Полный текст (888 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
حكم السلام على تارك الصلاة
السؤال
ما حكم السلام على تارك الصلاة؟
الجواب
إن كان عدم السلام عليه سيكون زجراً له ليصلي فلا تسلم عليه، وإن كان سيكون عوناً له على ترك الصلاة فسلم عليه، فهو على حسب حاله.
فقد تسلم على شخص فيقول في نفسه: الشيخ يحبني، فسأصلي لأجله.
وآخر قد لا تسلم عليه فيسبب ذلك تركه للصلاة وإصراره على تركها عيظاً منك لعدم السلام عليه.
فهذا يكون على حسب حال المدعو، فربما يكون الزجر بالهجر، وربما يكون الأمر بالصلة.
وعلى الإطلاق يجوز السلام عليه إلا إن كان زجراً.
والله تعالى أعلم.
стр. 807
مع خليل الرحمن إبراهيم [٣]
ابتلي إبراهيم ﵇ بلاءً شديداً في الله تعالى في مراحل حياته المختلفة، فقد ابتلي بعباد الأصنام، وبكفر أبيه، ثم بذبح ابنه، والابتلاء سنة من سنن الله لأهل الإيمان؛ لتمحيصهم ورفع درجاتهم.
стр. 808
طريق الدعوة هو طريق البلاء
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣].
خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد.
فاللهم يا مثبت القلوب! ثبت قلوبنا على دينك.
وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا يزال الحديث مع إبراهيم خليل الرحمن جل وعلا، الذي جاء ربه بقلب سليم، والذي آتاه الله كمال الحجة، فأقام البراهين والأدلة على عباد الأصنام والكواكب والنجوم، وحطم الشرك في عصره، وترك ولده الرضيع امتثالاً لأمر ربه بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وهو الذي وفى، وأول من أكرم الضيف، ولبس السراويل واختتن، وبذل ماله للضيفان، وجسده للنيران، وولده للقربان فاستحق أن يكسى عند الواحد الديَّان، وقد قال الله في حقه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠].
ولقاؤنا اليوم مع (إبراهيم والبلاء).
لا بد أن نعلم ابتداءً أن طريق الدعوة إلى الله هو طريق البلاء، ورب العالمين ﵎ بين في كتابه أنه ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧].
وقال جل شأنه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان:٢]، فكأن العلة من وجود الخلق في هذه الحياة البلاء، ومن ثم يقول الحبيب ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، ولن تجد داعية ولا عالماً من سلف الأمة لم يبتل، فلا بد من البلاء.
وحدث عن فتنة الإمام مالك ولا حرج، فلما بايع بعض من كان في المدينة الأمير مكرهاً جاء إلى مالك في درس علمه وقال له: يا مالك! بيعة المكره تقع؟ فقال مالك: لا تقع، فقال له: يا مالك! قل: تقع، قال: لا؛ فإن زلة العالِم زلة عالَم.
فهؤلاء الرجال ما باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، فأبى مالك أن يقولها فأُمِر بجلده، فجلد ﵀ حتى شلت يداه بجواره.
وامتحن الإمام أحمد في القول بخلق القرآن، وحاول بعض خلفاء الدولة العباسية قهره على أن يقول: إن القرآن مخلوق، فقال: من قال: إن القرآن مخلوق فهو زنديق؛ إذ المخلوق يحتاج إلى خالق، وكلمات الله صفة من صفاته، وصفات الله أزلية، وقد كان ﷺ يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، أي: أنه كان يستعيذ بغير المخلوق من المخلوق.
فلن تجد عالماً من علماء الأمة ولا أحداً من سلفنا الصالح إلا وقد ابتلي في الله ، وطريق الدعوة يقول فيه النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره)، فيا من تريد الجنة! طريقها المكاره، وستؤذى في نفسك وفي ب
стр. 809
صبر إبراهيم ﵇ في دعوة قومه
صبر إبراهيم ﵇ على البلاء، وقد كان أمة في الصبر على البلاء، فبعد أن دعا أباه -كما بينا في اللقاء الأول- قام يدعو القوم من عباد الأصنام ويناظر عباد النجوم والكواكب، ويناظر ذلك الملك الظالم، وقد ذكر الله تعالى مناظرته لعباد الأصنام في قوله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٧٠]، وإبراهيم كان يعلم أنهم يعبدون الأصنام، وإنما سألهم عما يعبدون توبيخاً وتقريعاً، وليبين لهم أن الذي يعبدونه لا يستحق العبادة، فكان جوابهم في منتهى الكبر والغرور والعجرفة والثبات على الباطل، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١].
يقول السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن): وحال السؤال مع الجواب في القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحياناً يأتي الجواب في القرآن على قدر السؤال.
وأحياناً يأتي الجواب أطول من السؤال.
وأحياناً يأتي الجواب بخلاف السؤال.
ومثال ما أتى فيه الجواب أطول من السؤال قول الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨]، فالجواب جاء أطول بكثير من السؤال، وقد قال علماؤنا: وإنما قال موسى: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) طمعاً في أن يسأله الله ما هي المآرب الأخرى، حتى يطيل اللقاء مع الله .
وأما ما أتى فيه الجواب أقصر من السؤال فكما في قول الله تعالى لما قال المشركون لرسول الله ﷺ : ((ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ))، فقد طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن، أو أن يبدله، فكان الجواب ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥]، فأجاب عن التبديل ولم يجب عن أن يأتي بقرآن غيره؛ لأنه إن كان عاجزاً عن أن يبدل فمن باب أولى أنه سيكون عاجزاً عن أن يأتي بغيره، فالجواب هنا كان أقل من السؤال.
ومما أتى فيه الجواب أطول من السؤال حديث النبي ﷺ لما سئل عن ماء البحر: (إنا نركب البحر، أفنتوضأ بماء البحر يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وهو لم يسأل عن الميتة وإنما سئل عن الوضوء، فأجاب عن الميتة لأنه يعلم أن حاجة السائل للميتة أشد من حاجته للوضوء، وهذه إجابة حكيم، ومَن الحكيم إن لم يكن هو سيد البشر ﷺ ؟!
стр. 810
مناظرة إبراهيم ﵇ لعباد الأصنام
لما سأل إبراهيم قومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً﴾ [الشعراء:٧٠ - ٧١]، ثم أرادوا أن يغيظوا إبراهيم فقالوا: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١].
والعبادة تعني التعلق القلبي، فالقوم لا يعبدون الأصنام طول الوقت وفي الليل والنهار، وإنما يعبدونها في بعض الأوقات، ولكن قلوبهم تتعلق بها، فالملازمة هنا ملازمة قلوب، ولذلك العبادة هي: أن يلازم قلبك حب ربك سبحانه، وأن يمتثل لأمره .
وقال العلماء: هي منتهى الحب مع منتهى الذل.
وعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة.
وبعض أهل التصوف يقولون: نحن أصحاب عبادة الباطن.
فنقول لهم: العبادة تشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، فالصوم والصلاة والحج والزكاة أعمال ظاهرة، والرجاء والخوف والحب والإنابة والتوكل أعمال باطنة فهي تشمل الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة.
والداعية إذا اتصف بصفتين يرجى منه النفع: الصفة الأولى: كمال الحجة، وقوة البيان والمناظرة، وامتلاك الأدلة التي تقهر الخصم.
الصفة الثانية: سلامة القلب، بأن يكون صاحب قلب سليم، فلا يحمل في قلبه حقداً ولا حسداً، ولا يتتبع العثرات ولا الزلات، وصدق من قال: المؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح.
فالأصل في شرعنا الستر.
وقد اتصف إبراهيم ﵇ بهاتين الصفتين: كمال الحجة، وسلامة القلب، فأقام الحجة على كل من كان في عصره، ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٣]؟ فكانت إجابة هؤلاء الذين لم يروا النور، ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤].
فهم في تقليد أعمى، والتقليد مذموم؛ لأنه لا يستند إلى دليل ولا إلى برهان، ولذلك يقول ربنا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
فلا بد من برهان ودليل على الدعوى، ولا يقبل الكلام مهما كان قائله إلا إذا صاحبه دليل.
