إذا كان المقصود نصرة دين الرب ﵎].

стр. 42

وفاته ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وقيل: خمس وستين. وقيل: ستين، والأول أصح. وتوفي ﷺ يوم الاثنين حين اشتد الضحى لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاستهلال شهر ربيع الأول. ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: ليلة الثلاثاء]. السن التي مات فيها ﷺ كانت ثلاثاً وستين، هذه هي الرواية الصحيحة، وتوجد روايات في الصحيح أنه كان ابن خمس وستين، لكن الصواب أن هذه رواية شاذة في متنها وإن كانت في أحد الصحيحين، قال هذا بعض العلماء. وقال بعضهم: إنه يمكن الجمع بأن العرب تتجاوز عن الكسر، لكن هذا القول يمكن قوله في رواية أنه مات ابن ستين سنة، يمكن أن نقول: من قال: إنه مات وهو ابن ستين لم يعد الكسر، أما على القول بأنه مات صلوات الله وسلامه عليه وهو ابن خمس وستين صلوات الله وسلامه عليه فلا يمكن تخريجها إلا أن ترد الرواية، لأنه لا يمكن الجمع بين القول بأنه مات وهو ابن ثلاث وستين وبأنه مات وهو ابن خمس وستين. وأكثر الروايات الصحيحة والتي دلت عليها الروايات المتعددة وقرائن كثر على أنه مات ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكانت مدة علته اثني عشر يوماً، وقيل: أربعة عشر يوماً. وغسله علي بن أبي طالب وعمه العباس والفضل بن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولياه، وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري]. هذا ما يتعلق بوفاته ﷺ ، واعلم أن الأمة لم تصب بشيء أعظم من وفاته ﵊، ولذلك قال: (تعزوا عن مصائبكم بمصيبتي). والحديث عن وفاته ﷺ يحرك القلوب ويثير الشجون، ولكنني ملزم بالحديث عنه وفق المتن، ثم أتكلم عن الحديث عنه إجمالاً ذكر المصنف رحمه الله تعالى الاختلاف في مدة مرضه ﵊، وذكر منها ثلاثة عشر يوماً أو أربعة عشر يوماً أو اثني عشر يوماً. والحق أن مدة مرض الوفاة عشرة أيام، وإن كان الأمر في هذا واسع بغير التحديد في بداية المرض، والمحفوظ أنه ﷺ كان أول ما اشتكى وهو راجع من جنازة من البقيع، شعر بصداع في الرأس وحمى أصابته معها، (ثم لما دخل بيته وجد عائشة قد عصبت رأسها تقول: وارأساه، قال: بل أنا وارأساه) هذا أول ما اشتكى المرض صلوات الله وسلامه عليه، وهذا في آخر صفر وأول ربيع الأول.

стр. 43

تغسيله ﵊ بعد موته ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الذين تولوا غسله ﵊ علي والعباس وقثم والفضل وشقران وأسامة بن زيد وحضره أوس بن خولي، هذا فيه تفصيل: الميت أولى الناس به أهل بيته، والنبي ﷺ تولى أهل بيته وعصبته من بني هاشم أمر غسله، والذي باشر الغسل مباشرة علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أسند النبي ﷺ وهو ميت إلى صدره. والذي كان يقلب النبي ﵊ لـ علي ثلاثة: عمه العباس وابنا العباس قثم والفضل. والذي كان يصب الماء أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وشقران - واسمه صالح -، وسيتكرر شقران هذا مرة باسمه ومرة بلقبه، اسمه صالح ولقبه شقران مولى النبي ﷺ . وقبل أن يشرع علي ﵁ في غسل نبينا ﷺ ناداه أوس بن خولي من بني عمرو بن عوف من الخزرج من خلف الدار: يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله ﷺ إلا أدخلتني أشهد غسله، فوافق علي ﵁ لأن زمام الأمر بيده وبيد بني هاشم؛ لأن القضية الآن قضية عصبة وليست قضية صحبة، ولذلك لم يتول غسله أبو بكر ولا عمر. فأذن علي لـ أوس أن يدخل ويجلس دون أن يباشر غسل النبي ﵊، فـ أوس شهد الغسل لكنه لم يشارك فيه، شهده رغبة منه ﵁ وأرضاه أن يحظى بأن يكون ممن يشهد غسل نبي الأمة ﷺ . وإن الذي باشر الغسل علي فقط، وقثم والفضل وأبوهم العباس يقلبون النبي ﵊، وشقران وأسامة يصبان الماء، وعلي مسند رسول الله إلى صدره من غير تجريد من ثيابه، وبيده خرقة يغسل بها النبي ﵊ وهو يقول: ما أطيبك يا رسول الله حيّاً وميتاً. هذا ما ذكره المصنف في غسل نبينا ﷺ .

стр. 44

تكفينه والصلاة عليه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول -بلدة باليمن- ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه المسلمون أفذاذاً، لم يؤمهم عليه أحد]. ذكر المصنف أنه لما فرغوا من غسله كفنوه، وكفن ﵊ في ثلاثة أثواب سحولية -وهي بلدةٌ في اليمن-، والثياب كانت من قطن، ولذلك جاءت في بعض الروايات أنها من كرسف، والكرسف هو القطن. فكفن ﵊ في ثلاثة أثواب، أدرج فيها إدراجاً دون أن يخلعوا ما كان عليه من ثياب، ثم شرع المسلمون يصلون عليه، والناس الآن يصلون على الميت جماعة خلف إمام كما صلى النبي ﵊ على أموات المسلمين في حياته، صفهم لما صلى على النجاشي، وصفهم لما صلى على غيره، لكن الصحابة ﵃ لم يصلوا على النبي ﵊ خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذاً بمعنى أفراداً، كل شخص يصلي عليه لوحده من غير إمام. والروايات جملة تدل على أن أول من صلى عليه عمه العباس لكونه كبير بين هاشم وعم النبي ﷺ ، ثم أخذوا يصلون عليه عشرة عشرة، فصلى عليه أول الأمر بنو هاشم آله ﵊، ثم صلى عليه المهاجرون، ثم صلى عليه الأنصار، ثم صلى عليه باقي الناس، ثم صلى عليه النساء ثم الصبيان، وقيل: الصبيان ثم النساء. والمقصود أنهم لم يصلوا عليه خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذاً أفراداً، وهذا أمر متفق عليه. واختلف العلماء في العلة التي من أجلها صلى الصحابة على نبيهم ﷺ بهذه الطريقة، وقد قيل: إن هذا من باب التعبد الذي لا يعقل معناه، وأجمل الأجوبة التي قيلت ما قاله الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀: إن الصحابة صلوا على النبي ﷺ أفذاذاً لعظيم قدره؛ ولأنه لا يمكن أن يأمهم عليه أحد لتنافسهم على ذلك. يعني: استعظموا أن يأمهم أحد على صلاتهم على نبيهم ﷺ لعظيم قدره. هذا تعليل الشافعي ﵀، وقال غيره - ولا تعارض بين تعليل الشافعي وتعليل غيره -: حتى تكثر الصلاة عليه لكثرة من يصلي عليه أفراداً، فتكثر الصلاة عليه جماعة بعد جماعة، عشرةً بعد عشرةً، كلهم يصلي عليه فرداً فرداً. هذا من إكثار الصلاة عليه ﵊. وقيل: حتى تكون الصلاة فردية من المصلي عليه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 45

سلسلة السيرة النبوية [فصل في غزواته ﷺ ] غزا رسول الله ﷺ بنفسه خمساً وعشرين غزوة، وأعظم غزوة بدر الكبرى، حيث فرق الله بها بين الحق والباطل، وقد انهزم أصحاب النبي ﵊ في غزوة أحد، وذلك بسبب معصية بعضهم، وقد عفا الله عنهم، ومن الغزوات العظيمة غزوة خيبر والأحزاب وفتح مكة، وفي دراسة غزوات النبي دروس كثيرة وعبر عظيمة وفوائد جمَّة.

стр. 46

فوائد مختصرة الحمد لله خالق الكون بما فيه، وجامع الناس في يوم لا ريب فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصراً وأولهم وأرفعهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا ثالث الدروس العلمية التي نتفيأ من خلالها السيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا ﷺ عبر متن علمي هو الدرة المضيئة للإمام المقدسي رحمه الله تعالى. وقد سبق أن تحدثنا عن وفاته وأولاده صلوات الله وسلامه عليه، وذكرنا أنه ﵊ توفي عن ثلاثة وستين عاماً، قضى منها بعد بعثته ثلاثة وعشرين عاماً، ثلاثة عشر منها في مكة وعشر سنين في مدينته صلوات الله وسلامه عليه. ومن المسائل التي طرحناها أنه نقل نقلاً صحيحاً أنه وضع تحت جسده في قبرة قطيفة حمراء، وضعها شقران واسمه صالح مولاه صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا: إن من العلماء من قال بكراهة هذا الأمر، فإن قيل: إن هذا اختاره الله جل وعلا لنبيه ﷺ ، والله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، ف الجواب أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه. كما ذكرنا من المسائل: أن الصحابة ﵃ صلوا عليه صلوات الله وسلامه عليه صلاة الميت أفذاذاً بمعنى: أفراداً ولم يؤمهم أحد، وقلنا: إن لأهل العلم أجوبة عن سبب هذا من أظهرها: ما أجاب به الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمة الله عليه، وهو أنه لعظيم قدره ﷺ وتنافسهم على الصلاة عليه. وقيل: إنه من باب التعبد الذي لا يعلل، وهذا أبعد الأجوبة. وقيل: لكثرة الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه، حيث إنهم إذا لم يصلوا عليه مرة واحدة فإن هذا يكثر الصلاة عليه. وذكرنا أولاده من البنين والبنات، وذكرنا أن كلمة الولد تطلق في اللغة على الذكر والأنثى، كما في قوله جل وعلا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] فجمع الأولاد ثم فصل جل وعلا فأدخل الذكر والأنثى في مسمى الأولاد. وقد بينا أنه ﷺ له من البنين ثلاثة، ومن البنات أربع، وأن جميع أولاده توفوا قبله إلا فاطمة توفيت بعده بستة أشهر ﵂ وأرضاها، وقد كان أخبرها يوم وفاته أنها أول أهله لحوقاً به. وذكرنا أن دفنه ﷺ في الموضع الذي مات فيه أحد خصائص الأنبياء، ومن باب الفوائد ذكرنا ستة أشياء من خصائص الأنبياء، منها أنهم يدفنون حيث يموتون، وتنزل الوحي عليهم وهو أعظم خصائصهم، وأنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، وأنهم يخيرون عند الموت، ورعي الغنم، وأن الأرض لا تأكل أجسادهم.

