Полный текст (888 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حكم التكاسل عن أداء الواجب
السؤال
ما حكم التكاسل عن أداء واجب في أي عبادة؟
الجواب
لا يجوز أن يتكاسل العبد عن أداء الواجب في العبادة، سواء في عبادة الحج أو غيرها، والحنابلة عندهم: أن من ترك واجباً متعمداً بطلت العبادة، فيقولون في كتاب العدة: من تعمد ألا يقول: رب اغفر لي بين السجدتين فصلاته باطلة؛ لأن قول: رب اغفر لي ثلاثاً واجب عندهم، ومن تعمد ترك التشهد الأوسط في الصلاة فصلاته باطلة، أما التحقيق العلمي: هل هو راجح أم مرجوح؛ فهذه مسألة أخرى، وإنما المقصود أن نبين خطورة الترك المتعمد للواجب في أي عبادة.
стр. 37
محل الاضطباع والرمل في الطواف
السؤال
في أي نوع من أنواع الطواف يكون الاضطباع، وما هو الرمل، ومتى يكون؟
الجواب
لا يكون الاضطباع إلا في طواف القدوم أو طواف العمرة، وطواف القدوم للقارن والمفرد، وطواف العمرة للمتمتع، وكيفية الاضطباع: أن يكشف الحاج الكتف الأيمن عند بداية الطواف، ولا يكشفه قبل أن يشرع في الطواف، يعني: لا يكشفه من عند الإحرام؛ لأن من الخطأ أن يكشف عاتقه الأيمن من عند الإحرام، وعند السعي بين الصفا والمروة، وكذلك في عرفة ومنى! ويكون الاضطباع في السبعة الأشواط كلها، وأما الرمل فهو: إسراع المشي مع تقارب الخطى، ويكون في الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم أو طواف العمرة، أو عند السعي بين الصفا والمروة، لكن الآن يصعب على الحاج أو المعتمر أن يرمل لأنك لا تكاد تجد لقدمك موضعاً على الأرض لشدة الزحام، فأنت تمشي حسب استطاعتك، وأخيراً: ليس على المرأة اضطباع ولا رمل.
стр. 38
حكم الرمل لمن معه امرأة
السؤال
معي أمي، ويكون أحياناً من الممكن الرمل في الطواف أو السعي، فكيف أرمل وهي معي؟
الجواب
ليس عليك شيء؛ لأن الفتوى تقول: تابع الضعيف ضعيف، فالنبي ﷺ قد رخص للضعفاء بأن يتركوا مزدلفة بعد منتصف الليل، أي: بعد الساعة الثانية، فيذهبون إلى منى ولا ينتظرون إلى الفجر في مزدلفة، وعليه فمن كان معه ضعيف فليخرج معه، وذلك على اعتبار أن تابع الضعيف ضعيف، فيأخذ ذات الحكم.
стр. 39
حكم زيارة مسجد قباء ومقبرة البقيع وغيرها من المواطن، وحكم التكلف في أداء بعض المشاعر التي يحول دونها الزحام
السؤال
ما حكم بعض المسلمين الذين يصرون على زيارة أماكن تسمى بـ (المزارات)، وكذلك القتال من أجل أماكن معينة؟
الجواب
تجد بعض المسلمين في الحج يحرصون على الذهاب إلى المزارات! وهذه المزارات هي: مسجد قباء، ومقبرة البقيع، وشهداء أحد، ومسجد القبلتين وغيرهما، وكل هذا ما أثر عن الرسول ﷺ ، إلا مسجد قباء ففيه حديث صحيح، والبقيع بجوار المسجد النبوي، وما سوى ذلك فلا، كصعود جبل الرحمة يوم عرفة، فتجد القتال عليه من المسلمين! مع أن النبي ﷺ ما صعد هذا الجبل وما أمر بصعوده، ولذا فليس من السنة أبداً أن نفعل هذا، كذلك يظن البعض أنه لابد أن تكون الركعتان بعد الطواف خلف مقام إبراهيم حتى في وقت الزحام، مع أن فتوى اللجنة الدائمة تقول: إن الحرم كله مقام في حال الزحام، لأنه لا يمكن أن يصلي كل الطائفين خلف المقام، وأيضاً: القتال الشديد على تقبيل الحجر الأسود، فهذه أمور ينبغي أن نوضحها للناس حتى يكون حجهم مقبولاً.
стр. 40
حكم من أتى بعمرة في أشهر الحج ثم عاد إلى عمله وحج مفرداً بعد ذلك
السؤال
رجل يعمل في السعودية، وعمل عمرة في شوال، ثم عاد إلى عمله وحج مفرداً بعد ذلك، فهل يلزمه هدي أم لا؟
الجواب
عليه هدي؛ لأنه أوقع العمرة في أشهر الحج ولم يغادر السعودية، لكن لو أنه غادر السعودية إلى مصر مثلاً، ثم خرج من مصر حاجاً مفرداً فليس عليه دم.
وكذلك: لو أن رجلاً مدرساً من مصر -مثلاً- جاء له عقد عمل في جدة، فتوجه إلى جدة وما أراد عمرة ولا حجاً، ثم بعد أن وصل إلى جدة بدا له أن يعتمر، فهل عليه فدية لتركه الإحرام من الميقات؟ ليس عليه شيء؛ لأنه قصد جدة ولم يقصد مكة، ولم ينو عمرة ولا حجاً، بخلاف الذي خرج من بلده وهو قاصد، والله تعالى أعلم.
стр. 41
حكم من نسي ملابس الإحرام
السؤال
إذا نسي الشخص ملابس الإحرام في مخزن الباخرة، فهل يمر على الميقات بدون إحرام أم ماذا يعمل؟
الجواب
له أن يعمل الآتي: إما أن يأخذ ثوباً أبيض فيجعل منه إزاراً، وآخر يجعل منه رداء حتى يجد إحراماً، وهذا لا حرج فيه؛ لأن المقصود بالمخيط: هو ما يخيط على أعضاء الجسد، فإن أخذ قميصاً ووضعه إزاراً، والآخر رداءً فلا حرج كما قلنا، وهذا الأمر الأول، وإلا فله أن ينظر في أهل الباخرة لعله يجد مع أحدهم ملابس للإحرام فيحرم بها، لكن لو تعسر عليه تماماً فله أن يحرم من الميقات بملابسه، وإذا نزل إلى جدة خلع الملابس ولبس ملابس الإحرام وعليه دم؛ لأنه أحرم بعد الميقات.
стр. 42
حكم من اعتمر في رمضان ثم حج مفرداً في أشهر الحج
السؤال
إذا خرج الرجل من بلده إلى مكة في رمضان قاصداً العمرة، فاعتمر وظل في مكة حتى أيام الحج، فحج مفرداً، فهل عليه هدي؟
الجواب
ليس عليه هدي؛ لأنه أوقع العمرة في رمضان ولم يوقعها في أشهر الحج، إذا أوقعها في أشهر الحج لزمه هدي؛ لأنه في مكة لم يخرج منها.
