← Джавами‘

Джавами‘ · id 37755

خطب المسجد الحرام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

خطبة المسجد الحرام - ١٢ رمضان ١٤٣٢ - وجوب تدبر القرآن - الشيخ أسامة خياط الخطبة الأولى الحمد لله العلي الأعلى، أحمده - سبحانه - وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله إمام المرسلين وخاتم النبيين وخيرُ الوَرى، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أئمة الهُدى ونجوم الدُّجَى. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -؛ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١]. عباد الله: لقد منَّ الله على هذه الأمة بإنزال كتابه العزيز قيِّمًا مباركًا لم يجعل له عِوجًا، فكان كتابَ هدايةٍ للتي هي أقوم، دلَّ الله به العبادَ إلى كل خيرٍ تطيبُ به حياتُهم، وتسعدُ به نفوسُهم، وتحسُن به عاقبةُ أمرهم، فأحيا به مواتَ القلوب، وأضاء به ظلماتُ الدروب، وكان كما قال الله في وصفه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]. وإن وجوه بركته - يا عباد الله - لا حدَّ لها، لا حدَّ يحُدُّها ولا مُنتهى لها، غير أن سبيلَ ذَيْن هذه البركة، وإن الطريق إلى إدراكها هو طريقُ رسول الله ﷺ الذي جعله الله لنا أُسوةً نقتدي به، ونترسَّم خُطاه، ونهتدي بهديه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]. وقد أوضح ﷺ لأمته النهجَ الأمثلَ للانتفاع بالقرآن والاهتداء بهديه؛ فبهما تتجلَّى بركتُه، ويستبينُ سبيلُ العمل به، فبيَّن ما للاشتغال بتلاوة هذا الكتاب من بركةٍ تغمُر من يتلوه بالحسنات والأجر الضافِي، وترقَى به إلى المقامات العالية، وتُبلِّغُه المنازلَ الشريفة التي أعدَّها الله لحمَلَته يوم القيامة، وذلك في مثل قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: «اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي أُمامة ﵁. وفي مثل قوله ﵊: «يُؤتَى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدُمه سورةُ البقرة وآل عمران تُحاجَّان عن صاحبهما»؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث النواس بن سمعان ﵁. وفي مثل قوله ﷺ : «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين»؛ أخرجه مسلم في "الصحيح" من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وفي مثل قوله: «الذي يقرأ القرآنَ وهو ماهرٌ به مع السفَرَة الكرام البَرَرة، والذي يقرأ القرآنَ ويتتعتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عائشة ﵂. وفي مثل قوله ﵊: «يُقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتقِ ورتِّل كما كنتَ تُرتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأ بها»؛ أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، والترمذي، وأبو داود في "سننهما" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ بإسنادٍ صحيح. غير أنه ﷺ لم يقصُر البيانَ على هذا؛ بل بيَّن للأمة أيضًا أن بركة هذا الكتاب وحقيقةَ الانتفاعِ به وسبيلَ الاهتداء بهديه إنما تكون لمن لم يجعل أكبر همِّه ومبلغَ علمه التلاوةَ وحسب؛ بل أخذ بحظِّه من تدبُّره وتفهُّم معانيه؛ إذ هو المقصود من القراءة، والغايةُ من التلاوة. وصفتُه - كما قال أهل العلم -: أن يشغل قلبَه بالتفكُّر في معنى ما يلفِظُ به، فيعرفَ معنى كل آية، ويتأمَّل ما فيها من الأوامر والنواهي، ويعتقدَ قبولَ ذلك، فإن كان مما قصَّر فيه فيما مضى اعتذَرَ واستغفرَ، وإذا مرَّ بآية رحمةٍ استبشَرَ وسأل، أو عذابٍ أشفقَ وتعوَّذ، أو تنزيهٍ نزَّه وعظَّم، أو دعاءٍ تضرَّع وطلبَ. وقد كان لرسول الله ﷺ من هذا النصيبُ الأوفَى والقِدحُ المُعلَّى؛ فقد أخبر حذيفةُ بن اليمان ﵁ أنه "صلَّى معه ﷺ ذات ليلة، فافتتحَ البقرة، قال: فقلتُ: يركعُ عند المائة، ثم مضى، فقلتُ: يُصلِّي بها، فمضى، فقلتُ: يركعُ بها، ثم افتتحَ النساءَ فقرأها، ثم افتتحَ آل عمران فقرأها، يقرأ مُترسِّلاً، إذا مضى بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مضى بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ"؛ أخرجه مسلم في "صحيحه". وقد بلغ ﵊ في تدبُّر القرآن، وكمال التفكُّر فيه، واستحضار معانيه في القلب، واستشعار عظمة ربه المُتكلِّم به - سبحانه - بلغ مبلغًا حملَه على أن قام في ليلةٍ بآية واحدةٍ يُكرِّرها، كما جاء في الحديث - الذي أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، والنسائي وابن ماجه في "سننهما"، والحاكم في "مستدركه" بإسنادٍ صحيحٍ - عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵁ أنه قال: قام النبي ﷺ بآيةٍ حتى أصبح، بها يركع، وبها يسجُد، وهي قوله - سبحانه -: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨]. ولا عجبَ أن يكون لهذا الهدي النبوي أثرُه البالغُ في قلوبِ وعقول سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم -؛ فهذا زيدُ بن ثابتٍ ﵁ يسأله رجلٌ فيقول: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ قال زيدٌ: ذلك حسن، ولأَن أقرأه في نصف شهرٍ أو عشرين أحبُّ إليَّ، وسلْني: لمَ ذلك؟ قال: إني أسألك. قال زيدٌ: لكي أتدبَّر وأقِف عليه؛ أخرجه الإمام مالك في "الموطأ"، وعبد الرزاق في "مصنفه". وهذا ابن عباس ﵄ يقول له نصرُ بن عمران: إني سريعُ القراءة - وفي لفظٍ: إني سريع القرآن -، إني أقرأ القرآن في ثلاث، فيقول ابن عباس ﵄: "لأَن أقرأ البقرةَ في ليلةٍ أتدبَّرُها وأُرتِّلُها أحبُّ إليَّ أن أقرأ كما تقرأ". وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ يقول له رجلٌ: إني لأقرأ المُفصَّل في ركعة، فيقول ابن مسعود ﵁: "هَذًّا كهذِّ الشعر؟! إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ تراقِيَهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخَ فيه نفع". وقال ﵁ أيضًا: "اقرأوا القرآن وحرِّكوا به القلوب، وقِفوا عند عجائبه، ولا يكن همُّ أحدكم آخرَ السورة". وقد أعرض كثيرٌ من الناس في أعقابِ الزمن عن هذا الهدي النبوي والطريق السلفي؛ فصار شُغل أحدهم الشاغل - لا سيما في شهر رمضان - الإكثارَ من ختم القرآن في عجلةٍ شديدة، وإسراعٍ لا نظيرَ له دون اهتمامٍ بتدبُّره وتفهُّم معانيه، وهو أمرٌ جعله ابن الجوزي ﵀ من تلبيس إبليس عليهم في قراءة القرآن، فقال: "وقد لبَّس - أي: إبليس - على قومٍ بكثرة التلاوة، فم يهُذُّون هذًّا من غير ترتيلٍ ولا تثبُّت، وهذه حالةٌ ليست بمحمودة، وقد رُوِي عن جماعةٍ من السلف أنهم كانوا يقرأون القرآن في كل يومٍ أو في كل ركعة، وهذا يكون نادرًا منهم، ومن داومَ عليه فإنه - وإن كان جائزًا - إلا أن الترتيل والتثبُّت أحبُّ إلى العلماء، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يفقَهُ من قرأه في أقلَّ من ثلاث» "؛ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه في "سننهم" بإسنادٍ صحيح. قال: "وقد لبَّس إبليس على قومٍ من القرَّاء فهم يقرأون القرآنَ في منارةِ المسجد بالليل بالأصوات المجتمعة المرتفعة الجزءَ والجزئين، فيجمعون بين أذى الناس في منعهم من النوم، وبين التعرُّض للرياء، ومنهم من يقرأ في مسجده وقت الأذان؛ لأنه حين اجتماع الناس في المسجد. ومن أعجبِ ما رأيتُ فيهم: أن رجلاً كان يُصلِّي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة، ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين ويدعو دعاءَ الختمة، ليُعلِمَ الناس أني قد ختمتُ الختمةَ! وما هذه طريقة السلف؛ فإن السلفَ كانوا يستُرون عبادتَهم، وكان عملُ الربيع بن خُثَيْم كله سرًّا، فربما دخل عليه الداخلُ وقد نشرَ المصحفَ فيُغطِّيه بثوبه، وكان أحمد بن حنبل يقرأُ القرآنَ كثيرًا، ولا يُدرَى متى يختِم". اهـ كلامه ﵀، وجزاه خيرًا على نُصحه وبيانه وتحذيره وتذكيره -. فاتقوا الله - عباد الله -، وليكن لكم في أمر الله وفيما كان عليه رسول الله ﷺ خيرَ باعثٍ على تدبُّر كتاب الله تعالى؛ فإن التدبُّر الباعثَ على العمل هو المقصود الأعظم الذي حثَّ عليه ربُّنا أبلغَ حثٍّ بقوله: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ﷺ ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الوليِّ الحميد، الفعَّالِ لما يُريد، أحمده - سبحانه -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المُبدِئُ المُعيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله صاحب الهديِ الراشد والنهجِ السديد، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فيا عباد الله: إن في قول الله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤] دلالةً عند بعض العلماء على وجوب تدبُّر القرآن في حقِّ المُكلَّفين جميعًا؛ لأنه - سبحانه - حثَّ على التدبُّر في مقام الذمِّ لمن أعرض عنه - أي: عن التدبُّر - ولم يرفع به رأسًا، فأسقطَه من حسابه؛ فدلَّ على وجوبه على الناس في الجملة - ولا سيما - ما لا يسعُ أحدًا جهلُه، ولا يجوز تركه، ولا تصحُّ عبادةٌ بدونه؛ كتوحيد الله تعالى، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ بيت الله الحرام، أما فروع ذلك وتفصيلُه وتأصيلُه والإفاضةُ فيه وفيما سواه من أبواب العلم فهو شأنُ الراسخين في العلم؛ لامتلاكهم أزِمَّته، وحيازَتهم أدواته. وما أحسنَ أن تُعقَد لتدبُّر القرآن مجالسُ في المساجد والبيوت ودُور العلم وغيرها ليشيعَ بين الناس هذا اللونُ من ألوان الهداية، ويكثُر به الخيرُ، ويعظُم به الانتفاع، ويُرجَى به نوالُ الموعودِ الواردِ في قوله ﵊: «ما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلونَ كتابَ الله، ويتدارَسونَه بينهم إلا نزلَت عليهم السَّكِينة، وغشِيَتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكَرهم الله فيمن عنده»؛ أخرجه مسلم في "صحيحه". وإن في أيام هذا الشهر المبارَك ولياليه خيرَ مُعينٍ على إدراك هذه الأُمنية، وبلوغ هذا المأمول. فاتقوا الله - عباد الله -، وليكن لكم من تدبُّر كتاب الله خيرَ عُدَّةٍ تعتدُّونها، وأقوى باعثٍ على العمل بما يُحبُّه ربُّكم ويرضاه. وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّه ومُجتباه: محمد بن عبد الله؛ فقد أُمِرتم الله بذلك في كتابه؛ حيث قال الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوزَ وعفا. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وانصر عبادكَ الموحِّدين، واجعل هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، واجزِه خيرَ الجزاء وأحسنَه وأفضلَه على عنايته بشؤون المسلمين أجمعين، وعلى موقفه الإسلامي الحكيم من إخواننا في سورية وغيرها من بلاد المسلمين، وعلى ما بذَلَ من نُصحٍ وتحذيرٍ وتذكيرٍ وتبصير، نسأل الله أن ينفعَ به، ويحفَظ به الحَوزَة، ويحقِن به الدماء، ويرفع البلاء، إنه سميعٌ مُجيب الدعاء. اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، يا من إليه المرجع يوم التناد. اللهم اكفِنا أعداءنا بما شئتَ، اللهم اكفِنا أعداءنا بما شئتَ، اللهم اكفِنا أعداءنا بما شئتَ، اللهم إنا نجعلُك في نحور أعدائنا، ونعوذُ بك من شُرورهم، اللهم إنا نجعلُك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر. اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 37

خطبة المسجد الحرام - ١٩ رمضان ١٤٣٢ - التوبة والعشر الأواخر من رمضان - الشيخ صالح بن حميد الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله وهو الكريم أسبغَ علينا نعمَه باطنةً وظاهرةً، والحمد لله وهو الرحيم لم تزَل ألطافُه علينا مُتظاهرة، والحمد لله وهو العزيز ذلَّت لعزَّته رِقابُ الجبابرة، أحمده - سبحانه - وأشكره وهو الشكور دامَت علينا نعمُه مُتكاثرةً مُتوافرةً مُتواترة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تُنجِي صاحبها في الدار الآخرة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله المُؤيَّد بالآيات الكُبرى والمُعجِزات الباهرة، صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله العِترة الطاهرة، وعلى أصحابه النجوم الزاهِرة، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فكفى بالله مُحبًّا ومحبوبًا، وكفى برسول الله ﵌ قدوةً ومتبوعًا، وكفى بالقرآن مُؤنِسًا ورفيقًا، وكفى بالموت واعِظًا، وكفى بخشية الله علمًا. علامة الدين: الإخلاص لله في السر والعلَن، وعلامة الشكر: الرضا بالقضاء والقدر، وعلامة الحب: كثرة ذكر المحبوب؛ فاتبع - يا عبد الله - ولا تبتدع، وتواضَع ولا ترتفع، ومن ورِع لا يتسع، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ [القصص: ٦٠]. أيها المسلمون: استقامةُ النفوس وإصلاحُها، وتزكيةُ القلوب وتطهيرها مسالكُ تفتحُ أبوابَ الأمل من أجل حياةٍ أفضل ومسيرةٍ أزكى، النفوس لا تُحقِّق عزَّتها، والقلوب لا تُحصِّل سكينتَها إلا إذا تذلَّلَت لربها راضية، وخضعَت لخالقها راغِبة، وأقبلَت على مولاها خائفة، وسارَت إليه مُشفِقةً وجِلة؛ لتنالَ الأمنَ وتذوقَ لذَّة المناجاة، وحينئذٍ تطمئنُّ النفوس، وتنشرِحُ الصدور، وتستنيرُ القلوب، فالله - سبحانه - عند المُنكسِرة قلوبهم، الصادق تذلُّلهم. أيها المسلمون، أيها الصائمون: وهذه وقفةٌ مع عبوديةٍ من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها عنده، عبوديةٌ تُنتِجُ للعبد آثارًا عجيبة من المقامات والمنازل، تُنتِج المحبة والرِّقة والانكسار والحمدَ والرضا والشكرَ والخضوعَ لله . عبوديةٌ قال فيها أهل العلم: "إنها من مهمات الإسلام وقواعده ومقاماته المتأكدة". منَّةٌ من الله ونعمة لا تدَع ذنبًا إلا تناوَلَته، ولا معصيةً إلا محَتها، ولا تقصيرًا إلا جبَرَته، هذه العبودية وهذه المنَّة الإلهية والمنحةُ الربانية نهرٌ نميرٌ طاهرٌ يتطهَّرُ به العبدُ من أدرانه، إنها التوبة - يا عباد الله -، إنها العودة الغانمة، والتجارة الرابحة، والرياضُ التي لا يذبُلُ زهرُها. التوبة - تقبَّل الله صيامَكم وقيامَكم - رجوعٌ إلى الله بالتزام فعل ما يحب باطنًا وظاهرًا، وترك ما يكره باطنًا وظاهرًا، دعاءٌ وتضرُّع وتذلُّل وإقرارٌ بحول الله وقوته، وقدرته ومشيئته، وعدله وحكمته، وفضله ورحمته، واعترافٌ بالضعف البشري والتقصير والحاجة. التوبة - أيها التائبون -: ترك الذنب علمًا بقُبحه، وندمًا على فعله، وعزمًا على عدم العودة إليه، وتدارُكًا للأعمال الصالحة من غير تردُّدٍ أو انتظارٍ أو يأس، في إخلاصٍ لله وما عنده من عظيم الثواب وخوفٍ من أليم العقاب. إخوة الإيمان: وكل عبدٍ مُحتاجٌ إلى التوبة، مُفتقِر إلى الإنابة، فلا يُتصوَّر أن يستغنِي عنها أحد مهما بلغَ مقامُه، ومهما كانت طاعتُه وصلاحُه؛ بل هي خُلُق الأنبياء والمرسلين، فهي تُصاحبُ البشرية منذ أبيهم آدم ﵇: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧]، قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. ونبيكم محمد ﷺ : «يا أيها الناس! توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة». معاشر الصائمين والصائمات: بالتوبة النَّصُوح ينتقلُ العبدُ من المعصية إلى الطاعة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الهَدم إلى الإصلاح، ومن الظلم إلى العدل والرحمة والإحسان، التوبة سدٌّ عظيمٌ أمام الفساد والمُفسِدين يعرِضها الإسلام على الكفار وعلى المحاربين والمرتدين وعلى كل المُفسِدين في الأرض مهما بلغَ كفرُهم وفسادُهم وطغيانُهم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: ٣٨]، وفي المحارِبين والمُفسِدين: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]. بالتوبة الصادقة يتطهَّر المجتمع من المآثِم والجرائم ليقلَّ خطرُها ويُحاصَر أثرُها، بالتوبة يتجسَّد للعبد ذلُّ الحاجة، وذلُّ الطاعة والعبودية، وذلُّ المحبة والانقياد، وذلُّ المعصية والخطيئة، ومن اجتمع له ذلك كلُّه فقد خضَع لله تمام الخضوع، وحقَّق العبوديةَ والاستكانة. وهل يُسكِنُ تأنيبَ الضمير وأوجاعَ النفوس إلا التوبة والذكر والاستغفار: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨]. أيها المسلمون: هلا وقفتُم عند فرح الله بتوبة عبده؟! «للهُ أفرحُ بتوبة عبده من رجلٍ أضلَّ راحِلَته في فلاة وعليه متاعُه وطعامُه وشرابُه، حتى اشتدَّ عليه الحرُّ والعطش، فنام نومةً، ثم رفع رأسَه فإذا راحِلتُه عنده». ألا يبهَرُ الصالحين هذا الترحابُ الغامِر؟ أتُرى سرورًا يعدِلُ هذه البهجةَ الخالصة؟ توبةٌ وأوبةٌ يفرحُ الله بها، فهي انتصارُ العبد على أسباب الضعف والنفس الأمَّارة بالسوء والشيطان الرجيم، إنه فرحُ الله البرِّ اللطيف المُحسِن الكريم الجواد الرحيم. الله أكبر - عباد الله -؛ لقد جعل الله التوبةَ وسيلةً لمحبته وسبيلاً لفرحه، ولم يكن هذا الفرحُ من الله في شيءٍ من الطاعات غير التوبة، فرحُ إحسانٍ من العليِّ الأعلى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]، ربُّنا - عزَّ شأنه - يحب التوابين؛ لأن التائب المُوفَّق يكون في حالٍ من الوَجَل والإشفاق والانكسار والتذلُّل والتضرُّع والرجاء بأن يقبل الله توبتَه، ويغفِر زلَّته، ويتجاوز عن ذنبه، ويغسِل حوبَته، ويمحو خطيئتَه. وهذه الأحوال من أفضل أحوال العبد التي يحبُّها الله، فالله يحبُّ من عبده أنه كلما أحدثَ زلَّةً أحدثَ لها توبةً، وهذا هو العبدُ التواب، والله التواب هو الحليم الكريم العفوُّ الغفور الجوادُ الرحيم. توابون أوابون يشعرون بحب الله ومعيَّته؛ لأنهم لا يشعرون أنهم مُنفرِدون بهمِّهم، ولا وحيدون بمُصابهم؛ بل يأوون إلا ركنٍ شديد، ويلجئون إلى كنَفِ رحيم. معاشر الصائمين والقائمين: ووقفةٌ أخرى مع مظاهر هذه المحبة الإلهية والفرح الربَّاني، إنه تبديلُ السيئات حسنات: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٧٠]، فأيُّ جودٍ من ربنا أعظمُ من هذا؟ وأيُّ كرمٍ أوسع من هذا؟ نعم - عباد الله -؛ التوبة لا تمحو الذنب فقط؛ بل تُحوِّله حسنات تُضاف إلى رصيد الحسنات، الربُّ يتحبَّبُ إلى عبده وهو الغنيُّ، والعبدُ يُقدِمُ على التقصير وهو الفقير، «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطَعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت». ومن لُطف الله ورحمته وفرحه بتوبة عبده: أن العبدَ إذا كان له حسنات ثم عمِل سيئاتٍ استغرقَت هذه الحسنات، ثم تابَ بعد ذلك، فإن حسناته الأولى تعود إليه، يقول حكيمٌ بن حزام ﵁: قلتُ: يا رسول الله! أرأيتَ أشياء كنتُ أتحنَّثُ بها - أي: أتعبَّدُ بها - في الجاهلية؛ من صدقةٍ، وعِتاقٍ، وصلةِ رحِم؛ فهل فيها أجر؟ فقال النبي ﷺ : «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ»؛ متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر: "لا مانع أن يُضيف الله إلى حسناته في الإسلام ثوابَ ما كان صدر منه في الكفر تفضُّلاً وإحسانًا". معاشر الأحبة من أهل الصيام والقيام: حين يمُنُّ الله على العبد بالتوبة ويُبدِّلُ الله سيئاته حسنات كيف يكون حالُه وحالُ من حوله وحالُ المجتمع؟ تأمَّلوا في حال عاقِّ والدَيْه حين يمُنُّ الله عليه بالتوبة فيصلُح حالُه، ويعزِمُ على التوبة النَّصوح، فيُقيمُ على أنقاض العقوق صروحَ البرِّ والإحسان، فيبَرَّ والدَيْه ويصِلَهما، ويُغدِق عليهما، ويُحسِن حديثَه إليهما، ويخفِضَ الجناحَ لهما، ويدعُو لهما، رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء: ٢٥]. وحين يمُنُّ الله على قاطع الرحِم، فتزول عنه الغِشاوة، فيرى تفريطَه في قرابته، وقطيعتَه لأهله فيفِرّ - بعون الله - إلى التوبة، فلا يقف عند الندم والاعترافِ بالخطأ والاستغفار؛ بل يُسارِع إلى وصلِ رحِمِه، ويُؤسِّس لعهدٍ جديدٍ مع الأقربين في الزيارات والاتصالات والمساعدات وقضاء الحوائج قدر المُستطاع. وما أجمل حُسن المتاب للمُغتاب؛ فبعد أن كان يتتبَّعُ السلبيات وكشفَ العورات وبثَّ الأخبار المُغرِضة، والشائعات الكاذِبة، والازدراء والانتقاص يتوبُ إلى ربه، ويؤوبُ إلى فضل الله ورحمته، فلا يكتفِي بكفِّ لسانه عن الحرام والممنوع؛ بل ينتقل إلى ذكر المحاسن، ونشر الفضائل، والتماسِ الأعذار، وسدِّ النقائص، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات: ١٢]. وما أجمل من ابتُلِي بنشر الرذائل؛ كلمةً، وصوتًا، وصورةً، ذكرًا أو أُنثى، حين يُزيِّنُ الفواحِش، ويُحبُّ أن تشيعَ الفاحِشةُ في الذين آمنوا، في قصصٍ وأفلامٍ ورواياتٍ وتمثيليات وكتاباتٍ ومقالاتٍ ومُنتجات؛ نعم، منَّ الله عليه فتابَ وآمنَ وعملَ عملاً صالحًا، أعمالاً صالحة تدفِنُ الماضي الذين أفنى فيه زهرَة عُمره، فيدعو إلى الخير والفضيلة والالتزام بقِيَم الإسلام؛ في مُؤلَّفاتٍ ومُنتجاتٍ، هذا خيرٌ ممن يقتصر على سلوك مسلك الاعتزال عن ماضيه، وإن كان هذا الاعتزالُ حسنًا وخيرًا ولكن أن يمُنَّ الله عليه فيكتُب ويُؤلِّف ويُبيِّن مواطن الخطأ، ويصدُّ عن مسالك الغواية، ويرسمُ مناهج الحق، فهذا خيرٌ وأولَى وأصلَح. وما أجمل صاحب المظالم وقد منَّ الله عليه بتوبةٍ نصوحٍ وندمٍ عريض، فيرجعُ إلى ربه، ويردُّ المظالمَ إلى أهلها، ويُعيدُ الحقوقَ إلى أصحابها ماديةً ومعنوية، ماليةً وسياسية وفكريةً وغيرها. وبعدُ، عبا الله، وبعدُ، معاشر الإخوة: فهذه هي قوافل التائبين ومراكب الناجين؛ فهل شممتَ ريحًا أطيبَ من أنفاس التوابين؟ وهل رأيتَ أعذبَ من دموع النادمين؟ وهل شاهدتَ أجملَ من لباس المُنكسِرين؟ بل هل سمعتَ نداءً أجمل وألطفَ وأرقَّ من نداء رب العالمين: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١١٠]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله، الحمد لله برحمته اهتدى المُهتدون، وبعدله ضلَّ الضالون، لا يُسأل عما يفعلُ وهم يُسألون، أحمده - سبحانه - وأشكره على ترادُف آلائه، وقليلٌ من عباده الشاكرون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزَّه عن الصاحبة والولد، وسبحان الله وتعالى عما يصفون، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه وخليلُه الأمين المأمون، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ومن هم بهديه مُستمسِكون، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، معاشر الأحبة: كلما قوِي سلطان محبة الله في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وبضعف المحبة تقوى جاذبيةُ المعصية، وتظهرُ المحبة حين تقترِنُ بالحياء من الله وإجلاله وحُسن مراقبته، والمسلمون في هذه الأيام المباركة أيام شهر رمضان المبارَك؛ بل هم في إقبال هذه العشر الأخيرة أكثر حياءً وأكثر محبةً وأعظمُ رجاءً، كيف وقد اجتمع لكم - يا أهل الحرمين - مواطنين ومُقيمين وزوَّارًا، اجتمع لكم شرفُ الزمان وشرفُ المكان، تعيشون قُدسية المُقدَّسات، ونفحات البركات، مُقبلين على عباداتكم وصلواتكم وأذكاركم ببُشرٍ وابتهاجٍ وأنتم ترون من المُنشآت وتعيشون من الإنجازات ما يُثيرُ اعتزاز كل مسلم، ويُبهِجُ كل مُتعبِّد، ويُهيِّيءُ أجواءً العبادة لكل مُتنسِّك. أيها الإخوة الأحبة: هذه الدولة السعودية المباركة أقامت دولةً موحَّدة مُترامية الأطراف، لمَّت شتاتَ الأمة، وأرسَت قواعدَ الحكم على كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ في خِضَمِّ صراعاتٍ حادَّة وتياراتٍ مُتصارعة، هذا المؤسس الملكُ عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ بعد ملحمة التوحيد، وبعد أن استقرَّ الحكم واطمأنت البلادُ وأهلُها بدأ التعمير والبناء في الدولة. ومن أظهر مظاهر التعمير وأول المواقع وأولاها: البِقاع الطاهرة؛ الحرمان الشريفان والمشاعر المُقدَّسة، فكانت محلَّ العناية من الملك المُؤسِّس ثم أبنائه الملوك من بعد: سعودٍ وفيصل وخالدٍ وفهد، وأنتم في هذا العهد الزاهر المُتمِّم لعهود والده وإخوانه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، لم تعتزَّ الدولة السعودية مثل اعتزازها بهذه الخدمات الجليلة، ولم تتردَّد لحظةً واحدة في بذلٍ غير مقطوعٍ ولا ممنوع في كل ما يخدِمُ هذه البقاع الطاهرة. أما حينما يسَّر الله علينا من فضله وفتح لنا من خزائنه فكان من أظهر مظاهر الشكر والتحدُّث بالنعمة أن تكون الأولوية للبقاع الطاهرة والديار المُقدَّسة، اهتمامٌ وعنايةٌ تُناسِبُ مع مكانة المكان وقُدسية المُقدَّسات وتطلُّعات المسلمين وخدمة المُتعبِّدين. لقد أراد الله - بمنِّه وفضله وكرمه - أن يحظَى ولاة أمر هذه البلاد بشرف هذه الأعمال العظيمة، والجهود المباركة، والإنجازات الضخمة، إن كل ما يُستطاعُ تقديمُه، وكل ما يُمكنُ بذلُه فلن تتردَّد الدولة في الإقدام عليه والمُبادرة إلى تنفيذه في تخطيطٍ ودراسةٍ ودراية، مهما كلَّف من جهدٍ ومالٍ وتخطيطٍ وتنفيذ، فلله الحمد والشكر والفضل والمنَّة. ولقد أقرَّ الله عليه المسلمين في كل مكان وتحقَّقت همَمُ الملوك فانتصَبَ الحرمان الشريفان والمشاعرُ المُقدَّسة كأكبر مشروعاتٍ نُفِّذَت في العالم مهما كانت ضخامَتُها، إنها مشاريع هي المعالمُ الأبرز على مستوى العالم الإسلامي كله، مُتميِّزةً بكل المعايير، ومُتقدِّمةً بكل المقاييس، وقد ضمَّت وتضمَّنت من التفاصيل الفنية أوفاها، ومن التقنيات المعاصِرة أرقاها، ومن الخامات أجودَها، في أعلى المعايير المهنية، في مُنشآتٍ حضاريةٍ شامِخة تجمعُ بين الأصالةِ والمعاصرة. وحين يكتمل المفهوم الحضاري ومن أجل توظيف ما أظهره الله في هذا العصر من تِقنياتٍ وإمكانياتٍ ووسائل ومُعدَّاتٍ وآلات؛ فقد كانت العنايةُ بالمرافق؛ من تكييفٍ وإضاءة وسِقاية وصوتيات وساحات وميادين وشوارع وأنفاق وجُسورٍ وقطارات، وأنظمة تحكُّم، واستعدادٍ لحالات الطوارئ، كل ذلك في أعلى المواصفات وأدق مستويات الأداء؛ في صورةٍ حيَّة لتِقنيَّات المعمار الحديث، تُعبِّر عن الجناب القُدسي، والسموِّ الجمالي. إننا نحسبُ أنها إنجازاتٌ شاهِدة ماثِلة يعرفُ قيمتَها ويقدُر قدرَها كلُّ من يراها، ويبهَرُ ببهائها كلُّ من يُشاهِدُها، نعم؛ المواطن يشهد، والمُقيم يشهد، والزائر يشهد، والطائف والعاكف والبادِي يشهدون، ومُشاهد التلفاز يشهد، والخبير يشهد؛ بل الإنجاز الشامخ قبلهم وبعدهم هو الشاهد والمشهود في شهاداتِ عدلٍ محليةٍ ودولية على هذه الإنجازات البهية الباهرة. كل ذلك؛ وإن أفضل الأعمال أبقاها، وأحسنَها أخلدُها، وستبقى هذه الإنجازات السعودية في سجلِّ الخالدين - بإذن الله -. ومن العجب - أيها المسلمون - أن هذه الدولة - وقد وفَّقها الله إلى هذه العناية والرعاية والخدمات والإنجازات - لم يكن هذا هو تميُّزها الوحيد؛ بل إن من فضل الله عليها أنها لم تكن بعيدةً عن أشقائها في جميع مراحل الأزمات؛ السياسية والاقتصادية والإنسانية، فهي راعيةُ التضامُن الإسلامي، وراعيةُ الحوار، ودولةُ المُبادرات، والمُترفِّعة عن الخلافات. ويأتي خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ عبدُ الله بن عبد العزيز آل سعود ليُعلِن بمُبادراته ووقفاته التاريخية المسؤولة، وبمصداقيته المعهودة، وصفائه الجلِيّ، وأخلاقه العربية والإسلامية ليحمِل همَّ أشقائه حكوماتٍ وشعوبًا. وحينما دخلت بعضُ البلدان الشقيقة فيما دخلت فيه من اضطراباتٍ ومُشكلاتٍ وأزماتٍ أسهمَ إسهاماته المحسوبة، وخطَى خُطواته المُتأنية في منهجٍ عقلاني، وسياساتٍ حكيمة، ومُبادراتٍ مُتأنية، ونهجٍ مُتوازن، وهو النهجُ الأنجَع في منطقةٍ قلِقة وأجواءٍ مُضطربة. ملكٌ ينظر بنظرٍ شموليٍّ في قضايا الأمة الكُبرى ويترفَّع عن الصغائر فضلاً عن أن يقف عندها، منهجٌ عقلاني وسياسةٌ حكيمة، تحمي الأبرياء، وتأبَى سفكَ الدماء، بعيدًا عن الشعارات والمُساومات، وليس هو الذي يقِفُ مع الحكومات ضدّ شعوبها، ولا مع الشعوب ضد حكوماتها، ولكنه بصدقِه ونقائه وحبه وإخلاصه وحكمته يقف مع المصلحة والإصلاح في عزمٍ وحزمٍ وغيرةٍ وحميَّة. ليس مُناهِضًا للعادل من المُطالبات، ولا للنافع من التغييرات، ولكنه مُعارضٌ للقتل والخراب والتدمير، إنها السياسات التي تحسِبُ لعواقِب الأمور حِسابَها، وتنظر في المآلات ونهاياتها، مع الحرص الشديد على تجنُّب المزالِق الضيقة والدهاليز المُلتوية، بعيدًا عن الفتن والضغائن. نداءاتُ مليكنا ومُبادراته ذاتُ مضامين عملية وأساليب واضحة تحمِلُ مشاعر الصدق والمحبة، ومشاعيل الرجاء والأمل. إنه قائدُ الأمة الذي يقفُ مُتساميًا فوق كل المواقف يصدَعُ بالحق وينحازُ إليه، القائد الملكُ الصالح الذي لا يُساوَم على دينه وعروبته وغيرته على أمته. بارك الله في الجهود، وسدَّد الخُطى، وهدى للتي هي أقوم، وأصلح الله شأن الأمة كله، وحفِظ عليها أمنها وإيمانها ووحدة ديارها وجمع كلمتها، إنه سميعٌ مُجيبٌ. ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٣١]، فكل ابن آدم خطَّاء، ولكن عفوَ الله أعظم، والزلَلُ كبير، ورحمةُ الله أوسع، فسارِعوا إلى رحمةٍ من ربكم، واستغِلُّوا شريفَ أيامكم، وتعرَّضوا لنفحات ربكم، وأرُوا اللهَ من أنفسكم خيرًا. ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمدٍ رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - عزَّ شأنه -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والظلَمة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانهم وأعوانهم لما تحب وترضى، وخُذ بنواصيهم للبر والتقوى. اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعفين مظلومين قد مسَّهم الضرُّ، وحلَّ بهم الكرب، واشتدَّ عليهم الأمر، تعرَّضوا للظلم والطغيان، سُفِكت الدماء، وقُتل الأبرياء، ورُمِّلت النساء، ويُتِّم الأطفال، اللهم يا ناصر المُستضعفين ويا مُنجِي المؤمنين اللهم انتصر لهم، وتولَّ أمرهم، واكشف كربَهم، وارفع ضُرَّهم. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم، واجمع على الحق والهدى كلمَتهم، وولِّ عليهم خيارَهم واكفِهم أشرارهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بَطَن. اللهم وارفع عنا وعنهم الغلا والوبا والربا والزنا والجوع والعُرِيّ والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطن عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يُعجزونك، اللهم أنزِل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأُ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبوابَ القبول والإجابة، اللهم تقبَّل طاعاتنا ودعاءنا وصيامَنا وقيامَنا، وأصلِح أعمالنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 38

