Полный текст (162 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح لمعة الاعتقاد [١]
لمعة الاعتقاد للإمام ابن قدامة المقدسي ﵀ من الرسائل المهمة في تحقيق عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد بدأها المصنف بمقدمة قرر فيها مسألة الربوبية، ثم ذكر عقيدة أهل السنة في صفات الله تعالى، مستدلاًعلى ذلك بجملة من الآيات والأحاديث الدالة على إثبات الصفات، وقد ذكر هذه المسألة لكثرة المخالفين لأهل السنة فيها، من جهمية، ومعتزلة، وأشعرية، وماتريدية، ونحوهم من الفرق الضالة. ثم ذكر ﵀ عقيدة أهل السنة في مسائل الاعتقاد الأخرى؛ كالقضاء والقدر، والإيمان، واليوم الآخر، وأشراط الساعة، وغيرها من المسائل.
стр. 2
مقدمة شرح لمعة الاعتقاد
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً.
ثم أما بعد:
فهذا البحث في تقرير مسائل على كتاب الموفق في مسائل أصول الدين، وبين يدي هذه الرسالة ذكرٌ شيء من شأن مصنفها، ونبذة عن أتباع المذاهب الأربعة في تقرير مسائل أصول الدين.
стр. 3
التعريف بالمؤلف
هو الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي، المعروف بـ (الموفق)، وبـ ابن قدامة، وهذا نسب اشتهر به جملة من أهل العلم من هذا البيت وجلهم من الحنابلة، وهذا الإمام يعد من كبار أصحاب الأئمة الأربعة، وهو حنبلي المذهب، وإذا ذُكر من جاء بعد عصر الأئمة، فإن من كبار أعيان علماء المسلمين هو هذا الإمام، فهو إمام واسع من جهة: مسائل أصول الدين، وأصول الشريعة، ومسائل الفروع.
وإذا نظرت في كتابه الذي وضعه في الفقه المقارن -وهو الكتاب المعروف بـ (المغني)، والذي شرح فيه الموفق "مختصر الخرقي" في الفقه الحنبلي- إذا نظرت في هذا الكتاب، عرفت ما لهذا الإمام من عظيم الشأن، وكذلك ما كتبه في مسائل أصول الفقه في الروضة، مما اختصره من كتاب المستصفى لـ أبي حامد الغزالي.
فهذا الإمام على سعة من العلم بالفقه والسنن والآثار، فضلاً عما له من التحقيق في مسائل أصول الدين.
стр. 4
تفاوت أتباع الأئمة الأربعة في تقرير مسائل الأصول
إن المنتسبين إلى الأئمة الأربعة، الذين استقرت مذاهبهم في جمهور أمصار المسلمين -وهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - المتمذهبين بمذاهبهم في فقه الشريعة؛ هم في مسائل أصول الدين على طبقات:
فهم المحققون لطريقة المتقدمين من الأئمة، وهم الذين وافقوا الأئمة في مسائل أصول الدين، وحققوا طريقتهم، كـ أبي عمر ابن عبد البر في المالكية، أو كـ ابن كثير في الشافعية، ومن هؤلاء في الحنابلة الموفق بن قدامة ﵀، فإنه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما ذكر أصحاب الأئمة-: من المنتحلين لطريقة الأئمة على التحقيق في مسائل الأصول.
وطبقة أخرى من أتباع الأئمة الأربعة -ممن ينتسب إلى الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة أو أحمد - مائلة إلى علم الكلام أو منتحلة لشيء من طرقه؛ فهناك طائفة من فقهاء الحنفية معتزلة، وأكثر فقهاء الحنفية على مذهب أبي منصور الماتريدي، وإنما كان ذلك؛ لأن أبا منصور الماتريدي نفسه كان حنفي المذهب، وطائفة من الحنفية أشاعرة محضة على طريقة المتكلمين من الأشاعرة، وكذلك الشافعية، فإن كثيراً من متأخريهم أشاعرة؛ لأن أبا الحسن ﵀ إمام الأشعرية كان شافعي المذهب، وكذلك المالكية أكثرهم أشاعرة.
أما الحنابلة فهم من أبعد الطوائف الفقهية الأربع عن علم الكلام، ومع ذلك فإن طائفة من علمائهم المتأخرين تأثروا بعلم الكلام؛ كـ أبي الوفاء ابن عقيل؛ فإنه درس في مطلع أمره على بعض شيوخ المعتزلة؛ كـ أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان المعتزليين، وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري الحنفي، وإن كان ابن عقيل ﵀ رجع عن طريقته هذه، وكتب: الانتصار لأهل الحديث.
فالمقصود: أن أصحاب الأئمة الأربعة ليسوا شأناً واحداً، فمنهم المتمسك بآثار السابقين الموافق لطريقة الأئمة والسلف، ومنهم من تأثر بشيء من علم الكلام، أو انتحل شيئاً من طرقه المذمومة، ومنهم من هو بين ذلك، كما هي طريقة جماعة من شراح الحديث، الذين شرحوا الصحيحين والسنن وغيرها، فترى أن طائفة من هؤلاء عندهم مادة من التحقيق على طريقة السلف، وعندهم مادة من التأثر ببعض أصحابهم، فلا يلزم أن الواحد من الفقهاء لابد أن يضاف إلى مذهب معين.
وإذا أردت الإجمال فإنه يصح أن يقال: إن الجمهور من أتباع الأئمة الأربعة منتسبون للسنة والجماعة، معظمون لطريقة السلف، وإن كانوا في تحقيقها على درجات، وأما من انفك عن طريقة السلف انفكاكاً مطلقاً، فإنهم قلة ممن انتسب لمذهب المعتزلة من فقهاء الأحناف، وإنما يقال ذلك؛ لأن سائر الأشاعرة ينتسبون لأهل السنة والجماعة، وكذلك سائر الماتريدية ينتسبون لأهل السنة والجماعة، وإن كان الانتساب وحده لا يكون كافياً، فإن الاعتبار في ذلك إنما هو بتحقيق المسائل؛ لا بمجرد الانتساب إلى مذهب من هذه المذاهب.
فالمتحصل من هذا: أن أتباع الأئمة الأربعة من الفقهاء ليسوا على طريقة واحدة في مسائل أصول الدين، فمنهم المحقق، ومنهم دون ذلك، ومنهم المنتحل لمذهب تظهر في كثير من مسائله وأصوله المخالفة لطريقة السلف.
стр. 5
التعريف بالرسالة
وأما هذه الرسالة -وهي اللمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد- فهي رسالة فاضلة، جامعة لجملة من مسائل أصول الدين التي تنازع فيها أهل القبلة، وإذا ذكر أهل القبلة فالمراد بهم: سواد المسلمين من أهل السنة وغيرهم.
وقد ذكر فيها المؤلف ﵀ في رسالته هذه جملة من مسائل أصول الدين على طريقة مقاربة لطريقة الأئمة السالفين، حيث ذكر جملاً من أقوال السلف والأئمة، فضلاً عما يذكره من الدلائل الشرعية من كلام الله ورسوله ﵌.
والرسالة الواسطية المعروفة لـ شيخ الإسلام ابن تيمية قد وضعها الإمام ابن تيمية، على محاكاة هذه الرسالة للموفق، وإن كان شيخ الإسلام قد استظهر فيها أكثر في باب الاستدلال بالنصوص، وزاد عليها جملاً وأصولاً، كمسألة العلو والقدر فإنه أطال فيهما وفصل أكثر من الموفق ﵀.
وقد وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معظماً لـ أبي محمد الموفق، حتى أنه قال: (لم يدخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من أبي محمد).
فالمحصل: أن الفرق بين الرسالتين: (الواسطية واللمعة) ربما يتحقق في أن كلام الإمام ابن تيمية أكثر تفصيلاً، بخلاف الموفق فإن في كلامه إجمالاً، وإن كان إجمالاً لا ينقطع عن التفصيل والبيان في موضع آخر.
стр. 6
مكانة هذه الرسالة
تعد هذه الرسالة من الرسائل المهمة في تحقيق عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وإن كان بعض المعاصرين ممن تكلم على هذه الرسالة، قد بالغوا في التثريب على صاحبها في بعض المسائل، وذكروا أنه ليس محققاً لمذهب السلف أو طريقتهم، ونظروا في شيء من كلامه في مسألة التفويض وبعض الأحرف الأخرى.
والتحقيق أن هذه الرسالة ليس فيها غلط صريح، وإنما يوجد في بعض المواضع قدر من الإجمال والتردد، وإذا قارنا بين هذه الرسالة وبين رسالة أبي جعفر الطحاوي -المعروفة بالعقيدة الطحاوية- فإن رسالة الموفق أشرف منها، وأبعد عن الغلط في بعض المسائل، أما الطحاوي ﵀ فقد غلط في بعض مسائل الإيمان غلطاً صريحاً؛ لأنه حاكى مذهب أبي حنيفة في مسألة الإيمان محاكاة تامة، ونقل عن بعض أصحابه من الأشاعرة بعض الجمل المجملة في مسألة العلو، وإن كان لم يلتزم بنتائجها، إلى غير ذلك.
مع أن رسالة أبي جعفر الطحاوي من الرسائل الفاضلة في مذهب أهل السنة والجماعة، لكن رسالة الموفق أقرب إلى طريقة أهل الحديث منها.
والمقصود من هذا: أن اللمعة للموفق ليس فيها غلط محض، وإنما فيها بعض المواضع المجملة المحتملة.
стр. 7
أهمية الرسالة من خلال منهج مؤلفها
إذا ابتدأت بقراءة هذه الرسالة فإنك تجد أن مؤلفها ذكر في مطلعها جملاً عامة في تقرير مقام الربوبية، ولهذا يصح أن نقول: إن من فضائل هذه الرسالة أن فيها تقريراً للمعتقد على التحقيق، فإنها ليست مادة من الأحرف التي تقرر جملة من النظر أو التصورات فحسب، بل فيها ذكر لشيء من الحقائق الإيمانية، التي يترتب على قراءتها -فضلاً عن التأمل فيها- التحقيق للإيمان ظاهراً وباطناً، ولهذا ذكر فيها جملاً من التعظيم لمقام الربوبية، ومقام الألوهية، ومقام النبوة والرسالة، مما يتحقق به قدر من التأصيل للتلازم بين الظاهر والباطن في مسألة الإيمان.
والذي درج عليه أكثر المتأخرين أنهم إذا صنفوا في مسائل الاعتقاد يذكرون الجمل التي كثر النزاع فيها بين أهل القبلة فقط، دون ربط هذه الجمل بشيء من الحقائق الإيمانية.
وبعد هذه المقدمة الوجيزة نشرع في تقرير مسائل هذه الرسالة تقريراً موضوعياً.
стр. 8
شرح مقدمة لمعة الاعتقاد
قال الموفق ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٥ - ٨]، أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، ووسع كل شيء رحمة وعلماً، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠]].
هذه عبارات مجملة في تقرير مقام الربوبية، وهي وأمثالها مما يذكر في كتب أصول الدين، وليس فيها شيء من النزاع بين المسلمين، بل جميع المسلمين يقرون بهذه الجمل من حيث معناها الكلي، وإن كانوا على درجات متفاوتة في تحقيقها، بحسب قربهم من السنة وهدي صاحبها، وإنما مبتدأ التقرير المقصود سيأتي في كلام الموفق ﵀ عند قوله: (موصوف بما وصف به نفسه).
стр. 9
مواضع الاتفاق والافتراق بين طوائف المسلمين في مسائل الاعتقاد
لقد بدأ المصنف بذكر مسألة الصفات، وهي فرع عن مسألة الربوبية؛ لأهميتها وحصول النزاع فيها، ولهذا فإن العلماء يقولون: إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، رغم أن توحيد الأسماء والصفات هو من جملة توحيد الربوبية، والذي درج عليه كثير من أهل العلم قبل ذكر هذا التقسيم، أنهم يقسمون التوحيد إلى: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد، ويجعلون توحيد المعرفة هو توحيد الربوبية، وباب الأسماء والصفات متضمن له.
وسواء قسموا التوحيد إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام، فهذا كله اصطلاح لا مشاحة فيه، إذا صحت المعاني واتفقت، فمثل هذه المصطلحات ليست من السنة اللازمة التي يجب على جميع المسلمين الالتزام بها، وإنما الذي يجب على المسلمين أن يلتزموا به هو: تحقيق التوحيد.
وعلى كل حال، فجملة توحيد الربوبية ليس فيه نزاع بين المسلمين، وإن كانوا يختلفون في تحقيقها بحسب قربهم من السنة.
وكذلك جملة توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، ليس فيه خلاف بين فرق المسلمين، -أعني: الخلاف النظري- فلا يوجد هناك طائفة من طوائف المسلمين تقرر حقائق الشرك.