стр. 43
شروط الهدي أو الفدية
السؤال
ما هي شروط الهدي أو الفدية؟
الجواب
شروط الهدي أو الفدية هي شروط الأضحية، وشروط الأضحية هي: أولاً: بالنسبة للسن: في الضأن لا تقل عن ستة أشهر، وفي الماعز سنة، في البقر سنتين، وفي الإبل خمس سنوات.
ثانياً: العوراء البين عورها، ومن باب أولى العمياء.
ثالثاً: العرجاء البين عرجها.
رابعاً: التولاء، وهي: التي تدور في المرعى ولا ترعى، والهتماء والجرباء ثم العضباء، وهي التي كسر أحد قرنيها.
وتجزئ البدنة أو البقرة عن سبعة أشخاص.
стр. 44
حكم الحج من المال الذي يودع في البنك مقابل فوائد
السؤال
رجل يودع ماله في البنك، وفي كل عام يرسل أناساً على نفقته ليحجوا من هذا المال، فهل يحجون أم لا؟
الجواب
يحجون والإثم على صاحب المال، لأن أصل المال حلال، والفوائد حرام، لأنها ربا، فهم يبنون على الحل، لتعذر الفصل بين الحلال والحرام، وهذه فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تعذر الفصل يبنى على الحل، والله تعالى أعلم.
стр. 45
حكم الجمع بين النذر والأضحية
السؤال
هل يجوز الجمع بين النذر والأضحية والأكل منها؟
الجواب
لا يجوز الجمع بينهما، لأن النذر واجب والأضحية سنة، ولا يجوز الأكل من النذر، ويجوز الأكل من الأضحية، فهذه نسك وتلك نسك، والله تعالى أعلم.
стр. 46
حكم إخراج النذر من غير ما نذر به
السؤال
إذا نذر الرجل أن يخرج ماعزاً، فهل له أن يخرج ضأناً؟
الجواب
لا يجوز، لابد أن يفي بما نذر به؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه بذلك، لكن إن ارتقى إلى الأفضل فلا بأس بذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 47
حكم نذر العقيقة
السؤال
من المعلوم أن العقيقة سنة، لكن لو نذر الرجل أن يخرج العقيقة، فما حكم ذلك؟
الجواب
أصبحت العقيقة في حقه واجبة، فيلزمه أن يعق، ولا يجوز له أن يأكل منها هو ولا أهل بيته، والله تعالى أعلم.
стр. 48
حكم لبس الجزمة للمحرم
السؤال
ما حكم لبس الجزمة للمحرم؟
الجواب
إذا كان الحذاء تحت الكعبين فلا شيء عليه، للحديث عند البخاري، والله تعالى أعلم.
стр. 49
بيان أن البدنة هي البعير
السؤال
هل البدنة هي البعير؟
الجواب
نعم.
стр. 50
حكم طواف الوداع للمعتمر
السؤال
ذهبت لأداء العمرة، ثم طفت طواف الوداع، ثم اشتريت بعض الأشياء وسافرت، فما حكم ذلك؟
الجواب
ليس على المعتمر طواف وداع، وهذا رأي جمهور العلماء، والله تعالى أعلم.
стр. 51
حكم من جمع بين عمرة عن نفسه وحجة عن غيره
السؤال
رجل يريد أن يحج عن والده الميت، وأن يعتمر عن نفسه، يعني: سيخرج من بلده يؤدي عمرة عن نفسه، ثم يحج عن والده، فهل هذا يجوز أم لا، وهل عليه هدي أم لا؟
الجواب
إذا خرج من بلده في أشهر الحج فله أن يلبي بعمرة عن نفسه: لبيك عمرة عن نفسي، ثم يظل في مكة إلى اليوم الثامن (يوم التروية)، ثم يحرم ملبياً بالحج عن أبيه: لبيك حجة عن أبي، وعليه هدي؛ لأنه أوقع العمرة في أشهر الحج، حتى وإن اختلفت النية، وهذه فتوى اللجنة الدائمة، والله تعالى أعلم.
стр. 52
حكم من عاد إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة بعد
السؤال
امرأة حجت ولم تطف طواف الإفاضة، وبعد أن عادت إلى بلدها تذكرت أنها لم تطف طواف الإفاضة، فما حكم ذلك؟
الجواب
عليها أن ترحل إلى السعودية لتطوف طواف الإفاضة، ثم يلزمها فدية إن جامعها زوجها، لأن طواف الإفاضة ركن، والأركان لابد من الإتيان بها، ولا يجبرها دم كالواجبات، ولذا فالمرأة قد تحللت التحلل الأصغر، ولم تتحلل التحلل الأكبر، وهذه فتوى اللجنة الدائمة، والله تعالى أعلم.
стр. 53
الفرق بين الإحرام والاستعداد له
السؤال
هل هناك فرق بين الإحرام والاستعداد له؟
الجواب
نعم، فهناك فرق بين الإحرام والاستعداد له، فلو أن رجلاً لبس ملابس الإحرام من المطار أو من بيته فلا حرج، لكن النية وانعقادها تكون من الميقات، وهو غير محاسب قبل الميقات، فلو لبس طاقية على رأسه وهو محرم قبل الميقات فلا شيء عليه، فيحاسب على المحظورات بعد الميقات، أما قبل الميقات فلا شيء عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 54
حكم الجلاّلة
السؤال
ما حكم الجلالة؟
الجواب
البهيمة التي تأكل النجاسات تحبس مدة زمنية حتى تتطهر.
стр. 55
حكم توكيل الحاج غيره في ذبح الهدي
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يوكل غيره في ذبح الهدي وتوزيعه في الحرم؟
الجواب
نعم، فللإنسان أن يوكل غيره في ذبح الهدي عنه، وتوزيعه داخل الحرم، ويذبحه في أيام التشريق، ولا يؤخره إلى بعد أيام التشريق، والله تعالى أعلم.
стр. 56
حكم لبس الثياب البيض للمرأة في الحج
السؤال
هل يشترط للمرأة أن تلبس الثوب الأبيض في الحج؟
الجواب
لا يجوز للمرأة أن تلبس الثوب الأبيض في الحج، لأن الرجل يلبس الأبيض فالمرأة مأمورة بأن تخالف، ولأن النبي ﷺ قد نهى المرأة أن تلبس ملابس الرجل، حتى وإن كانت في اللون، ولذا لابد أن يفرق بين الرجال والنساء، وأفضل ملابس المرأة هي: الأسود أو الكحلي أو البني، ألوان داكنة وفيها وقار وحشمة، وسواء هذا في الحج أو في غير الحج، أيضاً: لا يجوز للمرأة أن تلبس الملابس ذات الألوان المزركشة التي تلفت الأنظار، والله تعالى أعلم.