خطبة المسجد الحرام - ٢٦ رمضان ١٤٣٢ - تدبر الأمثال في القرآن الكريم - الشيخ سعود الشر يم الخطبة الأولى الحمد لله الكبير المُتعال، ذي العزَّة والجبروت والجلال، له الحمدُ في الأولى والآخرة، وله الحكمُ وإليه المردُّ والمآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، طيِّبُ الخِصال، صادقُ الفِعال، صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آله وأصحابه والآل، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - سبحانه -، والاعتصام بحبله المتين، ونهجِه القويم، وإياكم والكسلَ والخُذلان؛ فما نالَ العُلا كسلان، ولا وردَ الصفوة خُذلان، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٩٠]. أيها الناس: لله ما أجملَ هذا الشهر المبارك وما أروعه، لله ما أصفاه وأعذَبَه، له حلاوةٌ كحلاوة الشهد وهو يُكرَّر، وله أُنسٌ وطُمأنينةٌ وسكِينة تجعل من لامسَها يتمنَّى أن لو كانت السنةُ كلُّها رمضان. نعم، عباد الله: لقد خُضنا خمسة أسداس هذا الشهر المبارك، فكأن شيئًا لم يكن إذا انقضى، وما مضى مما مضى فقد مضى، لقد مرَّت أيامُه كلمحِ البصر، وتناقَصَت لياليه وكأنها أوراقُ الخريف عصَفَت بها الريحُ حثيثةً، فصارت أثرًا بعد ذات وخبرًا بعد كان. لقد أبحرنا جميعًا في هذا الشهر المبارك مع أطهر الكلام وأصدقه، هو عزٌّ لا يُهزَم أنصارُه، ومنهاجٌ لا يضِلُّ ناهِجُه، هو معدِنُ الإيمان وينبوعُ العلم، هو ربيعُ القلوب والدواء الذي ليس بعده دواء، فيه نبأُ من قبلَنا، وخبرُ ما بعدنا، وفضلُ ما بيننا، يرفع الله به أقوامًا ويضعُ آخرين، ومن تمسَّك به فقد هُدِي إلى صراطٍ مستقيم، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٣]. هو الكتابُ الذي من قامَ يقرؤه...كأنما خاطَبَ الرحمنَ بالكلِمِ إننا - عباد الله - لن نجِد قصصًا ولا أمثالاً ولا أخبارًا أصدق منه، ولن نجد أكثر تشويقًا ولا أخذًا للألباب من كلام الباري - جل شأنُه - الذي نزل به الروحُ الأمين على قلب نبينا ﷺ ليكون من المُنذرين بلسانٍ عربي مبين، أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]. وشهر رمضان المبارك خيرُ فرصةٍ سانحةٍ لأن يعيش المؤمن هذه الأجواء، ويُبحِر بفكره ولُبِّه في أمثاله وعجائبه، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٨]. ولو دقَّقنا النظر - عباد الله - في الأمثال المضروبة في القرآن لسمِعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد، فالله تعالى يقول: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الروم: ٥٨]. وقد جاء في القرآن ثلاثةٌ وأربعون مثلاً لا يتدبَّرها ولا يستطعِمُ بلاغتَها إلا من له عقلٌ حيٌّ ولُبٌّ يلمَح، قال أحد السلف: "كنتُ إذا قرأتُ مثلاً من القرآن فلم أتدبَّره بكيتُ على نفسي؛ لأن الله يقول: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣] ". لقد ضرب الله لنا في القرآن أمثالاً متنوعة لم تكن قاصرةً على خلقٍ دون آخر؛ فقد يضربُ الله المثلَ في نباتٍ؛ كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: ٢٤]، وقد يضرب الله المثلَ بحيوانٍ أعجم؛ كما ذكر عن الذي آتاه آياته فانسلَخَ منها، فأتبعَه الشيطان فكان من الغاوين، وذلك كقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: ١٧٦]، وقد يضربُ الله مثلاً بالإنسان، كما في قوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٦]. فلله ما أعظم هذه الأمثال وما أعظم ما تحويه من نهايةٍ في العِظَة والعِبرة، ونهايةٍ في البلاغة وإيجاز اللفظ وحُسن التشبيه وقوة الكناية، ولقد صدقَ الله - سبحانه - إذ يقول: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: ٢٣]. وإن تعجَبوا - عباد الله -، فعجَبٌ حينما يضربُ الله مثلاً لعباده بأحقر مخلوقاته وأصغرها؛ فقد قال تعالى عن العنكبوت: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٤١]، فهذه حال كل من تعلَّق بغير الله أو خافَ غيرَ الله أو رجا غيرَه أو أرضى الناسَ بسخط الله؛ فمن فقد اللهَ فماذا عساه أن يجِد؟! ومن وجدَ اللهَ فما عساه أن يفقِد؟! قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعام: ١٤]، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "من تعلَّق شيئًا وُكِل إليه". فيا خيبةَ من تعلَّق بغير الله في كافة شؤونه! وقد ضرب الله لنا مثلاً أيضًا بالبعوضة الصغيرة التي لا نأبَهُ لها ولا نُعيرُها اهتمامًا إلا في قتلها، تلكم البعوضة التي قال الله عنها: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة: ٢٦]، ألا فسبحان الله هلاَّ سألنا أنفسَنا: لماذا يضربُ الله لنا مثلاً بالبعوضة؟! نعم، البعوضة التي لا يعرفُ من نزلت عليهم هذه الآية منها إلا صورتَها، فكيف بنا ونحن في زمنٍ كشفَ في البعوضة قلبَها ودماغَها وعيونَها وعروقَها، فهذه المخلوقةُ الصغيرة لا تُحقَر ولا تُزدَرى، فهي التي قيل في مثلها: لا تحقِرنَّ صغيرًا في مُخاصمةٍ...إن البعوضةَ تُدمِي مُقلةَ الأسدِ وإن العجبَ ليزداد - عباد الله - حينما يضربُ الله لنا مثلاً في الذُّباب، ذلكم المخلوق الذي يأنَفُ منه العموم تأفُّفًا وازدراءً، ويخُصُّه الله بالحضِّ على الإنصات والاستماع إليه بخلاف غيره من الأمثال، فيقول - سبحانه -: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: ٧٣، ٧٤]. فيا لله العجَب؛ كيف يضربُ الله مثلاً بهذه المخلوق الصغير جدًّا، المُحتقَر لدى أهل الدنيا، ولو علِموا ما فيه من الأسرار لأدركوا عظمةَ الباري - جل شأنُه -، ولأيقَنوا أنهم لا يُحيطون به علمًا، فإنه - سبحانه - قد يجعل أسرارًا عظيمة في أضعف مخلوقاته. فلله كم أدهشَ هذا المخلوق ألبابَ العلماء والأطباء والصيادلة وذوي المعامل والمُختبرات، ولله كم أقاموا فيه من التجارب، وتوصَّلوا إليه من الإعجاز ما يُذهِلُ الألباب ويُحدِقُ بالأبصار، ولا غروَ حينما يُسلِمُ بعضُهم عندما يرى عظمةَ الله في خلق الذُّباب، وكيف أن من أسراره قوة الإحساس في التخلُّص من الضرب بحيث يصعُب صيدُه لما خلقَ الله فيه من هذه الخاصية العجيبة، وكيف أنه في الوقت نفسه يحمِلُ داءً ودواءً بين جناحيه؛ حيث صحَّ بذلكم الخبر عن الصادق المصدوق في قوله: "إذا وقع الذُّباب في إناءِ أحدكم فليغمِسْهُ كلَّه ثم ليطرَحْه؛ فإن في أحد جناحَيْه الداء وفي الآخر شفاء". فالله أكبر! ما أعظم مثل الباري - سبحانه -، والله أكبر! لا نُحصِي ثناءً عليه وتمجيدًا له وهو كما أثنى على نفسه. وإذا كان هذا هو خلقَ الذُّباب؛ فكيف بخلق الناس، وإذا كان خلقُ الناس هو ما نعلمُه ونُشاهِدُه وما غابَ عنا كل أسراره؛ فكيف بخلق السماوات والأرض، فلا إله إلا الله، آمنَّا بما أنزل واتَّبَعنا الرسولَ، فاللهم اكتُبنا مع الشاهدين، ولقد صدق الله: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلتُ ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا. الخطبة الثانية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن الله ضربَ الأمثالَ للاعتبار والعِظة، وقد قال الماوردي ﵀: "من أعظم علمِ القرآن علمُ أمثاله، والناس في غفلةٍ عنه لاشتغالهم بالأمثال وإغفالهم المُمثَّلات". وذلك - عباد الله - لما في الأمثال من تبكيتٍ للخصم الشديد الخصومة، وقمعٍ لضراوة الجامح الآبِي؛ فإنه تُؤثِّر في القلوب ما لا يُؤثِّره وصفُ الشيء في نفسه. ولو تأمَّلنا - عباد الله - ضربَ الله المثل في الذباب وما أتبعَه من قوله: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج: ٧٤] لأدركنا سُحق الهوَّة بيننا وبين استحضار عظمة الله في جميع شؤوننا؛ فهل نُدرِك قولاً وعملاً ما خلقَنا الله لأجله؟ وهل نُدرِك حقًّا عظمةَ الله وقدرَه حقَّ قدره؟ وهل نستشعِرُ خضوعَ جميع المخلوقات له وحده - سبحانه - لا شريك له: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]. لقد أدركَت البهائمُ ما خُلِقت له؛ فهل نُدرِك نحن لماذا خُلِقنا؟! صلَّى رسول الله ﷺ صلاةَ الصبح ثم أقبل على الناس، فقال: "بيْنا رجلٌ يسوقُ بقرةً إذ ركِبَها، فضربَها، فقالت: إنا لم نُخلَق لهذا، إنما خُلِقنا للحَرث، فقال الناس: سبحان الله! بقرةٌ تكلَّم"، فقال: "فإني أُؤمِنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمر .. الحديث"؛ رواه البخاري ومسلم، واللفظُ للبخاري. فانظروا - يا رعاكم الله - كيف أدركَت هذه البقرة ما خُلِقت لأجله وهي حيوانٌ أعجم؛ فهل يُدرِكُ بنو آدم لماذا خُلِقوا، وهل قدَروا اللهَ حقَّ قدره؟! فمن أنطق هذه البقرة غيرُ الباري - جل شأنُه -؟! وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١]. وإن تعجَبوا - عباد الله - فعجبٌ ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" في قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ ، فيرويها أبو سعيد الخُدري يقول: عدَا الذئبُ على شاةٍ فأخذها، فطلبَه الراعي فانتزَعَها منه، فأقعَى الذئبُ على ذنَبِه قال: ألا تتقِي الله! تنزعُ مني رزقًا ساقَهُ الله إليَّ؟! فقال الأعرابي: يا عجبي! ذئبٌ مُقعٍ على ذنَبِه يُكلِّمني كلامَ الإنس، فقال الذئب: ألا أُخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد ﷺ بيثرب يُخبِرُ الناسَ بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوقُ غنمَه حتى دخل المدينة، وأتى النبيَّ ﷺ .. الحديث. سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ذئبٌ يُخبِرُ بالنبي ﷺ ويدلُّ عليه وعلى دعوته؛ فماذا صنعنا - عباد الله -؟ ذئبٌ قدَرَ اللهَ حقَّ قدره؛ فأين نحن من هذا؟ لقد عُرِضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحمِلنها من باب قدرِ الله حقَّ قدره، فلم يحمِلها إلا هذا الإنسانُ الظَّلوم الجَهول، كل الخلائق قدَرَت الله حقَّ قدره إلا بني آدم. لقد ذكر - سبحانه - أنه يسجُد له من في السماوات ومن في الأرض والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجرُ والدوابُّ، ولم يقل: والناس، وإنما قال: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج: ١٨]، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤]. ولقد صدق الله - ومن أصدق من الله قيلاً -: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧]. عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجِدُ أن الله يجعل السماوات على إصبَع، والماء والثَّرَى على إصبَع، وسائرَ الخلق على إصبَع، فيقول: أنا الملك، فضحِك النبي ﷺ حتى بدَت نواجِذه - تصديقًا لقول الحبر -، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧]. فمن أنت يا ابن آدم؟ ألم تُخلَق من ماءٍ مهين، ألست الفقير والله هو الغنيُّ الحميد، ألست الضعيفَ والله هو القويُّ العزيز؟ ولقد صدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "لو كانت الدنيا تعدِلُ عند الله جناحَ بعوضة ما سقَى كافرًا منها شربةَ ماء". فما أهوننا على الله وهو القائل: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: ٢٨]، نعم؛ ألا ما أهونَ الخلق على الله، قالها أبو الدرداء حين رأى دولة الأكاسِرة تهوِي على أقدام المسلمين فبكى، فقيل له: ما يُبكيك؟ فقال: ما أهونَ الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمةٌ قاهرةٌ ظاهرة تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. ألا فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن الله قد فرضَ عليكم صدقةَ الفطر على الذكر والأُنثى والحر والعبد والصغير والكبير، ولقد كان رسول الله ﷺ يُؤدِّيها قبل خروجه لصلاة العيد، وكان الصحابة ﵃ يُؤدُّونها قبل العيد بيومٍ أو يومين. فأخرِجوها - رحمكم الله - طيبةً بها نفوسكم، مُقتدين بنبيكم ﷺ . يا مَن يرى مدَّ البعوضِ جناحَها...في ظُلمةِ الليل البَهيم الألْيَلِ ويرى نِياطَ عروقِها في نحرِها...والمُخَّ في تلك العِظامِ النُّحَّلِ امنُن علينا بتوبةٍ تمحُو بها...ما كان منا في الزمانِ الأولِ هذا؛ وصلُّوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك محمد ﷺ ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل مواسمَ الخيرات لنا مربَحًا ومغنَمًا، وأوقات البركات والنفحَات لنا إلى رحمتك طريقًا وسُلَّمًا. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 39

خطبة المسجد الحرام - ١ شوال ١٤٣٢ - خطبة عيد الفطر - التفاؤل والتشاؤم بالأحداث الجارية - الشيخ صالح بن حميد الخطبة الأولى الحمد لله وأكبِّره تكبيرًا، والله أكبر وأذكره ذكرًا كثيرًا، والحمد لله رفع أقدار ذوي الأقدار، والله أكبر أنفَذَ تصاريفَ الأقدار، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨]، والحمد لله عددَ ما ذرَفَت العيون في مواسم الطاعات من عبَرات، والله أكبر ما تقرَّبوا إلى مولاهم بالعبادات؛ صلواتٍ وصيامًا وصدقات، والحمد لله أفاضَ علينا من خزائن جُوده ما لا يُحصَر، والله أكبر شرعَ لنا شرائعَ الأحكام ويسَّر، أحمدُه - سبحانه - وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره وهو الكريم الجواد، أحقُّ من عُبِد، وأحقُّ من ذُكِر، وأحقُّ من يُشكَر، ذو الفضل والإحسان والمنَّة يمنحُ الجزاءَ الأوفَى، ويهَبُ الفضلَ الأكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له والعزَّةُ لله ولرسوله وللمؤمنين، والذِّلَّةُ والصّغَار والهوانُ لأهل الكفر والفُجور والمُعاندين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله خاتمُ النبيين وإمام المرسلين ورحمةُ الله للعالمين، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين أقاموا الدين، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده صابرين مُخبتين مُحتسبين، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -، اتقوا الله وأطيعوه، وعظِّموا أمره ولا تعصُوه؛ فمن اتقى اللهَ حسُن توكُّله على ربه فيما نابَه، وحسُن رِضاه بما آتاه، وحسُن زهدُه فيما فاتَه. اتقوا الله حق التقوى، وتقرَّبوا إليه بما يحبُّ ويرضى، تزيَّنوا بلباس التقوى؛ فالفائز من ألبسَه مولاه حُلَل مولاه، وتأهَّبوا للعرض الأكبر يوم يُعرضُ الناسُ حُفاةٌ عُراة، وينظرُ كلُّ امرئٍ ما قدَّمَت يداه، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨]. الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً. أيها المسلمون: عيدُكم مُبارك، وتقبَّل الله صيامَكم وقيامَكم، وصلواتكم وصدقاتكم، وجميعَ طاعاتكم، وكما فرِحتم بصيامكم، فافرحوا بفِطركم، وقد علِمتم أن للصائم فرحتين: فرحةٍ عند فِطره، وفرحةٍ بلقاء ربه، أدَّيتم فرضَكم، وأطعتُم ربَّكم، صُمتم وقرأتُم وتصدَّقتُم، فهنيئًا لكم ما قدَّمتم، وبُشراكم الفوزَ - بإذن الله وفضله -. افرحوا وابتهِجوا واسعَدوا، وانشروا السعادةَ والبهجةَ فيمن حولكم، إن حقكم أن تفرحوا بعيدكم وتبتهِجوا بهذا اليوم يوم الزينةِ والسرور، ومن حقِّ أهل الإسلام في يوم بهجتهم أن يسمعوا كلامًا جميلاً، وحديثًا مُبهِجًا، وأن يرقُبوا آمالاً عِراضًا ومُستقبلاً زاهرًا لهم ولدينهم ولأمتهم. قد يقول بعض المتأملين - أحسن الله إليهم -: إن المسلمين اليوم يعيشون مِحَنًا ورزايَا، وفتنًا وبلايا، لهم في كل أرضٍ أرملة وقتيل، وفي كل ركنٍ بكاءٌ وعَويل، وفي كل صِقعٍ مُطارَدٌ وأسير، صورٌ من الذلِّ والهوان والفُرقة والطائفية والإقصاء، دماءٌ وأشلاء، وتسلُّطٌ من الأعداء، وكأن الناظرَ لا يرى دماءً سوى دمائنا، ولا جراحًا سوى جراحاتنا، زاغَت الأبصار، وبلغَت القلوبُ الحناجِر، وظنَّ ظانُّون بالله الظنُونا. ثم يقول هذا القائل: هل بعد هذه الأحزان من أفراح؟ وهل بعد هذه المضائق من مخارج؟ وهل وراء هذه الآلام من آمال؟ وهل في طيَّات هذه المِحَن من مِنَح؟ ومتى يلُوحُ نورُ الإصلاح؟ يقول المُستبشِر المُحتفِي بعيده حسنُ الظن بربه: نعم، ثم نعم، فاهنأوا بعيدكم، وابتهِجوا بأفراحكم، وهل يكون انتظار الفرج إلا في الأزمات؟ وهل يُطلَبُ حسنُ الظن إلا في المُلِمَّات؟ يقول ربكم في الحديث القدسي - عزَّ شأنه -: «أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظنَّ بي ما شاء». والمؤمنون قال الله فيهم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢]، وقال في آخرين: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا [الفتح: ١٢]، وقال تعالى: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت: ٢٣]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "والذي لا إله غيره؛ ما أُعطِي عبدٌ مؤمنٌ شيئًا خيرًا من حُسن الظنِّ بالله، والذي لا إله غيره؛ لا يُحسِن عبدٌ بالله الظنَّ إلا أعطاه الله ظنَّه؛ ذلك بأن الخير بيده". وفي الحديث: «إذا تمنَّى أحدُكم فليستكثِر؛ فإنما يسأل ربَّه»؛ حديثٌ صحيح على شرط الشيخين. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ما تنزَّلت الرحماتُ من الرحيم الرحمن، والله أكبر ما صلَّى المُصلُّون وسلَّموا على المبعوث بالسنة والقرآن، ﷺ . عباد الله: ما دام أن أمتنا شاهدةٌ على الأمم فهي باقيةٌ ما بقِيت الحاجةُ إلى الشهادة، وما دام أن رسالتنا هي الخاتمة فهي باقيةٌ إلى آخر الدهر، وفي تاريخ الأمة مئاتُ العُظماء بل آلافٌ وآلاف قد وُلِدوا وسوف يُولَد أمثالُهم وأمثالُهم - بإذن الله -، وهذه سنة الله. بل ها هي أحداث ومُستجِدَّات، ونوازِل ومُتغيِّرات تحدث أمام ناظرَيْكم مما يوَدُّه المُتابِعُ وما لا يوَدُّه، ظنَّ أصحابُها أنهم مانعَتُهم حُصونُهم فأتاهم الأمرُ من حيث لم يحتسِبوا فُدَّت عليهم المخارج وضاقَت عليهم الحِيَل، وها هي أساليب الاتصال ومواقع التواصل وطرق التعبير فتحت من الأبواب، وهيَّات من الأسباب مما يحسُن فهمُه وفقهُه. معاشر المسلمين: وأنتم في استقبال عيدكم أحسِنوا الظنَّ بربكم، فكلما ازداد التحدِّي ازداد اليقين، ولا يرى الجمالَ إلا الجميل، ومن كانت نفسُه بغير جمال فلن يرى في الوجود شيئًا جميلاً، والكون ليس محدودًا بما تراه عيناك ولكن ما يراه قلبُك وفكرُك، فجفِّف دمعَك، واجبُر كسرَك، وارفع رأسَك؛ فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العُسر يُسرًا. مشى المُعافَى بن سليمان مع صاحبٍ له، فالتفتَ إليه صاحبُه عابسًا مُتبرِّمًا وقال: ما أشدَّ برد هذا اليوم! فقال له المُعافَى: وهل استدفأتَ الآن؟ قال: لا. قال: فماذا استفدتَ من الذم؟ لو ذكرتَ اللهَ لكان خيرًا لك. المهزومُ من هزمَته نفسُك، ومن قال: هلكَ الناس فهو أهلكُهم، ومن أجل هذا أمرَ دينُنا بالتفاؤل، ونهانا عن التشاؤم؛ بل إن نبينا محمدًا ﷺ يحبُّ التفاؤل ويُعجِبُه الفأل، ويُعجِبُه أن يسمع: يا نجيح، ويا راشد؛ لأن التفاؤل - أسعدكم الله، وزادكم في عيدكم بهجة -: كل ما أدخل على الإنسان سرورًا وبهجةً وانشراحًا مما يدفعُ إلى العمل، ويفتحُ أبوابَ الأمل، وتنطلِقُ معه النفوس. يقول ابن بطَّال: "جعل الله من فِطَر الناس: محبة الكلمة الطيبة والأُنس بها، كما جعل فيهم الارتياحَ بالمنظر الأنيق والماء الصافي وإن كان لا يملكه ولا يشربُه". الإنسان يبتهِجُ بالهيئة الحسنة، والمكان الفسيح، والمنظر البهيج، الفألُ حُسن ظنٍّ بالله وتعلُّقٌ برجائه، التفاؤل استعانةٌ بالموجود لتحصيل المفقود، وهو تقويةٌ للعزم، وباعثٌ على الجِدّ، ومعونةٌ على الظَّفَر. التفاؤل يقلِبُ العلقمَ زُلالاً، والصحراء جنة، والحنظلَ عسلاً، والدار الضيقةَ قصرًا، والقلةَ غِنًى، وهل يشعُر بسعَة الدنيا من كان حِذاؤه ضيِّقًا؟! المتفائل يسقط من أجل أن ينهض، ويُهزَم من أجل أن ينتصر، وينام من أجل أن يستيقظ، ومن جدَّ وجَد، ومن زرعَ حصَد. المتفائل لا تُزعزِعُ يقينَه المصائب، ولا تفُلُّ عزيمتَه الفواجِع، ولا تُضعِفُ إيمانَه الحوادث، وفي الحديث: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للشر، فطُوبَى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه»؛ رواه ابن ماجه. ولهذا قيل: "قُدراتُك هي السببُ في كل ما يحدث لك، ونفسُ المرء مثل غرفته إن شاء فتح النوافذ فدخل النور والضياء والهواء والعليل، وإن شاء أغلقا فبقِيَ في الظلام". وقال أهلُ الحكمة: "إن قسَمات وجه المرء انعكاسٌ لأفكاره، ومصائب الحياة تتماشى مع هِمَم الرجال صعودًا وهبوطًا، وتشيبُ الرؤوس ولا تشيبُ الهِمَم". فاحترِم نفسك - رحمك الله - فهي أجملُ مخلوقٍ على وجه الأرض، والذين لا يُغيِّرون ما بأنفسهم لا يُغيِّرون ما حولَهم، ولهذا ترى الجميعَ يُفكِّر بتغيير العالَم، وقليلٌ منهم من يُفكِّر بتغيير نفسه، وفي التنزيل العزيز: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١]. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ما قصَدوا هذه البِقاع الطاهرة وعمَّتهم نعَمُ مولاهم الباطنة والظاهرة، والله أكبر ما سعَت الأقدام لزيارة مسجد سيد الأنام، وحظِيَت بالسلام على الحبيب المصطفى ﵊. معاشر المسلمين المُبتهِجين: ومن أجل مزيدٍ من الوضوح والإيضاح، ولمزيدٍ من الابتهاج والفرَح وحُسن الظنِّ بالله ، والأمل العريض للأمة تأمَّلوا هذه المقارنات والموازنات: المتفائل ينظرُ إلى الحل، والمتشائم ينظرُ في المشكلة، المتفائل مُجِدٌّ على الدوام لا يعرفُ الإحباطَ والضررَ، يرى الحياةَ حقًّا له وحقًّا للآخرين، والمتشائم جلاَّد نفسه يرى غيرَه أسعدَ منه، ثم هو يريدُ أن يكون أسعدَ من الآخرين، وهل مثلُ هذا يُحقِّقُ السعادة؟ المتفائل يرى ضوءًا لا يراه الآخرون، والمتشائم يعمَى أن يرى الضوءَ الذي أمام ناظرَيْه، المتفائل مستفيدٌ من ماضيه، مُتحمِّسٌ لحاضره، مُستشرفٌ لمُستقبَلِه، والمتشائم أسيرٌ لماضيه، مُحبَطٌ من حاضره، هليعٌ على مُستقبَلِه. المتفائل يطلُبُ المعاذير والمخارج لسلامة طوِيَّته وانشراح صدره، والمتشائم يشتغِلُ بالعيوب ويحشُرُ نفسَه في المضائق لظُلمة باطنه. المتشائم يحسَبُ كل صيحةٍ عليه، يجوعُ وهو شبعان، ويفتقِر وهو غني، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٨]. المتشائم يذكُر النعَمَ المفقودة ويعمَى عن النعَم الموجودة. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ما تصافحَ المسلمون وتصافَوا في هذا العيد البَهيج، والله أكبر ما استقبَلَت هذه البِقاعَ الطاهرة العُمَّار والزُّوَّارَ والحَجيج. معاشر المسلمين: عيدُكم مبارك، وأيامكم بالخير والسعادة محفوظة؛ هل لاحَظتُم أن التفاؤل لا يُحتاجُ إليه في وقت الرخاء والأمن والنعيم؛ إذ في وضَح النهار لا تحتاج إلى الشموع والمصابيح؛ بل إن المصباحَ لا يُضيءُ إلا في الظلام، وشمعةٌ واحدة كافيةٌ لتبديد الظلام، والفرجُ لا يكون إلا بعد الشِّدَّة، والنصرُ لا يكون إلا بعد الهزيمة، والفجرُ لا يكون إلا بعد ليلٍ مُدبِر. سعادةُ المرء ليست في تمنِّي ما ليس عنده ولكنها بحُسن الاستمتاع فيما عنده، والسعادة ليست محطة وصول ولكنها مسيرةُ الحياة كلها، بالمال تشتري السرير ولكنك لا تشتري النوم، وتشتري الساعة ولكنك لا تشتري الوقت، وتشتري المنزل ولكنك لا تشتري الراحةَ والسعادةَ. وقتلُ البَعوض لا يُجفِّفُ المُستنقَع، وتجفيفُ المُستنقَع يُنهِي مشكلةَ البعوض، ومن لا يستطيع أن يقِف على قدمَيْه يعسُر إنقاذُه، وأخطرُ الناس من عاش بلا أمل. كتبَ عمرُ بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄ جميعًا -: "أما بعد: فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعتَ أن ترضى وإلا فاصبِر، وبعد، عباد الله: فالتفاؤل لا يُنكِر الواقع، ولا يستهينُ بالمُشكِلات، ولا يُهمِلُ الأسباب، ولا أخذَ الحزم من الأمور والاحتياط في المسالك، ولكن الله لقِسطه جعل الفرحَ والروحَ والسرورَ وراحةَ النفس وسكينتها وسلامتَها في الرضا واليقين، وجعل الغمَّ والحَزَن في السخَط والشك"؛ رواه البيهقي والطبراني في "الكبير". فلا تُفسِد - حفِظَك الله - حاضِرك حُزنًا على ماضيك؛ فالتفاؤل في المُستقبل هو الشاهدُ على صحة العقل وصفاء النفس، وقد قالوا: "إن البكاءَ لا يُعيدُ الميتَ إلى الحياة، ولكن يُعيدُه الدعاءُ والثناءُ والذكرُ الحسن والأثرُ الطيبُ". ورأسُ التفاؤل الاتصالُ بالعليِّ الأعلى، فالصلاة تفاؤل، وذكرُ الله تفاؤل، والدعاءُ تفاؤل، يُحيطُ بذلك: حُسنُ الظن بالله - عز شأنُه -، وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٠٤]، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٢]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الخطبة الثانية الحمد لله، الحمد لله ما تقرَّب العبادُ إلى ربهم بالفرائض، وتحبَّبوا إليه بالمندوب، والله أكبر يقبَلُ التوبةَ عن عباده ويغفرُ الذنوب، والحمدُ لله ما شمَّر الجادُّون في تحصيل المطلوب، والله أكبر ما سارعوا وتنافَسوا في تحقيق المرغوب، والحمد لله هدانا للإيمان وأكرمَنا بالسُنَّة والقرآن، أحمدُه - سبحانه - وأشكره على كريم الفضل وجزيل الإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فيما خلق وقدَّر، ولا مُنازِعَ له فيما حكَمَ ودبَّر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله المبعوث للأبيض والأسود والأحمر والأصفر، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وبشَّر وأنذَر، وعلى آله السادة الغُرَر، وأصحابه ذوي السلوك الأطهر، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ممن صلَّى وصامَ وحجَّ اعتمَر، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أما بعد: فالمؤمنُ ذو اليقين والرضا يعلمُ أن الله قد أحاطَ بكل شيءٍ علمًا، وأحصى كل شيءٍ عددًا، ووسِعَ كل شيءٍ رحمةً وعلمًا، ومن حكمته في هذه الدنيا أن في الناس من ينجحُ بذكائه، وفيهم من ينجَحُ بذكاء الآخرين، وإذا وُجِد من ينجَحُ بعمله فإن هناك من ينجَحُ بكسل الآخرين، ورُبَّ ساعٍ لقاعد؛ فما منعَك ربُّك إلا ليُعطِيَك، ولا ابتلاكَ إلا ليُعافِيَك ويُثيبَك، ولا امتحنَك إلا ليصطفِيَك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "مصيبةٌ تُقبِلُ بها على الله خيرٌ من نعمةٍ تُنسيكَ رضا الله". واعلم أن المرء ربما يفشَلُ إذا خاطَرَ وأقدم، ولكن من المُؤكَّد أنه سوف يفشَل إذا لم يُقدِم، وأعظمُ الفشل ألا تعمل. وقال بعض أهل العلم: "المُشكلات والمِحَن لم تأتِ لتُهلِك الناس؛ بل لتمتحِن صبرَهم وإيمانَهم وعملَهم، والأجرُ عند ربك مربوطٌ بالعمل والاجتهاد وليس بالنتائج والثمار، وقاعدةُ التوازن: اعمل لدنياك كأنك تعيشُ أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموتُ غدًا". وقد قال رجلٌ لأبي بكر ﵁: والله لأسُبَّنَّك سبًّا يدخُل معك في قبرك، فقال أبو بكر ﵁: "بل يدخلُ معك في قبرك أنت". وإذا ضاقَ صدرُك وجشمَ عليك همُّك فالزَم التسبيح؛ فقد قال الله لنبيه وحبيبه محمد ﷺ : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]، وقال له - عزَّ شأنُه -: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩]. وبعد: فإن التفاؤل الحق هو التصديقُ بوعد الله في قوله - عزَّ شأنُه -: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٥٥]، وقوله - جلَّ في عُلاه -: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠، ٤١]. الله أكبر، الله أكبر، كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بركةً وأصيلاً، والله أكبر ما انفلقَ صباحُ عيدٍ وأسفَر، والحمدُ لله ما لاحَ برقٌ وأنوَر. ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، واهنأوا بعيدكم، وأصلِحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسولَه إن كنتم مؤمنين، فالعيدُ فرحةٌ وبهجة، فمن أحبَّ أن يُسامِحَه الناس فليُسامِحهم، ومن زاد حبُّه لنفسه ازداد كرهُ الناس له، والأُلفة دليل حُسن الخلق، والنُفرة علامةُ سوء الخُلق، التنهئةُ الصادقة والابتهاجُ الحق لمن قبِل الله صيامَه وقيامَه وحسُنت نيَّتُه وصلُح عملُه، تهنئةٌ وبهجةٌ لمن حسُن خُلُقه وطابَت سريرتُه. هنيئًا لمُوسِرٍ يزرعُ البهجَة على شفَة مُحتاج، ومُحسنٍ يعطِفُ على أرملة ومسكين ويتيم، وصحيحٍ يعودُ مريضًا، وقريبٍ يزورُ قريبًا، العيدُ عيدُ من عفا عمن زلَّ وهفا، وأحسن لمن أساء، العيدُ عيدُ من حفِظَ النفسَ وكفَّ عن نوازِعِ الهوى، يلبسُ الجديد ويشكرُ الحميدَ المجيد من في فرحٍ لا يُنسِي، وبهجةٍ لا تُطغِي. لا يسعَدُ بالعيد من عقَّ والدَيْه، وحُرِم الرضا في هذا اليوم المبارَك السعيد، ولا يسعدُ بالعيد من يحسُد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وليس العيد لخائنٍ غشَّاش يسعى بالفساد بين الأنام، كيف يفرحُ بالعيد من أضاعَ أموالَه في ملاهٍ مُحرمة، وفسوقٍ وفُجور؟ ليس له من العيد إلا مظاهرُه، وليس له من الحظِّ إلا عواقِرُه. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. ثم اعلموا - رحمكم الله - أن من أعمال هذا اليوم أن من أعمال هذا اليوم: إخراج زكاة الفطر، فأخرِجوها طيبةً بها نفوسُكم، ومِقدارُها صاعٌ من غالب قُوت البلد؛ كالأرز والبُرِّ والتمر، عن كل مسلم، ووقت إخراجها الفاضل يوم العيد قبل الصلاة. ومن مظاهر الإحسان بعد رمضان: استدامةُ العبد على نهج الطاعة والاستقامة، وإتباعِ الحسنةِ الحسنة، وقد ندبَكم نبيُّكم محمد ﷺ لأَن تُتبِعوا رمضان بستٍّ من شوال؛ فمن فعل فكأنما صام الدهر كلَّه. تقبَّل الله منا ومنكم الصيامَ والقيام وسائر الطاعات والأعمال الصالحات. ثم صلُّوا سلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال - عزَّ قائلاً عليمًا -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافَك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أيِّد بالحق والتوفيق وبالتسديد إمامَنا ووليَّ أمرنا، ووفِّقه لما تحب وترضى، وخُذ بناصيته للبرِّ والتقوى، وارزقه البطانةَ الصالحةَ، وأعِزَّ به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرةً للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى، ووفِّقه ونائبَيْه وإخوانهم وأعوانهم للحق والهدى، وكل ما فيه صلاحُ العباد والبلاد. اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم احفظنا من شر الأشرار، وكيد الفُجَّار، وشر طوارق الليل والنهار، اللهم يا ذا الجود والمنِّ؛ احفظ علينا هذا الأمن، وسدِّد قيادته، وقوِّ رجاله، وخُذ بأيديهم، وشُدَّ من أزرهم، وقوِّ عزائمهم، وزِدهم إحسانًا وتوفيقًا، وتأييدًا وتسديدًا، اللهم واشفِ مرضاهم، وارحم شهداءهم، واحفظ أُسَرهم وذرياتهم يا رب العالمين. اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعفين مظلومين قد مسَّهم الضُّرّ، وحلَّ بهم الكرب، واشتدَّ عليهم الأمر، تعرَّضوا للظلم والطغيان، سُفِكَت دماء، وقُتِلَ أبرياء، ورُمِّلت نساء، ويُتِّم أطفال، اللهم يا ناصر المُستضعفين، ويا مُنجِي المؤمنين، انتصِر لهم، وتولَّ أمرهم، واكشِف كربَهم، وارفع ضُرَّهم. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، واجمع على الحق والهُدى كلمتَهم، ولِّ عليهم خِيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطَن. اللهم ارفع عنا وعنهم الغلا والوبا، والربا والزنا، والجُوعَ والعُرِيّ، والزلازل والمِحَن، وسوءَ الفتن ما ظهر منها وما بطَن عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود الغاصبين المُحتلِّين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم أنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القوم المُجرمين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورهم، ونعوذُ بك من شُرورهم. اللهم وفِّقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبواب القبول والإجابة، وتقبَّل طاعاتنا، ودعاءنا، وصيامَنا، وقيامَنا، وأصلِح أعمالنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتُب علينا، واغفر لنا، وارحمنا يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، وأستغفرك وأتوبُ إليك. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

