Полный текст (888 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
حكم سماع الغناء الخاص بالأفراح
السؤال
الاستماع للأناشيد الخاصة بالأفراح، هل يجوز تشغيلها واستماع الرجال لها، أم الغناء والفرح خاص بالنساء؟
الجواب
خاص بالنساء فقط.
стр. 457
حكم تأمين العامل صحياً واجتماعياً
السؤال
هل من حقوق العامل في الشرع أن أجعل له تأميناً صحياً واجتماعياً؟
الجواب
إن كان إجبارياً فلا بأس.
стр. 458
حكم تسييد النبي ﷺ في التشهد في الصلاة
السؤال
هل يجوز تسييد النبي ﷺ في التشهد في الصلاة؟
الجواب
الاتباع هو السنة، فلا تبتدع؛ فإن النبي ﷺ من حديث كعب بن عجرة وحديث عبد الله بن مسعود وحديث ابن عباس وابن عمر قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، ولم يقل: اللهم صل على سيدنا محمد، فالسنة وحي كالقرآن، كما في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، فهل يجوز لك أن تقول: سيدنا محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم؟ لا شك لا.
فكما أنه لا يجوز لك أن تزيد في القرآن كلمة فكذلك السنة ينبغي أن تلتزم بما ورد عن النبي ﷺ .
стр. 459
حكم طلب خطيب شرعي زيادة فيما يأخذه من بدل انتقال
السؤال
أنا خطيب في جمعية شرعية آخذ بدل انتقال ستين جنيهاً، وأريد الزيادة للحالة المادية، فهل طلبي ذلك فيه شيء؟
الجواب
طلبك لا شيء فيه، وارفع الطلب إلى الجمعية بارك الله فيك.
стр. 460
بيان من هو عزير
السؤال
﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، من هو عزير؟
الجواب
رجل من الصالحين.
стр. 461
حكم مصافحة امرأة أجنبية كبيرة السن
السؤال
إذا مدت امرأة كبيرة في السن من القواعد يدها للسلام فهل في ذلك إثم؟
الجواب
ليس في ذلك إثم إلا إذا كنت صغير السن وتستهوي النساء فلا يجوز، والقواعد من النساء لا يصافحن إن لم تؤمن الفتنة.
стр. 462
كيفية معالجة النفس الأمارة بالسوء
السؤال
كيف نعالج النفس الأمارة بالسوء؟
الجواب
بأشياء كثيرة، منها: المداومة على الذكر، وقراءة القرآن، والمحافظة على الجماعات إلى غير ذلك.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا! اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا.
آمين آمين آمين! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 463
آداب طالب العلم
العلم من أشرف الغايات وأجلها عند الله ؛ إذ به يوحد الله ويعبد، والعلماء وطلبة العلم المخلصون هم أفضل الناس وأرفع المؤمنين درجة عند الله، ولا يتأتى هذا العلم إلا بحسن الطلب والجد والمثابرة، وهناك بعض الآداب الجليلة ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها، سواء في نفسه أو مع شيخه.
стр. 464
الآداب التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم
الحمد لله رب العالمين الذي رفع شأن العلم في كتابه، فقال : ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]، والآمر لنبيه ﷺ أن يتزود من طلب العلم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا إلى الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه.
ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! المرض الخطير جداً هو أن طالب العلم لا يعرف الآداب ولا الآفات التي يجب أن يتحلى بها وأن يتخلى عنها، فالعلم له آداب يجب أن يتحلى بها طالب العلم، وله آفات يجب أن يتخلى عنها، ومن هنا كانت مجالس العلماء تدرس فيها حلية طالب العلم.
وحينما نسمع أدب طالب العلم مع شيخه، نرى أننا نعيش في واد والآداب في واد آخر تماماً، ومن الآداب: أنه لا يجوز لطالب العلم أن ينادي الشيخ باسمه مجرداً، أو أن يقول له: يا شيخي! -بياء الخطاب- أو يا شيخ! وإنما له آداب في المناداة، وله آداب في التقدم عليه، وله آداب في سؤاله، وله آداب في مراجعته، وله آداب في محاورته، وإذا وهم -أي: خرجت منه كلمة بسبق لسان- فهناك آداب أيضاً في الرد عليه.
ويبدو أن الموضوع شائك، لكننا في عجالة شديدة سنحاول أن نبين الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها، والآفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتخلى عنها.
فهناك آداب للطالب في نفسه ينبغي أن يتحلى بها، وآداب للطالب مع شيخه، وآداب للطالب مع زملائه، فلا ينبغي أن يمشي مع طالب يشينه، ولا أن يوجد في مكان يشينه.
لا تكن أبا شبر؛ لأنهم قالوا: العلم ثلاثة أشبار، من حصَّل الشبر الأول تكبر، ومن حصَّل الشبر الثاني تواضع، ومن حصَّل الشبر الثالث علم أنه لا يعلم شيئاً، فلا تكن أبا شبر، فصاحب الشبر يتكبر، وصاحب الشبرين يتواضع، وصاحب الثلاثة يعلم أنه لا يعلم شيئاً، فكلما ازداد المرء علماً ازداد تواضعاً.
وهناك آداب خاصة لطالب العلم كتب فيها العلماء؛ كآداب حملة القرآن، وآداب المحدث، وآداب المفتي، وآداب القاضي والتقاضي، وآداب المحتسب.
وهناك آداب على العموم ذكرها العلماء في مراجعهم: منها: الفقيه والمتفقه للحافظ البغدادي.
تعليم المتعلم طريق التعلم للزرنوجي.
أداب الطلب للشوكاني.
أخلاق العلماء للآجري.
آداب المتعلمين لـ سحنون من المالكية.
جامع بيان العلم وفضله لـ ابن عبد البر المالكي.
مفتاح دار السعادة لـ ابن القيم ﵀.
الحث على طلب العلم للعسكري.
وهكذا تجد أن العلماء إما أن يتحدثوا عن آداب خاصة، أو آداب عامة لطالب العلم.
стр. 465
آداب طالب العلم في نفسه
وآداب الطالب في نفسه كثيرة، وحتى تبدأ في طلب العلم؛ لأن البعض يبدأ الطريق خطأ، ويدخل إلى الطريق خطأً، ولا يعرف آداب الطريق، ومن هنا نجد الاهتمام الموجود في الساحة الإسلامية بالكم وليس في النوع، ولذلك: فإن من الآداب ما يلي: أولاً: أن يعلم طالب العلم أن العلم عبادة، قال السلف: صلاة السر وعبادة القلب هي العلم، وكل عبادة تحتاج منك إلى تصحيح النية، فما هي نيتك في طلب العلم؟ ولماذا تطلب العلم؟ هل لتماري به العلماء؟ أو تجادل به السفهاء؟ أو تلفت به أنظار الناس إليك حتى يقال: فلان طالب علم؟ أو يقوم في المجلس بنية أن ينظر الناس إليه؛ بئس العلم الذي تعلمت؛ ولذلك فإن أول أدب من آداب طلب العلم: أن يخلص طلب العلم لله سبحانه؛ لينجو بنفسه، ويدل غيره على طريق النجاة.
ثانياً: الثبات والتثبت، فقديماً قالوا: من ثبت نبت.
ومن آفات طلب العلم: التنقل من كتاب إلى كتاب آخر قبل إكمال الكتاب الأول، لهذا لا بد أن تثبت في الطلب على كتاب، وأن تثبت في الطلب على شيخ، ولا تحضر لكل الشيوخ وهدفك تتبع الزلات، وإظهار العورات، ونقل الكلمات، والطعن فيهم ليل نهار، والإيقاع بينهم، وهذا يحصل كثيراً، وهذا مما انتشر في زماننا، وهو ليس من الأدب في شيء.
فإذا سمعت كلمة من شيخ لم تدرك معناها، ولم تلق عندك قبولاً، ولا توافق الحق الذي معك، فلا بد أن تتثبت من هذا القول من مصدره.
وبعض الطلبة يسمع الكلمة ثم يطير بها قائلاً: أخطأ الشيخ في كذا، ويظهر العورات، وهو الذي يسمع خطأً، وهو الذي لا يدري ما يقال، وهو النائم في المحاضرة أو في درس الشيخ؛ فلابد من التثبت والتأكد من قول العالم.
والشجرة كثيرة التنقل لا تثمر، وهذا هو طالب العلم الذي يطوف على كل العلماء، فهذه الطريقة تخرج رجلاً يعلم مسائل فقهية لكنه غير فقيه، فلابد من دراسة الكتب العلمية والثبات على دراستها، كفتح الباري شرح البخاري، فلا تتركه حتى تنتهي منه.
فلابد من ثبات حتى الممات، حتى يكتمل الطلب، والتنقل بين الكتب والشيوخ لا يجوز.
ثالثاً: التأمل، وقالوا قديماً: تأمل تدرك، ومعنى التأمل: أن يركز طالب العلم فيما يقول، وفيما يقال، ويتأمل ويحلل، ولا يتكلم الكلمة إلا بعد أن يمررها على قلبه؛ لينظر: أفيها نفع أم لا؟ رابعاً: التحلي بالرفق، وهو أن يكون طالب العلم رفيقاً، والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما دخل العنف في شيء إلا شانه، طالب العلم لا يأتي متأخراً في يوم الجمعة فيجد المسجد قد امتلأ، والشوارع قد امتلأت، فيتخطى رقاب الناس، ويقفز من على الحائط، فهذا ليس من أدب طلبة العلم.
أما أدبه مع شيخه: فالبعض يقبل الشيخ في كتفيه فهذا لا بأس، إنما الخطأ هو أن يحني الرأس كما تفعله الصوفية المبتدعة، فمن الأدب عند مصافحتك للشيخ لا تقل له: سيدي ومولاي، وتقبل لحيته! فإن هذا من الغلو والإطراء الذي نهينا عنه، هناك أدب في احترام الشيخ، لكن ليس على طريقة الصوفية، أو الذين غالوا في حب آل البيت كما نعلم.
وأحاديث التحلي بالرفق كثيرة، والنبي ﷺ حينما كان يعلم الجاهل كان يعلمه برفق ﵊.
وذلك حينما نهى الصحابة عن زجر الرجل الذي بال في المسجد، وعن زجر الرجل الذي عطس في الصلاة ثم شمته من بجواره، فهذا هو الرفق في التعلم.
خامساً: الإعراض عن مجالس اللغو، وهو ألا يكون في مجالس اللغو أبداً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢]، فلا ينبغي لطالب العلم أن يكون في المقهى يلعب الطاولة، أو في ملعب القاهرة يرفع الراية، ويشجع النادي الذي يحبه، فهذا ليس من سمت طالب العلم!! فلا بد من الإعراض عن مجالس اللغو، فلا يدخل إلى أماكن اللغو، فإنه لا يمكن الجمع بين مجالس العلم ومجالس اللغو، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤].