стр. 57
حكم تغطية المرأة لوجهها في الحج
السؤال
هل يبطل حج المرأة إذا غطت وجهها في الحج؟
الجواب
قال ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)، فالمرأة المحرمة منهية عن لبس النقاب، فإن لبست النقاب وغطى الوجه ولامسه فعليها فدية، لذا ينبغي عليها أن تسدل، وفرق بين الإسدال والنقاب، فالإسدال: أن ترخي الشيء على وجهها دون أن يمس البشرة، لقول أمنا عائشة: كنا إذا خالطنا الرجال أسدلنا، والله تعالى أعلم.
стр. 58
حكم من أعطى أباه مالاً ليحج قبل أن يحج هو عن نفسه
السؤال
رجل عنده مال، فهل يعطيه لأبيه ليحج، أم يحج عن نفسه؟
الجواب
يحج عن نفسه، وأبوه غير مكلف فتسقط عنه الفريضة، لكن لو أسقط عن نفسه الفريضة ومعه مال آخر فلا حرج أن يعطي أباه، وأما إن كان الأب قد مات فينبغي عليه أن يحج عنه إن لم يكن قد حج عن نفسه، ومثله: من كان عنده سعة من المال فله أن يحج عن زوجته، وذلك من باب حسن العشرة فقط، وليس من باب الوجوب عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 59
حكم النقاب إذا لامس وجه المرأة دون تعمد منها
السؤال
إذا لامس النقاب وجه المرأة دون تعمد منها، كأن يأتي هواء أو ريح فيلامس النقاب الوجه، فهل يلزمها فدية؟
الجواب
لا شيء عليها، لأنها غير متعمدة.
стр. 60
الإخبار بمنزلة الصحابة الأخيار
خير مجتمع وجد على وجه الأرض هو مجتمع النبي ﷺ ، وخير رجال على وجه الأرض بعد الأنبياء هم صحابة نبينا ﷺ الذين اختارهم الله لصحبة خير نبي، وعدلهم من فوق سبع سماوات، فبعداً وسحقاً لمن يطعن فيهم أو يتهكم عليهم أو ينتقصهم.
стр. 61
تفسير قوله تعالى: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريراً)
الحمد لله رب العالمين، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.
وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا إلى النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل الحديث مع سورة الإنسان، وقفنا عند قول ربنا سبحانه: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان:١٥ - ٢٦].
ما زالت الآيات تتناول نعيم أهل الجنة، وما أعد الله لأهل الجنة، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ [الإنسان:١٥] أي: يدور على أهل الجنة الخدم والولدان بأكواب من فضة، وبآنية من فضة.
قال ابن عباس: في بياض الفضة وصفاء الزجاج.
فحينما تكون الفضة صافية تعطي منظراً بديعاً، والآنية المعدة للطعام لأهل الجنة من فضة، لكنها آنية في صفاء أو في بياض الزجاج، وكذلك الأكواب والكيسان التي يشربون منها لا عرى لها، مقدرة تقديراً على حسب ريهم، وعلى حسب حجمها؛ بحيث لا تزيد عن الحاجة ولا تقل، ولا يبقى فيها شيء.
يقول ربنا سبحانه: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان:١٥].
وفي حديث حذيفة المتفق عليه يقول ﷺ : (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة).
أي: لا يجوز أن نستخدم أواني الذهب والفضة في شراب أو طعام، ويحرم علينا أن نتمتع بالأكل في هذه الأواني؛ لأنها للكفار والمشركين في الدنيا، ولنا في الآخرة، فأي نعيم في هذه الدنيا تمتنع عنه لأجل رضا ربك سبحانه يجازيك في الآخرة من جنسه.
فحرم عليك الحرير في الدنيا ففي الآخرة تلبس الحرير، حرم عليك الخمر في الدنيا ففي الآخرة تشرب الخمر، حرم عليك الذهب في الدنيا ففي الآخرة تلبس أساور الذهب، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:٢١]، وفي الآية الأخرى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١].
قال بعضهم: يلبسون تارة ذهباً، وتارة فضة.
قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦] مقدرة على حسب حاجتهم.
стр. 62
تفسير قوله تعالى: (ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً)
قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الإنسان:١٧]، ولا يطلق لفظ الكأس إلا على كأس الخمر، فتارة يشربون خمراً ممزوجاً بالكافور، وتارة ممزوجاً بالزنجبيل، والكافور بارد، والزنجبيل حار، فيجمعون بين هذا وهذا.
قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا﴾ [الإنسان:١٧] مختلطة ﴿زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان:١٧ - ١٨]، (سلسبيلاً) اسم عين في الجنة، سميت بهذا الاسم لسلاستها، وخروج الخمر منها بسهولة ويسر، ويتدفق على أهل الجنة حيث أرادوا وشاءوا، والأبرار يشربونها مختلطة، والمقربون يشربونها لا اختلاط فيها.
يقول ربنا سبحانه: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان:١٩] مخلدون في عمر واحدة، لا يتقدمون ولا يتأخرون، يخلدون على حسب أعمارهم، ولدان مخلدون يخدمونهم.
قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩] من جمالهم، يلبسون الأخراص في آذانهم، والحرير يكسوهم، منظرهم بهي، يقول ابن عباس: كل واحد من أهل الجنة يقوم على خدمته ألف خادم من الولدان المخلدين، فيا عبد الله! انظر إلى ما عند ربك من هذا النعيم والجزاء، ولذلك كان أصحاب النبي ﷺ ينظرون إلى الجنة نظرة يقين وإيمان، ويريدون أن تنتهي الحياة برضا الله، ولا يكون بينهم وبين الجنة إلا الموت، هذا الذي فعله أصحاب النبي ﷺ ، ثم يأتي من يطعن فيهم، ولقد اصطحبت معي فتوى دار الإفتاء المصرية في حكم تمثيل الصحابة سأذكرها لكم؛ لتعلموا أن هؤلاء لا يتورعون حتى عن مخالفة شيوخهم، ثم أذكر فتوى مجمع الفقه في مكة المكرمة في حرمة تمثيل الأنبياء والصحابة، ثم أذكر ما وجهه الشيخ: جاد الحق إلى الإذاعة والتلفزيون، وعلى المسئولين أن يتقوا الله في تمثيل شخصيات الأنبياء، أو زوجات الأنبياء، أو أمهات الأنبياء، أو أصحاب الأنبياء لاسيما أصحاب خير الأنام محمد صلى الله وعليه وسلم.
ثم نرد على الشبه التي أثيرت حول بعض الصحابة.