стр. 47

غزوات النبي ﵊ قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في غزواته: غزا رسول الله ﷺ بنفسه خمساً وعشرين غزوة، هذا هو المشهور، قاله محمد بن إسحاق وأبو معشر وموسى بن عقبة وغيرهم، وقيل: غزا سبعاً وعشرين، والبعوث والسرايا خمسون أو نحوها، ولم يقاتل إلا في تسع: بدر وأحد والخندق وبني قريظة والمصطلق وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف، وقد قيل: إنه قاتل بوادي القرى وفي الغابة وبنو النضير]. ذكر المصنف رحمه الله تعالى غزواته ﷺ ، والفرق بين الغزوة والسرية: أن الغزوة يقودها النبي ﷺ بنفسه، أما السرية أو البعث فهو ما يبعثه النبي ﵊ ويجعل عليه قائداً من الصحابة دون أن يكون معهم. فالمعركة التي يحضرها صلوات الله وسلامه عليه هذه غزوة، والتي لا يحضرها وإنما يبعث بعثاً تسمى سرية أو بعثاً وكلاهما بمعنى متقارب، ولا يكون ﷺ مشاركاً فيها. ومعلوم أن المصنف يذكر هذه الأمور وهي واضحة، فلا ينبغي لمن يتولى الشرح أن يكرر ما يقوله صاحب المتن؛ لأن هذا لا يسمى شرحاً، وإنما نذكر ما وراء هذا المتن فنقول: هذه الغزوات من أعظم الدلائل على جهاده بالسنان كما جاهد باللسان صلوات الله وسلامه عليه، فقد قاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، والعدد الذي ذكره المصنف عدد تقريبي قد يزيد قليلاً وقد ينقص قليلاً، وهي في جملتها تدل على ما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه من جهاد في سبيل إعلاء دين ربه ﵎. والنبيون الذين قبله ﵊ لم يكن الجهاد مشروعاً لديهم، وإنما شرع الجهاد، من موسى فما بعد، أما قبل موسى فلم يكن الجهاد مشروعاً، وإنما كان النبي يدعو قومه فيختلفون فيه إلى فريقين، ويكون أكثرهم غير متبعين، وقليل منهم متبع للنبي، ثم إن الله يهلك من لم يتبع ذلك النبي فينتهون، كما أهلك الله ثمود، وأهلك الله عاداً، وأهلك الله قوم نوح، وأهلك كثيراً من الأمم دون أن يكون هناك جهاد بين النبي وأتباعه من المؤمنين مع أولئك الكفار، وإنما شرع الجهاد في شريعة موسى كما قال الله جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١]. وشرع الجهاد في عهد الأنبياء من بني إسرائيل وعيسى بن مريم، ثم جاء نبينا ﷺ فشرع الجهاد بعد هجرته ﵊ إلى المدينة.

стр. 48

أعظم الغزوات رءوس الغزوات وأعظمهن وأصولهن سبع، وهن على الترتيب: بدر وأحد والأحزاب وتسمى بالخندق، وخيبر وفتح مكة وحنين وتبوك، وهذا على ترتيب وقوعها التاريخي. وهذه الغزوات ورد ذكرها في القرآن، ذكر الله بدراً في الأنفال، وذكر أحداً في آل عمران، وذكر حنيناً في التوبة، وذكر فتح خيبر في الحشر، فكل هذه السبع نص القرآن عليها أو أشار إليها.

стр. 49

غزوة بدر الكبرى من الفوائد العلمية: أن غزوة بدر إذا أطلقت يراد بها: بدر الكبرى، وإلا فبدر على التحقيق ثلاث: بدر الصغرى وبدر الكبرى وبدر الموعد. فأما بدر الصغرى فقد كانت على رأس ثلاثة عشر شهراً من الهجرة، جاء رجل يقال له: كرز بن جابر الفهري فأغار على سرح المدينة فتبعه النبي ﷺ إلى واد يقال له: وادي سفوان، وهو قريب من بدر. فهذه عند بعض أهل السير تسمى بدر الصغرى. أما بدر الكبرى فغنية عن التعريف، وهي الموقعة المشهورة التي وقعت عند ماء بدر في شهر رمضان، والتي أسماها الله جل وعلا بيوم الفرقان. أما بدر الموعد وهي غير المشهورة، فهذه ذكرها ابن إسحاق فقال: إن النبي ﷺ واعده أبو سفيان يوم أحد بحرب في العام القادم، فخرج النبي ﷺ إلى بدر في العام القابل إتماماً للموعد، ولكن أبا سفيان خرج وفي بعض الطريق رجع محتجاً بأن ذلك العام عام جدب، فلم يقع فيها قتال، لكن نحن نذكرها من باب السرد التاريخي، فيتحرر من هذا: أن بدراً تطلق على ثلاث غزوات: بدر الصغرى وبدر الكبرى وبدر الموعد.

стр. 50

هدي النبي ﵊ في غزواته هذه الغزوات كل منها كان يحمل حدثاً بعينه ينبئ عن عظيم قدره وعظيم جهاده وما الذي يقتدى به ﷺ . فمثلاً: في يوم بدر قال ﵊: (امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين)، وكان يقصد بإحدى الطائفتين إما العير التي كانت مع أبي سفيان، وإما النصر على قريش إذا حاربها، قال الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فقد كان مطمع المسلمين في العير، ومع ذلك فإنه ﵊ قام ليلة بدر في العريش يدعو ويرفع يديه ويذكر الله ويثني عليه ويلح عليه في الدعاء حتى أشفق عليه أبو بكر مع علمه ﷺ أنه سينتصر، فإنه قال لأصحابه وهو الصادق المصدوق: (إن الله وعدني إحدى الطائفتين) وقلنا: إن إحدى الطائفتين إما العير وإما النصر، والعير فلتت ومضت، خرج بها أبو سفيان ونجت، فأصبح لا محالة أنه سينتصر، ومع أنه يعلم يقيناً أنه سينتصر إلا أنه وقف ﷺ يدعو، فلماذا وقف يدعو؟! هذا أعظم ما دلت عليه غزوة بدر من فوائد، فقد وقف يدعو حتى يحقق كمال التوحيد لربه جل وعلا، ويظهر من نفسه كمال العبودية لربه جل وعلا، فأظهر ﷺ في يوم بدر كمال العبودية لله والتضرع وسؤال الله، وهو يعلم ﵊ يقيناً أنه منتصر؛ لأنه قال لأصحابه قبل أن يصل إلى العريش: (امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين). فهو متحقق من وعد الله له لكنه فعلها ليظهر عبوديته لربه جل وعلا، وهذا أحد أعظم أسباب علو شأنه على جميع الخلق صلوات الله وسلامه عليه. وفي يوم أحد شج رأسه وكسرت رباعيته فقال: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟!) فأنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، وكان الأمر كما أراد الله، فبعض من شهد أحداً مع أهل الإشراك أسلم بعد ذلك وكان مدافعاً عن الدين، فالقلوب بيد الله والإنسان لا ييأس من أحد وهو يدعوه، بل يدعو من حوله إلى دين الرب ﵎. ومن الفوائد: تواضعه ﷺ يوم دخل مكة، فقد دخلها مطأطئاً رأسه وعلى رأسه المغفر تواضعاً لربه جل وعلا، والعظماء إذا سادوا وحققوا مرادهم يظهرون لله جل وعلا تواضعهم حتى يعلم من حولهم بلسان الحال فضلاً عن لسان المقال أنهم نالوا ما نالوا بما أعطاهم الله ﵎ إياه.

стр. 51

غزوة وادي القرى والغابة وبني النضير ذكر المصنف في آخر هذا الفصل أنه قيل: إنه ﵊ قاتل في غزوة وادي القرى والغابة وبني النضير. وادي القرى واد بين تيماء وخيبر، وخيبر أقرب إلى المدينة من تيماء، وهو ما بين خيبر وتيماء، وسمي بوادي القرى لكثرة القرى التي فيه، وهي معركة حصلت بعد غزوة خيبر، هذا ما يتعلق بوادي القرى. أما الغابة فهو مكان غير بعيد عن المدينة، جاء في سيرة ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث سرية إليها. أما بنو النضير فإنهم إحدى قبائل اليهود التي كانت تسكن المدينة، وأجلاهم النبي ﷺ عنها في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة.

стр. 52

كتّابه ورسله ﵊ قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في كتابه ورسله. كتب له ﷺ : أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان معاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت ألزمهم لذلك، وأخصهم به]. بعد أن ذكر المصنف ﵀ بعضاً مما يشير إلى غزواته صلوات الله وسلامه عليه، أشار إلى من كان يكتب له ﵊، وهذا يسوقنا إلى مسألة مهمة وهي: أن الله جل وعلا بعث نبيه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش ﵊ لا يقرأ ولا يكتب أربعين عاماً قبل النبوة، وهذا لحكمة أرادها الله حتى لا يأتي أحد ويقول: إن هذا النبي حصل على ما حصل عليه من قرآن لمعرفته بأخبار الأمم السابقة، وهذا أكد القرآن عليه كثيراً، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]. وقال الله جل وعلا: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]. فالنبي ﵊ حفظه الله من أن يقرأ ويكتب قبل النبوة حتى لا يتسلط أحد عليه ويكون عذراً لأحد ممن يعترض على دينه بحجة أنه ﵊ كان يجيد القراءة، قال الله عن أهل قريش في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] أي: طلب من غيره أن يكتبها له، ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان:٥] أي: طلب من غيره أن يكتبها له، فرد الله جل وعلا عليهم ذلك كله كما هو ظاهر في القرآن. فلما كان الله قد حفظ نبيه من هذا جعل له كتبة، والشيء الذي لا يحسنه الإنسان يكله إلى غيره، وليس هذا بنقص فيه، بل هذا من مقومات كمال الأمر، والنبي ﵊ هو رأس الملة وإمام الأمة وهو يقود الناس، وقد شرع الله جل وعلا، واتخذ كتبة يعينونه على أمره ﵊ فيكتبون الوحي الذي ينزل من السماء، ويكتبون كتبه التي يبعثها إلى غيرهم، ويكتبون بعض الأحكام كما في كتاب عمرو بن حزم. والكتابة قام بها ثلة من الصحابة؛ لأن العرب كانت في الغالب أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فالذين كانوا يكتبون من الصحابة قليلاً، منهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كلهم كانوا كتبة، وكان هناك بعض الصحابة جمع المزيتين: كان خطيباً للنبي ﵊ وكان كاتباً كما هو شأن ثابت بن قيس. وكان من هؤلاء الكتبة من هو متميز كما يوجد في الطلاب أو في الوزراء أو في المساندين لأي حاكم قوم مميزون، فكان زيد بن ثابت ﵁ أميز الصحابة في الكتابة، وتعلم لغة اليهود، وهو الذي طلب منه الصديق رضي الله تعالى عنه والفاروق بعد ذلك أن يجمع القرآن. فهؤلاء ﵃ وأرضاهم ثلة من الصحابة كانوا مع النبي ﷺ ، وهذا دليل على أن العاقل يتخذ من أسباب العصر الذي يعيش فيه ما ينفعه في أموره، خاصة تلك التي تتعلق بشئون الدعوة.

стр. 53

مراسلة النجاشي ملك الحبشة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري رسولًا إلى النجاشي واسمه أصحمة، ومعناه عطية، فأخذ كتاب رسول الله ﷺ ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض، وأسلم وحسن إسلامه، إلا أن إسلامه كان عند حضور جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وصح أن النبي ﷺ صلى عليه يوم مات، وروي: أنه كان لا يزال يرى النور على قبره]. هذه المرحلة تسمى طوراً جديداً في الدعوة إلى الله جل وعلا، وهذا الطور وقع بعد صلح الحديبية، كان القرشيون يمثلون الوثنية في جزيرة العرب، وكان اليهود يمثلون بطبيعة الحال اليهودية، وكانت القوى الثلاثة التي تحارب الإسلام ثلاثة: اليهود وقريش وغطفان. فلما صالح النبي ﷺ قريشاً في صلح الحديبية انكسرت شوكة الوثنيين فتفرغ ﷺ للدعوة عموماً، والله يقول عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، يقول ﷺ : (وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) فكان هذا كله يتطلب طوراً جديداً ومرحلة دعوية، والنبي ﵊ لم يبدأ بهذا الطور قديماً مع الحاجة إليه، لكن المسلم العاقل لا يقيم الإسلام في غيره حتى يقيمه في نفسه. فلما شكل ﷺ وأقام دولة الإسلام وتخلص من خصومه القريبين تفرغ للدعوة إلى الله جل وعلا، والعاقل لا يستعدي الناس عليه في يوم واحد، ولا يكون جبهات متعددة تحاربه لأن هذا أدعى لأن يخسر ويفشل، لكن العاقل يؤمن بالمرحلية في حياته، ويؤمن بالواقع الذي يعيشه، فهو ﵊ لم يخاطب كسرى ولا قيصر ولا تبابعة اليمن ولا غيرهم حتى كسر شوكة قريش، كسر شوكتها بصلح الحديبية على أن يستمر الناس عشر سنين ليس بينهم حرب، فلما توقفت الحرب كان هذا هو الفتح العظيم الذي بشر الله به نبيه يوم انصرف من الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فكان ذلك سبباً في أن يتهيأ ﷺ ليخاطب الآخرين غير جماعته وعشيرته الأقربين الذين أمر أن يبدأ بهم أولاً وهم قريش الذي هو منهم صلوات الله وسلامه عليه. وهو ﵊ كما دعا إلى الله بالسنان كما مر معنا في غزواته دعا باللسان، واتخذ الأسباب المشروعة في الدعوة التي توافق عصره آنذاك، فلما أخبره الصحابة أن الملوك والسلاطين والأمراء لا يقبلون إلا كتاباً مختوماً لم يعاند وإنما اتخذ ﵊ خاتماً من فضة، وجعل نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله كما في البخاري وغيره.