فلا بد من دليل يبين صدق ما تقول، فهؤلاء لما قال لهم إبراهيم: لم تعبدون هذه الأصنام؟ أجابوا بالتقليد، والتقليد مذموم، واليوم في قرانا وبعض مدننا يستدل البعض بالتقليد الأعمى، وكفى المقلد عاراً أن قوله هو قول عبدة الأصنام، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢].
فهم قالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٤ - ٧٧]، وانظر إلى بلاغة إبراهيم وكمال حجته، فلم يقل: فإنهم عدو لكم، وإنما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٧]، وأنا أحب لكم ما أحب لنفسي، وأتمنى لكم ما أتمناه لنفسي، فهذه الأصنام عدو لي، وطالما أنه قد تبين لي الحق فأنا أدعوكم إلى ما أدعو إليه نفسي.
وهذا معناه الولاء والبراء، بأن تعادي كل مشرك، وتحب كل موحد، واسمع إلى قول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤]، فيا من توالون المشركين وتقربونهم وتحبونهم وتكرمونهم وتقدمونهم على الموحدين! اتقوا الله في دينكم، فالبغض في الله والحب في الله أوثق عرى الإيمان، كما قال النبي ﵊، فاحذر أن تحمل في قلبك حباً لمشرك مهما كان، وإن كان أباك أو أخاك؛ لأن الميثاق الذي يربط بيننا وبينهم هو توحيد الله .
وانظر إلى حال النبي محمد ﷺ مع عمه كما في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، فقد (دخل النبي ﵊ على عمه أبي طالب وهو يحتضر، فقال له: يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة، وأبو جهل فوق رأسه يقول له: أترغب عن ملة عبد المطلب، فأعادها ﷺ مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، فقال أبو طالب لابن أخيه ﷺ : لولا أني أخشى أن تقول قريش: قالها جزعاً من الموت لأقررت بها عينك، ثم قال: هو على ملة عبد المطلب)، ومات على الشرك والكفر.
فسالت دموع النبي ﷺ على خده وقال: (والله يا عم! لأستغفرن لك ما لم أنه عنك).
فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَب
стр. 811
ابتلاء إبراهيم ﵇ بإلقائه في النار
وشأن الطغاة في كل الأزمنة والعصور أنهم لا يملكون حواراً ولا حجة ولا بياناً ولا أدلة، وإنما قالوا: ﴿أَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧].
فكان قرارهم هو الحكم بإعدام إبراهيم حرقاً، كما قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦].
فالقتل والتنكيل والبطش والتعذيب لغة الطغاة في كل الأزمنة مع أصحاب دعوة التوحيد.
فجمعوا له حطباً ووصلت النار إلى عنان السماء من شدة اشتعالها، وجاء في بعض الآثار أنه كانت المرأة منهم إن أصابها مرض تقول: لئن شفيت من مرضي لأجمعن حطباً لنار إبراهيم فالكل اجتمع عليه.
ولكن متى كان يعرف الحق بكثرة أتباعه؟! قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
فجاءوا بإبراهيم، ومع شدة البلاء إلا أنه لم يتزعزع، ولم يتراجع أو يتباطأ، بل وثق بربه، وتوكل على خالقه.
قال ابن عباس: (حسبنا الله ونعم الوكيل كلمة قالها إبراهيم حينما ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ وأصحابه حينما قالوا لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]).
دخل إبراهيم النار، والنار تحرق -ولا زالت تحرق إلى يومنا- فأتت على كل الحطب فأحرقته، ولكن للنار خالق، وهو الله رب العالمين سبحانه، يقول الشنقيطي في أضواء البيان: فالأسباب قد لا تأتي بمسبباتها؛ لأن الأسباب والمسببات لها خالق وهو الله ، فقال الله : ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٨].
فخرج من النار مرفوع الرأس، فلم يعتبروا أو يتعظوا بنجاة إبراهيم، فقد أصاب عقولهم وبصائرهم العمى والظلام.
وخرج إبراهيم من النار ليقيم الحجة على عباد الكواكب أيضاً، فأتى إلى ذلك الملك الظالم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ﴾ أي: الظالم، ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
стр. 812
ابتلاء إبراهيم ﵇ بذبح ابنه
خرج إبراهيم بعد هذا البلاء قوياً.
ثم رزق بولد بعد سنين، ووصفه القرآن بأنه ﴿حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١].
فحب الولد أمر فطري، ويزداد الحب إن كان الولد حليماً وقد جاء بعد غياب طال سنوات، ثم إذا بالأمر من الله لإبراهيم أن اذبح ذلك الولد، فيا له من بلاء! والبلاء هو طريق أصحاب الدعوات، ولما كان الأمر من الله لم يملك إبراهيم وولده إلا أن يسلما.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فأمام أمر الله لا اختيار لك يا عبد الله! وذلك بعد أن رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ولده ورؤيا الأنبياء وحي، يقول ﷺ : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟! قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له)، فجاء يقصها على ولده، فوجد عنده التسليم، يقول ربنا سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣].
فكبر إبراهيم وسمى الله، وتشهد الولد، فصرعه إبراهيم على جبينه، وهوى عليه بالسكين؛ لينفذ فيه أمر الله، ولم يقل الولد: ما تقول لأمي يا أبي! إن سألتك عني؟ أو: هل يهون عليك أن تقتلني؟ أو: ماذا تقول للناس بعد قتلي؟ وإنما قال الولد لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، فيا له من استسلام لقضاء الله وصبر على بلائه! ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، أي: صرعه على جبينه، ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥].
فقد كان إبراهيم أمة في الصبر على البلاء، وصدق الله سبحانه: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤].
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 813
مناظرة إبراهيم ﵇ للنمرود
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: ثبت عن مجاهد أنه قال: ملك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران.
أما المؤمنان فهما سليمان بن داود ﵉ وذو القرنين.
وأما الكافران فهما بختنصر والنمرود بن كنعان الذي آتاه الله الملك وحاج إبراهيم في ربه.
وإلى كل ظالم أقول: ذلك الملك آتاه الله الملك، ولأن الله آتاه الملك حاج إبراهيم في ربه، فصاحب البلاء يتواضع، ولكن الذي آتاه الله الملك قد يتكبر، ولذلك فرعون قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فأجرى الله الأنهار من فوقه، فالجزاء من جنس العمل، والله لا يغفل .
فـ النمرود بن كنعان قال لإبراهيم: من ربك يا إبراهيم؟! قال: ((رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)).
ففهم النمرود إبراهيم خطأً؛ لأنه فهم أنه يملك الإحياء، أي: أنه يصدر حكماً بالعفو عمن حكم عليه بالإعدام فيكون قد أحياه، ويأتي برجل لا ذنب له ويقتله فيكون قد أماته، وهذا ليس إحياء ولا إماتة، وحتى لا يفهم بعض الحضور خطأً هذه الحجة الواهية من الملك انتقل إبراهيم ﵇ من أمر يقبل الجدل إلى أمر لا يقبل الجدل، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ﴾، فعند ذلك ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
стр. 814
المدرسة العقلية وموقفها من النصوص
أحبتي الكرام! هناك مدرسة تطل برأسها علينا في هذا الزمن تسمى بالمدرسة العقلانية، وهذه المدرسة تحكم العقل في النص، فإن قبل العقل ذلك النص قبلوه، وإن أبى العقل ذلك ردوا النص حتى وإن ثبت في صحيح البخاري أو مسلم أو صح عن النبي ﵊ في غيرهما.
وهذه المدرسة قديمة، وأول روادها المعتزلة الذين قدموا العقل على النقل.
ونقول لهؤلاء: إن العقل يجتهد في فهم النص، وأما أن يرد النصوص فهذا أبداً لا يكون؛ لأن الله تعالى قال عن رسوله محمد ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥].