سادساً: هجر الترفه، قال النبي ﷺ : (البذاذة من الإيمان)، وهو أن يتعود طالب العلم على الخشونة، لا يكن طالب علم مائعاً، ولذلك ترى بعض العلماء أحياناً يسيرون بدون نعل، ولقد رأينا الشيخ ابن عثيمين ﵀ يخرج من المسجد النبوي إلى البقيع حافي القدمين، فهذه الخشونة من تعلم البذاذة، فقد كان يؤدب نفسه ويعلمها التواضع.
أما العالم أو طالب العلم الذي يجلس في برج عالي فلا بأس، لكن لا بد أيضاً أن يتعلم الخشونة، وأن يأكل وينام على الأرض أحياناً، وأن يؤدب نفسه بعدم الترفه، فهذا هو قول عمر بن الخطاب ﵁.
سابعاًً: أن يكون سلفياً، وهذه نقطة مهمة جداً، والسلفية منهج وفكر، ليست جماعة ولا حزب، ولا خروج على حاكم، ولا تكفير الحكام، ولا تكوين أحزاب على الأرض، إذ كل ذلك طرق بدعية.
وفي الحديث المتفق عليه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط
стр. 466
آداب طالب العلم مع شيخه
آداب الطالب مع شيخه أكثر من عشرين أدباً سأذكرها إجمالاً: أولاً: أن يكون الشيخ محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف عند جلوسك والتحدث معه.
ثانياً: حسن السؤال والاستماع.
ثالثاً: ترك المجادلة والمماراة، فكثرة الأسئلة على الشيخ معناها أنك تماري الشيخ وتزيد في السؤال، وتقاطعه عند حديثه، وهذا ليس من الأدب.
رابعاً: عدم التقدم عليه بكلام أو مسير.
خامساً: عدم إكثار الكلام عنده.
سادساً: عدم الإلحاح عليه في الجواب إذا كان لا يريد أن يجيبك في ذلك الوقت.
سابعاً: لا تناده باسمه مجرداً، كما أنك لا تنادي أبيك باسمه مجرداً، أو تقول له: يا أب! فمن الأدب أن تقول له: يا أبتي! تقدره وتعظمه، أيضاً من الأدب ألا تنادي الشيخ باسمه مجرداً، ولا تقل له: يا شيخ! إنما تقول: يا شيخي أو يا شيخنا! من باب التعظيم والإكرام.
ثامناً: لا تناده من بعد إلا لضرورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤].
تاسعاً: توقير مجلسه، كأن تجلس منتبهاً إلى درسه بطريقة فيها احترام وتقدير، أما اللعب في مجلس العالم والالتفات يمنة ويسرة، أو الاستياك والتعطر، فهذا من عدم احترام مجلسه.
عاشراً: إظهار السرور من الدروس والإفادة به، كالاعتراف بالاستفادة والدعاء له، مع أنه يمكن أن يكون ما أضاف إليك جديداً، لكنك تدخل السرور إلى قلبه، وتظهر له أنك تستفيد من دروسه.
وهنالك مواقف تدل على عدم احترام الشيخ: منها: رسالة أرسلها إلي أحد الإخوة في درس يوم الإثنين -بارك الله فيه وجزاه خيراً- وخلاصة الرسالة: ونحن لا نستفيد من هذا الدرس أبداً، وهو درس ضعيف جداً، جزاك الله خيراً وبارك فيك! وفي مرة من المرات حصل لي سبق لسان قلت: (ولتستبين سبيلَ المجرمين)، وهي: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]، رغم أن (سبيلَ) قراءة متواترة صحيحة، فأرسل أحد الأخوة رسالة أخرى: لقد أخطأت في القرآن أمس، فقلت: (سبيلَ) وهي (سبيلُ).
وفي درس الربا حينما قلنا: إنه لا يجوز أن يقايض مكيلاً بموزون، وهذا كلام صاحب العدة، لكن ابن تيمية رجح أنه يجوز إذا كان لا فرق بين الموزون والمكيل، فأحد الأخوة قرأ المسألة ثم أرسل لي رسالة قال فيها: أنت الآن تتضارب، مرة تقول كذا وأخرى تقول كذا، ثم لا تفرق بين الكيل والوزن، فهذا ليس من الأدب، وقبل أن تناقش عد إلى المسألة وابحثها، وقبل أن تسارع في التخطئة ابحث المسألة علمياً، وتأنى في الطلب.
ثم إذا وهم الشيخ، أو سبق لسانه بشيء فقال مثلاً: لا يجوز وهو يقصد: يجوز، فهذا يسمى وهم، ومَن مِن العلماء لا يهم؟ وكثير من علماء السلف كان يهم في مجلسه، فبعض طلبة العلم إذا وهم الشيخ كان ينشر هذا الإيهام سريعاً، فإذا وهم الشيخ فلا يسقطه ذلك من عينك؛ لأنه إذا سقط من عينك معناه أنك لن تطلب العلم، وكلما وهم الشيخ اترك مجلسه، إذاً: لن تجد من تتعلم على يده، وهذه النقطة من الخطورة بمكان.
الحادي عشر: عدم امتحانه على القدرة العلمية والتحمل، كأن يأتي الطالب بسؤال لشيخه وهو يعرف الإجابة، لكن مقصوده هو الاختبار له، فيقول له: ما الحكم في كذا؟ والشيخ لا يدري، وهذا من سوء الأدب، واختبار العلماء مصيبة.
الثاني عشر: استئذانه، فإذا أردت أن تنتقل من مسجد إلى آخر، فعليك أن تستأذن شيخك في حضور هذا الدرس أو عدم حضوره، وهذا من الآداب؛ لعل صاحب الدرس الآخر مبتدعاً، ولعل شيخك يعرف عنه ما لا تعرفه أنت، ولعله يمنعك من الحضور لأسباب، فتعود إليه.
الثالث عشر: احذر صنيع الأعاجم من الخضوع الخارج عن الآداب الشرعية، وهو لحس الأيادي والكتف والرقبة، وهذا صنيع المخانيث، إذا أردت أن تقبل يد العالم فلا بأس، لكن في عزة ورجولة وعدم تخنث، إنما الممنوع هو التقبيل تبركاً، حتى إذا صار الشيخ بسيارته يحملونها فوق رءوسهم، وإذا أراد أن يشق طريقه لا يستطيع، هذا من الغلو، وهذا من عدم فهم النصوص الشرعية في التأدب مع العلماء.
الرابع عشر: لا تقلده في مشيته وحركته وهيئته، إذ لا يقلد إلا النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
الشيخ ليس له قدوة إلا فيما وافق فيه النبي ﵊، فإذا وافقه فأنت تقتدي بالنبي ﷺ ، لأنه أسوتك وقدوتك.
الخامس عشر: لا تكن سبباً في فتوره وكسله وقطع علمه؛ لأن نشاط الشيخ على قدر نشاط الطالب، والمعنى: أن تكون في مجلس علمه نشيطاً ومنتبهاً، ونشاطك يعطي الشيخ نشاطاً، وإن كسلت في الطلب تأخذه إلى الأدنى.
السادس عشر: الحذر من المبتدعة من أهل الضلال والبدع؛ فإن مجالستهم ضلال.
هذه أيها الإخوة الكرام! بعض الآداب التي جمعها العلماء من كتبهم في آداب طالب العلم مع نفسه، وآداب طالب العلم مع شيخه.
أختم الحديث أيها الأحباب الكرام! بأن شركة الإبداع -وهذا ليس إعلان لتجارة، والله يعلم ال
стр. 467
التدخين وأضراره
من فضل الله على هذه الأمة أنه ما من خير إلا ودلها عليه، وما من شر إلا وحذرها منه، فأحل لها الطيبات وحرم عليها الخبائث؛ رحمة وشفقة بها، ومن جملة ما حرمه عليها من الخبائث: التدخين بأنواعه؛ إذ إن أضراره متعددة، وخبثه لا يخفى، والأدلة من الكتاب والسنة واضحة في تحريمه وبيان خبثه.
стр. 468
مظاهر التدخين وأضراره على الفرد والمجتمع
الحمد لله رب العالمين الذي أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل وقوله الحق: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لقاؤنا اليوم عام في مسألة عمت بها البلوى، والبعض قد أفتى وقال فيها على الله بغير علم فضلّ وأضل، رغم وضوح الأدلة على تحريمها، فالجميع يقر بأن الدخان من الخبائث، فلا نجد عاقلاً قبل أن يشرب الدخان يقول: بسم الله، وبعد أن يشربه يقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وهذا إقرار بأنه من الخبائث، لكنه في زمن الإحن والمحن، وحينما وسد الأمر إلى غير أهله نجد من يقول: إن التدخين للأغنياء حلال وللفقراء حرام، حتى التفرقة أصبحت بين الأغنياء والفقراء في أمر التدخين، وبعضهم يقول: التدخين ليس حراماً وإنما هو مكروه؛ لأنه ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، معنى ذلك: أن الحرام لا بد أن يكون بنص قطعي الثبوت، والقطعي الثبوت يعني به: القرآن أو الحديث المتواتر، والقطعي الدلالة يعني به: الواضح المعنى، وبهذه القاعدة الأصولية التي رددها البعض في الفضائيات وسمعها الجميع يصير كل الحرام المبني على حديث الآحاد ليس بحرام، فالذهب حرام على الرجال، وحديث تحريم الذهب آحاد، إذاً: هو ظني الثبوت، إذاً: وفقاً لهذه القاعدة التي أصّلها البعض ممن ينتسبون إلى العلم زوراً: أن كل حرام يبنى على أحاديث الآحاد مردود، وبذلك هدموا الدين.
وقبل أن أبدأ في أدلة بيان تحريم الدخان، وقبل أن أبدأ في بيان نشأة هذه الظاهرة: لِم تدخن؟ فليسأل كل عاقل نفسه لماذا أنت تدخن؟ الجواب متعدد طبقاً للمشارب والصفات والمواصفات، فقائل يقول: أنا أدخن لأشعر أنني رجل، فالرجولة لا تكون إلا بالدخان، غلام صغير لم يبلغ الحلم يمسك بالسيجارة فيشعر بذلك أنه أصبح من الرجال.
وآخر يقول: أنا أدخّن لأن أبي يدخّن، ولأن شيخي يدخّن، هذا الكلام يغضب منه البعض، لكن إذا ابتليتم فاستتروا: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) كما قال ﷺ ، وثالث يقول: أنا أدخّن لأخرج همي بالسيجارة.
يا عبد الله! أرأيت عاقلاً يقتل نفسه ليخرج همه؟ أليس الله يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، أنا معي دراسة من الأطباء تثبت أن الدخان يسبب الأمراض، فسرطان الرئة، وسرطان المثانة، وسرطان الحنجرة، وتشوه الأجنّة سببها التدخين.