стр. 40

خطبة المسجد الحرام - ٤ شوال ١٤٣٢ - النجاة من الفتن - الشيخ أسامة خياط الخطبة الأولى الحمد لله الملك القدوس السلام، أحمده - سبحانه - على آلائه العِظام ومِنَنه الجِسام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يُحيِي ويُميت، بيده الخيرُ، وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [الرحمن: ٢٤]، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله خيرُ البرية سيدُ الأنام، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ما تعاقَبَت الليالي والأيام. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، واذكروا وقوفكم بين يديه، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [النحل: ١١١]. أيها المسلمون: إن للمتقين من كمال الحرص على اتقاء الفتنة والحَذر من سلوك سبيلها ما لا نظيرَ له ولا مزيدَ عليه، يحدُوهم على ذلك يقينٌ لا يتزعزَع بما جاء عن الله ورسوله ﷺ في التحذير من غوائلها، والدلالة إلى سبيل السلامة من شُرورها، والإرشاد إلى الطريق الواجبِ انتهاجُه في زمنها؛ من مثل قوله - سبحانه -: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥]، ومن مثل قوله ﵊: «ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، ومن تشرَّف لها تستشرِفُه، ومن وجدَ ملجأً أو معاذًا فليعُذْ به»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما". ومن قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: «يُوشِك أن يكون خيرَ مالِ المسلم غنمٌ يتَّبِعُ بهاش عثَ الجبال ومواقع القطر يفِرُّ بدينه من الفتن»؛ أخرجه البخاري في "صحيحه". ومن مثل قوله في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المُظلِم، يُصبِحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، ويُمسِي مؤمنًا ويُصبِحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا». ولما كان للفتنة خطرُها العظيم وضررُها الشديد الذي تعمُّ به البلوى وتفدُحُ الخُطوب؛ فقد جاء الكلام عليها فيما بيَّنه أهلُ العلم؛ فقال ابن القيم ﵀: "الفتنةُ نوعان: فتنة الشبهات - وهي أعظم الفتنتين -، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما. ففتنةُ الشبهات من ضعفِ البصيرة وقلَّة العلم، ولا سيَّما إذا اقترنَ بذلك فسادُ القصد وحصولُ الهوى، فهنالك الفتنةُ العُظمى والمصيبةُ الكبرى، فقل ما شئتَ في ضلالِ سيءِ القصد الحاكم عليه الهوى لا الهُدى، مع ضعف بصيرته وقلَّة علمه بما بعثَ اللهُ به رسولَه، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ [النجم: ٢٣]، وقد أخبر الله - سبحانه - أن اتباعَ الهوى يُضِلُّ عن سبيل الله؛ فقال: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: ٢٦]. وهذه الفتنة مآلُها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنةُ المنافقين وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم .. ولا يُنجِّي من هذه الفتنة إلا تجريدُ اتباع الرسول وتحكيمُه في دِقِّ الدين وجِلِّه، ظاهرِه وباطنِه، عقائدهِ وأعمالهِ، حقائقهِ وشرائعهِ، فيُتلقَّى عنه حقائقُ الإيمان وشرائعُ الإسلام وما يُثبِتُه لله من الصفات والأفعال والأسماء وما ينفيه عنه، كما يُتلقَّى عنه وجوبُ الصلوات وأوقاتُها وأعدادُها، ومقاديرُ نُصُب الزكاة ومُستحقِّيها، ووجوبُ الوضوء والغُسلِ من الجنابة، وصومُ رمضان؛ فلا يجعلُه رسولاً في شيءٍ دون شيءٍ من أمور الدين؛ بل هو رسولٌ في كل شيءٍ تحتاجُ إليه الأمةُ في العلم والعمل، لا يُتلقَّى إلا عنه، ولا يُؤخَذ إلا منه .. وأما النوع الثاني من الفتنة: ففتنةُ الشهوات، وقد جمع - سبحانه - بين ذكر الفتنتَيْن في قوله: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ [التوبة: ٦٩]؛ أي: تمتَّعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخَلاَق: هو النصيبُ المُقدَّر، ثم قال: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا، فهذا الخوضُ بالباطل، وهو الشُّبُهات. فأشار - سبحانه - في هذه الآية إلى ما يحصُلُ به فسادُ القلوب والأديان من الاستمتاعِ بالخَلاقِ والخوض بالباطل؛ لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلُّم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح؛ فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسقُ الأعمال .. وأصلُ كل فتنةٍ إنما هو من تقديم الرأيِ على الشرع، والهوى على العقل؛ فالأولُ: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصلُ فتنة الشهوة. ففتنةُ الشُّبُهات تُدفَع باليقين، وفتنةُ الشهوات تُدفَعُ بالصبر، ولذلك جعل - سبحانه - إمامةَ الدين منوطةً بهذين الأمرين؛ فقال: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤]، فدلَّ على أنه بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين .. فبكمال العقل والصبر تُدفَعُ فتنةُ الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تُدفَعُ فتنةُ الشُّبهة، والله المستعان". اهـ. فاتقوا الله - عباد الله -، واتخِذوا من كمال العقل والصبر، ومن كمال البصيرة واليقين خيرَ عُدَّةٍ تُنجِيكم من فتنِ الشُّبهات والشهوات، وتُرضون بها ربَّ الأرض والسماوات. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ﷺ ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحمده - سبحانه - خلق الأرض والسماوات العُلَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله المُصطفى وحبيبُه المُجتبى، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن سار عل نهجِه وبسُنَّته اهتدَى. أما بعد، فيا عباد الله: لقد حذَّر ربُّنا عبادَه من سببٍ هو من أعظمِ أسباب الفتنةِ في الدين ومن أظهر بواعِث الفُرقة بين المسلمين، ألا وهو: مُخالفةُ هدي النبي ﷺ وهجرُ سُنَّته وطريقته، ورفضُ شريعته، فقال - عزَّ من قائل -: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]. وأمرُ رسول الله ﷺ الذي توعَّد الله من خالفَه عنه بهذا الوعيد هو كما قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀: "هو سبيلُه ومنهاجُه وطريقتُه وسُنَّتُه وشريعتُه، فما وافقَ ذلك قُبِل، وما خالفَه فهو مردودٌ على قائله وفاعله كائنًا من كان، كما ثبتَ في "الصحيحين" - واللفظ لمسلم - عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «من عمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» أي: فليحذَر وليخشَ من خالفَ شريعةَ الرسول ﷺ باطنًا وظاهرًا أن تُصيبَهم فتنةٌ - أي: في قلوبهم -؛ من كفرٍ أو نفاقٍ أو بدعة، أو يُصيبَهم عذابٌ أليم - أي: في الدنيا -؛ بقتلٍ أو حدٍّ أو حبسٍ أو نحو ذلك. كما روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مثَلي ومثَلُكم كمثَلِ رجلٍ استوقدَ نارًا فلما أضاءَت ما حولها جعل الفراشُ وهذه الدوابُّ يقعْن في النار، وجعل يحجِزهُنَّ ويغلِبْنَه فيقتحِمنَ فيها»، قال: «فذلك مثَلِي ومثَلُكم، أنا آخِذٌ بحُجَزِكم: هلُمَّ عن النار، فتغلِبونني وتقتحِمون فيها» "؛ أخرجه الشيخان من حديث عبد الرزاق ﵀. فاتقوا الله - عباد الله -، وحذارِ من المُخالفة عن أمر رسول الله ﷺ ؛ فإن عُقبى ذلك: الوقوعُ في الفتنة وحُلول عذاب الله. وصلُّوا وسلِّموا على خيرِ خلق الله: محمد بن عبد الله؛ فقد أمركم بذلك الله - سبحانه -، فقال في كتابه الكريم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك محمد ﷺ وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء. اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، يا من إليه المرجِعُ يوم التناد. اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك. اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 41

خطبة المسجد الحرام - ١١ شوال ١٤٣٢ - معنى قوله تعالى: (ادخلوا في السلم كافة) - الشيخ صالح آل طالب الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون: فأُوصيكم ونفسي بتقوى الله في السرِّ والعلانية؛ فهي العُدَّة، وهي مهبَطُ الفضائل ومُتنزَّلُ المحامد، وهي مبعثُ القوة ومِعراجُ السمُوّ، والرابطُ الوثيقُ على القلوب عند الفتن، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. عباد الله: في لفحِ هجير الحياة وعند متاهات الدروب وفقد الاتجاه، فإن الساري بحاجةٍ إلى ضوءٍ يُؤوِيه، وماءٍ يسقيه، ومنارٍ يُرشِدُه ويهديه، ذلكم - أيها المسلمون -: هو الوحيُ الخالد، والنورُ التالِد، والذي قال فيه ربُّنا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]؛ أي: للتي هي أحسنُ وأكملُ وأجملُ وأفضلُ؛ فمن أراد الهُدى فليلزَم كتابَ الله، وليتدبَّر عِظاته، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]. أيها المسلمون: ومن جميل الهدايات، وعظيم الآيات: ما خاطَبَكم به ربُّكم في كتابه العزيز بقوله - سبحانه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨]. قال ابن كثيرٍ ﵀ في "تفسيره": "أمرَ اللهُ عبادَه المؤمنين المُصدِّقين برسوله أن يأخذوا بجميع عُرى الإسلام وشرائعِه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجِره. وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ: يعني: الإسلام، وقوله: كَافَّةً: أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البرِّ". هذا هو التفسيرُ الذي نقلَه ابن كثيرٍ والقرطبيُّ وغيرُهما - رحمهما الله - عن ابن عباس ﵄. عباد الله: هذه الدعوةُ الكريمةُ من الله تعالى للمؤمنين تُشِيرُ إلى حاجة النفوس إلى التذكير والتأكيد أن تلتزِمَ بجميع شرائع الإسلام، ومع وجود أصل الإيمان في المجتمع المسلم إلا أنه قد يوجد من يحتاجُ لهذه الدعوة ليتجرَّد ويستسلِم لله، وتتوافقَ خطَرَاتُهم واتجاهاتُهم، مع ما يُريدُه الله منهم وما يقودُهم إليه نبيُّهم من غير تردُّدٍ ولا تفلُّت، وهذا هو معنى الإسلام؛ الاستسلام لله والانقيادُ له بالطاعة. وحين يستجيبُ المسلمُ لهذا النداء فإنه يدخلُ عالمَ السعادة، والسلمِ والسلام، والثقةِ والاطمئنان، والرِّضا والاستقرار، فلا حيرةَ ولا قلق، ولا نزاعَ ولا ضلال. أيها المسلمون: وأولُ ما يُفيضُ السلامُ على القلب من صحةِ توحيده لله وإيمانه به ويقينه عليه وإفراده بالعبادة ومعرفة أسمائه وصفاته، يعلمُ أن اللهَ إلهٌ واحدٌ يتَّجِهُ إليه بكلِّيَّته، وجهةٌ واحدةٌ يستقرُّ عليها قلبُه، فلا تتفرَّقُ به السُّبُل، وتلتبِسُ به الأهواء، وتتكاثرُ عليه الآلهة، فيعبُدُ ربًّا ونبيًّا، أو يدعو كلَّ يومٍ وليًّا، فكأنَّ كلَّ مشهدٍ كعبة، وكل ضريحٍ ربٌّ يُدعَى. فهل هذا من الإسلام؟! إن المؤمنَ بإسلامه لله وحده يعيشُ عقيدةً صافية، وفكرًا نقيًّا، وحياةً مُستقرَّة، ويعلم من صفات الله ما تطمئنُّ به نفسُه، ويسكُنُ به قلبُه، فالله تعالى هو القويُّ القادر، والعزيزُ القاهِر، والوليُّ الناصِر. فإذا التجأَ إليه المؤمنُ فقد التجأَ إلى القوة الحقيقية في هذا العالَم، وقد أمِنَ من كل خوفٍ واطمأنَّ بالله واستراحَ، ويعلمُ أن الله يُجيبُ المُضطرَّ إذا دعاه، ويكشِفُ السوءَ، ويُفرِّجُ الكُرُبات، ويشفِي الأسقام، ويُذهِبُ الآلامَ والأحزان؛ فالمؤمنُ في كنَفِ الله آمنٌ وادِع، يتقلَّبُ في الطمأنينة والرضا، يُفيضُ الإيمانُ بالأسماء والصفات على قلبه بردًا وسلامًا. والإيمانُ باليوم الآخر يجلِبُ الطمأنينةَ والسلام، وينفِي القلقَ والإحباطَ، أو الإحساسَ باليأس، إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]، ذلك أن لجميع العالمين يومًا يجتمعون فيه، كلُّ العالمين، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم: ٩٣ - ٩٥]، وهنالك الحساب، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]. ومن كمال عدل الله أن يُثيبَ المُحسنين، ويُحاسِبَ المُسيئين، ويقتصَّ للمظلوم، وإذا علِمَ المسلمُ أن الدنيا ليست النهاية، وأن لا شيء يضيعُ، فعند ذلك يصبِرُ ويحتسِب، ويعملُ ويجتهِد، حتى ولو لم يلقَ من الناس شُكرًا، فإن الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً. أيها المسلمون: والإيمانُ بالآخرة أيضًا حاجزٌ دون الصراع المحموم بين البشر على حُطام الدنيا ومتاعها، هذا التنافُس الذي تُنسَى فيه القِيَم، وتُنتهَكُ الحُرمات، في لهاثٍ خلف الشهوات والرغَبات، إن الإيمان بالحساب والجزاء يُلبِسُ المؤمنَ رداءَ التجمُّل في هذا السِّباق، ويُوقِفُه عند الأدب والحياء، والحدود والحقوق. فما أجملَ الطمأنينةَ والسلمَ في هذا الإسلام! عباد الله: ودخول المؤمن في السلمِ كافة دخوله في كل شرائع الإسلام، كما قال ابن عباس ﵄، والتزامُه بها، ويربِطُه بالحقيقة التي من أجلها خُلِق الناس، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. والعبادةُ ليست مجرد فرضٍ يُؤدَّى في المسجد فحسب؛ بل إنها منهجُ حياة، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]، عبادةٌ بأداء الواجبات، واجتناب المنهيات، عبادةٌ في كسبك وإنفاقك، وفي عملك ونشاطك؛ فاتق اللهَ في كل تصرُّفاتك وتعامُلاتك، لا تُقصِّر في واجبٍ، ولا تتقحَّم في مُحرَّم. أيها المسلمون: والتكاليفُ التي يفرِضُها الإسلام كلها من الفِطرة، ولا تتجاوزُ طاقةَ الإنسان، ولا تتجاهلُ طبيعتَه، وهي يُسرٌ وسماحة، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، إن أحكام الله تعالى وشريعتَه وحدوده ومحارمَه جاءت منظومةً مُتكاملة لتحفَظَ الضرورات الخمس، ولتُحيطَ الإنسان بضماناتٍ تُورِثُه الطمأنينةَ والسلام، لقد جاء الإسلامُ بكل ما يحفظُ الدين والنفسَ والعقلَ والعِرضَ والمالَ. وأيضًا ما يحفظُ ترابُط المجتمع وتماسُكه، وشرعَ ما يُؤدِّي إلى التكافُل والتعاوُن، ودعا لإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وأذابَ الحواجز الأرضية ليجمعَ الناسَ على آصِرة العقيدة وأُخُوَّة الإيمان، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠]. وفي آداب هذا المجتمع: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات: ١١]. وفي "الصحيحين" يقول النبي ﷺ : «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، دمُه ومالُه وعِرضُه». أرأيتُم كيف يكون الدخولُ في شرائع الإسلام كافَّة؟! أيها المسلمون: إن هذا النداء بالدخول في شرائع الإسلام كافَّة يصنَعُ مجتمعًا طاهرًا عفيفًا لا تشيعُ فيه الفاحشةُ، ولا تروجُ فيه الفتنة، ولا تتلفَّتُ فيه الأعينُ على العورات، ولا تطغَى فيه الشهوات، تحكمُه توجيهاتٌ ربانية، يسمعُ قولَ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور: ١٩]، ويسمعُ التشديد والوعيدَ الشديد لمن يرمِي المؤمنات، ويقذِفُ العفيفات المُحصنات، إن بابَ الأعراض بابٌ مُحترم لا يجوزُ التهاوُن فيه ولا الترفُّق بلصوصه، وفي حكم القرآن على الزانِيَيْن: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢]. ولحماية هذا الباب وسدِّ مداخل الشيطان يقول الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣٠، ٣١]. ففي ظلِّ هذه التوجيهات يأمنُ الناسُ على حُرماتهم وأعراضهم، وتسلَمُ قلوبُهم، فلا تقعُ الأبصارُ على المفاتِن، ولا تقودُ العيونُ القلوبَ إلى المحارم، فإما خيانةٌ وفواحِش، وإما رغباتٌ مكبوتة، وأمراضُ نفوس، وفسادُ قلوب، بينما المجتمعُ المسلمُ العفيفُ آمِنٌ ساكِن، ترِفُّ عليه أهدابُ السِّلم والطُّهْر والأمان، وفي التوجيه الكريم أمرَ اللهُ بتزويج الشباب والفتيات، والأمرُ للوجوب. عباد الله: وهذا المجتمعُ المُستسلِمُ لله تُكفَلُ فيه الحرياتُ والكرامات، والأموالُ والحقوقُ والحُرمات بحكم التشريع بعد كفالتها بالتوجيه الربَّاني المُطاع؛ فلا يُراقُ دمٌ والقِصاصُ حاضر، ولا يضيعُ حقٌّ أو مالٌ والحُدودُ قائمة، ومن لم تزجُرهُ المواعِظ زجَرَته الحُدود. هذه بعضُ معالم المجتمع المُطمئن المُستسلِم لله، وبعضُ معاني السلم الذي دعَت الآيةُ إلى الدخول فيه كافة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. الخطبة الثانية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [الكهف: ١، ٢]، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الله تعالى لما دعانا للدخول في السلمِ كافةً حذَّرَنا من اتباع خطوات الشيطان؛ إذ ليس إلا طريقان: إما الدخول في السلم، وإما اتباع الشيطان، إما هُدًى، وإما ضلال، ليس للمسلم أن يخلِطَ أو يتخيَّر، والشيطانُ عدوٌّ مبين، فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩] له القوةُ والغلَبَة، والقدرة والقهر، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]. ثم قال تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة: ٢١١]، إنه أسلوبٌ من أساليب البيان في القرآن، فقد ضربَ الله مثلاً بالأمة المغضوب عليهم مُحذِّرًا ما صنعوا، أو نسلكَ ما سلَكوا من التبديل والتغيير، والتحايُل على الشريعة، والمُجادَلة فيها، وردِّ بعض أحكامها، مع وضوح الآيات والبراهين، وقد كانوا في نعمة ما جاء به الأنبياء، وما بدَّلَت البشريةُ هذه النعمةَ إلا بدَّلَ الله حالَها سَقامًا، وعاجَلَها بشِقوة الدنيا قبل نَكالِ الآخرة، ولك أن تقرأ في هذا التبديل ما يُعانيه العالمُ اليوم من القلق والحيرة، والنزاعات والحُروب، والقهر والتظالُم، ولهم في كتاب الله أسبابُ السعادة لو كانوا يعلمون. هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين، والخلفاء المَرْضِيِّين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومن سار على نهجهم واتبع سنتهم يا رب العالمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تدميرًا عليه. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة، اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين، اللهم جازِه بالخيرات والحسنات على خدمة الحرمين الشريفين، وبارِك جُهدَه وعزمَه على توسِعة المَطاف وتهيِئته للطائفين، والتوسِعة والتيسير به على المسلمين، اللهم وفِّقه ونائبَيه لما فيه الخيرُ للعباد والبلاد، واسلُك بهم سبيل الرشاد. اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجمعهم على الحق والهدى، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خُلَّتهم، وأطعِم جائعَهم. اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء. ربَّنا تقبَّل منا صيامَنا وقيامَنا ودعاءَنا وصالحَ أعمالنا، إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم. سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 42

خطبة المسجد الحرام - ١٨ شوال ١٤٣٢ - الفهم الصحيح للواقع والواجب نحوه - الشيخ عبد الرحمن السديس الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمدك ربي ونستعينك ونتوبُ إليك ونستغفرك، تباركَ ربُّنا حَبانَا شِرعةً غرَّاء جلَّت أحكامًا، سبحانه وبحمده توحَّد بالعزَّة والجلالِ سرمدًا ودوامًا. فالحمدُ لله حمدًا على الآلاء حمدًا كثيرًا جلَّ عن إحصاءِ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها استبصارًا في الحق وإلهامًا، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله بلَّغ رسالةَ الباري تعلمًا وإفهامًا، فزكَّى من البريَّة - بإذن ربه - أرواحًا وأفهامًا، صلَّى عليه اللهُ وعلى آله الطاهرين الطيبين نفوسًا وأحلامًا، وصحبِه البالغين من مداركِ الأحكام قِممًا أنَّى تُسامًا، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ يرجو من الحق الذُّرَى والمرامَا، وسلَّم تسليمًا كثيرًا عديدًا مُباركًا مديدًا مزيدًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، إن رُمتُم من الأمجاد غاياتها، ومن رحمات الهداية نهاياتها فاستعصِموا من التقوى بالعُروة الوُثقى؛ فللهِ ما أزكى مغبَّاتها وأهنأَ ثمراتها، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: ٥٢]. من يتقِ اللهَ يجعل عُسرَهُ يُسرًا ويُعظِمُ اللهُ بالتقوى له أجرًا أيها المسلمون: في هذه الآونة التأريخية تعيشُ أمتنا الإسلاميةُ فتنًا حالِكة وعواصفَ من المآسي هالِكة، اختلفَت ضُروبُها واستحرَّت كُروبُها، وغدَت كعارضٍ مُنهمِر، وبرقٍ مُستمِر، أملَت على المسلمين التدبُّر والاعتبار، وعلاجها عاجلاً بأوفقِ مِسبار، ولكن في حكمةٍ واقتدار. من أنكى تلكم الفتن في الأمة وملَّتها ووحدتها وأُلفتِها: فتنةُ انحرافِ الفُهوم والعُقول وتأويلِ النصوص والنُّقول إلى غير المراد واللامعقول من قول الباري ﵎ وقول الرسول ﷺ ومنهج السلف وخير الخلَف - رحمة الله تعالى عليهم -، لذلك كان الفهمُ الوثيق والإدراكُ المتينُ الدقيق للوحيَيْن الشريفين من أزكى مِنَن الباري وأسناها، وأجلِّ حصائد العلوم وأغلاها، وأسمَى وسائل الاستنباط وأزكاها، به يسمو صاحبُه، وتجِلُّ مناقبُه، وتنبُو عن الفَرَطات عواقِبُه. أما اختصَّ المولى - سبحانه - بالفهمِ الرجيح نبيَّه سليمان - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - في قوله تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء: ٧٩]. وأرشدَ أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب ﵁ في كتابه لأبي موسى الأشعري ﵁ للزوم الفهم وصُواه في قولٍ ما أجلَّ فحواه: "الفهمَ الفهمَ فيما أُدلِي إليك". وفي الأثر عن أبي جُحيفة قال: قلتُ لعليٍّ ﵁: هل عندكم كتابٌ؟ قال: "لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أُعطيَه رجلٌ مسلم"؛ خرَّجه البخاري وأهلُ السنن. وما ذاك إلا لأن آثار الفهم في مُعتركِ الاختلاف مُسدَّدةٌ مضمونة، وقُصودَه في معاضِلِ الترجيح راسخةٌ مأمونة، يُفضِي لتحقيق السعادتين ونَيْل الحُسنيَيْن. إخوة الإسلام: ومن بدائع العلامة ابن القيم ﵀ قوله: "وصحةُ الفهم نورٌ يقذِفُه اللهُ في قلب العبد يُميِّزُ به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهُدى والضلال، والغيِّ والرشاد .. " إلى أن قال ﵀: " .. ولا يتمكَّن المُفتي ولا الحاكمُ من الفتوى والحُكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقهُ فيه، والثاني: فهمُ الواجب في الواقع، وهو فهمُ حكمِ الله الذي حكَمَ به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ". اهـ كلامه ﵀. لأن صحةَ الفهم وحُسن القصد - يا رعاكم الله - سلامةٌ للدين والذِّمَم والأحكام والقِيَم، وانطلاقًا بالأمة وأمنِها ووحدتها صوبَ السبيل الأرشد الأمَم. أيها المؤمنون: وقد كان الاختلافُ في فهم النصوص وتفسيرها لدى أهل الاجتهاد روضًا خصبًا في بيان سعة الشريعةِ ومُرونتها، وبُرهانًا ساطعًا على يُسر الدين وانسجامه مع المُتغيِّرات، ورعايته للمقاصد النيِّرات، وتحقيقه للمناط الصحيح في النوازل والمُستجِدَّات. أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يُصلِّينَّ العصرَ إلا في بني قُريظَة»، فاختلفوا ﵃ في فهم ذلك على رأيَيْن مشهوريْن، أقرَّهما المُصطفى ﷺ . وهكذا في جملةٍ من المسائل والفروع عدَّها أهلُ العلم من اليُسر والسَّعة التي لا يعيبُ فيها أحدٌ على الآخر، على ضوء القاعدة التيمية الذهبية المشهورة: "رفعُ الملام عن الأئمة الأعلام"، هذا؛ وقد بوَّب البخاريُّ ﵀: "بابٌ: الفهمُ في العلم". كل ذلك - يها المُوفَّقون - شريطةُ أن تكون قراءةُ النصوص وفهمُها على مُقتضى النصوص الصحيحة والمقاصد الصريحة وفهمِ السلف الصالح ذوي الديانة والقريحة، وأن يكون المُتحلِّي به من أهل العلم الربَّانيين، وكفى بذلك مكانةً لروح الشريعة في نفوس المُكلَّفين، مصدرًا ثرًّى للمُجتهِدين المُعتبَرين. إخوة الإسلام: وكم للفُهوم المُنحرفة الجانحة بين المسلمين من معرَّاتٍ وويلات، أذهبَت فيهم روحَ الكراهية والصراعات، وأجَّجت أُوارَ التعصُّب والنزاعات، وها هو الواقعُ البئيس عبر المجالس والمُنتديات، والإعلام والفضائيات ينطقُ باستعلاءٍ أباطيل وافتراءات، وفُشُوِّ أضاليل وادِّعاءات، وانتشار قناعاتٍ شاذَّى وافتراءات، تقضِمُ بهبُوبِها الأصولَ والثوابت، وتشرخُ بشُبُوبها معالمَ الدين الباسقة النوابِت. هذا نصٌّ تقضَّى أوانُه، وذاك حكمٌُ فاتَ زمانُه؛ لأن الحياة بلَغت شأوًا مديدًا من الرُّقيّ يقضي بذلك! زعموا، وبئس ما زعموا! وكم عائبٍ قولاً صحيحًا وآفتُه من الفهمِ السقيمِ ولكن تأخذُ الأسماعُ منه على قدرِ القرائح والفُهومِ وهل يكونُ الحرامُ الصُّراحُ يومًا ما حلالاً، والمِلحُ الأُجاجُ حالاً عذبًا زُلالاً؟! وهل تكونُ شعيرةُ الحِسْبة التي حازَت بها أمتُنا الخيريةَ على العالمين اقتحامًا للخصوصية، وخرقًا للحرية الشخصية؟! وهل يكونُ ميراثُ الرجل بمُقتضى النص: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١] على السواء من المرأة؟! وأيُّ وجهٍ للمُفاضلة في ذلك بزعمهم؟! وكم، وكم. من الذين يُحرِّفون الكلِمَ عن مواضِعِه، ويتطاوَلون على الأصول والمُحكَمات، ويُزايِدون على الثوابتِ والمُسلَّمات من الذين تنزِعُ فُهومُهم النَّزِقة من مشاربِ التغريب والتعلمُن وإيديولوجيات العصرنةِ والتعولُم! وحقًّا: إذا لم يُفِدكَ العلمُ خيرًا فخيرًا منه أن لو قد جهِلتَ وإن ألقاكَ فهمُك في مهاوٍ فليتكَ ثم ليتكَ ما فهِمتَ فكلُّ اقتحامٍ لثابت التشريعات ومُسلَّم المُحكَمات بالتحويرِ وسيءِ الأفهام فهو افتراءٌ على الله، وافتياتٌ على دينه، وتهجُّمٌ على الحق بغير علمٍ، وليٌّ لأعناق النصوص بما يخدِمُ الهوى، ويُضِلُّ عن الهُدى، ويُذكِي رواجَ الشُّبُهات، ويُطوِّحُ بالمسلمِ إلى مساءات التحلُّل والتميُّع والانهزامية والتغريب، أو مباءات التكفير والتدمير والعنف والتخريب. ولهم نصوصٌ قصَّروا في فهمها فأُتوا من التقصير في العِرفانِ حتى زلَّت كثيرٌ من الأقدام، وضلَّت عديدٌ من الأفهام، والله المستعان. ومما أسفرَ عن المفاهيم السياسية الإصلاحية القاتِمة النرجسية ذات الآحادية العُنجهيَّة: التسلُّط لمُصادرة آراء الآخرين، وإقصاء طُموحاتهم، وطمس كراماتهم بشتَّى أساليب القمعِ والقهرِ وقصمِ الظهر في تحدٍّ للعالَم سافرٍ أرعَن، وما ذلك إلا لانتكاسِ الفهم، واستحكامِ الهوى والوَهم. أمة الإسلام: ومن ضُروبِ القضايا المُلِحَّة في هذا الأوان المُصطخِب والتي ونَت فيها الأفهام، واعتراها الخللُ والإيهام لدى كثيرٍ من الأفهام: قضايا في الاعتقاد، والمُعاملات المصرفية، ومسائل الربا، والمرأة وحجابها وعملها، والفتوى والمُتغيِّرات، والفكر والحوارِ والمُستجِدَّات، وإنها لقمينةٌ بأن تُؤصَّلَ على ضوءِ المفاهيم الشرعية الصحيحة التي تُجلِّي فقهَ المآلات واعتبار الأولويات، ولن يكون استنباطُ الرأيِ صوابًا سديدًا والفهمُ مُحكَمًا رشيدًا إلا أن يرِدَ أدلَّة مُسلَّمات الشريعة، وقواعِدها المَنيعَة، ومقاصِدها السامية الرفيعة، في ترفُّعٍ أن تلوكَها أقلامُ الصحافة، ومُلاسَناتُ المُتشاكسين، أو تتراشقَها المُنتديات، وشبكاتُ المعلومات. فالمرجعيَّةُ الضابطة للمفاهيم البائرة والآراء الخائرة هي - ولا مَيْن - للوحيَيْن الشريفين. فعليك بالوحيَيْن لا تعدُوهُما واسلُك طريقَهما بفهمٍ جيدٍ فإذا تعذَّرَ فهمُ نصٍّ غامضِ فاستفتِ أهلَ الذكر كالمُسترشِدِ يقول الإمامُ الشافعيُّ ﵀ في آراء الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -: "وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى لنا من آرائنا عندنا لأنفسنا". ولله درُّ الشاطبي ﵀؛ حيث يقول: "يجبُ على كل ناظرٍ في الدليل الشرعي مُراعاةُ ما فهِمَ منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به؛ فهم أحرى بالصواب، وأقومُ في العلم والعمل". معاشر الأحبَّة: وإذا كان اختلافُ الناس جِبِلَّةً في الخلق، كما قال تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود: ١١٨]؛ لتفاوُتِ مدارِكهم وفُهومهم وتبايُن معارفهم وعلومهم، فإن مجالَ ذلك في دائرة المُسموح به شرعًا، ومما يسُوغُ فيه اختلافُ وجهات النظر، ومن ذوي مُكنةٍ مُتجرِّدٍ عن العصبية والهوى، مُعرِّدٍ واسع الاطَّلاع على النصوص والأقوال، دقيق الإدراك لكليَّاتها، وثيق التمييز بين تطبيقاتها، مُطَّلِعًا بمسالك الخلافات وأدبياتها وأوجه الاستدلال ومُدرَكَاتها. ومن كان كذلك - ونِعَمَّ ذلك - فيُمِدُّه ربُّ العباد بهديِه، وبكُلِّ مكرُمةٍ وفهمٍ أجدرُه، ولرُبَّ خائضٍ مُعترَك المفاهيم والآراء يقول ببجاحةٍ عاتَّة في قطعيَّةٍ باتَّة: فهمِي صوابٌ لا يحتمِلُ الخطأ، وفهمُ غيري خطأٌ لا يحتمِلُ الصواب! وهذا المسلكُ مُصادمٌ لأدب الخلاف والحوار؛ إذ يقتضي تزكيةَ النفس وتنزيهها عن المزَالّ، خلافًا لأدب الجِلَّةِ من العلماء من التواضُع وخفضِ الجناح، كما أُثِرَ عن الإمام الشافعي ﵀ قولُه: "رأيِي صوابٌ يحتمِلُ الخطأ، ورأيُ غيري خطأٌ يحتمِلُ الصواب". وإن هذه الاغترارَ من أولئك مما تئِنُّ منه حلائبُ العلم وميادينُه وساحاتُه، وتصطرخُ منه المُنتدياتُ والمُلتقيات، وحُسن الظنِّ في هؤلاء أن يكونوا في الأمةِ دواءَها، فكانوا بلاءَها وداءَها، والله المُستعان. وبعدُ، معاشر المسلمين: ففي زمن الانفتاحِ الإعلامي العالمي المُبهِر بفضائياته وتِقاناته لزِمَ العلماءَ والدعاةَ الفُضلاء ورجالَ الإعلام وحمَلَة الأقلام بذلُ غاية الجهود لتحقيق أسمى القُصود في تصحيح المفاهيم المدخولة العليلة والآراء الجافيةِ الوبيلَة، وبيانُ المنهج الحق وآلياته في التلقِّي عن الله ورسوله ﷺ ، وإدراك معاقِد مُرادهما، وأن تُجيَّش في سبيل ذلك كلُّ الطاقات والإمكانات مع ربط الأمةِ بفُهوم السلف الأخيار - عليهم الرحماتُ الدِّرار -، وبذلك تتحقَّقُ للأمة الآمالُ الكِبار، بفضل المولى العزيز الغفَّار. رزقنا الله وإياكم التمسُّك بالكتاب والسنة، وحُسن الوقوف على فهم سلف هذه الأمة، وكشفَ عنها ما أصابَها من كربٍ وبلاءٍ وغُمَّة. اللهم ارزُقنا من الفهم عنك وعن رسولك ﷺ ما به نُحقِّقُ مُرادَكَ ومُرادَ رسولك ﷺ ، ونبلُغُ به منالَ العلماء العاملين، والأولياء المتقين، إنك جوادٌ كريم. اللهم اهدِنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا كثيرًا لا يتناهَى مُكرَّرًا، أحمده - سبحانه - خصَّ العقلَ بالفهم الصحيح فكان الأنقى جوهرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنديدًا وتوحيدًا في الفؤاد تقرَّرًا، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خيرُ من أرشدَ للحق والهُدى إفهامًا وتعليمًا فأزهرَا، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الأُلَى داموا للعلم والمعارف عيونًا ومصدرًا، وصحبه الزاكين مخبرًا ومظهرًا، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، واعتصِموا بهدي الوحيَيْن وفهم السلف، وكونوا ممن أحجمَ عن خطَل الرأي وكفَّ تُفلِحوا وتفوزوا، وللعِزَّة القَعساء تحُوزوا. إخوة الإسلام: وحيثُ تستفتِحُ الأمةُ الإسلاميةُ عامًا دراسيًّا ميمونًا، يرشُفُ فيه أبناؤنا زُلالَ العلم ونَميرَ المعرفة؛ فإن المُؤمَّلَ - بإذن الله - من محاضِن التربية ومعاقِل التعليم بناءُ الأجيال على التمسُّك بأصول الشريعة مُحكمَاتها، وتحصينُهم دون التفريط في فروعِها وجُزئياتها، تقصِّيًا لمنهج أسلافِهم الأمجاد، مُثابِرين على بناء ملَكَة الفهم الصحيح الوقَّاد التي تكون مِلءَ أسماعهم وخفقَ قلوبهم، وتأصيلُهم على حِذقِ أساليب الإقناع والحوار، وأرفع آداب الاختلاف عند مضائق الأنظار، يُتوِّجُ ذلك الدُّربةُ على جودة الإدراك والتعليل، وحُسن الاستنباطِ من النصِّ والدليل، في غير تجانُفٍ عن الوسطية والاعتدال، ومراقي التزكية والكمال، ونأيٍ عن مسالك الغلوِّ والجفاء. وبذلك يتعلَّقون بأشرف الآمال فيُحرِزونها، وينقلِبون لدقائق العلوم فيُبرِزونها، ويرتقُون إلى قِمَم التألُّق وحُسن الفهم، غيرَ مُكتَفين بمُجرَّد الانتسابِ إلى العلم، فتلكَ مرحلةٌ تخطَّاها جيلُ الإبداع والتميُّز والطُموحات. وعلى غِرار تلك النفائس والأطواق سيرتبئُ النشءُ المبارك - بإذن الله - أثباجَ المجد والإنصاف الماخِر، ويُحقِّقُ قولَ القائل: "كم ترك الأولُ للآخر"، وما ذلك على الله بعزيز. هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على من أتى بأنفع العلم والتبيان على مرِّ الدهور والأزمان: المُصطفى من ولدِ عدنان، كما أمركم المولى في مُحكَم القرآن، فقال تعالى قولاً كريمًا عظيمَ البُرهان: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا». فصلِّ يا رب على المُباركِ محمدٍ وآلهِ وبارِكِ وصحبِه والتابعين النُّبَلا ومن قَفا آثارهم ووصَلا وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم كُن له على الحق مُؤيِّدًا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، وهيِّئ له في كل أمورِه رأيًا سديدًا ورأيًا رشيدًا وعملاً حميدًا، يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ارزقه البِطانةَ الصالحةَ التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، اللهم وفِّق وليَّ عهده لكل خير، وألبِسه لباسَ الصحة والعافية، ورُدَّه إلينا سالمًا مُعافًى يا رب العالمين، اللهم وفِّق النائبَ الثاني لكل خير، واجزِه خيرًا على جهوده الأمنية يا رب العالمين. اللهم وفِّق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ . اللهم كُن للمُضطهدين المُستضعفين في دينهم في كل مكان، اللهم إن لنا إخوانًا في الدين مسَّتهم البأساءُ والضرَّاءُ والشدَّةُ واللأواءُ، اللهم ارفع عنهم واكشِف ضُرَّهم يا حيُ يا قيَّوم، اللهم أصلِح أحوالَهم، اللهم أصلِح أحوالَهم، واحقِن دماءَهم، واحقِن دماءَهم، واحقِن دماءَهم يا حيُّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعلهم عِبرةً للمُعتبِرين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللم أنقِذ المسجدَ الأقصى من المُحتلِّين المُعتدين يا قوي يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِث قلوبَنا بالإيمان واليقين، وبلادَنا بالخيرات والأمطار والغيث العَميم. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُروه على نِعَمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.