وإذا اصطدم عندك بعض النصوص مع بعضها فعليك أن تتبع طريق العلماء في النصوص المتعارضة، وهي كالتالي: أن تحاول أن توفق وتجمع بين النصوص والأدلة، وقد لا أستطيع أنا وأنت التوفيق، ولكن هناك من العلماء من يقدر على هذا، فلا نهمل نصاً على حساب نص آخر، فطالما أن النصين ثابتين فنحاول أن نجمع ونوفق بينهما، ومن أمثلة ذلك: قول النبي ﷺ : (من مس ذكره فليتوضأ)، فهذا نص على الوضوء من مس الذكر، ثم قال في حديث آخر لما سئل عن مس الذكر: (إنما هو بضعة منك)، فهذا النص يتعارض مع ذاك، ولا نستطيع رد أحد النصين، وقد جمع بينهما الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، فقال: من مس ذكره بشهوة فليتوضأ، ومن مسه بغير شهوة فلا وضوء عليه.
فجعل أحدهما مقيداً بالشهوة والآخر بدون شهوة، فأعملهما معاً ولم يرد أيّاً منهما.
فإن تعذر التوفيق والجمع فلننظر في الناسخ والمنسوخ، فلعل نصاً نسخ الآخر، فإن لم نجد نسخاً فلنحاول أن نرجح نصاً على نص، وطرق الترجيح لها أكثر من مائة طريق: فيرجح ما ثبت في الصحيحين على ما انفرد به البخاري.
ثم ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلم.
ثم الدليل القولي على الدليل العملي.
ثم قول المثبت على قول النافي.
إلى غير ذلك من المرجحات.
ونرى الآن من يطعن في أئمة العلم؛ لأنهم صححوا حديثاً لا يستقيم عند من يطعن فيهم مع ما يفهمه من بعض الأدلة الأخرى.
فاتق الله يا من تطعن في سنة رسول الله! واتهم عقلك بعدم الفهم، والقصور في الإدراك بدلاً من أن تطعن في البخاري تارة، وفي مسلم تارة، وماذا يبقى للأمة إن طعنا في الصحيحين؟ أيها الإخوة الكرام! يقول ﷺ : (يوشك رجل شبعان)، وكلمة شبعان تشير إلى أنه من أهل الترف، يعني: لم يرتحل لطلب العلم، وإنما ظل في قصره وبرجه العاجي، (شبعان، متكئ على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، فيقول: ما وجدنا هذا في كتاب الله).
يقول ﷺ : (ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض).
أسأل الله ﵎ بفضله وكرمه أن ينصر الإسلام، وأن يعز المسلمين.
اللهم انصر دينك يا رب العالمين! اللهم أيد أطفال فلسطين بنصرك، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم أرنا في اليهود آية؛ فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك.
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، ولا تفضحنا يا رب! يوم العرض.
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وقع في يدي كتاب لا داعي لذكر اسم مؤلفه، والكتاب كله من أوله إلى آخره طعن في الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، والكاتب يظن أنه يحسن صنعاً، فهو يقول: الشيخ صحح حديث كذا، وهذا الحديث يصطدم مع نص كذا، ومع آية كذا.
وكان الواجب عليه قبل أن يطعن في الشيخ أن يحاول أن يوفق بين النصوص، وينظر إلى أقوال أهل العلم في التوفيق والجمع؛ لأن مسألة الجمع بين النصوص مسألة مهمة جداً، وقد ألف الشيخ الشنقيطي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، جمع فيه الآيات التي ظاهرها التعارض مع آيات أخرى، كقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
стр. 815
الأسئلة
стр. 816
حكم من قام جنباً قبل شروق الشمس وخشي الشروق إن اغتسل
السؤال
إذا استيقظ المرء جنباً قبل شروق الشمس بدقائق هل يتيمم ويصلي، أم يغتسل ويتوضأ حتى وإن أشرقت الشمس؟
الجواب
الراجح أنه يغتسل ويتوضأ حتى وإن أشرقت الشمس؛ لأنه كان نائماً، ولا تفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة، قال صاحب كتاب العدة شرح العمدة في الفقه الحنبلي: من انشغل بشروط الصلاة وأخرها لانشغاله بشرطها لا يعتبر مؤخراً لها, ومثال ذلك: لو أن رجلاً انشغل بالوضوء للصلاة فخرج الوقت وهو يتوضأ، فهذا منشغل بشروط الصلاة، فمن انشغل بشروطها وإن خرج الوقت لا يعد مؤخراً لها.
فالقول الراجح: أنه يغتسل ويتوضأ ثم يصلي.
والله تعالى أعلم.
стр. 817
حكم الصلاة خلف من ينكر عذاب القبر
السؤال
ما حكم منكر عذاب القبر وسؤال الملكين في القبر؟ وهل تصح الصلاة خلفه؟
الجواب
هذا مما عمت به البلوى، والذي ينكر عذاب القبر متهم في عقيدته، والبخاري ﵀ لما أراد أن يستدل على عذاب القبر في الصحيح بدأ الكتاب بآيات ولم يبدأ بأحاديث، يقول ابن حجر: وفِقْهُ البخاري واضح في أنه بدأ بآيات من القرآن؛ حتى يدلل على أن عذاب القبر ثابت بالقرآن مع السنة، ومن الآيات الدالة على عذاب القبر في القرآن قول الله عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١].
وأحاديث عذاب القبر ثابتة، وقد بلغت حد التواتر عن النبي ﷺ ، فالذي ينكر عذاب القبر يطعن في القرآن وفي السنة.
يقول أبو هريرة: (كان النبي ﷺ يعلمنا هذا الدعاء كما يعلمنا الآية من القرآن بعد التشهد يعلمنا أن نقول: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال).
فكان النبي ﷺ يستعيذ من عذاب القبر في كل صلاة ﷺ .
فالذي يشكك في عذاب القبر ويكذب بسؤال الملكين لا تصل خلفه بعد إقامة الحجة عليه ونفي الشبهات ودفع العوارض عنه، فربما يكون متأولاً فهم غلطاً، فلا بد أن تقيم عليه الحجة؛ لأننا نعذر بالجهل، فربما يكون قد غاب عنه الدليل، أو أول الدليل.
стр. 818
معنى العذاب الأدنى في قوله تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى)
السؤال
ما تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١]؟
الجواب
( من العذاب الأدنى)، (من) هنا بمعنى (بعض)، يعني: لنذيقنهم بعض العذاب الأدنى، والبعض الآخر في القبر، فنذيقهم بعض العذاب في الدنيا لعلهم يرجعون إلى ربهم قبل الموت، فالعذاب قد يكون سبباً في أن يعودوا.
والله تعالى أعلم.
стр. 819
حكم العمل في شركة تتعامل مع البنوك الربوية
السؤال
أعمل في شركة إدخال بيانات على الكمبيوتر بمرتب شهري، وثلث العمل الذي يأتي إلى هذه الشركة للبنوك الربوية، ولا أستطيع أن أترك جزءاًَ من العمل دون جزء، فهل يجوز أن أعمل في هذه الشركة؟ أفتونا رحمكم الله؟
الجواب
اعمل ولا حرج؛ لأن عملك أساسه محاسب مشروع، فالعمل عندك قد اختلط فيه الحلال بالحرام، وذلك مثل السباك الذي يصلح صنبوراً لتاجر المخدرات، فأجر السباك حلال، والدخل بالنسبة لتاجر المخدرات حرام، فعمل السباك حلال، وهذا هو معنى قول الأصوليين: الأشياء إن فارقت المحل يختلف حكمها، فالبراز في جوفك طاهر، فأنت تصلي وهو بداخلك، فإن خرج أصبح نجساً، فإن اختلف المحل اختلف الحكم.
فأنت محاسب تضبط الميزانية وتستخرج الحسابات، ولا شيء عليك؛ لأن أصل عملك مشروع، والإثم على صاحبه.
وهذا مثل أن يأتي رجل ويقول لك: احسب لي هذه العملية وهي من دخل حرام، فأنت تحسب، ولست بمساعد ولا بعنصر فعَّال.