بل مناط هذا التوحيد الذي مقصوده إفراد الله بالعبادة، وأن من صرف عبادة لغير الله فقد كفر وأشرك - هو قدر مجمع عليه بين سائر طوائف المسلمين: من أهل السنة، والمتكلمين؛ معتزلتهم وأشعريتهم
إلى غير ذلك.
وإن كان هذا الكلام لا يلزم منه أن الطوائف الخارجة عن السنة والجماعة تكون محققة لهذا المناط، بل ثمة صور من الشرك تقع عند جملة من الطوائف: كغالية الشيعة، وغالية الصوفية، فإن بعضهم يقع في الشرك الأكبر، ولكن من حيث المناط النظري ليس بين المسلمين نزاع في توحيد الألوهية.
وقد قال كثير من أهل العلم أن المتكلمين -ولا سيما المعتزلة والأشاعرة الغالية في علم الكلام- لا يهتمون بذكر مسألة توحيد الألوهية، وهناك من يقول: إنهم لا يعرفونها، وهذا فيه تجاوز، بل توحيد الألوهية معروف عند المعتزلة والأشاعرة، لكن عندهم تقصير في تقريره وتحقيقه، وفي بيان أنه أول الواجبات ..
هذا كله متحقق، ولكنهم موافقون في أصله، فإن عدم ذكر هذا التوحيد في كتبهم فليس معناه أنهم لا يقولون به ولا يعرفونه؛ لأن إفراد الله بالعبادة مستقر عند عامة طوائف المسلمين، وإن كان هذا الاستقرار تدخل عليه هفوات إلى حد الشرك الأكبر عند قوم من غالية الشيعة والمتصوفة، أما جماهيرهم وعامتهم فإنهم يثبتون أصل التوحيد ويحققونه من جهة كونه أصلاً.
وخلاصة القول: أن توحيد الألوهية من حيث الأصل مُسلم به عند سائر المسلمين، ولا أحد من المسلمين يقول: إن صرف العبادة لغير الله صحيح، أو مما يؤذن فيه، أو مما يسوغ.
وإن كان أهل البدع قد فتحوا المجال للأقوال والأفعال الشركية بتوسعهم في باب التأويل، ولا سيما عند الطائفتين اللتين سبق ذكرهما.
وأما ما يتعلق بباب الأسماء والصفات، فإن المسلمين اختلفوا في مناطه اختلافاً معروفاً، وإن كان أصل بابه مجمعاً عليه بين المسلمين.
فإن قيل: فما الفرق بين أصل بابه وبين مناطه؟
قيل: المراد بأصل باب الأسماء والصفات هو: أن الله مستحق للكمال، منزه عن النقص، وهذا القدر مجمع عليه بين سائر طوائف المسلمين، ولا أحد من المسلمين يقول: إن الله موصوف بشيء من النقص؛ لا معتزلة، ولا أشاعرة، ولا ماتريدية؛ فهو قدر مجمع عليه، ولا يقول بمعارض هذا الأصل إلا زنديق كافر؛ فلو قال قائل: إن الله يوصف بما هو نقص، أو قال: إن الله ليس مستحقاً للكمال والتمام، فإنه لا يمكن أن يكون مسلماً ينتسب لطائفة من طوائف المسلمين، حتى ولو كانت طائفة بدعية.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد اتفق المسلمون على أن الله سبحانه مستحق للكمال منزه عن النقص، وإنما اختلفوا في تحقيق المناط، ومعنى اختلافهم في تحقيق المناط أن المسلمين اختلفت طوائفهم: ما هو الكمال؟ وما هو النقص؟
فالذي عليه الصحابة ﵁ والأئمة من بعدهم أن تحقيق الكمال هو بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن ينفى عنه كل نقص، مما صرح الله بذكره في كتابه أو لم يصرح بذكره، فهذا هو الكمال عند أهل السنة والجماعة.
وذهبت المعتزلة إلى أن الكمال: هو في نفي الصفات.
وذهبت الأشاعرة إلى أن الكمال في نفي صفات الأفعال التي يسمونها: حلول الحوادث
إلى غير ذلك من الطرق التي ابتدعت، وحصل بها شر، وفتنة، وبلاء، وغلط في مسائل أصول الدين عند المسلمين.
ولكن مع ما يقرر من غلط هذه الطوائف، وخروجها عن السنة والجماعة إلى أقوال محدثة منكرة -كثير منها يصل إلى حد الكفر من حيث هو قول، وإن كان القائل به لا يلزم أن يكون كافراً- فإن أصل هذا الباب كان متفقاً عليه بين المسلمين، وإنما حصل الخلاف بدخول مادة التأويل.
стр. 10
التسلسل التاريخي لحصول النزاع في مسائل أصول الدين بين المسلمين
جاء النبي ﷺ بتقرير مسائل أصول الدين، وذكر مسائل الفروع، وأحكم الشريعة ﵊ وأكملها، وذهب وتوفي على هذا التمام والكمال الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ومضى الناس على هذا في خلافة الصديق ﵁، ثم جاءت خلافة عمر على مثل ذلك، ثم في آخرها ظهرت مقدمات الفتنة، وهي مقتله ﵁، فإن حذيفة ﵁ لما ذكر الفتنة الكبرى لـ عمر ﵁ -كما في الصحيح- قال: (إن بينك وبينها باباً مغلقاً) ولما سأله عمر: (أيفتح الباب أم يكسر؟ قال حذيفة: بل يكسر)، وكان كسره هو مقتل أمير المؤمنين عمر ﵁.
ثم لما كانت خلافة عثمان ﵁ فكثر الشر والفتنة من مسلمة الفتوح، من أهل العراق وغيرهم.
ثم جاءت خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ فزادت الفتنة، وحصل ما حصل مما هو معروف، وكان أول نزاع بين المسلمين في مسائل أصول الدين هو في مسألة الإيمان: ما هو الإيمان؟ ومتى يكون الرجل مؤمناً؟ ومتى يكون مسلماً؟ ومتى يكون كافراً؟
وأول من أظهر المخالفة والخروج عن السنة والجماعة هم الخوارج، وقد حدَّث النبي ﵌ أصحابه بشأنهم، قال الإمام أحمد ﵀: «صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه».
وحديثهم متواتر، فقد روى مسلم في صحيحه عشرة أوجه من حديث الخوارج، وأخرج البخاري طرفاً منها، وهو حديث متفق عليه بين أهل العلم بالحديث من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجماعة من الصحابة، وذلك في قصة قسم النبي ﷺ لذهب من اليمن، فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: (اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل! فقام خالد بن الوليد -وفي رواية في الصحيح: عمر بن الخطاب - وقال: دعني أضرب عنقه، قال النبي ﷺ : لعله أن يكون يصلي، قال: وكم من مصلِّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال ﵊: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم، ثم نظر إليه وهو مقفٍ، فقال: إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (قتل ثمود)، وفي رواية: (قاتلوهم فإن لمن قاتلهم أجراً عند الله)، وفي رواية: (لو يعلم المقاتل لهم ما أعد له من الأجر، لنكل عن العمل).
وخرج هؤلاء في خلافة علي بن أبي طالب، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة من المسلمين كافر مخلد في النار.
ثم قارب الخوارج المعتزلة بعد ذلك، ثم ظهر ما يقابلهم، وهم طوائف المرجئة، الذين صاروا على النقيض من مذهب الخوارج والمعتزلة.
والمرجئة طوائف، وقد ذكر الأشعري في مقالاته أنهم ثنتا عشرة طائفة، أشدهم إرجاءً جهم بن صفوان، وأبو الحسين الصالحي، وأخفهم إرجاءً مرجئة الفقهاء؛ أتباع حماد بن أبي سليمان الإمام السلفي الفقيه المعروف، لكنه زلَّ ﵀ وغلط في مسألة الإيمان، وإلا فهو من أئمة السنة والجماعة، وغلطه -كما قال شيخ الإسلام - من بدع الأقوال وليس من بدع العقائد، وتابعه على غلطه أبو حنيفة، وعلى هذا اشتهر قول مرجئة الفقهاء بتقلد أبي حنيفة له، فشاع في أتباعه من الحنفية.
ولما مضت خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين، وجاءت إمارة بني أمية، ظهرت بعض الفرق؛ ففي الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبني أمية -أثناء خلافة يزيد بن معاوية وبعدها- خرجت القدرية في العراق، وهم قوم يقولون: لا قدر، والأمر أنف، وجملة مذهب هؤلاء: أنهم ينكرون خلق أفعال العباد، وغلاتهم ينكرون علم الرب بها قبل وقوعها من العباد.
وهؤلاء القدرية الغلاة المنكرون لعلم الرب هم قوم من الزنادقة من أهل فارس، وإنما أظهروا الإسلام نفاقاً، وليسوا من المسلمين في شيء، وقد أجمعت المعتزلة القدرية -لا نقول أهل السنة- على تكفير هؤلاء الغلاة، فضلاً عن إجماع جملة طوائف المسلمين.
وأما غير الغلاة من القدرية فإنهم أهل بدعة، وقولهم كفر، وإن كانوا ليسوا كفاراً، قال شيخ الإسلام ﵀: (وهذا النوع من القدرية ما علمت أحداً من السلف نطق بتكفيرهم).
فالمقصود: أن الأصل الثاني الذي حصل فيه نزاع هو القدر، فظهرت القدرية، وقابلتهم الجبرية الذين يقولون بجبر العباد، وكان هذا في آخر عصر الصحابة، وبعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين.
وأما المسائل الإلهية فإن عصر الصحابة انقرض ولم يحصل فيها نزاع بين أهل القبلة.
وفي المائة الثانية بعد عصر الصحابة؛ ظهر قوم ينتحلون علم الكلام، وهو علم مولَّد من فلسفة اليونان وغيرها من الفلسفات، وأظهروا تعطيل الصفات؛ كـ الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأمثالهمها.
فهؤلاء القوم ضلوا في هذا الباب ضلالاً مبيناً، ولهذا كان السلف ﵏ يرون أن قول الجهمية كفر، وقد أجمع السلف على جملة من أقوال الجهمية أنها كفر، وإن كانوا لا يلتزمون تكفير أعيانهم.
فلكون هذه المسألة هي أشرف المسائل التي حصل فيها النزاع؛ قصد المؤلف ﵀ إلى تعظيم شأنها، وذِكرها على التفصيل في مبدأ رسالته.
стр. 11
شرح لمعة الاعتقاد [٢]
عقيدة أهل السنة في صفات الباري جل وعلا تعتبر من أخص أصولهم، فهم يؤمنون بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، مخالفين في ذلك مسلك المعطلة الذين عطلوا صفات الله وتأولوها على معان مجازية، ومخالفين -ثانياً- مسلك المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، ومخالفين -ثالثاً- مسلك المفوضة الذين يقولون بالعمل بالألفاظ مع السكوت عن معانيها.
стр. 12
عقيدة أهل السنة في صفات الباري
قال الموفق ﵀: [موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم].
أي أن الله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولهذا كان من أخص أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب هو: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله ﵌.
قال الإمام أحمد: «نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث».
وأحياناً يقع إشكال لدى بعض طلبة العلم في بداية الطلب؛ فإنهم تارة يقولون: يوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه أو سنة نبيه، وتارة يقولون: الكتاب والسنة والإجماع.
وهذا ليس فيه إشكال؛ لأنه لا ينعقد الإجماع إلا تبعاً لنص، ولهذا لا فرق بين أن يقال: الكتاب والسنة، أو يقال: الكتاب والسنة والإجماع.
وقد جاءت صفات الله في الكتاب والسنة بالنفي والإثبات؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهذا نفي ..
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهذا إثبات، ومن قواعد باب الأسماء والصفات: أن الله موصوف بالنفي والإثبات.
فإن قيل: ما الفرق بين المقامين؟
قيل: مقام الإثبات أصل ذكره في القرآن والحديث على التفصيل، وأما مقام النفي فإن الأصل في ذكره الإجمال، ولهذا فإن الله تعالى فصل ذكر الأسماء والصفات، وكذلك النبي ﷺ ، وقد جاء في القرآن في هذا الباب إثبات مجمل، ونفي مفصل، لكننا نقول: إن الأصل في النفي هو الإجمال ..
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وإنما أُجمل النفي كهذا الحرف من كتاب الله؛ لأنه أبلغ في تحقيق الكمال والتنزيه من المفصل، فإن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: ليس كمثله شيء موجود أو متخيل أو مفروض في الذهن، تعالى عن كل شيء، فهذا عموم تام في النفي.
وكذلك فُصل في الإثبات؛ لأنه أبلغ في تحقيق الكمال، ولأنه ليس من المستحسن الاستطراد في تفصيل النفي، أو الإجمال في ذكر الإثبات، وإنما كان ذكر مجمل الإثبات لبيان شموله وتمامه، قال الله تعالى في ذكر مجمل أسمائه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] وهذا إثبات مجمل، وأما المفصل في أسماء الله، فهو كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر:٢٣] الآية، والصفات مفصلها كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ..
