← Каваид фикха

Каваид фикха · id 37791

شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (78 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فقه القواعد الفقهية [١]

стр. 2

الفرق بين القواعد الأصولية والفقهية والضوابط إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فأشكر القائمين على هذه الدورة في دولة قطر على تهيئة هذا اللقاء بإخواني طلبة العلم في هذه المجالس، سائلاً الله جل وعلا أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع، من نظم وحضر وحاضر إنه جل وعلا مجيب الدعاء. وبين أيدينا رسالة نافعة للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وست وسبعين من الهجرة النبوية، والشيخ رحمه الله تعالى له مؤلفات كثيرة بسط فيها العلم، وقربه لطلبته مع تحقيق قوي، فجمع بين بسط العلم وتقريبه والتحقيق فيه، فلذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمؤلفات الشيخ رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وبين أيدينا هذه المنظومة للشيخ رحمه الله تعالى التي جمع فيها ما تيسر من القواعد الفقهية، فذكر قواعد فقهية كثيرة نافعة ينبغي لطالب العلم أن يحسن فهمها، حتى يفهم علم الفقه الذي ينبني على فهم هذه القواعد. ونحتاج إلى أن نفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية والقواعد المذهبية والضوابط، وعندما نقول: هذه قاعدة فقهية أو نقول هذا ضابط أو نقول هذه قاعدة أصولية، أو نقول: هذه قاعدة في مذهب أحمد، أو قاعدة في مذهب الشافعي، أو قاعدة في مذهب مالك، أو في مذهب أبي حنيفة، فنحتاج إلى أن نفرق بين هذه القواعد. والقاعدة في اللغة هي الأساس الذي يبنى عليه الشيء، فقاعدة البيت أي: أساسه من إسمنت وحديد يوضع في جوف الأرض. والقاعدة الفقهية هي التي تقصد في هذه الدروس، وعندنا قاعدة أصولية، وعندنا ضابط، وعندنا قاعدة مذهبية.

стр. 3

التعريف بالقاعدة الأصولية أما القاعدة الأصولية، وهي التي يتكلم عنها علماء أصول الفقه؛ فهي القاعدة التي تؤخذ من الأدلة الإجمالية أو من دلالات الألفاظ. كقولهم: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، هذه تسمى قاعدة أصولية، هذه القواعد تذكر في كتب أصول الفقه. فقواعد الأمر للوجوب أخذت من قول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] قال ذلك في الذين يتركون أمره ﵊. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] هذه كذلك آية أخرى في أن الأمر للوجوب. وكذلك قول النبي ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فهذا دليل أيضاً يدل على أن الأمر للوجوب. هذا كما تقدم ليس بحثنا في هذه الدروس، هذا محل البحث فيه في كتب أصول الفقه.

стр. 4

التعريف بالقاعدة الفقهية والضابط أما القاعدة الفقهية: فهي حكم شرعي كلي تندرج تحته مسائل كثيرة في أبواب متفرقة، كقولهم: الأمور بمقاصدها أو الأعمال بالنيات، فتجد مسألة في الطهارة تندرج في هذه القاعدة، فيشترط للوضوء النية، وتجد مسألة كذلك في الزكاة، وتجد مسألة في الصلاة. إذاً مسائل كثيرة شتى في أبواب متفرقة، وتلاحظ أن هذه القاعدة هي حكم شرعي، بخلاف القاعدة الأصولية فإن الحكم الشرعي يؤخذ منها. أما القاعدة الفقهية فهي حكم شرعي اندرجت تحته مسائل كثيرة في أبواب متفرقة. وقولنا: (في أبواب متفرقة) هذا احتراز من الضابط، فالضابط في باب واحد. وعلى ذلك فالضابط حكم شرعي كلي تندرج تحته مسائل في باب واحد. فعندما نقول: إن أحكام سجود التلاوة كأحكام سجود الصلاة من جهة أنه يشترط لها الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة وأن يقال فيها ما يقال في سجود الصلاة، هذا يسمى بالضابط؛ لأنه تدخل فيه مسائل في باب واحد، وهو باب سجود التلاوة. فالضابط حكم شرعي كلي، تندرج تحته مسائل عدة لكن في باب واحد، فهذا يسمى بالضابط، إذاً ليس لنا أن نسمي الحكم الشرعي الكلي الذي تدخل فيه مسائل في أكثر من باب أن نسميه بالضابط، لأن الضابط يكون في باب واحد. وأما القاعدة المذهبية: فهي قاعدة تعنى بجمع مسائل شتى في أبواب الفقه لكنها مرتبطة بمذهب معين، فتقول: هذه قاعدة في مذهب الإمام أحمد، كما في القواعد لـ ابن رجب، أو في الأشباه والنظائر للسيوطي في مذهب الإمام الشافعي، فهذه قواعد وضوابط تعنى بجمع المسائل بغض النظر عن الراجح، وترتبط بمذهب معين فتسمى بالقواعد المذهبية. إذاً تحرر لنا موضوع درسنا، وأنه في القواعد الفقهية، وأن القواعد الفقهية هي أحكام شرعية كلية تندرج تحتها مسائل عدة في أبواب متفرقة.

стр. 5

القواعد الفقهية الكلية وعندنا خمس قواعد كلية تندرج تحتها مسائل كثيرة جداً، تسمى بالقواعد الكلية الكبرى. القاعدة الأولى: قاعدة الأمور بمقاصدها، أو: الأعمال بالنيات. هذه القاعدة الكلية الكبرى مأخوذة من قول النبي ﵊ في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك. القاعدة الثالثة: لا ضرر ولا ضرار. القاعدة الرابعة: المشقة تجلب التيسير. القاعدة الخامسة: العادة محكمة. هذه تسمى بالقواعد الكلية الكبرى، وتندرج فيها مسائل كثيرة جداً.

стр. 6

مأخذ القواعد الفقهية والقواعد الفقهية قد تؤخذ من النص، كقاعدة الأمور بمقاصدها، فإنها تؤخذ من قول النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه. إذاً: القاعدة الفقهية قد تؤخذ من النص، وقد تؤخذ من الإجماع كقاعدة: لا اجتهاد مع النص. الثالثة: أن تؤخذ بالاستنباط، كقاعدة: المشقة تجلب التيسير. إذاً: هذه القواعد الفقهية قد تؤخذ من النص، وقد تؤخذ من الإجماع، وقد تؤخذ بطريقة الاستنباط.