لكن السباك لا يجوز له أن يساهم في إنشاء مسرح، فهذا حرام؛ لأن عمله في أساس الإنشاء، وفرق بين هذا وذاك، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، فهذه الآية لها مفهوم آخر، فلا تكن مساعداً للذين ظلموا في ظلمهم، وأما إن كنت تعمل في الكهرباء وطلب منك تاجر يعمل في الحرام أن تصلح له الكهرباء في بيته فعملك أصله مشروع، ففرق بين هذا وذاك، وكذلك العمل في إنشاء الأقمار الصناعية؛ لأنها تعرض أشياء وأشياء، فالعمل أصله مشروع، والعرض نفسه غير مشروع.
стр. 820
حكم الحلف على عدم الصلاة في مسجد معين
السؤال
تأخرت عن الحضور مبكراً في الجمعة الماضية، وأقسمت على نفسي بالله تأديباً أني إذا تأخرت في الجمعة المقبلة عن الساعة العاشرة فسأترك المسجد الذي أصلي فيه دائماً وسأذهب للصلاة في أي مسجد آخر قريب، فما الحكم؟
الجواب
عليك أن تكفر عن يمينك بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام، والراجح عدم التتابع، فإن تابعت فهو أولى، وإن لم تتابع فلا شيء عليك؛ فالأحناف يشترطون التتابع، والجمهور عدم التتابع، وقد استدل الأحناف بقراءة شاذة لـ ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، وقالوا: إن القراءة الشاذة تنزل منزلة أخبار الآحاد فنأخذ منها حكماً، وقال الجمهور: القراءة الشاذة لا يستدل بها في اعتماد حكم.
فصيام الثلاثة الأيام غير متتابعة يجوز، وإن حدث التتابع فهذا هو الأولى.
والله تعالى أعلم.
стр. 821
حكم تارك صلوات يوم واحد عمداً
السؤال
رجل يصلي ويداوم على الصلاة ولكنه تخلف بالأمس عن الصلاة كلها عمداً، فهل خرج بذلك من الملة؟
الجواب
لو قرأت في كتب الفقه الحنبلي فستعلم خطورة المسألة، فقد قال الإمام أحمد في رواية -والمقصود بقولنا: قال الإمام أحمد في رواية: أن أحد تلامذته سمع منه رأياً فبلغه، وبعض تلامذته سمع رأياً آخر، فهذه رواية وهذه رواية- قال: إن الذي يترك فرضين متتابعين يستتاب، وفي رواية أخرى: ثلاثة فروض.
ورجح أصحابه رواية الثلاثة فروض؛ لأنه يمكن أن يؤخر شخص الظهر ويصليه مع العصر، فلا تقل: إنه ترك الظهر والعصر إلا بعد أن يخرج وقت العصر، لأن الظهر والعصر قد يجمعا، فآخر وقت الظهر هو غروب الشمس، وليس العصر؛ لأنه ربما جمع الظهر والعصر؛ لعذر أو لعلة.
فالراجح أنه إن ترك المسلم ثلاثة فروض متتابعة -كظهر وعصر ومغرب- يستتاب، فإن صلى وإلا قتل، ويستتاب ثلاثة أيام، فيؤتى به في اليوم الأول ويستتاب، فإن لم يصل ترك، ثم يؤتى به مرة ثانية فيستتاب، فإن لم يصل ترك مرة ثانية، ثم يؤتى به في الثالثة، فيستتاب ثلاث مرات، فمن أصر على ترك الصلاة ثلاث مرات قتل، ولا يترك الصلاة في هذه الحال تهاوناً، بل جحوداً.
فقال الحنابلة: يستتاب ثلاثاً وإلا قتل، والجمهور قالوا: يستتاب وإلا قتل.
واختلف الحنابلة والجمهور: هل يقتل حداً أم ردة، فإن قتل ردة فلا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث.
والخلاف هنا خلاف لفظي، وإن تمعنت في الخلاف وجدت أنه من المفروض أن يقتل ردة؛ لأنه لن يختار القتل على الصلاة إلا من أنكرها جحوداً، ولا يمكن أن يكون متهاوناً أو متكاسلاً عن الصلاة ويقبل بالقتل مقابل تركها؛ فلا يكون تركها إلا جحوداً.
فالذي ترك الصلاة يوماً كاملاً نقول له: تب إلى الله ، واندم على ما فعلت، ثم بعد ذلك داوم على الصلاة، والله يعفو عنك.
وتكون الاستتابة ثلاثة أيام، ودليل الاستتابة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً﴾ [النساء:١٣٧].
قال علي بن أبي طالب: والآية دليل على أن المرتد يستتاب ثلاث مرات.
فيستتاب في اليوم الأول، ثم في اليوم الثاني، وهكذا ثلاث مرات.
وأما قضاء الصلاة المتروكة عمداً فقد قال شيخ الإسلام في الفتاوى: ليس على تارك الصلاة عمداً قضاء، وإنما عليه التوبة، وأن يكثر من النوافل؛ لأن القضاء يحتاج إلى دليل، ولا يوجد دليل على القضاء.
والله تعالى أعلم.
стр. 822
حكم حوار الحضارات
السؤال
ما حكم حوار الحضارات؟
الجواب
لا أدري ما المقصود بالحضارات، وهل الغرب يملك حضارة؟ الغرب لا يملك إلا دعارة، ومن قال: إن الغرب يملك حضارة فقد قلب الحقائق، فالغرب ليست عنده حضارة.
فأي حوار حضارات هذا؟ فنحن أصحاب الحق، وديننا دين الحضارة والتقدم وإن زعموا غير ذلك، وإن أرادوا أن يعرفوا ذلك فليرجعوا إلى التاريخ وأين كانوا والأمة الإسلامية في قمة مجدها، فقد كانوا في الظلام الدامس، ثم يقولون: حوار حضارات! فهل الحضارة المقصود بها الأصنام والتماثيل والأهرامات؟ فهذه ليست حضارة، وأما نحن فنملك قرآناً وسنة هما حضارتنا، ومصدر رفعتنا وعزتنا، قال عمر: الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، فعزتنا في إسلامنا.
стр. 823
حكم التوسل بالنبي ﷺ بعد مماته وطلب الاستغفار منه
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤]؟ وهل يجوز أن أطلب من النبي ﷺ أن يستغفر لي؟
الجواب
هذه الآية من شبهات المتصوفة، يقولون: إن الله قال: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ))، فأطلق المجيء إليه سواء كان حياً أو ميتاً، فيذهبون إلى قبره ويقولون: يا رسول الله! استغفر لنا الله ، وهذا فهم عقيم وسقيم، لا يتناسب مع مفهوم الآية أبداً، والمعنى: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ)) حال الحياة، ((فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ)) هم، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤]، طلب لهم المغفرة من الله .
أما بعد موته فما وجدنا أحداً جاءه سواء من الصحابة أو من سلف الأمة، وقد كان عمر يقول: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك وإنا نتوسل إليك بعم نبيك، ادع الله يا عباس! فلو أن عمر علم أنه يجوز أن يذهب للقبر لما توسل بـ العباس ليدعو لهم الله.
فحياة النبي ﷺ في قبره حياة برزخية، فلا ينبغي أن يقال: إن الذهاب إلى قبر رسول الله ﷺ وهو ميت كالذهاب إليه وهو حي.
وقد أورد ابن كثير عند تفسير هذه الآية قصة الرجل العتبي الذي نام عند القبر، ولم يخرجها، وهي: أن رجلاً جاء يسأل النبي ﷺ أن يستغفر له، ثم ولى الرجل مدبراً فقال النبي ﷺ للعتبي: قم وأخبر الأعرابي أني قد استغفرت له، ثم أخذ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي فداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم وهذه القصة تحتاج إلى تخريج.
والشيخ أبو إسحاق بارك الله فيه قد اجتهد في تحقيق نصوص كتاب تفسير ابن كثير، والكتاب لم يكتمل بعد.
فأسأل الله أن يتم هذا العمل الطيب إن شاء الله تعالى.
وكلمة الصوفية كلمة دخيلة على إسلامنا، وأصل المتصوفين: أهل الزهد، فـ الحسن البصري من الزاهدين وليس من المتصوفين.