إن المدخّن عند تدخينه يغيب عنه العقل، ولو حضر العقل وحكّمه في القضية لرد الأمر في الحال، جاءوا لمدخن عاقل بشاشة تليفزيونية بيضاء، فظل يدخّن وينفخ على الشاشة حتى تحولت الشاشة البيضاء إلى سوداء قاتمة؛ لأن الدخان به مادة النيكوتين التي تدخل في فتحات الرئة فتغلقها؛ لذلك تجد المدخّن يلهث، أي: أنه حينما يسير مشواراً طويلاً أو يصعد السلّم لا يستطيع؛ وذلك لأن رئته مغلقة.
فيا قوم! أليس منكم رجل رشيد؟! وآخر يقول: أنا أدخّن لأن حبيبتي أغضبتني فأريد أن أنسى إغضابها لي بالسيجارة.
امرأة في السيارة تدخّن وتريد أن تكون كالرجال، فتراها مترجّلة تشعل السيجارة وتشعر أنها من الرجال وفي عداد الرجال.
فهذه الظاهرة عجيبة، وتختلف الإجابات بحسب اختلاف المشارب.
فلماذا أدخّن؟ هذا سؤال ينبغي أن يطرحه كل عاقل على نفسه: لماذا أنا أدخّن؟ ربما يقول قائل: إن كانت حرام سنحرقها، وإن كانت حلال نشربها: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١].
ولنأتِ إلى البعد الاقتصادي: كم ينفق العالم على السجائر؟ هب أن رب أسرة يدخّن في اليوم علبة واحدة من المالبورو أو السوبر الذي هو أرخص، فلو قلنا بأن سعر السوبر بالجنيه المصري (٢.
٥) × (٣٠) يساوي (٧٥) جنيهاً في الشهر، فكم في السنة؟ (٧٥) × (١٢) يساوي (٩٠٠) جنيه في السنة، أي: أنه يقترض من أجل الدخان، ولا يجد ما ينفقه على رغيف الخبز، فتقول له الزوجة: نريد خبزاً للأولاد، فيقول: لا أملك شيئاً، فتقول: وقيمة السجائر معك؟ يقول: لا أستطيع أن أفارقها، ولا أستطيع أن أقلل من شربها، فهذا إدمان إن زاد به الحال يشربها محشية.
هذا الذي يحدث، وسندهم أن البعض أفتى بأن التدخين ليس حراماً لكنه مكروه، والذي يكرهه هو الله ، فلماذا تفعل المكروه؟ والله إني أحبك أيها الأخ! فأقول لك: أدلة تحريم التدخين عديدة.
يقول بعض العلماء: التدخين عادة مارسها الهنود الحمر في أمريكا قبل أن تُكتشف، وانتقلت إلى أوروبا مع المستكشف
стр. 469
أدلة تحريم الدخان من الكتاب
إن أدلة تحريم التدخين في الكتاب والسنة هي أكثر من دليل نسوقها إلى هؤلاء؛ لأن التحريم يقوم على أدلة، ولا نحرم إلا بنص.
الدليل الأول: في سورة الأعراف، يقول ربنا سبحانه في وصف النبي محمد ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] إذاً: القرآن أتى بقواعد عامة، وعلى هذه القاعدة نقيس المستحدثات، فإن قيل: التدخين مبتكر ومستحدث، وليس عليه دليل في القرآن والسنة، فإننا نقول: وهذا البنج كذلك مستحدث وليس عليه دليل في القرآن والسنة، وكذلك الهروين جديد مستحدث وليس عليه دليل في القرآن والسنة، إذاً: الهروين مكروه، والبنج مكروه، فهل أحد يسلم بذلك؟! أقول: هذا الكلام ينشر في الفضائيات ويُسمع ويُكتب في الجرائد والصحف، ممن ينتسبون إلى العلم زوراً وبهتاناً.
إذاً: من قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف:١٥٧] نستطيع أن نضع قاعدة، هذه القاعدة هي: كل طيب حلال، وكل خبيث حرام، وإذا جئنا نسأل أنفسنا: هل السجائر والشيشة والبوري والسيجار من الطيبات أم من الخبائث؟ هل هناك عاقل يقول: إنها من الطيبات؟ لا يمكن.
إذاً: خذوا هذه الأدلة التي تزيد عن عشره، وادفعوها في وجوه هؤلاء لعلهم يستيقظون؛ لأن الشباب يريد فتوى يتعلق بها، فأفتى البعض بجواز التدخين وبعدم حرمته، وبأنه مكروه وليس بحرام، ويفهم الشباب من هؤلاء الذين يُنسبون إلى الفتوى بأن التدخين ليس بحرام.
إن مفتي الديار المصرية الشيخ: نصر فريد واصل أصدر فتوى وعُلّقت في المساجد، فحواها: التدخين حرام شرعاً، والدخان أشد حرمة من شرب الخمر، هو قال ذلك، لكن مع تحفّظنا على الجزء الأخير في الفتوى؛ لأن التدخين مقاس على الخمر، وليس الخمر مقاساً على التدخين، فالخمر أصل والتدخين فرع يقاس عليه، فلا يمكن أن نقول: إن الفرع يزيد عن الأصل؛ لأن العلة في تحريم التدخين هو الضرر الذي سيعود على المسلمين.
ومن أمثلة القياس: قول النبي ﷺ : (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) فقاس العلماء على الخطبة الإيجار، فإذا استأجرت محلاً في شارع العزيز ووقعت عقد الإيجار مع المالك، فجاء آخر وقال للمؤجر: أنا أزيدك في الإيجار فافسخ العقد، ففسخ العقد معك، هل يجوز هذا أم يحرم؟ يحرم؛ لأن العلة واحدة، فالعلة في عدم الخطبة هي عدم إيغال الصدر، وعدم إثارة الفتن بين المسلمين، وكذلك العلة في الإيجار قال العلماء هي نفس العلة في الخطبة، فالشريعة تضع أصولاً عامة، ونحن نقيس على تلك الأصول ما يتفق معها في العلة، لماذا حرّم الله الخمر؟ هل لأنها صفراء؟ إذاً: الفانتا حرام، والشبس حرام، وعصير البرتقال حرام! إذاً: لم تحرم لأنها صفراء، فهل حرمت لأنها سائل؟ إذاً: كل السوائل تحرم، إذاً: ليست هذه هي العلة، إنما حُرّمت الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتُذهب العقل وتفتر الجسد، وفيها ضرر، وربنا يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
وبهذه الآية نضع قاعدة وهي: كل شيء إثمه أكبر من نفعه فهو حرام.
الدليل الثاني: يقول ربنا في سورة البقرة: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، والدخان إلقاء باليد إلى التهلكة، قال: ((وَلا تُلْقُوا)) نهي يفيد التحريم، فالإنسان لا يجوز له أن يقتل نفسه.
الدليل الثالث: قول ربنا في سورة النساء: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، وهذه الآية لها مناسبة، فقد نزلت في عمرو بن العاص حينما كان في غزوة من الغزوات وأصابته جنابة، وكان من الصحابة من يستيقظ على هذه الحال، وهذا رد على بعض الناس الذين يظنون أن هذا لا يجوز، فـ عمرو بن العاص حين استيقظ رأى الجنابة في ثوبه، فنظر فإذا بالجو رطب، ودرجة الحرارة تحت الصفر، أي: أن الجو بارد شديد البرودة، فإذا اغتسل أصيب بأذى، ومن الممكن أن يتجمد، فماذا صنع عمرو؟ تيمم وصلى بأصحابه صلاة الفجر، وهذا الحديث عند البخاري يقول فيه: المتيمم يؤم المتوضئ، وهو حكم فقهي، فـ عمرو بن العاص رفع الجنابة بالتيمم، ثم صلى بأصحابه، وبعد الصلاة علم أصحابه بما صنع، فوصل الخبر إلى النبي ﷺ فقال: (أصليت بهم وأنت جنب يا عمرو؟! قال: يا رسول الله! تذكرت قول ربي : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فابتسم النبي ﵊ وأقره على فعله).
إذاً: حدّثوني أيها الأطباء! أيها العقلاء! عن الأمراض التي يجذبها التدخين وتسبب الموت، فبعض ا
стр. 470
أدلة تحريم الدخان من السنة
الدليل الأول: يقول النبي ﷺ فيما رواه أحمد في مسنده: (لا ضرر ولا ضرار) فأي شيء يسبب لك ضرراً فهو حرام.
الدليل الثاني: قال ﷺ في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
فربما يقول قائل: النص يقول: كره لكم، ولم يقل: حرم عليكم، ف
الجواب
يقول الله في سورة الإسراء بعد أن عدد المحرمات من الشرك والقتل وغيرها: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، فهل معنى ذلك: أن هذا ليس بحرام؟ إن العلماء يعبّرون عن الحرام بالكراهة؛ ولذلك الإمام الشافعي كان أحياناً يقول عن الحرام: أكرهه، أي: أحرمه، فيعبّرون عن الحرام بالمكروه، وعليه فإضاعة المال حرام.
الدليل الثالث: حديث متفق عليه أيضاً، قال ﷺ : (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير).
ونافخ الكير هو الحداد الذي يعمل النار بيده ليليّن الحديد، والنبي ﷺ يضرب مثلاً للجليس السوء بنافخ الكير.
فهل الذي يشعل السيجارة حامل مسك أم نافخ كير؟ ألست تجد في ثوبه فتحة؛ لأنه كان يشرب فطارت قطعة من النار على ثوبه، فكل ملابسه محروقة، فيحرق ثيابه وثياب صاحبه، وكم من الحوادث حدثت بسبب السيجارة، يقف عند محطة بنزين ويشعل السيجارة فيلقيها وسط المحطة فيحدث الحريق، فكل الحرائق معظم أسبابها السيجارة، كذلك الأب في بيته ينسى السيجارة على المنضدة ويغلبه النوم، فأشعلت السيجارة المنضدة والتهمتها، ثم أشعلت في البيت حريقاً، فاستيقظ الرجل على احتراق بيته.
قال رسول الله ﷺ : (مَثَل الجليس الصالح والجليس السوء)، فإن من أسباب التدخين قرناء السوء، ففي المآتم البدعية الشيخ يقرأ، وأهل الميت يوزعون السيجارة على الناس، فلا يصبرون عند قراءة القرآن على تقديم الأذى والمصيبة الأدهى والأمر بعد أن ينتهي الشيخ من القراءة يصير الجميع مدخنين، نسأل الله العافية! فهذه مصيبة ما بعدها مصيبة، أين الأسوة؟ أين القدوة؟ مدرس يدخّن، وأستاذ جامعي يدخّن، ومقدم برامج في التلفزيون يدخّن.