стр. 7

شرح مقدمة الناظم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم]. ابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، واقتداء بالنبي ﵌، فإنه كان يفتتح رسائله بالبسملة، كما في رسالته في الصحيحين إلى هرقل عظيم الروم. [الحمد لله]: الحمد هو ذكر محاسن المحمود محبة له وإجلالاً، وكذلك كان النبي ﵊ يفتتح خطبه بالحمد. وأما ما جاء أن النبي ﵊ قال: (كل كلام لا يبدأ بالحمد فهو أقطع)، فإن هذا الصواب أنه مرسل، والمرسل نوع من أنواع الحديث الضعيف، ولكن -كما تقدم- كان ﵊ يفتتح خطبه بالحمد. قال ﵀: [الحمد لله العلي الأرفق وجامع الأشياء والمفرق] فهو جل وعلا يجمع الأشياء بأوصاف مشتركة ويفرق بينها، فهناك أوصاف تفرق وهناك أوصاف تجمع، فالإنسان والحيوان بينهما أوصاف كثيرة مشتركة، ولذا فإن الرجل إذا ذهب عقله كان كالحيوان تماماً. ولذا فإن الذي يفرق بين الإنسان والحيوان هو العقل الذي هو مناط التكليف، والذي لأجله علمه الله جل وعلا البيان. فلابد أن يعتني طالب العلم بمعرفة الأشياء التي تجمع والأشياء التي تفرق؛ حتى لا يلتبس عليه الأمر، ولذا فإن علم الفروق من العلوم المهمة جداً لطالب العلم، فتجد بعض طلبة العلم لا يحسن معرفة الفروق فيقع في أخطاء، وأوضح هذا بمثال، يقول العلماء: إن من تجاوز الميقات ولو جاهلاً أو ناسياً فإن عليه دماً إلا أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه. إذاً لم يعذروه بالنسيان والجهل، فإذا تجاوز الميقات وهو ساهٍ فلم يحرم يقولون له: إما أن ترجع إلى الميقات أو تذبح دماً، ويقولون: على الصحيح من أتى محذوراً من محذورات الإحرام ناسياً فلا شيء عليه، وبعضهم يفرق بين المحذور الذي فيه إتلاف كالحلق والمحذور الذي لا إتلاف فيه كالطيب. فيعذر في الثاني دون الأول. فتجد من لا يفرق بين الأمرين فيقال له: هذا محذور فهو من باب التروك، وهذا واجب فهو من باب الأفعال ليس من باب التروك، فإحرامك من الميقات هذا من باب الأفعال، فمن نسي فلم يأت به فعليه أن يأتي به أو يجبره بدم كالذي يترك التشهد الأول في الصلاة، يجبره بسجود السهو. لكن الذي يصلي وعلى ثوبه نجاسة هذا من باب التروك، ولذا فإن أصح القولين أننا نقول: إنه لا يعيد صلاته إذا صلى وعلى ثوبه نجاسة ناسياً أو جاهلاً؛ لأن هذا من باب التروك. قال ﵀: [ذي النعم الواسعة الغزيرة] قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. قال ﵀ [والحكم الباهرة الكثيرة ثم الصلاة مع سلام دائم على الرسول القرشي الخاتم وآله وصحبه الأبرار الحائزي مراتب الفخار] الفخار يعني: الشرف. [اعلم هديت أن أفضل المنن علم يزيل الشك عنك والدرن] أفضل ما يمن به الله جل وعلا على العبد العلم النافع الذي يزيل الشك عنه والدرن، يعني: يزيل مرض الشبهات فتكون ذا يقين، ويزيل مرض الشهوات فتكون تقياً تاركاً للشهوات. والدرن: الأوساخ. فالعلم النافع يزيل الله به عن العبد هذين المرضين: مرض الشبهات ومرض الشهوات اللذين يفسدان على المرء قلبه. قال ﵀: [ويكشف الحق لذي القلوب ويوصل العبد إلى المطلوب] قوله: (ويكشف الحق لذي القلوب) أي: فيكون العبد على بصيرة من أمره، قد انكشف له الحق، قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥]. قوله: [ويوصل العبد إلى المطلوب]؛ المطلوب هو رضا الله جل وعلا وجنته. قال ﵀: [فاحرص على فهمك للقواعد جامعة المسائل الشوارد] فالقواعد الفقهية تجمع المسائل الشوارد، وهي تجمع مسائل كثيرة -كما تقدم- من أبواب متفرقة. قال ﵀: [فترتقي في العلم خير مرتقى وتقتفي سبل الذي قد وفقا] هكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، أعني: أن يأخذ بالعلم من طريقه الذي سلكه من قبله من أهل العلم، فإذا تعلم هذه القواعد وكان أيضاً قد تعلم علم أصول الفقه، واشتغل بالعلم من طريقه الذي سلكه من كان قبلنا من أهل العلم؛ فإنه يصل بإذن الله. قال ﵀: [وهذه قواعد نظمتها من كتب أهل العلم قد حصلتها] فهذه القواعد التي نظمها الشيخ قد حصلها من كتب أهل العلم لكنه نظمها ليقربها. قال ﵀: [جزاهم المولى عظيم الأجر والعفو مع غفرانه والبر]

стр. 8

شرح قاعدة الأمور بمقاصدها

стр. 9

تعريف النية وحكم التلفظ بها [النية شرط لسائر العمل بها الصلاح والفساد للعمل] هذه القاعدة هي أولى القواعد الخمس الكبرى وهي قاعدة الأعمال بالنيات أو الأمور بمقاصدها، فما هي النية؟ النية هي: قصد القلب وعزمه، ولذا فإنا نقول: إن النية محلها القلب، فلا يشرع التلفظ بها لا سراً ولا جهراً. قولنا: (لا سراً) أي كمن يحرك لسانه وينطق بالحروف بحيث يسمع نفسه فقط كالذي يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية، فإنه يسر، بمعنى: يحرك لسانه وينطق بالحروف بحيث يسمع نفسه عند جماعة كثيرة من أهل العلم، وبعضهم يكتفي بالنطق بالحروف وإخراجها من مخارجها. وقولنا: (ولا جهراً) أي بأن يسمع غيره. أما الجهر بالنية فهو بدعة عند عامة أهل العلم، فقول الرجل إذا أراد أن يصلي بحيث يسمع جاره: اللهم إني أريد أن أصلي صلاة الظهر، هذا جهر بالنية، وهو بدعة عند عامة العلماء. وأما الإسرار بها فأصح القولين وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذلك لا يشرع أيضاً، وأنه بدعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﵊.

стр. 10

وقت النية مسألة أخرى: النية يصح أن تقارن العمل، فتقول عندما تصف للصلاة: الله أكبر. وتنوي الصلاة، وتكون نيتك مقارنة للتكبير، بحيث إن جميع حروف التكبير تشملها النية. فإن سبقت النية العمل نظرنا: فإن سبقت النية بزمن يسير عرفاً، فنقول: إنها تجزئ، يعني: قبل أن يصلي بزمن يسير نوى الصلاة، ثم إنه ذهل عن صلاته فما شعر إلا وقد قال: الله أكبر؛ لكنه نوى الصلاة قبل دخوله فيها بزمن يسير في العرف، فهذه النية تجزئ كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره. فإن سبقته بزمن طويل في العرف، مثاله: رجل توضأ في البيت ثم خرج بنية الصلاة، ثم إنه ذهل في أمر فما شعر إلا وهو يصلي، هذا يحصل بحيث إنه يكون قد نوى قبل زمن طويل، قد يكون ربع ساعة أو نصف ساعة، وهذا زمن طويل في العرف، فمن العلماء كالحنابلة من قال: إنه لا يجزئ، ومن العلماء من قال: إنه يجزئ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح ما لم يقطع هذه النية، لأن هذا يدخل في عموم قول النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات)، وهذا قد نوى العبادة، ولم يقطع هذه النية. ومعنى: (لم يقطعها) يعني: أراد ألا يصلي. مثاله: رجل توضأ وهو في بيته ثم إنه أراد أن لا يصلي، أي أنه قطع نية الصلاة، ثم بعد ذلك صلى بلا نية، فهذا قد قطع نية الصلاة. ويظهر ذلك بمثال أوضح فيما يتعلق بالصوم: فبعض الناس ينوي من أول رمضان أن يصوم الشهر كله، ثم إنه يسافر فيقطع هذه النية فنقول: إذا عدت إلى بلدك أو أردت أن تصوم في السفر فلابد أن تستأنف نية جديدة، لأنه قد قطع نيته. أما إذا لم ينو القطع فتكفي هذه النية للشهر كله في أصح القولين. إذاً نقول: إن الراجح أن النية إذا وقعت قبل العبادة بزمن طويل في العرف ولم يقطع هذه النية فإنها تكفي لعموم قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيات). قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما خرج إلى المسجد إلا وهو يريد الصلاة، لأن بعض الناس قد يقع في الوسوسة، فنقول: أنت لم تخرج من بيتك إلى المسجد إلا وأنت تريد الصلاة. إذاً نقول: إن قارنت النية الفعل أجزأت هذه النية، وإن سبقته بزمن قصير في العرف أجزأت، وإن سبقته بزمن طويل في العرف ولم ينو القطع فأصح القولين أنها تجزئ أيضاً.