стр. 43

خطبة المسجد الحرام - ٢٥ شوال ١٤٣٢ - حسن الظن بالله وآثاره - الشيخ أسامة خياط الخطبة الأولى الحمد لله الهادي لمن استهداه، الكافي من تولاَّه، أحمده - سبحانه - حمدًا نبتغي به وجهَه ورِضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا ربَّ غيرُه ولا إله سِواه، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أفضلُ نبيٍّ هداه ربُّه واصطفاهُ واجتباه، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه صلاةً وسلامًا تزكُو بهما النفوس وتسمُو وتطيبُ بهما الحياة. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، وتوبوا إليه واستغفِروه يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١١، ١٢]. عباد الله: ديدَنُ أُولي الألباب ونَهجُ المتقين وشأنُ عباد الرحمن: إحسانُ الظنِّ بربهم الأعلى لا حَيْدَة عنه، ولا مَيْل عن سبيله، ولا توقُّف فيه ولا نُكوص عنه، ولا عجبَ أن يكون لهم هذا النهج، وأن يُعرَف لهم هذا المسلَك وهذا التعامُل مع ربهم؛ فقد جاءهم منه - سبحانه - ما يبعَثُ على الاستمساك به والعضّ عليه بالنواجِذ، وذلك في الحديث الذي أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «قال الله: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكَرني .. » الحديث. وفي الحديث الذي أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يمُوتنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بالله تعالى». وهذا مُبايِنٌ أعظم المُبايَنة، ومُخالفٌ أشد المُخالَفة لطريق الظانِّين بالله ظنَّ السَّوْء، أولئك الذين نعى اللهُ عليهم هذا وشدَّد عليهم فيه النكير، فقال - سبحانه - فيما قصَّ علينا من أنباء غزوة أُحُد وما كان فيها من أحداثٍ وعِبَر: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: ١٥٤]. إنه حديثٌ عن فِئة أهل شكٍّ ورَيبٍ في الله ، لم يغشَها النُّعاس الذي بعثَه الله يوم أُحُد بسبب ما كانت عليه - أي: هذه الفِئة - من قلقٍ وجزَعٍ وخوف، تظنُّ بالله غيرَ الظنِّ الحق الذي يجبُ أن يُظنَّ به - سبحانه -، كما قال - عزَّ اسمُه -: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا [الفتح: ١٢]. وهكذا اعتقدَت هذه الفِئَة أن مُشركي قريش لما ظهَروا أن هذا الظهر هو الفَيصلُ، وأن اللهَ لا ينصُر رسولَه، وأن أمره سيضمَحِلّ، وأنه يُسلِمُه إلى القتل. وفُسِّر - كما قال الإمام ابن القيم ﵀: بأن ما أصابَهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمة له فيه، ففُسِّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يُتِمَّ أمر رسوله، ويُظهِره على الدين كله. وهذا هو ظنُّ السوء الذي ظنَّه المُنافِقون والمُشركون به في سورة الفتح؛ حيث يقول: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦]. وإنما كان هذا ظنَّ السوء وظنَّ الجاهلية الذي نُسِب إلى أهل الجهل وظنَّ غير الحق؛ لأنه ظنٌّ لا يليقُ بأسمائه الحُسنى وصفاته العُليا وذاته المُبرَّأة من كل سوء، بخلاف ما يليقُ بحكمته وحده وبتفرُّده بالربوبية والألوهية، وما يليقُ بوعده الصادق الذي لا يُخلِفُه، وبكلمته التي سبَقَت لرُسُله أن ينصُرَهم ولا يخذُلَهم، ولجُنده بأنهم هم الغالبون. فمن ظنَّ بالله أنه لا ينصُر رسولَه ولا يُتِمُّ أمره ولا يُؤيِّده، ولا يُؤيِّد جُندَه، ولا يُعلِيهم ويُظفِرُهم بأعدائه ويُظهِرهم عليهم، وأنه لا ينصُر دينَه وكتابَه، وأنه يُديلُ الشركَ على التوحيد، والباطلَ على الحق إدالةً مُستقرَّةً يضمحِلُّ معها التوحيدُ والحقُّ اضمحلالاً لا يقومُ بعده أبدًا؛ فقد ظنَّ بالله ظنَّ السوء، ونسبَه إلى خلاف ما يليقُ بكماله وجلاله وصفاته ونُعوته، فإن عزَّته وحكمةَ إلهيته تأبَى ذلك، وتأبَى أن يُذِلَّ حِزبَه وجُنده، وأن تكون النُّصرةُ المُستقرَّة والظَّفَر الدائم لأعدائه المُشركين به العادِلين به. فمن ظنَّ به ذلك فما عرَفَه ولا عرفَ أسماءه ولا عرَفَ صفات كماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرَفَه ولا عرَفَ ربوبيته ومُلكَه وعظمَتَه، وكذلك من أنكر أن يكون ما قدَّر اللهُ من ذلك وغيره لحكمةٍ بالغة وغايةٍ محمودة يستحقُّ الحمدَ عليها، وأن ذلك إنما صدَرَ عن مشيئةٍ مُجرَّدةٍ عن حكمةٍ وغايةٍ مطلوبةٍ هي أحبُّ إليه من فَوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المُفضِيَة إليها لا يخرج تقديرُها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يُحبُّ - وإن كانت مكروهةً له -، فما قدَّرها سُدًى، ولا أنشأها عبثًا، ولا خلقها باطلاً، ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧]. وأكثرُ الناس يظنُّون بالله غيرَ الحق ظنَّ السوء فيما يختصُّ بهم، وفيما يفعلُه - سبحانه - بغيرهم، ولا يسلمُ من ذلك إلا من عرفَ اللهَ وعرفَ أسماءَه وصفاتِه، وعرفَ مُوجِبَ حمده، وعلِمَ حكمته؛ فمن قنطَ من رحمته، وأيِسَ من روحه فقد ظنَّ به السوء. ومن جوَّز عليه أن يُعذِّب أولياءَه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويُسوِّي بينهم وبين أعدائه فقد ظنَّ به السوء. ومن ظنَّ به أنه يترك خلقَه سُدًى مُعطَّلين من الأمر والنهي، ولا يُرسِلُ إليهم رُسلَه، ولا يُنزِّلُ عليهم كتبَه؛ بل يترُكهم هملاً كالأنعام؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء. ومن ظنَّ أنه لن يجمَع عبيدَه بعد موتهم للثواب والعِقاب في دارٍ يُجازَى فيها المُحسِن بإحسانه والمُسيءُ بإساءته، وليُبيَّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، وليُظهِر للعالمين كلهم صدقَه وصدقَ رُسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء. ومن ظنَّ أنه يُضيعُ عليه عملَه الصالحَ الذي عمِلَه خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره، ويُبطِله عليه بلا سببٍ من العبد، وأنه يُعاقِبُه بما لا صنيعَ فيه ولا اختيار ولا قُدرةَ ولا إرادةَ في حصوله؛ بل يُعاقِبُه على فعله هو - سبحانه - به، أو ظنَّ أنه يجوز عليه أن يُؤيِّدَ أعداءَه الكاذبين عليه بالمُعجِزات التي يُؤيِّدُ بها أنبياءَه ورُسُله، وأن يُجرِيَها على أيديهم يُضلُّون بها عبادَه، وأنه يحسُنُ منه كلُّ شيءٍ حتى أن يُعذِّبَ من أفنى عمرَه في طاعته فيُخلِّدَه في الجحيم أسفل سافلين، ويُنعِّمَ من استنفذَ عمرَه في عداوته وعداوة رُسله ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليِّين، وأن كلا الأمرين في الحُسن سواءٌ عنده؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء. ومن ظنَّ به أنه أخبرَ عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهرُه باطلٌ وتشبيهٌ وتمثيل، وتركَ الحقَّ ولم يُخبِر به، وإنما رمزَ إليه رموزًا بعيدة، وأشارَ إليه إشاراتٍ بالألغاز، وأراد من خلقه أن يُتعِبوا أذهانَهم وقُواهَم وأفكارَهم في تحريف كلامه عن مواضِعه، وتأويله على غير تأويله، من ظنَّ به - سبحانه - ذلك فقد ظنَّ به ظنَّ السوء. ومن ظنَّ به أنه إذا صدَقَه في الرغبةِ والرهبةِ، وتضرَّع إليه وسألَه، واستعانَ به، وتوكَّلَ عليه، أنه يُخيِّبُه ولا يُعطيه ما سألَه؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السوء، وظنَّ به خلافًَ ما هو أهلُه. فأكثرُ الخلق - بل كلُّهم - كما قال الإمام ابن القيم ﵀: "أكثرُ الخلق - بل كلُّهم - إلا من شاء الله منهم - يظنُّون بالله غيرَ الحق ظنَّ السوء؛ فإن غالبَ بني آدم يعتقِدُ أنه مبخوسُ الحق، ناقِصُ الحظ، وأنه يستحقُّ فوق ما أعطاه الله، ولسانُ حالِه يقول: ظلمَني ربي، ومنعني حقي، ونفسُه تشهَدُ عليه بذلك، وهو بلسانه يُنكِرُه، ولا يتجاسَرُ على التصريح به، ومن فتَّشَ نفسَه وتغلغلَ في معرفة دفائنِها وطواياها رأى ذلك فيها كامِنًا كُمُونَ النار في الزناد، فمُستقِلٌّ ومُستكثِر". ففتِّش نفسَك: هل أنت سالمٌ من ذلك؟! فإن تنجُ منها تنجُو من ذي عظيمةٍ وإلا فإني لا إِخالُكَ ناجيًا فليعتنِ اللبيبُ الناصِحُ نفسَه بهذا الموضع، وليتُب إلى الله ويستغفِره كل وقتٍ من ظنِّه بربه ظنَّ السوء، وليظنَّ السوء بنفسه التي هي مادةُ كل سوء، ومنبَع كل شر؛ فهي أولَى بظنِّ السوء من أحكَم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني الحميد، الذي له الغِنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: ٢٤]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيِّه ﷺ ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحمده - سبحانه - حمدَ شاكرٍ ذاكرٍ مُخبِتٍ لربه الأعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله وحبيبُه المُجتبى ونبيُّه المُصطفى، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أئمة الهُدى ونُجوم الدُّجَى. أما بعد، فيا عباد الله: قال الله تعالى - حكايةً عن قول إبراهيم ﵊ لقومه: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٦، ٨٧]؛ أي: ما ظنُّكم أن يفعل بكم إذا لقِيتموه وقد عبدتم غيرَه؟! ومن تأمَّل هذا الموضع - كما قال أهل العلم - علِمَ أن حُسن الظن بالله هو نفس حُسن العمل؛ فإن العبدَ إنما يحمِلُه على حُسن العمل ظنُّه بربِّه أنه يُجازيه على أعماله، ويُثيبُه عليها، ويتقبَّلُها منه، فالذي حمَله على حُسن العمل حُسن الظن؛ فكلما حسُن ظنُّه حسُن عملُه، وإلا فحُسن الظنِّ مع اتباعِ الهوى عجزٌ. وبالجُملة؛ فحُسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتَّى إحسانُ الظن. فاتقوا الله - عباد الله -، وأحسِنوا الظنَّ بربكم، وأحسِنوا له العمل؛ تفوزوا بالرضا والرضوان من الرب الرحيم الرحمن، ونزول رفيع الجِنان. وصلُّوا وسلِّموا على سيد ولد عدنان؛ فقد أمركم بذلك الملكُ الديَّان، فقال - سبحانه -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك محمد ﷺ وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء، اللهم اجزِه أفضلَ الجزاء وأحسنَه وأكملَه على مواقفه الإسلامية الطيبة وغيرته المشكورة، وتصدِّيه لمن تجاوز حُدودَه فتعدَّى وأساءَ وظلَم. اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، يا من إليه المرجِعُ يوم التناد. اللهم أحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر. اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 44

خطبة المسجد الحرام - ٢ ذو القعدة ١٤٣٢ - مفهوم الحرية في الإسلام - الشيخ سعود الشريم الخطبة الأولى الحمد لله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلِد ولم يُولَد، ولم يكن له كُفوًا أحد، شرعَ لنا من الدين ما وصَّى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، فأقيموا الدين ولا تتفرَّقوا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله وصفيُّه وخليلُه، وخيرتُه من خلقه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصحَ الأمة، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، وراقِبوه في السرِّ والعلَن، والخَلوة والجَلوة؛ فإن الله يعلمُ خائنةَ الأعيُن وما تُخفِي الصدور. واعلموا أن ما بكم من نعمةٍ فمن الله، وأنه لا نعمةَ أعظم ولا أبلغ في النفوس من نعمة الإسلام والدين والانقياد لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، والتماسِ مظانِّ رضا الله، واجتناب مظانِّ سخَطه - جل وعلا -. عباد الله: كل إنسانٍ على هذه البسيطة له أمنيةٌ لا تُفارقُ خيالَه، ولا تنفكُّ عن أن تكون في مُقدِّمة تطلُّعاته في هذه الحياة، وهي: أن يعيش حرًّا كريمًا عزيزًا، يُتاحُ له مساحةً واسعةً من الحرية والاستقلال؛ ليُشارِك ويُحاوِر ويأخذ ويُعطي. وإلى هذا الحدِّ نجِدُ أن شريعتَنا الغرَّاء قد كفَلَت لكل مسلمٍ هذه الأمنية ورعَتها حق رعايتها، فجعلَته حرًّا عزيزًا كريمًا لا سلطان لأحدٍ عليه غير سلطان الشريعة؛ فهو حرٌّ صبيًّا وشابًّا وكهلاً وشيخًا، في حريةٍ مُطلقة ما لم يُخِلَّ بواجباته تجاه ربِّه ودينه وبني ملَّته، وما لم ينتهِك من الموانع والمحاذير ما يُوقِفُ عنه هذه الخِصِّيصة التي يتطلَّعُ إليها. فالنبي ﷺ يقول: «لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا يبِعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يخذُلُه، ولا يحقِرُه، التقوى ها هنا - ويُشير إلى صدره، ثلاث مرات -، بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلم، كل المسلمِ على المسلمِ حرام؛ دمُه ومالُه وعِرضُه»؛ رواه مسلم. إن الشريعة - عباد الله - هي سرُّ الأمان لضمان الصالح العام، وهي مبنيةٌ على الرحمة والعدل والخير الذي يأمر اللهُ به عبادَه، تعودُ غايتُه لإسعاد الناس في آجِلهم وعاجلِهم، وأن الشر الذي نهاهُم عنه ليس إلا وقاية لهم من أذًى قريبٍ أو بعيد. ولذا فقد سما الإسلام بالمسلم روحًا وجسدًا، عقلاً وقلبًا؛ فلم يضَع في عُنقه غُلاًّ، ولا في رِجله قيدًا، ولم يُحرِّم عليه طيبَة، وفي الوقت نفسِه لم يدَعه كالكرة تتخطَّفُها مضارِبُ اللاعبين، فتهوِي به في كل اتجاه حتى تُقنِعَه بأن الإنسان إنما يعيشُ لنفسه ومتاع الدنيا، فإذا كان الأحمقُ منهم يعيشُ ليأكل؛ فإن العاقل منهم - بهذا التصوُّر الرخيص - إنما يأكل ليعيش. وأما المؤمنُ الصادق الموصول بربِّه وحبِّه وخشيتِه فإنه يستحضِرُ قولَه تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]. يقول الشاطبي ﵀: "اتفقَت الأمةُ على أن الشريعةَ وُضِعَت للمحافظةِ على الضرورات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وعلمُها عند الأمة كالضروري". أيها الناس: لقد تواطأَ الناسُ على البحث عن الحرية والكرامة وأعياهُم طِلابُها، غيرَ أن كثيرًا منهم سارَ في غير مسارِها، والتمسُوها في غير مظانِّها؛ فحسِبَها بعضُهم في اللَّهَث وراء الدنيا بزينتِها وزُخرُفها والعبِّ منها كما الهِيْم، بل ذهبَ بعضُهم إلى أبعدَ من ذلكم؛ ليصرَ مفهوم الحرية عنده: إن لم تكن ذِئبًا أكلَتْك الذئاب، وإن لم تَجهَل يُجهَل عليك، وإن لم تتغدَّ بزيدٍ تعشَّى بك! وأن الحريةَ عندهم: أن تقول ما تشاء، وتفعل ما تشاء، وتكتبَ ما تشاء، وتتكلَّم فيمن تشاء، دون زمامٍ ولا خِطام، حتى ولو كان في أمور الدين والعقيدة وحقِّ الله وحقِّ رسوله ﷺ . ولكن الحريةَ الحقَّة - عباد الله - دينٌ يتبَعُهُ عملٌ ويصحَبُه حملُ النفس على المكارِه، وجَبلُها على تحمُّلِ المشاقِّ، وتوطينُها لمُلاقاة البلاء بالصبر والشدائد بالجلَد، وحفظ الحُدود، والتسليم للشريعة والتمسُّك بها؛ فالحرُّ من آثَر الباقي على الفاني، والحريةُ رضًا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولاً، وقناعةٌ بالمقسوم، وثقةٌ بالخالق، واستمدادُ العَون منه، ومن ذاقَ طعمَ الإيمان ذاقَ طعمَ الحرية. فمن حقَّق العبوديةَ لله - سبحانه - فلن يكون عبدًا لهواه، ولا أسيرًا لأحدٍ من الناس؛ حيث لا تحكمُه الشهوةُ ولا المُصانَعة، ولا يُوجِّهُه مبدأُ: كم تملِك؟ وما مركزُك ومنصبُك؟ لأنه يحمِلُ في نفسه معنى الناس لا معنى ذاته؛ ليُصبِحَ حرًّا بهذا التصوُّر الإيجابي. فإن من أساسات الحريةِ - عباد الله -: أن يُؤدِّي المرءَ حقَّ الله على ما أراد - سبحانه -، وأن يُؤدِّي حقَّ العباد وفقَ ما شرعَه الله له، فلا حريةَ في التحليل والتحريم؛ لأن الله - جل وعلا - يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]، ويقول - جل وعلا -: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦]. وليس لمخلوقٍ الحرية فيما يخُصُّ أعراضَ الناس؛ فقد يترتَّبُ على ذلك جَلْدٌ في القذف، أو رجمٌ في الزِّنا، ولا فيما يخُصُّ العقل؛ فقد يترتَّبُ على ذلك جلدٌ في المُسكِر، أو قتلٌ في المُخدِّرات، أو تعزيرٌ في إفساد الفِكر، ولا حرية مُطلقة في المال؛ فقد تُقطَع اليدُ في سرقة، أو يُعزَّرُ امرؤٌ في غصبِ مال، ولا حرية مُطلقة في النفس؛ فقد يُقتَلُ قِصاصًا، أو يُصلَبُ حِرابةً، ولا حرية مُطلقة في الدين؛ فإن الله - جل وعلا - يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥]. ويقول الرسول ﷺ : «لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيِّبُ الزاني، والنفسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينه المُفارِقُ للجماعة»؛ رواه مسلم. فمن أراد الحريةَ الحقَّة - عباد الله - فلينظُر مدى توافُقها مع شِرعَة الله وصِبغَته، ومن أراد أن يُحسِن سِياجَ الحرية فليستمِع إلى قول النبي ﷺ : «إن الله تعالى فرضَ فرائِضَ فلا تُضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وحرَّم أشياءَ فلا تنتهِكوها، وسكتَ عن أشياء رحمةً غيرَ نسيان فلا تبحَثوا عنها»؛ حديثٌ حسنٌ، رواه الدارقطني وغيرُه. وحاصلُ الأمر - عباد الله -: أن الحريةَ ترابُطٌ وثيقٌ بين أفراد المجتمع وأُسَرِه وبُيُوتاتِه، يشترِكون في الواجبات والحقوق، لا يعتدي بعضُهم على بعضٍ، ولا يظلمُ بعضُهم بعضًا، ولا يبغِي بعضُهم على بعض، أمامَهم فُسحةٌ واسعةٌ من المُباحات هي عفوٌ قد سكتَ عنها الشارِعُ الحكيم. فإن أصحابَ رسول الله ﷺ لم يكونوا مُنحرفين ولا مُتماوتين، وكانوا يُنشِدون الأشعارَ في مجالسهم، ويذكرُون أمرَ جاهليَّتهم، فإذا أُريدَ أحدُهم على شيءٍ من دينه دارَت حماليقُ عينيه؛ رواه البخاري في "الأدب المفرد". بمثلِ هذا كلِّه - عباد الله - يتَّصِلُ ما بين العظيمِ والسُّوقَة، والشريفِ والوَضيع، والغنيِّ والفقير، بعيدًا عن معاني الدينار والدرهَم وحِمامِهما؛ ليُرفَع بذلك الشيءُ النفيس ويُخفَضَ الشيءُ الخَسيس، لا أن يطفُوَ الخَشاشُ والحَشاش ويسفُلَ الدرُّ والجوهَر. وليتَّقِ الجميعُ حدودَ الله؛ فإن الله - جل وعلا - يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩]، ويقول - سبحانه -: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق: ١]، وقال - جل وعلا -: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء: ١٣، ١٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا. الخطبة الثانية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فاتقوا الله - عباد الله -، واعلموا أن حفظَ بُنيان المسلم من أعظم المصالِح التي دلَّ عليها الشارِعُ الحكيم، وأن انتهاكَه من أعظم المفاسِد التي حذَّرَ منها، وقتلُ النفس المُحرَّمة جزءٌ من ذلكم، وفي هذا من الظلمِ والنِّكايةِ ما لا يخفَى على بشر. وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وإعدامُ البِنيةِ الإنسانية غايةٌ في ذلك". وقتلُ النفس المعصومة كبيرةٌ من كبائر الذنوب؛ فقد قال - جل وعلا -: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، وقد قال النبي ﷺ : «لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتلِ رجلٍ مسلمٍ»؛ رواه الترمذي. وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «لو أن أهلَ السماء وأهلَ الأرض اشترَكوا في دمِ مؤمنٍ لأكبَّهم الله في النار». وقد قال - صلوات الله وسلامُه عليه -: «يجِيءُ المقتولُ يوم القيامة آخِذا رأسَه بيمينِه تشخُبُ أوداجُه في قِبَلِ عرش الرحمن يقول: سَلْ هذا: فيمَ قتلَني؟!»؛ رواه أحمد. ألا فليتَّقِ اللهَ أولئك الظالمون المُتهوِّرون الذين يُصوِّبون فُوَّهات بنادقهم وأسلحتِهم إلى صُدور إخوانهم وبني مجتمعهم؛ فيقتُلون ويُسرِفون في القتل، ويرتكِبون أبشعَ الجرائِم والمجازِر، فلا يرعَون حُرمةَ دمٍ ولا مالٍ ولا ولد، كل ذلك لأجلِ عَرَضٍ من الدنيا زائِل، قدَّموا مصالِحَهم على حُرمات العباد، حتى لقد صارَ إهراقُ الدمِ عندهم أهونَ من قتل البَعوضة. وتاللهِ وباللهِ؛ فإن هذا لهُو البَوارُ والخُسران، وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت: ١٣]. إن القاتل مسجونٌ ولو كان طليقًا، مهمومٌ ولو بدَتْ نواجِذُه؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لن يَزالَ المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا»؛ رواه البخاري. وقد قال ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: "إن من وَرطات الأمور التي لا مخرجَ لمن أوقعَ نفسَه فيها سفكَ الدم الحرام بغير حِلِّه". وعند الله تجتمعُ الخُصوم. ألا فليتَّقِ الله الذين يقتُلون إخوانَهم في بُلدانهم، ألا فليتَّقوا الله، ألا فليتَّقوا الله، ألا فليتَّقوا الله. هذا؛ وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسِه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا». اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيِّك محمد ﷺ ، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، وفُكَّ أسرَ المأسُورين، يا ذا الجلال والإكرام يا رب العالمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا المسلمين في كل مكان؛ في مصر، وسُوريا، واليمن، وليبيا، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 45

خطبة المسجد الحرام - ٩ ذو القعدة ١٤٣٢ - اقتضاء القول العمل - الشيخ عبد الرحمن السديس الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه سبحانه وبحمده لم يزَلْ للثناءِ والحمدِ مُستحِقًّا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خصَّنا بشريعةٍ غرَّاء هي المَعينُ السَّلسالُ الأبقَى، من اعتصمَ بها ظاهرًا وباطنًا توقَّى وفازَ وترقَّى، وأشهد أن نبيَّنا وحبيبَنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أزكى البريَّةِ سرًّا وعلانيةً وأتقى، صلَّى الله وبارَكَ عليه، وعلى آله الحائزين المكارِمَ أصلاً وسبقًا، وصحبِه البالغين من ذُرَى الدين المقامَ الأرقى، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ يرجو في الجِنانِ أهنَا ملقَى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما أعقَبَ ودقٌ برقًا. أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله حقَّ التقوى، اتقوه ﷻ مخبرًا ومظهرًا تُحقِّقوا عزًّا ترى ما أبرهًا، وتحُوزوا مجدًا أظهرًا، وتستعيدوا سُؤددًا غابرًا أزهرًا، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: ٥]. فما أروعَ الأيام إن زانَها التُّقَى وأضحَت مساعِي الجمعِ محمودةَ العُقبَى ففي تقوى الإلهِ السنيَّةِ حلَّقَت نفوسٌ إلى عليَائِها تنشُدُ القُربَى أيها المسلمون: في عصر الماديات واعتسافِها، وذُبُولِ الروحِ وجفافِها، واجتِثاثِ كثيرٍ من القِيَم وانتِسافِها، وشُرُودِ النفوس دون صحيحِ التديُّنِ وانصِرافِها؛ تغلغَلَت في الأمةِ آفةٌ قَحِلَة، جَرذَاءُ محِلَة، برَّحَت بالأمةِ وأوهَتها، وطوَّحَت بها وأضنَتها، كيف وإنها لتبُكُّ الفيالِقَ المُجنَّدَة والقواضِبَ المُهنَّدة؛ لذلك حذَّر منها الباري وندَّد، أكبَرَ في أمرها المقتَ وشدَّد، تلكم هي - حماكم الله -: الانفِصامُ بين العمل والقول، وما أشنَعه من هَوْل، وتبايُنُ الخُبُر عن الخَبَر في انحرافٍ عن سَوِيِّ الفِطَر، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢، ٣]. الله أكبر! فكم هم الذين يجمَعون في ذواتِهم الصفات المُتناقِضات دون تأثُّمٍ وحرجٍ، سائرين إلى ربِّهم في ضلَعٍ وعِوَج، فكان ذلكم الانفِصامُ الوَبِيء بين العقيدةِ والقِيَم، والعبادات والأخلاق، والشعائرِ والمشاعِر سببًا في تقهقُرِ أمتنا وعجزِها عن بلاغِ رسالتِها في العالمين. إخوة الإيمان: ولتحقيق معالمِ الكمال الربانية للشخصيةِ المُسلِمة السويَّة جاء الإسلامُ بجمهرةٍ من الضوابطِ الخُلُقية والفكرية والآداب النفسية والاجتماعية لاستبقاءِ التديُّن حقًّا شفيفًا مُزهِرًا في الجَنان، حقيقةً مُثمِرةً في الأركان، حقيقةً مُؤتلِقَةً في العِيان، يقول - سبحانه - عن نبيِّه شُعيب - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨]، وهؤلاء رُسُل الملك العلاَّم هم قُدوةُ الأنام فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]. في الأثر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن الناسَ قد أحسَنوا القولَ؛ فمن وافقَ قولُه فعلَه فذاكَ الذي أصابَ حظَّه، ومنن خالَفَ قولُه فعلَه فذاكَ إنما يُوبِّخُ نفسَه". إذا نصَبوا للقول قالوا فأحسَنوا ولكنَّ حُسنَ القولِ خالَفَهُ الفعلُ نعم - يا رعاكم الله -؛ كم تستبيكَ الأقوالُ المُخرفَةُ المُبهرَجة، وما هي في الحقيقةِ - إذا عجَنتَ صاحبَها - إلا الهباءُ تذرُوهُ الرياح، وتأسِرُكَ النظرياتُ المُطرَّزة، وما هي - إذا بلوتَ تالِيَها - إلا النُّكرُ والجُناح، فالقائلُ بليغٌ مُفوَّه، والحديثٌ آسِرٌ مُموَّه، والفعلُ - من أسفٍ - خِداجٌ مُشوَّه، يُظهِرُ باللسان الأُخُوَّةَ المَديحة، ويُبطِنُ بالفِعال العداوةَ الصريحَة، وقد كشفَهم الحقُّ في قوله ﷻ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة: ٢٠٤]. أما دَرَى هؤلاء أن امتثالَ الأحكام بالأركان أجلُّ من الحديثِ عنها بصَوغِ اللسان؟! شتَّان بينهما شتَّان! والقولُ ما لم يكن بالفعلِ مُقترِنًا فإنه عَرَضٌ في حيِّزِ العَدَمِ وفي مأثورِ الحِكَم: "القولُ خُلَّب، والفعلُ قُلَّب، وأصدقُ المقال ما نطَقَت به صورُ الفِعال". أمة الإسلام: الحديثُ عن آفةِ الانفِصالِ في الأقوال والأفعال والتبايُنِ بينهما دون استِحكام مُرُّ المذاق، مُجرٍ لعَبَراتِ الأحداق، فكم هم الذين ظاهِرُهم الديانة انحرَفوا في مسائل الاعتقاد، فاستغاثُوا بالرُّفاتِ يرجُونَهم قضاء الحاجات وتفريجَ الكُرُبات، وهذا الاعتقادُ الفاسِدُ خالَفَ الظاهِرَ الكاسِد. وآخرُون يُعدُّون في الأفاضِلِ الأخيار، إذا لاحَ لهم عَرَضٌ من الدنيا مشبُوه أجلَبوا عليه بخيلِ التأويل، واستحَلُّوه بكل دليلٍ وتعليل، ونبَذُوا اتِّقاءَ الشُّبُهات ظِهرِيًّا، وغَدَا ما يدعُون إليه من الورَع نسيًّا منسيًّا، وعلى سَنَنهم: من يتأوَّلُ النصوصَ مُترخِّصًا، ويفتَئِتُ على الله مُتخرِّصًا. وآخرُون ظاهرُهم الخيرُ والصلاح، والرَّصانةُ والسماح، إذا انفَتَلَ أحدُهم إلى بيتِه أمسَى شرُّه مُستطيرًا، ومُحيَّاه عَبوسًا قمطريرًا، واستغلَّ قِوامَته في حقٍّ غير مشروع؛ فأرهَقَ أهلَه واستولَى على حقوقِهم غيرَ عابِئٍ بنَصَبِهم وكَلالِهم. وذلك هو اللُّؤمُ المرذُول، والتديُّنُ الآثِمُ المدخُول، وقد يُبادَلُ بالنُّشوزِ والإهمال، وتضييعِ الواجباتِ والإغفال، في انفِصامٍ زَمِل بين العبادات والقِيَم، وما يكون في المسجد وكما يحدُثُ في البيوت والأسواق وصور التعامُل وغير ذلك من مظاهر تخفَى وراءها غُرَرٌ تقشعِرُّ لها الأبدان، وعِلَلٌ تثلِمُ الأديان. ربَّاه ربَّاه؛ أيُّ أقوالٍ مُتعاكِسة وأفعالٍ مُتشاكِسة طوَّحَت بفِئامٍ في دَيجُورِ الهَوالِك الحَوالِكِ. إذا فعل الفتَى ما عنه يُنهَى فمن جهتَين لا جهةٍ أساءَا وفي أمثال هؤلاء يقول الإمام العلامة ابن القيم ﵀: "ومن العجب أن ترى الرجلَ يُشارُ إليه بالدين والزُّهدِ والعبادة وهو يتكلَّمُ بالكلمات من سخَطِ الله لا يُلقِي لها بالاً، يذِلُّ بالواحِدة منها أبعدَ ما بين المشرقِ والمغربِ". اهـ كلامُه ﵀. فهل يعِي ذلك الزاعِمون التحقُّق بالدين وهم طعَّانون في فُضلاءِ الأمةِ وأخيارِها، مُتنقِّصون لسلَفِها ورُمُوزها، مُتنحِّلين لهم المَثالِب مع إشهارِها، يُذكُونَ الفتنَ دونهم، والعامةُ بالتبجِيلِ والحُبِّ يرمُقُونَهم؛ بل حازُوا الفضلَ برُمَّته، والنُّبلَ بأزِمَّته. أليس المؤمنُ الصدُوقُ مظهرًا ومَخبرًا يُبصِرُ الحقَّ فيرتَقِيه، ويلحَظُ الباطلَ فيتَّقيه؟! بلى وربَّي. والغريبُ: ظنُّهم أن أعمالَهم على سَنَنِ السَّدادِ والصواب، وقَبُولُها أدنَى من القَاب، وهي - لفَرَطاتِهم وانفِصامهم - أنأَى عن الحقِّ من العُقاب، في خلطٍ عجيبٍ ازدَوَجت فيه المعايير بين الأُصولِ والفروع، والقطعيَّات والظَّنِّيات، والمُسلَّماتِ المُحكَمات والمُتشابِهات، والكُلِّيات والجُزئيَّات، والعبادات والعادات، والثوابِت والمُتغيِّرات. معاشِرَ الأحِبَّة: ومما ينسلِكُ في ازدِواجِ الأقوالِ مع الفِعال: المُزايَدةُ على قضايا المرأة، وإثارةُ النَّقْع حولها من قِبَلِ فضائيَّاتٍ مأجورة، وأقلامٍ مسعُورة، تُظهِرُ القولَ النفيس، وتُبطِنُ الزَّيفَ والتدليس. وهيهَاتَ هيهَات! فشريعتُنا الغرَّاءُ - بحمد الله - كفَلَت للمرأةِ مكانتَها الاجتماعية المُؤثِّرةَ الأثِيلَة، الفاعِلَةَ الجليلة عُنصرًا في الأمة نهَّاضًا بالعِبئِ بما يُلائِمُ طبيعتَها وأُنوثَتَها على هديِ المقاصِد الكُليَّة والضوابطِ الشرعيَّة، ولكن لله دَرُّ القائل: وعُذرُهم حَتمٌ عليَّ، فالزَّمَن فيه السليمُ، والمُلِيمُ، والزَّمِن فعلى رِسْلِكم أيها المُزايِدون على رسالة المرأة، المُتبَاكُون على قضاياها، ويا مَن يرسُفُون في رِبقَةِ الازدِواجيَّةِ أكْتَع: ليكُن مِلئَ عيونكم وهتْفَ أرواحِكم قولُ المولى ، لتُحقِّقوا من زَكاءِ النفس أعظمَ أمل، يقول - سبحانه -: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]. أمة الإسلام: ومما أجرى شَآبيبَ المَدمَع وأغمَّ وزَعزَع: تديُّنٌ مغشوشٌ من بُغاةٍ وطُغاةٍ أحالُوا شُعوبَهم إلى البَوَار، واعتَسَفوهم بالحديد والنار دون وَجَلٍ من المُنتقِمِ الجبَّار، أو خَفقَةٍ إنسانيَّة تُخفِّفُ ذيَّاكم التسلُّطَ الكُبَّار، مُتشدِّقين بحفظِ النظام وبَسطِ الاستقرار. فسبحان الله - عباد الله -؛ أما لهذا الطغيان من حدٍّ، أم لهذا الظلم لإخوانكم من ردٍّ؟! أيُّ عدوانٍ صلِفٍ مَهول، بل أيُّ عُتاةٍ أشبَهوا بَأْوَ التتار والمَغول؟! فإلى الله المُشتَكى، إلى الله المُشتكى، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله تفجُّعًا واستفظَاعًا، وارتِياعًا واستِرجاعًا. هذا؛ وإن العالمَ ليَحدُوه الأملُ في استئنافِ وتفعيلِ تنفيذِ مُبادَرة قيادةِ هذه البلاد المُبارَكة الكريمة الحكيمة في حقنِ دماءِ المُسلمين، ونَزعِ فتيلِ القمعِ والتقتيل للأبرياء المُضطهَدين والعُزَّلِ المقهورِين، لِما لهَا - بفضل الله - من الثِّقَلِ السياسيِّ والتقديرِ العالمِيِّ الدوليّ، وكذا في الأقطار التي امتَطَت للتفاوُض البارُودَ والنار. دُمتُم للأمة رُوَّاد تراحُمٍ وسلام، وقادةَ عِزٍّ للمؤمنين ووِئام. أما دُعاة الفِتنة، ومُثيرُو الشَّغَب ومن يقِفُ وراءَهم، والمُخِلُّون بالأمنِ والاستِقرار، والسَّاعُون بالفسادِ والفوضَى المُشهِرون للسلاح، المُقوِّضون لوحدَة البلاد الشرعية والوطنية، المُفتَاتون على ولاةِ الأمر، المُفارِقون للجماعة، فلا مكان لهم في بلاد الحرمين - حرسَها الله -، بلاد التوحيد والوَحدة، ومهدِ السنةِ والجماعة، ولن يُؤثِّروا - بفضل الله ومَنِّه - على منظُومةِ لُحمَةِ بلادنا المُتألِّقة ونسيجِها الأمنِيِّ المُتميِّز، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]. وبعدُ، أحبَّتنا الأكارم: فهُنا استِصراخٌ للأفراد والجماعات، والأُمَم والمُجتمعات، أن لا بُدَّ من الأَوبَةِ إلى الشفافيَةِ والسَّدادِ، وامتِثالِ طرائقِ الواقعيَّةِ والرَّشاد، فلطالَما غرِقَ أقوامٌ في لُجَجِ المُداجاةِ والخِداع، ولشَدَّ ما استحكَمَت فيهم آفةُ الاستئذابِ في الطَّباعِ، فتردَّوا في بئيسِ الضياع. وأن لا بُدَّ أيضًا أن يكون منكم بحُسبان كونُ عظمةِ المُسلمِ في إشراقِ رُوحه، ونقاوَةِ جوهره، ومِصداقيَّةِ قولِه، ونَصاعَة مظهَرِه، وتألُّقِ وسطيَّتِه واعتِدالِه، قد تأرَّجَت بالصَّفاءِ جَداوِلُ وُرودِه، وتفتَّحَت على التُّقَى أكمامُ وُرودِه. فتبارَك ربُّنا الذي يمُدُّ عبادَه المُخلصين بالهُدى والتوفيق، والاستقامة الهاديةِ إلى أبلَجِ طريق، بذلك تسترِدُّ أمتُنا شرفَها التالِدَ المجيد، وتستنقِذُ عِزَّها الشامِخَ الفريد، وما ذلك على المولَى القديرِ بعزيز. وفَّق الله الجميعَ لما يُحبُّه ويرضاه، ووقَانا ما يُسخِطُه - سبحانه - ويأباه، إنه جوادٌ كريم. أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافةِ المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مبارَكا فيه يُبلِّغُنا من الرحمن رِضًا وقُربًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً محمودةَ العُقبَى، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أزكَى البريَّة رُوحًا وقلبًا، صلَّى الله عليه وعلى آلهِ الأُلَى فعِمَت قلوبُهم صفاءً وحُبًّا، وصحابتِه الأبرار السادةِ النُّجَبا القائدين للحق والحقيقة جَحفَلاً لجْبًا، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، اتقوه في السرِّ والعلَن، واحذَروا مُخالفَةَ الفعل الذميمِ لقولِكم الحَسَن؛ تبلُغوا مرَاضِيَ الرحمن وأعظمَ المِنَن. إخوة الإيمان: ولانتِشالِ أمتنا الإسلامية من أوهاقِ الازدِواجيَّة والانفِصام إلى إحكامِ التوازُنِ والانسِجام بين الفِعالِ والأقوال؛ لزِمَ بناءُ الشخصيةِ القُدوةِ الحانِيَة والأُسوَة المُتجرّدة البانِيَة، ذات المعدِن الزكِيِّ العريق، المُتجذِّرِ الوَثيق بين الحالِ والمَقالِ والمآلِ، قُدوةٌ أمرُها كنهيِها، سِرُّها كجهرِها، معًا نبني أجيالاً رِجالاً في الاعتقاد والتصديق، أبطالاً في ميدانِ التحقُّقِ والتطبيق، يُترجِمون التديُّن الصحيحَ المتين الراسِخَ الرَّصين غلى جلائلِ الأعمال، ونوابِغِ الأقوال، ومعالِي الكمال، يُناهِضون الادِّعاءَ والرياءَ والنفاقَ، ويجعلونَ الطُّهرَ والألَق ميدانَ تنافُسٍ واستِباقٍ، لا ترى في خُبْرِهم وخبَرَهم إلا الشفافيَة الصدَّاحَة، وفي مواقِفِهم ومبادئِهم غيرَ المِصداقيَّةِ الفوَّاحَة التي لا تنبجِسُ إلا عن حقيقةِ الاقتِداء بالحبيبِ المُصطفَى ﷺ ، وَفقَ هديِهِ القَويمِ، على نورٍ من الله الحكيم. وتلك - وايمُ الحق - من الإسلام دُرَرُه وخلائِقُه، وبدائِعُه وحقائِقُه، وعلى ضوءِ تلك المعايير الدقيقة، والمضامِين الثمينةِ الَريقَة ستتبوَّأ أمتُنا - بإذن الله - قِمَمَ العِزِّ والإشراق، والشُّمُوال في معارِجِ الحق والتُّقَى والائتلاق، عملاً واتِّصافًا وابتِدارًا، ودعوةً واعتِزازًا وانتِصارًا، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف: ٨]. هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على الحبيب المُصطفَى والرسولِ المُقتَفَى خيرِ من دعا للحقِّ فشَفَا، في الجهرِ والخَفا، كما أمركم ربُّكم - جل وعلا -، فقال تعالى قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا». وصلِّ إلهِي وسلِّم سلامًا على أفضلِ الخلقِ ماحِي البِدَع وآلٍ وصحبٍ وأهلِ صلاحٍ ومن سارَ في دربِهم واتَّبَع وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأدِم الأمنَ والاستقرارَ في رُبُوعِنا، اللهم احفَظ على بلادنا عقيدَتَها وقيادَتَها وأمنَها واستقرارَها ورخاءَها، اللهم من أرادَنا وأرادَ عقيدَتَنا وقيادتَنا وأمنَنا بسُوءٍ فأشغِله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحرِه، واجعل تدبيرَه تدميرَه يا سميعَ الدعاء. اللهم أدِم على هذه البلاد الخيراتِ والبَركات، حارِسةً للعقيدة والشريعة والفضيلة، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفَين لما تحبُّ وترضى، اللهم خُذ بناصيَته للبرِّ والتقوى، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحة التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانَه وأعوانَه لما فيه صلاحُ البلاد والعباد، يا من له الدنيا والآخرةُ وإليه المعاد. اللهم احفَظنا في أنفسنا وديننا وأموالِنا وأعراضِنا وعقولنا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى من الغاصِبين المُحتلِّين المُعتدين، اللهم أرِنا بالصهايِنة المُعتدين والطُّغاة الظالمين عجائبَ قُدرتك، يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم احفَظ الأمنَ في العراق وفي سوريا وفي ليبيا وفي اليمن وفي كل مكان، اللهم أدِم الأمنَ والاستِقرارَ في يمَنِنا وشامِنا وكل مكانٍ يا حيُّ يا قيُّوم. اللهم احفَظ رِجالَ أمنِنا، ودُروعَ وطنِنا، وليُوثَ عرينِنا، اللهم احفَظنا وإياهم من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وشمائِلنا، ونعوذُ بعظَمتك أن نُغتالَ من تحتنا، اللهم اغفر لشهدائهم، اللهم ارحَم شُهداءَهم، اللهم عافِ جرحاهم، واشفِ مرضاهم، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر للمسلمين والمُسلِمات، والمؤمنين والمؤمِنات، وألِّف بين قلوبِهم، وأصلِح ذاتَ بينهم، واهدِهم سُبُل السلام، وجنِّبهم الفواحِشَ والفِتن ما ظهرَ منها وما بطَن. اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠]. سبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