стр. 54

أدب الرسول مع ربه جعل النبي نقش خاتمه كلمة محمد أسفل وكلمة رسول في الوسط، وكلمة الله التي هي لفظ الجلالة في الأعلى، فأصبح يقرأ من الأدنى: محمد رسول الله، فحتى في نقش خاتمه تأدب ﵊ مع ربه جل وعلا، ولا يوجد أحد تأدب مع ربه ﵎ كما كان نبينا ﵊ متأدباً مع ربه، وهذا من أسباب كثيرة أفاءها الله عليه جعلته أعظم النبيين وأكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه. ولما عرج به إلى سدرة المنتهى لم يلتفت يميناً ولا شمالاً ولم ينظر في أي شيء إلا وفق ما يريه الله، فما أراه الله رآه ولما لم يره الله لم تتحرك منه جارحة واحدة من غير أن يؤذن له، ولذلك زكى الله بصره في القرآن فقال الله في سورة النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] أي: لم يتجاوز حدوده. وكان ﵊ في كل حاله وآنه متأدباً مع ربه جل وعلا، وأنت إذا تريد الرفعة فالرفعة لها أسباب من أعظمها: الأدب مع الله جل وعلا، وما أورث أنبياء الله ورسله الناس شيئاً أعظم من أدبهم مع الله. قال الله عن خليله إبراهيم وهو يعرف ربه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٨٠]، فلما ذكر المرض نسبه إلى نفسه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] ولم يقل: وإذا أمرضني تأدباً مع ربه ﵎، ثم قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١] وكل ذلك من كمال أدبهم مع ربهم جل وعلا. ونبينا ﷺ كان يخطب في صلاة الجمعة فدخل رجل يشتكي جدب الديار وقلة الأمطار وقال: يا رسول الله! استسق الله لنا، فرفع ﷺ يديه وهو يقول: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) فتكونت سحابة بأمر الله وأمطر الناس أسبوعاً، ثم في يوم الجمعة المقبلة دخل رجل هو أو غيره من نفس الباب فقال: يا رسول الله! وشكا كثرة السيول وأنها قطعت السبل، وفرقت الناس، وأضرت بالطرق، وقال: فادع الله أن يمسكها عنا، فلكمال أدبه قال في المرة الأولى: (اللهم أغثنا). وفي المرة الثانية لم يقل ﷺ لربه: أمسك عنا رحمتك؛ لأنه يعلم أنها رحمة، بل قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر وجعل يشير بيديه، قال أنس: فو الله ما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها) صلوات الله وسلامه عليه. وهذا الأدب يغفل عنه كثير من الناس، وهو التأدب مع الله، وكما حظي به النبيون حظي به الأتقياء عبر التاريخ كله، قال الله عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فلما ذكروا الرشد نسبوه إلى الله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، ولما ذكروا الشر نسبوه إلى ما لم يسم فاعله كما يقول النحويون، قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠] ولم ينسبوه إلى الله، مع أن الله خالق الخير وخالق الشر. وكذلك الخضر ﵇ لما ذكر السفينة وعيبها قال كما أخبر الله عنه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] أسند العيب إلى نفسه، ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٧٩ - ٨١]. فلما ذكر الزكاة والرحمة نسبها إلى الرب، قال: فأراد ربك، ولم يقل: فأردت، ولما ذكر العيب نسبه إلى نفسه: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، وهذا كله مندرج ضمن أدب رسولنا ﷺ مع ربه، وهو أعظم ما ينقل عنه ويتأسى به صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 55

هدي الرسول في اختيار الرسل نعود إلى فقه الواقع الذي كان عليه صلوات الله وسلامه عليه، كتب الكتب وبعث بها إلى الملوك والزعماء يدعوهم إلى الله ويبلغ رسالة ربه، وهو في كل رسالة يبعثها يختار من يحملها، والعاقل يدل على عقله ثلاثة أشياء: هديته وكتابه ورسوله، بمعنى: أنه لو أتاك خطاب من أحد أو مرسول من أحد أو هدية من أحد فإن الكتاب والهدية والمرسول تدلك على عقل من بعثها، لذلك كان ﷺ يختار قوماً معينين من أصحابه ليبعثهم إلى الملوك والرؤساء بما يوافق حال هؤلاء الملوك، لأنه ليس المقصود التجبر والتكبر وإنما المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً. وممن بعث إليه النجاشي، والنجاشي لقب يطلق على من ملك الحبشة، واختلف في النجاشي الذي بعث النبي ﷺ إليه عمرو بن أمية إليه، هل هو النجاشي الذي هاجر إليه المهاجرون الأوائل، أم هو غيره؟ وقال بكل قوم من العلماء، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه غير النجاشي الأول كما يدل عليه حديث أنس، والله تعالى أعلم.

стр. 56

أسماء رسل النبي ﵊ إلى الملوك والأمراء قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم واسمه هرقل، فسأل عن النبي ﷺ وثبت عنده صحة نبوته فهم بالإسلام، فلم توافقه الروم، وخافهم على ملكه فأمسك. وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، فمزق كتاب النبي ﷺ وقال النبي ﷺ : (مزق الله ملك) فمزق الله ملكه وملك قومه. وبعث رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس ملك الإسكندرية ومصر، فقال خيرًا وقارب الأمر ولم يسلم، فأهدى إلى النبي ﷺ مارية القبطية وأختها سيرين، فوهبها لـ حسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حسان. وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ملكي عمان جيفر وعبد ابني الجلندي، وهما من الأزد، والملك جيفر فأسلما وصدقا، وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل عندهم حتى توفي رسول الله ﷺ . وبعث رسول الله ﷺ سليط بن عمرو العامري إلى اليمامة إلى هوذة بن علي الحنفي فأكرمه وأنزله، وكتب إلى النبي ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا خطيب قومي وشاعرهم فاجعل لي بعض الأمر، فأبى النبي ﷺ ولم يسلم، ومات زمن الفتح. وبعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء من أرض الشام، قال شجاع: فانتهيت إليه وهو بغوطة دمشق، فقرأ كتاب النبي ﷺ ثم رمى به، وقال: إني سائر إليه وعزم على ذلك، فمنعه قيصر. وبعث رسول الله ﷺ المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث الحميري أحد مقاولة اليمن. وبعث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين، وكتب إليه كتابًا يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وصدق. وبعث رسول الله ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل الأنصاري ﵄ إلى جملة اليمن داعيين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن وملوكهم طوعاً من غير قتال]. ذكر المصنف ﵀ جملة ممن بعثهم النبي ﷺ إلى ملوك وأمراء ذلك العصر، وهذا فيه دلائل من أهمها ما قدمناه مما بذله ﷺ لتبيين الدعوة إلى الله. وفيه فضيلة أصحاب محمد ﵊، وأنهم حملوا تلك الكتب والرسائل وأوصلوها إلى أولئك الملوك غير مبالين من أن يقتلوا، قاطعين الفيافي والصحراء والجبال ليشاركوا في تبليغ دعوة الرب ﵎.