стр. 11

النية شرط للعمل لا للترك من المسائل أيضاً: أن النية كما قال الشيخ هنا: (شرط لسائر العمل) أي: فخرج الترك. فعندنا فعل وعندنا ترك، فالترك لا تشترط له النية، وأما الفعل فتشترط له النية. فمثلاً: هذا رجل غسل بدنه بنية التبرد فقط، ثم تبين أنه جنب، فهل يجزئه هذا الغسل؟ لا يجزئه. فإن كان في بدنه نجاسة فغسل بدنه بنية التبرد فزالت النجاسة، فهل يطهر بدنه، أم نقول: إنه لم ينو فلا يطهر بدنه؟ الجواب إن بدنه يطهر؛ لأن إزالة النجاسة من باب التروك، فلا تشترط لها النية. كذلك لو أنه غسل ثوبه وهو لا يدري أن في ثوبه نجاسة، فطهر الثوب من هذه النجاسة ولم ينو تطهيره، فهل يطهر الثوب أم نقول لابد أن تغسله مرة أخرى بنية التطهير؟ نقول: يجزئك، ويطهر الثوب من غير نية؛ لأن هذا من باب التروك. إذاً: التروك لا تشترط لها النية، وأما الأفعال فتشترط لها النية، ولذا قال الشيخ هنا: (النية شرط لسائر العمل). إذاً عندنا الآن عدة مسائل: الأولى: أن النية محلها القلب، فلا يشرع الجهر بها ولا الإسرار. الثانية: أنها تقارن العمل، فإن سبقته بزمن قصير عرفاً أجزأت، وإن سبقته بزمن طويل عرفاً فقولان: أصحهما أنها تجزئ ما لم ينو القطع. المسألة الثالثة: أن النية شرط للعمل لا الترك، فالتروك لا تشترط لها النية.

стр. 12

النية تميز العبادات عن العادات وتميز رتب العبادات المسألة الرابعة: أن النية شرعت للتمييز، فهي تميز المعمول له، وتميز العبادة عن العبادة، وعن العادة. أولاً: تميز المعمول له: وهذا هو الإخلاص، وهذا بحثه في كتب السلوك وفي كتب التوحيد ومعناه أن تخلص عملك لله جل وعلا. هذا رجل يصلي لكنه قد يريد بصلاته ثواب الله وقد يريد الدنيا، فالنية تميز المعمول له، وهذا هو الإخلاص. ثانياً: النية تميز العبادة عن العبادة: ذلك: رجل استيقظ لصلاة الصبح فدخل المسجد فصلى بنية تحية المسجد ركعتين، فلما انتهى من الركعتين التفت فإذا بالناس يخرجون من المسجد، فعلم أن الصلاة قد أديت، فقال: إذاً تحية المسجد هي صلاة الفجر، فهل يجزئه ذلك؟ الجواب لا. لأن هذه عبادة وهي تحية المسجد، وصلاة الفجر عبادة أخرى. مثال آخر: رجل تصدق بعشرة آلاف ريال بنية التطوع، فلما قبضها الفقير تذكر المتصدق أن عليه زكاةً لم يخرجها، فقال: هذه عن زكاة مالي، فنقول له: لا يجزئك ذلك؛ لأن هذه عبادة وهذه عبادة. ثالثاً: تميز العبادة عن العادة: مثاله: رجل ترك الطعام والشراب بنية الصوم، هذه عبادة، وآخر ترك الطعام والشراب للصحة، فهذه عادة. رجل اغتسل بنية التبريد، وآخر اغتسل بنية رفع الحدث، نقول: هذه عبادة وهذه عادة. إذاً: النية هي التي تميز بين العبادة والعادة، وتميز بين العبادة والعبادة الأخرى. وتميز العمل للمعمول له جل وعلا، وهذا الإخلاص.

стр. 13

النية شرط للعمل الصالح من المسائل أيضاً: أن النية شرط للعمل الصالح، أي: العبادة: وعلى ذلك فإذا كان العمل ليس بعبادة لم تشترط له النية، فليست شرطاً فيما ليس بعبادة من العمل، مثل قضاء الدين فليس بعبادة، وإن كان إذا نوى العبادة فيه أثيب. وعلى ذلك فلو أنك ذهبت إلى غريم صاحبك، فقلت: خذ هذا المال عن الدين الذي لك في ذمة صاحبي، فأخذه برئت ذمة صاحبك مع أنه لم ينو قضاء الدين ومع ذلك فإنها تبرأ. أما العبادة فلابد فيها من نية، فمثلاً: هذا رجل ذهب إلى جمعية لأمر فوجد أن عندهم صدقة فطر، فأعطاهم ألف ريال عن مائة نفس، عشر ينفق عليها وتسعون لا ينفق عليها، لكنهم من أصحابه وإخوانه الذين لا ينفق عليهم، ثم أخبرهم وقال: إني قد أخرجت عنكم صدقة الفطر، فهل يجزئ ذلك؟ الجواب لا يجزئ، لأن صدقة الفطر عبادة، لابد أن ينويها من يخرجها، لكن أولادك الذين تنفق عليهم وكذلك امرأتك التي تنفق عليها تكفي نيتك؛ لأن الصدقة واجبة عليك أنت، لأنك أنت الذي ينفق. هذا رجل آخر أتاه جباة الزكاة، فقالوا: إن عليك في مالك كذا، فأعطاهم إياه وقالوا: لمن هذا المال؟ قال: هذا لأخي، قالوا: إن عليه كذا، فأعطاهم عنه من ماله، فنقول: يجزئ حتى ينوي أخوه لأنها زكاة، لكن لو أخذها الجباة من مال أخيك، فهؤلاء قد أخذوها من ماله، فهم جباة وقد أخذوا الحق ممن هو عليه فيجزئ، لكن عندما تتبرع أنت لأخيك فتقول: هذه زكاة عني وهذه زكاة عن أخي، فنقول: لابد أن ينوي، لأن النية شرط لسائر العمل، بها الصلاح والفساد للعمل. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 14

فقه القواعد الفقهية [٢]

стр. 15

قاعدة جلب المصالح ودرأ المفاسد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: [الدين مبني على المصالح في جلبها والدرء للقبائح] هذا البيت من هذه المنظومة اشتمل على قاعدة مهمة، وهي: أن الشريعة الإسلامية مبنية على جلب المصالح، وعلى درء المفاسد، فهي تجلب المصالح وتكثرها، وتدرأ المفاسد أو تقللها. فالشريعة الإسلامية إذاً مبنية على جلب المصالح وتكثيرها ودرأ المفاسد وتقليلها.