فكلمة الصوفية كلمة دخيلة على إسلامنا، فإن كانت هي الإسلام فلا نريد بديلاً لاسم الإسلام، كما قال الدكتور جميل غازي ﵀، وإن كانت هي غير الإسلام فلا نقبل شيئاً غير الإسلام.
وإذا قرأت في تراث الصوفية فستجد العجب، كما في أقوال ابن عربي والحلاج وابن الفارض وغيرهم من أئمة التصوف، وقد قال ابن عربي كلاماً لا أستطيع أن أذكره على الملأ.
وأبو يزيد البسطامي يقول: ضربت عريشي إزاء عرش الرحمن جل وعلا، وخضنا بحراً عجز الأنبياء عن الوقوف بساحله.
فهم دخلوا البحر والأنبياء عجزوا عن الوقوف بساحله.
ويقول: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي يعني: أن الولي أعلى من النبي مرتبة، وأهل السنة لهم العلم الظاهر، ونحن لنا العلم الباطن.
فهم أصحاب نظرية الظاهر والباطن.
ويقول: ما في الجبة إلا الله.
وهذا حلول واتحاد.
ويقولون: العبد رب والرب عبد ليت شعري من المكلف ويقولون: ما الكلب والخنزير إلا إلهنا.
وهذا حلول واتحاد.
فهؤلاء أفسدوا الدين.
ونحن نقول لك: القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، فأهل الصفة كانوا زهاداً، ولسنا في حاجة لزهد أحد، بخلاف زهد أصحاب رسول الله ﷺ .
وقد تعانقت الصوفية مع الباطنية، وهناك رسالة دكتوراه بعنوان: (العلاقة بين الصوفية والشيعة).
فالعلاقة واضحة المعالم تماماً، ولذلك لما دخلت فرنسا إلى الجزائر لتحتلها جيء بقطب الطريقة التيجانية -شيخها- فقيل له: ماذا نفعل؟ هل نقاوم الاستعمار؟ قال: لا، لقد رأيت في منامي أمس هذا الجنرال وهو قادم إلى بلدنا، فسلموا إليه البلد، وهذا قضاء الله، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨]! فهم ينزعون من الإسلام مفهوم الجهاد، ويجعلونه خاصاً بجهاد النفس، وأما جهاد العدو فلا وجود لذلك عندهم، وفي هذا تمييع لقضايا مهمة جداً.
ونحن نحب أهل الزهد الذين هم على طريقة السلف الصالح، وأما ما نراه الآن فهو شرك.
والمغالاة في حب الصالحين كان سبباً في دخول الشرك إلى قوم نوح ﵇، وهذا لا ينبغي أن يكون، لا بد أن ننقاد للحق، وأما أن تكون المسألة منافع ومكاسب فلا، بل ولو كان الحق معك فلا بد أن أقبله ولو كان ضد ما أرى، ولذلك قال أحد الإخوة: لو خرج البدوي من قبره الآن حياً لأعادوا قتله مرة ثانية؛ للمنافع المحققة.
ونحن لا نبغض أهل الزهد والورع، مثل الجيلاني والهروي ا
стр. 824
حكم زيادة سنة في شهادة الخبرة كذباً
السؤال
إنني أعمل حداداً من مدة أربع سنوات، وقدمت في هيئة النقل العام، وطلبوا مني شهادة خبرة لخمس سنين، وأنا لم أعمل إلا لأربع سنوات، فهل يجوز لي أن أزيد سنة وأكتب خمس سنين؟
الجواب
لا، ينبغي عليك أن تكون صادقاً، والصدق منجاة، فأنت عملت أربع سنين، فتأتي بشهادة الأربع، ولا يجوز لك أن تكذب للحصول على عمل.
والصدق منجاة، فكن مع الصادقين، حتى قيل: إن رجلاً من سلف الأمة جاء الحجاج ليقتل ولده، فقال له الحجاج: أين ولدك؟ وكان الولد قد دخل مكاناً ليختفي فيه من الحجاج، فقال له: ولدي في هذه الغرفة، فوجده فيها، فقال: لأجل صدقك عفوت عن ولدك، فهل رأيت ماذا يعمل الصدق، فالصدق منجاة، فكن صادقاً.
أما إن اضطررت فيمكن أن تسمي اليوم من السنة والجزء من السنة سنة، فإذا اشتغلت أربع سنوات وشهرين فتحسبها خمس سنوات، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧].
و (أشهر) هنا المقصود بها شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، فسمى الجزء من الشهر شهراً.
هذا في حال الاضطرار.
والله تعالى أعلم.
стр. 825
نصيحة لشاب أقلع عن العادة السرية
السؤال
أنا شاب في السابعة عشرة من العمر، وكنت أستعمل العادة السرية، ولكني بفضل الله تبت، فبم تنصحني يا شيخ؟!
الجواب
أنصحك أن تصوم كثيراً، فإن الصيام يهذب الشهوة، كما قال ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) يعني: وقاية.
فأنا أنصحك بالصوم، وبكثرة الذكر وقراءة القرآن، والمحافظة على الجماعات.
حفظك الله تعالى.
стр. 826
حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ
السؤال
ما حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ ؟
الجواب
القصد يكون للمسجد والقبر يأتي تبعاً، فلا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذا قول أهل السنة، فإذا وصلت المسجد تسلم وتزور وتفعل كل شيء، وقد رأى عمر رجلين يرفعان أصواتهما عند قبر النبي ﷺ ، فقال: من أي البلاد أنتما؟ قالا: من الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، أترفعان أصواتكما عند قبر رسول الله ﷺ ، إن الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]، فالرفع هنا يمتد إلى الحياة والممات.
стр. 827
أنواع الربا
السؤال
ما الفرق بين البيع بالتقسيط والقرض بالفائدة؟
الجواب
لا، هناك فرق كبير، فالربا ينقسم إلى قسمين: ربا فضل، وربا نسيئة.
فأما ربا الفضل فقد حصره النبي ﷺ في حديث: (الذهب بالذهب والفضل ربا، والفضة بالفضة والفضل ربا، والتمر بالتمر والفضل ربا، والشعير بالشعير والفضل ربا).
فهذه الأصناف لا بد أن تكون يداً بيد، ومثلاً بمثل، ولما جاء بلال بتمر جيد من خيبر قال له النبي ﷺ : (يا بلال! أوكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا يا رسول الله! هذا تمر جيد استبدلناه بتمر رديء) أي: يتفاضل، مثل خمسة كيلو رديء بكيلو جيد، فقال ﵊: (هذا عين الربا يا بلال!).
فالربا أن تستبدل جيداً برديء أكثر في هذه الأصناف.
وأما ربا النسيئة فمثل: أن أقرضك ألف جنيه مثلاً على أن تقضيني ألفاً ومائة، هذا ربا النسيئة، أو مثل أن أقول لك: أقرضك على أن ترد القرض في اليوم الأول من شهر واحد، فإن تأخرت فعليك فائدة (١%) عن كل يوم تأخير.
هذا ربا النسيئة؛ لأن قرض الألف لا بد أن يرد ألفاً، (كل قرض جر نفعاً فهو ربا).
стр. 828
حكم الشرط الجزائي، وحكم البيع بالتقسيط
السؤال ما حكم الشرط الجزائي؟
الجواب
الشرط الجزائي مشروع ولا بأس به.
وأما بيع التقسيط فهو أن يكون للسلعة سعر نقدي وسعر بالآجل، شريطة أن تسأل المستهلك: هل تريد أن تشتري نقداً أم بالآجل؟ فارتفاع السعر نظير الأجل، وهذا أمر مقرر عند جمهور الفقهاء، وهناك رسالة بهذا العنوان: (جواز البيع بالتقسيط عند الجمهور).
فالبيع بالتقسيط بارتفاع السعر.
والله تعالى أعلم.
ويجوز مبادلة السيارة بأحسن منها؛ لأنها ليست في الحديث، والمذكور في الحديث: ذهب بذهب، وفضة بفضة، وتمر بتمر، وملح بملح، قمح بقمح، وشعير بشعير.