يقول ربنا سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠]، إذا رأيت يا رسول الله هناك في الجنة رَأَيْتَ نَعِيمًا، والنعيم في الجنة متعدد، والقرآن جاء ليقرب المعاني إلى الأذهان، يقول ابن عباس: ليس في الجنة نعيم إلا وله شبه في الدنيا إلا القوارير.
أي: إلا الأواني والأكواب التي من فضة، فهل رأيتم في الدنيا كوباً من فضة في صفاء الزجاج؟
الجواب
لا يمكن بحال، هذا قول ابن عباس، ولذلك ربنا يقول: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥] فليس من نعيم الجنة شيء يماثل نعيم الدنيا إلا في الاسم فقط.
وهناك من النعيم: الحدائق، والطيور، والأنهار والقصور وكل ما تشتهيه الأنفس، فضلاً عن الحور العين التي يرى مخ عظمها من خلف جسدها، إذا رأيتها كأنها القمر في ليلة البدر، ونظرها قاصر على زوجها، كلما جامعها عادت بكراً كما كانت، هذا فضلاً عن النعيم الأبدي الذي ليس بعده نعيم، وهو النظر إلى وجه الله سبحانه، فأي نعيم بعد هذا النعيم! يقول ربنا: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١].
يقول المفسرون: إذا دخل أهل الجنة الجنة يشربون من عين تنقي ظاهرهم وباطنهم.
أما الظاهر فتلقي عليهم نضرة في الوجوه، وأما الباطن: فتنزع من قلوبهم الغل والحسد، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
فليس في الجنة أحد يعطي ظهره لأحد، وإنما فيها التقابل والحب، وعدم الحسد، وعدم الغل، وعدم البغض، وفي الجنة لا يتغوطون ولا يتبولون، كلما أكلوا طعاماً لا يصابون بأذى، فلا تغوط ولا تبول.
стр. 63
تفسير قوله تعالى: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً)
قال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢]، هذا لعملكم في الدنيا، فيا عبد الله حياتك حياة قصيرة، فلو عشت (٦٠) سنة فمنها (١٥) سنة قبل التكليف، والباقي منها (٤٥) سنة، منها: (٢٠) سنة في النوم، ويبقى (٢٥)، منها: في الطعام والشراب والعمل ما يقرب من (١٥) سنة؛ إذاً: يبقى من حياتك (١٠) سنوات، من الستين.
فاحرص على نيل ما في الجنة، ولا تكن كمن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧].
يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢]، هل يستوي من يأتي إلى الفروض في جماعة، ومن يصوم في شدة الصيف، ومن يحجب زوجته عن الناس، ومن أغلق على نفسه داره في الفتن، ومن حفظ عينه من النظر إلى المحرمات، ومن اتقى الله في طعامه وشرابه، ومن استقام على حدود الله سبحانه، مع من فرط؟ فربنا سبحانه لا يسوي بين النقيضين أبداً.
قال : ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]، أي: مقبولاً، وإذا قبل الله العمل شكره .
стр. 64
تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً)
جاءت الآيات إلى خير الأنبياء محمد ﷺ فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان:٢٣].
قال ابن عباس: (نزلنا) أي: القرآن نزل مفرقاً على رسول الله، وليس كالكتب السابقة كانت تنزل جملة واحدة.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان:٢٤].
وإن تأملت في القرآن ستجد بعد الأمر بالصبر الأمر بالذكر والصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥].
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان:٢٥] فبعد الأمر بالصبر أمر بالذكر والصلاة؛ لأن مما يعين على الصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة هو الذكر، لذلك يقول الله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان:٢٤] أي: لقضاء ربك، ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤] وفي سورة الأحزاب: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:٤٨] فمن أراد أن يأخذك إلى الدنيا لا تطعه، لذلك جاء الأغنياء من المشركين إلى النبي ﷺ ، وقالوا: يا محمد اجعل لنا مجلساً وللفقراء مجلساً، فإن رائحة الفقراء تؤذينا، فنحن علية القوم لا نريد أن نجلس مع الفقراء، فأمهلهم النبي ﷺ في الجواب، فأنزل الله عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤] لأنهم يريدون أن يصدوك عن الطريق، فالطريق بين واضح.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان:٢٥] أي: في أول النهار وفي آخره، فهذه أوقات يستعين بها المسلم على أداء وظيفته في طاعة ربه.
قال ﷺ : (سددوا وقاربوا) أي: اسع إلى الكمال في العمل، فإن لم تستطع الكمال فقارب، قال: (سددوا وقاربوا، واستعينوا بالروحة -يعني: أول النهار- وشيء من الدلجة) والدلجة: هي الظلام، يعني: استعينوا في هذه الأوقات بطاعة ربكم في أول النهار وآخره، وفي الليل اجعلوا لكم نصيباً من طاعة الله، فهذا يعينك على ذكر الله، ويعينك على أداء الرسالة، ولذلك يقول الله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] أي: إذا فرغت من أعمالك، وكلما كان القلب غير مشغول استطعت أن تقبل على العبادة في حب وفي صفاء؛ لذلك أمرنا ألا نصلي ونحن ندافع الأخبثين، وأمرنا ألا نصلي في حضرة الطعام؛ حتى نقبل على العبادة بذهن صاف، وهذا يكون في الليل، كما قال : ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل:٦] يعني: مواطئة للنفوس، ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
فلابد أن تجعل لنفسك نصيباً في أول النهار من العبادة، وفي آخر النهار وفي الظلام، وهذا هدي النبي ﵊.
قال : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا * نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان:٢٥ - ٢٨].
يعني: أحكمنا خلقتهم، فتبارك الله أحسن الخالقين، أحكمها إحكاماً ما بعده إحكام في الخلق والتسوية.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان:٢٨] هذه الآية تدل على البعث، كما تدل على أن الله يستخلف أقواماً بعد أقوام.
﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان:٢٨].
وللحديث بقية، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 65
حكم تمثيل أصحاب رسول الله ﷺ والطعن فيهم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! المسلم يوطن نفسه، وليس إمعة، ويعالج المواقف من منظور شرعي، ولا يكن مع الناس إن أحسنوا أحسن، وإن أساءوا أساء، وإنما الأمور تقدر بمنظورها الشرعي من الكتاب والسنة.
وقبل أن أبدأ في قراءة فتوى دار الإفتاء، وفتوى المجمع الفقهي المنعقد بمكة المكرمة بشأن تمثيل أصحاب رسول الله ﷺ ، أذكر مسألة: هل يجوز شرعاً أن يمثل ممثل معاوية أو عمرو بن العاص أو بلالاً أو غيرهم من الصحابة ﵃؟ ففي تمثيلة (حلم فجر الإسلام) أتوا بـ بلال وخرج يؤذن، وصوته قبيح، فهل هذا هو بلال؟ نسأل الله العافية، وهكذا مثلوا سمية، وعماراً، وطلحة، وأبا موسى الأشعري وغيرهم من أصحاب رسول الله ﵊، بل عرض فيلم لشخصية موسى ﵇، وكان من الممثلين من قام بدور موسى، قام بذلك وهو سكير عربيد أحمق، نسأل الله العافية، يقول ﷺ : (من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي).