стр. 16

النوع الأول من المصالح حفظ الضرورات واعلم أن المصالح على ثلاثة أنواع: النوع الأول: مصلحة حفظ الضرورات، والضرورات إذا اختلت ترتب على الناس خلل في أمر دينهم ودنياهم، حتى لا يصلح أمر الدين ولا أمر الدنيا إلا باعتبار هذه الضرورات، فإذا لم تراع اختل نظام الناس في حياتهم وترتب على ذلك فساد أمر دينهم ودنياهم. فهذه هي مصلحة الضرورات، والضرورات خمس: الأولى: مصلحة حفظ الدين. والثانية: مصلحة حفظ النفس. والثالثة: مصلحة حفظ العقل. والرابعة: مصلحة حفظ المال. والخامسة: مصلحة حفظ العرض والنسل. أولى هذه الضرورات ضرورة حفظ الدين: وقد شرع الله الشرائع، وبين للخلق العقائد، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لحفظ الدين. وشرع الله جل وعلا الجهاد وكذلك قتل الزنديق، وتعزير الداعية إلى البدعة بالقتل أو ما هو دونه؛ كل ذلك من أجل حفظ ضرورة الدين. إذاً: فالجهاد قد شرع مع ما فيه من سفك للدم، ومن تعرض لسلب المال وسبي النساء وغير ذلك؛ كل ذلك لأجل حفظ هذه الضرورة، وهي ضرورة حفظ الدين. الثانية: ضرورة حفظ النفس: فشرع الله القصاص لحفظ النفوس أن يعتدى عليها، وكذلك أيضاً فيما يتعلق بالقصاص في الأطراف وفي الجراح، فهذا كله لأجل ضرورة حفظ النفس. والثالثة: ضرورة حفظ المال: وقد شرع الله جل وعلا حد السرقة، وحرم الاعتداء على الأموال، وجعل أموال المسلمين حراماً، فلا يحل لمسلم أن يأخذ مال أخيه بغير حق، هذا من أجل هذه الضرورة، وهي ضرورة حفظ المال. وأما الضرورة الرابعة: فهي ضرورة حفظ العرض والنسل: فحرم الله الزنا، وشرع حده من رجم أو جلد، وكذلك حرم القذف، وحرم الاعتداء على الأعراض بكل شكل؛ هذا كله من أجل حفظ ضرورة العرض والنسل. وأما الضرورة الخامسة: فهي ضرورة حفظ العقل: فحرم الله شرب الخمر، وشرع حده من أجل حفظ هذه الضرورة. إذاً هذه هي الضرورات الخمس التي إذا لم تراعى ترتب على ذلك فساد وخلل في أمر الدين والدنيا، وهذه هي أعلى المصالح.

стр. 17

النوع الثاني من المصالح حفظ الحاجيات النوع الثاني من المصالح الحاجيات: وهي التي إذا لم تراع لحق الناس حرج من عدم مراعاتها. يعني: لو أن الشارع لم يراع هذه المصلحة -وهي الحاجيات- لترتب على ذلك حرج، كالإجارة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك؛ فهذه يحتاج إليها الناس، فلو أن الشارع حرم الإجارة مثلاً لترتب على ذلك حرج، كذلك الهبات. إذاً هذه هي الحاجيات، وهي النوع الثاني من المصالح.

стр. 18

النوع الثالث من المصالح الأخذ بمحاسن العادات وأما النوع الثالث من المصالح فهي التحسينات: يعني: الأخذ بمحاسن العادات والأخلاق، فشرع الله جل وعلا شرائع روعيت فيها هذه المصلحة، وهي مصلحة التحسينات أو التزيينات، وهذه المصلحة هي الأخذ بمحاسن العادات والأخلاق. مثال ذلك: الولي في النكاح شرط فيه على الصحيح، وهو قول الجمهور، فما هي المصلحة من مشروعية ذلك؟ الجواب المصلحة هي أن المرأة يقبح أن تتولى أمر إنكاح نفسها، فلما كان الأمر كذلك شرع الولي، ولأنه في العادة يحسن النظر لها أيضاً فيختار لها الكفء المناسب. من ذلك أيضاً: أمور الفطرة كإعفاء اللحية وقص الشارب، وعلى ذلك فالتحسينات منها ما يكون واجباً ومنها ما يكون مستحباً. وكذلك أيضاً من التحسينات الأمر بإزالة النجاسة من الثوب والبقعة، هذه من التحسينات وهي شرط في الصلاة لا تصح الصلاة إلا بثوب طاهر وبقعة طاهرة وبدن طاهر. إذاً: الشريعة مبنية على جلب المصالح وعلى درء المفاسد.

стр. 19

تزاحم المصالح والمفاسد

стр. 20

إذا تزاحمت المصالح قدمت الأعلى قال المصنف ﵀: [فإن تزاحم عدد المصالح يقدم الأعلى من المصالح] إذا تزاحمت عندنا المصالح فإنا نقدم الأعلى منها، عندنا مصلحة ومصلحة وتعارضتا عند هذا المكلف، فإما أن يفعل هذه المصلحة وإما أن يفعل المصلحة الأخرى، فيقدم الأعلى منهما. إذا أتيت إلى المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح فهل تشرع بنافلة الصبح القبلية أو تصلي الصبح؟ نقول: تصلي الفريضة مع الإمام؛ لأن النبي ﵊ قال كما في صحيح مسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة). إذاً: نقدم الفريضة على النافلة. وإذا كانت العبادة ذات نفع متعد كالعلم، وعارضتها عبادة ذات نفع لازم كصيام التطوع؛ فإنا نقدم العبادة ذات النفع المتعدي. إذاً: نقدم الأعلى من المصالح.

стр. 21

إذا تزاحمت المفاسد ارتكبت الأدنى قال المصنف ﵀: [وضده تزاحم المفاسد يرتكب الأدنى من المفاسد] كذلك إذا تعارضت المفاسد وتزاحمت فإنا نرتكب الأدنى منها ونجتنب الأعلى، ولذا فإن النبي ﵊ كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك: أنه لما بال الأعرابي في المسجد فزجره الناس، نهاهم النبي ﵊، وذلك لتعارض مفسدتين، الأولى: البول في المسجد فينجس. المفسدة الثانية: أن يحبس بوله فيتضرر، يعني: يلحق بدنه الضرر، وكذلك أيضاً قد ينتشر هذا في المسجد لأنه يقوم وتنتقل النجاسة إلى مواضع أخرى من المسجد. فنهاهم النبي ﵊ من باب الوقوع في المفسدة الصغرى، فإذا تعارضت عندنا مفسدتان قدمنا المفسدة الصغرى في الوقوع، فنقع في المفسدة الصغرى ونجتنب المفسدة الكبرى. ومن ذلك قول النبي ﵊: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم)، متفق عليه. فهنا عندنا مفسدة، وهي بقاء الكعبة فيها نقص من الجهة التي فيها حجر إسماعيل، فإن قريشاً قصرت بهم النفقة فقصروا البناء من جهة حجر إسماعيل، فالنبي ﵊ أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها على قواعد إبراهيم كاملة؛ لكنه خشي مفسدة أعظم، وهي أن يرتد الناس عن الإسلام لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر.

стр. 22

تعارض المصالح والمفاسد قال المصنف ﵀: [والشرع من أصوله التيسير في كل أمر نابه تعسير] إذا تعارضت عندنا مصلحة ومفسدة فإنا نقدم أعظمهما، فقد نقدم الوقوع بالمفسدة وتحصيل المصلحة، وقد نقدم درء المفسدة وتفويت المصلحة. فننظر إلى هذه المصلحة: فإن كانت المصلحة هي الغالبة فإنا نحصلها وإن وقعنا بالمفسدة. وإن كانت المفسدة هي الغالبة، فإنا ندرأ المفسدة وإن فاتت المصلحة، أوضح هذا بالمثال: الربا فيه مصلحة للغني من زيادة ماله، وفيه كذلك دفع حاجة الفقير، لكن المفاسد فيه من الظلم أعظم من المصالح، ولذا حرمه الله جل وعلا وأحل البيع الذي فيه غنية عنه. وكذلك الخمر فيه منافع؛ ولكن مفسدة زوال العقل فيه أشد وأعظم، ولذا نهى الله عنه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]. هنا الآن قدمنا درء المفسدة وحصل تفويت للمصلحة، فالمصلحة التي في الربا فوتناها والمصلحة التي في الخمر فوتناها، درأً للمفسدة فيهما. وأما إذا كانت المصلحة أعظم فإنا نقدمها فنحصلها وإن وقعنا في المفسدة. مثال ذلك: الجهاد في سبيل الله فيه مفاسد، منها أنه يعرض النفوس للإزهاق، ومنها أنه يعرض مال المسلم للسلب، ويعرض النساء للسبي، لكن هذه المفاسد مرجوحة لما فيه من المصلحة العظمى، وهي إعلاء كلمة لا إله إلا الله. إذاً: هنا أخذنا بالمصلحة مع وجود مفاسد، وقد ندرأ المفسدة مع وجود مصالح. إذاً: ننظر إلى الأرجح والأعظم فنأخذ به، فإذا كانت المصالح أعظم فإنا نرجحها، وإذا كانت المفاسد أعظم فإنا ندرؤها.

стр. 23

قاعدة المشقة تجلب التيسير قال المصنف ﵀: [والشرع من أصوله التيسير في كل أمر نابه تعسير] هذه قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، ومعناها أن الشريعة الإسلامية جاءت بنفي الحرج، قال جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. وقال ﵊ كما في البخاري: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه). وجاء في البخاري: (ما خير النبي ﵊ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً). وعلى ذلك فنقول: (إن المشقة تجلب التيسير)، فحيث وجد سبب التعسير نأخذ بالتيسير، ولذا قال الشيخ هنا: [في كل أمر نابه تعسير] ومن قواعد شرعنا: التيسير في كل أمر نابه تعسير، إذاً: المشقة تجلب التيسير. لا شك أن الأحكام قد تشتمل على مشاق، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] يعني: وهو شاق عليكم. وأيضاً قال الله جل وعلا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] يعني: وإنها لشاقة ثقيلة، لكن هذه المشقة تحتمل فهي مشقة يسيرة، وهي توجد في العبادة، وهذا النوع من المشاق -وهي المشقة التي تحتمل- لا تمنع التكليف. فهذه المشاق موجودة في العبادة، لكن إذا كانت المشقة شديدة بحيث إن المكلف يلحقه حرج فنقول: هذه المشقة تجلب التيسير؛ لكن الوضوء مثلاً في اليوم البارد والماء فيه برودة فيه نوع مشقة، كذلك إذا كان الماء حاراً فهذا فيه نوع مشقة، ولذا فهي مكاره كما جاء في الشرع. كذلك الخروج إلى المسجد قد يكون فيه مشقة لكن هذه المشقة ليست شديدة، وهذه المشقة تلازم العبادات غالباً، وإنما المراد بالمشقة المشقة الشديدة التي يلحق المكلف فيها الحرج. والمشقة لا يكاد الناس ينضبطون فيها، فهذا الرجل قد يرى الشيء الشاق سهلاً، والآخر قد يرى الشيء اليسير شاقاً، ولذا فإنا لا نعلق الأمر بنفس المشقة، وإنما نعلقه بالوصف الذي توجد معه المشقة غالباً. فهناك أوصاف توجد فيها المشقة في الغالب، فهي مظنة المشقة، هذه هي طريقة الشرع، وذلك كالسفر، فإنه وصف توجد فيه المشقة في الغالب، فشرع للمسافر القصر، وشرع له الجمع بين الصلاتين، وكذلك له أن يمسح على خفيه ثلاثة أيام بلياليهن. كذلك الخوف وصف شرعت فيه صلاة الخائف، وشرع له أيضاً ترك الجماعة إن كان يخاف على نفسه أو أهله أو ماله. فالخوف هنا وصف توجد فيه المشقة في الغالب، إذاً: يعلق الأمر بوصف توجد فيه هذه المشقة في الغالب كالسفر والخوف ونحو ذلك.

стр. 24

لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة قال المصنف ﵀: [وليس واجب بلا اقتدار ولا محرم مع اضطرار] هذا البيت اشتمل على قاعدتين: الأولى: لا واجب مع العجز. والقاعدة الثانية: لا محرم مع الضرورة. فنقول: لا واجب مع العجز، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وقال ﷺ كما في الصحيحين: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منهم ما استطعتم). فلا واجب مع العجز، فمن كان لا يقدر على الصلاة قائماً فإنه يصلي قاعداً، قال ﵊: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، رواه البخاري. كذلك إذا كان يقدر لكن تلحقه مشقة شديدة، بحيث إنه يخاف أن يستمر مرضه أو أن يتأخر برؤه، فله كذلك أن يصلي قاعداً. ومن فروع هذه المسألة أيضاً -لا واجب مع العجز- ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من أن المنفرد إذا لم يجد فرجة يصلي خلف الصف وحده وتصح صلاته؛ لأنه يعجز عن أن يصلي في الصف، فإن كان يجد فرجة وتركها فصلى خلف الصف لم تصح صلاته. أما القاعدة الثانية فهي: لا محرم مع الضرورة: فالضرورات تبيح المحرمات، فإذا اضطر المكلف لفعل المحرم بحيث إن ضرورته لا تندفع إلا به، فلا حرج عليه أن يأتيه، كأن يأكل الميتة في مفازة من الأرض ليس فيها طعام يأكله، ويخشى أن تتلف نفسه وليس عنده ما يغنيه عن الحرام. فلو كان عنده ما يكره من الطعام فليس له أن يأكل الميتة، بل يأكل المكروه ويترك المحرم؛ لكن هذا لا يجد شيئاً يدفع به ضرورته فنقول: له أن يأكل الميتة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣]. كذلك: إذا غص بالطعام فلم يجد ما يزيل به هذا الغصة إلا جرعة من خمر فلا حرج عليه؛ لأن هذه ضرورة، ولا محرم مع الضرورة. لكن إذا كان يمكنه أن يستغني بمكروه أو بمباح، كأن وجد رجلاً يقرضه مالاً يشتري به طعاماً والطعام موجود، أو وجد من يقرضه الطعام، فنقول: إنه ليس له أن يأكل الحرام ما دام يمكنه أن يستغني بالحلال المباح أو المكروه.