وأما جلابية بجلابية، أو سيارة بسيارة، مثل أن يعطيني شخص سيارة (فيات) ويأخذ مني (فلفو) ويدفع الفرق، فهذا ليس في الحديث.
فربا الفضل في هذه الأصناف.
والله تعالى أعلم.
стр. 829
حكم تحويل الدين إلى زكاة
السؤال
مات رجل وعليه دين، وبعد دفنه ذهبنا إلى صاحب الدين وكان مبلغاً كبيراً من المال بحكم التجارة، فعفا عنه على أنه من زكاة المال، فهل يجوز تحويل الدين إلى زكاة مال؟
الجواب
لا يجوز عند الجمهور، بل الراجح أنه لا يجوز أن تسقط الدين على اعتبار أنه زكاة؛ لأن الزكاة فيها إعطاء، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠].
فـ (للـ) تفيد الإعطاء، وهذه الحالة لم يقل بها أحد من أهل العلم، فلا ينبغي العفو عن الدين مقابل إسقاطه من زكاة المال.
والله تعالى أعلم.
стр. 830
ما يصنعه الزوج إذا زنت الزوجة
السؤال
فتاة نصرانية مات والدها وجدها، ثم أعلنت إسلامها وتزوجت من شاب مسلم، وأنجبت منه ثلاثة أولاد، ثم حدث خلاف بينهما، وفي خلال فترة الخلاف حملت من الزنا وأنجبت مولوداً، وأنكر الرجل الزاني هذا الولد، فماذا يصنع الزوج؟ ولمن ينسب هذا المولود؟ وماذا يفعل الزوج في هذا الموضوع؟ وما مصير هذه المرأة إذا حدث طلاق وأهلها كلهم نصارى؟
الجواب
أولاً: لا بد أن تتيقن أن الولد ليس ولدك، فهو يمكن أن يكون حملاً مستكناً منك.
ثانياً: إن تيقنت فاتهمها بالزنا ولاعنها، إما لأنك رأيت، وإما لقرينة لا تقبل التشكيك فيها.
ثالثاً: إذا لاعنت فإن الولد ينسب إلى أمه، فيحلف الزوج وتحلف الزوجة كما في سورة النور، ثم يفرق بينهما، والمتلاعنان لا يجتمعان أبداً، وإن نكحت ألف زوج بعده، يحدث بينهما الفراق الأبدي طالما وقد اتهمها بالزنا، ولا يجوز أبداً أن تعود إلى الزواج منها مرة ثانية؛ لأن الزواج قائم على المودة والرحمة، وهذا قد انقلب إلى عذاب.
ولا تقل: ماذا أفعل للزوجة وأهلها كلهم نصارى؟ فأنت لا تقبل الزنا على عرضك، فإن زنت وتحققت من الزنا فلاعنها، ثم يفسخ بينكما العقد، ولها أن تتوب إلى الله وأن تتزوج غيرك.
والله تعالى أعلم.
стр. 831
حكم لُعَبِ الأطفال المجسمة
السؤال
ما حكم الإسلام في لعب الأطفال المجسمة على هيئة إنسان أو حيوان؟
الجواب
لعب الأطفال جائزة إذا كانت على هيئة عروسة أو حصان، والدليل ما جاء في البخاري في كتاب الصيام عن الربيع تقول: لما فرض عاشوراء صمنا، وصوَّمنا أطفالنا، وكنا نصنع لهم عرائس من صوف، فكانوا إذا بكوا على الطعام أعطيناهم إياها.
فلعب الأطفال لا شيء فيها، والله تعالى أعلم.
بشرط ألا تكون تماثيل.
وتعليق الصور على الحوائط حرام، ولا يجوز أبداً أن تعلق صورة لأبيك أو لأمك أو لفنان أو شيخ، فتعليقها حرام.
والله تعالى أعلم.
стр. 832
مواقف بكى فيها النبي ﷺ
البكاء من خشية الله تعالى سبب لحصول الرحمة والمغفرة، وقد كان نبينا محمد ﷺ من أشد الناس خشية لله تعالى وخوفاً منه، وقد بكى في مواضع متعددة إما خوفاً من الله أو رحمة وشفقة بأمته، وكذا كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الصالحين يبكون من خشية الله تعالى، والقصص في ذلك كثيرة.
стр. 833
المواضع التي ذكر فيها البكاء في القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لقاؤنا اليوم -بحول الله وفضله وتوفيقه وعونه- بعنوان: مواقف بكى فيها النبي ﷺ .
والعناصر الرئيسة لهذا الدرس هي كما يلي: أولاً: البكاء في القرآن.
ثانياً: البكاء في سنة النبي ﵊.
ثالثاً: أنواع البكاء العشرة كما ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.
رابعاً: بكاء النبي ﷺ .
خامساً: بكاء أصحاب النبي ﵊.
وابتداء نقرر أن جمود العين من قسوة القلب، فالعين التي لا تبكي من خشية الله تدل على أن قلب صاحبها فيه جمود، ولذلك يقول ربنا عن أصحاب القلوب الجامدة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، و (أو) هنا بمعنى: (بل)، أي أن قلوب اليهود أقسى من الحجارة.
وبتتبع بعض المواضع التي ورد فيها ذكر البكاء في القرآن الكريم نجد ما يلي: الموضع الأول: قال ربنا في سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٥٩ - ٦١]، ومعنى (سامدون)، أي: مغنون لاهون لاعبون، ومعنى كلمة: (اسمد لنا)، أي: غن لنا، قال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦]، والله إنه الغناء.
الموضع الثاني من مواضع البكاء: في قول الله تعالى في سورة مريم بعد ذكر بعض الرسل: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم:٥٨]، قرأ عمر ﵁ هذه الآية ونزل من على المنبر وسجد، ونظر إلى القوم فما رآهم بكوا؛ فقال: أيها الناس! هذا السجود فأين البكاء؟ أي: أن ربنا قال: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم:٥٨]، ولم يقل: ((خَرُّوا سُجَّداً)) فقط.
الموضع الثالث: في سورة التوبة: قول ربنا عن الذين جاءوا إلى النبي ﷺ وأرادوا أن يخرجوا معه في غزوة تبوك؛ ليقاتلوا أعداء الله سبحانه، فلم يجد لهم النبي ﷺ ما يحملهم عليه، أي: لم يجدوا شيئاً يستطيعون الجهاد به، فكان حالهم أنهم ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ﴾ [التوبة:٩٢]، لعدم استطاعتهم على الجهاد في سبيل الله، أريتم مثل هذا أيها الإخوة الكرام؟! الموضع الرابع: في سورة المائدة وهو مهم جداً، قال تعالى: ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى))، البعض يقرؤنها إلى هنا ويقف، والمعنى لم يكتمل ولم يتضح، وهذا خطأ فادح عند الكثير، بل لابد أن يكملوا الآية، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٢ - ٨٣]، وذلك أنهم آمنوا؛ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً﴾، وإذا سمعوا القرآن آمنوا، أما أن تقرأ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢] وتقف، فهذا غرض في نفسك يا عبد الله! لا بد أن تكمل الآية إلى آخرها.
الموضع الخامس: في سورة يوسف، قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦]، إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً ولم يأتوا نهاراً، لأن الكاذب يبدو في وجهه الكذب، فكأنهم تستروا بلباس الليل؛ ليخفوا كذبهم عن أبيهم، وهذا من أنواع البكاء العشرة المعروف ببكاء النفاق.
الموضع السادس: في سورة يوسف جاء ذكر البكاء أيضاً، قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف:٨٤]، أي: من كثرة البكاء عليه أصيب بما يسميه علماء الطب: بالماء الأبيض، ولم يكن
стр. 834
المواضع التي ذكر فيها البكاء في سنة النبي ﷺ
أما البكاء في سنة النبي ﷺ : ففي حديث أبي هريرة الجامع المانع في فضائل الأعمال، وتعطير أو ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله، قال رسول الله ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله)، وفي رواية الموطأ: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)، وجميع الروايات في البخاري ومسلم والنسائي والترمذي والموطأ تنتهي إلى أبي هريرة.