стр. 57

أهمية الدعوة إلى الله بالحكمة الأمر المهم في القضية كلها: حاول أن تربط بين هذا الذي سمعته وبين واقع المسلمين اليوم، والأحداث هي الأحداث، وإنما يختلف الناس فقط. أولئك الزعماء تعاملوا مع الخطاب النبوي تعاملاً متبايناً متفاوتاً، فلم يتعاملوا جميعاً تعاملاً واحداً، منهم من قبله وجعله بين عينيه وأسلم، ومنهم من أسلم من غير تقبيل، ومنهم جبار عنيد مزقه، ومنهم من حاول أن يسوس الناس الذين عنده ليعلم هل يوافقونه أو لا يوافقونه، فلما غلب على ظنه أنهم لا يوافقونه خاف على ملكه، ومنهم من لم يقبل الإسلام لكنه تأدب مع النبي ﷺ وبعث له بهدية، ومنهم أقوام ليست لهم قوة آنذاك كجملة اليمن فبعث إليهم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل، وقد توفي النبي ﷺ ومعاذ في اليمن، فـ معاذ لم يشهد وفاة النبي صلى لله عليه وسلم في المدينة. والآن العالم الإسلامي الذي نعيشه نظرة غير المسلمين من حكومات وشعوب إلى المسلمين هي نفسها تماماً نظرة الأوائل في ذلك الزمان، فلا يعقل أن يكون جميع زعماء العالم وشعوب العالم نظرتها إلى الإسلام اليوم نظرة واحدة، فهناك من يحارب، وهناك من يستحيي، وهناك من يود أن يدخل فيه لكنه غير قادر، وهناك من يدخل في الدين، فيتفاوت الناس. فالمسلم العاقل لا يستعدي عليه الناس، ويتعامل مع من حوله بذكاء حتى يحقق مصالحه، لا يهدم الأمر على قومه وعلى نفسه وعلى عشيرته فيضيع الأمر كله أو يتخبط الناس فيه. كان النبي ﷺ ينتهز فرصة من حوله فيبعث ذلك الخطاب الذي يسترق به الناس، والله جل وعلا بعث موسى وهارون إلى أعظم الجبابرة في عصره وقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. فالمسلمون أعظم ما يقتبسونه من السنة أن يعقلوا كيف كان النبي ﵊ حريصاً على أن يدعو الناس. النبي ﵊ ذكر الأنبياء، ثم قال: (وإني لأرجو الله أن أكون أكثرهم تابعاً) فأعظم رغبة له ﵊ أن يكون أكثر الأنبياء استجابة، يعني: أكثر الأنبياء استجابة. وهذا لا يتحقق إلا بالدعوة. فالعاقل الذي يريد أن يحقق الرغبة النبوية يسهم في الدعوة إلى الله بالحكمة لا بالتنفير من الدين، وقد قلنا: إن النبي أخر مسألة دعوة الملوك حتى يقيم الإسلام في المسلمين، وأنت لن تقيم الإسلام في غيرك حتى تقيمه في نفسك. أما قضية التعامل بالمثل فهذه قضية خاطئة، أنت قدم الإسلام كما هو الإسلام ولا تقدم الإسلام كما يريد الأعداء أن يروه، قدم الإسلام كما قدمه الله جل وعلا لنا، مثلاً: عندنا في المدينة للأسف تسكن طائفة معينة من غير أهل السنة، وكنت قديماً أعمل في الإشراف التربوي، مشرفاً على المدارس، فيأتيك معلم يسبهم ليل نهار ويفعل أموراً لا تليق، يقول: والله يا فلان -يخاطبني- ما استجابوا، ما آمنوا، ما تركوا البدعة. من الذي تقابله ويمد يده ليسلم عليك فتسحب يده وتبصق في وجهه وترميه، ولا تهنئه بشيء ولا تعزيه إذا مات أحد ثم تريده أن يدخل في هذا المبدأ الذي تدعو إليه؟! لا يوجد عاقل يتبعك وأنت على هذه الحال، لكن قدم الإسلام كما جاء به الله جل وعلا على لسان رسوله ﷺ فيدخل الناس في دين الله أفواجاً. أما أنا أمد يدي لأصافحك وأنت تسحبها، وتقابلني بالشتم، وأرزق المولود ولا تهنئني، ويموت لي ميت ولا تعزيني ثم تقول لي: ادخل في السنة التي أنا أتبعها، أنت لن تقدم السنة كما قدمها نبينا ﷺ . وهذا مرض في القلب. النبي ﵊ بعث علياً في حربه مع اليهود، واليهود في حصونهم يحاربونه وغدروا به وأعطوه شاة مسمومة، والله لعنهم في القرآن، ومع هذا يقول النبي ﷺ لـ علي: (فادعهم إلى لا إله إلا الله، فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ولم يقل له: لو قتلت يهودياً تدخل الجنة، قال له: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). فالدعوة إلى الله ﵎ مقدمة على كل شيء، والإنسان الذي يتبع هدي محمد ﷺ أول أمر ينزع الهوى الذي في قلبه والرغبات الشخصية ويرميها وراء ظهره، ثم يجعل نهج محمد ﷺ بين يديه، هذا هو المحك الحقيقي في اتباع السنة، أما أن تأتي الإنسان وتسأله: أنت مسلم أو كافر؟ فإن قال: أنا كافر، تقتله وتمضي! هذا لا يمكن أن يأتي به محمد ﷺ عن ربه، قال الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. انصرف ﷺ من بدر وهو منتصر فقال بعض الصحابة من الأنصار: إن وجدنا إلا عجائز صلعاً، يقصد كفار قريش. فقال ﷺ : (على رسلك يا ابن أخي! أولئك الملأ لو أمروك لأجبتهم) أي: أنهم أشراف الناس، فلم ينقص قدرهم ﷺ ، فكان يدعو إلى دين الله جل وعلا. حارب النبي ﵊ من حال بينه وبين أن يدعو إلى الله، وهذا هدي الأنبياء من قبل، موسى يقول: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان:٢١] أي: لا تمنعوني أن أدعو الله، فما أحوج المسلمين اليوم إلى من يفقه الدعوة النبوية التي جاء بها محمد ﷺ عن ربه. فهؤلاء الرسل يقطعون الفيافي يبلغون رسالات الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا لا يعني أن يترك الجهاد، فالجهاد ذروة سنام الإسلام، لكن كما قلت: حارب الرسول من وقف بينه وبين أن يدعو إلى الله جل وعلا، هؤلاء هم القوم الذين حاربهم رسول الله ﷺ ؛ ولذلك كان الصحابة كـ أبي بكر وغيره يتركون الرهبان الذين في الكنائس وفي الدير، ويمنع الناس أن يتعرضوا لهم، يقول: لا تتعرض لهم؛ لأن هؤلاء مشغولون بما هم فيه، لا يمنعونك من أن تدعو، ادع إلى الله كما شئت فهم لا يمنعونك، يتركونك تدعو، فلم يتعرض لهم المسلمون. والمقصود من هذا كله: أن الوضع المعاصر يفرض على من يعقل من علماء المسلمين أن يقول الحق، ولا يلتمس في كلامه رغبة الناس، وهذا من أعظم أخطائنا في الصحوة، إذا جئت تتكلم لا ينبغي أن تقول ما يريده الناس، ينبغي أن تقول ما هو مراد الله؛ لأن العلماء هم الذين يقودون العامة، وليس العامة هم الذين يسيرون أقوال العلماء، هذه الكلمة يقولها النقاد السينمائيون: ما يريده الجمهور، هذا عند شباك السينما، أما هنا في شرع الله جل وعلا فليس الأمر متروكاً لي ولا لك، هذا نور أتى به محمد ﷺ من ربه فنبلغه كما بلغه نبينا ﷺ ، بلغه بالسنان، بالقتل لمن حرمه أن يبلغ دين ربه، وبلغه باللسان والحكمة والموعظة الحسنة مع من لم يتعرض لدعوته لربه جل وعلا، حتى قال العلماء: إن النبي ﵊ أقر من أسلم من الملوك على ملكهم، ولم يبعث الصحابة ليقولوا الملك حتى لا يفتنوا، ترك الملوك والرؤساء الذين أسلموا على ملكهم؛ لأن المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً، وليس المقصود أن يأتي أحد الصحابة فيرث تلك الأرض ويصبح زعيماً على تلك الطائفة، المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً، وأنت ستكون عظيماً إذا كنت سبباً في دخول الناس إلى دين ربك جل وعلا.

стр. 58

موقف كسرى من كتاب النبي ﵊ كسرى مزق الكتاب فقال ﷺ : (مزق الله ملكه). وقيصر ما قبل الإسلام لكن ما دعا ﷺ عليه بذلك، والآن انظر إلى الواقع، لا يوجد ملك كسروي كافر، ويوجد ملك للروم كافر، قال ﷺ : (مزق الله ملكه) فانتهى ملك الفرس، وبقي ملك الروم كما هو. ولماذا لم يدعو عليهم؟ حتى يبقى قدر الله، فما أراده الله قدراً لا يجريه على لسان نبيه شرعاً، وهذا من دقائق العلم، فقد قال الله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥] فلما قرأ جبريل: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] استجار النبي ﷺ بربه، فهذه الأمة لا يمكن أن تعذب بالحجارة، لا يمكن أن تعذب عذاباً مهلكاً لها بحجارة السماء، ولما قرأ: (أو من تحتكم) استجار بربه، فلا يمكن أن هذه الأمة يخسف بها وتنتهي، ثم تلا جبريل على النبي ﷺ قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] فما قال ﷺ : أعوذ بالله من ذلك كما قال في الأولين؛ لأن الله قد كتب في الأزل أنها ستقع، فلم يجرها على لسان نبيه شرعاً، بل قال ﷺ : (هذا أهون وأيسر). وأنت ترى الأمة يذيق بعضها بأس بعض، منذ مقتل عثمان إلى اليوم. فما أراده الله أن يقع قدراً لا يجريه على لسان نبيه شرعاً، وما أراد الله منعه قدراً يجريه على لسان نبيه شرعاً، فقال في كسرى وهو كافر قال: (مزق الله ملكه) فانتهى ملك الأكاسرة، ولكنه لم يقل في هرقل: مزق الله ملكه، فإلى اليوم أوروبا -وهي الروم- ملكها باق إلى اليوم، ولن تقوم الساعة حتى يكون الروم أكثر الناس.

стр. 59

سلسلة السيرة النبوية [مجموعة فوائد - فصل في أولاده] الحديث عن موت النبي ﵊ ذو شجون، فهو أعظم وأفضل خلق الله أجمعين، وبه أخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، وهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة. وقد رزقه الله بأربع من البنات وثلاثة من البنين، وقد ذكر العلماء أخبار أولاده، كما ذكروا حجه وعمراته.

стр. 60

فوائد من السيرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: بالأمس قد ذكرنا شيئاً من نسبه ﵊ ومولده وهجرته، ثم انتهينا إلى وفاته صلوات الله وسلامه عليه، وذكرنا جملة من الفوائد لعله قد يكون من المناسب استحضار بعضها. فإننا ذكرنا زواجه ﵊ من خديجة بنت خويلد، وقلنا: إن هذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين خصها الله جل وعلا ببعض من الخصائص، منها: ما انفردت به عن أمهات المؤمنين ومنها ما انفردت به عن نساء العالمين أجمعين، فالذي انفردت به عن أمهات المؤمنين أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها أحداً في حياتها، وأن الله جل وعلا رزقه منها الولد، هذا ما انفردت به عن أمهات المؤمنين. وذكرنا أن لها خصيصة ليست لأحد من نساء العالمين، وهي أن الله أمر جبريل أن يبلغها السلام، وهذه الخصيصة لأحد من نساء العالمين فيما نعلم. ثم ذكرنا أن الهجرة حدث يتعلق بشخصيته ﷺ كقدوة، وذكرنا أن ما لا يتعلق به كقدوة فهذا يعلم، لمعرفة شرفه وفضله ﵊ لكن الأمة غير ملزمة بالاقتداء به فيه، وذلك مثل حادثة الإسراء والمعراج. وتكلمنا عن أبي طالب، وقلنا: إنه ناصر النبي ﵊ وعضده وكان معه في شعب بني هاشم عندما حاصرت قريش النبي ﷺ . وذكرنا أنه يتعلق بنصرة أبي طالب للنبي ﵊ فوائد، ذكرنا منها فائدتين: الأولى: أن الإنسان يستخدم الوسائل التاريخية المتاحة إذا كان في ذلك نصرة للإسلام. الثانية: الهداية، وقلنا: إن كون أبي طالب رغم نصرته للنبي ﵊ لم يرزق الهداية يدل على أن الهداية بيد الرب ﵎، ونسأل الله جل وعلا أن يثبتنا وإياكم على هدايته.

стр. 61

دفنه ﵊ قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها]. الأصل أن الميت لا يطرح له شيء في قبره، فقد دفن النبي ﷺ كثيراً من أصحابه ماتوا في حياته ولم ينقل أنه أدخل معهم في قبورهم أي شيء، ولكن هذه القطيفة كان ﵊ يفرشها ويجلس عليها ويلبسها أحياناً، فأنزلها مولاه شقران الذي هو صالح في القبر، ثم فرشها وجعل النبي ﵊ عليها، وهذا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس. مسألة: هل يجوز أن يفرش تحت الميت قطيفة أو لا؟ حكى النووي عن الجمهور أنه يكره فعله، وأن شقران فعلها دون علم الصحابة؛ لأنه كره أن يلبس القطيفة أحد بعد نبينا ﷺ . وهذا التعليل الذي ذكره النووي ﵀ ضعيف؛ لأننا نقول: إن الله جل وعلا لا يختار لنبيه إلا الأفضل، فما كان الله ليسمح قدراً لـ شقران أن يضع هذه القطيفة تحت النبي ﷺ والله يكره ذلك؛ لأن النبي ﵊ يكفله ربه ويرعاه ويحفظه ويحيطه بعنايته حياً وميتاً، فينجم عن هذا تخريج المسألة فنقول: إنه يكره أن يوضع تحت أي ميت قطيفة من أي نوع، وما فعله شقران خاص بالنبي ﷺ . فإن قال قائل: ما وجه الخصوصية هنا؟ قلنا: إن النبي ﷺ أخبر أن الأرض حرم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، فلأن الأرض لا تأكل جسده أذن الله قدراً لـ شقران أن يضع هذه القطيفة تحت نبينا ﷺ ، وبهذا يمكن تخريج المسألة بأن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وأن هذا من خصائصه. وممن نص من العلماء على أن هذه خصيصة للنبي ﷺ وكيع بن الجراح ﵀ المحدث المشهور شيخ كثير من السلف وشيخ الإمام أحمد وغيره، فقد نص وكيع على أنها خصيصة للنبي ﷺ ، وبهذا ينجلي الإشكال في المسألة، والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم وشقران، وأطبق عليه تسع لبنات، ودفن في الموضع الذي توفاه الله فيه حول فراشه، وحفر له وألحد في بيته الذي كان بيت عائشة، ثم دفن معه أبو بكر وعمر ﵄]. ذكر المصنف ﵀ أنه نزل القبر خمسة: العباس وقثم والفضل وعلي وصالح مولاه الذي هو شقران. وهذه رواية ضعيفة، والصحيح أن الذين نزلوا القبر أربعة فقط ليس منهم العباس، وقد ذكر المقدسي ﵀ العباس كما ذكره النووي، لكن الصحيح أن الذي نزل القبر أربعة هم: قثم والفضل بن العباس بن عبد المطلب وعلي ومولاه شقران، هؤلاء الأربعة هم الذين أنزلوه ﷺ إلى قبره. ثم وضعت عليه تسع لبنات، وكانوا قد اختلفوا هل يلحدون له لحداً كما هو صنيع أهل المدينة أو يجعلون القبر شقاً كما هو صنيع أهل مكة، فبعثوا إلى اثنين ممن يحضرون القبور وقالوا: اللهم خر لنبيك، أي: اختر لنبيك. فالذي كان يشق لم يأت، والآخر جاء وهو أبو طلحة، وكان يلحد لأهل المدينة، فحفر القبر للنبي ﵊. وقبل أن يحفروا القبر اختلفوا أين يدفن؟ وهذا أحد أسباب تأخير دفن النبي ﷺ ، وعندما أقول: أحد الأسباب يدل على أن هناك أسباباً أخر، هذا أحد الأسباب التي دعت الصحابة إلى أن يتأخروا في دفن النبي ﷺ حتى قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي ﷺ يقول: (ما مات نبي إلا دفن حيث يقبض).