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، وكل اسم ذكر في القرآن فإنه يتضمن صفة، وهذا كله تفصيل للصفات، ومن المجمل في الصفات قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأكمل، وهذا إجمال في إثبات الصفات.
إذاً: الأسماء والصفات ذكرت مجملة ومفصلة، وذكرت مثبتة ومنفية، فالنفي المجمل هو الأصل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، والنفي المفصل قليل كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ..
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، ولهذا فإن كل نفي مفصل يتضمن ثبوتاً، وليس في القرآن ولا السنة نفي مفصل يقصد به النفي المحض، فمثلاً قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لا يقصد به النفي المحض، بل جاء متضمناً لثبوت الكمال: كمال الربوبية والقيومية، ولهذا كانت هذه الآية -على طريقة طائفة من مثبتة الرؤية: كأهل السنة، ومحققي الأشاعرة كـ الأشعري وغيره- دليلاً على إثبات الرؤية، فهذا هو المستعمل.
أما من حيث الإثبات فالأصل فيه هو التفصيل، ولا يثبت لله شيء من الأسماء أو الصفات إلا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، فهو باب توقيفي على التفصيل، فلا يجتهد في إثبات اسم أو صفة، بل هو موقوف على تفصيل النصوص له، وأما النفي فهو في الجملة توقيفي كذلك، لكن ثمة معنىً مهم ذكره ابن تيمية ﵀، وهو أن يقال: إن الله منزه عن كل نقص؛ فهل يلزم أن هذا النقص الذي ينزه الرب عنه قد صُرح بنفيه في القرآن أو السنة؟
الجواب: لا يلزم، فصار المقام الأول: مقام الإثبات؛ لا يمكن أن نثبت لله اسماً أو صفة ليس في الكتاب والسنة.
والمقام الثاني: مقام النفي؛ يمكن أن ينفى عن الله نقص لم يصرح بنفيه في القرآن.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولا يقتصر في باب النفي على ما ذكر تفصيلاً في القرآن أو في السنة، فإنه يسير، بل كل نقص فإنه ينفى عن الله).
فمثلاً: لا يوجد في كتاب الله تصريح بنفي الجهل، وذلك لأن ذكر العلم صفة، واسمه له (العليم) يدل على نفي الجهل.
ومن هنا استخلص العلماء قاعدة وهي: (أن كل إثبات يتضمن نفي ضده) وهذه قاعدة مطردة؛ لأن المتقابلين يمتنع اجتماعهما في العقل، ولهذا إذا قال قائل: لِمَ لَمْ يذكر الرب في كتابه تنزهه عن الجهل وغيره من صفات النقص؟
قيل: هذا مذكور على طريقة من التمام والبلاغة، وهو أنه ذكر إثبات المقابل، فعلم أن ضده يلزم أن يكون منفياً عنه، ومبايناً له .
إذاً: نخلص إلى قاعدة وهي: أن باب الأسماء والصفات باب توقيفي، وأنه متحصل بالإثبات والنفي على القاعدة السالفة.
стр. 13
طريقة أهل السنة في إثبات الصفات
قال الموفق ﵀: [وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل].
أبان الموفق ﵀ في جمله السالفة وفي شرحها فيما بعد، أن طريقته في باب الأسماء والصفات هي طريقة الأئمة، وأن كل ما جاء في القرآن أو صح عن النبي ﷺ من صفات الله، فإنه يجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل، وهذه القاعدة متفق عليها بين أئمة أهل السنة والجماعة، وحروفها التي ذكرها في هذه القاعدة هي في الجملة حروف بيِّنة.
قوله ﵀: (وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇ عبر ﵀ عن السنة، فقال: «أو صح» لأن في الأحاديث -كما هو معروف ومستقر- قدراً من التردد في ثبوت بعضها، والمعتبر هنا هو ما صح عن النبي ﵌.
نقول: إن الاستدلال بالقرآن بين، وأما السنة فإن المتكلمين أوردوا كلاماً إنما نورده هنا ونناقشه لكونه دخل على بعض الأصوليين والفقهاء، بل وبعض الحفاظ المتأخرين من أهل الحديث، وهو ما يتعلق بتقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، ثم رتبوا على هذا التقسيم فروعاً كثيرة.
والتقسيم إذا كان مجرد اصطلاح فإنه لا يمنع؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح.
ولكن من أين جاء هذا التقسيم؟ وما هو مورده؟ وهل هو مجرد اصطلاح فعلاً، أم له شأن آخر؟
بعض أئمة السنة المتقدمين كـ الشافعي ﵀ يستعمل لفظ التواتر في كلامه، لكن هذا التقسيم من حيث الحد -أي: التعريف له- منزعه من نظار المعتزلة، ثم دخل على متكلمة الأشاعرة، وعلى من كتب في علم أصول الفقه، وليس غريباً أن يدخل في كتب أصول الفقه؛ لأن أكثر من كتب في علم أصول الفقه هم من علماء الكلام؛ كـ أبي الحسين البصري في المعتمد وهو حنفي، وكـ أبي المعالي الجويني في البرهان وهو شافعي، وكـ أبي حامد الغزالي في المستصفى وهو شافعي، ومحمد بن عمر الرازي في المحصول وهو شافعي، وبعض كتب المالكية التي بنيت على علم الكلام، فكتب أصول الفقه فيها مادة كثيرة من علم الكلام، وكتابها ومؤلفوها من المتكلمين.
يقول أصحاب هذا التعريف: إن المتواتر ما رواه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، والآحاد ما عدا ذلك ..
ثم اختلفوا في هؤلاء الجماعة: كم عددهم؟ والذي عليه أكثرهم أنهم عشرة أو ما يقاربهم ..
فهب أن المتواتر ما رواه عشرة ابتداءً؛ فعليه: لا يكون الحديث متواتراً عن رسول الله ﷺ إلا إذا رواه من الصحابة عشرة، ورواه عن كل واحد من العشرة عشرة، فيكون العدد في الطبقة الثانية مائة، ورواه عن كل واحد من المائة عشرة، فيكون العدد في الطبقة الثالثة ألفاً، فهذا هو المتواتر، أما إذا لم يكن كذلك فإنه يكون آحاداً.
لقد وضع المتكلمون من المعتزلة هذا الحد، وقالوا: لا يحتج في العقائد إلا بالحديث المتواتر، وحقيقة هذه النظرية الكلامية التي ابتدعوها ومؤداها أن السنة لا يحتج بها في مسائل أصول الدين، وحقيقة الأمر أن المعتزلة أنفسهم ليسوا أهل رواية ولا أهل علم بالحديث، ولما دخل هذا الكلام على الأصوليين من المتكلمين، وشاركهم بعض أصحابهم من الفقهاء، وممن كتب من الحفاظ في مصطلح الحديث؛ بحثوا عن حديث متواتر بالشرط المذكور آنفاً، أي: رواه عشرة من الصحابة أو أكثر، وعنهم مائة أو أكثر، وعنهم ألف أو أكثر، فقالوا: ليس له إلا مثال أو مثالان أو ثلاثة، بل قال بعض الحفاظ المحققين: «إن هذا الحد ليس له مثال منضبط»، وإن أئمة الحديث -كـ البخاري وابن معين وابن المديني وأمثال هؤلاء- لم يكونوا يعتنون بضبط مثل هذا أصلاً، ولا يعدونه من مقصودهم، ولا يسمونه متواتراً.
وحتى لو فرضنا جدلاً أن عشرة أحاديث مثلاً قد انضبط تواترها على هذه الطريقة، فمعناه: أن عامة السنة لا يحتج بها.
وعليه فهذا الحد للمتواتر والآحاد -وإن كان موجوداً في كتب المصطلح، وذكره بعض الحفاظ الفضلاء؛ كـ ابن الصلاح، وابن حجر وأمثالهما- هو حد مخترع من المعتزلة، ويجب تركه وإنكاره؛ لأن مؤدَّاه الطعن في تحقيق النبي ﷺ لمسائل أصول الدين، وأنه لم ينضبط نقل الصحابة لها.
مسألة: هل المتواتر يفيد العلم، والآحاد لا يفيد إلا الظن؟
الجواب: هذه مسألة نظرية، وفيها تفصيل وخلاف، ذكره ابن حزم وابن تيمية وجماعة، ولكن الذي يصح أن يقال عنه: إنه متواتر -وهو مراد الشافعي وأمثاله من المتقدمين- هو ما اتفق المحدثون عليه، أو استفاض ذكره في السنة، واستقر قبوله عند أهل العلم؛ فهذا كله يسمى متواتراً، كحديث جبريل، فإنه حديث تُلقي بالقبول، وكحديث: (إنما الأعمال بالنيات ...)، فإنه غريب في مبدئه، وإن كانت الأمة قد تلقته بالقبول، وأجمع المحدثون على ثبوته.
فما استفاض ذكره من النصوص، وتوارد القبول عليه عند أئمة أهل الحديث، فهذا يسمى: متواتراً، وهذه التسمية -بهذا الاعتبار وعلى هذا التعريف- مناسبة للشرع واللغة والعقل، وأما النظرية التي وضعها المتكلمون، ودخلت على بعض المتأخرين، فهي نظرية باطلة، لا يمكن أن يعتبر بها شيء؛ لأن محصلها ترك الاحتجاج بالسنة في مسائل العقائد، وهذا هو مذهب الغلاة من أهل البدع.
стр. 14
وجوب الإيمان بنصوص الكتاب والسنة
قوله ﵀: «وجب الإيمان به» أي: بما جاء في كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، الإيمان بهذه النصوص وما دلت عليه، والإيمان: هو التصديق والقبول المستلزم للعمل، أو المتضمن للأعمال، وهذا هو معنى الإيمان الشرعي، وليس مجرد المعرفة فقط، فإن المعرفة تقع من غير المسلمين؛ فقد قال الله تعالى حاكياً عن اليهود: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وإن سمَّى الله اتِّباع ما بعث به نبيه ﵊ علماً ومعرفة، إلا أن الغالب -وهو الأصل- أن هذا يسمَّى إيماناً؛ فالإيمان إن لم يكن متضمناً للأعمال الظاهرة والباطنة، فإنه مستلزم لها؛ إذا ما قيل: إن الإيمان من جهة أصله يسمَّى التصديق.
ولهذا فإن السلف ﵏ لما عرفوا الإيمان قالوا: هو قول وعمل، وهذا لازم من جهة الشرع، ومن جهة الدلائل فإنه لا يكون مؤمناً بمحض التصور الذي هو المعرفة فقط، بل ولا بد أن ينقاد القلب، ويحصل بذلك أثر على الظاهر.
قوله ﵀: «وتلقيه بالتسليم والقبول» أي: لا يتعرض لتأويله، ففي إشارة إلى الرد على من اشتغل بتأويل نصوص الأسماء والصفات، فإن هذا نوع من ترك التسليم والقبول، ولهذا قال: «وترك التعرض له بالرد» وكأنه أشار بمسألة الرد إلى طعن خلق من المتكلمين فيما يسمونه من الأحاديث آحاداً، وإلا فليس من المسلمين من رد شيئاً من كلام الله أو كلام نبيه ﷺ أو طعن فيه؛ إذا بان له أنه صح عنه ﵊؛ لأن هذا الرد لا يكون إلا كفراً وزندقة وخروجاً من الملة.
стр. 15
التأويل في اصطلاح المتكلمين
قوله ﵀: «والتأويل» أي: ترك التأويل له، والتأويل: لفظ مجمل ذكر في الكتاب والسنة على معنى الحقيقة، وذكر على معنى التفسير، وأما التأويل الذي قصد المصنف إلى إبطاله، فهو: ما اصطلح المتكلمون عليه، من صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة، أو صرف اللفظ عن ظاهره إلى مؤوله لقرينة أو صارف ..
وهذا هو التأويل في اصطلاح المتكلمين.
ولفظ التأويل الذي ذكر في الكتاب والسنة على غير هذا المعنى، بل على معنى الحقيقة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣] أي: حقيقته، أو يراد بالتأويل التفسير، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] في حالة الوقف على كلمة (العلم)، ومنه قول ابن جرير وأمثاله: (القول في تأويل قوله تعالى).
ومنه قول الإمام أحمد: (ويتأولون القرآن على غير تأويله).
وقالت عائشة ﵂ -كما في الصحيحين-: (كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، وقال سفيان بن عيينة: (السنة تأويل الأمر والنهي)، أي: تحقيقها.
فالتأويل على المعنى الشرعي: إما الحقيقة، وإما التفسير للكلام.
وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لقرينة فهو تعريف المتكلمين، وهو مبني على مسألة الحقيقة والمجاز.
стр. 16
مسألة الحقيقة والمجاز
هي مسألة نظَّر لها اللغويون من المعتزلة.