стр. 46

خطبة المسجد الحرام - ١٦ ذو القعدة ١٤٣٢ - فضائل وأعمال البلد الحرام - الشيخ صالح آل طالب الخطبة الأولى الحمد لله جعل بيتَه الحرامَ مثابةً للناس وأمنًا، هدانا لأقوم السُّبُل وشرعَ لنا أفضلَ الشرائِعَ فضلاً منه ومنًّا، أحمده تعالى وأشكرُه، وأُثنِي عليه وأستغفرُه حرَّم الحُرُمات أنفسًا وأشهرًا وبقاعًا، وتابعَ مواسمَ الخيرات علينا تِباعًا، وجعلَ خيرَ الناسِ أخلَصَهم لله وأشدَّهم لنبيِّه تأسيًّا واتباعًا، وجعل أبعدَهم عنه أجفاهم لهديِه وأكثرُهم ابتداعًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمدُ كل الحمدِ ربٌّ علا ذاتًا وقهرًا وقدرًا، وله الشكرُ إعلانًا وإسرارًا وجهرًا، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه علَّم أمَّتَه العبادات وأوضحَ لهم المناسِك، ودلَّهم على طُرق الخير وأبانَ لهم المسالِك، له حُجَّةٌ لا يزيغُ عنها إلا هالِك، بشَّر به الأنبياءُ قبلَه، وهداه ربُّه لخير قِبلة، فقال - سبحانه -: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى حقَّ تقواه، وسارِعوا إلى مرضاته واستعِدُّوا ليوم لِقاه؛ فإن اليومَ عملٌ ومُهلة، وغدًا حسابٌ وجزاء، وسيلقَى كلُ عاملٍ ما عمِلَ، ﴿يا أيها الناس اتقوا .. ولا يغرنكم بالله الغرور﴾. أيها المؤمنون: تستقبِلُ الأمةُ موسمًا عظيمًا من أيام الله تعالى، وركنًا من أركان الإسلام العِظام، موسمٌ تُغفَرُ فيه الذنوبُ والخطايا، وتُقالُ فيه العثَرات وتُقبَلُ الدعوات، موسمُ الحجِّ إلى بيت الله العتيق، شِعارُ الوحدة والتوحيد، وموسمُ إعلان العهود والمواثيق وحفظِ الحقوق والكرامات، وحقنِ الدماء وعصمةِ النفوسِ والأموال، وما فاضَت به الوصايا في خُطبة الوداع. وها هي طلائعُ الحُجَّاج تُضيءُ مُحيَّاهم أباريقُ الحرم، وينتظِمُ عِقدُهم في رِحابِه الطاهرة، آمِّين البيتَ الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورِضوانًا، يحطُّون رِحالَهم عند بيت الله العتيق، ﴿إن أول بيت .. آمنا﴾. مُلبِّين النداءَ القديمَ المُتجدِّد: ﴿وأذن في .. منافع لهم﴾، ويُؤدُّون ركنَ الإسلام الخامسَ، ﴿ولله على الناس .. سبيلا﴾، ويُلبُّون بالتوحيد: لبَّيكَ اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك، لا شريكَ لك، يأمَلون من الله القَبول، ويرجُون رحمتَه ويخافُون عذابَه. يقول النبي ﷺ : (العُمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة)؛ متفق عليه. وفي "الصحيحين" أيضًا يقول الصادقُ المصدوق ﷺ : (من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق جعَ كيوم ولدَتْ أمُّه) - أي: نقيًّا من الذنوب والخطايا -. وأخرج ابن حبان في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الغازي في سبيل الله، والحاجُّ إلى بيت الله، والمُعتمِر وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم). وفي رحلة الإيمان الخالدة مُضاعفةُ الصلوات، وتكثير الحسنات، وإجابةُ الدعوات، ومواقفُ الرحامات في مِنَى ومُزدلِفة وعرفات. وإذا ذكرتَ تلك الصعُودات فاذكُر حين يُباهِي اللهُ بحُجَاج بيته ملائكةَ السماوات، ويقول - سبحانه -: (هؤلاء عبادي جاءوني شُعثًا غُبرا، أُشهِدكم أني قد غفرتُ لهم) فيُعتِقُهم من النار، ويكتبُ لهم السعادةَ الأبديَّة. أيها المسلمون: الحديثُ عن الحجِّ وفضله يحدُو الأرواحَ، ويبعثُ الأشواقَ لإجابة نداء الرحمن لحجِّ بيت الله الحرام، فيا خسارةَ من قعدَت به همَّتُه واستولَى عليه كسلُه، فلم يلحَق بركبِ الإيمان، قال ﵊: (تعجَّلوا إلى الحجِّ؛ فإن أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له)؛ أخرجه الإمام أحمد. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لقد هممتُ أن أبعثَ إلى الأنصار فينظرُوا من كانت له جِدَةٌ فلم يحُجَّ فليضرِبوا عليهم الجِزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين"؛ قال المُنذري: إسناده حسن. فبادِروا بالحجِّ - أيها المسلمون -، واغتنِموا أعمارَكم قبل أن يُحالَ بينكم وبين ما تشتَهون فتعجَزون أو تموتون. عباد الله: وفي الحجِّ شرفُ الزمان والمكان؛ فالمكان: بلدُ الله الحرام، والزمان: عشرٌ مُعظَّمةٌ في أشهرٍ مُحرَّمة: ﴿الحج أشهر .. الحج﴾، وهذه البُقعة عظَّم الله حُمرتها غايةَ التعظيم، وجعل إجلالَها من التقوى وسببًا للتقوى: ﴿ذلك ومن يعظم .. القلوب﴾، وحرَّم تنفيرَ صيدِها وعضدَ شوكِها فضلاً عن قطع شجرها وقتل صيدِها؛ فكيف بحُمرة المُسلم فيها؟ حتى إن مجر رادة الشر في الحرَم مُوجِبٌ للعذاب؛ قال الله : ﴿ومن يرد .. أليم﴾. وفي وصف أشهُركم هذه يقول الله : ﴿إن عدة الشهور .. أنفسكم﴾. قال ابن كثيرٍ ﵀: "كان الرجلُ يلقَى قاتلَ أبيه في الأشهُر الحرم فلا يمُدُّ إليه يدَه". وقال أيضًا: "إن الظلمَ في الأشهُر الحُرم أعظمُ خطيئةً ووِزرًا من الظلم فيما سواها". إذا كان الأمرُ كذلك؛ فإنه لا ذنبَ بعد الشرك أعظمُ من قتل النفس المؤمنة، وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام ظلمًا وعُدوانًا. لقد سبقَ الإسلامُ كل المُحاولات البشرة لإيجاد منطقةٍ آمنةٍ وزمنٍ آمِن، وإن شئتَ فقل: زمانًا ومكانًا مُحرَّمًا منزوعَ السلاح يأمَنُ الناسُ فيه وينعَمون بالسلام، وهذا من أعظم مقاصِد الإسلام الذي قصدَ إلى إشاعة الأمن والسلام، فالواجبُ على المسلمين أن يستشعِروا هذه الحُرمة، ويُعظِّموا الأشهُر الحُرم، خصوصًا بعد عامٍ عصَفَت فيه الفتنُ واضطرَبَت الأحوالُ، وأُزهِقَت أنفسٌ واختلطَت أمور. ومن الناس من تشابَهت عليهم الأزمِنة، واختلفَت في أفهامهم الأمكِنة؛ فكأنما الأشهُر الحُرُم حِلٌّ لأشدِّ المُحرَّمات - وهي الدماء -، وكأنما البلادُ في بعث الفتنةِ بها سواء، وكأننا نعيشُ زمنَ الخبر النبوي المُتحقِّق في آخر الزمان -: (يكثُر الهَرج - وهو القتل -، ولا يدري القاتلُ فيمَ قتَل، ولا المقتولُ فيمَ قُتِل، وهي فتنٌ الراقِدُ فيها خيرٌ من القاعِد، والقاعِدُ خيرٌ من الماشي). وغفلَ المخذولُ عن قول الله : ﴿ومن يقتل مؤمنًا .. عظيما﴾. أيها الناس: لقد حانَ الوقتُ لإلقاء السلاح، وحقنِ الدماء، والاستجابةِ لأصول الحقوق التي وصَّى النبي ﷺ بها في حجَّة الوداع، وأرسَى قواعدَها بقوله: (إن دماءَكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهرِكم هذا). آنَ الأوان لأَن يُراجِعَ المعنيُّون واقِعَهم، وأن يحترِموا الأشهُر الحُرم، وأن تتغلَّب المصالحُ على المفاسِد، ومكاسِبُ الأمة على مصالح الأفراد؛ صيانةً للنفوس والحقوق، وحال العباد والبلاد، والله لا يحبُّ الفساد. الواجبُ على القادة والعلماء القيامُ بما يستطيعون لوقفِ النزيفِ الهادِر من دماء المسلمين وأرواحهم؛ فهي من أولَى مُقتَضَيات الأُخوَّة والمُوالاة، والتناصُر واجبٌ بين المسلمين: ﴿وإن استنصروكم .. النصر﴾. وفي الحديث المتفق عليه: (انصر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا). فقال رجلٌ: أنصرُه مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصرُه؟ قال: (تحجُزُه أو تمنعُه عن الظلم؛ فإن ذلك نصره). إن النزاعات قطَعَت أوصالَ المسلمين، وجعلَت الأمةَ الواحدَة أممًا مُتناكِرة، ولن نستعيدَ مكانتنا ونصونَ رسالتَنا إلا إذا صحَّحنا انتماءَنا، وأصغَينا إلى قول الله تعالى: ﴿إن هذه .. فاعبدون﴾. واليوم نرى في أنحاء بلادنا الإسلامية لعبة العدو القديمة المُتجدِّدة: فرِّق تسُد، وأشغِلهم بأنفسهم كي لا يشغَلوك، وليس هناك وتَرٌ أكثر حساسيةً لبدءِ العزفِ عليه من وتَرِ الطائفية؛ كوتَر الطائفية والمذهبيَّة والحِزبيَّة، وما أكثر المُتسارِعين فيها، والمُتساقطين. ولو سألتَ أشدَّ الخائضين فيها: كيف بدأَت تلك الفتنة؟ ولمصلحة من؟ لم تجِد جوابًا، وقديمًا قيل: إن أنجحَ المؤامرات هي التي لا يعلمُ الساعُونَ فيها أنها مُؤامرَة. لقد تعايَشَت الطوائِفُ قرونًا في ظلِّ الإسلام، يُولَد أحدُهم في بلاد المسلمين على ملَّته ويموتُ عليها، لم يُجبِره أحدٌ أن يُغيِّر دينَه ومُعتقَدَه؛ فلماذا ثارَت هذه النَّعَراتُ في هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا يخدِمُ دهماءُ الناس وبُسطاؤُهم تجَّار الفتنِ من حيث لا يشعُرون؟ اللهم جنِّبنا والمسلمين شرَّ الفتن ما ظهرَ منها وما بطَن. اللهم بارِك لنا في الكتاب والسنة، وانفَعنا بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأبانَ طريقَ الإيمان، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبِعَهم بإحسانٍ. أما بعد، أيها المسلمون: الاعتزازُ بالوطن وحِفظُ أمنه والحرصُ على تماسُكه ومكاسِبِه هو أمرٌ تنساقُ له الفِطَرُ السليمة، وتُوجِبُه العقولُ الراشِدة؛ فضلاً عما هو مُتقرِّرٌ في أحكام الشريعةِ وأول الدين، خصوصًا في أوقات الفتن والأزمات، ويشتدُّ العَتَبُ ويستوجِبُ العقوبةَ من أخلَّ بأمن الوطن إذا كان باعِثُه على ذلك نُشدانُ الصلحةِ الذاتية وطلبُ الكسب الشخصي. أما إذا كان الباعِثُ مصحةً مُصدَّرةً من الخارج، ورغبةً من الرغبات العابِرة للحدود؛ فإنه يجتمعُ في المُنساقِ لها - إضافةً لما سبق - خيانةٌ للوطن، ونُكرانٌ للأهل، فهو بمثابةِ من يقطَعُ الشجرةَ التي أظلَّته، ويُعكِّرُ الماءَ الذي سقاه. فكيف إذا عُلم أن المحرِّك لتلك الفتنة قومٌ تميَّز تاريخُهم في الفتن بأن وقودَ فتنتهم رجالٌ من أرضٍ غير أرضِهم، ومن جنسٍ سوى جِنسِهم، وعِرقٍ لا ينتمِي لعِرقِهم، ثم سُرعان ما يتخلَّون عمَّن غرَّروا بهم، ليُواجِهوا مصيرَهم بمُفردِهم، وربما واسَوهم باللسان، وليس وراء اللسان شيءٌ. فيا أيها الإخوة، ويا مُواطنينا في المملكة وفي بلاد العرب والمسلمين: أسوقُ إليكم نداءً تغلِبُ الشفقةُ فيه العَتَب، وتُغالِبُ الرحمةُ فيه الغضَب، إنه لم يعُد من الخافِي أن مُوقِدي تلك الفتن هم قومٌ يُؤمِنون بعُنصرهم أكثر من إيمانهم بالدين، وأن نُصرتَهم وجهادَهم هو لجِنسهم وشعبِهم وتاريخهم الذاهِب، لا لله ولا لفلسطين. وتاريخُهم في السنوات الأخيرة شاهدٌ على مواقفِهم المشِينة في إيقاد الفتن في بلاد العرب وشقِّ الصفوف، وما أمرُ العراقِ عنا ببعيد. فيا مُواطنينا: إن كان من ثورةٍ فلتكُن على المُعتقَدات التي تُصنَع وتُعلَّبُ خارجَ الحُدود ليتشرَّبَ بها أناسٌ تُسلَبَ بها أيانُهم وأموالُهم وولاؤهم، ليكونوا أدواتٍ في أيدي أعدائهم، إن كان من انتفاضَة فلتكُن للعقل ليتحرَّر من رِقِّ التبَعيَّة وإسَار الشعوبية، ويرى نورَ الله الذي يملأ الكونَ، نورُ الله الذي انبَثَقَ من الحجاز، وأشرقَ به محمدٌ ﷺ ، وحملَ مشاعِلَه الصحابةُ الأخيارُ، والتابعون لهم بإحسان. وأنعمَ الله على المملكة العربية السعودية فورِثَت ذلك النور، وحمَلَت تلك المَشاعِل، مُقتفيةً أثرَ الكاب والسنة، راعيةً للحرمين الشريفين، جامعةً لرابطة المسلمين، ساعيةً للسِّلم والوحدة، نابِذةً للشِّقاقِ والفُرقة مُحترمةً الحقوق مهما اختلفَت المشارِب؛ فلا طائفيةَ ولا عُنصريَّة، وكلٌّ له حقوقٌ وعليه واجِبات. ويا أيها المُغرَّر بهم: إنه ما فتِئَ الأغرابُ يُحاوِلونَ قطعَ صِلَتكم بسلفِ الأمة ويُنحُّوهم من أن يكونوا مصدرًا لتلقِّي الهداية ليملؤوا ذلك الفراغ بما يُوغِرُ صدورَكم على سلَفكم وأهلِكم وبلدِكم، وبما يُشعِركم بالغُربة في ديارِكم وما أنتم بالغُرباء، وبما يُشعِركم بالبُعد عن مُواطنيكم وما أنتم بالبعيدين، وثمرةُ ذلك كلِّه تُقطَفُ من وراء الحُدود، وليس لكم من ذلك كلِّه شيء. إن الرائدَ لا يكذِبُ أهلَه؛ فكيف يبيعُهم ويبيعُ وطنَه، ويُدمِّر خيراتِه ومُمتلكاتِه، وينشُر الفوضَى بين أهلِه، وهو الخاسِرُ الأولُ والأخير؟! إن الإصلاحَ لا يكون بالفساد، والبناءُ لا يستقيمُ بالهَدم، والرَّغَدُ لا يأتي بإخلال الأمن. إن أهواءً وأوهامًا تملأ الجوَّ بالشحناء، ولو صدَقَت النياتُ، وأُغلِقَت الأفواهُ التي تستمرِئُ الوقيعةَ والإفك؛ لتلاشَت أنواعٌ من الفُرقة لا مساغًا لوجودها. نُناشِدُ العُقلاء أن يقطَعوا الطريقَ على تجَّار الفتن ولُصوص الإثارة ومُصطادي المصالِح في المذابِح، وإن ظهَروا بلَبُوسِ المُشفِقِ ومُسُوحِ الناصِح! فكم من فتنٍ لم يتبيَّن خائِضُها إلا عند إدبارِها وقد نالَه منها ما نالَه؟! ولنا في مُبادَرة العُقلاء من الناس أمل، ولدينا في حَزم رجال الأمن عند الحاجةِ ثقة، والله مولانا وعليه توكُّلُنا، فنِعمَ المولَى ونعمَ النصير. ومن الله أمنُنا، وعليه اعتمادُنا، ﴿فالله خير .. الراحمين﴾. اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطَن. هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، اللهم ارضَ اللهم عن الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومن سار على نهجهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم من أرادنا وأرادَ بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة، وأتِمَّ عليه الصحةَ والعافيةَ والشفاء. اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين، اللهم جازِه بالخيرات والحسنات على خدمة الحرمين الشريفين والعناية بالحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم وفِّقه ونائبَيه لما فيه الخيرُ للعباد والبلاد، واسلُك بهم سبيل الرشاد. اللهم ادفع عنَّا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن. اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق والهدى، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خُلَّتهم، وأطعِم جائعَهم. اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصُرهم على من ظلَمَهم يا حي يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء. اللهم احفَظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، ويسِّر لهم أداء مناسِكهم آمِنين، يا حيُّ يا قيُوم يا ذا الجلال والإكرام. نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّوم ونتوبُ إليه. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحنُ الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا غدَقًا طبَقًا مُجلِّلاً عامًّا نافعًا غيرَ ضار، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِرِ والبادِ. اللهم سُقيَا رحمة، اللهم سُقيَا رحمة، اللهم سُقيَا رحمة لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرَق. ربَّنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم. سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 47

خطبة المسجد الحرام - ٢٣ ذو القعدة ١٤٣٢ - الإسلام دين الأخلاق - الشيخ صالح بن حميد الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله مُنشِئ الأُمم ومُبيدها، وباعِث الرِّمَم ومُعيدها، أحمده - سبحانه - شاكرًا طائعًا، وأستعينُه وأستغفِرُه عابدًا خاضِعًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُوحِّدًا مُخلِصًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله بعثَه ربُّه بدينِ الحقِّ داعيًا وهاديًا، صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا كثيرًا دائمًا مُتوالِيًا. أما بعد: فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله - رحمكم الله -، وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ [البقرة: ٢٨٢]، بالعلم يصحُّ العمل، وبالعمل تُنالُ الحكمة، وبالحكمةِ يقومُ الزُّهد، وبالزُّهد تُعرفُ الدنيا، ومن عرفَ الدنيا رغِبَ في الآخرة، ومن رغِبَ في الآخرة نالَ المنزلة، والتوفيقُ خيرُ قائدٍ، ومن رضِيَ بقضاء الله لم يُسخِطه أحد، ومن قنِع بعطاء مولاه لم يدخُله حسَد، ومن فُتِح له بابُ خيرٍ فليُسرِع إليه؛ فإنه لا يدري متى يُغلَقُ دونَه. واعلموا أن الموتَ يعمُّنا، والقبورَ تضمُّنا، والقيامةُ تجمَعُنا، والله يحكمُ بيننا وهو خيرُ الحاكمين، فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون [المائدة:٤٨]. أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله: يقول الله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَاب [البقرة:١٩٧]. قواعدُ السلوك ومعايير الأخلاق وآداب التعامُل مقياسُ جلِيٌّ من مقاييس الالتزام بدين الإسلام، وعنوانٌ من عناوين الرُّقِيِّ الحضاريِّ، ومَعلَمٌ من معالمِ السموِّ الإنساني، إنها: القواعد والآداب التي تحكُم العلاقات بين الناس من كل فئاتهم وطبقاتهم، قواعدُ وآدابُ تبعَثُ على الشعور بالأمان والمحبَّة وحُسن المعاشَرة وسعادة المُجتمع. والحُجَّاج في جُموعهم، والمسلمون في تجمُّعاتهم تتجلَّى فيهم هذه المظاهر السلوكية، والتخلُّق بأخلاق دينهم، والالتزام بتعاليم شرعِهم، ومن تحبَّبَ إلى الناس أحَبُّوه، ومن أحسنَ مُعاملَتَهم قبِلُوه. الدمَاثَة وحُسن الخُلُق هي اللغةُ الإنسانيةُ المُشتركة التي يفهَمُها كلُّ أحد، وينجذِبُ إليها الكريم، ويُحسِنُ الإنصاتَ إليها الحكيم. الوجهُ الصبوح خيرُ وسيلةٍ لكَسب الناس، وحُسن البُشر يُذهِبُ السَّخِيمة، وذو المُروءةِ الحكيم من يُخاطِبُ الناسَ بأفعاله قبل أن يُخاطِبَهم بأقواله. أيها المسلمون، معاشر الحَجيج: وفي ديننا من التوجيهات والتعليمات ما يبني شبكةً واسعةً من العلاقات المَتينة مع الدائرة الأُسريَّة والمُجتمعية، والدائرة الإسلامية الأوسع، ثم الدائرة الإنسانية الأشمَل. وفي ديننا كذلك: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا»؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وفي الحديث: «إنكم لن تسَعُوا الناسَ بأموالكم، وليسَعْهُ منكم بسطُ الوجهِ وحُسن الخُلُق»؛ رواه الترمذي، والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ بإسنادٍ صحيح. وفي الحديث عند مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويدخُل الجنة فلتأتِهِ منيَّتُه وهو يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه». والناسُ معادن وطبقات ومنازل، ومُعاملتُهم معاملةً واحدةً أمرٌ في الحياة لا يستقيم؛ فما يُلائِمُ هذا لا يُلائِمُ ذاك، وما يُناسِبُ هذه الفِئَة لا يُناسِبُ تلك، ويحسُن مع هذا ما لا يجمُلُ مع الآخر. والناس يُخاطَبون بما يعرِفون؛ فالعقولُ مُتفاوِتة، والفُهومُ مُتبايِنة، والطِّباعُ مُتغايِرة، ولله في خلقِهِ شُؤون؛ من والدٍ وولدٍ، وزوجٍ وأخ، ورئيسٍ ومرؤوسٍ، وسريع الفَهم وبطيئه، وحادِّ الطبع وباردِه، وقريبِ الصلةِ وغريبها، في أشخاصٍ وصفاتٍ وأحوال؛ من شدَّةٍ ورخاءٍ، وحُزنٍ وسُرورٍ، والأرواحُ جنودٌ مُجنَّدة. وقد قالت الحُكماء: "إذا أردتَ اصطيادَ السم فضع في سنَّارتك ما يُلائِمُ من طعامٍ، وقد تُلائِمُ الديدان لا فاخرُ اللحوم". أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله: وهذا عرضٌ لبعض ما حفَلَت به السيرةُ المُصطفوية والهديُ المُحمَّديُّ والسنةُ النبوية من أنواع المُعاملات والتوجيهات لمُختلَف الطبقات والشحصيات؛ كيف وهو المُصطفى الهادي البشيرُ، واصطفاه ربُّه بقوله - عزَّ شأنُه -: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم [التوبة:١٢٨]، وقال - جل وعلا -: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين [آل عمران:١٥٩]. وأولُ ما يُواجِهُ المُتأمِّلُ في هذه السيرةِ النبوية الكريمة والهدي المُحمَّدي: مُعاملتُه مع أهله، وسلُوكه في بيته ﵊. لقد كان حبيبُنا ونبيُّنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم - بشرًا من البشر؛ يفلِي ثوبَه، ويحلِبُ شاتَه، ويخدِمُ نفسَه، وكان في مهنةِ أهله، فإذا حضرَت الصلاةُ خرجَ إلى الصلاة؛ أخرجه البخاري، والترمذي. وكان يقول ﵊: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلِي»؛ أخرجه الترمذي، وابن ماجه. ويظنُّ بعضُ الناس أن الرجُولةَ والشخصيةَ في عُبوسِ الوجه، وتقطيبِ الجبين، وإصدار الأوامر والنواهي، وتجنُّب المُباسَطة في الحديث مع الأهل، ومُبادلَة المسرَّات وحُسن الإصغاء. وحديثُ أم زرعٍ الطويل كان مُسامرةً بين عائشة ﵂ وزوجِها محمد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم - مُؤانسةً ومُباسطَة. ومن حُسن المعاملة: المُشاوَرة في الشؤون الأُسريَّة وغيرها، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة: ٢٣٣]، وشاورَ النبيُّ ﷺ زوجَهُ أمَّ سلَمَة في شأنٍ كبيرٍ، وهو: شأنُ صُلح الحُديبية، وأخذ بمشُورتها. وشاوَرَ بريرَة في قصة الإفك - وهو حدثٌ عظيمٌ مُزلزِل -. بل تأمَّلوا وتفقَّهوا كيف كان تعامُلُه ﵊ مع أخطاء الناس وغيرة النساء؛ فحين كسرَت إحدى زوجاته صحفةَ صاحبتها المملوءة طعامًا، ما كان من النبي الكريم ذي الخُلُق العظيم - عليه أفضل الصلاة وأزكَى التسليم - إلا أن تعاملَ برفقٍ، مُقدِّرًا طبائع النساء قائلاً: «غارَت أمُّكم»، فجمعَ الطعامَ المُتناثِر، وقال: «طعامٌ بطعامٍ، وإناءٌ بإناءٍ»؛ أخرجه البخاري، والترمذي. يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وفيه: عدمُ مُؤاخَذة الغيراء بما يصدُرُ منها؛ لأنها في تلك الحالة يكونُ عقلُها محجوبًا لشدَّة الغضب بسبب الغَيرة". يا هذا! القوةُ والعنفُ والضربُ والشدَّة يقدِرُ عليها كلُّ أحدٍ، أما الحِلمُ والرِّفقُ والصفحُ والعفوُ والتسامُح فليس إلا لذوي الإرادات القوية والمُروءات العالية والأخلاق الرفيعة، "وما ضربَ نبيُّكم محمد ﷺ امرأةً ولا خادمًا إلا أن يُجاهِدَ في سبيل الله"؛ أخرجه أحمد، وأبو داود. أما الأطفالُ والصِّبيانُ؛ فحدِّث عن هديِ نبيِّنا محمد ﷺ في ذلك ولا حرَج: ومن دقيق المُلاحَظة في التعامُل مع الصغار: أنهم لا يُفرِّقون بين أوقات الجِدِّ وأوقات اللعب؛ فالطفلُ يظنُّ أن الوقتَ كلَّه له، وقد قدَّر الإسلامُ هذه المشاعِر؛ فها هو رسولُ الله ﷺ يحملُ بنتَ بنته في الصلاة، فإذا ركعَ وضعَها، وإذا قام رفعَها؛ متفق عليه. والحسنُ أو الحُسين ﵄ يرتحِلُ النبيَّ ﷺ ويركبُ على ظهره وهو في الصلاة، فيُطيلُ السجود حتى يقضِيَ الطفلُ نُهمَتَه؛ أخرجه أحمد، والنسائي. بل وهو يخطبُ على المنبر جاء الحسنُ ﵁، فصعِد المنبَر، فضمَّه النبيُّ ﷺ ومسحَ رأسَه وقال: «ابنِي هذا سيدٌ، ولعلَّ اللهَ أن يُصلِحَ على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين»؛ أخرجه أبو داود. أيها المسلمون: والطريقُ الأيسر والأقصرُ والأمتَعُ إذا قُوبِلَ الأطفال والصغار هو مُلاطفتُهم ومُمازحتُهم وحُسن رعايتهم ومنحُهم الحنان والاهتمام، وما كان أحدٌ أرحمَ بالعيال من محمدٍ ﷺ . وزحمةُ الواجبات وكثرةُ المسؤوليات لا يجوزُ أن تشغَلَ عن مثل هذا، فهذا من جُملةِ المسؤوليات والواجبات. يقول أنسٌ ﵁: "كان إبراهيمُ ابن الرسول ﷺ مُسترضَعًا في عوالي المدينة، فكان رسول الله ﷺ ينطلقُ ونحن معه، فيدخلُ البيت ويأخذه ويُقبِّلُه ثم يرجع"؛ رواه مسلم. مُفردات التعامُل مع الصغار: قبلةٌ حانية، وحِضنٌ دافِئ، ولعبٌ بريء، وهي لغةٌ سهلةٌ يسيرةٌ في تكاليفها، عظيمةٌ في تأثيرها. مسكينٌ هذا الغليظُ القاسي حين يُصوِّرُه ذلك الرجل الذي رأى رسولَ الله ﷺ يُقبِّلُ سِبطَه الحسن ﵁، فقال: أوَتُقبِّلون أطفالَكم؟ إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ أحدًا منهم، فكان الجوابُ النبوي: «من لا يرحَمُ لا يُرحَم»، وفي الصورة الأخرى: «أوَأملِك أن نزعَ اللهُ الرحمةَ من قلوبكم». بل إنه ﵊ إذا سمِعَ بكاءَ الصبيِّ وهو في الصلاة خفَّفَ مُراعاةً لأمِّه أن تفتِتن. معاشر الأحِبَّة، حُجَّاج بيت الله: أما التعامُل مع الخَدَم والأُجَراء والعُمَّال فيُجسِّدُه تمام التجسيد مقولةُ أنس ﵁ مع رسول الله ﷺ : "خدمتُ رسولَ الله ﷺ عشرَ سنين، فما قال لي لشيءٍ فعلتُه لِمَ فعلتَه، ولا لشيءٍ لم أفعله لم لم تفعله". وتأمَّلوا هذه الحادثة مع أنسٍ نفسه ﵁: خرج أنسٌ في حاجةٍ لرسول الله ﷺ ، فرأى الصبيانَ يلعبون في السوق فانشغلَ معهم؛ لأنه كان صغيرًا في سنِّهم، فاستبطأَهُ النبي ﷺ ، فخرج يبحثُ عنه فوجدَهُ يلعبُ مع الصبيان. يقول أنس: فإذا رسولُ الله ﵌ قد قبضَ بقفايَ من ورائي، فنظرتُ إليه وهو يضحَك، فقال: «يا أُنيس! أذهَبتَ حيثُ أمرتُك؟». فقلتُ: نعم، أذهبُ يا رسول الله! هذا هو الدرس؛ إنسانية، وتلطُّف، ورقَّةٌ في النداء: «يا أُنيس» من غير نَهْرٍ، ولا نفضِ يدين، فضلاً عن الصُّراخ والضرب والتعنيف. وحين شكا رجلٌ خادِمَه إلى رسول الله ﷺ قائلاً: إنه يُسيءُ ويظلِم، أفأضرِبُه؟ فقال: «تعفُو عنه كلَّ يومٍ سبعين مرَّة»؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي. نعم، أيها المسلمون: إن من أعظم ما يتجلَّى فيه آدابُ التعامُل وكريمُ الأخلاق: مواقف الناس في مُعاملاتهم وبياعاتهم ومُدايناتهم، «رحِمَ اللهُ عبدًا سمحًا إذا باعَ، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى»؛ أخرجه البخاري. وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون [البقرة:٢٨٠]. «ومن سرَّه أن يُنجِيَه الله من كربِ يوم القيامة فليُنفِّث عن مُعسِرٍ أو ليضَع عنه»؛ أخرجه مسلم. معاشر الحَجيج: أما التعامُل أمام مكر الماكرين، وخيانات الخائنين، وكُفر الكافرين؛ فقد قال الله لنبيه محمد ﷺ : وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين [المائدة:١٣]. ولو نظرَ المسلمُ إلى المُعاهَدات التي عقدَها النبي ﷺ مع غير المسلمين، لرأى فيها من صُنوف التسامُح وحُسن الجِدال وضُروب العفو والصفح ما لا ينقضِي منه العجَب: «من دخلَ دارَ أبي سُفيان فهو آمِن، ومن أغلقَ عليه بابَه فهو آمِن، ومن ألقى السلاحَ فهو آمِن». وقال لقريشٍ يوم الفتح، وهم من هم في ماضِيهم الأسود، وتاريخهم المُظلِم مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وتعذيب المُستضعَفين، وإيذاء المؤمنين، لقد قال لهم: «ما تقولون أني فاعلٌ بكم؟». فقالوا: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم، فقال: «أقولُ كما قال أخي يوسف: لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين [يوسف:٩٢]، اذهبُوا فأنتمُ الطُّلَقاء». وحين قيل له: ادعُ على المشركين. فقال ﷺ : «إني لم أُبعَث لعَّانًا، وإنما بُعِثت رحمةً»؛ أخرجه مسلم. وبعد، عباد الله: فإليكم ميزانًا لا يختلف ومِعيارًا لا يُطفِّف، أحِبُّوا لغيركم ما تُحبُّون لأنفسكم، واكرهوا لغيركم ما تكرهون لأنفسكم، وأحسِنوا كما تُحبُّون أن يُحسَن إليكم، وارضَوا من الناس ما ترضَونَه لأنفسكم، ولا تقولوا ما لا تُحبُّون أن يُقال لكم، ولا تظلِموا كما لا تُحبُّون أن تُظلَموا، وافعلوا الخيرَ مع أهله ومع غير أهله؛ فإن لم يكونوا من أهله فأنتم من أهله. يا عبد الله: كم من بلِيَّةٍ مُقبِلةٍ دفعَها معروفٌ لمسلمٍ بذلتَه، أو همٌّ لمهمومٍ فرَّجتَه، أو مُحتاجٌ في ضائقةٍ أعنتَه، ومن قاسَ هجيرَ صنائع المعروف في الدنيا استظلَّ في ظلال النعيم في الجنَّة، وخيرُ الناس أتقاهُم وآمرُهم بالمعروف وأنهاهُم عن المنكر، وأوصلُهم لذي رحِمِه، ومن يُخالِطُ الناسَ ويصبِرُ على أذاهم خيرٌ ممن لم يُخالِطِ الناس ولم يصبِر على أذاهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم (٣٥) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله، الحمد لله جامعِ الناسِ ليومٍ لا ريبَ فيه، يعلمُ ما يُسرُّ العبدُ وما يُخفِيه، أحمده - سبحانه - وأشكره وأستغفِرُه وأستَهديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ مُوقِنٍ بقلبِه مُعلِنٍ بفِيه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه قام بعبادة ربِّه حتى تفطَّرت قدماهُ وصامَ وواصلَ فكان يبيتُ عند ربِّه يُطعِمُه ويسقِيه، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا دائمًا طيبًا مُباركًا فيه، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومٍ لكل امرئٍ فيه شأنٌ يُعنيه. أما بعد: معاشر الأحبة، حُجَّاج بيت الله: ومن حُسن التعامُل وآدابه: اليقين الجازم بأنه لا أحد يخلو من العيوب. يقول سعيد بن المُسيّب ﵀: "ليس من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيوبٌ". لكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكَر عيوبُه؛ فمن كان فضلُه أكثرَ من نقصِه ذهبَ نقصُه لفضله، وكم من الناس تنقُدُهم، فإذا رأيتَ غيرَهم حمِدتَّهم. وقد قال نبيُّنا محمد ﷺ في العلاقات الزوجية: «لا يفرَكُ مؤمنٌ مُؤمِنةً، إن كرِهَ منها خُلُقًا رضِيَ منها آخَر»؛ رواه مسلم. والناسُ - رحمك الله - يكرهون من لا ينسَى زلاَّتهم، ويُذكِّرهم بأخطائهم، ومُواجهةُ الناس بأخطائهم هي أقصرُ طريقٍ للعداوة، ومن سترَ مسلمًا ستَرَه الله، والمُتَّقون هم الكاظِمون الغيظَ والعافون عن الناس. وقدِّر غيرَك تفُز بتقديره، وابتسِم للناس يبتسِموا لك، وتبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ، إن استثارةَ العواطف النبيلة من نفوس الناس طريقٌ كريمٌ حكيم لكسبِهم والتأثير فيهم. وفي التعامُل - حفظك الله - اجتنِب الحديثَ عن نفسك ونسبَ الفضائل لها، وإلقاء التبِعَة على الآخرين، فما تتفاخَرُ به قد يراه الناسُ نقصًا وشذَرًا، وأحسِن الإنصات، والمُقاطَعة في الحديث تجرحُ المشاعِرَ، ومن لم يشكُر الناسَ لم يشكُر الله، ولا تظُنَّنَّ بكلمةٍ خرجَت من أحدٍ سُوءًا وأنت تجِدُ لها في الخير محمَلاً. وبعد: فإن الناسَ - وأنت منهم - عواطفُ أولاً، ثم عقولٌ ثانيًا. فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فمن حسُنَ خُلُقُه بلغَ درجةَ الصائم القائم، والمؤمنُ يألَفُ ولا يُؤلَف، ولا خيرَ فيمن لا يألَفُ ولا يُؤلَف، وخيرُ الناس أنفعُهم للناس. هذا؛ صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمدٍ رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله - وهو الصادقُ في قِيلِه -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والظلَمة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحة والعافية، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه وأعوانه لما تحب وترضى، وخُذ بنواصيهم للبر والتقوى. اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتك، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم إن إخواننا في الصومال جِياعٌ فأطعِمهم، وعُراةٌ فاكسُهم، وحُفاةٌ فاحمِلهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحَم ميِّتَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، اللهم وارفَع البأسَ عن البائسين، واكشِف الضرَّ عن المُتضرِّرين يا أرحم الراحمين. اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ، وأحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذابِ الآخرة. اللهم من أرادنا وأرادَ ديننا وديارَنا وولاة أمرنا وعلماءَنا وأمنَنا وأمتَنا واجتماعَ كلمتنا سوءٍ اللهم فأشغِله بنفسه، واجعل كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تدميرًا عليه يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يُعجزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسك الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأُ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا، واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك، وبلاغًا إلى حينٍ. اللهم يسِّر للحُجَّاج حجَّهم، اللهم يسِّر للحُجَّاج حجَّهم، واجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، اللهم وأحسِن مُنقلبَهم، وأعِدهم إلى ديارهم سالمين غانمين مقبولين، بمنِّك وجودِك يا أكرم الأكرمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار [البقرة:٢٠١]. سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 48