قال رسول الله ﷺ : (إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، أي: بكى من خشية ربه، ولذلك لا يلج النار أحد بكى من خشية الله، صح عن النبي ﷺ أنه قال: (حتى يعود اللبن في الضرع)؛ لأنه بكى من خشية الرحمن .
ومن الأحاديث في فضل البكاء قول النبي ﷺ : (لو رأيتم ما رأيت لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، ولما استمتعتم بالنساء على الفرش) وذلك أنه رأى الجنة والنار ﷺ .
أيها الأحباب الكرام! والبكاء من خشية الله يقسمه العلماء إلى أنواع، يقول العلامة ابن القيم: وكان بكاء النبي ﷺ كضحكه، أي: لم يضحك قهقهة، إنما كان ضحك النبي ﷺ تبسماً، لحديث: (ما رؤي مستجمعاً ضاحكاً قط)، لم يضحك مثلنا بقهقهة وبصوت مرتفع؛ لأن هذا من صنع الغافلين، كذلك كان بكاؤه لا يشعر به أحد، يقول العلامة ابن القيم: فكان بكاؤه من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، إنما كانت عيناه تدمعان دون أن يشعر به أحد.
وفي هذا لما قال لـ عبد الله بن مسعود: (اقرأ علي القرآن، قال ابن مسعود: فقرأت عليه من سورة النساء حتى بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك -أي: كفاك- فنظرت إلى وجهه؛ فإذا عنياه تذرفان)، أي: أن ابن مسعود ما علم ببكاء النبي ﷺ بصوته، إنما علم بكاءه بالنظر إلى وجهه ﵊.
стр. 835
أنواع وأقسام البكاء
يقول العلامة ابن القيم: وينقسم البكاء إلى عشرة أنواع: أولاً: بكاء الرحمة والرقة.
ثانياً: بكاء الخوف والخشية.
ثالثاً: بكاء المحبة والشوق.
رابعاً: بكاء الفرح والسرور.
خامساً: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
سادساً: بكاء الحزن.
سابعاً: بكاء الخور والضعف.
ثامناً: بكاء النفاق.
تاسعاً: البكاء المستعار والمستأجر.
عاشراً: بكاء الموافقة.
والفرق بين بكاء الخوف وبكاء الحزن أن بكاء الخوف على ما هو آت، وبكاء الحزن على ما وقع من فعل مضى.
ودمعة الحزن تختلف عن دمعة الفرح، فإن دمعة الفرح باردة، ودمعة الحزن ساخنة، لذلك فرق بين بكاء وبكاء.
والبكاء المستعار: كأن تأتي بامرأة لتبكي على رجل لا تعرفه، وتستعيرها بأجر، يقول أحد السلف لأبيه: يا أبتِ! مالي أراك إذا تحدثت بكى الناس، وإن تحدث غيرك لم يبك أحد؟ قال: يا ولدي! ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
ليست من أصيبت في زوجها أو ولدها كمن يؤتى بها لتبكي بأجر.
стр. 836
المواضع التي بكى فيها النبي ﷺ
أيها الإخوة الكرام! وبالتتبع لبعض مواقف بكاء النبي ﷺ ، وجدنا أنه بكى في مواضع منها: أولاً: بكاؤه في يوم بدر ﵊؛ لما عاتبه الله في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، لما جاءه عمر وجده يبكي هو وأبو بكر تحت الشجرة، فقال: يا رسول الله! لم تبكيان؟ فإن وجدت ما يبكي بكيت، وإلا تباكيت.
وهذا يسمى بكاء المجاملة.
ثانياً: بكاؤه لما أوحى الله إليه باستشهاد شهداء مؤتة الثلاثة: زيد بن حارثة وجعفر الطيار بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة.
ثالثاً: بكاؤه ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: (إن العين لتدمع).
رابعاً: بكاؤه ﷺ عند سماع القرآن في أكثر من حديث: الحديث الأول وهو حديث ابن مسعود، والحديث الثاني: لما أنزل الله عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، والسيوطي ﵀ في كتابه (الإتقان) يضرب بها مثلاً فيما نزل من القرآن ليلاً.
تقول أمنا عائشة ﵂: (استأذن النبي ﷺ فقال لي: دعيني أصلي لربي، فبكى حتى بلَّ الأرض من دموعه، ودخل عليه بلال فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟! قال: كيف لا أبكي يا بلال وقد أنزل الله علي الليلة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠])، أي: لأصحاب العقول.
وتطالعنا جريدة الأهرام القاهرية بمقال في (٥/ ٣/٢٠٠٤) عن الصورة التي أذهلت العالم، وهي أن وكالة (ناسا) الفضائية الأمريكية لما أطلقت مكوك الفضاء قام بتصوير الكرة الأرضية من أعلى، فلما صور الكرة الأرضية وجدها معتمة -مظلمة- إلا مكة والمدينة، لكنهم إلى الآن يكابرون عن قبول الحق، وعن الإيمان والإسلام، ولا يؤمنون وقد تبين لهم الحق، وربنا يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، لكن الكاتبة قالت في مقالتها: والمسجد الأقصى في فلسطين لم يكن على منوال المسجد الحرام والمسجد النبوي، وترجع السبب إلى أن إسرائيل أظلمت المسجد الأقصى باحتلالها له، لكني أقول: المسجد الحرام حرام، والمسجد النبوي حرام، والمسجد الأقصى ليس بمنطقة حرام؛ وهذا خطأ شائع بيننا أن نقول عن المسجد الأقصى: ثالث الحرمين، وهذا خطأ فادح، إنما الحرمان هما المسجد الحرام والمسجد النبوي، أما المسجد الأقصى فليس بحرام، بل إنه مبارك تشدُّ إليه الرحال، لكن لا يأخذ حكم المسجد الحرام والمسجد النبوي من أحكام الحرمة التي بينها النبي ﷺ ، ومن أمثال ذلك: لو أنك وجدت لقطة في المسجد الحرام بمكة لا تأخذها، أما في المسجد الأقصى فإنك تأخذها.
لو أنك نفرت طيراً في الحرم المكي والمدني فإنه يحرم عليك ذلك، أما لو نفرت طيراً في فلسطين لا يحرم عليك.
فنقول: المسجد الأقصى من المساجد المباركة التي تشد إليها الرحال، أما المسجد الحرام والمسجد النبوي فإنهما حرمان، ولذلك فإن النور يسطع منهما على الأرض، هذا هو السبب، وليس كما قالت الكاتبة أن إسرائيل أظلمت المسجد الأقصى باحتلالها له.
فالنبي ﷺ بكى عند نزول الآيات، قال لـ بلال: (أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها -أو سمعها- ولم يتدبرها.
ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]).
وفي الحديث: (أن النبي ﷺ قرأ قول الله عن إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، ثم تلا قوله تعالى عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، ثم بكى ﷺ ، فأرسل الله إليه جبريل، وقال له: سله ما يبكيك؟ والله أعلم بما يبكيه، فقال ﷺ : أمتي أمتي -يبكي على أمته- فأوحى الله إليه بقوله: قل ل
стр. 837
بكاء الصحابة ﵃
أما بكاء الصحابة فحدث عنه ولا حرج، فـ الصديق من صفاته أنه كان لا يملك دمعه، فقد كان أسيفاً، تقول أمنا عائشة ﵂ حينما قال ﷺ : (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت: يا رسول الله! مر عمر؛ فإن أبا بكر رجل أسيف لا يملك دمعه، إذا قرأ القرآن بكى).
وقد بكى أبو بكر عندما أدركهم سراقة بن مالك في طريق الهجرة خوفاً على النبي ﷺ ، وكان أبو بكر يلتفت، والنبي ﷺ لا يلتفت.