وقد اعتنى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما بإبطال مسألة المجاز؛ لأن أصل تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز إنما هو من كلام أهل اللغة من المعتزلة؛ لنصر مذهبهم الذي حارب ظاهر النصوص في تقرير مسائل الأسماء والصفات.
وظاهر من تعريف التأويل أن الكلام عندهم: ظاهر ومؤول، وحقيقة ومجاز، فكأن المعنى أن السياق من كلام الله أو كلام رسوله له معنيان: معنى ظاهر، ومعنى مؤول، أو معنى حقيقة ومعنى مجاز، وهذا كما قال شيخ الإسلام: إنه ممتنع في العقل، فإن المتكلم إذا كان مريداً إرادة معينة وكان كلامه فصيحاً، فإنه لا يريد بكلامه في نفسه إلا معنىً واحداً، وإذا تُردد في فهمه، أو تعدد فهم السامعين له، فهذا التردد من الفاهمين، وليس من صاحب الكلام نفسه؛ ولهذا فإن كل كلام الباري المذكور في القرآن، أو كلام النبي ﵊، هو في مراد الله ورسوله على معنىً واحد، ولا يصح أن يقال: إن له ظاهراً ومؤولاً، أو له حقيقة ومجازاً، فمن مثل هذا الضلال ظهرت بدع الباطنية وأمثالهم.
وإن كان المتكلمون لا يقولون: إن ثمة ظاهراً أو باطناً، فهذا تقسيم عند من يأخذون مبدأ الإشراق أو مبدأ التصوف أو مبدأ التسليم بالحقائق دون عرضها على العقل من غلاة الشيعة والصوفية والإسماعيلية وغيرهم.
стр. 17
إبطال القول بالمجاز
المتكلمون أصحاب النظر العقلي يقسمون كلام الله إلى ظاهر ومؤول.
فالظاهر: هو ما يظهر من الكلام.
وأما المؤول: فهو المعنى الذي دلَّ عليه حكم العقل، وهذا تناقض؛ لأنه يلزم منه أن الظاهر لم يدل عليه حكم العقل، وهذه مسألة يطول شرحها، لكن يمكن أن نلخصها فنقول: إن هذا التقسيم من جهة الأصل بدعة في الشرع، ثم هو فوق كونه بدعة في الشرع هو ممتنع في العقل؛ لأن المتكلم إذا تكلم بكلام فإنه يريد بكلامه معنىً في نفسه، وهذا في سائر كلام بني آدم -ولله المثل الأعلى- فسائر المتكلمين إذا تكلموا فإنهم يريدون بكلامهم هذا معنىً واحداً، ويمتنع أن يكون أحدهم مريداً لأكثر من حقيقة، ولا سيما إذا كانت الحقائق بينها اختلاف أو تضاد، فمثلاً لو قال شخص: جاء زيد، يمتنع أن يكون أراد في نفس الوقت أنه جاء وأراد أنه لم يجئ، وكما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في أول الرسالة التدمرية: (أن باب الأسماء والصفات يدور بين الإثبات والنفي) أي: أنه باب خبري، ومعنى هذا: أن الخبر القرآني إما أن يراد به إثبات شيء، وإما أن يراد به عدم إثباته، فمثلاً: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] إما أن يراد أن الله كلمه، وإما أن يراد عدم ذلك.
إذاً: يمتنع أن المتكلم يتكلم بكلام ويريد به جملة من الحقائق بينها اختلاف وتضاد، وفوق هذا كله تكون هذه الحقائق المتضادة بعضها ظاهر وبعضها يحتاج إلى تأويل، وعليه فهذا التقسيم ممتنع أيضاً من جهة العقل.
بل الصواب عقلاً وشرعاً أن كلام الله واحد من جهة المعنى، وأن الله أراد به معنىً واحداً.
стр. 18
اختلاف السلف في فهم نصوص القرآن والسنة لا يدل على تقسيمها إلى ظاهر ومؤول
إذا قيل: إن في آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ تردد العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم في فهم معناها على أقوال؛ فمنهم من فهم من الآية الوجوب، ومنهم من فهم من الآية الاستحباب، أو غير ذلك، فمثلاً: قال النبي ﷺ كما في حديث أبي سعيد في الصحيح: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) فهم طائفة من أهل العلم أن غسل الجمعة فرض عين، وأنه واجب لا بد منه، ويلحق الإثم بتركه، وفهم الجمهور -وهو الصحيح- أن غسل الجمعة ليس واجباً على التعيين، وأن كلمة (واجب) لا يراد بها الوجوب الاصطلاحي.
والقصد أن العلماء اختلفوا في فهم الأدلة، فما الجواب عن هذا.
يقال: الاختلاف الذي وقع بين علماء السلف في فهم بعض آيات القرآن وبعض أحاديث الرسول ﷺ يرجع إلى ذات الكلام، بمعنى: أنهم يتفقون أن الكلام إنما يراد به معنىً واحد، فهم متفقون على أن النبي ﷺ أراد من حديثه حكماً واحداً؛ إما الوجوب وإما الاستحباب، لكن اختلفوا في تعيين هذا الحكم؛ فالاختلاف يرجع إلى مادتهم الاجتهادية، ولكن باب الأخبار -والذي منه باب الأسماء والصفات- ليس كباب الأمر والنهي، فباب الأخبار لا يرد عليه ذلك؛ لأنه إما أن يثبت الشيء وإما أن ينفى، فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢] هذا إسناد صريح من جهة لغة العرب، ويمتنع أن يفهم أحد من لفظ المجيء إذا أضيف إلى معين أكثر من حقيقته الظاهرة؛ فإذا قال شخص -ولله المثل الأعلى-: جاء زيد، لم يتردد العقلاء في فهم هذه الجملة بأي لغة عبر بها، فهم يفهمون أن رجلاً يسمى زيداً قد جاء مجيئاًَ يختص به ويناسبه.
إذاً: تقسيم الكلام إلى ظاهر ومؤول غلط من أصله؛ فهم بنوه على وجه زعموا أنه من اللغة، وهو: أن اللغة تنقسم إلى حقيقة ومجاز، وهذه المسألة كثر فيها الجدل، ولكن يمكن أن يلخص فيها تقرير يسير فيقال: تقسيم الكلام في القرآن والسنة إلى حقيقة ومجاز يقع على أحد وجهين؛ فإن أريد به الوجه اللفظي الاصطلاحي فهذا لا مشاحة فيه؛ فمثلاً: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] من قال: إن هذا من باب المجاز في اللغة.
وأراد أن العرب تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه، وأن هذا مما تجوزه اللغة، أو من مجازات لغتهم، وأن المراد أهل القرية، فهذه التسمية اصطلاحية.
إذاً: تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز إن كان من عوارض الألفاظ؛ فهو اصطلاح لا بأس به.
وإن كان هذا التقسيم من عوارض المعاني، فهذا هو المشكل، وهو المستعمل عند اللغويين من المعتزلة، وشاع في كلام الأصوليين وغيرهم على معنىً قالوا فيه: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وهذا تعريف للحقيقة والمجاز مشهور عندهم.
стр. 19
إيراد عقلي على مسألة الحقيقة والمجاز
وهذا التعريف مشكل من أوجه كثيرة، ومن أخصها أنه يتضمن أن ثمة في الكلام استعمالاً ووضعاً؛ لأنهم قالوا: الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وما دام ثمة استعمال وثمة وضع، فلا يمكن أن يكون هذا التعريف صواباً أو ممكناً إلا إذا تحصَّل الإدراك للوضع والاستعمال، وأن بينهما افتراقاً.
المستعمل هم العرب في كلامهم من الجاهليين، ومن أدرك فصيح اللغة بعدهم، وإذا كان الاستعمال هو استعمال العرب، فالوضع لمن إذا قيل: هو وضع العرب، امتنع أن ينفك الاستعمال عن الوضع، وهذه النظرية لا يمكن أن تكون صحيحة في العقل إلا إذا فرض أن ثمة وضعاً انضبط، ثم أعقبه استعمال، فإذا تناسب الاستعمال مع الوضع، سمِّي الكلام حقيقة، وإذا خرج الاستعمال عن الوضع سمِّي الكلام مجازاً، أما إذا كان الاستعمال هو الوضع، أو امتنع امتياز أحدهما عن الآخر، فإن التقسيم يكون غير ممكن في العقل.
وهذا إيراد عقلي متين على مسألة الحقيقة والمجاز؛ ولهذا فإن المعتزلة خاصة ومن شاركهم في نظريتهم في هذا التقسيم، عنوا في مقدمات كتبهم بتقرير مسألة مبدأ اللغات، وكيف بدأت اللغة، وبدءوا يذكرون أقوالاً، ومع أن هذه المسألة تكلم عنها بعض المفسرين في مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] فقيل: إنها لغة آدم، وقيل: كانت الجن تتكلم بها، وقيل: إلهام، وقيل: تعارف، وقيل غير ذلك، وهل العلم ممكن بهذه المسألة، أم لا؟ وعليه قد نقول: الراجح أن العلم بهذه المسألة غير ممكن، إلا إن جاء نص إلهي نبوي عن طريق الوحي بأن اللغة تحصَّلت بكذا وكذا، وإلا كان العلم بهذه المسألة متعذراً.
وعليه تبقى مسألة الحقيقة والمجاز مسألة نظرية، أما إذا دخلت إلى عمق المعاني فهي مرفوضة وغلط؛ لكونها ممتنعة في العقل، وممتنعة التحصيل.
وهناك سؤال وجه إلى المعتزلة وهو قوله تعالى: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) ما المقصود بذلك؟
الحذاق منهم حاولوا الإجابة عن هذا السؤال فقالوا: إن الجدار مثلاً لا يسأل، أو القرية لا تسأل، وإنما المقصود أهل القرية، نقول: هذا لا مشاحة فيه، ولا أحد من العقلاء حتى من غير المسلمين، فضلاً عن العرب الذين سمعوا القرآن يفهم خلاف هذا، فجميع العقلاء إذا سمعوا مثل هذه الآية فهموا أن المقصود أهل القرية، وأن في الكلام حذفاً.
ومحصَّل الجواب عن إشكال المعتزلة أن يقال: إن عامة ما جعلوه مجازاً هو في اللغة على أحد وجهين:
الوجه الأول: أن يكون من باب الحذف، وهذا كثير في اللغة؛ وكثيراً ما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، وهذا لا إشكال فيه ألبتة، وهذا الحذف ليس خاصاً بلغة العرب، بل هو موجود في جميع ألسنة بني آدم؛ يحذفون المعلوم من الكلام اختصاراً، ولهذا قال ابن مالك في ألفيته:
وحذف ما يعلم جائز كما ... تقول: زيد؛ بعد من عندكما؟
وفي جواب كيف زيد؟ قل: دنف ... فزيد استغني عنه إذ عرف
فالمقصود: أن الحذف في الكلام شائع في جميع ألسنة بني آدم عامة، والعرب خاصة، وهو أنهم يحذفون بعض الكلمات المعلومة ضرورة، فمثلاً: إذا قال لك شخص: كيف زيد؟ أو كيف عمرو؟ فإنك تقول: صحيح أو حسن أو مريض، ولا يلزمك لغةً ولا عقلاً ولا نظراً أن تقول: زيد صحيح؛ لأنه إنما سأل عن زيد.
وتسمية هذا الحذف مجازاً إذا قصد به -أن اللغة تجيزه- فهذا لا مشاحة فيه، وهذه هي تسمية أبي عبيدة معمر بن المثنى حين قال: وهذا من مجاز اللغة، أي: مما تجوزه اللغة، وورد مثل هذا عن الإمام أحمد أيضاً.
الوجه الثاني: هناك نظرية عقلية وهي أن العرب وغيرهم يمتنع أن يحذفوا من كلامهم ما قصدوا به الإفهام؛ بل لا يحذفون من كلامهم إلا ما كان معلوماً ضرورة، فإذا رجعنا إلى كلام الله وكلام نبيه ﷺ -والكتاب والسنة هما هدىً وبيان للناس- فما كان فيهما من حذف فهو على نسج كلام العرب؛ يلزم أن يكون المحذوف معلوماً ضرورة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] علم ضرورة أن المقصود أهل القرية، وهذا علم عقلي.
أما أولئك المتكلمون فإنهم فسروا قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] من جنس قوله: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] ونحن نقول: هذا ممتنع؛ لأن الاتفاق العقلي واللغوي من شرطه أن يكون المحذوف معلوماً، وهو هنا ليس معلوماً، بل المحذوف ممتنع العلم.
ومن لم يثبت مجيء الله على ما يليق به، وقال: إن الآية ليست على ظاهرها، أو أن هذا مجاز، أو أن هذه الحقيقة ليست مرادة، والمراد هو المجاز!