خطبة المسجد الحرام - ١ ذو الحجة ١٤٣٢ - الصبر وثمراته - الشيخ أسامة خياط الخطبة الأولى الحمد لله يحبُّ الصابرين، ويُبشِّرهم بصلواتٍ منه ورحمةٍ ويُثنِي عليهم فيصِفُهم بالمُهتدين، أحمده - سبحانه - حمدَ عباده الصابرين الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها الفوزَ والنجاةَ يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خاتمُ النبيين وإمامُ الصابرين وقائدُ الغُرِّ المُحجَّلين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، وراقِبوه، واعلَموا أنكم مُلاقوه يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون [النحل:١١١]. أيها المسلمون: نزولُ البلايا وحُلول المصائِب في ساحةِ العبد على تنوُّعها وتعدُّد ضُرُوبها، وما تُعقِبُه من آثار وما تُحدِثُه من آلامٍ يتنغَّصُ بها العيشُ ويتكدَّرُ صفوُ الحياة؛ حقيقةٌ لا يُمكِنُ تغييبُها، ولا مناصَ من الإقرار بها؛ لأنها سُنَّةٌ من سُنن الله في خلقه، لا يملِكُ أحدٌ لها تبديلاً ولا تحويلاً، غيرَ أن الناسَ تتبايَنُ مواقفُهم أمامَها: فأما أهل الجَزَع ومن ضعُف إيمانُه واضطربَ يقينُه فيحمِلُه كل أولئك على مُقابلة مُرِّ القضاء ومواجهة القدَر بجزَعٍ وتبرُّمٍ وتسخُّطٍ تعظُمُ به مُصيبتُه، ويشتدُّ عليه وقعُها فيربُو ويتعاظَم، فينوءُ بثِقَلها ويعجِزُ عن احتمالها، وقد يُسرِفُ على نفسه فيأتي من الأقوال والأعمال ما يزدادُ به رصيدُه من الإثم عند ربِّه، ويُضاعِفُ نصيبَه من سخَطِه، دون أن يكون لهذه الأقوال والأعمال أدنى تأثيرٍ في تغيير المقدور أو دفع المكروه. وأما أولو الألباب؛ فيقِفُون أمامَها موقفَ الصبر على البلاء والرضا ودمع العين، لا يأتون من الأقوال والأعمال إلا ما يُرضِي الربَّ ويُعظِمُ الأجرَ ويُسكِّنُ النفسَ ويطمئنُّ به القلبُ، يدعوهم إلى ذلك ويحُثُّهم عليه ما يجِدونه في كتاب الله من ذكر الصبر وبيان حُلو ثِماره وعظيمِ آثاره؛ فمن ذلك: ما فيه من ثناءٍ على أهله، ومدحٍ لهم بأنهم هم الصادقون المُتَّقون حقًّا؛ كقوله - عزَّ اسمه -: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون [البقرة:١٧٧]، وكقوله - سبحانه -: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار [آل عمران:١٧]. وما فيه من إيجاب محبَّة الله لهم ومعيَّته - سبحانه - لهم المعيَّة الخاصة التي تتضمَّن حفظَهم ونصرَهم وتأييدَهم؛ كقوله: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين [آل عمران:١٤٦]، وكقوله: وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِين [الأنفال:٤٦]. ومن إخبارٍ بأن الصبرَ خيرٌ لأصحابه: وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرين [النحل:١٢٦]. ومن إيجابِ الجزاءِ لهم بغير حسابٍ: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب [الزُّمَر:١٠]. ومن إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون [النحل:٩٦]. ومن إطلاق البُشرَى لأهل الصبر: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين [البقرة:١٥٥]. ومن ضمان النصر الربَّاني والمدَد الإلهي: بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِين [آل عمران:١٢٥]. ومن ذلك: قول النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في وصيَّته المشهورة له: «واعلم أن النصرَ مع الصبرِ». ومن إخبارٍ بأن أهل الصبر هم أهل العزائم الذين لا تلِينُ لهم قناةٌ في بُلوغ كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُور [الشورى:٤٣]. ومن إخبارٍ بأنه ما يُلقَّى الأعمالَ الصالحةَ وجزاءَها والحُظوظَ إلا أهل الصبر؛ كقوله: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُون [القصص:٨٠]، وقوله أيضًا: وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم [فُصِّلَت:٣٤، ٣٥]. ومن إخبارٍ أنه إنما ينتفعُ بالآيات والعِبَر أهلُ الصبر؛ كقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور [إبراهيم:٥]، وكقوله في شأن أهل سبأ: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور [سبأ:١٩]. ومن إخبارٍ بأن الفوزَ بالمطلوب والظَّفَر بالمحبوب والنجاة من المكروب والسلامة من المرهوب ونزولَ الجنة إنما نالَه أهلُ الصبر: وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب (٢٣) سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار [الرعد:٢٣، ٢٤]. وبأنه يُعقِبُ المُستمسِك به منزلةَ الإمامة في الدين؛ قال الإمام ابن القيم ﵀: "سمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين، ثم تلا ﵀ قولَه تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون [السجدة:٢٤] ". فلا عجبَ إذًا أن يكون للصبر تلك المنزلةُ العظيمةُ التي عبَّر عنها أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب - رضيب الله عنه - بقوله: "إن الصبرَ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجَسَد، ألا لا إيمان لمن لا صبرَ له". وأن يُدرِك المرءُ بالصبر خيرَ عيشٍ في حياته، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "خيرَ عيشٍ أدركناه في الصبر". وأن يكون الصبرُ ضياءً كما وصفَه رسول الهدى - صلوات الله وسلامه عليه -، وذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه"، والإمام أحمد في "مسنده". وأن يكون الصبرُ خيرَ وأوسَعَ عطاءٍ يُعطاهُ العبد، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، والبخاري ومسلم في "صحيحيهما" - واللفظ للبخاري - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال للأنصار الذين سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفِدَ ما عنده، قال: «ما يكونُ عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومن يستعفِف يُعِفّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله، ومن يتصبَّر يُصبِّره الله، وما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر». وأن يكون أمرُ المؤمن كلُّه خيرًا له؛ لأنه دائرٌ بين مقامَي الصبر والشُّكر، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلمٌ في "صحيحه"، والإمامُ أحمد في "مسنده" عن صُهيب بن سِنان ﵁ أنه ﷺ قال: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابَته سرَّاء شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرَّاءُ صبَرَ فكان خيرًا له». ألا وإن من أشدِّ البلاء وقعًا على النفس: موتَ الأحِبَّة، لا سيَّما أعلامُ النُّبلاء منهم من ذوي التأثير البارِزِ في حياةِ الناس ومن لهم يدُ فضلٍ وبِرٍّ جازَت بهما الحُدود، وعمَّت القاصيَ الداني، وكان للإسلام منهم مواقفُ عظيمةٌ مشهودة، وكان للمسلمين وقفاتٌ مُباركةٌ داعمةٌ غيرُ محدودةٍ بحُدود الزمان أو المكان؛ من مثل من فقدَته الديارُ السعودية والمسلمون قاطبةً هذه الأيام، ألا وهو: سموُّ الأمير سُلطان بن عبد العزيز وليُّ العهد ﵀ رحمةً واسعة، وغفرَ له في المهديين، ورفع درجاته في عليِّين، وألحقَه بصالحِ سلفِ المؤمنين -، آمين، آمين، والحمدُ لله رب العالمين على قضائه. وإن العينَ لتدمَع، وإن القلبَ ليحزَن، ولا نقولُ إلا ما يُرضِي الربَّ: إنا لله وإنا إليه راجِعون، إنا لله وإنا إليه راجِعون، إنا لله وإنا إليه راجِعون. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله وليِّ الصابرين، أحمده - سبحانه - حمدَ الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نُرضِي بها ديَّان يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله إمامُ المُتقين وقُدوة العابدين، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد، فيا عباد الله: قال الإمام ابن كثير ﵀ في بسطِ مدلول قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين [البقرة:١٥٥]. قال: "أخبرَ تعالى أنه يبتلِي عبادَه؛ أي: يختبرهم ويمتحِنهم، كما قال تعالى: ولنبلونكم .. أخباركم﴾، فتارةً بالسرَّاء، وتارةً بالضرَّاء. مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ؛ أي: بقليلٍ من ذلك. وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ أي: بذهابِ بعضها وَالأنفُسِ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب وَالثَّمَرَاتِ أي: لا تُظِلُّ الحدائق والمزارِعُ كعادتها، وكلُّ هذا وأمثالُه مما يختبِرُ الله به عبادَه؛ فمن صبرَ أثابَه، ومن قنطَ أحلَّ به عقابَه، ولهذا قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِين. ثم بيَّن تعالى مَن الصابرون الذين شكَرَهم فقال: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون [البقرة:١٥٦] أي: تسلَّوا بقولهم هذا عمَّا أصابَهم، وعلِموا أنهم مُلكٌ لله يتصرَّفُ في عبيده بما يشاء، وعلِموا أنه لا يضيعُ لديه مِثقالُ ذرَّةٍ يوم القيامة، فأحدثَ لهم ذلك اعترافًا بأنهم عبيدُه وأنهم إليه راجِعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبرَ تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ أي: ثناءٌ من الله تعالى عليهم". وقال سعيدُ بن جُبيرٍ ﵀: "الصلواتُ أمَنةٌ من العذاب". وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون قال أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "نِعمَ العِدلان ونِعمَت العِلاوة، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ فهذان العِدلان، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون فهذه العِلاوة - وهي: ما تُوضَع بين العِدلَيْن، وهي زيادةٌ في الحِمل، وكذلك هؤلاء أُعطُوا ثوابَهم وزِيدُوا أيضًا -"؛ أخرجه الحاكم في "المستدرك" بإسنادٍ صحيحٍ. فاتقوا الله - عباد الله -، وكونوا من الصابرين على مُرِّ القضاء تفوزوا بأجرِكم، يُوفِّيه إليكم ربُّكم يوم القيامة بغير حسابٍ. وصلُّوا وسلِّموا على خير خلق الله: محمد بن عبد الله؛ فقد أُمِرتم بذلك في كتاب الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خيرَ من تجاوزَ وعفا. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين. اللهم انصر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك محمدٍ ﷺ وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء. اللهم وفِّقه ونائبَه وإخوانه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، يا من إليه المرجِعُ يوم المعاد. اللهم أحسِن عاقبتَنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك. اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا. رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب [آل عمران:٨]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. وصلِّ اللهم وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 49

خطبة المسجد الحرام - ٤ ذو الحجة ١٤٣٢ - صلاة الاستسقاء - الذنوب سبب منع المطر - الشيخ سعود الشريم الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله الذي جعل الحمدَ مفتاحًا لذكره، وجعل الشكرَ سببًا للمزيد من فضله، ودليلاً على آلائه وعظَمَته، قضاؤه وحُكمه عدلٌ وحكمة، ورِضاه أمانٌ ورحمة، يقضي بعلمه، ويعفُو بحِلمه، خيرُه علينا نازِل، وتقصيرُنا إليه صاعِد، لا نقدِر أن نأخُذَ إلا ما أعطانا، ولا أن نتقِيَ إلا ما وقانا، نحمدُه على إعطائه ومنعه وبسطِه وقدرِه، البرِّ الرحيم لا يُضيرُه الإعطاءُ والجُود، ليس بما سُئِل بأجودَ منه بما لم يُسأل، مُسدِي النِّعَم وكاشِفِ النِّقَم، أصبحنا عبيدًا مملوكين له، له الحُجَّة علينا ولا حُجَّة لنا عليه، نستغفره ونتوبُ إليه مما أحاط به علمُه وأحصاه في كتابه، علمٌ غيرُ قاصِر وكتابٌ غيرُ مُغادِر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله سيدُ البشر أجمعين ورسولُ ربِّ العالمين، فصلواتُ الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله - معاشر المسلمين -؛ فإنها الزادُ في المعاد، والحبلُ المتين بين الرحيم والعِباد، يدفعُهم إلى تقديم مرضات ربِّهم على إرضاء خلقِه وعبيدِه، ويحمِلُهم إيمانٌ صادقٌ بكفاية الله لعباده المؤمنين الصادقين، فلا يُرضُون الناسَ بسخط الله، ولا يُجامِلونهم في معصية الله. قال ابن مسعود ﵁: "إن الرجل ليخرُج من بيته ومعه دينُه، فيلقَى الرجلَ وله إليه حاجة، فيقول له: أنت كيتَ وكيتَ - يُثني عليه - لعله يقضي من حاجته شيئًا، فيُسخِط اللهَ عليه، فيرجعُ وما معه من دينه شيءٌ". نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا. عباد الله: إن ما نُعانيه اليوم من قحطٍ وتأخُّرٍ للمطر عن إبَّان زمانه لهُو حصادُ خللٍ في علاقتنا مع خالقنا، ثم علاقتنا مع الناس. ولقد كان السلفُ ﵏ يرون آثار معصيتهم لله في أزواجهم وأولادهم ودوابِّهم، وإن المعاصي قد انتشرت بين الناس انتشار النار في الهَشيم؛ فلقد ضعُف الخوفُ من الله، وكثُر الرُّكون إلى غيره، حتى لقد أصبح الواحدُ من الناس يبذُلُ مُهجتَه للناس في قضاء حاجته أكثر مما يبذُلُها لخالقه - سبحانه -. يسألُ الشَّحِيح وينسَى الكريمَ - سبحانه -، يستلطِفُ الدنِيءَ وينسى اللطيفَ - سبحانه -، ويسترحِمُ الغضَّ الغليظَ وينسى الحليم الرحيمَ - سبحانه -، أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك: ٢٢]، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]. نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا. لقد كثُر بين العباد: التحاسُد والتدابُر والتنازُع وعظُمَت بينهم الفُرقة، واتَّسعَت في ساحتهم النُّفرة، واستفحلَت الوَحشة بين العبد وخالقه إلا من رحِمَ الله. لقد كثُرت معاصينا لله في الرخاء، فصِرنا لا نلجأُ إليه إلا في الشدَّة والضرَّاء، قصَّرنا في جنب الله، وفرَّطنا في طاعته، حتى كثُر الخلَلُ في أداء العبادات، وغابَ الصدقُ والأمانة والتسامُح في المُعاملات، فكثُر الغِشُّ، وتفنَّنَ الناسُ في الحِيَل، فاقشعرَّت الأرض، وقلَّت البركات، وتكدَّرَت الحياة، فكثُر الذين يأكلون ولا يشبَعون، ويكتسِبون ولا يجمعون، ويجمَعون ولا يُبارَك لهم. وهذا داءٌ عُضال، وبلاءٌ نازلٌ لا يرفعُه إلا الاستقامةُ والإيمان والتقوى؛ لأن الله قال عن الاستقامة: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن: ١٦]- وذلك على أحد التفسيرين -. وقال عن الإيمان والتقوى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ٩٦]. نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا. عباد الله: ليس العيب كل العيب في أن يعصِي العبدُ؛ لأن الكمالَ لله وحده، والعصمةَ لرسوله ﷺ ، ومن ذا الذي لا يعصِي ربَّه أبدًا، ولا يقعُ في الخطأ طرفَة عينٍ؟! كيف والنبي ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده؛ لو لم تُذنِبوا لذهبَ الله بكم ولجاء بقومٍ يُذنِبون فيستغفِرون الله فيغفِرَ لهم»؛ رواه مسلم. ولكن العيب كل العيب فيمن يُخطِئُ ويعصِي ويُصِرُّ على الخطأ والمعصية ثم هو لا يستغفر الله ولا يتوبُ إليه، والله - جل وعلا - يقول: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٧٤]. عباد الله: الابتلاءُ سنةٌ ربَّانية لا يسلَمُ منها بنو آدم ولا يكادُون، ولقد قال - سبحانه -: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٥]، وإن الابتلاء ليتنوَّعُ في شؤون العباد ومعاشِهم؛ فتارةً في النفس، وتارةً في المال، وتارةً في القحط وشُحِّ الأمطار. وإن من حكمةِ الله تعالى في منع المطر عن إبَّانه: أن يستيقظَ الناسُ عن غفلتهم، ويُحاسِبوا أنفسَهم، ويُجدِّدوا العهدَ مع خالقِهم، فيُنيبُوا إلى الله ويُسلِموا له، ويفعلوا الخيرَ لعلهم يُفلِحون، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى: ٢٧]. وإن الله - جل وعلا - لطيفٌ بعباده يحبُّ التوابين ويحبُّ المُتطهِّرين، وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى: ٢٨]. نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. أما بعد، عباد الله: فإنكم قد خرجتُم من بيوتكم تشكُون جدبَ دياركم واستئخارَ المطر عن إبَّان زمانه عنكم، وإن الله وعدَ الداعين بالإجابة؛ فقال - سبحانه -: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]، وقال - سبحانه -: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، وقال - سبحانه -: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ [النمل: ٦٢]. فاللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزِل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم لا تُهلِكنا بالسنين، وارحَمنا يا أرحمَ الراحمين، اللهم لا تحرِمنا خيرَ ما عندك بشرِّ ما عندنا. اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنَع عنا بذنوبنا فضلَك. اللهم اسقِنا غيثًا مُغيثًا مرئيًا غَدقًا مُجلِّلاً سحًّا طبقًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلاً غير آجِل. اللهم اسقِ عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيِي بلدك الميت. اللهم إن بالبلاد من القَحط ما لا نشكُوه إلا لك، اللهم أنبِت لنا الزرعَ، وأدِرَّ لنا الضرعَ، وأسقِنا من بركات السماء، اللهم لتُحيِيَ ب البلاد، وتُسقِيَ به العباد، ولتجعلَه بلاغًا للحاضر والباد، واجعل ما أنزلتَه علينا متاعًا لنا وبلاغًا إلى حين. آمين، آمين، آمين. واعلموا - رحمكم الله - أن من سنة نبيكم ﷺ في هذا الموضع قلبَ الرداء تفاءلاً بتغيُّر الحال. نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفَّارًا، فأرسِل السماء علينا مِدرارًا. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 50

خطبة المسجد الحرام - ٨ ذو الحجة ١٤٣٢ - وصية الله لحجاج بيته الحرام - الشيخ صالح آل طالب الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله فالق الإصباح، والحمد لله بُكرةً وعشيًّا وفي الغُدُوِّ وفي الرَّوَاح، الحمد لله الذي وفدَ له الحَجيجُ من كل ناحيةٍ وساحٍ، وجعل الحجَّ والمشاعِرَ مزادةً للتقوى، ومهوًى للنفوس، ومنهلاً للأرواح، وجعل بيتَه المُعظَّم حرمًا لا يُستباح، وحِمًى لا يُعضَدُ شوكُه، ولا يُنفَّرُ صيدُه، ولا يُشهَرُ به سلاح، أشهد أن لا إله إلا الله وحده الأحدُ الحميد لا شريك له ولا شَبيه ولا نَديد، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله سيدُ من حجَّ البيتَ وطافَ، صلَّى الله عليه وعلى آله وعلى صحابته الأسلاف، ومن اتَّبَعهم واستنَّ بهديِهم من التابعين والأخلاف، وسلِّم يا رب تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها المسلمون: وصيةُ الله للأولين والآخرين تقوى الله: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء: ١٣١]، ووصيةُ الله لحُجَّاج بيته تقوى الله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة: ١٩٧]. أيها المسلمون: حُجَّاج بيت الله الحرام! شكرَ اللهُ سعيَكم، وبارَكَ خطوَكم، وأدامَ سعدَكم، قد وطِئتُم أرضَ الحرَم، وتلبَّستُم بالنُّسُك الأعظم، واكتحلَت عيونُكم بمرأى الكعبةِ المُشرَّفة، وبلغتُم هذا البيتَ العتيق، وشرعتُم في مناسِكِ الحجِّ، فلكم تُزفُّ التهاني ببُلوغِ هذه الأماني، والله المسؤول أن يُتِمَّ حجَّم ويُيسِّر أمرَكم وأن يتقبَّل منكم. فلله ما أهناكم! والنبي ﷺ يقول: «من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَته أمُّه» - أي: نقيًّا من الذنوب والخطايا -؛ رواه البخاري ومسلم. وفي "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة». فيا لها من منحةٍ تطرَبُ لها النفوسُ المؤمنةُ، وتهُونُ في سبيلها كلُّ المتاعِب والصِّعاب. أيها المسلمون في كل مكان: حُجَّاج بيت الله الحرام! أيامُكم هذه أيامٌ عظَّم اللهُ أمرَها، وشرَّفَ قدرَها، وأقسمَ بها في كتابه العزيز، فقال - جلَّ شأنُه -: وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ١، ٢]. وقال عنها النبي ﷺ : «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجِع من ذلك بشيءٍ»؛ أخرجه البخاري. وعند الإمام أحمد: «فأكثِروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحمِيد». الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. كبِّروا ليبلُغ تكبيرُكم عَنانَ السماء، كبِّروا فإن اللهَ عظيمٌ يستحقُّ الثناء، أكثِروا من الأعمال الصالحة، وتزوَّدوا من ساعات هذه الأيام ولياليها، فهي التجارة الرابحة، واعلموا أن لله تعالى نفَحَات فاستكثِروا من الصالحات، وتطهَّروا من دَنَس المعاصي والسيئات، إن العُمر لا يعُود، والمَوسِمَ لا يدُوم، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ. عباد الله، حُجَّاج بيت الله الحرام: هذا هو اليومُ الثامنُ من ذي الحجَّة، وفي ضُحاهُ يُحرِمُ من يُريدُ الحجَّ ويذهبُ إلى مِنَى فيُصلِّي بها الظهرَ في وقتها قصرًا والعصرَ في وقتها قصرًا والمغربَ في وقتها والعشاء في وقتها قصرًا، ويبيتُ بمِنَى هذه الليلة، فإذا صلَّى بها الفجرَ وطلَعَت شمسُ اليوم التاسع توجَّه إلى عرفات وصلَّى بها الظهر جمعًا وقصرًا، ثم يقِفُ على صعيد عرفات مُكثِرًا من ذكر الله تعالى، مُتذلِّلاً بين يديه يسألُه خيرَي الدنيا والآخرة، ويُلِحُّ في الدعاء والرجاء في ذلك الموقف العظيم؛ فإن الحجَّ عرفة، كما قال النبي ﷺ . وقال أيضًا: «خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيءٍ قديرٌ»؛ رواه الترمذي. وفي ساحةِ الغُفرانِ في عرفات تخشَعُ القلوبُ، وتَذرِفُ العيون، تُسكَبُ العَبَرات، تُقالُ العَثَرات، وتُرفَعُ الدرجات، ويُباهِي اللهُ بحُجَّاجه ملائكةَ السماوات، ويقول - سبحانه -: «انظروا إلى عبادي أتَوني شُعثًا غُبرًا ضاحِين من كلِّ فجٍّ عميقٍ، أُشهِدُكم أني غفرتُ لهم». عباد الله: ومن لم يكن حاجًّا فيُستحبُّ له صيامُ يوم عرفة مُحتسِبًا أن يُكفِّرَ اللهُ عنه السنةَ الماضيةَ والباقيةَ، كما قال ذلك النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم. وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ اللهُ فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»؛ رواه مسلم. فإذا غربَت الشمسُ، انصرَفَ إلى مُزدلِفَة بسكينةٍ ووقارٍ، وصلَّى بها المغربَ والعشاء جمعًا، ويقصُرُ العشاء، ويبيتُ بمُزدلِفةَ تلك الليلة، ويُصلِّي بها الفجرَ، ويُكثِرُ من ذكر الله ومن الدعاء حتى يُسفِرَ جدًّا، ثم ينصرِفُ إلى مِنَى قُبيلَ طُلوع الشمس، ويجوزُ للضَّعَفة من النساء والصبيان ونحوِهم الانصرافُ من مُزدلِفة بعد نصف الليل، ويتحقَّقُ ذلك بغروب القمر. فإذا وصل الحاجُّ إلى مِنَى رمى جمرة العقبة بسبع حصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يُكبِّرُ مع كل حَصاة، ثم ينحَرُ الهديَ إن كان عليه هَدي، ثم يحلِقُ رأسَه أو يُقصِّرُه، والحلقُ أفضل، ثم يتوجَّه للبيت الحرام إن تيسَّر له يوم العيد وإلا بعده، فيطوفُ طوافَ الإفاضة، ثم يسعَى بين الصفا والمروة، فإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا وقد سعى قبل الحجِّ بعد طوافِ القُدُوم فيكفيه سعيُه ذلك، ومن قدَّمَ شيئًا أو أخَّر شيئًا من أعمال يوم النحر، فلا حرج عليه. ثم يعودُ إلى مِنَى، ويبيتُ بها ليالي أيام التشريق، ويرمِي الجِمارَ الثلاث في كل يومٍ بعد زوال الشمس، ثم إن شاءَ تعجَّل في يومين، وإن شاء تأخَّر لليوم الثالث عشر - والتأخُّر أفضل -، ثم لا يبقَى عليه إلا طوافُ الوداعِ عندما يُريدُ السفرَ من مكة. أيها المسلمون: ولقد كان للنبي ﷺ مواطنُ يُكثِرُ فيها من الدعاء حريٌّ بالمُسلمِ أن يتحرَّاها، وأن يحرِصَ عليها؛ منها: يوم عرفة - وبالأخصِّ آخر النهار -، وبعد صلاة الفجر بمُزدلِفة حتى يُسفِر جدًّا، وبعد رمي الجمرة الأولى، وبعد رمي الجمرة الثانية من أيام التشريق، وكذا الدعاء فوق الصفا والمروة. فاجتهِدوا في تمام حجِّكم، واتقوا الله فيما تأتون وتذَرُون، وأخلِصوا لله في عملكم وقصدِكم، واتَّبِعوا الهُدى والسنَّة، واجتنِبوا ما يخرِمُ حجَّكم أو يُنقِصُه، وعليكم بالرِّفقِ والسكينةِ والطُّمأنينة والشَّفَقَة والرحمة بإخوانكم المُسلمين - سيَّما في مواطن الازدحام، وأثناء الطواف، ورميِ الجِمار، وعند أبوابِ المسجد الحرام -. واستشعِروا عِظَمَ العبادة وجلالة الموقف، جعل الله حجَّكم مبرورًا، وسعيَكم مشكورًا، وذنبَكم مغفورًا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله، الحمد لله الذي جعل مواسِمَ الخيرات مربحًا ومغنَمًا، وأيام البركات إلى جناته طريقًا وسُلَّمًا، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أيها المسلمون: لقد بُنِي هذا البيتُ العتيقُ مُؤسَّسًا على التوحيد ولأجل التوحيد: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا [الحج: ٢٦]. ومنذ أن دخلتَ النُّسُك وأنت مُعلِنٌ للتوحيد: "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك". وفي ثنايا آيات الحج يقول الله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣٠، ٣١]. وفي حديث جابرٍ ﵁ في صفة حجِّ النبي ﷺ قال: "ثم أهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك"؛ رواه أبو داود. فأخلِصوا دينَكم لله، وتفقَّدوا أعمالَكم ومقاصِدَكم. عباد الله: وفي مناسِك الحجِّ تربيةٌ على إفراد الله بالدعاء والسؤال والطلب، مع التوكُّل عليه واللجُوءِ إليه، والاستغناء عن الخلق والاعتماد على الخالق: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، لا نبيًّا ولا وليًّا، ولا مكانًا ولا رسمًا. كما لا يجوزُ أن يُحوَّلَ الحجُّ إلى ما يُنافِي مقاصِدَه، فلا دعوةَ إلا إلى الله وحده، ولا شِعارَ إلا شِعارُ التوحيد والسنة. أيها المسلمون: والحجُّ عبادةٌ فريدةٌ تجمعُ ملايين البشر المُتدفِّقين لأداء النُسُك شوقًا، التاركين لدنياهُم طوعًا؛ فأيُّ مشهدٍ أبهى من هذا التجمُّع الإيماني العظيم، فيه اجتماعُ الأمة وائتلافُها، وتظهَرُ قِيَمُها وأخلاقُها، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]. قِيَم التسامُح والإخاء والبُعد عن الخلاف والمِراء، قِيَمُ المُساواة والعدل والأُخُوَّة والمحبة، قِيَمُ القناعة والبَساطة في تجرُّد الحاجِّ من متاع الدنيا في لِباسِه ومسكنه ومنامه، يتربَّى على ترك الترفُّه، ويتحمَّلُ المشقَّة والتضحية. من الحجِّ نستلهِمُ المُراجعات السُّلُوكية لكثيرٍ من القِيَم والأخلاق. حُجَّاج بيت الله العتيق: الحجُّ جهادٌ، ولا بدَّ في الجهاد من مشقَّة، وتركُ الترفُّه مقصودٌ، وعلى الحاجِّ أن يصبِرَ ويحتسِبَ في إتمام حجِّه كما أمر الله آخِذًا نُسُكَه من رسول الله. ومن الخُذلان أن يتتَبَّعَ الإنسانُ الرُّخَص ويزهَدَ في السنن، ويرجِعَ بحجٍّ مُشوَّه، ويتنازَل عن كمال النُّسُك، ولا يتنازَلُ عن نقص الخدمات في الطعام والشراب والسَكَن، والله تعالى يقول: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦]، اجعلوا هذه الآيةَ شِعارَكم. حُجَّاج بيت الله الحرام: تعلَّموا أحكامَ مناسِكِكم، واسألوا عن عباداتكم، وتحرَّوا صحةَ أعمالكم قبل إتيانِها، تفرَّغوا لما جِئتُم لأجله، واشتغِلوا بالعبادة والطاعات؛ فإن ما عند الله لا يُنالُ بالتفريط. أكثِروا من الدعاء والتضرُّع، والهَجوا بذكر الله في كل أحوالكم؛ فنبيُّكم ﷺ يقول: «إنما جُعِل الطوافُ بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله»؛ رواه أبو داود، والترمذي. وربُّكم تعالى يقول: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]. حُجَّاج بيت الله الحرام: تبذُلُ الدولةُ برجالاتها وأجهزتها ومُؤسَّساتها الحُكومية وغير الحُكُومية جهودًا هائلةً لخِدمتكم وتيسير حجِّكم، والنظامُ وُضِعَ لمصلحتكم، والجهودُ كلُّها لأجلكم، فالتزِموا التوجيهات، واتَّبِعوا التعليمات، وابتعِدوا عن مواطن الزحام، وتعاوَنوا مع رجال الأمن والأجهزة الحكومية. لا تُغلِقوا الطرقات، ولا تجلِسوا في الممرات، واستشعِروا ما أنتم فيه، وكونوا على خير حالٍ في السُلُوك والأخلاق، والزَموا السكينةَ والوَقار، واجتهِدوا وسدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا وأمِّلوا؛ فإنكم تقدُمون غدًا على ربٍّ كريمٍ. تمنَّ على ذي العرشِ ما شئتَ إنه جوادٌ كريمٌ لا يُخيِّبُ سائلاً تقبَّلَ الله حجَّكم، وأعانكم على تمام النُّسُك، وأحاطكم بحفظِه ورعايته. هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومن سار على نهجهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة، اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين، اللهم جازِه بالخيرات والحسنات على خدمة الحرمين الشريفين والعناية بالحُجَّاج والمُعتمِرين، وأتِمَّ عليه الصحة والعافية، اللهم وفِّق وليَّ عهده وسدِّده وأعِنه على ما حُمِّل، واجعله مبارَكًا مُوفَّقًا لكل خيرٍ وصلاح. اللهم اغفر للأمير سلطان بن عبد العزيز، وارحمه، وتجاوز عنه، وأسكِنه فسيحَ جناتك. اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن. اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجمعهم على الحق والهدى، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم، اللهم انصرهم على من ظلمَهم. اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين على الصهاينة المُحتلِّين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء. اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، ويسِّر لهم أداء مناسِكهم آمِنين، وتقبَّل منَّا ومنهم أجمعين. اللهم وفِّق رجالَ الأمن والعاملين لخدمة الحُجَّاج، وجازِهم بالخيرات والحسنات يا رب العالمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبقًا مُجلِّلاً عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضرِ والبادِ. اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق. ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم. سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 51