إذاً: الله عصم الأنبياء من أن يتمثل الشيطان في صورتهم؛ لما لهم من الكمال، وكذلك لا يمكن لمخلوق منا أن يصل إلى درجة الأنبياء، فلهم الكمال الخلقي والخلقي، فكيف آتي برجل وأجعله ممثل دور نبي، أو دور صحابي؟! والصحابة بإجماع أهل السنة كلهم عدول، لذلك قالوا في الحديث المرسل: هو ما رفعه التابعي إلى رسول الله، يعني: أن التابعي قال: قال رسول الله، فإما أن يكون أسقط منه تابعياً، وإما أن يكون أسقط منه صحابياً، فإن علمنا أنه أسقط الصحابي، فلا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول لا يخضعون لجرح أو تعديل، يعني: في علم الجرح والتعديل لا يمكن أن تبحث في درجة الصحابي وتنظر هل هو ثقة أو غير ثقة، كما أنه لا يمكن أن تقول عن صحابي: إنه كذاب، لا يمكن بحال، فلا يخضع الصحابة لعلم الجرح والتعديل؛ لأن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن الصحابة كلهم عدول.
وهذه فتوى لفضيلة الشيخ جاد الحق، صدرت في (٧) شوال سنة (١٤٠٠هـ) الموافق: (١٧) أغسطس (١٩٨٠م) وفيها: هل يجوز تمثيل شخصيات الأنبياء والصحابة؟ فأجاب عنها، وبعد أن أجاب قال: وإني لأهيب بالمسئولين عن الإذاعة والتلفزيون أن يبادروا إلى تصحيح ما وقع من تجاوز في هذا المسلسل، إن كان ما ألمحت إليه الأهرام فيما نشرت صحيحاً، وأهيب بالمسئولين عن الثقافة في المسارح أن يعيدوا النظر فيما لديهم من قصص من القرآن أو السنة الشريفة، وأن يرفعوا كل ما كان فيه من تشخيص لنبي، أو زوجته أو ولده، أو والده أو والدته، أو أحد أصحابه؛ لأن هذا ينطبق على الأنبياء وعلى صحابتهم.
فلا يجوز أن يمثلوا بحال، ومن أجل هذا أهيب بالمختصين في مجمع البحوث الإسلامية أن يتخذوا الإجراءات القانونية، في حال ثبوت مخالفة النصوص المعتمدة في القصص القرآني، أو المستمدة من السيرة النبوية لوقف إذاعتها، أو إخراجها تمثيلاً أو تصويراً.
هذا ما قاله في الفتوى، ولا أدري ماذا حدث لمجمع البحوث حتى وافقوا على أن يمثل أصحاب رسول الله، أو أن تمثل زوجة نبي، أو ابنة نبي، فهذا مخالف للشرع، فيا أهل الحل والعقد! أستحلفكم بالله أن توقفوا هذا الهراء في شأن أصحاب رسول الله، فهذا عمرو بن العاص جاءت في حقه أحاديث منها: قوله ﷺ : (أسلم الناس وآمن عمرو)، فهذا ثناء على عمرو.
ومعاوية فيه أحاديث منها: (أول جيش يركب البحر مغفور له) وأول جيش ركب البحر هو في خلافة معاوية.
أما فتوى مجمع الفقه الإسلامي بالقرار الثابت بإجماع العلماء فقال: إن مقام النبي ﷺ عظيم عند الله وعند المسلمين وانتهوا إلى حرمة تمثيل الأنبياء، ثم قال: وكذلك يمنع ذلك في حق الصحابة، فإن لهم من شرف الصحبة والجهاد مع رسول الله ﷺ ، والدفاع عن الدين، والنصح لله ورسوله، وحمل هذا الدين والعلم إلينا ما يوجب تعظيم قدرهم، واحترامهم وإجلالهم، فلا يجوز أن يمثلوا بحال.
هذه فتوى مجمع الفقه بإجماع أهل العلم، فهاتان فتويان واضحتان بينتان، ومع هذا كله تغاضوا عنهما، وأصبحوا الآن يقدحون في أصحاب خير الأنام محمد، فنقول: لصالح من؟ ولحساب من؟ وقديماً كان الرافضة الشيعة يقعون في أبي بكر، ويقعون في عمر، ويقعون في عائشة، ويقعون في أصحاب رسول الله عليهم الصلاة والسلام، فألف ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب.
ثم ختم بأبيات لـ عبد الله بن المبارك قال فيها: فلا أسب أ
стр. 66
الرد على من طعن في حديث ولوغ الكلب في الإناء
أيها الإخوة الكرام! أختم الخطبة بأمر دأب بعض العلمانيين على ذكره: في مقال صحفي كتب كاتب تحت عنوان: علماء ومشايخ القرون الوسطى.
كتب الكاتب الذي لا أدري من الذي صرح له أن يكتب في جريدة نقرؤها جميعاً، وتصدر في مصر، يقول: استمعت إلى حديث في التلفاز، فإذا بالمتحدث شيخ يسمى كذا، ذكر حديثاً قال فيه النبي ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب).
أو قال: (أولاهن بالتراب).
ثم ذكر الشيخ أن التراب يقضي على الميكروبات التي تنزل من سؤر الكلب، فيقول: وإني أتعجب لهذا القول، فهل معنى ذلك أن نقتني تراباً في بيوتنا لنقضي على الميكروبات عند اقتناء الكلاب؟ فنقول له: ألا تعلم أن اقتناء الكلاب حرام؟ لكنك لا تعلم كيف تعلم؟ ثم يقول: وإني أهيب بالمسئولين أن يمنعوا مثل هذا الشيخ من هذا الهراء، وهذه الأحاديث الموضوعة! فنقول له: هل البخاري فيه أحاديث موضوعة؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم عاد يسخر ويقول: متى تخلصونا من هؤلاء الشيوخ مشايخ القرون الوسطى؟ فنقول لهذا وأمثاله: يا أهل التقدم والتحضر، يا أصحاب العقول العفنة! نحن لا نكذب نبينا ﵊ لأجل تحضركم، ولا نطعن في صحيح إمام تلقته الأمة بالقبول لأجل أن عقولكم لم تتقبل، فعقولكم لا وزن لها لا عند الله ولا عند الناس، فكيف تعرض النص على عقلك، فإن قبله العقل قبلت، وإن رفضه العقل رفضت؟ هذا ليس هو سلوك الموحد، إنما سلوك الموحد أنه طالما صح النص يقول: سمعاً وطاعة، سواء أثبت العلم أو لم يثبت، فهذا إجرام ما بعده إجرام، فماذا يبقى للأمة بعد الطعن في البخاري؟ وما يبقى للأمة بعد الطعن في القرآن؟ وما يبقى للأمة بعد التعريض بأصحاب خير الأنام؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا.
اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، ونسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ونسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين، اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل بقاع الأرض، اللهم عليك برءوس الكفر وأئمتهم، اللهم مكنا منهم؛ فإنهم لا يعجزونك.
اللهم انصر الإسلام نصراً عزيزاً مؤزراً، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 67
التاريخ الأسود لليهود
إن تاريخ اليهود تاريخ أسود، يحمل في طياته الإصرار على الذنب، والكفر بالله وبأنبيائه، وهم يدعون أن الأقصى مبني على أنقاض هيكلهم المزعوم، والعجيب أنهم يريدون إقامة الهيكل لنبي الله سليمان وفي نفس الوقت يطعنون في ذاته، وهذه هي طبيعة اليهود على مر التاريخ.
стр. 68
تاريخ اليهود وعقيدتهم الفاسدة
الحمد لله رب العالمين ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً هي له كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٤ - ١٦]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيفما شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا إلى طاعتك، وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا نهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أحبتي الكرام! ثبت في الأثر عن مجاهد أنه قال: ملك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فهما: سليمان بن داود ﵉، وذو القرنين ﵇، وأما الكافران فهما: النمرود بن كنعان وبختنصر، وحديثنا اليوم مع واحد من هؤلاء، نبي ابن نبي، زعم إخوان القردة والخنازير أنهم يريدون هدم الأقصى ليقيموا على أنقاضه هيكله، فما قصة الهيكل المزعوم؟ ومن هو سليمان؟ وما هي النعم التي أعطاها الله له؟ ثم مقارنة بين تكريمه في القرآن وبين سبه ولعنه في التوراة التلمود، التي حرفت بفعل فاعل، وقال ربنا فيها: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].
يزعم اليهود أن الأقصى الآن قد بني على أنقاض الهيكل، وأنه لا بد من إزالة الأقصى لإقامة الهيكل، ورغم أنهم يريدون إقامة الهيكل لنبي الله سليمان، إلا أنهم يطعنون في ذات سليمان، فهيا بنا جميعاً نستعرض تاريخهم الأسود؛ لنبين فيه عقيدتهم في الله، وعقيدتهم في رسل الله، وحالهم مع سيد البشر محمد ﷺ ، لعلنا إخوتي الكرام! نستبين سبيل المجرمين، ونعرف العدو من الصديق.
стр. 69
عقيدة اليهود في رسل الله وأنبيائه
اليهود في توراتهم طعنوا في كل رسل الله وأنبياء الله، فلوط زنى ببنتيه زنى بمحارم، ونوح شرب الخمر حتى أخذت برأسه، وإبراهيم قدم زوجته للملك الظالم ليفعل بها الفاحشة ويتاجر في عرضه، وهارون عبد العجل من دون الله ، وعيسى تآمروا على قتله، وقتلوا يحيى وزكريا، أما النبي محمد ﷺ فأنتم تعلمون ما صنعوا معه بعد خيبر، فقد قربوا له شاة مسمومة، وجاء الوحي ليخبر الحبيب ﵊ بتآمرهم، فإن كانوا قد تآمروا منذ زمن على الحبيب محمد ﷺ ، فهم يتآمرون اليوم على شرعه، ويتآمرون اليوم على سنته: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، قالوا عن سليمان: إنه ساحر، وقالوا عن سليمان: إنه كان يعشق النساء وانشغل بعشقهن عن طاعته لربه.
стр. 70
عقيدة اليهود في الله سبحانه والملائكة والجنة والنار
أحبتي الكرام! هذا شأن اليهود مع أنبياء الله ومع رسل الله.
أما إلحادهم في عقيدتهم في الله فنقرأ في كتاب ربنا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، ألحدوا في الجنة والنار، فقالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، وألحدوا في حق الملائكة حينما بينوا للنبي ﷺ أن جبريل هو عدوهم، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧]، ومن إلحادهم في النار قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠].
стр. 71
ذكر بعض النعم التي أنعم الله بها على سليمان
أحبتي الكرام! لقد أنعم الله على سليمان بنعم عديدة.
стр. 72
نعمة الفهم في العلم
الأولى: أن الله آتاه نعمة الفهم في العلم، وأعتقد أن سوء الفهم هو الذي مزق الأمة إلى فرق وجماعات، فالخوارج كفروا مرتكب المعصية بكبيرته من سوء فهمهم، والمرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة، فنزعوا العمل من مسمى الإيمان؛ لسوء فهمهم، والمعتزلة قالوا عن مرتكب الكبيرة: إنه في منزلة بين المنزلتين في الدنيا وفي الآخرة ومخلد في النار؛ لسوء فهمهم، والجبرية قالوا: إن العبد لا اختيار له، إنما هو كالريشة في مهب الهواء لا اختيار له وهو مسير، فلماذا يحاسبه الله؟ لسوء فهمهم، والروافض الشيعة الأشرار وقعوا في أصحاب سيد البشر ﵊؛ لسوء فهمهم، ولذا فأقول: سوء الفهم مشكلة الأمة؛ ولذلك الإمام البخاري يضع في كتاب العلم باباً يحمل هذا العنوان: باب الفهم في العلم، وليس حفظ النص هو المشكلة، المشكلة أن تفهم ما في النص، والأفهام تختلف؛ ولذلك انظر أخي الكريم! إلى تلك النعمة، يقول ربنا في حقها: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩]، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان إذا سئل عن تفسير آية يقرأ لها مائة تفسير، ثم يذهب إلى أحد المساجد ويسجد بين يدي ربه ويقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني! ويا مفهم سليمان فهمني! فالفهم رزق وعطاء وحكمة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩].