يقال له: إن هذا خبر قصد تصديقه في القرآن، وإذا كان في الكلام حذف، فلا يفهم الكلام إلا إذا علم المحذوف، والعلم بالمحذوف ممتنع؛ لتعدد الإمكان؛ فإن منهم من يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، ومنهم من يقول: جاءت ملائكته أو رحمته، ومنهم من يقول: أي: جاء قسطاسه أو جاء عدله؛ فصار تقدير المحذوف عند المخالفين متعدداً، والذي أراده الله حقيقة هو شيء واحدٌ، وفرق بين أن يجيء جبريل، أو تجيء جملة من الملائكة، أو يكون المقصود مجيء رحمته، أو ما إلى ذلك.
إذاً ..
هناك سؤال يوجه للمخالفين: ما الذي جعل التعيين لواحدٍ من هذه المتعددات أمراً متحققاً؟
فمن قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره مثلاً، فإننا نقول له: قد يكون المقصود: جاء جبريل، وهذا على تأصيلكم؛ لأنكم جوزتم أن يكون الكلام في مثل هذه الحالة ليس على ظاهره.
فالنتيجة إذاً: أنه لما تعدد المحذوف إمكاناً، عُلم أن الكلام على ظاهره وليس فيه حذف، وأن قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء هو مجيئاً يليق بجلاله.
وذلك أن المحذوف من شرطه الضروري في جميع ألسنة بني آدم أن يكون معلوماً علماً بيِّناً، وعليه فليس في القرآن حذف إلا إذا استقر في فهم المخاطب ابتداءً أن في الكلام حذفاً، وإلا فإن السياقات تبقى على ظاهرها.
ولفظ "الظاهر" لم يأت ذكره في القرآن على معنى الكلام، إنما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] وهذا باب آخر وهو باب العمل، ومع ذلك فلما اشتغل بعض الناس بلفظ "الظاهر" وغلوا في ذلك، قال أهل السنة: إن كلام الله وكلام رسوله قد يكون أحياناً على غير ظاهره، فمن قال هذا من هذا الباب فلا بأس بذلك، ولكن التقسيم لكلامه إلى ظاهر وباطن أو ظاهر ومؤول بدعة محدثة في الدين باطلة في الشرع.
الوجه الثاني من أوجه ما جعلوه مجازاً: أن يكون ذلك لفظاً مشتركاً، أي: يُستعمل في أكثر من سياق ومعنى، كلفظ اليد، فإنها تستعمل ويراد بها الصفة المتعلقة بالحي، وتستعمل اليد ويراد بها النعمة، ومع أن هناك تناسباً بين معنى النعمة وبين معنى اليد الصفة؛ لأن النعمة إنما تعطى بهذه اليد.
فلفظ (اليد) لفظ مشترك متعدد المعنى، ولما زجر أبو بكر الصديق ﵁ عروة بن مسعود الثقفي في قصة صلح الحديبية -كما في الصحيح- قال عروة: من هذا؟ قالوا: هذا أبو بكر، فقال له عروة بن مسعود الثقفي: (لولا يد لم أجزك بها لأجبتك) أي: لولا نعمة، فهم يقولون: إنه من باب المجاز، ونحن نقول: كلا، هذا من باب الحقيقة، ولكن لو فرض جدلاً أن هذا يسمَّى مجازاً في اللغة فلا بأس.
والمقصود: أن بعض الكلمات في اللغة متعددة المعاني باعتبار السياق، لكن ليس في كلام العرب سياق واحد يحتمل جملة من معاني الخطاب، ولا يقع ذلك إلا على أحد وجهين: إما أن يكون المتكلم ليس فصيحاً، وإما أن يكون السامع ليس تام الفهم والإدراك، وعليه فالعرب تُعِّرف اليد بمعنى النعمة، لكنها تفهم أنها هي المراد من خلال السياق؛ فالسياق نفسه يدل على ذلك، فالاعتبار بالسياقات وليس بأفراد الكلمات.
стр. 20
التفويض ومخالفته لطريقة السلف
قال المصنف بعد تقريره لهذه القاعدة في الصفات: [وما أشكل من ذلك -أي: في باب الصفات- وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله].
هذه المسألة من أشد ما أخذ على الموفق ﵀، وكما أسلفت فرسالته هذه ليس فيها غلط محض بيِّن، إنما فيها بعض الأحرف المحتملة، فهل هذه العبارة من المصنف تقرير للتفويض، أم لا؟
وقبل الجواب ينبغي أن يعلم أن الاعتبار دائماً يكون بتحقيق الحقائق، وأما أن هذا المعين من الناس يقول بهذا المذهب أو لا يقول به، فهو غير مهم، والمهم أن يكون بين لنا ومعلوم أن التفويض في الصفات طريق بدعيٌ لا أصل له في كلام السلف.
فكما أن السلف ﵏ تركوا التأويل، وقالوا بوجوب البقاء على ظواهر النصوص، وأن النصوص معناها واحد، إلى غير ذلك، فإنهم تركوا قول المفوضة أيضاً، والمراد بالمفوضة: هم من زعموا أن هذه النصوص يُعمل بألفاظها وأما معانيها فليس هناك معنىً يُؤمن به، وإنما يفوض العلم بالمعنى إلى الله، وهذا مذهب غلط ومبتدع، وكما قال الإمام ابن تيمية ﵀: "إن قول المفوضة من شر أقوال أهل البدع".
стр. 21
مسالك أهل البدع تجاه صفات الله تعالى
مذهب السلف في مقام الصفات هو الإيمان بالأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
وهناك ثلاثة مسالك بدعية:
المسلك الأول: مسلك المعطلة والمؤولة؛ الذين عطلوا صفات الله وتأولوها على معانٍ سموها مجازاً، كقولهم: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، وقولهم: إن (استوى) بمعنى: (استولى) وهذا مذهب المعتزلة ومن وافقهم من متكلمة الصفاتية كالأشاعرة وغيرهم.
المسلك الثاني: مذهب التشبيه، وهم من شبه الله بخلقه، شبه الخلق بصفات الخالق، والمشبهة أصلهم من أئمة الشيعة، ثم دخل على بعض الأحناف أتباع محمد بن كرام.
وهذان المذهبان -أعني: مذهب التشبيه ومذهب التعطيل والتأويل- لم يشتبه على أحد من أصحاب السنة والجماعة من الفقهاء المبتعدين عن علم الكلام أنهما مذهبان مخالفان لمذهب السلف.
المسلك الثالث: مذهب المفوضة، والتفويض هو الذي اشتبه على بعض الفقهاء التاركين لعلم الكلام فقالوا: إنه قول طائفة من السلف، فظنوا أن السلف مفوضة؛ أي: أنهم يقولون: إن هذه الألفاظ يُعمل بها، وأما معناها فيسكت عنه، وهذا التفويض لا شك أنه بدعة، وهو ممتنع عقلاً، وفي تقرير هذه المسائل يجب أن يظهر التوافق بين العقل والنقل، وأنه لا تعارض بينهما.
وإنما كان التفويض ممتنعاً عقلاً؛ لأن الله إنما أراد بهذه الأخبار التعريف به، فإذا كان معناها غير مُدرك فإن المعرفة به سبحانه لن تكون ممكنة، ولأن الله أراد بذكر الخبر معنىً معيناً، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] فهذا خبر متضمن لإثبات صفة السمع صراحة، وإذا لم يكن هناك فقه وفهم للصفة، فإن العلم بهذا الخبر يكون علماً ممتنعاً؛ فالتفويض لهذا قول متعدٍ، ولكن مع كونه بدعة أو متعذراً في الشرع والعقل، فإن طائفة من الفقهاء المبتعدين عن علم الكلام امتدحوه، وظنوا أنه طريق للسلف أو لطائفة منهم، ولذلك يمكننا أن نقول: التأويل طريق المتكلمين ومن وافقهم أو تأثر بهم، والتفويض طريق جماعة من الفقهاء والصوفية المعظمين للسنة والأئمة، ولكنهم لم يحققوا مذهبهم.
стр. 22
تبرئة المصنف من مذهب المفوضة
مسألة: هل ابن قدامة يعتنق مذهب التفويض أم لا؟
يقال: هذه مسألة محتملة، ولكن الأظهر في طريقته ﵀ أنه لا يوافقهم، وإن كانت بعض ألفاظه المجملة قد تشعر بشيء من ذلك، والدليل على أن الموفق ﵀ ليس مفوضاً أنه جعل القاعدة في الأسماء والصفات هي الإثبات بالتسليم والقبول والإيمان، وترك التعرض لأدلة الصفات بالرد والتأويل؛ وهذا كله وغيره تقرير للإثبات المعروف عند السلف.
ثم إن هذا التقرير الذي ابتدأ به هو الذي فصَّله في رسالته هذه وفي غيرها من رسائله التي كتبها في أصول الدين؛ فقد ذكر تفصيل الإثبات للقرآن وأنه كلام الله، وتفصيل الإثبات لصفاته الأخرى ، ولهذا فإنه قال: [وما أشكل من ذلك] فبهذا يُعلم قطعاً أن الموفق ليس مفوضاً، إنما المحتمل أن يكون عنده شيء من التفويض، وفرق بين من دخل عليه شيء من التفويض وبين من طريقته في الأصل طريقة المفوضة.
وعليه فما علَّقه بعض المعاصرين: من أن صاحب الرسالة يذهب إلى مذهب المفوضة، وهو مذهب مخالف لمذهب السلف لا شك أن هذا الكلام فيه مبالغة وخلط، فالحقائق يجب أن تكون معتدلة، أما أن مذهب المفوضة مخالف للسلف فنعم، لكن أن يفتات على إمام من الأئمة ويطعن فيه من باب ضبط السنة، فهذا ليس بلازم، فإنه يمكنك أن تضبط السنة من غير أن تطعن في أئمتها وحملتها.
فالإمام ابن قدامة قال: [وما أشكل من ذلك] فدل على أن جمهور الأدلة في الصفات غير مشكل، والذي هو غير مشكل لم يذكر فيه تفويضاً إنما ذكر التفويض في المشكل، فدل على أن غير المشكل عنده على معناه الحقيقي، وأن المشكل ليس قاعدة مطردة، وهذا قدر لا بد أن يُضبط.
ثم هذا المشكل الذي قال فيه المصنف ما قال، هل قصد أنه يفوض فيه تفويضاً بدعياً؟
نقول: هذا مبني على مراده بالمشكل، وهناك واقع لا بد من اعتباره، فالمؤلف جاء بعدما غلا كثير من الحنابلة في الإثبات؛ فهذه مسألة فيها شيء من التاريخية لا بد أن يُتصور ليُفهم مراده ﵀.
والحنابلة -كقاعدة معروفة- إمامهم ﵀ كان له من الاختصاص في الرد على المعتزلة الذين هم أساطين علم الكلام أكثر مما كان لغيره بسبب مسألة فتنة خلق القرآن، وقد جاء بعد عصر الأئمة الأربعة رجلان: أبو الحسن الأشعري وهو شافعي فقهاً، وأبو منصور الماتريدي، وهو حنفي فقهاً، وهذان الرجلان ليسا ممن يعارض الأئمة، بل ممن يؤمن بمنهج أهل السنة والجماعة كمنهج عام متأصل وقد انتسبا إليه، لكنهما على طريقة علم الكلام، فأنتجا -هما ومن سار على نهجهما- هذه المذاهب التي هي ملفقة من السنة والبدعة.
ومن هنا دخل علم الكلام على كثير من الشافعية عن طريق الأشعري، كما دخل على كثير من الأحناف عن طريق الماتريدي.
وأما الحنابلة فلم يظهر فيهم علماء متكلمون ينتسبون إلى الإمام أحمد فقهاً، ولكن فيما بعد ظهر من الحنابلة -كـ أبي الحسن التميمي وكـ أبي الفضل التميمي، وأمثال هؤلاء: كـ ابن عقيل وكالقاضي أبي يعلى زمناً من عمره- من تأثر بالكلابية والأشاعرة، وفي المقابل كان هناك قسم آخر من الحنابلة يبالغون في ضبط مذهب الإمام أحمد في الصفات والبعد عن التأويل وعلم الكلام إلى حد الزيادة، بمعنى: أنهم بدءوا يفصِّلون جملاً لم يفصلها السلف ولم يخوضوا فيها من باب تحقيق الإثبات، ومن هؤلاء أبو عبد الله بن حامد مثلاً.
فتحصل من هذا أن طائفة من الفقهاء انتحلوا علم الكلام وبعض طرق أهل البدع، وطائفة أخرى في المقابل من أصحاب الأئمة -ولا سيما من الحنابلة- كان عندهم قدر من المبالغة في الإثبات لم تُعرف عن الأئمة ﵏، فبدءوا يفصلون في أمور فيها قدر من الإجمال.
والظاهر أن ابن قدامة ﵀ كان يبتعد عن أهل هذه الطريقة، ويرى أن ما زاد عن كلام السلف والأئمة، فإنه يجب التوقف فيه، والمعاني التي يسأل عنها الناس مما زاد على تقرير السلف يفوض علمها إلى الله .