стр. 25

قاعدة الضرورة تقدر بقدرها قال المصنف ﵀: [وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة] الضرورة تقدر بقدرها؛ فليس له أن يزيد على قدر ما يدفع به ضرورته، فإذا أكل الميتة فليس له أن يأكل حتى يشبع، بل يأكل بقدر ما يحصل به قيام بدنه من غير شبع، ولذا قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣]، والباغي هو الذي يريد أكل الميتة مع أنه يمكنه أن يستغني عنها بغيرها، والعادي هو الذي يأكل ما يزيد على دفع ضرورته. إذاً: يأكل بقدر ما يدفع ضرورته؛ لكن إذا قال: إني يغلب على ظني أني لا أجد شيئاً أمامي وأنا أريد أن أمشي في الصحراء، فله أن يأكل حتى الشبع، أو أن يحمل منها، وذلك لأنه إذا منع فقد لا يجد في طريقه شيئاً فيهلك. إذاً: ليس له أن يأكل حتى الشبع إلا إذا كان يقول: أنا لا أدري هل أجد شيئاً أم لا، أما إذا كان يغلب على ظنه أنه يجد أو يتيقن أنه يجد الطعام عند حاجته بعد ذلك فليس له أن يأكل فوق حاجته. وكما أن الضرورة تقدر بقدرها فالحاجة أيضاً تقدر بقدرها، فالطبيب إذا أراد أن يكشف موضعاً من بدن المرأة يحتاج إلى علاج فإنه يقدر هذا بقدره ولا يزيد، فإذا كان الداء بوجهها فليس له أن يكشف شعرها بل يكتفي بكشف الوجه، وكذلك الشاهد ينظر من المرأة ما يحتاج إليه فقط ولا يزيد.

стр. 26

فقه القواعد الفقهية [٣]

стр. 27

قاعدة اليقين لا يزول بالشك قال المصنف ﵀: [وترجع الأحكام لليقين فلا يزيل الشك لليقين] هذه أيضاً قاعدة من القواعد الفقهية الكبرى، وهي: اليقين لا يزول بالشك: ومرادهم بهذه القاعدة أن الشيء المتيقن والشيء يغلب على الظن وجوده لا يزول بالشك. فاليقين عند الفقهاء يدخل فيه الشيء المتيقن المجزوم به، ويدخل في ذلك أيضاً غالب الظن، فإذا كان عندك تردد بين أمرين لا تدري أيهما الصواب، فنقول: ارجع إلى اليقين أو غلبة الظن. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد: (أن النبي ﵊ سئل عن الرجل يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). فإذا كنت متيقناً أنك على وضوء وعندك شك هل حصل ناقض لهذا الوضوء أم لا، فأنت -مثلاً- متيقن أنك توضأت لصلاة المغرب، فلما حضرت صلاة العشاء صرت لا تدري هل انتقض الوضوء أم لا؟ فنقول: المتيقن هو الوضوء والناقض مشكوك فيه، وعلى ذلك فنأخذ بالمتيقن وهو الوضوء فنقول: أنت على وضوء، واليقين لا يزول بالشك. وإذا كان الأمر بالعكس، كأن تيقنت الناقض وشككت في الوضوء بعده؛ فمثلاً تقول: إنك قد قضيت حاجتك بعد صلاة المغرب وتقول: أنا لا أدري هل توضأت بعد أن قضيت حاجتي أم لا؟ فنقول: هنا المتيقن هو الحدث والوضوء مشكوك فيه، وعلى ذلك فخذ بالمتيقن وهو عدم الوضوء، فاليقين لا يزول بالشك. إذا كنت لا تدري في صلاتك هل صليت ثلاثاً أم أربعاً، فالمتيقن هو الأقل، فتصلي رابعة وتسجد للسهو قبل السلام. وإذا كنت في الطواف فحصل عندك شك هل طفت ستاً أم سبعاً، فنقول: الأقل هو المتيقن، فأنت في حكم من طاف ستة أشواط وعليك أن تطوف الشوط السابع. كذلك إذا شك هل طلق امرأته أم لا؟ فنقول: الأصل بقاء النكاح لأنه المتيقن. وإذا شك كذلك هل طلق امرأته طلقة أو طلقتين فنقول: المتيقن هو طلاق مرة، وأما القدر الزائد فهو مشكوك فيه. وهكذا، فاليقين لا يزول بالشك.

стр. 28

قاعدة الأصل الطهارة في المياه والأرض والثياب يقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى: [والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة] يقول الشيخ ﵀ في هذا البيت: إن الأصل في المياه وفي الأرض وفي الثياب وفي الحجارة الطهارة. فالأصل في المياه الطهارة، وقد جاء في مسند أحمد وسنن الأربعة إلا ابن ماجه أن النبي ﵊ قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء). فالأصل الطهارة في مياه البحار والأنهار والعيون وغيرها، فإذا أصابك ماء من ميزاب لا تدري هل هذا الماء طاهر أم نجس، فنقول لك: إن الأصل في المياه الطهارة وعلى ذلك فلا تغسل ثوبك منه؛ لأن الأصل في المياه الطهارة، فلا يلزمك أن تغسل ثوبك منه. كذلك إذا وجدت إناءً فيه ماء فلك أن تتوضأ منه أو تغتسل، فإن قلت: لعله يكون نجساً؟ فنقول: إن الأصل في المياه الطهارة. وكذلك الأرض: فلك أن تصلي في أي بقعة من الأرض لم تعلم نجاستها، ولذا قال ﵊: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)، رواه الإمام أحمد والترمذي. وقال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، متفق عليه. وكذلك الثياب: فإذا وجدت ثوباً لا تعلم نجاسته فلك أن تلبسه وتصلي فيه وإن كان من كافر؛ لأن الأصل في الثياب الطهارة. وثياب الكفار وإن كانت مستعملة فلنا أن نصلي فيها ما لم نعلم نجاستها؛ لكن الأفضل أن تغسل، ومثل ذلك الأواني.

стр. 29

الأصل في الأشياء الإباحة واعلم أن الأشياء الأصل فيها الإباحة، قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، واللام هنا للاستحقاق، فكل شيء هو حلال ما لم يرد تحريمه. وجاء في سنن ابن ماجه والحديث حسن أن النبي ﵊ قال: (الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت الله عنه فهو عفو). وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥]. فالمحرم من الأطعمة هو ما استثني؛ لأن الأصل ما أبيح لا ما حرم، وهكذا كل الأشياء، فمن حرم شيئاً طولب بالدليل؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، نعم.

стр. 30

ذكر الأشياء التي يكون الأصل فيها التحريم

стр. 31

الأصل في الأبضاع التحريم قال المصنف ﵀: [والأصل في الأبضاع واللحوم والنفس والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل فافهم هداك الله ما يمل] أما الأبضاع فالأصل فيها التحريم، وكذلك اللحوم، وكذلك النفوس وكذلك الأموال. الأبضاع: جمع بضع، وهو الفرج، فليس لك أن تطأ فرجاً حتى تعلم السبب المبيح له، لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]. إذاً ليس لك أن تطأ فرجاً إلا أن يكون مباحاً لك بملك يمين أو عقد نكاح، لأن الأصل في الفروج هو التحريم، ولو أن رجلاً بينه وبين امرأة رضاع، وهي من آل فلان، ولا يعلم عينها، كمن قالت له أمه: إني قد أرضعت ابنة من آل فلان خمس رضعات معلومات، ولا يدري هل هي فلانة أم فلانة أم فلانة، في نساء محصورات، فنقول: لا يحل لك أن تنكح أي واحدة منهن لا فلانة ولا فلانة ولا فلانة؛ لأن الأصل في الأبضاع التحريم. لكن إن كانت النساء غير محصورات، كمن قالت له أمه: إني قد أرضعت بنتاً من المدينة الفلانية خمس رضعات، فهل نحرم عليه بنات تلك البلدة كلهن؟ الجواب لا. كذلك إذا كانت في قبيلة كبيرة فلا، لأن في ذلك مشقة وحرجاً، أما إذا كانت النساء محصورات فلا يحل له أن يطأ امرأة منهن، حتى يعلم أنها ليست هي التي رضعت معه.

стр. 32

الأصل في اللحوم التحريم وكذلك: الأصل في اللحوم التحريم: فإذا أتيت بلحم فليس لك أن تأكل منه حتى تعلم السبب المبيح له، إما أن يكون قد ذكي وإما أن يكون قد صيد، فلابد أن تعلم السبب المبيح لأكله من ذكاة أو صيد. قال جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]. وقال ﵊: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل). لكن إن علمت أن الذي يأتي به لا يأتي إلا بلحم مذبوح فلك أن تأكل، فتسمي الله أنت وتأكل. إذاً: لو أنك أتيت بلحم ولا تدري هل ذكر اسم الله عليه أم لا، فليس لك أن تأكل حتى تعلم السبب المبيح من ذكاة أو صيد، ولذا فإذا حصل شك في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل وهو التحريم، فمثلاً: لو أنك رميت طائراً بسهم فوقع في ماء فمات، فلا يحل لك أن تأكل منه شيئاً؛ لأنك تشك في المبيح فلا تدري هل سهمك هو الذي قتله أم الماء، كما جاء هذا في حديث عدي بن حاتم في الصحيحين. إذاً: الأصل في اللحوم هو التحريم، وليس المراد أنك إذا دعيت عند مسلم فأتى بلحم أنك لا تأكل حتى تسأله، لأن الأصل في اللحوم التي تقدم من المسلمين أنها مذكاة، لكن لو أنك أتيت إلى بلد فيه المسلم وفيه الكافر وفيه الكتابي، فوجدت لحماً لا تدري هل ذكي أم لا؟ وهل ذكر اسم الله عليه أم لا؟ فليس لك أن تأكل منه شيئاً؛ لأن الأصل في اللحوم التحريم.

стр. 33

الأصل في النفوس والأموال التحريم كذلك أيضاً: الأصل في النفوس التحريم. فلا يجوز أن تقتل النفس المعصومة، ولا أن يقطع طرفها، ولا أن تجرح إلا بسبب مبيح. وفي الحديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة)، كما جاء في الصحيحين. وجاء في الصحيحين أيضاً أن النبي ﵊ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا). إذاً: لا يحل أن يراق دم المسلم بقتل ولا بجرح، ولا بأن يقطع طرفه، إلا بسبب مبيح، فالأصل في النفوس المعصومة التحريم. كذلك في الأموال: لا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك إلا بحق، أي: إلا بسبب مبيح، ولذا قال ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). إذاً الأصل في الأشياء الإباحة إلا الأبضاع واللحوم والنفوس والأموال، فإن هذه الأصل فيها التحريم.

стр. 34

الأصل في العادات الإباحة قال المصنف ﵀: [والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجيء صارف الإباحة] الأصل في العادات الإباحة: العادات: هي ما اعتاده الناس من التصرفات والأقوال والأفعال، فالأصل فيها الإباحة. مثال ذلك: جلوسهم على الطعام على الأرض أو على الكراسي، هذا من العادات، فالأصل فيه الإباحة. ومن العادات أن هذا يأكل بيده وهذا يأكل بالملعقة، فالأصل في ذلك الإباحة. هذا يلبس ثوباً بطريقة معينة، وهذا يلبسه بطريقة أخرى، الأصل في هذا الإباحة. كذلك أيضاً في التحية، هذا يبدأ بكلمة وهذا يبدأ بكلمة أخرى، هذا يقول: مساء الخير وهذا يحيي بتحية أخرى، فنقول: هذا كذلك جائز لأنه من العادات، ولذا قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]. لكنا نقول: إن الأكمل في التحية ما جاء في الشرع: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذاً: العادات الأصل فيها الحل. كذلك بعض الناس يكتفي بالمصافحة، وبعضهم يعانق، وبعضهم يضع الأنف على الأنف، وبعضهم يضع الخد على الخد، فهذه عادات الأصل فيها الحل، إلا أن يأتي دليل يدل على التحريم، فإذا كانت هذه العادة فيها تشبه بالنساء، قلنا: إنها لا تحل للرجل؛ لأن النبي ﵊ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.

стр. 35

الأصل في العبادات التوقيف قال المصنف ﵀: [وليس مشروعاً من الأمور غير الذي في شرعنا مذكور] الأصل في العبادات التوقيف: فليس للعبد أن يتعبد الله جل وعلا إلا بما شرع رسول الله ﷺ . قال جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. وفي الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد). فنقول: إن الأصل في العبادات التوقيف على ما جاء بالنص، فليس لك أن تتعبد الله إلا بما جاء عن النبي ﵊، وهي قاعدة معروفة.

стр. 36

الوسائل لها حكم المقاصد قال المصنف ﵀: [وسائل الأمور كالمقاصد واحكم بهذا الحكم للزوائد] هذه قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، قال جل وعلا: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]. الوسيلة لها حكم مقصدها، فإذا كان المقصد مأموراً بها كانت الوسيلة مأموراً بها، وإذا كان المقصد منهياً عنه كانت الوسيلة منهياً عنها، فذهابك إلى المسجد لأداء صلاة الجماعة الواجبة عليك واجب؛ لأن صلاة الجماعة واجبة. وشراؤك الطيب لتتطيب به يوم الجمعة مستحب؛ لأن التطيب يوم الجمعة مستحب. وتحصيلك الماء لتغتسل به من الجنابة واجب مع القدرة؛ لأن الغسل من الجنابة واجب. وتحصيلك الماء للغسل يوم الجمعة مستحب؛ لأن الغسل يوم الجمعة مستحب إلا مع وجود رائحة كريهة تؤذي. وشراؤك السلاح لتقتل به مسلماً محرم؛ لأن قتل المسلم حرام. وشراء السلاح ليقام به حد الله واجب، وهكذا قال هنا: (واحكم بهذا الحكم للزوائد): الزوائد: هي المتممات، فمثلاً: ذهابك إلى المسجد هذا وسيلة لأداء الصلاة في المسجد، لكن رجوعك إلى منزلك بعد أداء الفريضة متمم. ذهابك إلى الحج بالسيارة أو بالطائرة وسيلة؛ لكن رجوعك متمم. فيقول: كما أن الوسيلة قد تكون عبادة يؤجر عليها وقد تكون بخلاف ذلك، فكذلك الزوائد المتممات، فكما أن لك في ذهابك إلى المسجد بكل خطوة حسنة تكتب وخطيئة تحط فكذلك رجوعك إلى البيت، ولذا جاء في الصحيحين أن الرجل الذي كان يذهب إلى المسجد ويجيء قال للنبي ﵊: (إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال له النبي ﵊: إن الله قد جمع لك ذلك كله). فالرجوع يثاب عليه لأنه متمم، إذاً الزوائد هنا هي المتممات.

стр. 37

العفو عن الخطأ والجهل والإكراه والنسيان

стр. 38

قاعدة العفو عن الخطأ قال المصنف ﵀: [والخطأ الإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن لكن مع الإتلاف يثبت البدل وينتفي التأثيم عنه والزلل] الخطأ: هو ضد العمد، ومنه الجهل، ومن أخطأ فلا إثم عليه. ولذا جاء في ابن ماجه أن النبي ﵊ قال: (رفع لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وهو حديث حسن. وقال الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] الآية، قال الله: (قد فعلت)، كما جاء هذا في صحيح مسلم. إذاً: الخطأ لا يؤاخذ عليه المكلف ولا يأثم، والخطأ هو ضد العمد ومنه الجهل، سواء كان الخطأ في حق الله جل وعلا، كأن يصلي إلى غير القبلة مع عدم وجود محراب ولا عدل يسأله، فلا يأثم وإن كان الوقت قد خرج، فالذي يترجح أنه لا يعيد. وإذا كان الخطأ في حق الآدمي فلا إثم أيضاً، كأن يرمي بسهم ليصيد به فيقتل إنساناً معصوماً. فنقول: لا إثم عليه ولكن عليه الضمان، فيضمن هذه النفس بالدية، ولذا قال الشيخ هنا: [لكن مع الإتلاف يثبت البدل وينتفي التأثيم عنه والزلل]

стр. 39

قاعدة العفو عن الجهل وقلنا: إن من الخطأ الجهل، كالذي يصلي إلى غير القبلة جاهلاً، والجهل عذر ولكن مع عدم التفريط. أما من كان مفرطاً فإنه لا يعذر بالجهل، وذلك إذا كانت أسباب العلم متيسرة، ثم إنه فعل شيئاً جهلاً وقال: إني لا أعرف الحكم ففعلت كذا، فنقول: إنك لا تعذر لتفريطك. فمن كان مثله يجهل فإنه يعذر، ومن كان مثله لا يجهل فإنه لا يعذر. مثال من كان مثله يجهل: رجل قد نشأ في بادية أو كان حديث عهد بإسلام فوقع في مسألة جهلاً فنقول: يعذر، لأن مثله يعذر، أعني أن الناشئ في البادية أو حديث العهد بالإسلام يقع منه الجهل فيعذر. لكن لو أن رجلاً في مدائن الإسلام وقال: أنا لم أدر أن صلاة المغرب ثلاث ركعات، وقد صليت ركعتين، فنقول: لا تعذر. أو قال: أنا لم أعلم أن الجماع في نهار رمضان مفطر، فنقول: لا تعذر؛ لأن مثلك لا يجهل مثل هذه المسائل. لكن هناك مسائل قد يجهلها حتى من يعيش في المدن، كحق الفسخ عند وجود عيب في المرأة، كمن تزوج امرأة فدخل بها فوجد فيها عيباً لم يخبر به، وهو ليس ممن يحضر دروس العلم ولا يجالس الفقهاء، فمثله قد يجهل أن له حق الفسخ، فيطأ هذه المرأة لظنه أنه لا حق له في الفسخ. فنقول: لك الفسخ وإن جامعتها لأنك تجهل؛ لكن لها الضمان في بضعها. إذاً من كان في مدائن الإسلام فلا يعذر بالجهل إلا في المسائل الخفية. تجد أن كثيراً من الناس يخفى عليهم أن إخراج القيء عمداً يفطر الصائم، فيقع هذا من كثير من الشباب ولا يدري؛ لكنه يعلم أن الأكل والشرب والجماع من المفطرات، فهذا لا نقول إنه قد أفطر إذا استقاء عمداً إلا بعد أن يعلم ويعرف، لأن مثل هذه المسائل يجهلها أمثاله. وعلى ذلك فنقول: إن كان مثله يجهل فإنه يعذر، وإن كان مثله لا يجهل فإنه لا يعذر. بعض الناس يأتون من بعض البلاد التي كانت تحت الحكم الشيوعي فيحجون بيت الله وقد يجامع أحدهم امرأته ليلة عرفة أو يوم عرفة قبل أن يتحلل التحلل الأول، ويقول: أنا لا أعرف أن الحج يفسد بذلك، بل لم أعرف أنه من محذورات الإحرام. فنقول: هذا حجه لا يفسد ولا حرج عليه؛ لأن مثله يجهل. لكن من كان في بلاد ينتشر فيها العلم فإنه لا يعذر بذلك، مثلما يوجد الآن في علامات المرور من إشارة وغيرها، لا يعذر في مخالفتها من يقود السيارة ويسكن المدن؛ لكن لو أتى رجل من بادية فإنهم قد يعذرونه في بعض الأخطاء.

стр. 40

قاعدة العفو عن الإكراه وذكر أيضاً الإكراه؛ والإكراه على نوعين: النوع الأول: إكراه ملجئ: بحيث يكون المكره كالآلة. فلو أن رجلين رفعا رجلاً قهراً ورمياه على نائم فقتله، فهو هنا كالآلة، أي: كأنه حجر، فنقول: هذا كالآلة فلا إثم عليه ولا ضمان، وهذا هو الإكراه الملجئ. النوع الثاني: الإكراه غير الملجئ: وهو أن يكره على فعل أو قول بالتهديد له أو لولده أو لوالده أو لصاحبه، ويغلب على ظنه أن هذا المهدد ينفذ ما هدده به. كأن يقول له: إما أن تفعل كذا أو أقتلك، أو أقطع طرفك، أو أسجنك، أو أجلدك، فيهدده بشيء يغلب على ظنه أنه يقدر على التنفيذ، فهذا هو الإكراه غير الملجئ. وهذا النوع يختلف حكمه باختلاف المسائل وباختلاف نوع ما أكره به: فإذا أكره رجل على أن يسب الله وقيل له: إما أن تسب الله وإما أن نقتلك، وهو يخشى أن ينفذوا ذلك، فله أن يسب وقلبه مطمئن بالإيمان. لكن لو قيل له: إما أن تسب الله والرسول وإلا جلدناك عشرة أسواط، فهذا لا يعد إكراهاً. ولو قيل له وهو رجل ذو شرف ومكانة في المجتمع: إما أن تطلق امرأتك وإما أن نذهب بك إلى مجتمع الناس ونجلدك ثلاثة أسواط، فهذا يعد إكراهاً في مثله؛ لأنه رجل شريف، لا يتحمل أن يضرب سوطاً أمام الناس. ولو أن رجلاً قال لامرأته: إما أن تكتبي هذا البيت باسمي أو أطلقك، فهذا يعد إكراهاً؛ لأن الطلاق أشد من ضرب السياط على ظهرها، فلها أن تطالب بحقها في هذا البيت لأنها مكرهة. لو أن رجلاً شريفاً ذا مكانة في الناس قيل له: إما أن تهب لنا كذا وكذا وإلا نشهر بك في الجريدة، فهذا يعد إكراهاً بالنسبة له. إذاً: الإكراه يختلف باختلاف المسائل، فننظر إلى المسألة وننظر إلى نوع الإكراه، ويقرر هل يعد هذا إكراهاً أم لا بحسب المسألة: هذا رجل قيل له: إما أن تسب الدين أو نؤخر دخولك إلى هذه البلد عشر ساعات، فهذا ليس بإكراه. وإن كان قد أكره على أن يقتل أحداً أو أن يقطع طرفه أو أن يجرحه، فنقول: هذا يأثم، وعليه الضمان، لأن المكلف ليس له أن ينقذ نفسه بهلكة غيره. لكن لو قيل له: إما أن تحرق مزرعة فلان أو نقطع يدك، فأحرق المزرعة نقول: الضمان على من أكرهه، لأن له أن يفدي نفسه من قطع اليد ومن القتل بإتلاف مال غيره، ويكون الضمان على من أكرهه.
следующие страницы →