стр. 62

خصائص الأنبياء الله جل وعلا جعل للأنبياء خصائص أذكر منها إجمالاً: الأول: الوحي، وهو أعظم خصائص الأنبياء. الثاني: أنهم يخيرون عند الموت. الثالث: أنهم يدفنون حيث يموتون. الرابع: أن الأرض لا تأكل أجسادهم. الخامس: أنهم جميعاً رعوا الغنم. السادس: أنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. هذه ستة من خصائص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، ومنها أنهم جميعاً رعوا الغنم، قال ﵊ كما في حديث جابر: عندما جنى النبي ﵊ معهم ثمر الأراك فقال: (عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه، قالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى الغنم؟ قال: وما من نبي إلا رعاها، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة). فهذه بعض خصائص الأنبياء ذكرناها استطراداً، وذكرنا: أن النبي ﷺ دفن في الموقع الذي مات فيه، أي: في حجرة عائشة، وهذا مما تواتر بين المسلمين وتقرر لديهم أنه في المكان المقبور فيه.

стр. 63

دفن أبي بكر وعمر بجوار النبي ﵊ ذكر المصنف أنه دفن معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فـ أبو بكر وعمر دفنا في نفس حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها رأت قبل أن يموت النبي ﷺ في منامها أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقصت عليه الرؤيا، وكان أبو بكر ممن يعبرون، فسكت عنها ولم يجبها أدباً مع رسول الله ﷺ . فلما مات ﵊ ودفن في حجرة عائشة جاء أبو بكر إلى عائشة وقال لها: هذا أول أقماركِ يا عائشة. ثم دفن أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجوار النبي ﷺ . وكانت عائشة تريد أن تدخر ما بقي من الحجرة لها، فلما طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أرسل ابنه عبد الله يستأذن عائشة في أن يدفن مع صاحبيه، وقال: قل لها: عمر بن الخطاب ولا تقل: أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فدخل عليها عبد الله وقال لها: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: لأوثرنه اليوم على نفسي، ولقد كنت أدخره - أي الموضع - لنفسي، فوافقت، فلما رجع عبد الله إلى أبيه كان عمر ما زال حياً طريح الفراش من طعنة أبي لؤلؤة المجوسي، فلما دخل قال: ما وراءك؟ فقال ابنه عبد الله: أبشر بالذي يسرك يا أمير المؤمنين، فإنها قد وافقت، فقال عمر ﵁: والله ما من شيء كان أهم علي من هذا الأمر أن أدفن مع صاحباي. ثم ظهرت عدالة عمر فقال: إذا أنا مت فغسلوني وكفنوني ثم استأذنوا لي من عائشة مرة أخرى، فإنني أخاف أنها وافقت استحياءً مني وأنا حي! فلما مات عمر وغسل وكفن وصلي عليه، حمل وقيل لها وهو محمول على أعناق الرجال: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه مرة أخرى، فوافقت ﵂ فدفن عمر مع النبي ﵊ وصاحبه. وقال بعض المؤرخين: بقي موضع للدفن، فقد جاءت جملة من الروايات تدل على أنه سيدفن معهم عيسى بن مريم، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم.

стр. 64

ذكر خبر وفاة النبي ﵊ لن يفقد الناس أحداً أعظم من رسولهم ﷺ ، وقد شعر ﷺ بدنو الأجل في حجة الوداع، لما أنزل الله جل وعلا عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] عرف ﷺ أن الأمر الذي بعث من أجله قد تم فأخذ يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) كان يخطب ثم يقطع ويقول: (أيها الناس! لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فيجيبون: نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فيرفع يده إصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الأرض ويقول: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد). ثم رجع إلى المدينة، ثم في آخر شهر صفر أو أول ربيع حضر جنازة، فلما رجع شعر بصداع في رأسه وحمى تصيبه فدخل على عائشة فقالت له: وارأساه فقال: (بل أنا وارأساه). فلما شعر بدنو الأجل خرج إلى شهداء أحد فاستغفر لهم ودعا لهم كالمودع، ثم خرج في ليلة مع غلام له يقال له: أبو مويهبة فأتى أهل البقيع فدعا لهم واستغفر لهم وقال: (ليهنئكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى)، ثم قال: (يا أبا مويهبة! إن الله خيرني ما بين خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة وما بين لقاء ربي ثم الجنة فاخترت لقاء الله ثم الجنة، فقال له: أبو مويهبة: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: يا أبا مويهبة! إنني اخترت لقاء الله ثم الجنة). ثم خرج يوماً عاصباً رأسه فخطب على المنبر وقال: (إن رجلاً خيره الله بين الدنيا ثم الجنة وبين لقاء الله ثم الجنة، فقال أبو بكر: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! وجعل يبكي فتعجب الناس من بكاء أبي بكر، ثم قال ﵊: على رسلك يا أبا بكر)، ومدحه وأثنى عليه رضي الله تعالى عنه كأنه يشير إليه في الخلافة من بعده. ثم قبل وفاته بيوم تصدق بدنانير تسعة أو سبعة كانت عنده، ثم أعتق غلمانه وتحرر من قيود الدنيا، ولم يبق من ماله إلا بغلته وسيفه وشيئاً يتجمل به الأئمة والملوك بعده. ثم إنه ﵊ في يوم الإثنين الذي مات فيه كشف ستار حجرة عائشة وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس فأطل ﵊ عليهم وهو - كما يقول أنس - يتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وقرت عينه أن الأمة اجتمعت بعده على إمام واحد في صلاتهم، فاضطرب الناس وكادوا أن يفتنوا، ثم أعيد الستار كما كان ورجع ﷺ إلى حجرته، وخرج أبو بكر فرحاً إلى بيت له بالسنح بعوالي المدينة وتفرق الناس على الخير. (ثم دخل عليه ﷺ في ذلك اليوم ابنته فاطمة فأسرها أنه سيموت في مرضه هذا فبكت، ثم قالت: واكرب أبتاه، قال: ليس على أبيكِ كرب بعد اليوم). ثم إنه ﵊ دخل عليه أسامة وجعل يسأله الدعاء، فدعا له دون أن يرفع صوته وهو نبي الأمة ورأس الملة وسيد الفصحاء وإمام البلغاء. ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يد عبد الرحمن سواك، فجعل يحرك النظر فيه دون أن يستطيع أن يطلبه من عبد الرحمن ففهمت عائشة مراده، فأخذته من أخيها وقضمته وطيبته وأعطته نبينا ﵊ فاستاك. وكان يضع يده في ركوة فيها ماء ويمسح بها وجهه الطاهر الشريف ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات فأعني على سكرات الموت). ثم جاءه الملك يخيره الملك وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)، والملك يخيره وهو يقول: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثاً ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في الملكوت الأعلى والمحل الأسنى صلوات الله وسلامه عليه. قال حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً بها واراه في الترب ملحد وهل عدلت يوماً رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد

стр. 65

أبناؤه ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في أولاده. وله ﷺ من البنين ثلاثة: القاسم: وبه كان يكنى، ولد بمكة قبل النبوة، ومات بها وهو ابن سنتين، وقال قتادة: عاش حتى مشى. وعبد الله: ويسمى الطيب والطاهر، لأنه ولد في الإسلام. وقيل: إن الطاهر والطيب غيره، والصحيح الأول. وإبراهيم: ولد بالمدينة، ومات بها سنة عشر، وهو ابن سبعة عشر شهراً أو ثمانية عشر. وقيل: كان له ابن يقال له: عبد العزى، وقد طهره الله من ذلك وأعاذه منه]. بعد أن ذكر المصنف ﵀ مولد النبي ﷺ وحياته ووفاته ذكر جملة مما يتعلق بأولاده ﵊. والولد في اللغة إذا أطلق يراد به الذكر والأنثى سوياً، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فتعبير العامة أن فلاناً رزق ولد على أنه ابن غير صحيح من حيث اللغة، وعلى العموم فإنه ﵊ رزق من الأولاد ذكوراً وإناثاً. بدأ المصنف ﵀ بذكر الذكور الذين رزقهم ﵊ وهم: القاسم، وهذا أكبر أبنائه، وأول من رزق على الأظهر، لكنه رزقه قبل أن يبعث، ومات وهو صغير، قيل: كان ابن سنتين. وقيل غير ذلك. وأياً كان؛ فإنه لم يدرك النبي ﵊ وقد نبئ، وكان يكنى ﵊ كما مر معنا - بأبي القاسم. ورزق عبد الله بعد النبوة، ولذلك لقب عبد الله بالطيب والطاهر، لكن عبد الله هذا مات كذلك وهو صغير. ثم رزق إبراهيم من سريته مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس حاكم مصر، فتسراها ﵊ فأنجب منها إبراهيم، وإبراهيم هذا عاش ثمانية عشر شهراً، ومات في شوال في السنة العاشرة قبل حجة الوداع، وهو الذي قال عنه النبي ﵊ فيه: (وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون). وكانت له مرضعة اسمها فاطمة ترضعه في عوال المدينة، قال أنس رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسولنا ﷺ . وكان ﵊ يأتي إلى عوال المدينة فيحمل ابنه إبراهيم ويشمه ويضمه ويقبله، ثم فجع ﵊ بوفاة ابنه إبراهيم فحزن قلبه ودمعت عيناه وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون). وهذا من الدلائل على أن الإنسان مهما عظم شرفه وعظم قدره فإنه عرضة للبلاء، والصالحون أعظم عرضة، ونبينا ﵊ إمام الصالحين وإمام الخلق أجمعين، فلم يكتب له أن يعيش له ولد كبير يعضده، وهذا من حكمة الله ﵎. وإبراهيم ﵇ مات وعمره ثمانية عشر شهراً، والله يقول في كتابه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] وكذلك الناس يعطون ويمنعون ويحرمون ويأخذون، والداعية وطالب العلم والموفق المسدد لسبيل الله يعلم أن الدنيا أخذ وعطاء، وصبر وابتلاء، وقد جعل الله جل وعلا الدنيا سجناً للمؤمن وجنة للكافر. والمؤمن يأخذ من هذه العبر في وفاته ﵊ ووفاة ابنه، وأنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولو لم يظفر طالب العلم بكلمة أعظم من هذه لكفى، لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، فأي عناء وأي مشقة تعتريك في طريقك إلى الله فتذكر جيداً أنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، لن ترتاح حتى تلقى الله ﵎ على الإيمان، أما دون ذلك فلا يمكن أن يصفو لك أمر لا القبر ولا القيام بين يدي رب العالمين، النبي ﵊ دفن سعد بن معاذ، وذكر أنه شيعه سبعون ألف ملك من السماء ثم قال: (لقد ضم عليه القبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها هذا العبد الصالح)، فالمؤمن لا راحة له حتى يلقى الرب ﵎، نسأل الله أن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه.