وخلاصة الكلام أن المعاني التي تكلم فيها المتأخرون من المعظمين للسنة والجماعة وطريقة السلف، تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: قسم من المعاني كان مستقراً عند السلف، وهو الذي دلت عليه ظواهر النصوص.
- القسم الثاني: قسم متكلَّف أو مشتبه من المعاني، وبعض من رام التحقيق -كابن حامد مثلاً وبعض أتباع أصحاب المذاهب الأربعة- بالغوا في إثباته، حتى وصل في بعض الأحيان إلى حد التشبيه، أي أنه إذا قيل: إن الكرامية مجسمة أو مشبهة، فليس ذلك على إطلاقه؛ فـ ابن كرام لم يكن يقصد موافقة هشام بن الحكم من الشيعة في التشبيه، بل كان يذمه ويذم التشبيه، لكنه بالغ في الإثبات حتى ارتكب بعض التشبيه؛ فكأن ابن قدامة ﵀ ينتقد الطائفتين: أهل التأويل من الحنابلة الذين تأثروا بالكلابية، وأيضاً من بالغوا في إثبات المعاني التي سئلوا عنها وكان الواجب أن يرد علمها إلى الله ، وهذا هو الاحتمال الراجح، والاحتمال المرجوح: أن ثمة بعض الأحرف من الصفات مشكلة عند ابن قدامة، ويرى أنه يجوز فيها التفويض.
ولكن على كلا التقديرين لا يمكن أن يقال: إن الموفق يذهب ذهاباً تاماً مطرداً إلى مذهب المفوضة، فهذا لا شك أنه قدر من التعدي والافتئات عليه ﵀.
стр. 23
شرح لمعة الاعتقاد [٣]
عقيدة أهل السنة في صفات الله: أن الله تعالى موصوف بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويعتقدون أن آيات الصفات آيات محكمة يجب الإيمان بما دلت عليه من الصفات، وأنها صفات حقيقية لله تعالى تليق بجلاله سبحانه، ويثبتون ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله تعالى، وعليه فمن نسب إلى السلف أنهم يفوضون معاني الصفات فقد أخطأ عليهم، إنما كانوا يفوضون كيفية الصفات لا معانيها.
стр. 24
هل آيات الصفات من المحكم أو المتشابه ؟
قال الموفق ﵀: [اتباعاً لطريقة الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]].
ألحق المصنف بعد ذلك ذكر ما يتعلق بالمحكم والمتشابه، وقد ذكر الله أن القرآن كله محكم، وذكر أنه متشابه، وذكر أن منه آيات محكمات وأخر متشابهات.
فأما إحكامه العام فهو ضبطه واستقامة معناه، وأنه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأما تشابهه العام، فالمراد به أن بعض القرآن يُصدِّق بعضاً ويشبه بعضاً، كما تقول: هذه المسائل أشباه؛ لما بينها من التوافق والاشتراك.
وأما المحكم الخاص والمتشابه الخاص المذكوران في سورة آل عمران في الآيات التي ذكرها المصنف هنا، فهما محل خلاف بين المفسرين.
مسألة: هناك جملة من المتكلمين اعتبروا آيات الصفات هي المتشابه، ومنهم -وهم قلة من المتكلمين- من جعل آيات الصفات من المتشابه، وفرق بين الطريقتين، فأما من قصر التشابه على آيات الصفات فهم المتكلمون من أهل البدع، وأما من قال: إن آيات الصفات من المتشابه، فكلامه أيضاً لا أصل له، فآيات الصفات لا يجوز أن تُعد من المتشابه، وابن قدامة هنا وَهِمَ ﵀، لكن هذا الوهم ليس عقدياً، وإنما هو وهم تفسيري؛ لأنه لم يجعله مطرداً في سائر الصفات، إنما يقول: إن المشكل يكون متشابهاً فقط، والمتشابه يجب تفويضه إلى الله اعتماداً على هذه الآية.
والصحيح أن آيات الصفات من المحكم، وليست من المتشابه، وإنما المتشابه ما أشكل أو تردد معناه، وعليه فقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] إذا كان الوقف على ذلك، فإن المتشابه: هو ما يمكن طائفة من أهل العلم فهمه، ويكون من جنس قول النبي ﷺ في حديث النعمان: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس).
وأما إذا كان الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] وقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ابتداء جملة خبرها: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] فإن المتشابه حينئذٍ يراد به: الحقائق الغيبية التي اختص الله بعلمها، كحقيقة العذاب والنعيم، وكحقائق كيفية صفاته ، فهذه لا يعلمها إلا الله، وهي شيء مجهول للمخاطبين.
ثم قال المصنف ﵀: [وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فجعل ابتغاء التأويل علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]].
لم يقصد المصنف بهذا الكلام أن سائر آيات الصفات هي من المتشابه الذي يفوض عن معناه، والدليل على أنه لم يرد ذلك: أنه فصَّل في رسالته هذه -كما فصل في غيرها- ذكر الأسماء والصفات ومعانيها
وما إلى ذلك، ولهذا لما ذكر الإمام ابن تيمية الحنابلة قال: "إنهم ثلاثة أقسام:
قسم يميل إلى شيء من طرق المتكلمين كبعض التميميين كـ ابن عقيل وأمثاله.
وقسم يبالغون في الإثبات ويزيدون فيه، كـ أبي عبد الله بن حامد ".
ثم قال: "وقسم من أصحابنا محققون لطريقة الأئمة كـ أحمد وغيره، وطريقته هي طريقة أهل الحديث المحضة؛ كالشيخ أبي محمد "، ويقصد بالشيخ أبي محمد الموفق ابن قدامة صاحب هذه الرسالة، فحكم شيخ الإسلام عليه حكم عادل، ولهذا لو كان الموفق مفوضاً لما فات شيخ الإسلام ذلك، ولا سيما أن هذه الرسالة: "اللمعة" قد وضع ابن تيمية نفسه رسالته "الواسطية" على نسجها، ومن يتأمل رسالة الموفق ورسالة الإمام ابن تيمية، يجد تشابهاً بيناً بين الرسالتين، حتى أنه كرر بعض الأحرف، ورتب بعض المسائل على نفس المنوال.
وكذلك العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، فإنه بعدما علّق على قول ابن قدامة: "وجب إثباته لفظاً" قال:"
والمصنف ﵀ إمام في السنة، وهو أبعد الناس عن مذهب المفوضة وغيرهم من المبتدعة، والله أعلم".
اهـ.
стр. 25
عقيدة الإمام أحمد في آيات الصفات
ثم قال المصنف ﵀: [قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا)، وإن الله يرى في القيامة، وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ].
هذا الكلام نسبه الموفق للإمام أحمد ﵀، وإن ما ينسبه الحنابلة -أو غيرهم ممن ينسبون إلى أئمتهم هذا الكلام أو مثله- يكون على وجهين: فتارة يكون الكلام نصاً، وتارة يكون الكلام فهماً، وفي مذهب الإمام أحمد خاصة إشكال في نقل أصحابه عنه في العقيدة، وهذا الإشكال مُحصَّله أن جملة من الحنابلة فهموا مذهب الإمام أحمد في الصفات على حسب علمهم ومداركهم، ثم صار بعضهم يلخص فهمه وينقله على أنه من قول الإمام أحمد، ومن هؤلاء -كما ذكر ذلك الإمام ابن تيمية - أبو الحسن التميمي من الحنابلة؛ فقد صنَّف كتاباً في عقيدة الإمام أحمد، وجعل هذا الكتاب على لسان الإمام أحمد، فجعل يقول: وكان أبو عبد الله يقول ..
ثم يأتي بجمل من فهمه هو، ويقول: وكان أبو عبد الله يذهب إلى كذا وكذا مما يراه هو، ولم ينقل ذلك بالرواية عن كبار أصحاب أحمد: كـ حنبل وعبد الله وصالح وأمثال هؤلاء، إنما هو فقه فقهه التميمي، فنقله على لسان الإمام أحمد محاكاة، والتميميون من الحنابلة في الجملة متأثرون بالكلاَّبية، بمعنى: أنهم يؤولون صفات الأفعال، ولهذا لما ذكر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] قال: وكان أبو عبد الله يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره؛ فهذه الرواية من فقه التميمي في كلام الإمام أحمد، وكذلك الإمام البيهقي وهو شافعي لكنه يميل إلى طريقة الأشاعرة، وقد صنَّف في مناقب الإمام أحمد، فلما ذكر عقيدته نقل هذا الكلام، وجاء من هو أدرى بهذه الأمور ونقلها كما هي؛ كـ ابن كثير في البداية والنهاية؛ فإنه لما ترجم للإمام أحمد روى عن البيهقي أن الإمام أحمد كان يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: جاء أمره، وهناك أغلاط عند أبي الحسن التميمي أكثر من هذا في نقله لعقيدة الإمام أحمد، فإن مسألة المجيء قد يكون لها استثناء؛ لأن حنبل بن إسحاق روى عن الإمام أحمد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] جاء أمره، لكن جمهور تلامذة الإمام أحمد غلَّطوا حنبلاً في هذا؛ لتواتر النقل عن أحمد في إثبات الصفات الفعلية.
والمقصود من هذا: أن هذا النقل الذي نقله ابن قدامة ليس نصاً عن الإمام أحمد، إنما هو فهم فهمه بعض الحنابلة عن الإمام أحمد فنقلوه.
والإشكال في هذا النقل هو في قوله: (ولا معنى)، وأحسن ما يُجاب به عن ذلك أن يقال: إن هذا فهم فهمه طائفة من الحنابلة عن الإمام أحمد فقالوه، وهذا الفهم يكون بحسب قائله؛ فإن كان قائله محققاًَ عارفاً، فقد يكون توسع العبارة، وأراد بالمعنى: أي الذي اخترعه المتكلمون على معاني الصفات، أي: ولا معنى يخالف الظاهر.
وإن كان القائل بذلك مفوضاً أو ممن يميل للتفويض، فقد أراد بذلك المعاني الظاهرة، وهذا غلط على الإمام أحمد، وتقويل له بما لم يقله.
وينبغي لطالب العلم ألا يقف عن الأشياء التي لا تحتاج إلى وقوف، والإمام أحمد قد انضبط في مذهبه أنه يثبت الصفات الفعلية، وهو من أشهر الأئمة في هذا؛ فهو بريء من مادة التفويض للمعاني جملة وتفصيلاً، فهذا الذي نُقل عنه، ليس نصاً عنه بإسناد منضبط، إنما هو فهم فهمه بعض أصحابه، قد يكون ابن قدامة أو غيره، وعليه لا ينسب إليه هذا التقرير، كما أن هذا لا يدل على أن ابن قدامة يفوض تفويضاً عاماً كما سبق تقرير ذلك، ولهذا نقل عن الإمام أحمد مسألة النزول في هذا النص، وأنها مما يُؤمن به من الصفات.
стр. 26
عقيدة المصنف في صفات الباري جل وعلا
- قال الموفق ﵀: [ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت].
قوله هذا فيه تبرئة واضحة له من التفويض: (ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت) ولو كان الموفق مفوضاً لما أمكنه أن يقول هذا.
стр. 27
مذهب السلف تفويض الكيفية لا المعنى
قال الموفق ﵀: [ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كُنْه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن].
قوله: (ولا نعلم كيف كُنْه ذلك) وهذا النص براءة له من التفويض أيضاً؛ لأنه علَّق التفويض العام بالكيف لا بالمعنى، وجعله مطلقاً وليس خاصاً بشيء مشكل؛ أي: أن المصنف لما ذكر التفويض العام، التزمه بالكيف، قال: (ولا نعلم) أي: ونفوض، فماذا يفوض؟ هل يفوض المعاني؟ كلا؛ لأنه قال: (ولا نعلم كيف كُنْه ذلك)، فهو إذاً التزم التفويض العام في الكيفية، وهذا هو مذهب السلف كما قال الإمام مالك: "والكيف مجهول".
стр. 28
إثبات المراد لله ورسوله في نصوص الصفات دليل على إثبات المعنى
قال الموفق ﵀: [قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله].
من شرف هذه الرسالة أن مؤلفها نقل فيها عن جملة من أئمة السلف؛ كنقله عن الإمام أحمد ﵀ فيما سلف، وإن كان سبق الإشارة إلى أن النقل السالف عن أحمد ﵀ ليس بالضرورة أن يكون من منصوصه، وفي الجملة فهو فهم فهمه أصحابه فعبروا به عنه.
وهذا النقل عن الإمام الشافعي هو أيضاً نقل فاضل على ما فيه من الإجمال، فإن الجملة التي قالها الشافعي ﵀ هي متحققة ابتداءً عند سائر أهل العلم، وليس فيها مادة من الاختصاص، فإنه قال: (آمنت بالله وبما جاء عن الله -أي: مما أنزله على نبيه ﷺ على مراد الله، وآمنت برسول الله ﷺ وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).