القصة كما جاءت في كتب التفاسير: أن رجلاً ترك غنمه فنزلت في زرع رجل بالليل فأفسدت عليه زرعه فتحاكما إلى داود ﵇، فقدر داود ما أتلفت بقيمة الغنم، وحكم بالغنم لصاحب الزرع تعويضاً له عما أتلفت، لكن عندما خرجا من عنده لقيهما سليمان فقال لهما: بم قضى بينكما أبي؟ قالا: بكذا، فعاد بهما وقال لأبيه: إني أرى فيها رأياً، قال: ما تقول يا بني؟! قال: أرى أن ندفع الزرع لصاحب الغنم، وأن ندفع الغنم لصاحب الزرع، أما صاحب الزرع فيأخذ الغنم ينتفع بأصوافها وألبانها وسمونها، وأما صاحب الغنم فيأخذ الزرع ويقوم بزراعته ورعايته حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحبها ويعود الزرع إلى صاحبه، فقال ربنا سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
وابن عباس على حداثة سنه يجلسه عمر مع كبار أصحاب رسول الله ﵊ ممن شهد بدراً، فيقرأ على مسامعهم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ثم يسألهم عما فهموا من السورة، فإذا بـ ابن عباس يفهم غير ما فهم الجميع، يقول: يا عمر! أرى أن هذه السورة نعي من الله للحبيب محمد، أي: إشارة إلى اقتراب أجله ودنو عمره ومفارقته للحياة، من أين فهم؟ من قول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر:٩٨]، والاستغفار عادة يكون في ختام الشيء، فختام المجالس الاستغفار، وختام الصلاة الاستغفار، فإن الله قد أمر نبيه بالاستغفار، إذاً: حياة النبي أوشكت على النهاية، وهكذا فهم ابن عباس من النص ما لم يفهمه الكبار.
روى البخاري عن ابن عمر ﵂ قال: (خرج علينا النبي ﷺ -والإمام البخاري يأتي بهذا الحديث كعادته في أكثر من موضع، ففي موضع في كتاب العلم يقول: باب الفهم في العلم، ثم يعود فيقول: باب الإمام يطرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من علم- فقال: (إن من الشجر لشجرة لا يسقط ورقها، مثلها مثل المؤمن، حدثوني ما هي؟ يقول ابن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي)، والحديث في كتاب البيوع: (أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهو يأكل جماراً)، والجمار: قلب النخلة.
يقول ابن حجر: وفيه جواز بيعه؛ لأن ما جاز أكله يجوز بيعه، ومن ثم أخرجه البخاري في كتاب البيوع، وهذا هو فقه البخاري في تبويبه وتراجمه كما قال العلماء، يسأل النبي ﷺ وهو يعلم الإجابة.
قال: (فوقع الصحابة في شجر البوادي فحدثتني نفسي أنها النخلة، ولكن منعني الحياء أن أتحدث في حضور أصحاب رسول الله ﵊، أدب يا عباد الله! صغير يوقر الكبير، رغم أنه يعلم، قال: كيف أتحدث في وجود أبي بكر وعمر وأبي هريرة وكبار أصحاب رسول الله ﵊؟ وقد دار في نفسي أنها النخلة ومنعني الحياء.
والبخاري لف
стр. 73
تعليم سليمان ﵇ منطق الحيوان
من النعم التي أعطاها الله لسليمان بعد نعمة الفهم في العلم: أن الله علمه منطق الطير، وفي قصة النملة معه دروس وعبر فضلاً عن حوار الهدهد، فيا ليتنا نستنبط الدروس من الآيات.
يقول ربنا سبحانه عن قصته مع النملة: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨].
فإن سليمان لو شعر بالنملة وبأمة النمل ما داسها؛ لذلك قالت النملة: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]، فكم من دولة عتيدة عظيمة جبارة تريد أن تبتلع دولة صغيرة، وكم من صاحب قصر داس على صاحب كوخ، وكم من رجل آتاه الله قوة فاستغل قوته في البطش والتعدي على من لا ينبغي له أن يتعدى عليهم، إن النملة لها حق الحياة، فلا ينبغي أن يصادر حقها في الحياة أبداً، ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل:١٨]، قال ابن القيم ﵀: هناك دروس مستفادة من كلام النملة مع بني جنسها.
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أننا كنا بدلاً من النملة لتنحينا جانباً وتركنا الباقي ليقتل، لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر، لكن النملة أحبت لبني جنسها ما أحبت لنفسها، وهذا هو المعنى الغائب في معنى الأخوة، الأخوة ليست شعارات، الأخوة عمل وترجمة، انظر إلى حال السلف الصالح: رجل فقير يهدى إليه ذراع شاة، فيأخذ الذراع ويقول: أخي فلان أشد حاجة مني، فيطرق الباب ويعطيه، فيقول الآخر: أخي فلان أشد حاجة مني، فيعطيها إلى الثالث، والثالث إلى الرابع، والرابع إلى الخامس، وتنتقل ذراع الشاة بينهم حتى تصل إلى صاحبها الأول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
يقعون في أرض معركة فيحتضرون عطشاً، وكل يحتاج إلى قطرة ماء قبل موته ليشرب وهو معذور، الروح تخرج والعطش شديد، وإن شرب لا حرج عليه، يأتي الساقي إلى الأول فيقول له: خذ الماء واشرب فأنت الآن مفارق للحياة.
فيقول: اذهب بالماء إلى أخي الذي بجواري فإنه أشد حاجة للماء مني، فيذهب إلى الثاني فيقول: اذهب إلى الثالث فالرابع! وهكذا مشهد يا ليتنا نعيش ذلك المشهد، حتى يصل إلى الأخير فيأمره أن يعود إلى الأول، فيأتي إلى الأول فيجده قد فارق الحياة، والثاني فارق الحياة، والثالث فارق الحياة، وهكذا ماتوا جميعاً دون أن يشربوا، لكنهم شربوا عند الله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]، فأين هذا المعنى يا عباد الله؟! النملة حريصة: ((يَا)) نداء، ((أَيُّهَا)) تنبيه، ((النَّمْلُ)) جمع، ((ادْخُلُوا)) أمر، ((مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ)) نهي، ((سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ)) خصصت وعممت، ثم أحسنت الظن بقولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨].
سليمان تبسم ضاحكاً من قولها، والأنبياء كان ضحكهم تبسماً، تقول أمنا عائشة ﵂: (ما رأيت النبي ﷺ مستجمعاً ضاحكاً)، أي: ما رأيته يفتح فاه هكذا، ولم يكن يضحك بصوت مرتفع ولا بقهقهة، إنما كان ضحكه تبسماً ﵊.
قالت: (ما رأيت النبي مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته)، واللهوات: في مؤخرة الفم، ونحن الآن نتنافس ونقول: المسرحية بها ثلاثة آلاف ضحكة.
وكثرة الضحك تميت القلب، فيا ويل الذين يضحكون الناس بكذب، قال في حقهم النبي ﷺ : (ويل له، ويل له، ويل له، قالوا: من يا رسول الله؟! قال: الذي يكذب الكذبة ليضحك الناس).
أحبتي الكرام! كذلك في قصته مع الهدهد دروس وعبر، قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل:٢٠]، وكلمة ((تَفَقَّدَ)) تشير إلى معنى: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، فيا من تملأ البطن، وتنام في بروج مشيدة، وتترك الفقراء لا يملكون طعاماً، سيسألك ربك يوم القيامة، اسمعوا إلى قول عمر وهو في المدينة: لو تعثرت بغلة في العراق لسئلت عنها: لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟! إن البغلة في أمة الإسلام لها حق، فلا بد لكل ولي أمر أن يتفقد رعيته، فكم من مظلوم لا يجد من ينصره، وكم من جائع لا يجد من يطعمه، وكم من فقير لا يجد من يؤويه، وكم من يتيم لا يجد من يكفله.