خطبة المسجد الحرام - ١٠ ذو الحجة ١٤٣٢ - خطبة عيد الأضحى - المحدثات طوفان مغرق - الشيخ سعود الشريم الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله الذي لا يبلغُ مِدحَتَه القائلون، ولا يُحصِي نعماءَه العادُّون، ولا يُؤدِّي حقَّه المُجتهِدون، المعلومِ من غير رؤية، والخالقِ بلا حاجة، والمُميت بلا مخافة، والباعثِ بلا مشقَّة، خلقَ الخلائقَ بقدرته وحكمته، ونشرَ الرياحَ بُشرًا بين يدي رحمته، مُبدئِ الخلق ووارثِه، وباسطٍ فيهم بالجُودِ يدَه، كتبَ على نفسه لعباده المؤمنين الرحمة، وسبقَ عفوُه عقابَه وحلمُه غضبَه، لا يخفى عليه مثقالُ ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء، لا تُدرِكُه الأبصار وهو يُدرِكُ الأبصار وهو اللطيفُ الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله البشيرُ النذير، والسراجُ المُنير، خيرُ من صلَّى لله وقام وحجَّ البيت الحرام وصام عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]، ما تركَ خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرَنا منه، فصلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى الصحابة والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا. الله أكبر غافرُ الزلاَّتِ...داعِي الحَجيج إلى ثَرى عرفاتِ الله أكبر ملءَ ما بين السما...والأرضِ عدَّ الرملِ والذرَّاتِ والحمدُ لله العليِّ فنورُه...في الذكرِ كالمِصباحِ في المِشكاةِ الله أكبر بُكرةً وعشيَّةً...الله أكبرُ سامعُ الأصواتِ الله أكبر عالمًا ومُهيمِنًا...مُحصِي الحَجيج وجامعِ الأشتاتِ ما كان يخفاهُ الضميرُ وهمسةً...مهما تكن عند اختلافِ لغاتِ الله أكبر مُبصِرُ النملِ الذي...في ليلةٍ سوداء فوق صفاةِ قد أبصرَ الجمعَ الغفيرَ وإنه...ليَرَى نِياطَ القلبِ والنَّبَضاتِ الله أكبر لن تُوارِيَ دمعةٌ...عنه الدموعَ وخافِيَ العَبَراتِ علِمَ الغيوبَ وكلَّ حبَّةِ خردلٍ...ما قد مضَى منها وما هو آتِ الله أكبر فاستجِبْ يا ربَّنا...ولتَمْحُ عنا سالفَ العَثَراتِ واغفر لحُجَّاجٍ أتَوا شُعثًا فقد...ناجَوكَ يا رحمنُ بالزَّفَراتِ الله أكبر أنت أرحمُ راحمٍ...فاقبَلْ كريمًا صالحَ الدعواتِ واجعله حجًّا صالحًا مُتقبَّلاً...والطُفْ بنا في الحشرِ والعَرَصاتِ الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أما بعد: فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - سبحانه -؛ فإنها مفتاحُ سَداد، وذخيرةُ معاد، وعِتقٌ من كل ملَكَة، ونجاةٌ من كل هلَكَة، بها ينجحُ الطالب، وينجُو الهارِب، فاعملُوا فإن العمل يُرفَع، والتوبةَ تنفع، والدعاءَ يُسمَع. ألا وإن عليكم رُصَّدًا يحفَظون أعمالَكم وعددَ أنفاسِكم، لا تستُركم عنهم ظُلمةُ ليلٍ داجٍ، ولا يُكِنُّكم بابٌ ذو رِتاج، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. حُجَّاج بيت الله الحرام: لقد أصبحتم في هذا اليوم في عيدٍ مبارك؛ عيد الأضحى، يوم القَرابين، يوم الحج الأكبر، يوم قضاء التَّفَث والوفاء بالنُّذور والطواف بالبيت العتيق، إنه يومُ الفرح بالاستجابة لدعوة الخليل ﵇: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٧ - ٢٩]. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أيها المسلمون: لقد شرعَ الله لنا في هذا اليوم المُبارَك ذبحَ الأضاحِي تقرُّبًا لله؛ إذ من أفضل أعمال ابن آدم يوم النحر إراقة دم الهَدي والأضاحي تقرُّبًا وزُلفَى للخالق - سبحانه -: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. إنها سُنَّةُ أبينا إبراهيم المُؤكَّدة، ويُكرَهُ تركُها لمن قدِرَ عليها، كما أن ذبحَها أفضلُ من التصدُّق بثمنها، وتُجزِئُ الشاةُ عن واحدٍ، ولا بأس أن يُشرِكَ معه أهلَ بيته، وتُجزئُ البدَنة والبقرة عن سبعة. ثم إنه يجبُ على المُضحِّي أن يُراعِي شروطَ الأُضحية الثلاثة: فأولها: أن تبلغَ الأضحيةُ السنَّ المُعتبَرُ شرعًا، وهو: خمس سنين في الإبل، وسنتان في البقر، وسنةٌ كاملةٌ في المعز، وستةُ أشهرٍ في الضأن. والشرطُ الثاني: أن تكون الأُضحية سالمةً من العيوب التي نهي عنها الشارع، وهي أربعة عيوب: العرجاء التي لا تُعانقُ الصحيحةَ في المشي، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعوراءُ البيِّنُ عورُها، والعَجفاءُ وهي الهَزيلةُ التي لا مُخَّ فيها، وكلما كانت الأُضحيةُ أكمل في ذاتها وصفاتها فهي أفضل. والشرطُ الثالثُ: أن تقعَ الأُضحية في الوقت المُحدَّد، وهو الفراغُ من صلاة العيد، وينتهي بغروبِ اليوم الثالث بعد العيد، فصارت الأيامُ أربعةً. ثم ليرفِق الجميعُ بالبَهيمة: «وليُرِح أحدُكم ذبيحَته، وليُحِدَّ شفرَتَه؛ فإن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ» حتى في ذبح البهيمة، ثم ليُسمِّي أحدُكم عند ذبحها؛ لأن الله يقول: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١]. ويُستحبُّ للمُضحِّي أن يأكل منها، ويُهدِي ويتصدَّق، ولا يُعطِي الجزَّارَ أُجرتَه منها. فضحُّوا واهدُوا، تقبَّل الله ضحاياكم وهداياكم. ضحُّوا فإن لحُومَها ودماءَها...سينالُها التقوى بلا نُقصانِ العيدُ أَضحى فالدماءُ رخيصةٌ...مُهراقةً للواحد الديَّانِ هي سنةٌ بعد الذبيحِ وإنها...من خير ما يُهدَى من القُربانِ الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. حُجَّاج بيت الله الحرام: إن هذا البيت العتيق الذي رفعَ قواعدَه إبراهيمُ وابنُه إسماعيل ﵉ لم يُبنَ إلا بالتوحيد ولأجل التوحيد ولأهل التوحيد، تتعاقبُ الأجيالُ على حجِّه، ويتنافسُ المسلمون في بُلوغ رِحابِه، وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦]. ولقد بعثَ النبيُّ ﷺ سنة تسعٍ من الهجرة مع أبي بكر ﵁ من يُنادِي بالناس: ألا يطوفَ بالبيت عُريان، وألا يحُجَّ بعد العام مُشرِكٌ؛ رواه البخاري ومسلم. فالحجُّ - عباد الله - أمارةٌ تدعو إلى التوحيد؛ فاجتماعُ الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسِهم ليُوحِي إليهم أنه ينبغي للمسلم ألا يعبُدَ إلا الله ولا يلجأ إلا إلى الله في خوفه ورجائه وذبحِه ونذرِه ورغبته ورهبَته، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣١، ٣٢]. إن المؤمن المُوحِّد ليشعُر من أعماق قلبه أن ما دون الله هَباء، ويستحيلُ عنده أن يُغلَبَ اللهُ على أمره أو أن يُقطَع شيءٌ دونه؛ إذ التعلُّق بغير الله عجزٌ، والتطلُّع إلى سواه ضلالٌ وحُمقٌ. وإن مما يُؤسِف أشدَّ الأسف: ما يقع فيه بعضُ أهل الغفلة ممن لم يُلامِس التوحيدُ شِغافَ قلوبهم، فادَّعوا علمَ ما لم يعلَموا، ولجئوا إلى غير الله، وخاضُوا في أمور الغيب، فاستحكمَت لديهم الشعوذةُ والكِهانة وما يُسمَّى: تحضيرَ الأرواح وقراءة الكفِّ والفنجان، أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [الطور: ٤١]، قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥]. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. حُجَّاج بيت الله الحرام: في الحجِّ تتجلَّى صورةٌ عُظمى وسمةٌ جُلَّى هي نبراسٌ للأمة إن أرادت الهداية وصحةَ العمل بعد الإخلاص لله تعالى، ألا وهي: متابعةُ النبي ﷺ ، وذلكم من خلال قوله - صلوات الله وسلامه عليه - في حجَّة الوداع: «خُذوا عنِّي مناسِكَكم»، ليُؤكِّد لنا - صلوات الله وسلامه عليه - أن خيرَ الهدي هديُه ﷺ ؛ إذ لا هديَ أحسنُ من هديِه، ولا طريقَ أقومُ من طريقه، وهيهات هيهات أن يأتي الخلَفُ في أعقاب الزمن بخيرٍ مما كان عليه النبي ﷺ والسلف الصالح في عصور النور. فإن من غُربة الدين: أن تلتصِقَ به المُحدَثات التي هي تشويهٌ لجمال الدين، وطمسٌ لمعالم السُّنَن، ومكانةٌ السنة بين هذه المُحدَثات أنها دعوةُ كمال، فكلما تردَّد الإنسان بين طريقين دعَتْه السنةُ إلى خيرهما، وإن تردَّد العقلُ بين حقٍّ وباطلٍ دعَته السنةُ إلى الحق. وبهذا يُعلَم أن دعوةَ السنةِ إنما هي لأصعبِ الطريقين وأشقِّ الأمرَين بالنسبة لأهواء البشر، وسببُ ذلك - عباد الله - هو: أن الانحدارَ مع الهوى سهلٌ يسيرٌ، ولكن الصعودَ إلى العلو صعبٌ وشاقٌّ، وإن الماء ليَنزِلُ وحدَه حتى يستقرَّ في قَرَارة الوادي، ولكنه لا يصعَد بالعلو إلا بالجُهد والمضخَّات. وما فائدةُ العقل بلا سُنَّةٍ ولا هديٍ من الله؟! فها هو - صلوات الله وسلامه عليه - أكملُ الناس عقلاً بلا نزاع، ومع ذلك قال عنه ربُّه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٥٢، ٥٣]. ثم إن المُحدَثات سريعةُ الانتشار، تستلفِتُ أنظارَ الدَّهماء فيعمَدونها الذين لا يُبصِرون، ويصمُّوا عنها الذين هم عن السمعِ معزولون؛ فالمُحدَثات طوفانٌ مُغرِق، والسُّنَّةُ الصحيحةُ سفينةُ نوح؛ من ركِبَها نجا، ومن تركها غرِق ولَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود: ٤٣]. وإننا حينما نتحدَّث عن البِدَع فإننا نعنيها بأوسَع مفاهيمها، وهي: كل ما خالفَ هديَ النبي ﷺ في العبادات والمعاملات والأخلاق والمسؤوليات والواجبات والحُقوق والثقافة والفِكر، ولقد صدق رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي - صلوات الله وسلامه عليه -؛ حيث قال: «إنه من يعِش منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ، وإياكم ومُحدثَات الأُمور؛ فإن كل بدعةٍ ضلالة»؛ رواه أبو داود والترمذي. ألا فليُعلَم أنه لا يمكن أن يأتي مبدأ أو فِكرٌ يُقرِّرُ العدلَ والمُساواة وحفظَ الحقوق والواجبات ورعايةَ الأُمَم أفرادًا وأُسرًا ومُجتمعات بمثل ما جاء به محمد ﷺ ؛ لأن ما جاء به إنما هو من عند حكَمٍ عدلٍ برٍّ رحيمٍ يُريدُ بعباده اليُسْرَ ولا يُريدُ بهم العُسرَ، خلقَ الخلقَ وهو أعلمُ بما يصلُحُ لهم في دينهم ومعاشِهم وآخرتهم، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١٦]. ولهذا كان آخر ما أوصى به النبيُّ ﷺ أمَّتَه في حجَّة الوداع أن قال لهم: «وإنِّي قد تركتُ فيكم ما لن تضِلُّوا بعدي إن اعتصمتُم به: كتابَ الله، وأنتم مسؤولون عني؛ فما أنتم قائِلون؟!». قالوا: نشهَد أنك قد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّك، وأدَّيت، ونصحتَ لأمَّتك، وقضيتَ الذي عليك. فقال بأُصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس: «اللهم اشهَد، اللهم اشهَد»؛ رواه البيهقي وابن ماجه. قال سفيان الثوري ﵀: "من ابتدعَ في الإسلامِ بدعةً يراها حسنةً فقد زعمَ أن محمدًا خانَ الرسالة؛ لأن الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] ". ولقد اتفق أئمةُ التفسير أن هذه الآية نزلت في حجَّة الوداع، وإنها لآيةٌ عظيمة ومنَّةٌ كريمة أن أتمَّ الله على عباده نعمةَ الدين، ورضِيَ لهم الإسلامَ دينًا، فبذلك فلنفرَح هو خيرٌ مما نجمَع. وإنه لعيبٌ على كل مسلمٍ أن يُدرِكَ غيرُ المسلمين معنى هذه الآية وأثرَها على النفس أكثر مما يُدرِكُه بعضُ من ينتسِبون إلى الإسلام على حين غفلةٍ من العلم والفقهِ في الدين؛ ففي "الصحيحين" عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آيةٌ في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: "أيّ آية؟ ". قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]. قال عمر: "قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائمٌ بعرفة يوم الجُمعة". أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس: ٣٥]. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله الحرام: الأمةُ المُسلمةُ المُتميِّزةُ هي تلكم الأمة التي تتحقَّقُ لها ضرُورياتُها وحاجاتها وتحسينياتُها تحت ظلٍّ وارِفٍ من الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولاً، وهي بمثل ذلك لا يُقوِّضُ بُنيانَها أزمةٌ، ولا يُعكِّرُ صفوَها ضيقٌ، ولا تُفترسُ يومًا تحت نابِ سبُعٍ عادٍ، أو تُجرَح بمخالبِ باغٍ مُتوحِّش. كلا لا يمكن أن يكون ذلك لأمةٍ شاعَت بين ذوِيها روحُ الإخاء والعدل والإنصاف والإيثار والشَّفَقة والتواضُع لله ثم لخلقه، وإنما يقعُ في مثل ذلكم أممٌ تدثَّرَت بالصَّلَف والكبرياء والبُعد عن وحيِ الله، تستنشِقُ البغيَ والهوى والظلمَ والأنانية لتمثُلَ أمام حاضرٍ كريهٍ ومُستقبلٍ مُقلِق، فيسبِقُها خصمُها إلى إذلالها وكبتِ حُريَّتها التي اكتسبَتها من قُربها من خالقها ومولاها. ألا إن من رأى واقع الأمة المسلمة اليوم فإنه سيرى بعين رأسه أن ذوِيها أفخَرُ ملبسًا، وأجسَمُ مطعمًا، وأرفهُ مركبًا عن ذي قبل، ولكن من يرى بعين فِكره ولُبِّه فسيرى كثيرًا منهم أقلَّ في الخصائص الروحانية أو أضعفَ وازعًا وأكثر شهواتٍ وشُبُهات، والذي من أجله كثُرت آلامُها ونُكِئَت جِراحُها، فصارَت تُعالِجُ غليانًا وهيجانًا تلعبُ به الريحُ ذات اليمين وذات الشمال، وهي تتلقَّى اللَّكَمات والوَكَزات في صياصِيها أو قريبًا من دارها، فلا تكادُ تُسيغُ ما يجري، ويأتيها الموتُ من كل مكان وما هي بميتةٌ - بإذن الله -. والحقيقةُ أن هذا كلَّه لم يكن بِدعًا من الأمر ولا كان طَفرةً دون مُقدِّمات، إنما هو نتيجةُ ثُقوبٍ وشُرُوخٍ في سِياجِ الأمةِ الشَّامِخ تراكَمت على حين غفلةٍ من ترميمه وصيانتِه وتعهُّد احتياجات هذا السِّياجِ المَنيع، فادلهمَّت الخُطوب، وترادَفَت حلقاتُها حتى صارَت كل فتنةٍ تقول للأخرى: أختي أختي. وقد لا يكون ذلكم مُستغربًا عقلاً وواقعًا؛ لأن النسيمَ لا يهُبُّ عليلاً على الدوام، ولكن المُستغرَب أن تضعَ الأمةُ كل علامات الاستفهام في مسامِعِها حينًا بعد آخر ثم لا تُلامِسُ تلكم الاستفهامات مظانَّ الأدواء، فيقعُ التطبُّبُ المذموم، وتُشحَذُ الهمَّة على إخراج الشوكة في حين إن الروحَ تُغرغِر، أو كمن يستطِبُّ زُكامًا لمن به جُذام، حتى يبيتَ الأمرُ من الخُطورة بمكانٍ بحيث يُوجِبُ البحثَ الحقيقيَّ عن الداء والأسبابِ المُفضِيَةِ إلى تلك التراكُمات والتَّدَاعيات التي تؤُزُّ المُجتمعات أزًّا شاءَت هي أم أبَت؛ لأن من البديهي أنه إذا عُرِف السبب بطل العجَب، وإذا أُحسِن التشخيصُ أُحسِن العلاج، فقد يكون السببُ تربويًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو إعلاميًّا أو سياسيًّا، وأيًّا كان من ذلكم فإن لكل داءٍ دواءً، ولكل علَّةٍ شِفاءً. وعندما يقعُ التقصيرُ في التداوي فإن المرض ما منه بُدٌّ، وما هو إلا كشفُ الإناء لكل لاعبٍ والِغٍ، ثم هي الفوضَى في الوِرْد والصدر، وعندئذٍ لا بُدَّ من تجرُّع النتيجة المُرَّة على شَرَق. ومن مثلِ هذا يعرفُ العُقلاءُ قيمةَ التواصِي والاجتماع والوِحدة ونبذ الفُرقة؛ فدينُ الإسلام جامِعُنا، ومن أتانا في اجتماعنا فقد أتانا في ديننا، ومن أتانا في ديننا فقد أتانا في اجتماعنا. ولقد حثَّنا النبيُّ ﷺ على أن نحذَرَ كلَّ عدوٍّ لنا وأن نتَّقِيَه ما استطعنا؛ كيف لا وقد علَّمنا - صلوات الله وسلامه عليه - أن عدوَّ ديننا عدوٌّ لنا كائنًا ما كان؛ فقد قال - صلوات الله وسلامه عليه -: «اقتُلوا الوَزَغ؛ فإنه كان ينفُخُ على إبراهيم ﵇ النار»؛ رواه أحمد، وأصلُه في "الصحيحين". هكذا حذَّرَنا - صلوات الله وسلامه عليه - من أعدائنا حتى ولو كانوا حشراتٍ صغيرةً كالأوزاغ؛ بل إنه لم يُرتِّب أجرًا في قتل حشرةٍ أو دابَّةٍ كما رتَّب ذلك في قتل الوَزَغ، كماء عند مسلمٍ وغيره. فإذا أردنا التغيُّر للأحسن والأكمل فلنتدبَّر قولَ الله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١]. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. حُجَّاج بيت الله الحرام: إن الأمةَ المسلمةَ إذا أرادت الاستقرار الأمنيَّ والأخلاقيَّ والسياسيَّ والإعلاميَّ فيجبُ عليها أن تكون صريحةً مع نفسها، مُعترِفةً بأخطائها، عازمةً على المُضِيِّ قُدُمًا في كل ما من شأنه سدُّ ثُلمتِها ولمُّ شعَثِها واجتماعُ فُرقتها، ولن يكون ذلكم دون وُضوح، كما أنه لن يتم من خلال مبدأ الانتقائية، أو مبدأ القائل: أصمُّ عن الأمرِ الذي لا أريدُه، وأسمعُ خلقَ الله حين أشاءُ. لأن مثل هذا المبدأ يُؤخِّر يوم الاستقرار ولا يُقدِّمُه، أو يقودُ إلى الغرق في بحرٍ لُجِّيٍّ يغشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ م فوقه سحابٌ من الفتن المُتلاطِمة التي تُعيقُ عجلَةَ التصحيح إن لم تئِدها برُمَّتها. ألا وإن مصدر محَن أمة الإسلام من داخلها أشدُّ خطرًا من عدوِّها؛ لأن العدوَّ واحدٌ بخلاف الأصدقاء وبني المُجتمع فليسوا في البرِّ سواء، ولا يُدرِك عمقَ هذا إلا من وهبَه الله معرفةَ لحنِ القول الذي ينخُرُ في جسَد الأمة وله وقعٌ في نفسها أشدُّ من وقع سِهام عدوِّها، والنوائبُ والمُدلهِمَّات هي التي تُقرِّرُ العدوَّ من الصديق، لتُدهَشَ الأمةُ حينما تجِدُ اللسانَ لسانَهم، والفُؤادَ تُجاهَ عدوِّهم، الجسدُ مُخالط والقلبُ مُفارِق. وأمثالُ هؤلاء لا يُكشَفون إلا في الأزمَات، أمثالُهم سببُ الفُرقة حالَ الرغبة في الاجتماع، وهم سببُ الفُتوق حال استِجلابِ الرُّتُوق، ولقد أحسن من قال: وكان بنو عمِّي يقولون: مرحبًا...فلما رأوني مُعسِرًا ما تمرحَبوا أمثالُ هؤلاء هم الذين حذَّرَنا منهم من حجَّت هذه الملايين اقتداءً به واتباعًا لسنته ﷺ ؛ حيث جاء عنه عند البخاري ومسلم: قوله عن فتن آخر الزمان، وقد سأله حُذيفة بن اليمان قائلاً: وهل بعد ذلك الخير من شرٍّ؟ قال: «نعم، دُعاةٌ على أبوابِ جهنَّم، من أجابَهم إليها قذفُوه فيها». قال: يا رسول الله! صِفهم لنا. قال: «هم من بني جِلدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا .. » الحديث. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مُباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضَى. أما بعد: فاتقوا الله - حُجَّاج بيت الله الحرام -، واجعلوا من حجِّكم وعيدكم هذا - أمة الإسلام - نقطةَ انطلاقةٍ من السيءِ إلى الحسن، ومن الحسَن إلى الأحسن، وأصلِحوا أنفسَكم من داخلها، واعلموا أن واقع المسلمين لا يُمكن أن يُصلَح خارجًا عنهم؛ لأن مُستقبل المسلمين يجبُ أن يُصنَع في بلادهم وعلى أرضِهم بكدِّهم وكدحِهم وأخلاقهم، بشغلِ أوقاتهم في كل ما من شأنه خدمةُ الإسلام والمُسلمين، حتى لا يرُوغَ بعضُهم على بعض، ويشغَلَ بعضُهم بعضًا في التهويش والتحريش، ولئلا يُبطَلَ الحقُّ ويُغمَطَ الناس، واللهَ اللهَ في تنقيةِ المُجتمعات من شوائِبِها. فاحرِصوا على الإعلام، واجعلوه منارةً لكل ما يفيد، وسِياجًا منيعًا ضدَّ كل دَخيلٍ لا نفعَ فيه؛ فإن الإعلام سِلاحٌ ذو حدَّين أصدقُهما وأنفعهُما ما قادَ إلى الخير وعمَّ بالنفع ولهَجَ بالصدق والتثبُّت والبُعد عن الكذِب والتضليل؛ لأنه قِوامُ المُجتمعات ومِرآتُها، فمن أراد أن يرى حُسن صورته فلا ينظر إلى مِرآةٍ مُتهالِكة. كما أنه ينبغي علينا جميعًا أن نُعطِي كل ذي حقٍّ حقَّه، وألا نبخَسَ الناسَ أشياءَهم، لا سيما المرأة المسلمة؛ لأنها محطُّ الأنظار في هذه الآوِنة، فلنتذكَّر وصيةَ النبي ﷺ بها في حجَّة الوداع، وأنها مخلوقةٌ حرَّةٌ لها حقوقٌ وواجبات وعليها حقوقٌ وواجبات، وجعل لها من الحقِّ مثل ما للرجل، وللرجل عليها درجة. فاللهَ اللهَ في إنصافها بما أنصفَها الله به وأنصفَها به رسولُه ﷺ ؛ فإن المرأة هي أمِّي وأمُّك وأختي وأختُك وزوجتي وزوجتُك وبنتي وبنتُك، لها شأنٌّ في المُجتمع، فهي نصفُه وإنها لتلِدُ النصفَ الآخر فكأنها مجتمعٌ بأكمله. كما أن من إنصافِ المرأة: عدمَ الزجِّ بها بما ليس من فِطرتِها وجِبِلَّتها وليس مما شرعَه الله لها، أو إقحامها فيما هو من خصائص الرجال دون مُراعاةٍ لقُدراتها العاطفية والبدنية والأُنثوية؛ فإن النبي ﷺ قال في حجَّة الوداع: «فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتُموهنَّ بأمانة الله، واستحللتُم فُرُوجهنَّ بكلمة الله». ألا فإن للمرأة عقلاً وجسدًا وروحًا ورأيًا وحقًّا، فأعطُوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. حُجَّاج بيت الله الحرام: ها أنتم قد خرجتم من المُزدلِفة بقلوبٍ خاشِعةٍ مُطمئنَّة، تعلوكم السكينة، ويحدُوكم الرجاءُ، وليس السابقُ اليوم من سبَقَت به دابَّتُه، وإنما السابقُ اليوم من أحسنَ العملَ وأخلصَه لله فسبقَ إلى مغفرته ورِضوانه. واعلموا - رحمكم الله - أن أول ما يُبدأُ به من الأعمال في هذا اليوم بعد الخروج من مُزدلِفة: أن يتوجَّه الحاجُّ إلى مِنَى بسكينةٍ ووقار فيرمِي جمرةَ العقبة بسبعِ حصَيَاتٍ، وهي أقربُ الجمرات إلى مكة، يُكبِّرُ مع كل حصاةٍ يرميها، ثم ينحَرُ هديَه إن كان عليه هَدي بأن كان مُتمتِّعًا أو قارِنًا، ثم يحلِقُ رأسَه أو يُقصِّرُ فيُحِلُّ من إحرامه، ويُباحُ له كلُّ شيءٍ حرُمَ عليه أثناء الإحرام إلا النساء. ويبقى في حقِّ القارِنِ والمُفرِدِ: طوافُ الإفاضة وسعيُ الحجِّ إن لم يكن قد سعى مع طوافِ القُدوم. وأما المُتمتِّعُ فيبقى عليه طوافٌ وسعيٌ غيرُ طوافِ العُمرة وسعيِها. ثم بعد طوافِ الإفاضة يحِلُّ للحاجِّ كلُّ شيءٍ حرُم عليه بسببِ الإحرام حتى النساء، ولا يضرُّ الحاجَّ ما قدَّم أو أخَّر من أعمالِ يوم النَّحْر؛ لأن النبي ﷺ ما سُئِل عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر في ذلك اليوم إلا قال: «افعل ولا حرج» تسهيلاً للأمة ورفعًا للحرج - بأبي هو وأمي - صلوات الله وسلامه عليه -. ثم يبيتُ الحاجُّ بمِنَى ليالي التشريق وجوبًا؛ لفعل النبي ﷺ ولقوله: «خُذُوا عنِّي مناسِكَكم»، فيرمِي الجمَرات بعد الزوال في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إن لم يكن مُتعجِّلاً، يرمي كلَّ جمرةٍ بسبعِ حصَيَاتٍ، يبدأُ بالجَمرة الصغرى ثم الجمرة الوُسطى ثم الجمرة الكبرى. فإذا أنهى الحاجُّ الرميَ والمبيتَ فإنه يطوفُ طوافَ الوداعِ وجوبًا، ويسقُطُ عن المرأة الحائض، لقول النبي ﷺ وفعله، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. وتذكَّروا - حُجَّاج بيت الله الحرام - بجمعِكم هذا يوم يجمعُ الله الأولين والآخرين على صعيدٍ واحدٍ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨]، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم: ٩٣ - ٩٥]. اللهم تقبَّل منا، اللهم تقبَّل منا، اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفورُ الرحيم، اللهم اجعل حجَّنا مبرورًا، وسعيَنا مشكورًا، وذنبَنا مغفورًا. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح ذاتَ بينهم، واكفِهم شرَّ أنفسهم وشرَّ الشيطان وشِركه يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر إخواننا المُستضعفين في دينهم في سائر الأوطان، اللهم كُن لهم ناصرًا ومُعينًا ومُؤيِّدًا وظَهيرًا. اللهم هؤلاء عبادُك أتوك شُعثًا غُبرًا، يرجُون رحمتَك ويخشَون عذابَك، اللهم فاقبَل توبتَهم، اللهم فاقبَل توبتَهم، اللهم فاقبَل توبتَهم، وامحُ حوبتَهم، ورُدَّهم إلى أهلِهم سالمين غانِمين غير خزايا ولا محرومين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وأجزِل الفضلَ والمثوبَة لكل من ساهمَ في خدمةِ حُجَّاج بيتك الحرام، واجعل ما قدَّموه في موازين أعمالهم يوم يلقَونَك. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل ولايتَنا فيمن خافَك واتقاك، واتبعَ رِضاكَ يا رب العالمين. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم أصلِح له بِطانتَه يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل مواسمَ الخيرات لنا مربَحًا ومغنَمًا، وأوقات البركات والنَّفَحات إلى رحمتِك طريقًا وسُلَّمًا. اللهم ما سألناك من خيرٍ فأعطِنا، وما لم نسألك فابتدِئنا، وما قصُرَت عنه آمالُنا وأعمالُنا من الخيراتِ فبلِّغنا. سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