وهذه الجملة من الجمل المسلمة ابتداءً عند سائر الأئمة، وإنما ذكرها الشافعي ونقلها من نقلها عنه من أصحاب السنة والجماعة من الفقهاء والمصنفين في أصول الدين؛ لما فيها من الإشارة إلى ترك التأويل، ومخالفة طريقة أهل التأويل من المتكلمين، الذين تأولوا نصوص الصفات، فكأن هذا هو وجه إيرادها.
والشافعي ﵀ لا يقرر بكلامه هذا وجهاً من أوجه التفويض لمعاني الصفات، كما زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وبعض أصحاب أحمد، أن الشافعي بهذه الجملة يذهب إلى شيء من التفويض.
وكما أسلفت فإن مسألة الصفات أشكلت على كثير من الفقهاء، حتى أنه ما من إمام من الأئمة الأربعة إلا ونسب إليه بعض أصحابه أو غيرهم شيئاً من التفويض، فـ أحمد نسب إليه قوله السالف في التفويض، والشافعي نسب إليه هذا القول ونحوه، ومالك ﵀ لما قال جملته المعروفة: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، نسب إليه شيء من التفويض.
وكذلك الجمل المأثورة عن بعض المتقدمين من السلف كقولهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف).
وهذه جملة مروية عن مكحول، والزهري، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي ..
وغيرهم.
فهذه الجمل إذا تأملتها لا ترى فيها شيئاً من التفويض، بل قول الشافعي ليس فيه ذكر للتفويض بوجه، وإنما فيه تقرير لكونه ﵀ يذهب إلى أن الإيمان على مراد الله ورسوله.
بل يصح أن نقول: إن هذه الجملة ترد على المفوضة؛ لأن الشافعي ﵀ بين أنه آمن بها على مراد الله، وعلى مراد رسول الله، فظهر أن لله ولرسوله مراداً من جهة المعنى في هذه النصوص، وإذا كان له مراد، ولرسوله مراد في خطابه، لزم أن هذا المراد مما يمكن فقهه وفهمه ووعيه.
وكذلك قولهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف) أيضاً فيه براءة من التفويض، وليس قولاً في التفويض؛ لأن قولهم: (أمروها كما جاءت) دليل على أنها تؤخذ على ظاهرها في المعاني المقتضية لها في لسان العرب.
وقولهم: (بلا كيف) إنما نفوا العلم بالكيفية، وكونهم خصصوا الكيفية بنفي العلم دليل على أن المعنى من جهة أصله يكون معلوماً.
стр. 29
منهج السلف وأئمة الخلف عدم تأويل آيات الصفات
قال الموفق ﵀: [وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله، من غير تعرّض لتأويله].
قوله: [من غير تعرض لتأويله] أي: التأويل الذي أحدثه المتكلمون، وهو: صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، أو صرف اللفظ عن الظاهر إلى المؤول، فهذا هو التأويل البدعي الذي أحدثه المتكلمون من المعتزلة وغيرهم في باب الأسماء والصفات.
стр. 30
شرح لمعة الاعتقاد [٤]
من أصول أهل السنة والجماعة: اتباع الكتاب والسنة وما أثر عن سلف الأمة، قولاً وعملاً واعتقاداً، وعدم مخالفة شيء من ذلك ببدعة أو محدثة في الدين، والتزام الوسطية وعدم التكلف والتنطع، مقتدين في ذلك بقول ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم.
стр. 31
التسليم المطلق لا يكون إلا لله ورسوله
قال الموفق ﵀: [وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنازلهم، وحُذرنا المحدثات، وأُخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].
مقام السنة والاتباع يعتبر بأصلين:
الأصل الأول: العلم.
والأصل الثاني: التسليم.
وهما المذكوران في قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فالتسليم الذي لا يبنى على العلم فإنه غير مقصود في الشريعة، ولهذا كان التسليم المطلق للأعيان بدعة حدثت في الإسلام، وأول من أحدثها الشيعة ثم الصوفية، فصاروا يسلِّمون لأئمتهم تسليماً مطلقاً، حتى اعتقد بعض طوائفهم عصمة الأئمة.
إن التسليم المطلق بلا علم لأعيان أهل العلم فضلاً عمن دونهم ليس مقصوداً في الشرع؛ بل لا يكون إلا لله ، ولحكم نبيه ﷺ ، وأما غير النبي ﷺ فإنه يراجع في قوله، حتى يكون على وفق مقاصد الشريعة.
فهنا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] فلا بد من مقام العلم ومقام التسليم، وهذان الأصلان هما مبنى السنة، فلابد أن يكون صاحب السنة والمقتدي بآثار السلف على علم وتسليم، ولا يمكن أن تقوم الحقائق في القلوب ويعظم شأنه إلا بالعلم الذي يصاحبه التسليم.
وكذلك مقام العلم وحده الذي ينقطع عن التسليم، بل يقوم على الجدل ليس مقصوداً في الشريعة؛ ولهذا لم يعظم الله مقام الجدل ولا جعله منهجاً للمؤمنين، بل لم يذكر هذا المقام إلا في حق المجادلة للكفار، كقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ﴾ [النحل:١٢٥] أي: جادل الكفار، وقوله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] فمقام المناظرة والجدل لم يذكر في سياق المؤمنين، إنما ذكر في سياق قوم كفار.
فلا بد من اعتبار هذين المقامين: مقام العلم وهو التحكيم، ومقام التسليم.
стр. 32
شرح بعض ألفاظ حديث العرباض بن سارية
أما حديث العرباض بن سارية الذي أورده المصنف فهو ثابت صحيح أخرجه الإمام أحمد وغيره، وفيه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) والخلفاء هم الأربعة الراشدون، وإن كان من بعدهم سموا في الإسلام: خلفاء، كخلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس
إلى غير ذلك، وهو مما يسوغ، لكن فرق بين تسمية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي خليفة، وبين تسمية من بعدهم، فهؤلاء الأربعة هم خلفاء الرسول ﷺ في أمته، ومعنى أن أبا بكر خليفة، أي: أنه خليفة عن رسول الله، وكذلك عمر من بعده وعثمان وعلي، فكل واحد من هؤلاء عند خلافته هو خليفة عن رسول الله في الأمة.
وأما من بعدهم فإذا سمي خليفة، فهو مستخلف على المسلمين كراع لهم، أو أمير، أو سلطان، فهذا هو الفرق بين الخلافتين، بين الخلافة النبوية، وهي التي لها سُنة، وبين ما جاء بعدها.
وذهب بعض أهل العلم -كما في بعض كتب السير- وهو قول لبعض أهل العراق: أن عمر بن عبد العزيز ﵀ يعتبر خليفةً خامساً ..
وهذا غلط، وقد أنكره جملة من الأئمة الكبار: كالإمام أحمد ﵀، وغيره، وذلك من جهتين:
الجهة الأولى: أن عمر بن عبد العزيز بويع الخلافة المقصودة بعد زمن بعيد، والإمام أحمد ﵀ لما بلغه قول بعض أهل العراق: إن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، تعجب من ذلك! وقال: ألم يقل النبي ﷺ : (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)؟
ومقصوده ﵀: أن من جعل عمر بن عبد العزيز خليفةً خامساً فقد زاد عن الثلاثين؛ لأن الثلاثين سنة بقي منها أشهر بعد مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهذه الأشهر هي إمارة الحسن، إن كان له إمارة، على خلاف بين أهل العلم.
وعمر بن عبد العزيز صاحب سنة، وأمير عدل، وإمام في العلم والورع
إلخ، لكن لا يجوز أن يسمى خليفة خامساً، بل الخلفاء أربعة، وأما من بعدهم فهم سلاطين وملوك وأمراء.
الجهة الثانية: أن معاوية بن أبي سفيان أفضل من عمر بن عبد العزيز بإجماع السلف؛ لأن معاوية صحابي؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هو أفضل ملوك الإسلام بالاتفاق".
فـ معاوية ملك وهو أول ملوك الإسلام وأفضلهم، وإن كان يسمى: خليفة، وهو أفضل من عمر بن عبد العزيز بلا شك، مع أن شيخ الإسلام استدرك وقال: "وإن كان بعض مقامات العدل، استقرت في خلافة عمر بن عبد العزيز، أكثر من استقرارها في خلافة معاوية؛ لكن هذا أوجبه حال السلطان إذ ذاك"، بمعنى: أن معاوية أدرك فتناً وحروباً، فكان لزمنه اختصاص، بخلاف عمر بن عبد العزيز فإن الأمور كانت مستقرة له في الجملة.
ولكن الاعتبار بكليات الأمور واجتماعها وليس بجزء من آحادها.
стр. 33
حكم زيادة: (وكل ضلالة في النار)
ورد في هذا الحديث قوله ﷺ : (فإن كل محدثة بدعة) أي: كل إحداث في الدين فإنه بدعة، سواء كانت بدعةً قولية، أو بدعةً عقدية، أو بدعة فعلية.
وفي بعض أوجه الحديث الذي كان النبي ﷺ يفتتح خطبته به، وهو في الصحيح عن جابر بن عبد الله قوله ﷺ : (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
وفي السنن وغيرها زيادة: (وكل ضلالة في النار) وهذه الزيادة من جهة الإسناد فيها تردد، والإمام ابن تيمية يقول: "إنها شاذة".
ويرى أن شذوذها من جهة متنها، قال: لأن الضلالة لا يلزم أن تكون في النار؛ فإن الإنسان قد يضل ويكون ضلاله مغفوراً له، بدليل قول الرسول ﵊ -كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر).
فزيادة: (وكل ضلالة في النار) هذا عموم، والحق أن الضلالة قد يكون صاحبها في النار؛ لكونه متعدياً بعدما تبين له الهدى، وقد لا يكون في النار، لكونه في محل اجتهاد، فيكون خطؤه مغفوراً واجتهاده مأجوراً.
стр. 34
تحقيق مذهب السلف
قال الموفق ﵀: [وقال عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم].
مقتضى الاتباع: هو الأخذ بآثار السلف، فيجب على كل مسلم أن يتبع سلف هذه الأمة، وإذا ذكر السلف فيراد بهم أهل القرون الثلاثة الفاضلة، الذين ذكر فضلهم النبي ﵊ في حديث عمران بن حصين في الصحيحين وغيره.
وعليه: فصدر السلف وأفضلهم وأجلهم هم المهاجرون والأنصار، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] فكونه رضي عنهم ورضوا عنه، دل على أن اتباعهم يكون واجباً، وأن السنة بعد رسول الله في أقوالهم، ولا يمكن أن غيرهم يختص بسنة لا توجد عندهم، فدل ذلك على أن هؤلاء هم أصحاب الهدي والسنة والاقتداء.
أما من جاء بعد القرون الثلاثة الفاضلة فإذا سمي (سلفياً) فباعتبار اقتدائه بهم، فإن كلمة (السلف) تعني: القوم السالفون المتقدمون، وهم القرون الثلاثة الفاضلة.
مسألة: متى يصح أن يقال عن قول أو فعل ما: إن هذا القول أو الفعل مذهب للسلف؟
الجواب: لقد نبه ابن تيمية على كثرة الغلط في هذه المسألة، وقال: "إنها مسألة عظيمة غلط فيها جملة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم".
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "وهنا ثلاث طرق: طريقان معروفان للمحققين من أصحاب السنة، وطريق ثالث ذكره بعض الفقهاء، وأصله عن جملة من المتكلمين المنتسبين للسنة والجماعة.
وهو عند التحقيق -يعني: الثالث- من طرق أهل البدع، وليس من طرق أصحاب السنة والجماعة".
أما الطريقان المحققان لمعرفة أن هذا القول مذهب للسلف هما:
- الطريق الأول: "أن يستفيض هذا القول ذكراً عند الأئمة ولا يذكر غيره".
أي: أنك إذا نظرت أقوال الأئمة السالفين كالتابعين ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم وجدت أن قولاً من الأقوال قد استفاض عندهم، ورأوا أنه هو السنة اللازمة، ولم يعرف عنهم خلافه، فإذا وجد مثل هذا واستفاض فإنه يكون مذهباً للسلف، وإذا كان مذهباً للسلف فالنتيجة أنه يجب اتباعه ولا يجوز مخالفته، ومخالفته بدعة وضلالة، كاستفاضة قولهم: إن القرآن ليس مخلوقاً، وأنه كلام الله، منزل من عنده ..
وكاستفاضة قولهم: إن أفعال العباد مخلوقة لله ..
فهذه جمل مستفيضة عن السلف والأئمة من أهل الحجاز والشام والعراق وغير ذلك".