حدث ولا حرج يا عبد الله! كلهم أمانة في رقبة ولي الأمر يوم القيامة، وأنت في بيتك راع ومسئول عن رعيتك، فيا من تصلي في الصف الأول، ويا من تقرأ القرآن ثم تترك لبنتك حرية اختيار زيها، فتلبس البنطال وتخرج بعورتها المغلظة.
اعلم أنك ستحاسب بين يدي الله يوم لقيامة.
أحبتي الكرام! قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِين
стр. 74
عرض سريع لوقائع في غزوة الأحزاب ومقارنتها بالعذاب النازل على الأمم السابقة
أختم الحديث بعرض سريع لوقائع في غزوة الأحزاب لوجه الشبه بينها وبين واقعنا اليوم.
تآمر المشركون على رسول الله ﷺ ، كل قوى الشرك اجتمعت من كل فج عميق، فاليهود خرجوا إلى مكة وإلى المنافقين والمشركين، وجمعوا كل قوى الشرك؛ حتى يقضوا على الإسلام في مدينة رسول الله ﷺ ، وكأني بهم اليوم يجتمعون أيضاً، لكن انظر يا عبد الله! جمعوا عشرة آلاف، والمدينة بأطفالها ونسائها ثلاثة آلاف، أي: لا قبل للمدينة بتلك القوى، فماذا كانت النتيجة؟ استشار النبي أصحابه، ونزل على رأي سلمان الفارسي، فحفر خندقاً ليحول بين المشركين وبين دخولهم المدينة، وبينما هم يحفرون الخندق يقول أصحاب النبي محمد ﷺ : كنا نرى النبي ﷺ وقد ربط على بطنه حجراً من شدة الجوع، والتراب يعلو لحيته ورأسه ﷺ ، وإذا به ينظر إلى أصحابه فيجد الجوع في وجوههم، والتعب يبدو على ملامحهم، فيقول: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة).
فيجيبونه: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما حيينا أبداً فيا لها من روح معنوية مرتفعة! ويتضرع الرسول ﷺ إلى ربه داعياً: (اللهم منزل الكتاب هازم الأحزاب)، وظل يدعو عليهم دعاء تبتل كما دعا في بدر، فأرسل الله على قوى الشرك ريحاً، ولله جنود: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
انظر يا عبد الله! ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٥ - ٧]، إن كنا لا نملك قوة فمعنا الحارس الذي لا يغلب، والقوة التي لا تهزم، والفئة التي لا تغلب، إن كان معنا الله فمن يملك لنا هزيمة! وكما قال ربنا سبحانه عن يوم بدر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال:٢٦]، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣]، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:٢٥]، فالكثرة يا عباد الله! لا تحقق نصر، والقلة كذلك لا تحقق نصر، إن الذي يملك مفاتيح النصر والهزيمة هو رب العالمين .
نوح ﵇ لم يؤمن معه من قومه إلا قليل، قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٠ - ١٢]، ودمر الله قوى الشرك على الأرض بالمطر، وبالماء، وبالريح، وبملائكة مع الحبيب محمد ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩].
стр. 75
منزلة سليمان ﵇ عند اليهود
سليمان ﵇ هو الذي أعاد بناء المسجد الأقصى في سبع سنوات، وبعد أن أتم البناء بنى ما يسمى بالهيكل، والهيكل هو ما يسمونه ببيت الرب، أو بيت الملك، وبناه في ثلاث عشرة سنة، وكان الهيكل بخلاف موضع المسجد، أي: أن الهيكل في موضع، والمسجد في موضع آخر، واليهود يزعمون الآن أن الأقصى مبني على مكان الهيكل، فلابد من إزالة الأقصى؛ ليقام بدلاً منه الهيكل، وهذا زعم باطل مفضوح، فهم أساتذة في التحريف والتبديل، يقول ربنا سبحانه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥].
فهم يحرفون مع سبق الإصرار والتعمد، أي: يحرفون بعد أن يعقلوا؛ ولذلك المؤولة الذين يؤولون الصفات فيهم شبه من اليهود، فهم يقولون: استوى بمعنى: استولى، أو اليد بمعنى: القدرة.
فهؤلاء أسوتهم اليهود، فقد قال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨] ماذا صنعوا؟ قالوا: قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة:٥٩]، فلعنة الله على الكافرين والظالمين.
أحبتي الكرام! رغم أنهم يريدون أن يقيموا الهيكل إلا أنهم يطعنون في صاحب الهيكل، والحقيقة أن قصة سليمان وربطها بالواقع مهم؛ وذلك لأن الهدهد داعية للتوحيد، فقد أنكر على القوم أن يعبدوا غير الله، والهدهد في رعية سليمان يعلم أن الذي يستحق العبادة هو الله وحده لا شريك له، فيا ليتنا نجد هدهداً نرسله إلى بعض فرق التصوف ليعلمهم التوحيد، إن فرقة التصوف الآن يقبلون الأعتاب ويطوفون في الأضرحة، ويدعونها من دون رب العالمين، والعجيب في الأمر أنك تجد يوم عرفة مليوناً ونصف مليون حاج، وفي ليلة البدوي الكبير ثلاثة مليون، يعني: من يذهب إلى طنطا أكثر ممن يرحل إلى عرفة، وإنا لله وإن إليه راجعون.
أين التوحيد في الأمة يا عباد الله؟! انظروا إلى الهدهد ماذا يقول لسليمان: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤]، يعلل الحكم بقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل:٢٤]، والشيطان يزين لكل فرقة أنها على حق، فالخوارج عندما خرجوا على الإمام علي ظنوا أنهم على حق، والروافض الشيعة يظنون أنهم على حق، قال الشاعر: وكل يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك فكل واحد يقول: أنا أنا، لا.
إن المنهج واضح بين، المنهج لا غبار عليه، تركها ﵊ ناصعة البياض ليلها كنهارها، وإنما تشتت الأمة إلى فرق لسوء الفهم، أي: فهم النصوص الشرعية، ففي سورة البقرة يقول ربنا ﵎: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١]، فقد فهم الخوارج من هذه الآية أن العاصي مخلد في النار، فسوء فهم هذه الآية بمعزل عن فهم بقية الآيات والأحاديث.
أين قوله ﷺ : (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن ذرة، وعمل من الخير ما يزن برة، وعمل من الخير ما يزن شعيرة)، فكل يجتهد في فهمه ويفهم على حسب هواه؛ ليؤيد عقيدته الفاسدة.
следующие страницы →