стр. 52

خطبة المسجد الحرام - ١٥ ذو الحجة ١٤٣٢ - ما بعد الحج - الشيخ عبد الرحمن السديس الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، أحمده - سبحانه - أكمل لنا المناسك وأتمَّ، وأسبغَ على الحَجيج فضلَه المِدارارَ الأعمَّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نسمُو بها إلى أعلى القِمَم، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أزكى من أدَّى المناسِكَ وطافَ بالبيت العتيق وأمَّ، وأبانَ معالمَ الدين ورسَم بأبلغِ عبارةٍ وأوجزِ الكلِم، صلَّى الله عليه وعلى آله الأطهارِ صفوةِ الأُمَم، السالكين النهجَ القويمَ الأَمَم، وأصحابِه الأخيارِ أُسدِ العَرين ولُيُوثِ الأَجَم، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ ما قصدَ المسجدَ الحرام حاجٌّ والتزَم، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيا عباد الله! حُجَّاج بيت الله الحرام: اتقوا الله ﵎ حقَّ التقوى؛ فإنها أنفسُ الذخائِر، والأثرُ الجليلُ لما أدَّيتُم من أعظم الشعائر، فتقوى الله - سبحانه - ضياءُ الضمائر، ونورُ البصائر، وترياقُ السرائر، وخيرُ عاصمٍ من الجرائر، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧]. يريدُ المرءُ أن يُؤتَى مُناهُ ويأبَى اللهُ إلا ما أرادا يقول المرءُ: فائدتي ومالي وتقوى اللهِ أعظمُ ما استفادا وفودَ الرحمن! أيها الحُجَّاج الكرام: منذ أيامٍ قلائل نعِمتم بإكمال مناسكِ الركنِ الخامسِ من أركان الإسلام، وأحدِ مبانيه العِظام، في أجواءٍ إيمانية سعيدةٍ، وأوضاعٍ أمنيَّةٍ فريدة، فاقدُرُوا هذه النعمةَ الكبرى التي يغبِطُكم عليها سائرُ الأمم، واشكروا المولى - سبحانه -؛ حيث أفاضَ عليكم أزكَى المِنَن والنعَم، وغمَرَكم فضلُ الباري بالحجِّ إلى البيت الذي جعله مثابةً وأمنًا للناس، وفي ذلك الأجرُ الجزيلُ بغير قياس، وعلى إثر ذلك ودَّعَت أمتُنا الإسلامية مناسبةَ عيد الأضحى الغرَّاء، وأيامَه العبِقَة الزهراء؛ إذ المقامُ بعدئذٍ مقامُ شكرِ المُنعِم - سبحانه -: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧]. فاشكروه تعالى حقَّ شكره، واذكروه - جل وعلا - حقَّ ذكره؛ فقد وقفتُم بأزكى البِطاح ترجُون غفرانَ الذنوب والجُناح، وتأمُلون الفوزَ بالأجر والفلاح، وقد نقعتُم أنفسَكم وأرواحَكم في مُغتسَل المغفرة ونفحاتها، وسحجتُم الآثامَ بشآبيب الرحماتِ وهبَّاتها، تدعون ربَّكم بألسنةٍ طاهرة وقلوبٍ خاشعة ونفوسٍ مُنكسِرةٍ ضارِعة وأعيُنٍ بالعَبَرات سكَّابةٍ دامِعة. عيونٌ إلى الرحمنِ ترنُو ضراعةً فينهَلُّ فيضٌ من مدامِعِها سكبًا حجيجٌ كموجِ البحر في زحمةِ التُّقَى يُلبِّيه ربُّ العالمين إذا لبَّى فعلى صعيدِ عرفاتٍ لهَجتُم إلى الله بالتجاوُز عما كان من السيئات وفات، ووقفتُم - أحبَّتنا الحُجَّاج - موقفَ المُفتقِر المُحتاج، فأحرزتُم غايةَ الحُبور والابتِهاج، ونحرتُم الأضاحِيَ والهدايا بمِنَى، ورميتُم الجمرات للمُنى، وحلَّقَت أرواحُكم في أنداء الصفا بالسعي بين المروة والصفا، وعند الركن والمقام انهلَّت منكم العبَراتُ السِّجام. وعند الرُّكنِ تنحسِرُ الخطايا مُلملِمَةً جوانِحَها انهِزامًا فتنشرِحُ الصدورُ بطِيبِ ذكرٍ أماطَ الكربَ عنها والقَتَاما ومن كان بهذه المثابة؛ فأحرِ به أن يُكرِمَه المولى بعظيمِ الأجر والإنابة، وحقيقٌ به أن يعمُرَ بالبُرُور والقُرُبات أوقاتَه وأزمانَه، وأن يُطلِقَ دومًا للحسنات عِنانَه. فهنيئًا لكم، ويا بُشراكم بقول المصطفى ﷺ : «والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة»؛ خرَّجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁. الله أكبر؛ لكأنها كلماتٌ من لؤلؤ على بِساطٍ من سُندُس. معاشر الحَجيج الأكارِم: وها قد انعطفتُم في حياتِكم إلى عهدٍ جديدٍ، وميلادٍ مباركٍ سعيد، مُشرِقةٍ صفحاتُه، نقيَّةٍ أوقاتُه، سنيَّةٍ ساعاتُه، وها قد انقَضَت المناسِك؛ فماذا بعدُ أيها الناسِك؟! ألا فالزَموا المُداومَةَ على الأعمال الصالحة والثبات، والاستقامةَ عليها حتى الممات، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. وتزوَّدوا - يا رعاكم الله - من مناهلِ حجِّكم بالتوبة النَّصوح واليقين المتين، والنفسِ الزكيَّة، والسجايا السنيَّة لخوضِ غِمار الحياة بصالح الأعمال وخالصِ النيَّة، وحُسن استثمار هذه الدنيا الدنيَّة. قيل للحسن البصري ﵀: ما الحجُّ المبرور؟ قال: "أن تعودَ زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة". أمةَ الإسلام، حُجَّاج بيت الله الحرام: ومُقتضى الحجِّ المبرور: التغييرُ إلى مرافِئِ الرُّقِيِّ والحُبُور، وذلك بالاعتصام بحبل الله المتين، والتوادُدِ والاتفاق ونبذِ التنازُع والافتراق، والتواصِي بالصلاحِ ومكارمِ الأخلاق، واجتِنابِ المُوبِقات والمُنكراتِ ودواعِي النفاق. فطهِّروا ألسنتَكم من الكذبِ والغِيبَة والآثام، ومنكرِ القولِ والشِّتام، وزكُّوا قلوبَكم فإنها محلُّ نظرِ ذي الجلال والإكرام. فيا حُجَّاج بيت الله كونوا على المنهاجِ روَّادًا عِظامًا وتلك العُروةُ الوُثقى شِعارٌ فلا ترضَوا لعُروتها انفِصامًا معاشر المسلمين، والحُجَّاج الميامين: ولا بُدَّ لهذه المناسبة الكريمة ومناسِكِها العظيمة أن نستلهِمَ منها الآيات والعِبَر، والتذكُّر في صُروفِ الدَّهر وما له من غِيَر؛ فإن هذه الفريضةَ العظيمةَ منبعٌ ثرٌّ للتسامُح والتحاوُر، والتضامُن والتشاوُر، تتجلَّى فيها أسمَى صور الأمة الواحدة التي اجتمعَت على هدفٍ واحد، فلا ينبغي أن يمرَّ موسمٌ إلا وتعلَّمَت الأمةُ من هذا التجمُّع الكبير دروسًا بليغة، وخرجَت بطاقاتٍ فريدة، تُستَمَدُّ من هذه الجُموع المُبارَكة. وأرضُ الحرمين - حرسَها الله - منحَت العالمَ - بفضل الله - صُور المُسامَحة والتعاوُن، وقِيَم الأمن والأمان، وكم في هذه الفريضة من المشاهد الإسلامية والإنسانية، والصُور الحضارية التي لا تظهر إلا في هذه البِقاع الطاهرة، لتُدرِكَ الأمة أنها بغير الإيمان والعقيدة وبدون الاعتصام بالكتاب والسنة لن ولا ولم تكن شيئًا مذكورًا، وأن عواملَ الخلافِ والفُرقة لن تحمِلَ غيرَ الشتاتِ والضياع. وإننا باسم الأمة الإسلامية قاطبةً لنُناشِدُ من مهبِطِ الوحي ومنبَعِ الرسالة قادةَ الأمة وشُعوبَها القيامَ بدورهم التأريخي في العمل على بثِّ الأمن والاستقرار في مُجتمعاتهم، ونبذِ العُنفِ والقمعِ والقتلِ والعُدوان، ورفعِ الظلمِ والبغيِ والطغيان، مُدرِكين أن الوعيَ الحَصيفَ هو السبيلُ - بعد الله - لاختيار طريق التوحيد والوَحدة لا التخبُّط والاضطرابِ والفَوضَى. فالتحدِّيات المُتسارعة، والمُتغيِّراتُ المُتلاحِقة لهذه الأمة تستدعِي منها أن تعِيَ مخاطرَ المُستقبَل فتستشرِفَه بكل ثقةٍ واقتِدار، وها هو الزمانُ يسيرُ بنا سيرًا حثيثًا ولسانُ العِبَر والعِظات يتلُو علينا كلَّ يومٍ حديثًا، عروشٌ زالَت، ودولٌ دالَت، وأخرى انتصَرَت وقامَت، وكذا ذو المَنون تعثامُ الخِيَرة الأعلام والأعِزَّةَ الكرام والأقارِبَ والأرحام، أسكنَهم الله فسيحَ الجِنان، وجزاهم عنا وعن المسلمين أعظمَ الأجر والإحسان. وهكذا الدنيا راحلٌ بعد راحِل، وعِبَرٌ لكل مُتدبِّرٍ عاقل. فكونوا - يا عباد الله الكرام، ويا حُجَّاج بيته الحرام - من المُشمِّرين للدار الآخرة، الساعين للمنازل العالية الفاخِرة. أيها الإخوة المؤمنون: ومن شُكر المُنعِم المُتفضِّل ﷻ : التحدُّث بما حبَى الله بلاد الحرمين الشريفين - حرسَها الله - من شرفِ خدمةِ الحُجَّاج مُحتسِبَةٍ الأجرَ والمثوبةَ من الله - جلَّ في عُلاه -، ومُضيِّها في خدمةِ ضُيوف الرحمن مُستمِدَّةٍ العونَ من المولى ﵎، فخدمةُ الحُجَّاج والمُعتمِرين، ورعايةُ أمنِهم وطمأنينتهم تقعُ في أعلى مسؤولياتها وقمة اهتماماتها، مُستشعِرةً في ذلك عِظَمَ الأمانة المُلقاةِ على عاتقها. ومن فضل الله وتوفيقه تحقيقُها النجاحات المُتميِّزة في تقديم منظومةِ الخدماتِ المُتألِّقة في الجوانب كافَّتها، وهنا لا بُدَّ من إزجاء تحيةِ اعتزازٍ وتقدير، ودعاءٍ وتوقير للقائمين على شؤون وفود الرحمن بكل حِذقٍ وتفانٍ أن يجزِيَهم الله - سبحانه - خيرَ الجزاء وأوفاه، وأعظمَه ومُنتهاه. والدعاءُ موصولٌ للجُنود المجهولين الساهرين على خدمةِ الحَجيجِ وراحتهم على تنوُّع اختصاصاتهم، لا سيَّما في لجنة الحجِّ العُليا والمركزية والأمنية والعلمية والدعوية والصحية، لا حرمَهم الله ثوابَ ما قدَّموا، وأجرَ ما أحسَنوا، كِفاءَ ما أجدَعوا واجتَهدوا لإنجاحِ هذا الموسمِ العظيم باقتِدار، على الرغمِ من المحدودية المكانية والزمانية والظروفِ الإقليمية والمُتغيِّرات الدولية. وإننا باسم جُموع حُجَّاج بيت الله العتيق لنرفَعُ التهانِيَ مُضمَّخةً مُعطَّرة، والدعواتِ صادقةً مُؤرَّجَة لمقام خادم الحرمين الشريفين ووليّ عهده الأمين - حفظهما الله -، وللأمة الإسلامية جمعاء على ما منَّ به - سبحانه - من نجاحِ موسم حجِّ هذا العام بامتياز، فلله الحمدُ والفضلُ والشُكر على ما أنعمَ وجادَ، ووفَّق للسداد والرشاد، والأمن والاستقرار والإسعاد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعنا وإياكم بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولكافةِ المسلمين من كل خطيئةٍ وإثمٍ، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان للأوَّابين غفورًا. الخطبة الثانية الحمد لله وليِّ التوفيق والإصابة، أحمده - سبحانه - خصَّ من شاء من عباده بالحجِّ المبرورِ والمغفرة والإنابة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نرجُو بها من الرحمن دعوةً مُجابة، وأشهدُ أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله ذو القدرِ العليِّ والذاتِ المُهابَة، خيرُ من درَجَ على ثرَى أمِّ القُرى والمدينةِ طابَة، صلَّى الله عليه وعلى آلهِ الأطهارِ ذوِي المكارِمِ والنجابَة، وصحبِه الأخيار أُولِي النفوس الأبِيَّةِ المُستطابة، والتابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله ﵎ حقَّ التقوى، واعتصِموا لذلك بالعُروة الوُثقى، واعلًَموا - رحمكم الله - أن المولى - سبحانه - بعثَ فيكم رسولَه محمدًا ﷺ لتُعزِّرُوه وتوقِّروه، فيا بُشرَى من أجابَ دعوتَه ومُنادِيَه، وأفلحَ من امتثلَ أوامِرَه واجتنبَ نواهِيَه. أيها الحُجَّاج الميامين: وبعد أن قضيتُم مناسِكَكم، وزعمَ بعضُكم على زيارة مسجدِ المصطفى ﵊، وشدَّ لذلك المَطايا والرِّحال، هنيئًا لكم الحِلُّ والتَّرْحال، وليكن من بعلمٍ وحُسبان أن الزيارةَ ليست من واجباتِ الحجِّ وأركانه، وليس في تركها انثِلامُه أو نُقصانُه؛ بل الحجُّ - بفضل الله - تامٌّ صحيحٌ، وصاحبُه ذو عملٍ نَجيح، وأجرٍ عميمٍ رَبيح، وما يُذكَر من روايات ارتباطِ الزيارةِ بالحجِّ ضعيفةٌ موضوعة، أو واهيةٌ مصنوعة. ولكن من زارَ طيبةَ الطيبة قُربةً واحتِسابًا وحُبًّا لتلك المرابِعِ لُبابًا أثابَه الباري أجرًا وثابًا؛ أليست هي مأرِزَ الإيمان، ومُهاجَرَ سيد ولد عدنان ﵊ الأتمَّانِ الأكملان -؟! هذي دُونَكم طيبَةٌ ورُبُوعُها قد بُورِكَت في العالمين رُبوُعًا هذي المدينةُ قد تألَّقَ فوقَها تاجٌ يُرصَّعُ بالهُدى ترصيعًا هي مأرِزُ الإيمان في الزمنِ الذي يشكُو بناءُ المكرُماتِ صُدوعًا فيا أيها الزوَّار الأخيار: وأنتم تقدُمون مدينةَ المُصطفى المُختار - بأبي هو وأمي ﵊ تذكَّروا وجوبَ اتباعِ سُنَّته واقتِفاء محجَّته والارتِواءَ من سيرته؛ لأن في اتباعه الهُدى والصلاح والفوزَ والفلاح، وفي التمسُّك بسُنَّته السنيَّة وسيرتِه المُشرِقَة البهيَّة الشمسُ الساطِعة، والمِشعَلُ الوضَّاء، والسَّنَى المُتلألِئُ الذي يُبدِّدُ غياهِبَ الانحِرافاتِ العقديَّة، والمُمارَساتِ السلوكية، والنَّعَراتِ الطائفيَّة، ويرتقِي بالأمة إلى ذُرَى القِمَم الاجتماعية والحيَويَّة. وقد حذَّرَ المولى - سبحانه - من مُخالفة رسوله ﷺ في قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]. ومُقتضى طاعته ومحبَّته ﷺ : تعلُّم آداب زيارة مسجده الشريف وآداب السلام عليه وعلى صاحبَيْه - رضوانُ الله عليهما -، وآداب الإقامة في مدينته النبوية المُنوَّرة، لا زالت بالبركات مُحاطةً مُسوَّرة. وختامًا - إخوة الإيمان -: وأنتم في مهبِط الوحيِ على وداعٍ، ومن منبَع الرسالةِ على فِراقٍ والتِياع، لا نملِكُ إلا اغتِنام الفُرصة عن الضياع، مُردَّدين على الأسماعِ عبرَ الأصداءِ والأصقاع دعاءَ الأُخُوَّة والوداع: نستودِعُ اللهَ دينَكم وأمانتَكم وخواتيمَ أعمالكم، زوَّدكم الله التقوى، وغفرَ ذنوبَكم، ومحا حُوبَكم، وحقَّق آمالَكم وسُؤلَكم، وبلَّغَكم مرادَكم ومأمولَكم، وجعل حجَّكم مبرورًا، وسعيَكم مشكورًا، وذنبَكم مغفورًا، وأعادَكم إلى أهلِكم وديارِكم سالمين غانِمين مأجُورين غيرَ مأزورين، فرِحين مُستبشِرين، وعلى الطاعةِ دائبين، وعلى الاستقامةِ دائمين، إنه سميعٌ مُجيب. هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على خيرِ الورَى الحبيبِ المُجتبَى والرسولِ المُرتَضَى، كما أمركم المولى - جل وعلا -، فقال تعالى قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا»؛ خرَّجه مسلمٌ من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. صلَّى عليك الله ما قرأَ الورَى آيَ الكتابِ وسُورةَ الفُرقانِ مِنَّا السلامُ عليك ما هبَّ الصَّبَا فوقَ الرُّبَى وشقائقِ النُّعمانِ اللهم صلِّ على محمدٍ وآلهِ وأزواجِه وذريَّته، كما صلَّيتَ على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارِك على محمدٍ وآلهِ وأزواجِه وذريَّته، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهم عن الأئمة الأربعةِ الخلفاء الراشدين، الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، وسلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين، وسلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين، وسلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين، والمُسافِرين في برِّك وبحرِك وجوِّك أجمعين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح ووفِّق أئمَّتنا وولاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحقِّ إمامَنا ووليَّ أمرنا. اللهم وفِّق إمامَنا خادمَ الحرمين الشريفَين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيَته للبرِّ والتقوى، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحة التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وإخوانَهم وأعوانَهم إلى ما فيه صلاحُ الإسلام والمسلمين، اللهم اجزِهم خيرَ الجزاءِ وأوفرَه جزاءَ ما قدَّموا ويُقدِّمون لخدمةِ حُجَّاج بيتك الحرام. اللهم اجعل ذلك في موازين أعمالهم وصفحات حسناتهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمور المسلمين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى، واجعلهم لشرعِك مُحكِّمين، ولسنَّة نبيِّك ﷺ مُتَّبعين، ولأوليائك ناصِرين. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم اكشِف الغُمَّة عن هذه الأمة، اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين، اللهم احقِن دماءَ المسلمين، واحفَظ أمنَهم وإيمانَهم واستقرارَهم في كل مكان يا رب العالمين. اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى، اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى، اللهم أنقِذ المسجدَ الأقصى من المُحتلِّين المُعتدين، اللهم اجعله شامِخًا عزيزًا إلى يوم الدين، اللهم عليك بالصهايِنة المُعتدين، اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعلهم عبرةً للمُعتبرين يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم اغفر لفقيد الأمة الإسلامية سلطان بن عبد العزيز، اللهم اغفر له وارحمه، اللهم ارفَع درجاته في المهديِّين، اللهم ضاعِف حسناته في علِّيِّين، اللهم اخلُفه في عقِبِه في الغابِرين، اللهم اغفر لنا وله ولسائر المسلمين ولموتانا وموتى المسلمين يا رب العالمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِث قلوبَنا بالإيمان واليقين، وبلادَنا بالخيرات والأمطار والغيثِ العَميم. ربَّنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ووالدِيهم وجميعِ المسلمين الأحياءِ منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

стр. 53

خطبة المسجد الحرام - ٢٢ ذو الحجة ١٤٣٢ - ثبات الإسلام واستقراره - الشيخ صالح آل طالب الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله الذي أتمَّ على عباده حجَّ بيته الحرام، ويسَّر لهم السعيَ في ربوعٍ درَجَ فيها الأنبياءُ ﵈، فتلك عرفاتُ ومِنَى وهذا زمزمُ وذاك المقام، معالمُ للإسلام، ورُسومٌ لأنبياءٍ وأديان غبَرَت بها السنُونُ والأيام، وبقِيَت معالمُ تُذكِّرُ اللاحِقَ بالسابقِ من الأنام، استحضارٌ للأزمِنة، واستِنطاقٌ للأمكِنة بما مرَّ على ثَرَاها من أنبياء، وبما أُنزِلَت على جبالها من سُوَر، وأُرسِيَت عقائد، وشُرِع على سُفُوحها من شرائع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ختمَ الله به النبوَّات فنِعمَ الخِتام، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أما بعد، أيها المسلمون: حجَّاج بيت الله الحرام! في هذه الحياة نُظُمٌ ومناهجُ وأفكار، وبناياتٌ سامِقةٌ تراها كأعالي الأشجار، وحين تهبُّ الرياحُ العواصِف وتثورُ الزلازلُ القواصِف تنهارُ الصورُ الزائفة، وتسقُطُ البناياتُ المُشيَّدة وينكشِفُ عيبُها وخلَلُها. والمُتأمِّلُ اليوم يرى تسارُعًا في انهياراتٍ مُتعدِّدة؛ في المال والاقتصاد، والحكم والسياسة، والأفكار والمناهج، ويرى حيرةً كُبرى لأرباب المال، ودهاقِنة السياسات، ثم يلتفِت فيرى بناءَ الإسلام ثابتًا مُستقرًّا، أصلُه ثابتٌ وفرعُه في السماء. حين تتأمَّل مبادئ الإسلام في كل الجوانب ترى قِيَمًا راسِخَة البُنيان، عصيَّةً على الذوَبان؛ في العقيدة والفِكر، والعبادة والتشريع، والأخلاقِ والسلوك، صالحةً لكل زمانٍ ومكان، وهو تأمُّلٌ يجبُ على المسلم أن يتذكَّر فيه فضلَ الله عليه، ويستشعِرَ قيمةَ دينه وإنعامَ الله به عليه. أيها المسلم: لم يُنعِم اللهُ عليه نعمةً هي أوفَى ولا أمنَّ ولا أسبغَ من كونك مُسلمًا لله مع المسلمين، لا تسجُد لشجرٍ أو حجر، ولا تذِلُّ لحيوانٍ أو جمادٍ أو بشر، ولا تعبدُ غيرَ الله، فاهنأ بإسلامك، وانعَم بإيمانك؛ فقد هداك الله يوم ضلَّ غيرُك، وأرشدَك حين تاهَ سِواك، وأعِد التأمُّل والمراجَعة مُستمسِكًا بأساس دينك وقاعدة إيمانك، عارِفًا فضلَ إسلامك وعاقبةَ توحيدك، مُستبشِرًا بقول النبي ﷺ لمُعاذٍ ﵁: «ما من أحدٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صِدقًا من قلبه إلا حرَّمَه الله على النار»؛ رواه البخاري. وعنه: أن النبي ﷺ قال: «من لقِيَ اللهَ لا يُشرِكُ به شيئًا دخل الجنة»؛ رواه البخاري ومسلم. أيها المسلمون: ولهذا التوحيد معالمُ رسمَها النبي ﷺ وأوضحَ أعلامَها، ولهذه البُشرى شواهِدُ بيَّنها وأرسَى أركانَها، حريٌّ بالمُسلم أن يستمسِكَ بغَرزِها، وأن يحذَرَ التفريق حتى لا يحبَطَ عملُه، أو يضِلَّ سعيُه؛ فكم من تائهٍ وهو لا يدري، وكم من ضالٍّ يظنُّ أنه مُهتدِي؟! عن ابن عباس ﵄ أن معاذًا ﵁ قال: بعَثَني رسولُ الله ﷺ إلى اليمن، فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمهم أن الله افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمهم أن اللهَ افترضَ عليهم صدقةً تُؤخَذُ من أغنيائهم فتُردُّ في فُقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياكَ وكرائم أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حِجابٌ»؛ أخرجه البخاري ومسلم. لقد جعلَ أصولَ الإيمان: التوحيدَ، ثم الصلاةَ، ثم الزكاةَ، ثم حِفظَ الحقوق ومبدأ العدل المُطلق. أيها المسلمون: لقد كرَّم الله الإنسان، وشرعَ له ما يربَأُ به عن الخُرافات أو التعلُّق بالأوهام، وجعله حُرًّا لا يتعلَّقُ إلا بالله خالِقِه، وجعل التعلُّق بغير الله يُنافِي التوحيدَ اعتقادًا وعملاً؛ فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لعنَ الله من ذبحَ لغير الله، ولعنَ الله من آوَى مُحدِثًا، ولعنَ الله من لعنَ والديْه، ولعنَ الله من غيَّر منارَ الأرض»؛ رواه مسلم. كما حذَّرَ من النذر لغير الله، وجعله من عمل المُشرِكين؛ قال الله تعالى في كتابه المُبين: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام: ١٣٦]. ومن معالم هذا التوحيد: الاستعاذةُ والاستجارةُ بالله وحده دون سِواه؛ قال - سبحانه -: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]. ومن محاسن الدين القَويم: أن المسلمَ لا يدعو ولا يرجُو إلا الله، فليس بين المسلم وبين ربِّه وسائط؛ قال الله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥]، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]. فسمَّى الدعاءَ عبادة، وأمرَ رسولَه بإخلاصه له، فقال: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: ١٤]، وقال: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٦، ١٠٧]، وقال - سبحانه - لمن دعا غيرَه: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٧]، وقال - سبحانه -: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥]. بل سمَّى اللهُ دعاءَ غيره شِركًا؛ قال - سبحانه -: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣، ١٤]. عباد الله: إن مما أفسدَ الدين وحرفَ التديُّن: الغلوُّ والتنطُّع، والمُبالغةُ بغير علم، وقد قال النبي ﷺ : «إياكم والغلوَّ في الدين؛ فإنما أهلكَ من كان قبلَكم الغلوُّ في الدين»؛ أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة بإسنادٍ صحيحٍ. ولمُسلمٍ: «هلكَ المُتنطِّعون». قالها ثلاثًا. والله تعالى يقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء: ١٧١]. ومن الغلوِّ: الغلوُّ في تعظيم الأولياء والصالحين أو تعظيم آثارهم، وقد حذَّرَ النبيُّ ﷺ من ذلك، فقال: «لا تُطرُوني كما أطرَت النصارَى ابنَ مريم؛ فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه»؛ رواه البخاري. وعن شقيقٍ عن عبد الله ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إن من شِرارِ الناسِ: من تُدرِكُه الساعةُ وهم أحياء، ومن يتَّخِذُ القبورَ مساجد»؛ رواه الإمامُ أحمد. عباد الله: دينُ الإسلام كلُّه حسنٌ، وما نهى اللهُ عن شيءٍ إلا لضرره على الأفراد والمُجتمعات مما يُبطِلُ الإيمانَ ويُوبِقُ الإنسان؛ كالسحر وإتيان الكُهَّان؛ قال الله تعالى: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: ٦٩]، وقال: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: ١٠٢]، وقال - سبحانه -: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [البقرة: ١٠٢]. وكم تعلَّق بهذه الأوهام أُناسٌ أضاعوا دينَهم ودُنياهم، وانحدَرَت عقولُهم إلى درَكٍ من الخُرافات جعلوها دينًا ومنهجًا. فالحمدُ لله الذي كرَّمَنا بالإسلام. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنِبوا السبعَ المُوبِقات». قالوا: يا رسولَ الله! وما هنَّ؟ قال: «الشركُ بالله، والسحرُ، وقتلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذفُ المُحصنات الغافلات»؛ رواه البخاري ومسلم. وعند مسلمٍ: أن النبي ﷺ قال: «من أتى عرَّافًا فسألَه عن شيءٍ لم تُقبَل له صلاةٌ أربعين ليلة». وعند أبي داود: «من أتى كاهِنًا فصدَّقَه بما يقول فقد برِئَ مما أُنزِل على محمد». أيها المسلمون: ومن معالم الدين الحِسان: الارتقاءُ بالمحبة والعواطِف والولاء والتناصُر في وقتٍ سفُلَت بأهل الدنيا مبادئهُم، فأصبحَت المحبَّةُ والمُوالاةُ لأجل الدنيا ومصالحها؛ عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإيمان: أن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سِواهُما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله، وأن يكرَه أن يعودَ في الكفر كما يكرَهُ أن يُقذَفَ في النار»؛ رواه البخاري ومسلم. أيها المسلمون: الدينُ دينُ الله والشرعُ شرعُه، والواجبُ على من بلغَه كلامُ الله وسنةُ رسوله ﷺ أن يتبَعَ الحقَّ ويطرَحَ ما سِواه، ولا يتركَ القرآنَ والسنةَ لقول أحدٍ مهما كان، واللهُ تعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]. وقد ذمَّ الله الذين أطاعوا أشياخَهم في مُخالفة أمر الله ورسوله، فقال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١]. قال عديُّ بن حاتم ﵁: لما سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية، قلتُ: يا رسولَ الله! إنا لسنا نعبُدهم. قال: «أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله فتُحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله فتُحِلُّونه؟». فقلتُ: بلى. قال: «فتلك عبادتُهم»؛ أخرجه الإمام أحمد، والترمذي. اللهم بارِك لنا في الكتاب والسنة، وانفعنا بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، يُنعِمُ بالحسناتِ ويعفُو عن السيئات، وأشهد أن إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسولُ الله شهادةً عليها المحيا والممات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحابته ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أيها المسلمون: وتوحيدُ الاعتقاد يستتبِعُ توحيدَ العمل، فيجبُ على المسلم أن يُحبَّ ربَّه ويُخلِصَ له ويُعوِّلَ عليه، وأن تكون مشاعرُ نفسه وخلَجَاتُ قلبه مُتَّجِهةً إليه لا تعدُوه إلى سِواه، المسلمُ لا يدعو إلا الله، ولا يعبُد غيرَه، ولا يُطيعُ إلا أمرَه، ولا يُنفِذُ إلا حُكمَه، يُحِلُّ ما أحلَّ، ويُحرِّمُ ما حرَّم، ويقِفُ عند ما حدَّ، ويتحرَّكُ وِفقَ ما طلَب. المُسلمُ مُنتصِبُ القامةِ أمام كلِّ حيٍّ، فلا يحنِي ظهرَه إلا لله، ومعرفتُه لعظمة الخالق الأحَد ولهيمنَة الله التامَّةِ على الناسِ والكون تجعلُ مشاعِرَ الرغبَة والرهبَة مُستقيمةً في نفسه، فلا تنحرِفُ ولا تضطرب. ومن أجل ذلك كان امتلاءُ القلب بعقيدة التوحيد أساسًا لخِلال القوة والعِزَّة لا ينفكُّ عنها مُؤمنٌ صادق. عباد الله، حُجَّاج بيت الله الحرام: وفي كلِّ خِتامٍ يستحضِرُ المسلمُ أن مِعيارَ القبولِ هو إخلاصُ العاملِ لله، ومُتابعتُه رسول الله، وفضلُ الله واسع، ومن علامة قَبول الحسنةِ الحسنةُ بعدها، وعلامةُ الحجِّ المبرور: أن تعودَ خيرًا مما كنت، ومن طهُرَت صحيفةُ عمله بالغُفران فليحذَر العودَ إلى دنَس الآثام؛ فالنَّكثةُ أشدُّ من الجُرح، وليكن من الخير في ازدياد، فإن ذلك من علامة القبول. ثم الصلواتُ الزاكياتُ، والتسليماتُ الدائماتُ على أشرفِ خلق الله: محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، وارضَ اللهم عن الأئمة المهديين، والخلفاء المرضيِّين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومن سار على نهجهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رضاك، وهيِّئ له البِطانة الصالحة، اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين، اللهم جازِه بالخيرات والحسنات على خدمة الحرمين الشريفين والعناية بالحُجَّاج والمُعتمِرين، وأتِمَّ عليه الصحة والعافية، اللهم وفِّق وليَّ عهده وسدِّده وأعِنه على ما حُمِّل، واجعله مبارَكًا مُوفَّقًا لكل خيرٍ وصلاح. اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بَطَن. اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم اجمعهم على الحق والهدى، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وانصُرهم على من ظلَمَهم، اللهم سُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم. اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصرهم في فلسطين على الصهاينة المُحتلِّين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء. اللهم اقبل من الحُجَّاج حجَّهم، وأجِب دعاءَهم، اللهم اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، وأعِدهم إلى ديارِهم سالمين، اللهم تقبَّل منَّا ومنهم، وثبِّتنا وإياهم على الحق والهُدى، واختِم لنا بخيرٍ يا أرحم الراحمين. نستغفرُ الله، نستغفرُ الله، نستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيوم ونتوبَ إليه، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبقًا مُجلِّلاً نافعًا عامًّا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضرِ والبادِ. اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق. ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم. سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 54

خطبة المسجد الحرام - ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٢ - قصر الأمل وحسن العمل - الشيخ صالح بن حميد الخطبة الأولى الحمد لله خلقَ الليلَ والنهارَ، وقدَّرَهما مواقيتَ للأعمال ومقادير للأعمار، لا إله إلا هو جعلَ في مرورِ الأيامِ والليالي عِبَرًا لأهل هذه الدار، أحمده - سبحانه - وأشكره على عظيم آلائه والشكرُ سبيلٌ للمزيد والاستِكثار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً خالصةً مُخلِصة بصدق المُعتقَد وصحةِ الإقرار، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله النبيُّ الأُمِّي العربيُّ الهاشميُّ المُصطفى المُختار، صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله السادة الأطهار، وأصحابه البَرَرَة الأخيار، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الليلُ والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله - رحمكم الله -، فمن عرفَ الله أعطاه حقَّه، ومن أحبَّ رسولَ الله ﵌ لزِمَ سنَّته، ومن قرأَ كتابَ الله عمِلَ به، ومن أرادَ الجنةَ عمِلَ لها، ومن خافَ النارَ هربَ منها، ومن أيقنَ بالموت استعدَّ له. يقول عليُّ ﵁: "اشتدَّ خوفي من اثنين: طولِ الأمل، واتِّباعِ الهوى؛ أما طولُ الأمل فيُنسِي، وأما اتِّباعُ الهوى فيصدُّ عن الحق". أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: ٢٣]. أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله: ها أنت تُودِّعون عامًا، وتدلِفون لاستِقبال عامٍ آخر، وذلك كلُّه من أعمالكم وأيامكم، عامًا مضى بما أودَعتُموه من عملٍ، فمن أحسنَ فليهنَأ وليحمَد الله وليزدَد، وخيرُ الزاد التقوى، ومن كان غيرَ ذلك فلا يزالُ في الأجل فُسْحة، فليستعتِب، وربُّكم يتوبُ على من تابَ. اللهم اجعل عامَنا عامَ خيرٍ وبرَكة، وأيامَنا أيامَ أمنٍ وأمان، وسلامةٍ وإسلام، اللهم وفِّقنا فيه لصالحِ العمل، وجنّبنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن، واجمع اللهم كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى والصلاح، وأعِزَّ الإسلام وأهلَه، وأذِلَّ الطغاةَ وأعداء المِلَّة. أيها الإخوة: في تقلُّب الأيام وتصرُّم الأعوام فرصةٌ وفُرَص للمُراجَعة والمُحاسَبة، فطُوبَى لمن أخذَ العِبرَة، وفاضَت منه العَبْرة، والحسرةُ لأرباب الغفلة، فلينظُر العاملُ عملَه، وأين المُؤمِّلُ وما أمَّله؟! يا معشر العباد: أين الآباء والأجداد؟! وأين المرضى والأصِحَّاء والعُوَّاد؟! أفضَوا إلى ما قدَّموا، الموعدُ يومُ المعاد، والمُلتَقى يومُ التَّنَاد، يوم يُنفَخُ في الصور، ويُنقَر في الناقُور. يا عبد الله: السعيدُ من وُعِظَ بغيره، وإذا ذُكِرَ الموتى فعُدَّ نفسكَ منهم، فخُذ من حياتك لموتك، ومن فراغك لشغلك، ومن صحَّتك لمرضك، ومن غِناك لفقرك، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباحَ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وكلما قصُر الأمل جادَ العمل. كم من مُستقبِلٍ يومًا لا يستكمِلُه، وكم من مُؤمِّلٍ لغدٍ لا يُدرِكه، ومن رأى أجلَه ومسيرَه أدرك حقيقةَ الأمل وغرورَه، ومن أنفع أيام المؤمن ما ظنَّ أنه لا يُدرِكُ آخِره. يا وحيدًا بعد قليلٍ في قبره، يا مُستوحِشًا بعد أُنسٍ حين انقِضاء عُمره، تجمعُ الدنيا على الدنيا لغيرك، وينساكَ من أخذَ كلَّ خيرِك، هلاَّ تزوَّدتَ لمقرِّك. فبادِروا - رحمكم الله - بالصحةِ سقمَكم، واحفَظوا أمانةَ التكليف لمن ائتَمَنكم، لا شيء أقلُّ من الدنيا، ولا شيء أعزُّ من النفس، فاقنَع بالكَفاف، وصُن نفسَكَ بالعفاف، وقِف مُتدبِّرًا في حالك؛ فالمؤمنُ وقَّاف. يا عبد الله: أفضلُ الأعمال: أداءُ ما افترضَ الله، والورعُ عمَّا حرَّم الله، وصدقُ النيَّة فيما عند الله. واعلَم أن الرضا في طاعة الله؛ فلا تحقِرنَّ من الطاعة شيئًا، والسخَط في معصية الله؛ فلا تستصغِرنَّ من المعاصي شيئًا، وأشرفُ الأوقات ما صُرِف في طاعة الله، ولا تنظُر إلى صِغَر المعصية ولكن انظُر عِظَم من عصيتَ. والنفسُ إن لم تشغَلها بطاعة الله شغَلَتك بما لا ينفعُ، والقلوبُ كالقُدور تغلي بما فيها، والألسِنةُ مغارِفُها، والذنوبُ مفسَدةُ القلوب، والقويُّ من داومَ على الطاعة، والضعيفُ من غلَبَته محارِم الله. والعملُ بضاعةُ الأقوياء، والأماني بضاعةُ الضعفاء، والتُّؤدَةُ مُستحسَنةٌ في كل شيء إلا ما كان من أمر الآخرة: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه: ٨٤]. والبركةُ في أكل الحلال، والعملِ الحلال؛ فاللهُ طيبٌ لا يقبَلُ إلا طيبًا، وخزائنُه لا تنفَد فهو الرزاق ذو القوة المتين، والصدقةُ تدفعُ البلاء، وما نقصَ مالٌ من صدقة، وهل تُنصَرون وتُرزَقون إلا بضُعفائكم. والقناعةُ كنزٌ لا يفنَى، وراحةُ الجسم في قلَّة الطعام، وراحةُ النفس في قلَّة الآثام، وراحةُ القلب في قلَّة الاهتمام، وراحةُ اللسان في قلَّة الكلام، وأهلُ المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. والمهزومُ من هزمَته نفسُه، ومن لم يرضَ بالقضاء فليس لحبِّه دواء، والعيشُ مضمون، والرزقُ مقسوم، والهموم لا تدوم. ومن أرادَ أن تدومَ له السلامةُ والعافيةُ من غير بلاءٍ فما عرفَ التكليف، ولا أدركَ التسليم، والخيرُ كلُّه في الرضا. فإن استطعتَ - يا عبد الله - أن ترضى وإلا فاصبِر، والرضا يكون بسُكون القلب تحت مجارِي الأحكام. يقول حاتم الأصمُّ: "نظرتُ في أحوال الخلق؛ فإذا الذي أحببتُ من الناس لم يُعطِني، والذي أبغضتُه لم يأخُذ مني، فقلتُ في نفسي: من أين أُتيتُ؟ فرأيتُ أني أُوتيتُ من قِبَل الحسَد، فطرحتُ الحسدَ، فأحببتُ الناسَ كلَّهم، فكلُّ شيءٍ لم أرضَه لنفسي لم أرضَه لهم". ومن عرفَ شأنَه حفِظَ لسانَه، وأعرضَ عما لا يعنيه، وكفَّ عن عِرضِ أخيه، ودامَت له سلامتُه، وقلَّت ندامتُه. والمسلمُ من سلِمَ المسلمون من لسانه ويدِه، والمؤمنُ من أمِنَه الناس، والمهاجِرُ من هجرَ ما حرَّم الله، والمُسلمُ أخو المسلم لا يظلِمُه ولا يُسلِمه ولا يخذِله ولا يحقِرُه. وأقربُ الناس من رسول الله ﵌ يوم القيامة أحاسِنهم أخلاقًا، وما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه، وما نُزِع من شيءٍ إلا شانَه، وإن اللهَ ليُعطِي على الرِّفق ما لا يُعطي على العُنف، وصانِعُ المعروف لا يقع، وإن وقعَ وجدَ مُتَّكئًا. يا عبد الله: علِّق قلبكَ بربِّك، وخُذ بالأسباب، وليكن زادُك القناعة والصبر والشُكر والأمل مع إحسان العمل، وإحسان الظن، وإحسان النظر. وليكن زادُك الوقوف عند الحق، وعدمَ تجاوُز الحدِّ، والحرصَ على الورَع؛ طاعةً لله، ونفعًا للنفس، وقيامًا بالمسؤولية، ومن سلكَ ذلك حسُن إيمانُه، واجتمعَ عليه أمرُه، فلم يكن لوقتِه مُضيِّعًا، ولا في غير النافعِ والمُفيد مُشتغِلاً. ألا فاتقوا الله جميعًا - عباد الله -، ولا تكونوا كأصحاب نفوسٍ قسَت قلوبُها، وغلُظَت أكبادُها، وعظُم عن آيات الله حِجابُها فلا تعتبِر ولا تدَّكِر؛ فإن أقوامًا جاءَتهم آياتُ ربِّهم فكانوا منها يضحَكون، وأراهم ربُّهم آياتٍ كلُّ آيةٍ أكبرُ من أختها فكانوا عنها مُعرضين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٣، ٣٤]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله، الحمد لله مُوقِظ القلوبِ بالوعظ والتذكير، أحمده - سبحانه - وأشكره على خيره العَميم وفضلِه الوَفير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً مُبرَّأةً من الشرك كبيرِه والصغير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه البشيرُ النذير، والسراجُ المُنير، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ ومن على نهجِهم يسير، وسلَّم التسليم الكثير. أما بعد: فالإنسانُ بغير دينٍ ورقةٌ تُقلِّبُها الرياحُ، لا يستقرُّ له حال، ولا تُعرَف له وِجهة، ولا يسكُنُ له قرار: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣١]. الإنسانُ بغير دينٍ لا قيمةَ له ولا مكانة، قلِقٌ مُتبرِّم، مُتقلِّبٌ تائِه، لا يعرِفُ حقيقةَ نفسه، ولا حِكمةَ وجوده: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥]. الإنسانُ بغير دينٍ حيوانٌ بهيم، وسبُعٌ ضارٍ، لا تُعلِّمُه ثقافة، ولا يردَعُه وازِع، يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ [محمد: ١٢]، لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩]. والمُجتمع بغير دينٍ مُجتمعُ غابة، وإن بدَرَت فيه بوادِرُ حضارة، أو بدَت فيه أثَارةٌ من علمٍ، الحياةُ فيهم هي من نصيب الأشدِّ الأقوى وليس للأصلحِ والأتقى. العلومُ المُجرَّدة تدلُّ على الوسائل، ولا تقودُ إلى الغايات، وتُعطِي الأدوات ولا تُعطِي قيمًا وأهدافًا، علمٌ بظاهر الحياة الدنيا وأسبابِها، كما ذكر الله في أقوامٍ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم: ٧]. إن في ظاهر الدنيا من يزدادُ ثراؤهم بازدياد عِصيانهم ومُخالفاتهم، ولقد جاء في التنزيل العزيز: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٤٤، ٤٥]. إن من الخطَّائين من يُؤدَّبُ فيتأدَّب، ويُؤخَذ فيتراجَع، فالحِرمانُ له فِطامٌ عن الذنب، وطريقٌ إلى المثَاب. ومنهم من تتكاثرُ حولَه الدنيا كما تتكاثَرُ الأمواجُ على الغريق، فلا يزالُ يكرَعُ منها حتى يهلَك. إن أنواعَ الابتلاء وأنواع الجزاء أوسعُ من علمنا وإدراكِنا. فاستفتِحوا - رحمكم الله - عامَكم بالعمل الصالح، وأحسِنوا الظنَّ بربِّكم، وأصلِحوا ذاتَ بينكم. ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، وآمِنوا برسولِه يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحديد: ٢٨]، تُوبوا إلى ربِّكم من المعاصي، واستعِدُّوا ليومٍ يُؤخَذ فيه بالأقدام والنَّواصِي، قدِّموا الباقيةَ على الفانِية في هِمَمٍ عالية لعلكم تلحقون بمن عناهُم الله بقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة: ٢٤]. ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمدٍ رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين، واخذُل الطغاة والظلَمة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، واجمَع به كلمةَ المسلمين على الحق والهُدى يا رب العالمين. اللهم وفِّقه ونائِبَه وإخوانَهم وأعوانَهم لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى. اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم إن لنا إخوانًا مُستضعفين مظلومين قد مَّهم الضرُّ وحلَّ بهم الكرب واشتدَّ عليهم الأمر، تعرَّضوا للظلم والطغيان، سُفِكَت دماء، وقُتِل أبرياء، ورُمِّلَت نساء، ويُتِّم أطفال، اللهم يا ناصر المُستضعفين، ويا مُنجِي المؤمنين انتصِر لهم، وتولَّ أمرهم، واكشِف كربَهم، وارفَع ضُرَّهم. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، واجمع على الحق والهُدى كلمتَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأعِذهم من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطَن. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا، واجعل ما أنزلتَه قوةً لنا على طاعتك، وبلاغًا إلى حينٍ. اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنَع عنا بذنوبنا فضلَك. رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٧]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار [البقرة:٢٠١]. سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.