- الطريق الثاني: "أن يحكي من عرف بقدر من التحقيق من أهل العلم أن هذا إجماع للسلف، كالإجماع الذي يذكره محمد بن نصر، وأبو عمر بن عبد البر وأمثال هؤلاء، فهؤلاء -أي: من عرف من أصحاب الأئمة بالتحقيق والانضباط في السنة- إذا حكوا إجماعات في مسائل وقالوا: إن هذا إجماع للسلف؛ فإن هذا الإجماع إذا لم يكدر عليه شيء فإنه يكون طريقاً لمعرفة مذهب السلف".
وأنت إذا تأملت الطريقين وجدت أنهما يرجعان في الجملة إلى الإجماع، فإن الإجماع إما أن يكون بتصريح عالم كـ محمد بن نصر أو كـ أبي عمر بن عبد البر أو أمثال هؤلاء، أو باستفاضة كلام من هو أجل من هؤلاء ممن تقدم بلا مخالف أو معارض منهم.
فإذا نص عالم من الأئمة والأكابر المعروفين بالسنة على أن هذا إجماع، ولم يكدر عليه شيء، فهذا مذهب للسلف، أو تواتر هذا القول نقلاً عنهم واستفاض.
فتحصل من هذا أن المعرفة بمذهب السلف ترجع إلى طريق واحد هو انضباط الإجماع، إما تواتراً معنوياً واستفاضةً للكلمة، أو تصريحاً من بعض الأعيان المعتبرين بأن هذا إجماع، ولو لم تستفض الكلمة بينهم.
-الطريق الثالث: وهو المزلة، وللأسف فإن بعض المعاصرين من طلبة العلم وغيرهم قد يقعون في شيء منه، وهو طريق الغلط.
يقول شيخ الإسلام: "إن هذا الطريق قد استعمله جملة من الفقهاء المنتسبين للسنة، المعظمين لطريق السلف وهو الفهم لكلام السلف، فإذا فهموا عن السلف كلاماً جعلوه مذهباً للسلف"، إذا فهموا جملة أو أعيان من السلف كلاماً جعلوه مذهباً للسلف.
قال: "وهذا له اطراد في كلام كثير من الفقهاء، فمن فقه من كتاب الله معنىً في أبوب أصول الدين، وتبين له أن هذا ظاهر من كلام الله جعل هذا مذهباً للسلف؛ لأن السلف عنده لا يخرجون عن ظاهر القرآن".
أي أنهم يقولون: عمن يقول عن قول من الأقوال: إنه مذهب للسلف مع أنه ليس فيه إجماع ولا استفاضة عن السلف، إنما فهم فهماً من قبل هذا الناظر، فهذا الفهم لما بان له باجتهاده أنه فهم منضبط، وأنه على وفق ظاهر النصوص، وأن النصوص تؤيده قال: إن هذا مذهب للسلف؛ لأن السلف لا يخرجون عن النصوص، فهو تحصيل لمذهب السلف بطريق الفهم وليس بطريق النقل، ومن هنا حملوا السلف ما لا يحتملوه.
وهنا تقول: إن الطرق التي استعملت تنقسم إلى طريقين:
الطريق الأول: تحصيل مذهب السلف نقلاً، وهذا صواب.
الطريق الثاني: تحصيل مذهب السلف فهماً؛ لأن من قال عن قول ما: إنه مذهب للسلف؛ فمعناه أن اتباعه يكون واجباً، وأن غيره يكون بدعةً، وأن الاجتهاد ولو كان من عالم كبير وهو مخالف لمذهب السلف فإنه لا يكون سائغاً، بل اجتهاده مخالف للحق ابتداءً ..
فهذا هو وجه التشديد في هذه الجملة.
ومن ذلك مثلاً: لا يصح لقائل أن يقول: إن من السنة السلفية إسبال اليدين بعد الرفع من الركوع؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع ..
وهذه مسألة خلافية، وكون العالم أو المجتهد أو الناظر أو حتى طالب العلم يذهب إلى أن هذا هو القول الراجح، وأنه ظاهر النصوص عنده ..
هذا لا بأس به، لكن أن يجعله سنةً لازمة فلا؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أيضاً أنه أسبل يديه بعد الركوع.
والفقهاء الكبار: كـ أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم، قالوا بأفهامهم في أقوال كثيرة، ومعهم ظواهر من النصوص قد تصل أحياناً إلى حد التصريح، ومع ذلك لم يعتبروا قولهم سنةً لازمة، بل اعتبروه قولاً، من ظهر له أن هذا القول موافق للقرآن وجب اتباعه، ومن لم يظهر له ذلك فلا يلزم اتباعه، ولا سيما أن مقام الظهور للحق في النصوص المحتملة مقام قد يتأخر ويختلف بحسب المجتهدين.
فالمحصل: أن مذهب السلف الذي ينسب إليهم ليس هو الآحاد الفقهية، فالآحاد الفقهية: هي محل خلاف في الجملة بين السلف، إنما مذهب السلف الذي يجب اتباعه هو ما انضبط بالإجماع أو استفاض نقله عنهم سواء كان في المسائل العلمية أو العملية، وأما إذا لم ينضبط انضباطاً بيناً فلا يجوز نسبته إلى السلف كمذهب، وإنما يذكر على أنه قول لطائفة من السلف، أو أنه محل نزاع بينهم، أو ما إلى ذلك.
стр. 35
حكم الانتساب للمذاهب الأربعة
بعض طلبة العلم من السلفيين توسعوا في تقرير مذهب السلف حتى قال بعضهم: إن الانتساب إلى المذاهب الأربعة يعد بدعة مخالفة لمذهب السلف، وهذا لا شك أن فيه تكلفاً؛ لأن هذه المذاهب نشأت من قرون متقدمة؛ ونستطيع أن نقول: إنه إلى عصرنا هذا، وقد مضى عشرة قرون في الأمة، وسائر العلماء من المحققين المعروفين من أهل السنة والجماعة، يقرون الانتساب إلى هذه المذاهب.
وأما التعصب للأئمة كـ أحمد أو الشافعي أو مالك أو أبي حنيفة، أو الادعاء بأن مذهبه هو الراجح على مذهب غيره، أو أن الواحد يترك الدليل لقول عالم من العلماء، سواء كان من الأئمة الأربعة أو غيرهم، فلا شك أن هذه الأوجه وأمثالها منكرة، لكن فرق بين هذا المقام وبين مقام الانتساب، فالانتساب مقام تراتيب علمية لا إشكال فيه، وما زال الأئمة حتى المعروفين بالتحقيق في السنة كـ ابن تيمية وغيره يقرون هذا الانتساب، ولم يظهر إنكاره إلا بعد القرن العاشر، ففيه بدء التصريح بإنكار هذا التمذهب، ولربما مال المنكرون إلى نفس القضية، أي: رجعوا إلى قدر من التمذهب بوجه آخر، فتركوا الانتساب لـ أحمد وانتسبوا للشوكاني، أو تركوا الانتساب لـ أحمد وانتسبوا لـ ابن حزم، أو ما إلى ذلك.
فمسألة الانتساب للشيوخ الأعيان درج عليها المتقدمون، حتى الأئمة الأربعة قيل: إنهم كانوا ينتسبون لبعض شيوخهم ويقتدون ببعض أقوالهم، كما أن الكوفيين امتداد لفقه عبد الله بن مسعود وأصحابه.
فهي مسألة تراتيب علمية، لا يعاب الناس بها، ولا يقال: من انتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة ففي سلفيته نقص، أو أنه ليس سلفياً، أو من شرط السلفي: ألا ينتسب إلى مذهب من المذاهب الأربعة ..
هذا تكلف، وإن اجتهد به بعض أهل العلم: كالشيخ الإمام العالم الألباني ﵀ ..
فهذا اجتهاد للشيخ، يقدر عليه لكنه ليس بلازم، بل السلفية هي أن تقتدي بإجماعات السلف، وأما إذا انتسب منتسب لفقيه من الفقهاء الأربعة فهذا الانتساب لا بأس به بشروط أهمها: أن لا يتعصب له، وأن لا يترك الحق لقوله، وغيرها من الأمور المعلومة ضرورةً في دين الإسلام.
стр. 36
التزام وسطية السلف وترك التكلف والتشقيق
قال الموفق ﵀: [وقال عمر بن عبد العزيز كلاماً معناه: قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم مُحَسِّر، وما دونهم مقصِّر، لقد قصَّر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم].
الهدى المستقيم هو في وسطية الصحابة ﵃، وقد قال الإمام ابن تيمية في الوصية الجامعة التي كتبها لأصحاب عدي بن مسافر الأموي، يقول فيها: "أنه ما من أمْرٍ أَمَر الله ورسوله به، إلا وصار فيه طرفان ووسط، فالوسط: هم أصحاب السنة والاقتداء، وأما الطرفان فهم: قوم إما أنهم أصحاب إفراط أو أصحاب تفريط، وعليه: فمقام التشقيق ليس من سنن السلف"، أي: مقام التكلف في تشقيق المسائل، والإلزام بما لم يكن إلزاماً عند السالفين، والتضييق لمسائل الخلاف التي كانت شائعةً زمن الأئمة كالصحابة والتابعين وأمثالهم.
فالنبي ﷺ ذكر الطائفة المنصورة الناجية، كما في الحديث المتواتر عنه ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ...) وهم: أهل السنة والجماعة.
ولو قال قائل: إن هذه الطائفة تطبق سنة النبي ﷺ ؛ لكان مصيباً.
ولو قال آخر: هذه الطائفة تطبق الإسلام؛ لكان مصيباً أيضاً.
إذاً: هذه الطائفة ليس فيها زيادة إلا أنها تحافظ على الإسلام كما جاء.
ومن هنا: فمن أخص أسماء هذه الطائفة أنهم أهل السنة، وقبل كونهم أهل السنة هم أهل الإسلام، ولهذا فإن أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسموا بالمسلمين، كقول الله حاكياً عن إبراهيم قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] فالأصل أن الإسلام هو الجامع لهذه الطائفة، وفي الحديث المروي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وهو حديث الافتراق المشهور، وإن كان فيه كلام، لكن الكثير من الحفاظ يقوونه وفيه أن النبي ﷺ قال: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) لم يكن بالضرورة مقصوداً أن الفرقة الناجية يجب أن تضيق، فالطائفة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وهم أهل السنة والجماعة، لا ينبغي أن يُقصد إلى تضييقهم، أو أن تضاف قيود كثيرة، وشروط جديدة، لإخراج أكبر عدد من المسلمين من هذه الدائرة، فالسلفي هو: من اقتدى بالسنة النبوية بوجهها العام، واقتدى بإجماعات السلف، واختار ما بان له أقرب إلى الحق في خلاف السلف، فإن السلف كما أنهم مجمعون على مسائل، فإنهم مختلفون في مسائل.
إذاً لا ينبغي أن تضاف قيود على تعريف السلفية، بل تبقى كما بقيت زمن الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم، ولا يسمى القول سنةً لازمةً إلا إذا انضبط في كونه إجماعاً.
стр. 37
الاعتبار بأقوال المتقدمين
قال الموفق ﵀: [وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول].
من فقه طالب العلم أن يسلك في كل مسألة أقوال المتقدمين، ولا يغتر بالآراء المحدثة، ولا يأتي بقول لم يسبق إليه، وليكن دائراً بين التزام إجماعات المتقدمين، والترجيح في خلافاتهم، فمسائل الأصول أو المسائل العقدية هي الجملة الإجماعات المعروفة مذهباً للسلف، أما المسائل الخلافية، فهي غالباً ما تكون في مسائل الفقه.
стр. 38
تقسيم الأقوال الفقهية من حيث بحث الخلاف
الأقوال الفقهية يمكن أن تقسم إلى خمسة أقسام، وهذا التقسيم إذا استوعبه طالب العلم تخلص من كثير من التعب وكثرة البحث والنظر في المسائل الفقهية:
стр. 39
مسائل حكي الإجماع فيها ولم يظهر فيها مخالف
القسم الأول: مسائل فقهية في: الصلاة، والزكاة، والعبادات، والمعاملات، حُكي الإجماع عليها عند الفقهاء، ولم يظهر فيها مخالف، فهذه المسائل لا ينبغي كثرة البحث فيها ولا التردد عليها؛ لكونها مسائل قد انضبطت وظهرت.
стр. 40
مسائل حكي الإجماع فيها وعند التحقيق يوجد فيها خلاف يقارب الشذوذ
القسم الثاني: مسائل حكي الإجماع أو الاتفاق عليها، ولكن عند التحقيق نجد فيها طرفاً ووجهاً من الخلاف يقارب الشذوذ أحياناً، فهذا النوع من المسائل لا ينبغي لطالب العلم أن يذهب وقته في تكلف ضبط هذا الخلاف أو البحث عن أصله ودليله.
والرد عليه، بل يعتبر قول السواد من أهل العلم من الفقهاء، والقول الشاذ يترك؛ لكونه خالف السواد من أهل العلم، حتى حكي الإجماع على خلافه.
следующие страницы →