كذلك مدرب كرة قدم يجلس في المباراة فيرى فريقه مغلوباً فتزاد حرقته، ثم يتبع السيجارة بالأخرى، وصاحب الكاميرا يقول: والمدرب متوتر ويشعل السيجارة ويشعل الأخرى، حتى قال بعضهم: أنا بفضل الله وحده أشرب علبة السيجارة في اليوم بعود كبريت واحد، أي: أنه يشعل واحدة تلو الأخرى، وأنه سيدخل الأولمبيات بفضل التدخين، هذه مصيبة ما بعدها مصيبة، والثاني يقول: بفضل الله أنا ولي من أولياء الله الصالحين، وتراه يدخن! حتى رأيت العجب العجاب في السبعينات، جاءونا في بلدتنا برجل من الصعيد وقالوا: هذا شيخ يوحى إليه بطريقة، ونحن كنا صغاراً، فاجتمع الناس في صعيد واحد على مسرح، والرجل يقف بجواره من يقدّم له السيجارة ليشرب منها ويتبع الأخرى ويقول: يا سندي! ويدخن ويظن أنه يتلقى الوحي بالدخان.
إذاً: الدليل الثاني في حرمة التدخين: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك -أي: يهديك- وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك؛ وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة) فهذا معناه: أن المدخن إما أن يحرق الثياب وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة.
وأنا أستحلفك بالله أن تشم فم المدخّن، فستجد أنه تخرج منه الرائحة الكريهة فضلاً عن الآثار الأخرى.
الدليل الرابع: قول النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون)، والمدخّن يجاهر بالمعصية، ويلوّث الهواء، ويضر غيره فضلاً عن ضرره بنفسه.
الدليل الخامس: قول النبي ﷺ : (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته) متفق عليه.
والعلة في عدم قرب آكل الثوم والبصل المسجد هي الرائحة التي تخرج من فمه، فتؤذي الملائكة، وهنا نقول: الدخان أشد كرهاً من رائحة الثوم والبصل.
الدليل السادس: أن معظم الفقهاء قد حرموه تحريماً قطعياً.
الدليل السابع: أن النبي ﷺ قال: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه؟ وعن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟) فسيسأل المدخّن عن ماله، فماذا يقول لربه ؟
стр. 471
أضرار الدخان الأخلاقية والصحية
إن لم يجد الابن المال الذي يدخّن به، فإنه يسرق من أبيه والأب يكدح، فهذا معناه: أن الدخان يعلمه السرقة، فإن لم يكن لدى الأب ثمن علبة السجائر فإنه يسرق من غيره، ولذا فالتدخين ضرره الأخلاقي على المجتمع مدمّر.
وإن كان المدخن صاحب أخلاق ولا يريد أن يسرق يسأل الناس إلحافاً، فيقول: أتملك سيجارة؟ لا، هذا يدخن بجواره فيقول له: أعطني واحدة، أو يقول: إذاً: فأعطني تخميسة! فتراه يذل نفسه لسيجارة؛ وذلك لأنه معدوم الإرادة إذ لا إرادة له، فأقول: التدخين له ضرر أخلاقي على المجتمع، وكذلك له ضرر اجتماعي على المجتمع؛ لأنه يسبب الأمراض بأعضاء المجتمع إن لم يأخذوا على يد المدخنين فضلاً عن الضرر الصحي الذي بيّنت.
يقول بعض العلماء: أجمع الأطباء على أن الدخان سبب هام مباشر لسرطان اللسان، وسرطان البلعوم، وسرطان القصبة الهوائية، وسرطان الحنجرة، والذبحة الصدرية، والسكتة القلبية، والسل، وقرحة المعدة؛ وذلك لاحتوائه على سموم عديدة؛ من أهمها: النيكوتين الذي هو كالزفت الأسود، وقد جاءوا برجل مدخن مات وأخرجوا رئته؛ لينظروا في حالها، فإذا برئته تحمل شيئاً شديد السواد، فأخذ الطبيب يعصرها فنزل منها القطران الأسود، وهو الذي أغلق المسام والفتحات.
стр. 472
وسائل التخلص من التدخين
فيا عبد الله! استيقظ لنفسك، وقل: ما هي الوسائل التي تساعدني على ترك التدخين؟ أقول: صنعوا سيجارة من نعناع كأنها رضاعة، كالطفل حينما يبكي نعطيه الرضاعة حتى يسكت، فالمدخن حينما يشعر بحاجته إلى السيجارة يضع في فمه سيجارة النعناع، وهي وسيلة طيبة لمواجهة التدخين؛ لأن هذا الرجل لا يقوى، وما سمي الرجل رجلاً إلا لإرادته وعزمه وقراره، فأنا أريد من كل مدخّن أن يقف مع نفسه وقفة: لِم أدخّن؟ وما هي الفائدة المترتبة على هذا التدخين؟ وما هي الإحصائيات؟ أريد من علمائنا الاقتصاديين أن يقدموا لنا كم ينفق العالم كله وليس مصر فقط على الدخان من الدولارات؟ فلو تحوّل هذا المبلغ للفقراء والمساكين والمرضى لكان أفضل، لذا فكم من الإنتاج الذي سيضيع بسبب الدخان؟ وكم من الحرائق التي تحدث بسبب الدخان؟ حدّث ولا حرج عن مثل هذا، وفي ختام المحاضرة نذكر وسائل أو كيفية التخلص من التدخين: أولاً: الاستعانة بالله ، وأنت ساجد بين يدي ربك قل: اللهم أعني على ترك هذا الأمر الخبيث، اللهم خلّصني منه.
ادع الله في السحر وفي كل صلواتك.
ثانياً: إذا أعطاك صديقك سيجارة ارفضها واعتذر عن قبولها، ثم اسد له النصيحة في أسباب عدم القبول.
ثالثاً: ابتعد عن المدخنين وعن رائحة الدخان.
رابعاً: عليك بالسواك؛ فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب.
خامساً: التدخين عادة سيئة، والعادات يمكن تركها، فاحذر أن تعود إليها بعد أن تتركها.
سادساً: ابحث عن دواء عند الأطباء لمعالجة هذا الداء الذي ابتليت به نفسك يا عبد الله! أسأل الله أن يخلص الأمة من هذا الداء، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والسر والعلن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 473
بعض مظاهر التدخين والمدخنين
ربما بعض الناس يصلي وعلبة السجائر في جيبه، وإذا ما أراد أن يسجد وقعت العلبة على الأرض، ماذا يصنع وهو ساجد؟ لأنه يشعر أن من بجواره سينظر إليه نظرة لا تليق به، فأقول له: يا عبد الله طالما أنك تعلم أن هذا إثم، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه الناس، فاترك التدخين، كما أن غالب المدخنين يشرب الدخان في دورة المياه مع الخبث والخبائث؛ لأن هذا مكانها اللائق، وهل رأيتم عاقلاً يدخل إلى مسجد العزيز أو غيره ثم يجلس بيننا ويشعل السيجارة؟ إذا حصل ذلك الكل ينظر إليه ويزجره بالخروج، فهذا اتفاق بين المسلمين أن السيجارة من الخبائث، ولا تليق في بيت الله .
إن هؤلاء الذين يبيحون التدخين لا يملكون في بيوتهم أن يمنعوا هذه الظاهرة، فأرادوا للأمة جميعاً أن تدخن، فطالما أنا لا أتحكم في ولدي فلا بد للجميع أن يدخن حتى تعم البلوى، وهذه هي المصيبة.
هناك بعض المظاهر التي تحدث للمدخنين، منها: الخبر الأول: أن بعض المصلين الذين يدخنون إذا دخل المسجد بعلبة السجائر يضعها في الحذاء وفي أماكن الأحذية.
الخبر الثاني: أن الذي يقدم الإعلان للمالبورو توفاه الله بسرطان الرئة، وقال للناس وهو يموت: الدخان حرام ودليله أنا.
ألا نتعظ بهذه الدروس يا عباد الله! ونجد البعض يبرر جواز التدخين للشباب الذي يدخّن يقول: نريد أن نتمسك بفتوى أي رجل ينتسب إلى الشرع! فليتقوا الله .
والآباء عليهم مسئولية، فلا بد أن يدخل بالليل على أولاده وهم نائمون، ويشم رائحة فم ولده، فإن وجد النيكوتين يخرج منه عرف أنه يدخّن، فيحاسبه على ما أنفق، ثم يقدّم له الأسوة الطيبة والنماذج التي ماتت بسبب هذا المرض العضال، حتى يفهم الولد أن هذا من الخبث، ويبعده عن أصدقاء السوء الذين يأخذون بيده إلى التهلكة.
стр. 474
الأسئلة
стр. 475
حكم العادة السرية
السؤال
فضيلة الشيخ آسفة على جرأتي في السؤال ولكني مضطر إلى ذلك، هل ممارسة الرجل للعادة السرية وهو مستيقظ حلال أم حرام، علماً بأنه متزوج؟
الجواب
هذا إدمان ومرض، فإن عندك ما أحل الله لك، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فالعادة السرية حرام حرام حرام، وإن كنت متزوجاً فالحرمة أشد؛ لأن الحرام يزداد أكثر حينما تكون دوافعه أقل؛ لذلك الزنى حرام، والزنى بزوجة الجار أشد حرمة؛ لأنه من المفترض أن يحافظ الجار على جاره، وإذا جاء الرجل من خارج البيت ووجد جاره في بيته لعلة أو لسبب لم يستغرب من هذا الأمر، لكنه يستغرب إذا وجد رجلاً أجنبياً، فاستغلال الجار لثقة جاره وزناه بامرأته يجعله أشد حرمة؛ لذلك حينما سُئل النبي ﷺ : (أي الذنب أعظم؟ قال: الشرك بالله، قيل: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يُطعم معك).
стр. 476
أخذ العلم من العلماء مع غض النظر عن أي خلاف بينهم
السؤال
إن أحد العلماء يحذر الإخوة من الحضور إلى مسجد العزيز؛ لأن الدرس فيه تكفير، وبالفعل قد امتنع البعض، فما رأيكم؟
الجواب
الذي يمتنع عن الحضور له أن يمتنع، لكن يا إخوة! كفانا نقلاً للكلام، خذ الحق واترك الباطل، ولا تنقل الباطل، واطو ولا ترو صراع الأقران، فالعلماء الأقران من عادتهم أن يقع بعضهم في بعض، والغيرة والحسد لا تزال موجودة عند العلماء أو طلبة العلم، فأقول: اسمع من أذن وأخرج ما تسمع من الأخرى طالما أنك تنتفع وتستفيد، فمن قال لك: اسمع لفلان ولا تسمع لفلان إنما يتهمك في عقلك، وكأنه يقول لك: أنت لا تعرف التمييز، إذاً: فهذا اتهام لعقلك أنت؛ لأنك لا تستطيع أن تميز بين الحق والباطل، فاحضر الجميع وميّز، واقبل الحق ورد الباطل، ولا تترك لنفسك الحرية في نقل الكلام بين العلماء، فهذا مضيعة للوقت، واستهلاك للعمر في غير ما يجدي.