وبمناسبة الهجرة أقول: لا تسمعوا لهؤلاء الذين لا يحققون للناس ما ينقلون، ففي برنامج إذاعي أو تلفزيوني -كما أخبرني أحد الناس أن المتحدث أستاذ في الجامعة، لا يليق به أن ينقل دون أن يحقق- يقول المتحدث: لما دخل النبي ﷺ الغار حمله الصديق، ثم مزق أبو بكر ثوبه، وسد به الفتحات التي في الغار إلا موضعاً واحداً خرج منه ثعبان ولدغ أبا بكر والنبي ﷺ نائم على حجره، وأبو بكر يكتم البكاء، فنزلت دموعه على النبي ﷺ وهو نائم، فقال: ما يبكيك يا أبا بكر؟! قال: لدغني الثعبان يا رسول الله! فسأل النبي ﷺ الثعبان: لم لدغت الصديق يا ثعبان؟! قال: حبك يا عدنان! ﵊! هل هذا الكلام يقال في إذاعة أو في قناة، ويعرض على الناس في المحافل العامة؟ وفي الهجرة: العنكبوت والحمامة، وربنا يقول: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٤٠]، والعناكب جنود مرئية، لكننا ما زلنا نعرض الهجرة على الناس بهذا السياق الذي لا يرضي الله ، فنحن بحاجة إلى تحقيق تاريخي.
وأحدهم سمعته منذ فترة يقول: قال موسى لربه: يا رب! دعني أرزق بعض خلقك، فقال: يا موسى خذ حجراً واكسره، فكسر الحجر فخرج من الحجر حجر، ثم كسر الثاني فخرج منه حجر، ثم كسر الثالث فخرج منه حجر، إلى أن وصل إلى السابع فوجد فيه دودة تقول: سبحان من رزقني! ما هذا الكلام؟! وهل هذا يعرض على الناس إلى الآن؟ هؤلاء ليس لهم عقول، كليم الله يقول: يا رب! دعني أرزق بعض خلقك، هل كليم الله لا يعلم أن الله هو الرزاق؟! هذا كلام -يا إخواني- لا ينبغي أن يقال منا إلا بعد التحقيق الحديثي، فقد يكون ضعف في الإسناد أو في المتن.
أيضاً: قصة عابد الحرمين ابن المبارك حينما قال لشيخه الفضيل بن عياض: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب هل من الأدب أن يقول الطالب لشيخه: أنت تلعب بالعبادة؟! وهل هذا من أدب السلف؟! لا يمكن أن نقبل هذا.
أيضاً ما ذكره الذهبي في الكبائر أن رجلاً دفن أخته، فوقعت حافظة نقوده في قبرها، فلما وارى التراب على القبر بحث عن المحفظة فلم يجدها، فرجع إلى القبر وفتحه يبحث عن محفظته، فهل في السلف من يرجع إلى القبر ويفتحه حباً في المال؟! أليس منكم رجل رشيد؟! هل هذا كلام يقال على المنابر للناس؟ هذا كلام لا يقبل يا إخواني! أيضاً: الرجل الذي لم يصل العشاء في جماعة، فلما فاتته الجماعة عاد إلى بيته وصلى سبعاً وعشرين صلاة، فهذا كلام باطل، لأنه لا صلاة في اليوم مرتين، وما كان السلف يجهلون أنه لا يجوز أن تعاد الصلاة أكثر من مرة، لا يجوز أن تعاد الصلاة إلا لسبب شرعي؛ كبطلان أو خطأ، كأن صلى متلبساً بنجاسة، أو صلى إلى غير القبلة؛ فيجوز أن يعيد طالما أنه في الوقت، أما إذا صلى صلاة صحيحة ثم يعيد الصلاة سبعاً وعشرين مرة، فهذا كلام لا يقبل بحال؛ لأنه يعارض الصحيح.
أيضاً: لما أمر الله إبراهيم أن يذبح إسماعيل أتى بالسكين، ووضعها على رقبة إسماعيل، فانثنت السكين ولم تقطع، فقال إبراهيم: يا رب! إن السكين لم تتحرك ولم تؤد دورها، قال: يا إبراهيم! إن الذي نزع الرحمة من قلبك نزع الحدة من السكين! هل نزعت الرحمة من قلب إبراهيم؟! لا إله إلا الله! هذا الكلام -والله- يقال وسط عشرة آلاف مصل، أن الله نزع الرحمة من قلب إبراهيم، والجميع يجلس ويقول: ما أجمل هذه القصة! والناس تحب القصص، ويستضيفون من يجمع يميناً ويساراً، ويتخبط ويخبط، ويعرض هذه البضاعة الفاسدة على الناس دون تحقيق.
فيا عباد الله! لا بد أن نحقق قبل أن ننقل، ولذا فأول حديث وقع عند البخاري من الثلاثيات في كتاب العلم: حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ قال: (من قال علي ما لم أقل؛ فليتبوأ مقعده من النار)، ﵊.
وهو أول الثلاثيات عند البخاري رحمه الله تعالى.
إذاً: بكاء الصديق، وبكاء عمر، وب
стр. 838
الأسئلة
стр. 839
حكم تصوير وطباعة الكتب دون علم مؤلفيها وناشريها
السؤال
نحن طلبة في الجامعة نقوم بتصوير الكتب الجامعية؛ لأن ثمنها مرتفع، سواء كتب عليها (حقوق الطبع محفوظة) أو لم يكتب، فما حكم هذا؟
الجواب
يجوز طالما أنك تنتفع بها ولا تتاجر بها، يجوز في حال الانتفاع فقط.
стр. 840
حكم الزواج برجل لا يصلي إلا الجمعة
السؤال
تمت خطبتي إلى شاب لا أعرفه، ولكنه لا يصلي إلا الجمعة، ويعمل مدرس سباحة؟
الجواب
إذا كان لا يصلي إلا الجمعة فهو تارك للصلاة، وتارك الصلاة اختلف العلماء في حكمه، فلا تتزوجي هذا الرجل، وهو -إن مات على ذلك- مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف أئمة الكفر يرافقهم في جنهم.
стр. 841
حكم سجود التلاوة في أوقات الكراهة
السؤال
هل يجوز سجود التلاوة في أوقات الكراهة؟
الجواب
المسألة خلافية، والراجح أنه يجوز.
стр. 842
حكم بيع المرابحة
السؤال
اتفقت مع أحد الأشخاص على شراء سيارته، ولما لم يكتمل المبلغ المتفق عليه اتفقت مع أحد البنوك الإسلامية على شراء هذه السيارة من هذا الشخص، وإعادة بيعها لي بالتقسيط بعد إضافة مصروفات البنك وغير ذلك، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذا البيع يسمى بيع المرابحة، يجوز للبنك أن يشتري السيارة، وأن ينقل ملكيتها إليه، ثم يعود ويبيعها إلى المستهلك الذي يريد شراء هذه السيارة بسعر جديد دون أن يحمله فوائد في حال التأخير، فإن تحمل فوائد فهو ربا.
стр. 843
الحكم على حديث: (ولما تلذذتم بالنساء على الفرش)
السؤال
عبارة: (ولا تلذذتم بالنساء على الفرش) ضعفها فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني، ما رأيكم في ذلك؟
الجواب
رواية: (لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش) ضعفها الشيخ أبو إسحاق حفظه الله، ننظر في تضعيفها إن شاء الله تعالى.
стр. 844
الحكم على حديث: (إياكم وخضراء الدمن)
السؤال
أرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح حديث: (إياكم وخضراء الدمن)؟
الجواب
هذا حديث غير صحيح أبداً.
стр. 845
عدم كون المسجد الأقصى حرماً
السؤال
ما الدليل على أن المسجد الأقصى ليس حرماً؟
الجواب
هذا السؤال خطأ، والأصل أن يقال: ما الدليل على أن المسجد الأقصى حرام؛ لأن الأصل في الأرض أنها كلها مباحة، إنما التحريم يحتاج إلى دليل، لكن الأدلة واضحة على أن المسجد الأقصى ليس بمنطقة حرام، والمنطقة الحرام لا ينفر طيرها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف، ولا يجوز أن تصطاد فيها وأنت حل.
فلو أن رجلاً اصطاد في فلسطين عند المسجد الأقصى فإن صيده مباح ولا نلزمه بشيء؛ لأن المسجد الأقصى لم يأخذ خصائص المسجد الحرام.
следующие страницы →