стр. 66

بناته ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [البنات: زينب: تزوجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وهو ابن خالتها، وأمه هالة بنت خويلد، ولدت له علياً مات صغيراً، وأمامة التي حملها النبي ﷺ في الصلاة، وبلغت حتى تزوجها علي بعد موت فاطمة. وفاطمة بنت رسول الله ﷺ تزوجها علي بن أبي طالب، فولدت له الحسن والحسين، ومحسناً - مات صغيراً - وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب، وزينب تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب]. بناته ﵊ أربع: رقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة. ذكر المصنف أولهن زينب والأظهر أنها الكبرى، وهذه زينب ﵂ وأرضاها تزوجها أبو العاص بن الربيع وكان مشركاً في أول الأمر ثم أسلم، وهي التي أهدتها أمها خديجة بنت خويلد قلادة يوم أن دخلت على زوجها، ثم لما كانت معركة بدر كان زوجها ضمن الأسرى الذين أسرهم المسلمون، فلما شرع الفداء ليفدوا سراهم أخرجت زينب بنت رسول الله هذه القلادة التي أعطتها إياها أمها خديجة لتفدي بها زوجها الكافر العاص بن الربيع. فلما رأى النبي ﷺ القلادة التي أهدتها زوجته خديجة أم زينب لـ زينب يوم زواجها دمعت عيناه صلوات الله وسلامه عليه وتحرك قلبه؛ لأنه تذكر أيام خديجة، والإنسان جبلة إذا رأى شيئاً يذكره بشيء قديم يحزن إذا كان أمراً محزناً ويفرح إذا كان أمراً مفرحاً. فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فهذا كله قبر مالك وزينب ولدت من العاص أمامة، وهي التي كان يحملها النبي ﷺ . أما رقية فقد تزوجها عثمان ﵁ وأرضاه. وأما فاطمة رضي الله تعالى عنها فقد تزوجها علي بن أبي طالب ﵁، وهي أصغر بناته على قول، وقول آخر أن أصغرهن أم كلثوم. وذكر المصنف ﵀ أنها ولدت لـ علي الحسن والحسين ومحسن. ولما ولدت فاطمة ابنها الأول دخل النبي ﵊ على علي وفاطمة، وقال: (أين ابني؟ ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حرباً، قال: بل هو حسن). فلما حملت بـ الحسين وولدت قال: (أين ابني؟ ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حرباً، قال: بل هو الحسين). فلما ولدت الثالث قال: (ما سميتموه؟ قالوا: حرباً) وكأن اسم حرب كان علي وفاطمة يحبان أن يسميا به ولداً لهما. (قالوا: سميناه حرباً، قال: لا، بل هو م حسن، ثم قال: سميتهم بولد نبي الله هارون: بشار وبشير ومبشر). هذا م حسن مات وهو صغير، وبقي الحسن والحسين ريحانتا رسول الله ﷺ من الدنيا. ثم قال المصنف: وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب، وليست هذه أم كلثوم بنت النبي ﷺ ، هذه أم كلثوم بنت علي أخت الحسن وأخت الحسين، وهي بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، ولدت في السنة السادسة من الهجرة، أي: أنه مات النبي ﷺ وعمرها أربع سنوات، وتزوجها عمر ﵁ وأصدقها أربعين ألفاً، وكان يريد أن يحظى بقرابة من آل بيت رسول الله ﷺ . قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورقية بنت رسول الله ﷺ تزوجها عثمان بن عفان فماتت عنده، ثم تزوج أم كلثوم فماتت عنده، وولدت رقية ابناً فسماه عبد الله، وبه كان يكنى. فالبنات أربع بلا خلاف، والصحيح من البنين أنهم ثلاثة، وأول من ولد له القاسم، ثم زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم في الإسلام عبد الله، ثم إبراهيم بالمدينة. وأولاده كلهم من خديجة إلا إبراهيم؛ فإنه من مارية القبطية، وكلهم ماتوا قبله إلا فاطمة فإنها عاشت بعده ستة أشهر]. ذكر المصنف ما تبقى من البنات وهن رقية وأم كلثوم، تزوج رقية عثمان، فماتت عنده، أي: تحته. ماتت في أيام غزوة بدر؛ ولذلك لم يشهد عثمان ﵁ غزوة بدر لأنه يمرض زوجته رقية، فلما عاد النبي ﷺ وجدها قد ماتت، ثم زوجه النبي ﵊ أختها أم كلثوم، ثم ماتت عنده في حياة النبي ﷺ ، ولذلك لقب عثمان بذي النورين؛ لأنه تزوج ابنتي رسول الله ﷺ . وقد قال المؤرخين: إنه لا يوجد أحد من أهل الأرض جمع الله له ابنتي نبي تحت سقف واحد إلا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم ذكر فاطمة ﵂ وهي أحب بنات النبي ﷺ إليه، والإمام الذهبي لما ترجم لها في الأعلام قال: هي البضعة النبوية والجهة المصطفوية. وكانت أشبه الناس مشية برسول الله ﷺ ، وكان ﵊ يحبها ويجلها ويعظمها، وإذا دخلت قام لها ويقبلها ويضمها ويقول: (فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها ويضيرني ما أضرها) أو كلمة نحوها. وأنجب منها علي الحسن والحسين، ولذلك كان ﵊ يحب الحسن والحسين حباً جماً، وكان يضعهما على كتفيه ويقبل هذا مرة وهذا مرة ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما). وقال: (هما ريحانتاي من الدنيا). وقطع خطبته وهو على المنبر لما دخلا المسجد ورآهما يمشيان فيعثران، فقطع الخطبة ونزل وحملها ووضعهما بين يديه، ثم جلس إلى الناس وقال: (صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، لقد نظرت إلى ابني هذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما). ومن الناس خطأ أو جهلاً يتباعد عن أن يسمي أولاده بـ الحسن والحسين، ويقول: إن هذا تقرب من الشيعة، والحق لا يترك إذا تلبس به أهل الباطل، فتسمية الحسن والحسين تسمية نبوية لا يمكن أن تترك لأن أحداً مبغوضاً فعلها. وكذلك ترك الناس التسمية بأسماء بعض آل البيت كقاسم والعباس وفضل، قلما يوجد هذا بين الناس رغم أنها أسماء لآل بيت نبينا ﷺ ، والله يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]. وقد حث النبي ﵊ على حب آل بيته وعلى نصرتهم وعلى موالاتهم في أحاديث، منها أنه قال: (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي فإنهما لم يختلفا حتى يردا علي الحوض). لكن حب آل البيت يكون مميزاً بالضوابط الشرعية، ويكون المؤمن فيهم لا مجاف ولا مغال كما هو ديدن المسلم في سائر أمره، والله أعلم.

стр. 67

حجه وعمَره ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في حجه وعمره. روى همام بن يحيى عن قتادة قال: قلت لـ أنس: كم حج النبي ﷺ من حجة؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة النبي ﷺ حين صده المشركون عن البيت، والعمرة الثانية حيث صالحوه من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين في ذي القعدة، وعمرته مع حجته. صحيح متفق عليه. هذا بعد قدومه المدينة، وأما ما حج بمكة واعتمر فلم يحفظ، والذي حج حجة الوداع ودع الناس فيها، وقال: (عسى ألا تروني بعد عامي هذا)]. بعد أن ذكر المصنف أولاده ﵊ ذكر حجه وعمرته. ذكر الحج والعمرة لأنها لا تفعل -عادة- بكثرة، ولأنه ﵊ كان يصوم ويصلي بين الناس بشكل يرونه يومياً، ثم بين ماذا كان من حجه وعمرته ﵊ كما سمعتم. والنبي ﵊ اعتمر أربع عمر، العمرة التي كانت في عام الحديبية سنة ست، أحرم من ذي الحليفة من المدينة، وانطلق إلى مكة، فلما وصل إلى الحديبية بركت الناقة، فقال الصحابة: خلأت القصواء! فقال: (والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، والذي نفسي بيده! لا يسألونني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها). فبين ﵊ عظمة حرمة البيت، وكانت إشارة من الله أنه لم يدخل البيت، وقول الصحابة: خلأت القصواء بمعنى: بركت من غير علة ظاهرة. وقال ﵊: (حبسها حابس الفيل) أي: أن بيت الله عظيم. فطلبت منه قريش ألا يدخل مكة في صلح الحديبية المشهور، فقبل ﵊ ورضي، وهذا يجب أن يفقهه كل من يدعو إلى الله، فلا ينتصر لنفسه، فليس شيئاً تلذذت به لا بد أن تمضيه، بل انظر أين مصلحة الإسلام، فهذا نبي الأمة ورأس الملة يحرم من ذي الحليفة ويقطع كل هذه المسافات حتى يصل إلى مكة، ثم يقبل أن يحل إحرامه ويرجع كما جاء من غير أن يدخل مكة؛ لأنه رأى أن الصلح فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، وكأن صلح الحديبية فتحاً عظيماً، فقد دخل كثير من الناس في دين الله أفواجاً، فأنزل الله عليه وهو راجع إلى المدينة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١]. ولما أمر الصحابة أن يحلوا إحرامهم لم يستجيبوا، ولا يعني هذا أنهم كانوا يعاندون النبي ﵊، حاشاهم، وإنما قد لا يطيعك من يحبك ويتغلب عليه حال السفيه، فلما أمرهم ﵊ أن يحلوا إحرامهم لم يفعل أحد، فدخل على أم سلمة فأخبرها بما لقي من الناس، فـ أم سلمة تعلم محبة الصحابة للنبي ﵊ فأشارت عليه أن يحلق رأسه وينحر الهدي، فحلق رأسه ونحر الهدي، فاستجاب الصحابة؛ لأنهم رأوا أنه أمر واقع، فحلقوا رءوسهم ونحروا هديهم حتى أصابهم الغم وكاد يقتل بعضهم بعضاً. وهذه العمرة لم تتم، لكن المصنف ذكرها كما ذكرها أهل السير من قبل؛ لأنه أحرم بها ﷺ . وكان من شروط صلح الحديبية أن يعود ﷺ ثم يعتمر من العام القابل، فلذلك دخل مكة في العام التالي في السنة السابعة، أحرم من ذي الحليفة ودخل مكة وأقام فيها ثلاثة أيام، فهذه أول عمرة أداها النبي ﷺ كاملة في الإسلام. والعمرة الثالثة كانت بعد غزوة حنين، حيث نزل ﵊ إلى الجعرانة وهي حل خارج مكة ودخل مكة ليلاً، ثم اعتمر ورجع في نفس الليلة أو في صباحها إلى الجعرانة وأكمل مسيره بعد ذلك إلى المدينة، وإحرامه من الجعرانة دليل على أن الجعرانة حل؛ لأنها لو كانت حرماً لما جاز أن يحرم منها. وابن القيم رحمه الله تعالى أغلظ كثيراً في زاد المعاد على ما كان يصنعه أهل مكة في أيامه من أنهم كانوا يحرمون من الجعرانة، وقال: إن النبي ﷺ أحرم منها لأنها وافقت محله. وبعض المالكية يقول: إن الجعرانة هي أفضل حل على وجه الأرض؛ لأن النبي ﷺ أحرم منها ولم يحرم ﵊ من حل إلا الجعرانة، ولما أحرم من المدينة فالمدينة حرم، وأحرم بالحج من مكة ومكة حرم، ولم يحرم من حل إلا من الجعرانة، هذه الفضائل قد يصيب أصحابها وقد لا يصيبون. العمرة الرابعة كانت مع حجته؛ لأنه حج قارناً ﵊. من هذا يتحرر أن العمر الثلاث كلهن كن في شهر ذي القعدة، حتى عمرة الحج أحرم بها في شهر ذي القعدة لكنه لم يؤديها إلا في شهر ذي الحجة، لأنه ما وصل مكة إلا قد ودخل هلال شهر ذي الحجة. هذه الأربع العمر التي ثبتت عنه ﷺ ، أما الحج فلم يحج في الإسلام إلا حجة واحدة سميت بحجة الوداع؛ لأنه ودع الناس فيها، وهي حجة عظيمة علم ﵊ أنه لن يحج غيرها فأعلن للناس أنه سيحج، فقدم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يأتم بحجته ﵊، وفيها كثير من الفوائد، فقد ذكر في خطبته فيها كثيراً من قواعد الدين، وأوصى بالنساء خيراً، وجعل ربا الجاهلية تحت قدميه، وأقام كثير من قواعد الإسلام، وبين حرمة الدماء والأعراض والأموال، وهي حجته صلوات الله وسلامه عليه، والله أعلم إن كان قد حج ﵊ أو اعتمر قبل الإسلام وهو في مكة، وما ينقل من ذلك هو بطرائق غير صحيحة أو غير مكتملة السند فلا نستطيع أن نحكم عليه بالصحة.