فإن كان هناك من يحذّر من دروس هذا المسجد ومن خطبه اسمع وكأنك لم تسمع، طالما أن الكلام على غير الواقع، فإن كان على الواقع وقد شاهدت بنفسك الواقع فاستجب، المهم أن تسلم نفسك لنفسك أنت، ولا تسلّم نفسك لسواك ليحدد لك الطريق، فتلك هي المصيبة الكبرى، فأنت لك عقل ولك فكر، وأنت مخلوق مثل الشيخ، فطالما أن الشيخ يحذرك من فلان فلا تكن كالصوفي الذي يقول لأخيه عند الدخول على الشيخ: اخلع عقلك على الباب كما تخلع الحذاء، أي: أنه لا عقل لك، وكن بين يدي شيخك كالميت بين يدي المغسلّ، وهذا تسليم بكل شيء، لكننا مع الحق ونقبل الحق حتى ولو كان الحق من الشيطان الرجيم، فلقد قبِل أبو هريرة ﵁ قول الشيطان في حديث البخاري: إذا أويت إلى مضجعك فاقرأ آية الكرسي، فقال له النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب)، وقال النبي ﷺ : (الحكمة ضالة المؤمن).
стр. 477
حكم الغرامة عند عدم الإتيان بالمستعار في وقته المحدد
السؤال
يوجد عندنا في المسجد مكتبة لاستعارة الأشرطة، ومدة الاستعارة يومان، وبعد ذلك غرامة تأخير قدرها خمسون قرشاً عن كل يوم تأخير، وتُجمع الغرامات لشراء أشرطة للمكتبة، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا يجوز هذا الفعل في المسجد، فإنني حين أعطي الشريط ثم أفرض غرامة لعقوبة التأخير فهذا هو الربا، وعليه فالتأجير يجوز، لكن التأخير بغرامة لا يجوز؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] وأين الميسرة في هذا الفعل؟ أنتم الآن تقلدون البنوك الربوية، فهذا لا يجوز.
стр. 478
حكم التجارة في العملة وبيان شروطها
السؤال
ما حكم التجارة في العملة؟ وما هي الشروط الواجب توافرها فيها؟
الجواب
التجارة في العملة حرام؛ لأنها إخلال بالمصالح المرسلة وضرر بالاقتصاد الوطني.
وأما ما الشروط الواجب توافرها فيها فيحددها ولي الأمر.
стр. 479
تعليم الناس الخطأ والصواب وغض النظر عن أي جماعة إسلامية فيها أخطاء
السؤال
ما رأي فضيلة الشيخ في جماعة التبليغ؟
الجواب
يا أخي الفاضل! نحن في حاجة إلى التجميع ولسنا في حاجة إلى التفريق، حتى ولو كانت الجماعة عندها خلل بطرق كتابة العلماء فيها، ثم من منا ليس عنده خلل؟ كلنا لا يسلم من خلل، فالمشكلة أن يتفرغ بعضنا لبعض: مرجئة، معتزلة، خوارج، مكفرة، ونظل نتهم بعضنا البعض، يا أخي! انشغل بالعلم وبتعليم الناس الصواب، والناس تفهم الصواب من الخطأ بمفردها دون أن تجرّح، فإن هذه مصيبة ابتلينا بها في هذا الزمن.
стр. 480
من منهج القرآن: عدم التعميم في إصدار الأحكام
السؤال
أصبح الناس الآن معدومي الأخلاق، وكلما أذهب إلى أي مسجد أجد الأخوات معدومات الأخلاق؟
الجواب
هل أنت من غير الناس؟ صاحب السؤال يبدو أنه لُدغ فكتب السؤال منفعلاً، ويقول: كل الناس.
يا أخي! ربنا يعلمنا العدل في القرآن فيقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥]، فهذه الآية تعلمنا عدم التعميم: منهم ومنهم، وهذا هو المنهج العلمي، فأنت لا تقل: كل الناس لا أخلاق عندهم، ولكن قل: بعض الناس، أو قل: يوجد من الناس، فالقرآن يعلمنا عدم التعميم في الأحكام، أي: أن واحداً يتعامل مع أخ ملتح لُدغ منه بالتعامل المادي، فهل تقول: كل الملتحين هكذا؟ هل هذا منطقي؟ وإذا رأى منتقبة مثلاً يصدر منها فعلاً ليس شرعياً يقول: كل المنتقبات هكذا، وتلك هي المصيبة، فإن لغة التعميم لا تقبل حتى في البحث العلمي، وطالب العلم لا يُقبل منه أن يعمم الأحكام، فربنا يقول في كتابه حينما يتحدث عن أهل الكتاب: وإن منهم، وإن منهم ليعلمنا عدم التعميم في الأحكام.
стр. 481
حكم التبول واقفاً
السؤال
هل يجوز التبول واقفاً سواء بعذر أو من غير عذر؟
الجواب
يجوز من عذر، أما من غير عذر فلا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وللحديث بقية إن شاء الله، وجزاكم الله خيراً.
стр. 482
بناء البيت دروس وعبر
أمر الله إبراهيم وإسماعيل ﵉ أن يرفعا قواعد البيت الحرام، فامتثلا أمر ربهما ، واستجاب الله لدعوة نبيه إبراهيم ﵇، فبعث الله رسولاً في هذه الأمة من أنفسها، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وقد كان العرب قبل ذلك في ضلال مبين.
стр. 483
المؤامرة على الحج والعمرة
الحمد لله رب العالمين ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل البيت مثابة للناس وأمناً، وأشهد أن نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه القائل: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر كما تنفي النار خبث الحديد)، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فقال للناس في حجة الوداع: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فاسمحوا لي أن أتوقف عن التفسير في أشهر الحج؛ لأن الله يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، وهذا رأي جمهور العلماء، وهذا أولاً.
ثانياً: أني ألمح مؤامرة خبيثة على الحج والعمرة ممن رضعوا من عصارة العلمانية، وممن دفعتهم يد خبيثة تكره الإسلام، وتبغض للأمة أن تلتف حول بيت ربها ، فإذا بأقلام مسعورة تكتب: لابد أن ننظر في قضية العمرة والحج؛ لأنها تستنزف اقتصاد البلاد، وتؤثر على الخزينة العامة، وتضيع أموالنا في غير موضعها، الله أكبر! أما نظروا إلى حفلات الرقص الماجنة في الفنادق، والتي ينفق فيها في ساعات قليلة أكثر من مائة ألف أو من خمسين ألفاً، وربما ينفق على رقصة هابطة خمسين ألفاً، أما نظروا إلى البلايين التي تتسرب من أموال الفقراء إلى بنوك أوروبا، أما نظروا إلى مظاهر الترف والإسراف الذي نعيشه ولا يخفى على أحد، لقد ضاقوا ذراعاً بالحج والعمرة، فقالوا: لا يمكن لأحد أن يكرر العمرة في أقل من خمس سنين فضلاً عن الحج، فنقول: نحن مع التنظيم، لكن من رزقه الله سعة في ماله فأنفق، وأدى حق الله عليه، وأراد أن يطوف كل عام ببيت الله فهل يملك أحد أن يمنعه؟ تعالوا بنا إلى سيرة السلف لننظر كم كانوا يحجون، وكم كانوا يعتمرون، والنبي في حديث يبين لنا أن علاج الفقر هو المتابعة بين الحج والعمرة، وأن من مفاتيح الرزق أيضاً المتابعة بين الحج والعمرة، ولذلك عندنا مفهوم خاطئ ألا وهو: أننا نؤخر الحج إلى آخر الحياة، فتجد غالب حجاج مصر قد جاوزوا السبعين أو الستين بعد سن المعاش، وربما لا يستطيع أن يؤدي النسك، وهو يملك أموالاً لا حصر لها، لكن مع ذلك يقول: أولاً أبني العمارات، وأزوج البنين والبنات، وأغير موديلات السيارات، وأقتني أرقى الأجهزة، ثم أحج بعد ذلك! لابد أن تعلم أن الله يقول: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، وتأمل لـ سعيد بن جبير وهو يقول: كان لي جار موسر، فمات ولم يحج بعد، فأبيت أن أصلي عليه.
وأريد من الدارسين أن يأخذوا شريحة واحدة من المجتمع، كالأطباء، أو المحامين، أو أي شريحة تتقاضى أجوراً مرتفعة، وانظر إلى دخلها، فيقول لك: أنا غير قادر على الحج! وهو يملك الآلاف المؤلفة من المال، لكن الشيطان يوهمه، لذلك كانت قضية الحج والنظر إليها من أهم القضايا.
فهذا هارون الرشيد كان يحج عاماً ويجاهد عاماً، وابن حنبل حج خمس مرات؛ أربعاً راكباً ومرة ماشياً على قدميه، يقول: خرجت مع يحيى بن معين نقصد الحج، ثم بعد الحج عزمنا على أن نرحل إلى صنعاء لنسمع الحديث من عبد الرزاق، فهمه حج ثم طلب للعلم، فبينما يحيى يطوف بالبيت إذ قابل عبد الرزاق فقال: يا أحمد ها هو عبد الرزاق قد كفانا مشقة السفر إلى اليمن، فهيا بنا نسمع الحديث منه هنا بجوار بيت الله، فقال ابن حنبل: يا يحيى خرجت من بغداد ونيتي أن أسمع الحديث في صنعاء، فلن أغير نيتي في طلب العلم، وأبى أن يسمع شيئاً ورحل بعد الحج إلى صنعاء.
لذلك أقول: لا داعي لهذه الترهات، فمليوني موحد في ليلة سبع وعشرين من رمضان يؤمنون خلف إمام واحد، ومكة قد أغلقت كل طرقها، والجميع على قلب رجل واحد، والكل يبكي لربه، إنه مظهر يزعج قوى الشرك ويقلق قوى الكفر، إذاً: سيقول الحاقدون: لابد أن نخطط لتدميره، والأقلام المأجورة تكتب دون وعي ولا حس، فاتقوا الله في الأمة، فإنه لم يبق لنا إلا الحج والعمرة، ثم ماذا تريدون بعد ذلك؟ أخشى أن يوجهوا الناس إلى مكان آخر للحج!
стр. 484
منهجية البخاري في التصنيف وترجمة سعيد بن جبير رحمه الله تعالى
أما حديثنا اليوم فحول حديث أورده البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، وقبل أن أسترسل في الحديث الذي يحكي لنا قصة بناء بيت الله ، وكيف بناه إبراهيم، وما الدروس المستفادة من هذا الحديث الطويل، أريد أن أنبه سريعاً، أو أن ألفت النظر سريعاً إلى منهج البخاري في التصنيف، وترجمة لـ سعيد بن جبير رحمه الله تعالى.
إن منهجية البخاري في صحيحه أنه قسم الكتاب إلى كتب، وعدد كتبه سبعة وتسعون كتاباً، أولها كتاب: بدء الوحي، ثم الإيمان، ثم العلم، ثم الوضوء، ثم الغسل، وهكذا حتى ختم بكتاب التوحيد، ثم قسم الكتب إلى أبواب، وفقه البخاري في تبويباته جدير بأن يدرسه العلماء.
وحينما أقول سعيد أذكر في الحال الحجاج بن يوسف الثقفي؛ لأنه هو الذي قتل سعيداً ظلماً، فقد جاء في ترجمة الحجاج: أنه لما كان على فراش الموت وجاءه ملك الموت كان ينتفض ويقول: ما لي ولـ سعيد، ما لي ولـ سعيد، تذكر ذلك الدم الذي قتله ظلماً.
أخذ سعيد بن جبير الحديث والقرآن من فم ابن عباس ﵄، وتتلمذ على يده، وسمع منه القرآن تلاوة وتفسيراً ولازمه، وهذا معناه: أنه لابد لك أن تلازم شيخاً، فالعلم لا يؤخذ هكذا كما بينا قبل ذلك، فقد صعد سعيد يوماً إلى سطح المسجد مع تلامذته فقال لهم: سلوني عما شئتم، فيوشك ألا تروني بعد ذلك، وكأنه استشعر باقتراب أجله، وفي هذا دليل على أن العالم ينبغي له أن يخرج على الناس ويقول: سلوني، وهذا ليس فيه شيء، ولا ينبغي للعالم أن يضع العراقيل أو القيود على بابه، بل عليه أن يعرض نفسه على الناس، فقد جاء في الحديث عند البخاري (أن النبي ﷺ كان يبرز للناس ليسألوه)، فلا مكان للعالم الذي يحجب نفسه ويغلق هاتفه ويقيد حركته، لابد للعالم أن يكون متواضعاً مع طلبة العلم، فيعطيهم من وقته، ولا يبخل على أحد منهم طرق بابه في ليل أو نهار، لأن ذلك هو زكاة العلم، والعلم يزكو بالإنفاق والمال تنقصه النفقة، وهذا نقصان ظاهري حتماً.
أيضاً في قول سعيد -سلوني- إشارة إلى منزلة العلماء الربانيين، العلماء الذي لا يصدرون الفتوى حسب الطلب والأهواء، وحسب الحجم والظروف والأحوال، فتارة فوائد البنوك حرام بإجماع مجمع البحوث، وتارة فوائد البنوك حلال بأغلبية مجمع البحوث، الله أكبر! من قال بالأمس: إنها حرام عاد يحلها اليوم، ما الذي حدث يا عبد الله؟! وماذا يكون الربا إن لم تكن فوائد البنوك ربا، ببساطة شديدة: البنك شخص معنوي، واعتبرني بنكاً مثلاً فآخذ منك مبلغاً وأعطيك فائدة ثابتة ١٠%، والآن انخفضت إلى ٨% في حالة الإيداع، فيأتي آخر يريد أن يقترض من البنك، ففي هذه الحالة هو مقرض، وفي الحالة الأولى مودع، فبكم يعطيه؟ ١٨%، يعني: عمله يأخذ المال من هذا بسعر فائدة قليل، ويعيد إقراضه بسعر فائدة أعلى، أليس هذا هو عين الربا يا عباد الله؟ إن الربا هو: النماء والزيادة، ولكن لمن نقول؟ ومن يسمع؟!
стр. 485
الغيرة عند النساء
وعلى كل فقد أخذ تلاميذ سعيد بن جبير يسألونه حتى أكثروا عليه السؤال، وفي هذا إشارة إلى حرصهم على طلب العلم أيضاً، فلما أكثروا عليه السؤال سألوه عن قصة مقام إبراهيم، فقال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: لما كان بين إبراهيم وزوجه ما كان، أي: لما كان بين إبراهيم وزوجته سارة؛ لأن إبراهيم ﵇ تزوج من سارة وظل أكثر من ثمانين عاماً لم ينجب منها، ولما نزلت سارة إلى مصر، ودخلت على ملك ظالم فراودها عن نفسها، والقصة معروفة في حديث آخر، والمهم أنها دعت عليه فأصيب بشلل نصفي مرات عديدة، فقال: أخرجوها فلقد أدخلتم علي شيطانة، وأعطاها مملوكة أو أمة اسمها: هاجر، فلما أخذتها أعطتها لإبراهيم ﵇، فتزوج إبراهيم من هاجر، ولما تزوج من هاجر حملت منه، وغيرة النساء معلومة، فالأولى لم تحمل والثانية حملت.
لذا لابد أن القديمة ستغار، ولا يمكن أن نغض الطرف عن الغيرة في الصالحات، ففي الحديث عند البخاري: (أن النبي ﷺ بات عند عائشة في ليلتها، فأرسلت إليه إحدى زوجاته طعاماً في إناء، فقالت عائشة: هو في ليلتي وترسل إليه طعاماً! فأخذت الإناء وألقته إلى الأرض فانكسر إلى نصفين)! غيرة منها ﵂، (فأخذ النبي يقول: غارت أمكم، ويجمع الطعام من الأرض) دون تعنيف، (ثم دخل إلى حجرة عائشة فأحضر إناء بدل الإناء المكسور، وأرسله ﵊ إلى زوجته)، وقد غارت عائشة كثيراً من خديجة ﵂، وما غارت من أحد من زوجاته بقدر ما غارت من خديجة ﵂؛ لأن النبي ﵊ كان وفياً لـ خديجة ﵂، وهذا هو خلق النبي ﵊، فكان كلما جاءته امرأة يعرفها أيام خديجة يقوم لها ويقول: (كانت تأتينا أيام خديجة)، فكان يذكرها ﵊ في المدينة بعد مدة طويلة، وعائشة تستمع لذلك فتأخذها الغيرة فتقول: (يا رسول الله لا تزال تذكر عجوزاً من عجائز قريش، لقد أبدلك الله خيراً منها، قال: والله ما أبدلني الله خيراً منها، لقد صدقتني حين كذبني الناس، وآمنت بي حين كفر الناس، وأعطتني حين منعني الناس، ورزقني الله منها الولد)، ﵂ وجاء جبريل يقول: (يا رسول الله! إن ربك يأمرك أن تقرئ خديجة السلام منه، وأخبرها أن لها بيتاً في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا وصب).
والغيرة قد تكون أحياناً محمودة، وقد تكون أحياناً مذمومة، وطالما أن الشرع يقيدها فلا بأس؛ لأنها من طبائع النساء، فلما غارت سارة فرق بينهما إبراهيم ﵇، والرجل الحكيم هو الذي لا يجمع بين زوجتين في مكان واحد، وذلك حتى لا تدب الغيرة بينهن، فأخذ إبراهيم هاجر وانطلق بها إلى مكة بأمر ربه بعد أن ولدت له إسماعيل ﵇، واتخذت هاجر لباساً أو معطفاً يجر على الأرض، وربطته على رأسها أو في وسطها، حتى تخفي أثرها على سارة فلا تعرف لها طريقاً.
стр. 486
الأخذ بالأسباب والثقة بالله
وعند وصول إبراهيم وزوجه إلى بيت الله وجده مكاناً قحلاً لا زرع فيه ولا نبات، ولا ماء ولا طائر، فوضع إبراهيم إسماعيل وأمه في هذا المكان القحل وتركهما، فنادته هاجر يا إبراهيم! فما التفت إليها، لكنه ما ضيع زوجته وولده، فقد وضع لهما إناء فيه ماء، وجراباً فيه تمر، وهذا يشير إلى أن الإنفاق على الزوج والولد مسئولية الزوج، والله هو الذي أمر بذلك، لكن للأسف الشديد تجد بعض الرجال يغيب سنوات ولا يدري من أين تنفق الزوجة والأولاد؟! وإنا لله وإنا إليه راجعون، أو يعمل نفسه -أي: الزوج- أنه ليس بفاهم، فيأتي في الظهر ويجد طعام الوجبة تساوي مائتي جنيه ومرتبه كله مائة وعشرون جنيهاً، واليوم الثاني كذلك، بل والشهر كله، ولا يسأل عن مصدر الدخل؟! ولذلك هناك أمور لا ينبغي للزوج أن يتغاضى عنها، كالسؤال عن مصدر الدخل والإنفاق وغيرها من الأمور، وظلت هاجر تنادي على إبراهيم ولا يجيب، حتى وصلت إلى مكان اسمه (كداء)، وهو بعد مكة بقليل، فسألته فقالت: يا إبراهيم أربك أمرك بهذا؟ فلا يمكن أن تتركنا على هذه الطريقة إلا إذا كان ربك أمرك بهذا، فالتفت إليها قائلاً: نعم، فقالت المرأة المؤمنة التقية المحتسبة: إذاً فلن يضيعنا الله، ولننظر لو أن أحدنا فعل هذا مع زوجته لاتهمته بالجنون؛ لأنه ليس عندها ثقة ويقين في الله، بينما هذه امرأة تعلمنا أن نثق في وعد الله، وأن نثق في نصر الله، ونوقن أنه كلما ضاقت الأمور سيأتي الفرج بإذن الله سبحانه، والله حافظ دينه مهما تآمر المتآمرون ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، وكلما ضاقت فرجت، وأن بعد العسر يسراً، وأن بعد ظلام الليل فجراً، وبعد ألم المخاض وضعاً، فلا تحزن فإن النصر قادم لا محالة، لأنه دين رب العالمين، فهو الذي يحفظه، وهو الذي يؤيده، وهو القادر .
ولما قال ذلك إبراهيم سلمت الأمر إلى ربها ثقة ويقيناً به ، ولما ذهب إبراهيم من عندها واختفى عنها وعن ولدها دعا ربه -وهذا من حكمته عليه الصلاة السلام- حتى لا تصاب بقلق واضطراب، فرفع يديه قائلا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، دعا إبراهيم ربه ثم انصرف إلى أرض الشام، لكنه ترك هاجر المحتسبة الصابرة، فنفد الماء، ونفد التمر، وانقطع الغذاء، وجف صدرها عن اللبن، وما وجدت لبناً لإرضاعه، ويوماً بعد يوم وإسماعيل يتلوى على بطنه وظهره من شدة العطش وألم الجوع، والأم لا تجد شيئاً، فتقوم بأخذ الأسباب، فتتركه وتصعد إلى أعلى جبل الصفا؛ لعلها تحس من أحد أو تجد أحداً، ثم تنزل إلى بطن الوادي تلك المنطقة المحصورة بين علمين أخضرين الآن، ثم تهرول سريعاً إلى آخر الصفا لعلها تجد أحداً، وهي بعد كل شوط تعود إلى ولدها فتنظر في حاله، وللأسف الشديد نجد اليوم بعض الآباء والأمهات يتركون الأبناء سنوات عديدة لا يعرفون هل هم أحياء أم أموات؟! وكأنهم ما أنجبوا ولداً، والولد أمانة لابد أن تطمئن عليه في كل يوم وليلة، لذلك صدق من قال: أرضعوا الأطفال في المهد الحرام علموهم فحشهم قبل الكلام هدهدوهم بغناء بفسوق فإذا شبوا فماذا يصنعون؟ فأول أمر نعلمه للأبناء الصغار: يا ولد سب عمك، وابصق في وجه جدك، الله أكبر! ولا نعلمه التوحيد، ولا نأخذ بيده إلى الفقه، ولا نعلمه الأذكار، (علموا أولادكم الصلاة لسبع)، (يا غلام احفظ الله يحفظك)، غلام لم يبلغ الحلم، ومع ذلك يعلمه النبي ﷺ العقيدة الصحيحة والسليمة.