стр. 68

سلسلة السيرة النبوية [ذكر سلاحه ﷺ والانتهاء من شرح المتن] وصَف الصحابة رسول الله ﵊ كأنك تراه، فذكروا صفة وجهه وعينيه ولونه ولحيته وجسمه وشعره، حتى ذكر صفة عرقه ومشيته وكلامه وغير ذلك من صفاته الخلقية، وكذلك ذكروا صفاته الخُلقية التي تدل على حسن أخلاقه وكريم طباعه. وقد أيد الله رسوله بكثير من المعجزات ودلائل النبوة التي تدل بما لا يدع مجالاً للشك على صدق نبوته.

стр. 69

سلاح النبي ﵊ الحمد لله الذي لا رب غيره، ولا إله سواه، والصلاة والسلام على عبده ونبيه ومصطفاه. أما بعد: فهذا بعون الله تعالى خاتمة دروس التعليقات على متن الدرة المضيئة في السيرة النبوية للحافظ المقدسي رحمه الله تعالى. وسنشرع اليوم إن شاء الله تعالى في ختم الكتاب وإتمامه، وقد يقول قائل: كيف يُدرَّس في يوم واحد ما درِّس قرابته في أسبوع كامل؟ فحتى يزل اللبس نقول: إن المتبقي من الكتاب أكثره يتعلق بالعشرة المبشرين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وأما ما يتعلق بصفته ﷺ فهذا سنقف عنده كثيراً، على أننا اليوم إن شاء الله سنغير في الطريقة، ونعتذر للأخ الذي يقرأ، فسأقرأ أنا حتى لا يذهب الوقت، سأقرأ بنفسي ثم نعلق تعليقات ذات فائدة، ونطالب بتدوينها. فنقول مستعينين بالله ﵎: وصلنا إلى ذكر سلاحه ﷺ ، قال المصنف ﵀: [وكانت له ثلاثة رماح أصابها من سلاح بني قيقناع، وثلاثة قسي؛ قوس اسمها الروحاء، وقوس شوحط، وقوس وصفراء تدعى الصفراء، وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش فكره مكانه فأصبح وقد أذهبه الله ، وكان سيفه ذو الفقار تنفله يوم بدر، وهو الذي رأى فيه رؤيا يوم أحد، وكان لـ منبه بن الحجاج السهي. وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيف قلعي، وسيف يدعى بتاراً، وسيف يدعى الحتف. وكان عنده بعد ذلك المخذم ورسوب أصابها من الغلس، وهو صنم بطيء. وقال أنس بن مالك: كان نعل سيف رسول الله ﷺ فضة، وقبيعته فضة، وما بين ذلك حلق فضة. وأصاب من سلاح بني قينقاع درعين، درع يقال لها: السعدية، ودرع يقال لها: فضة. وروي عن محمد بن سلمة قال: رأيت على رسول الله ﷺ يوم أحد درعين: درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسعدية]. النبي ﵊ كان إمام المجاهدين, ولا يمكن أن يكون إمام المجاهدين حتى يكون لديه سلاح، وهذه الأسلحة التي ذكرت ونقلت عنه ﷺ نقلت بأسانيد، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو دون ذلك، لكنها جملة قبلت عند العلماء وتناقلوها، هذا الفكرة الأولى في الموضوع. وسيفه ذو الفقار كان لا يكاد يفارقه ﷺ ، بمعنى: أنه كان يحمله كثيراً، ولذلك قال المصنف: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، أي: قبل معركة أحد رأى النبي ﷺ في هذا السيف ثلمة يعني: شبه كسرة. وسيف الإنسان هو الذي يدفع به عن نفسه، فأول بأنه قتل أحد عصبته، وكان ذلك مقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأرضاه شهيداً. وقد بقراً تنحر، وأول هذا بموت في أصحابه. وقد كان له ﷺ يقال له: مأثور ورثه عن أبيه، بمعنى: أن النبي ﷺ ورث هذا عن أبيه عبد الله، أي: أن مأثور في الأصل كان لـ عبد الله والد النبي ﷺ . ومن أهم الفوائد: أنه مر معنا ذكر السلاح، وذكر الدواب والإماء والموالي والعبيد، فأين ذهبت هذه الإماء والعبيد والسلاح والدواب التي ذكرناها جميعاً؟ قال الحافظ ابن كثير ﵀: إن النبي ﷺ قد صح عنه أنه مات ولم يترك ديناراً ولا درهماً، وأن درعه كانت مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، وأن جميع ما ذكر من العبيد والإماء والدواب والسلاح قد أنجز التصدق به ﷺ قبل موته، لعموم قوله ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة).

стр. 70

صفاته الخَلقية ﵊ قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في صفته ﷺ . روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو بكر الصديق ﵁ إذا رأى النبي ﷺ مقبلاً يقول: أمين مصطفى بالخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ ينشد قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان حيث يقول: لو كنت من شيء سوى بشر كنت المضيء ليلة البدر ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله ﷺ ، ولم يكن كذلك غيره]. ما ذكره المصنف هنا فيه نظر؛ لأن أبا بكر لا يعرف عنه الشعر، لكن المعنى صحيح، وقد لا يصح نسبة هذا إلى أبي بكر لكن المعنى صحيح. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أبيض اللون مشربًا بحمرة)]. الأبيض إما أن يكون أبيض أمهق فيكون بياضه غير ممدوح، ولكن بياضه ﷺ كان كما قال علي: (مشرب بحمرة) أي: مخلوطاً بحمرة. قال: (أدعج العينين) بمعنى: شديد سواد العينين. (سبط الشعر) أي: أن شعره ليس مسترسلاً، واليوم العامية يقولون: ناعم، أي: أن شعره ﷺ ليس مسترسلاً تماماً ولا ملتوياً. (كث اللحية اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة) بالسين وليست بالشين، والمقصود الشعر الممتد من أعلى الصدر إلى أدنى السرة. (ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره) وهذا واضح. (شثن الكفين والقدمين) أي: غليظ أصابع الكفين وغليظ أصابع القدمين. (إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعاً) هذه واضحة، والصبب المكان العالي. (كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالفاجر ولا اللئيم) هذه واضحة جداً. (لم أر قبله ولا بعده مثله) القائل هو علي بن أبي طالب. وفي لفظ لـ علي قال: (بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين، وأجود الناس كفاً). خاتم النبوة شعيرات كانت بين الكتفين من الخلف، وهي إلى جهة الشمال أقرب. وأجود الناس كفاً كناية عن الكرم. (وأوسع الناس صدراً) هذه ظاهرة، (وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة) عِشرة بالكسر وليس بالضم. (من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . وقال البراء بن عازب وهو صحابي معروف: (كان رسول الله ﷺ مربوعاً) أي: لا بالطويل ولا بالقصير. (بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه). مربوعاً أي: ما بين الطول والقصر. (بعيد ما بين المنكبين) المقصود أن صدره وظهره ممتد. (له شعر يبلغ شحمة الأذن). (رأيته في حلة حمراء) الحلة: الثوب المكون من قطعتين الإزار والرداء. (لم أر شيئاً قط أحسن منه ﷺ لم أداة جزم ونفي، وجاء بقط لأنه نفى شيئاً ماضياً، ولو أراد أن ينفي شيئاً في المستقبل يأتي بأبداً. [وقالت أم معبد الخزاعية في صفته ﷺ ]. أم معبد رآها النبي ﷺ في الهجرة، في طريقه من مكة إلى المدينة مر على أم معبد، وأم معبد امرأة من خزاعة، كان لها خيمتان تكرم وتقرئ الأضياف، فمر النبي ﷺ ونزل ضيفاً عندها، وقصة شاتها معروفة. جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمد وأم معبد كانت خزاعية فصيحة، فلما جاء زوجها سألها فأجابته بقولها: (رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة). الثجلة: الضخامة في البدن. والصعلة: صغر الرأس. فهو ﵊ ضخم إلى حد لا يعاب، ولم يكن صغير الرأس إلى حد يعاب. (قسيمًا، في عينيه دعج -أي: سواد- وفي أشفاره غطف -الأشفار: شعر الجفن-). (وفي صوته صحل) أي: في صوته بحة. (وفي عنقه سطع) أي: نور، يقصد أن عنقه منير. (وفي لحيته كثاثة) هذه واضحة أي: كثرة. (أزج أقرن) معنى أزج: أن خيط الجفن دقيق قليلاً، أما قولها: (أقرن) فهذا لا يقبل، فإما أن يكون خطأ منها، وإما أن يكون خطأً من الرواة الذين نقلوا؛ لأن معنى أقرن: أن يكون الحاجبان ملتصقين بعضهما ببعض، وهذا عيب مذموم عند العرب قديماً، ولا يعاب الرجل إذا وجد فيه هذا؛ لأن هذا خلق الله، لكن الله جل وعلا لا يجعل نبيه بهذا الأمر. وقد ورد في وصفه ﵊ بأنه كان أزج في غير قرن، هذا محفوظ وما أدري إن كان المصنف ذكره أو لا. (إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء) هذه ظاهرة. (أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصلٌ، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم تحدرت، لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصناً بين غصنين) تعني بالغصنين أبا بكر وعامر بن فهيرة. (وهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود) المحفود من يعظمه أصحابه من حوله، ويسارعون في طاعته. ومحشود أي: يجتمع إليه الناس. (لا عابس ولا مفند) التفنيد: الصد الرد التهجين، ومعنى: (لا عابس ولا مفند) أي: جميل المعاشرة لا يهجن أحداً ولا يحتقره ﵊. أي: جميل المعاشرة لا يهجن أحداً ولا يحتقره. وعن أنس بن مالك ﵁: (أنه وصف رسول الله ﷺ فقال: كان ربعة من القوم) ربعة خبر كان منصوب. (كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم) الآدم: من يميل إلى السمرة، أي: أن بياضه ﷺ كان مشرباً بحمرة، والأبيض الأمهق: الكريه البياض. فائدة: مَن مِن الأنبياء كان يميل إلى السمرة؟ موسى، لذلك جعل الله من معجزاته أن يده تكن بيضاء من غير سوء. (وليس بجعد، ولا قطط، ولا سبط، رجل الشعر) أي: ليس مسترسلاً. وقال هند بن أبي هالة: (كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماًَ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب) المشذب يعني: الطويل. (عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون) أي: بياضه معقول. (واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين) العرنين الذي ارتفع أعلى أنفه واحدودب وسطه وضاق منخراه. (كث اللحية، أدعج العينين، سهل الخدين، ضليع الفم) أي: واسع الفم، وكان هذا عنواناً عند العرب على الفصاحة والبلاغة. (أشنب، مفلج الأسنان) أشنب يعني: جميل الفم، مفلج الأسنان أي: الثنايا كان بينهما فلجة، ولم تكن متلاصقة. (دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن والصدر) كل إنسان له بطن، لكن ليس كل إنسان يوصف بأن له كرشاً، فإذا برزت البطن تسمى كرشاً، أما إذ لم تبرز فهي بطن. (سواء البطن والصدر، مسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس) الكراديس: رءوس العظام، فعظم الركب مثلاً تسمى كراديس (أنور المتجرد). أي: المواطن التي لا شعر فيها من جسمه تظهر كأن لها نوراً. (موصول ما بين اللبة والسرة) هي الفتحة التي في أسفل الرقبة، أي: من لبته إلى سرته ﷺ شعر يجري كالخط، وباقي صدره ليس فيه شعر ولذلك قال: (عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك) مما سوى ذلك أي: من الشعر. (أشعر الذراعين والمنكبين) في الذراع والمنكب كان ﷺ أشعر. (عريض الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين) مرت. (والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين) الأخمص من القدم في باطنها، وهو ما لا يصيب الأرض، هذا طبيعة الإنسان، لكن ثبت أنه ﷺ كان غير أخمص أي: أن قدمه كانت سواء. (مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً، ويخطو تكفؤاً، ويمشي هوناً، ذريع المشية) ذريع المشية أي: أن مشيته متباعدة. (إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف) أي: النظر. (نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء) وهذا كناية عن التواضع. (جل نظره الملاحظة) ما يدقق. (يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام) صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 71

صفات الخُلقية ﵊ قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في أخلاقه ﷺ . كان رسول الله ﷺ أشجع الناس. قال علي بن أبي طالب ﵁: (كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ . وكان أسخى الناس، ما سئل شيئًا قط، فقال: لا. وكان أحلم الناس] إلا أن أوج سخائه كان يظهر في رمضان إذا لقيه جبريل. [وكان أحلم الناس، وكان أشد حياءً من العذراء في خدرها، لا يثبت بصره في وجه أحد، وكان لا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون لله ينتقم. وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقريب والبعيد والقوي والضعيف عنده في الحق واحد]. وهذا أمر لا خلاف فيه، فالله جل وعلا زكى بصره وزكى قلبه وزكى لسانه وزكى خلقه، زكى الله لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكى الله قلبه فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكى الله بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكى الله خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وهذه مجملة، وجاء تفصيلها في آيات أخر. [ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ولا يأكل على خوان] الخوان المائدة التي يوضع عليها الطعام، ويعبر عنها أحياناً بالطاولة. قال أنس ﵁ كما في الصحيح: (ما أكل النبي ﷺ على خوان قط). [ولا يمتنع من مباح، إن وجد تمراً أكله، وإن وجد خبزاً أكله، وإن وجد شواءً أكله]. وهذا يدل على عدم التكلف، فقد كان لا يرد موجوداً، ولا يطلب مفقوداً. [إن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد لبن اكتفى به، أكل البطيخ بالرطب] المقصود بالبطيخ هنا الخربز، فقد ثبت عنه ﷺ أنه أكل البطيخ بالخربز، وقالت عائشة: أكل البطيخ الأصفر بالخربز، وجاءت رواية ثالثة: أكل الخربز بالرطب، وهذا حديث أنس: (أكل الخربز بالرطب)، لماذا جمع بين الخربز والرطب؟ لأن الرطب حار، والبطيخ بارد، وقال ﷺ : (نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا). [(وكان يحب الحلواء والعسل)، قال أبو هريرة ﵁: (خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء. يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة]. هو وآل بيته لا يأكلون الصدقة، وكان إذا أخذ هدية يكافئ عليها، وأغلب أحواله أن يرد الهدية بأكثر منها. [يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، ويكافئ على الهدية، ولا يتأنق في مأكل ولا ملبس، يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويعود المرضى، وكان أشد الناس تواضعًا، يجيب من دعاه من غني أو فقير أو دنيء أو شريف] لا يفرق. [وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، لا يحتقر فقيراً لفقره، ولا يهاب ملكاً لملكه، وكان يركب الفرس والبعير والحمار والبغلة] هذا كله دليل على عدم التكلف. [ويردف خلفه عبده أو غيره، لا يدع أحداً يمشي خلفه، ويقول (خلوا ظهري للملائكة)، ويلبس الصوف وينتعل المخصوف، وكان أحب اللباس إليه الحبرة] الحبرة الثياب المعلمة ذات الخطوط وهي من برود اليمن فيها حمرة وبياض. [خاتمه فضة، فصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها. وكان يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، أكثر الناس تبسمًا، وأحسنهم بشراً، مع أنه كان متواصل الأحزان دائم الفكر، وكان يحب الطيب، ويكره الريح الكريهة، يستألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفو عليه. يرى اللعب المباح فلا ينكره، يمزح ولا يقول إلا حقاً، ويقبل معذرة المعتذر إليه. له عبيد وإماء، لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، ولا يمضي له وقت في غير عمل لله أو فيما لابد له ولأهله منه، رعى الغنم، وقال: (ما من نبي إلا وقد رعاه). (وسئلت عائشة ﵂ عن خُلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خُلقه القرآن). يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه. وصح عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط كانت أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أف قط، ولا لشيء فعلته: لم فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا وكذا؟). قد جمع الله له كمال الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وآتاه الله علم الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، نشأ في بلاد الجهل والصحاري، آتاه الله ما لم يؤت أحداً من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، فصلوات الله عليه دائمة إلى يوم الدين]. هذا كله ظاهر.

стр. 72

معجزاته ﵊ قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في معجزاته ﷺ . فمن أعظم معجزاته وأوضح دلالاته القرآن العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي أعجز الفصحاء، وحير البلغاء، وأعياهم أن يأتوا بعشر سورة مثله، أو بسورة أو بآية، وشهد بإعجازه المشركون، وأيقن بصدقه الجاحدون والملحدون]. القرآن الكريم معجزة نبينا الخالدة، وهو معجز في لفظه ومعناه، قال شوقي ﵀: جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم [وسأل المشركون رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر، فانشق حتى صار فرقتين؛ وهو المراد بقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]. وقال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى زوى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منه) وصدق الله قوله بأن ملك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال]. هذا فيه نظر، فليس المقصود المشرق والمغرب تحديداً، وإنما المقصود انتشار الدين في كل مكان. [وكان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر وقام عليه حن الجذع حنين العشار، حتى جاء إليه والتزمه، وكان يئن كما يئن الصبي الذي يُسَكَّت، ثم سكن. ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة]. هذه اختلف العلماء في معنى نبع الماء من بين أصابعه ﵊ على قولين: القول الأول: أن يكون الماء نبع فعلاً من بين أصابعه، أي: خرج من بين أصابعه. القول الثاني: أن يكون المعنى أنه ببركته ﵊، ولما وضع أصابعه تكاثر الماء، والمعنى: أنه ﷺ لما وضع أصابعه في الماء تكاثر الماء لبركته ﵊، ولم يكن هناك نبع حقيقي من أصابعه. والقول الأول هو الأظهر، وعليه الأكثرون من العلماء، ولا مانع يمنعه. [وسبح الحصى في كفه، ثم وضعه في كف أبي بكر ثم عمر ثم عثمان فسبح، وكانوا يسمعون تسبيح الطعام عنده وهو يؤكل. وسلم عليه الحجر والشجر ليالي بعث. وكلمته الذراع المسمومة، ومات الذي أكل معه من الشاة المسمومة، وعاش هو بعده أربع سنين]. الذي مات معه هو بشر بن البراء ﵁. [وأصيبت رجل عبد الله بن عتيك الأنصاري فمسحها فبرأت من حينها، وأخبر أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي يوم أحد فخدشه خدشاً يسيراً فمات. وقال سعد بن معاذ لأخيه لـ أبي بن خلف: سمعت محمداً يزعم أنه قاتلك، فقتل يوم بدر كافراً. وأخبر يوم بدر بمصارع المشركين فقال: (هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله) فلم يعدو واحد منهم مصرعه الذي سماه. وأخبر أن طوائف من أمته يغزون البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كما قال. وقال لـ عثمان: إنه سيصيبه بلوى؛ فقتل عثمان. وقال للحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المؤمنين عظيمتين) فكان كذلك. وأخبر بمقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله وبمن قتله، وهو بصنعاء اليمن. وبمثل ذلك في قتل كسرى. وأخبر عن الشيماء بنت بقيلة الأزدية أنها رفعت له في خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذت في زمن أبي بكر الصديق في جيش خالد بن الوليد بهذه الصفة. وقال لـ ثابت بن قيس بن شماس: (تعيش حميداً وتقتل شهيداً) فعاش حميداً، وقتل يوم اليمامة شهيدًا. وقال لرجل ممن يدعي الإسلام وهو معه في القتال: (إنه من أهل النار) فصدق الله قوله بأنه نحر نفسه]. الغيب الذي أخبر عنه النبي ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: غيب يتعلق بالأمم والقرون الغابرة، ومثاله: قصة يوسف وإخوته، أصحاب الكهف، قوم نوح، قوم عاد، هذا كله إخبار عن غيب سبق. الثاني: إخباره عن غيب وقع في حياته قبل أن يموت، مثل إخباره بالذي قتل نفسه، وإخباره بـ الأسود العنسي، ومقتل قريش يوم بدر، ومقتل الأسود العنسي، هذا كله حصل في حياته ﷺ . الثالث: إخباره بغيب وقع بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، مثل قوله: (إن ابني هذا سيد)، وإخباره سراقة بن مالك أنه يلبس سواري كسرى، وأشراط الساعة ستقع بعد وفاته ﷺ . [ودعا لـ عمر بن الخطاب فأصبح عمر فأسلم. ودعا لـ علي بن أبي طالب أن يذهب الله عنه الحر والبرد فكان لا يجد حراً ولا برداً. ودعا لـ عبد الله بن عباس أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، فكان يُسمى الحبر والبحر لكثرة علمه. ودعا لـ أنس بن مالك بطول العمر، وكثرة المال والولد، وأن يبارك الله له فيه، فولد له مائة وعشرون ذكراً لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين، وعاش مائة وعشرين سنة أو نحوها. وكان عتيبة بن أبي لهب قد شق قميصه وآذاه، فدعا عليه أن يسلط الله عليه كلباً من كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام. وشكي إليه قحوط المطر وهو على المنبر، فدعا الله وما في السماء قزعة فثار سحاب أمثال الجبال، فمطروا إلى الجمعة الأخرى حتى شكي إليه كثرة المطر فدعا الله فأقلعت وخرجوا يمشون في الشمس. وأطعم أهل الخندق - وهم ألف - من صاع شعير أو دونه وبهيمة، فشبعوا وانصرفوا والطعام أكثر ما كان. وأطعم أهل الخندق أيضاً من تمر يسير أتت به ابنة بشير بن سعد إلى أبيها وخالها عبد الله بن رواحة. وأمر عمر بن الخطاب أن يزود أربعمائة راكب من تمر كالفصيل الرابض، فزودهم وبقي كأنه لم ينقص تمرة واحدة. وشهد الذئب بنبوته]. شهادة الذئب بنبوته رواها الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. [ومر في سفره ببعير يستقي عليه فلما رآه جرجر ووضع جرانه فقال: (إنه شكا كثرة العمل وقلة العلف). ودخل حائطًا فيه بعير] الحائط أي: البستان. [فلما رآه حنه وذرفت عيناه، فقال لصاحبه: (إنه شكا إلي أنك تجيعه وتؤدبه). ودخل حائطًا آخر فيه فحلان من الإبل وقد عجز صاحبهما عن أخذهما، فلما رآه أحدهما جاءه حتى برك بين يديه فخطمه ودفعه إلى صاحبه، فلما رآه الآخر فعل مثل ذلك]. هذه كلها أخبار تدل على ما سخره الله جل وعلا له صلوات الله وسلامه عليه. [وخرج على مائة من قريش وهم ينتظرونه فوضع التراب على رءوسهم ومضى ولم يروه. وتبعه سراقة بن مالك بن جعشم يريد قتله أو أسره، فلما قرب منه دعا عليه، فساخت يدا فرسه في الأرض، فناداه بالأمان، وسأله أن يدعو له فدعا له فنجاه الله. وله ﷺ معجزات باهرة، ودلالات ظاهرة، وأخلاق طاهرة، واختصرنا منها على هذا تحقيقاً]. وفي ختام هذا اللقاء أشهد الله على حبكم، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله ﵎، وسلامة الصدر لجميع المؤمنين، والسعي بالعمل بما نعلم عل الله جل وعلا أن يبلغنا أعلى المنازل في الدنيا والآخرة. هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.