ولم تيأس هاجر ﵍، بل أخذت بالأسباب، وما تركت السعي بعد شوطين أو ثلاثة، بل قطعت سبعة أشواط من الصفا إلى المروة، لعلها تجد فرجاً، ولعلها تجد مخرجاً، فإذا بصوت ينادي فقالت لنفسها: صه، أي: أنصتي فهناك صوت، فإذا بجبريل يأتيها في صورة حسنة فقال: من أنت؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم، تفتخر بزوجها، فقال لها: كيف ترككم هنا؟ ولمن وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله، فقال جبريل: لقد وكلكما إلى عظيم، ثم ضرب الأرض بجزء من عقبه أو بطرف جناحه، والشك من الراوي كما جاء في الرواية.
وقد أخبرني أحد الإخوة أنه سمع عالماً يتحدث في الإذاعة ويقول: من قال: إن للملائكة أجنحة فهو كذاب؛ لأن الملائكة ليس لها أجنحة، وإنما هي مجاز، كقول الله سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، يشير إلى التواضع، يا عبد الله! أما تتقي الله في دينك، أما علمت أن النبي قال: (رأيت جبريل وله ستمائة جناح)، أما علمت أن جبريل حمل قرى لوط على جزء من جناحه، أما قرأت في قول المفسرين لقول
стр. 487
حرص الإسلام على الزوجة الصالحة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله.
أما بعد: فبعد أن نبع الماء أتى فوق الماء طير، والعرب كان عندهم ذكاء، إذ كانوا يفهمون بالإشارات والقرائن، وعلم القرائن مهم جداً، ولذلك قالها شاهد يوسف: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٢٦]، فالقرينة دائماً تفيد معنى، ومن ثم قال الفقهاء: لو أن امرأة بكراً حملت لكان ذلك قرينة على الزنى، لأنه كيف تحمل وهي بكر؟! إذاًَ لابد من قرينة واضحة، فكذلك رأت قبيلة جرهم -قبيلة عربية أصيلة تتحدث العربية بطلاقة- طائراً يحلق من بعيد، فأرسلت رسولها إلى مكان الطائر فوق الماء لينظر هل هناك من أحد أم لا؟ فوجد هاجر مع ولدها والماء بجوارهما، فأخبر قبيلته فجاءوا جميعاً إلى هاجر يستسمحونها أو يأخذون الإذن منها على أن يقيموا معها في هذا المكان، فوافقت هاجر على ذلك، لأنها تحب الأنس، والإنسان أليف بطبعه وليس انطوائياً، وهو اجتماعي يؤثر ويتأثر، وكما يقول علماء الاجتماع: هو وليد البيئة، يعني: يتأثر بالبيئة وتؤثر فيه، وهذا لا شك فيه، ولذلك كان من شروط توبة الزاني غير المحصن أن يقام عليه الحد: (جلد مائة وتغريب عام)، فتغريبه عن المكان سنة، لينسى البيئة وتنساه البيئة، وأيضاً فإن أرض المعصية تذكره فلابد أن ينساها وتنساه، ومن ثم قال العلماء: الهجرة أنواع، منها: هجرة الأوطان، فإن كان الوطن لا يساعدك على طاعة الله وإنما يدفعك إلى معصية الله فارحل إلى بلد آخر يعاونك على طاعة الله .
ولما جاءت قبيلة جرهم عند هاجر وابنها إسماعيل وشب إسماعيل بينهم، ألهمه الله الفصاحة والتحدث بالعربية بطلاقة، فأعجبت قبيلة جرهم بشخصية إسماعيل، فأرادوا أن يزوجوه منهم فتزوج منهم، وبعد أن ماتت هاجر رحمها الله تعالى جاء إبراهيم يطمئن على أهل بيته، فلم يجد هاجر ووجد بيت إسماعيل ﵇، فلم تعرفه زوجة إسماعيل، وإنما رأته شيخاً كبيراً وعليه غبار السفر، إذاً يحتاج إلى رعاية وضيافة وحسن استقبال، لكن أول ما وصل إلى بيت إسماعيل سأل عن حالهم، وانظر إلى هذه الزوجة -وما أكثرهن إلا القليل- تشكو زوجها للغريب، ولا تعرف للزوج الحقوق، ولا تعلم أنه إبراهيم والد إسماعيل، فقال لها: كيف حالكم؟ قالت: شر حال: في ضيق عيش وفي كد وتعب، وظلت تشكو الخالق إلى المخلوق، وما حمدت الله وأثنت على زوجها، وإنما كانت ناكرة جاحدة، فقال لها إبراهيم: إن جاء إسماعيل فأقرئيه السلام، وفي الحديث: إن إسماعيل خرج للصيد، وإلى شبابنا أقول: احذر أن تكون كسولاً لا عمل لك، وعلى شماعة الالتزام تلقي هذا الإهمال، فتقول: أنا لست فاضياً للعمل وإنما عندي ورد، وعندي دراسة، وعندي مجلس علم، فتتأخر في دراستك ولا تكون منتجاً، وتعيش عالة فتسيء إلى نفسك وإلينا جميعاً، وإنما اعمل، واكدح، (فإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده)، والعمل قيمة يا عبد الله فلا تركن أبداً، فهذا إسماعيل يخرج للصيد، وموسى يرعى الغنم ﵇، وما من نبي إلا وله صنعة يأكل منها، وهي مصدر وسبب في رزقه، ولذلك عندما جاء إبراهيم إلى بيت ولده لم يجده نائماً، أو جالساً أو مضطجعاً، لا، وإنما وجده في عمله.
ثم قال إبراهيم لزوجة ابنه: وأخبريه أن يغير عتبة بيته، فشبه المرأة بالعتبة، لأن العتبة تحفظ البيت وتصونه، وهي محل الوصل أيضاً، فكذلك المرأة صيانة للبيت وحفظ له، ولما جاء إسماعيل من الخارج لابد أن يطمئن ماذا حدث حال غيابه؟ ومن اتصل؟ ومن سأل؟ وما أخباركم؟ وما حالكم؟ فهذا هو الزوج، والذي ينام دون أن يسأل يلقي التبعة على غيره، فقالت زوجته: جاء رجل صفته كذا وكذا، ووصفته بأقبح الوصف، ولم تكن حتى في لسانها طيبة، ثم قال لها: ماذا قال لك؟ قالت: قال: أقرئيه السلام، وأخبريه أن يغير عتبة بيته، قال: أنت العتبة وهذا أبي، فالزمي بيت أهلك، طاعة لوالده.
وهنا نقول: إن أمرك الأب بطلاق زوجتك أتفعل؟ المسألة تحتاج إلى توقف، فإن كان الأب يأمر بذلك لسبب شرعي ديني فاستجب، وإن كان يأمر لهوى في نفسه فلا، ولذلك لما أمر عمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته قال له النبي ﷺ : (يا عبد الله أطع أباك وطلق امرأتك)، فسئل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة فقال: إن كان أبوك إبراهيم وأنت إسماعيل فافعل! لذا قد تجد بعض الآباء يأمر بطلاق زوجة ابنه لأنها لا تحمل نعله عند دخوله إلى البيت! فهل هذا سبب يدعوه لطلاقها؟! وبعضهم قد يجبرها على أن تفعل أشياء ربما لا تكون في الشرع أصلاً، أو ربما يأمر ابنه بطلاق زوجته لأنها من
стр. 488
أمر الله لإبراهيم وإسماعيل بأن يرفعا قواعد البيت الحرام
ثم عاد مرة ثالثة وقد شب إسماعيل وكبر، فجاءه متأخراً وقال له: يا بني إن الله أمرني أن أرفع قواعد بيته، فقال الابن: يا أبت افعل ما تؤمر، قال: وأمرك أن تعاونني، قال: سمعاً وطاعة، فأخذ إبراهيم يرفع القواعد وإسماعيل يعاونه حتى انتهى إبراهيم إلى طوله فجاء بحجر فوقف عليه، وذلك هو المقام، فقام إبراهيم حتى رفع الكعبة إلى تسعة أذرع وعاد بها إلى بناء آدم وهو يقول هو وولده: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٨]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، أي: لا دين مقبول عند الله إلا الإسلام، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، دين الأنبياء هو الإسلام، قالها إبراهيم وهو يرفع القواعد، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨ - ١٢٩].
قال ﵊: (أنا دعوة أبي إبراهيم، ونبوءة أخي عيسى، ورأت أمي حين ولدتني نوراً أضاء لها قصور الشام)، والحديث في سنن أبي داود وهو صحيح، وعلى كل بنى إبراهيم الكعبة أو أعاد بناءها، ورفع القواعد -وكان مقامه بجوار الكعبة إلى أن جاء زمن عمر فأبعد المقام من الكعبة حتى يتسع المطاف- وعند ذلك ارتقى إبراهيم فنادى: إن الله قد فرض عليكم الحج، فسمعه من شاء الله أن يسمعه، وقال من قدر الله له: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إجابة تلو إجابة، وستستمر الإجابة رغم أنف الحاقدين إلى أن يشاء الله رب العالمين سبحانه: يا راحلين إلى منى بقيادي هيجتموا يوم الرحيل فؤادي طبتم وطاب دليلكم يا حيرتي الشوق أقلقني وصوت الحادي ويطيب لي ما بين زمزم والصفا عند المقام سمعت صوت منادي من نال من عرفات نظرة ساعة نال السرور ونال كل مرادي اللهم اكتب لنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، اللهم ارزقنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً متقبلاً.
اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، ولا تفضحنا يا رب يوم العرض.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك.
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا.
اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك.
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم اربط على قلوب الموحدين.
اللهم عليك باليهود ومن والاهم، اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بشر فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، فرج كرب المكروبين، ارفع الظلم عن المظلومين، استجب لدعاء الموحدين فإنك على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وأنت بكل جميل كفيل.
آمين آمين آمين.
وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 489
التحذير من الاحتفال بأعياد المشركين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فقبل أن أجيب عن الأسئلة هناك أمر لابد أن نحذر منه، وأن نرشد من لنا عليه ولاية، ألا وهو: الاحتفال بأعياد (الكريسمس)، أو ما يسمونه بـ (رأس السنة)، حيث تعم المعاصي ويسود الفجور، فتشرب الخمور ويحصل الرقص والدعارة، وأهل الباطل يتنافسون، فمنهم من يقول: عندنا أفضل الرقص، وأجود الغناء، ومع النجم الساطع الساهر إلى طلوع الفجر، والناس تحجز من الآن بآلاف الجنيهات، وأنا أقول لمن يدعون إلى حفظ الأموال: بدلاً من أن تحاربوا الحج والعمرة حاربوا هذه الخلاعة، نسأل الله العافية، ولذلك لابد أن نعلم أنه لا شأن لنا بهذه الأعياد أبداً من بعيد أو من قريب.
وقد قال كثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]، أي: الذين لا يشهدون أعياد المشركين، وإبراهيم ﵇ حينما دعاه القوم للاحتفال معهم في أعياد النمرود قال لهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، أي: سقيم من فعلكم، سقيم من حالكم ومما تصنعون، وقد كانوا يخرجون بالأصنام وليس هناك طبل ولا رقص، ولا اختلاط ولا شرب لما لا يرضي الله ، ولا سهر إلى الفجر فيما لا يرضى عنه رب العالمين.
ولذا فأقول: ينبغي أن تحذر من لك عليهم ولاية، وانصح فقط لا غير، لكن لا يمكن بحال أن تأمر وتنهى من لا يستجيب لك، وإنما أقم عليه الحجة بحكمة ورفق ولين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، وهذه نصوص تبين أن وظيفتك البلاغ لا أكثر ولا أقل، ومن سار على نهجه ﷺ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، أي: على علم، والبعض قد يخرج ورقة كتب عليها حكم الاحتفال ويوزعها، وربما قد تحدث ضجراً أو تحدث قلقاً، أو تكون سبباً في مشاكل معينة، فلا داعي لذلك، وإنما بلغ في إطارك، فإن البعض قد يتعجل وقد يكون عنده انفعال في التغيير، فنقول له: الحكمة ودراسة المصالح والمفاسد لابد منها في الدعوة إلى الله ، وربما توزيع الورقة مصلحة، لكن المفسدة المترتبة على ذلك أكبر بكثير، فتتسبب في كذا وكذا، وعند ذلك أنت لم توازن بين المصالح والمفاسد، فأقول: الدين كله مبني على المصالح والمفاسد، فادرس هذه المسألة مع العلماء، وقل وبلغ دون ضرر بأحد، وأيضاً لابد أن ننبه لهذا، وأن نناشد الناس بالمخالفة.
لكن قد يقول قائل: قد يكون يوم كذا إجازة، فهل أذهب إلى العمل أم لا؟ فنقول: لا شك أن ذلك لا يمكن، لأن المقصود بالمخالفة: أنك لا تخرج إن خرجوا، ولا تصوم إذا صاموا، ولا تحتفل إذا احتفلوا، وإنما استثمر هذا اليوم في طاعة الله ، فاعتكف في بيتك، أقم الليل، إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة.
стр. 490
الأسئلة
стр. 491
حكم قيام الليل جماعة بعد رمضان
السؤال
ما حكم القيام جماعة بعد صلاة العشاء في غير رمضان؟
الجواب
بدعة، لأن القيام في جماعة لا يكون إلا في رمضان، ولم يفعل ذلك النبي ﷺ ولا الصحابة، وإنما الذي يجوز هو ما ورد في البخاري من حديث ابن عباس في كتاب الصلاة أنه قال: (بت عند خالتي ميمونة)، (وكان عندها النبي ﷺ ، فقام من الليل ليصلي، فقمت وتوضأت وقمت بجواره)، فقيام ابن عباس ﵁ بجوار النبي ﷺ كان قدراً لا ترتيباً مسبقاً، وعليه إن حصل الترتيب المسبق فذاك بدعة، لكن سيقول قائل: سيدنا عمر قال: نعمت البدعة هي، فالرد: أن عمر بن الخطاب أراد الفعل الذي فعل، فهو عندما جمع الناس على إمام واحد -وهو أبي بن كعب - كان له أصل في الإسلام، وهو أن النبي ﵊ صلى بهم اليوم الأول والثاني ولم يخرج في اليوم الثالث خشية أن تفرض عليهم، فـ عمر عاد إلى الأصل، وانتفت العلة فقال: نعمت البدعة، وقال ابن تيمية: المراد بالبدعة بمعناها اللغوي وليس بمعناها الشرعي، والبدعة لها معنيان: لغوي، وشرعي.
وأما إذا جمع الرجل أهل بيته وصلى بهم فلا إشكال في ذلك، لقول النبي ﷺ : (رحم الله زوجاً قام من الليل فأيقظ أهله ليصلوا معه)، وسواء صلى مفترضاً وهم متنفلون، أو هم مفترضون وهو نفل، فلا حرج في ذلك.
وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه، ألا وهو: قيام بعض الناس في ليلة أول يوم من شوال، وعدم قيامهم في أول ليلة من ليالي رمضان! وهذا مخالف لما عليه الهدي النبوي.
стр. 492
حكم قيام ليلة رأس السنة الهجرية جماعة
السؤال
هل يجوز صلاة قيام الليل جماعة ليلة رأس السنة؟
الجواب
لا يجوز، والمقصود المخالفة لهم في كل شيء، والله تعالى أعلم.
стр. 493
حكم أخذ الفارق بعد وزن الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة
السؤال
هل يجوز لي عند شرائي أو بيعي للذهب أو الفضة أن أزن هذا بهذا وآخذ الفارق بينهما من الثمن؟
الجواب
لا يجوز، وعليه إن أردت أن تشتري ذهباً أو فضة، أو تبيع ذهباً أو فضة أن تجعل كل بيعة على انفراد، فتقبض في مجلس العقد، ثم تعود لصفقة أخرى، أما أن توزن هذه وتوزن هذه وتأخذ الفارق بينهما فلا يجوز؛ لأن بيع الذهب والفضة يخضع لمعايير تختلف عن غيره، والله تعالى أعلم.
стр. 494
حكم بقاء المرأة مع زوجها العاصي
السؤال
زوجة عندها من الأولاد خمسة، منهم بنتان متزوجتان، وهي تصلي بانتظام، لكن الزوج تارك للصلاة ويشرب الخمر، وهي لا ترغب في العيش معه، لكنها تخشى على أولادها، فما نصيحتكم لها؟
الجواب
لابد أن تقيمي عليه الحجة وأن تنصحيه، وأن ينصحه أهل العلم، وأن تتخذي معه كل السبل اللازمة أولاً، ثم إن أصر على ترك الصلاة وشرب الخمر ففارقيه ولا تخشي على الأولاد من البقاء معه، فإن الحافظ هو الله تعالى.
والمرأة التي لا تصلي أيضاً كافرة يا عبد الله! فكيف تبقيها؟! وهل بعد ترك الصلاة من ذنب؟ الناس اليوم يتهاونون في الحكم على من ترك الصلاة، هذا إبراهيم أمر ابنه أن يطلق امرأة جاحدة تشكو الخالق إلى المخلوق وليست تاركة للصلاة، فقال: غير عتبة بيتك، فالمرأة إذا قلت لها: لئن لم تصلي لأطلقنك، فتقول لك: طلقني لكن لن أصلي، فهي اختارت الطلاق على الصلاة، فهذه جاحدة للصلاة تختار الانفصال على أن تصلي وتبقى في بيتها، إذاً الصلاة ثقيلة عليها، وهذا كلام خطير جداً ينبغي أن يكون واضحاً بيناً.
وعليه فإذا نصحت الزوجة زوجها، وأخذت السبل معه، والزوج لا يزال يصر على شرب الخمر وترك الصلاة فيلزمها أن تنفصل عنه في الحال، إما بالطلاق وإما أن تخلع نفساها إن أبى أن يطلقها، أما الأولاد فمن الخطر أن يظلوا تحت هذا الرجل شارب الخمر وتارك الصلاة، وحفظ الأولاد في بقائهم مع أمهم الصالحة، وضياعهم في بقائهم مع هذا الأب الفاسد، وليس من أجل الأولاد نضيع الشرع يا إخواني بارك الله فيكم.
стр. 495
حكم غياب الزوج عن زوجته مدة طويلة
السؤال
هل يجوز للزوج أن يترك الزوجة كما فعل سيدنا إبراهيم عند ما ترك هاجر مدة طويلة؟
الجواب
ترك إبراهيم لزوجته كان لأسباب شرعية، لذا قال العلماء: لا يجوز إلا إذا أذنت الزوجة، والمدة التي يجوز للزوج أن يبتعد عن زوجته هي ستة أشهر أو أربعة أشهر: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٢٦]، قال العلماء: إن زادت إلى ستة شهور فلا شيء عليه، لكن لو قالت الزوجة: لا أطيق أن أفارقك أكثر من ذلك، لزمه أن يأتي، وإلا تطلق للضرر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧].
وعليه لابد أن يراعى حق الزوجة في هذا، وإن قالت الزوجة: امكث السنة وأنا موافقة، فلا حرج في ذلك، لأن ذلك باختيارهما كما فعلت سودة عندما أعطت ليلتها لـ عائشة ﵄، لكن العجب أن بعض الرجال يذهب من بيته فيمكث السنة والسنتين والثلاث، ثم يأتي بالأموال الهائلة وقد ضاع عرضه وأولاده! فبقاؤه مع أهله بجوار زوجته وأولاده في حال ضيق وكرب أفضل بكثير من بنائه للعمارات مع ضياع الزوجة والأولاد، وحدث ولا حرج عن هذا، ثم هل هناك زوج يستطيع أن يفارق الزوجة لثلاث سنوات متتابعات؟! يقول العلماء: من أسباب التعدد: أن بعض الرجال لا يطيق أن يفارق امرأته في مدة الحيض الستة أو السبعة الأيام، ويمكن أن تطول المدة إلى خمسة عشر يوماً، لذلك يقولون: زوج الواحدة يحيض حينما تحيض، وينفس حينما تنفس، وهذا كلام ليس فيه شيء، وإنما لبيانه، فإن كان الرجل عنده قوة ولا يستطيع أن يفارق الزوجة في مدة الحيض، فله أن يتزوج، لكن انقلبت الآن المعايير عند النساء، فتوافق على الزنى ولا توافق على الزواج! وأنا أقول هذا الكلام بشواهد من الواقع، فتوافق المرأة على أن يكون للزوج صديقة ولا توافق أن يكون له زوجة، لكن نقول: التعدد يجب أن يكون بالضوابط الشرعية: من العدل، وعدم الظلم، وإعطاء الحق لكل واحدة منهن، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →