Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
العقيدة الطحاوية [١]
يتعلق بحادثة الإسراء والمعراج جملة من مسائل العقيدة, منها اعتقاد أهل السنة والجماعة كون الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح, خلافًا لما ذهب إليه القائل بأن ذلك كان منامًا, أو أنه كان بالروح, أو أن المعراج كان بالروح دون الجسد, ومن مسائل هذه الحادثة العظيمة دلالتها على النبوة, وتحقق المعجزة الباهرة والحجة البالغة فيها, وغير ذلك مما يتصل بها من المسائل.
стр. 2
الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد
روى سعيد بن منصور من طريق سفيان ﵀ عن ابن عباس ﵄ أنه قال في رؤية النبي ﷺ : (هي رؤية عين وليست رؤية منام)، وهذا نص صريح في هذه المسألة، وكأن ابن عباس ﵄ كان يستشعر أنه سيأتي من يقول بهذا القول الضال، وهو: أن النبي ﷺ إنما أسري بروحه فقط ولم يسرَ بجسده، ولم يعرج به إلى السماء.
والعجيب أن أهل التفسير نقلوا عن عائشة ﵂ وعن معاوية ﵁: أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في الإسراء والمعراج، وأنها رؤيا عين وليست رؤيا منام، وهذا يدل على بطلان ما رواه ابن إسحاق ﵀ عن عائشة ومعاوية.
стр. 3
مذاهب أهل البدع في الإسراء والمعراج والرد عليهم
بقي أن نذكر أن بعض أهل البدع قالوا: إن الإسراء حصل بالروح والجسد، وأما المعراج فإنه حصل بالروح فقط؛ وذلك حتى يجمعوا بين العقل وما سمعوه من النصوص، فإنهم يقولون: إنه يمكن للإنسان أن ينتقل في ساعة واحدة من مكة إلى بيت المقدس ثم يعود، وهذا أثبته العلم الحديث؛ حيث ينتقل الإنسان من مكة -مثلاً- إلى بيت المقدس بطائرة ويمكن أن يعود في نفس اليوم، فالعلم الحديث أثبت هذا، قالوا: وأما المعراج الذي يكون فيه اختراق لهذا الفضاء الهائل الكبير فإنه لا يمكن أن يكون بالجسد، وإنما يكون بالروح.
ثم بدءوا يتلمسون بعض الأدلة التي تدل على قولهم، ولا شك أن هذا منهج ضال، ومنهج منحرف؛ لأنه لم يُبنَ بناءً سليماً، لم يُبنَ أصلاً على النص، ولم يبنَ على الدليل الصحيح، وإنما بني على مسألة: هل هذا الأمر يوافق العلم الحديث أو لا يوافقه؟! وحتى النصوص فسروها بغير وجهها الصحيح، فمثلاً: فسر أبو زهرة قول الله : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] قال: هذه رؤيا منامية؛ لأنه قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، ورؤية الفؤاد رؤية معنوية، وليست رؤية حسية، ففهم من الآية فهماً باطلاً، فإن الآية: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] يعني: النبي ﷺ لم يكذب فؤاده ما رآه بعينه، هذا هو المعنى الصحيح في الآية، يعني: فؤاد الرسول ﷺ عندما رأى بعينه ما رأى لم يكذب هذه الرؤية التي كانت بعينه، لكنه نسب الرؤية هنا إلى الفؤاد مباشرة.
ولا شك أن هذا استدلال باطل، وكما قلت: إن مرجعه الأساسي هو تقديم العقل على النقل، ولهم قانون كلي في هذا الباب ذكره الرازي في كتابه (أساس التقديس)؛ فإنه ذكر: أن الدليل العقلي إذا عارض الدليل النقلي، فإما أن نأخذ بالدليلين معاً، وهذا جمع بين النقيضين وهو محال، وإما أن نرد الدليلين معاً، وهذا رد للأدلة ومحال أيضاً، وإما أن نأخذ بالدليل الشرعي وهذا فيه إبطال للعقل، والعقل هو أصل النقل، وبناء على هذا قال: لابد أن نأخذ بالعقل وأن نقدمه على النقل! وماذا يعمل بالنقل؟ قال: النقل إما أن نقول: إنه غير صحيح، يعني: إذا كان هذا كذباً عن النبي ﷺ ، وإما أن نؤوله على سبيل التورع، هكذا قال، وهكذا نص، قال: يؤوله على سبيل التورع؛ فإن الأصل عندهم العقل.
ولا شك أن هذا إلغاء وطي لبساط الشرعية -والعياذ بالله-، وهذا إلغاء للدين بهذا الأسلوب، فإنه لا يوجد شيء واحد اسمه العقل، وإنما هي عقول عند الناس، والعقل الكلي لا وجود له في الخارج، وإنما له وجود في الذهن، ولا وجود له في الخارج على الحقيقة؛ ولهذا هؤلاء يعارضون العقل ويعارضون الشرع بأهوائهم وآرائهم، ويصورون أهواءهم وآراءهم أنها هي العقل الذي يجب أن يؤول الشرع بناءً عليه، وإلى هذه الدرجة أصبحت قيمة النصوص عند هؤلاء.
مع أنه لو قال قائل لأحدهم: هذا النقل عمن جاء؟ عن الرب أو عن كلام النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ والله هو الذي خلق العقل الذي ترد به هذا النقل، وحينئذ يكون هذا إبطال حتى للعقل نفسه الذي امتدحته حيث إنك قدحت في خالقك خالق هذا العقل، قدحت فيه بهذه الطريقة.
ولهذا مثل هؤلاء لا ينبغي أن يناقشوا إلا بالطريقة الشرعية الصحيحة، فإنه وجد من المنتسبين إلى السنة من ناقش هؤلاء بمناهجهم العقلية فألزموهم فالتزموا، فضلوا عندما التزموا بما ألزموهم به، لكن المنهاج الشرعي الصحيح هو أن نقول: إن العقل خلقه الله ، والشرع أنزله الله ، ولا يمكن أن يحصل هناك تعارض بين العقل الذي خلقه الله وبين الشرع الذي نزله الله.
ولهذا أي مسألة يكون فيها تعارض بين النقل والعقل إما أن يكون النقل غير صحيح أو فهمه غير صحيح، أو يكون العقل فاسداً، يعني: لا يتصور أبداً حصول التعارض بين النقل والعقل، مع أن خالق العقل هو الله، ومنزل النقل هو الله ، والله يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] فكيف لا يعلم من خلق؟! وهنا نحب أن ننبه إلى مسألة مهمة جداً وهي: أن النصوص الشرعية مليئة بالأدلة العقلية، يعني: عندما تقرأ في الآيات القرآنية تجد أنها مليئة بالأدلة العقلية، ولا حاجة لنا لعقول هؤلاء.
стр. 4
مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج
بقي عندنا مسألة أخيرة وهي: مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج: مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج كثيرة جداً، يمكن أن نشير إليها إشارة: من مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج: المعجزة، ودلائل النبوة، فإن هذه الحادثة تعتبر من الأدلة على نبوة النبي ﷺ وصدقه؛ ولهذا صدقه أبو بكر ﵁ مباشرة؛ لأنه كان يؤمن به أصلاً كنبي، فإذا كان نبياً يأتيه خبر السماء فمن باب أولى أن نصدقه فيما يقوله من الإعجاز، وفيما يقوله من الدلائل.
كما أن حادثة الإسراء والمعراج تدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه.
وهي تدل كذلك على إثبات الرؤية، وعلى إثبات صفة الكلام لله ، كما تدل على إثبات الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، كما تدل كذلك على إثبات الدجال، وتدل كذلك على خروج يأجوج ومأجوج، وتدل على مسائل كثيرة من مسائل العقيدة، لكن هذه بعض ما ذكرناه في هذا الموضوع.
بقيت مسألة مذكورة في حادثة الإسراء والمعراج، وهي مسألة: هل رأى رسول الله ﷺ ربه بعينه التي في رأسه؟ السلف رضوان الله عليهم ذكر عن بعضهم -ومنهم ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى ربه، وثبت عن ابن عباس أيضاً أنه قال: رأى ربه بقلبه مرتين.
كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها أنكرت رؤية النبي ﷺ لربه.
والتحقيق في هذه المسألة هو ما ذكره عدد من أهل العلم كـ شيخ الإسلام ﵀: أن الآثار الواردة عن ابن عباس في مسألة إثباته لرؤية النبي ﷺ لربه هي آثار مطلقة، ليس فيها تحديد هل كانت الرؤيا بالعين أم بالقلب؟ وهناك أيضاً آثار عن ابن عباس مقيدة، وهو أنه أثبت الرؤية بالقلب، والقاعدة: أنه إذا ورد المطلق والمقيد وموضوعهما واحد يحمل المطلق على المقيد، فالمطلق من كلام ابن عباس هو قوله: إن الرسول ﷺ رأى ربه، فيحمل قوله هذا على المقيد، وهو أنه رآه بقلبه، وليس المقصود الرؤية البصرية.
وأما إنكار عائشة ﵂ لرؤية النبي ﷺ لربه، فالمقصود: أنها أنكرت رؤية العين التي في الرأس، وهذا لا يخالف ما روي عن ابن عباس ﵄.
وبهذا يمكن أن نقول: إن مذهب الصحابة رضوان الله عليهم في هذه القضية واحد.
وهو: أنهم يرون أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه ولم يره بعينه التي في رأسه، وهذا هو التحقيق في هذه المسألة.
وأما قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، فإن بعضهم -مثل ابن عباس ﵄ فسرها: بأن المقصود: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] يعني: رأى ربه.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] يعني: رأى ربه.
وكما قلنا: هذه رواية مطلقة تحمل على المقيدة، لكن التفسير الصحيح لهذه الآية هو ما روي عن جماعة من الصحابة: أن جبريل هو الذي رآه رسول الله ﷺ ، وقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٥ - ٧] هو المقصود بهذه الآيات، حيث إن النبي ﷺ رأى جبريل مرتين: مرة في الأرض، عندما رآه وقد سد الأفق وله ستمائة جناح.
ومرة أخرى: وهو عند سدرة المنتهى كما ذكر ذلك العلماء، ذكر ذلك أبو هريرة وغيره من أهل العلم.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الفقرة التي اشتملت على قضية من قضايا الاعتقاد الطويلة، وهي قضية: الإسراء والمعراج، وسنناقش -إن شاء الله- في الدرس القادم الكلام على الحوض الذي أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 5
العقيدة الطحاوية [٢]
مما يتصل بركن الإيمان باليوم الآخر إثبات الحوض الذي أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ غياثا لأمته, والتصديق بما ورد من صفاته في الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ , خلافًا لمنكريه من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم, ومما يتصل كذلك بالإيمان باليوم الآخر التصديق بالشفاعة الثابتة يوم القيامة للنبي ﷺ ولغيره بأنواعها, العظمى منها فما دونها بشروطها المنصوصة في آيات الكتاب الكريم.
стр. 6
إثبات الحوض
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد: قال الطحاوي رحمه الله تعالى: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق].
هذه الفقرة مشتملة على إثبات الحوض يوم القيامة لنبينا محمد ﷺ ، والحوض: هو مجمع الماء، والحوض ثبت بالأحاديث النبوية التي بلغت حد التواتر، فقد ذكر القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم المسمى: (إكمال المعلم) بأنه رواه خمسة وعشرون نفساً من أصحاب النبي ﷺ ، وزاد عليه النووي في شرح مسلم ثلاثة، وزاد عليهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث الحوض في (فتح الباري) ما يقارب قدر ما ذكروه، فزاد عدد الذين رووا حديث الحوض على خمسين راوياً من الصحابة.
بل إن الحافظ ابن حجر ﵀ ذكر في شرحه: أن بعض المتأخرين أوصل عدد الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض إلى ثمانين راوياً، وقد صنف الحافظ الضياء المقدسي صاحب المختارة كتاباً مستقلاً في أحاديث الحوض، كما أن أحاديث الحوض جمعها البيهقي ﵀ في كتابه: (البعث والنشور)، ورواها جميعاً بأسانيدها، وممن جمع أحاديث الحوض أيضاً الحافظ ابن كثير ﵀ في كتابه (البداية والنهاية)، وكتاب (البداية والنهاية) يعتبر هو المرجع الأساسي لشارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي ﵀، فإن ابن كثير هو شيخه، بل إنه ينقل عنه بالنص كما سيأتي في قضية الشفاعة بإذن الله.
ومما ينبغي أن يتنبه له الإنسان: أن هناك فرقاً بين الكوثر والحوض، فالكوثر: هو نهر بالجنة، وهو الذي أعطاه ربنا لمحمد ﷺ ، كما دلت عليه السورة المشهورة سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ودل على أن هذا الكوثر نهر في الجنة حديث أنس بن مالك ﵁ في صحيح البخاري حيث قال: (لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر)، بل جاء في رواية للبخاري توضح هذه الرواية وهي قوله: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر)، فهذا يدل على أن الكوثر نهر في الجنة، كما روى الترمذي عن ابن عمر ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي حديث عائشة ﵂ في صحيح البخاري في كتاب التفسير في تفسير سورة الكوثر قالت: (هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، وذكرت: (أن عليه دراً مجوفاً، وآنيته كعدد نجوم السماء)، وزاد النسائي: (في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها) الراوي عن عائشة سأل عن بطنان الجنة؟ فقالت: وسطها، يعني: أن نهر الكوثر في وسط الجنة.
لكن روى البخاري عن ابن عباس ﵁ أنه قال في الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه).
فإن قيل: كيف يمكن أن نجمع بين ما ثبت عن النبي ﷺ من أن الكوثر نهر في الجنة وبين كلام ابن عباس الذي دعا له رسول الله ﷺ بعلم التفسير، وهو علم التأويل؟ ف
الجواب
يمكن أن نجمع بما جمع به تلميذ ابن عباس سعيد بن جبير؛ فإنه سأله أبو بشر الراوية عنه فقال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة! يعني: عندما سمع رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد بن جبير: (النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) يعني: فلا إشكال.
ويؤكد كلام سعيد بن جبير ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: (بينما نحن عند النبي ﷺ إذ غفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: نزلت علي سورة آنفاً، وقرأ عليهم سورة الكوثر، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة).
وهذا الحديث الذي
стр. 7
مكان الحوض ووقت الورود عليه
أين ومتى يكون الحوض؟ ذكر بعض العلماء خلافاً في ذلك، وهو القرطبي ﵀ في كتابه (التذكرة) ذكر أن بعض العلماء قال: إن الحوض يكون قبل الصراط وقبل أن توزن الأعمال، وقال آخرون: إن الكوثر يكون بعد الصراط، وهذا هو الصحيح، وطريقة البخاري رحمه في روايته لأحاديث الحوض تدل على ذلك، فإنه بوب في كتاب الرقاق (باب في الحوض) بعد ذكره الشفاعة والصراط، وهذه إشارة منه ﵀ إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، ويدل على ذلك ما رواه أحمد والترمذي عن أنس ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط، قلت: فإن لم أجدك؟ قال: فأنا عند الميزان، قلت: فإن لم أجدك؟ قال: فأنا عند الحوض) وهذا يدل على أن الحوض يكون بعد الميزان وبعد الصراط.
لكن قد يشكل على هذا القول الأحاديث التي وردت أن النبي ﷺ يرى بعض أصحابه ثم يذادون عنه فيقول: (أصيحابي أصيحابي! ثم يقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك).
وإذا كان الحوض بعد الصراط فإن الذي يمر على الصراط إلى الحوض لا بد أن يكون ناجياً، فإنه لا يمكن أن يمر على الصراط ثم يأتي إلى الحوض ثم يذاد ويرجع به إلى النار، فإن من مر على الصراط ونجا منه لا يمكن أن يرجع إليه مرة أخرى.
لكن هذا يجاب عنه: هؤلاء الذين يذادون عن الحوض يراهم النبي ﷺ وقد بقي لهم بقية من الصراط لم يتجاوزوه، ثم يذادون عنه، يعني: يؤخذون إلى النار، ثم ينادي ويقول: (أصيحابي أصيحابي!) وهم لم يتجاوزوا الصراط بأكمله، هذا ما أفاده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
стр. 8
ذكر الخلاف في إثبات أحواض أخرى لبقية الأنبياء ﵈
هل الحوض خاص بالنبي ﷺ أم أن لبقية الأنبياء أحواض؟ المشهور في هذه المسألة هو أن الحوض خاص بالنبي ﷺ ، وورد في ذلك حديث عن النبي ﷺ وهو ما رواه الترمذي من حديث سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل نبي حوضاً، وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارداً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً) لكن هذا الحديث في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف، كما أن فيه انقطاعاً بين الحسن البصري وسمرة بن جندب، وبناءً على هذا يكون هذا الطريق الذي رواه الترمذي طريقاً ضعيفاً، ثم إن الترمذي نفسه قال: إن الصحيح هو المرسل، يعني: المرسل عن الحسن، ورواه ابن أبي الدنيا مرسلاً وصححه الحافظ إلا أن فيه زيادة وهي قوله: (وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته، إلا أنهم يتباهون) إلى آخر الرواية التي سبق أن ذكرناها من رواية الترمذي، وقد رواه الطبراني أيضاً مرفوعاً عن سمرة لكن في إسناده ضعفاً، كما رواه أيضاً ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً وفي إسناده ضعف أيضاً.
ولعل الذين قالوا بأن الحوض خاص بالنبي ﷺ اعتمدوا على أنه لم يوجد دليل صحيح يثبت وجود أحواض أخرى للأنبياء لبقية الأنبياء، لكن هذه الأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وتكون في مرتبة الحديث الحسن، وحينئذٍ يكون للأنبياء أيضاً أحواض أخرى، ولكن أكثرهم وارداً هو حوض النبي ﷺ ، بينما الخاص بالرسول ﷺ هو الكوثر، فإن الكوثر خاص بالنبي ﷺ لأمرين: الأمر الأول: أنه لم يثبت أنه أعطي أحد من الأنبياء مثله.
الأمر الثاني: الامتنان الوارد في السورة، ولا سيما أنه جاء بأسلوب يشبه الحصر، عندما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فإنه لو كان الكوثر أو مثله قد أعطي لغير النبي ﷺ لما كان في هذا امتنان، فلما وجد الامتنان دل على الخصوصية، وأن الكوثر خاص بالنبي ﷺ .
стр. 9
صفة الحوض
أما صفة الحوض فأجمع ما روي في وصفه هو ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها -يعني: من هذه الكيزان- فلا يظمأ أبداً)، وورد في بعض الألفاظ: (من شرب منه -يعني: من الحوض- لا يظمأ أبداً).
فهذه مجموعة من الصفات: الأولى: في طوله، وأن مسيرة شهر.
والثانية: في لونه، وأنه أبيض من اللبن.
والثالثة: في ريحه، وأنه أطيب من المسك.
والرابعة: فيما عليه من الأكواب والكيزان والأباريق، وأنها كنجوم السماء.
والخامسة: وهي أثر هذا الماء الذي يشربه المؤمنون منه، وهو أنه من شرب منه لا يظمأ أبداً.
ومن الأحاديث عن النبي ﷺ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً في صحيح البخاري قال: (إن ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة، ثم قال: ومنبري على حوضي).
والمقصود: قوله: (ومنبري على حوضي) يعني: أن مكان المنبر هو نفسه مكان الحوض بعد تبديل الأرض، فإن الله يبدل الأرض غير الأرض والسماء كذلك تبدل بعد البعث، ثم يكون مكان الحوض هو في نفس مكان المنبر، كما دل عليه هذا الحديث.
كما أن ابن أبي عاصم في (السنة) وابن أبي الدنيا في (الأهوال) رويا من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (وألين من الزبد)، وزاد مسلم من حديث أبي ذر وثوبان: (وأحلى من العسل)، وزاد الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر وابن مسعود: (وأبرد من الثلج).
стр. 10
طول الحوض وعرضه
هذه مجموعة من الصفات الثابتة في صفة الحوض، وقد وردت أحاديث متعددة في طوله وعرضه، وسنأتي على هذه الروايات جميعاً، وظاهرها أن بعضها يختلف عن بعض، لكن ورد في مسألة طوله وعرضه وأنهما سواء حديث عن النبي ﷺ ، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صحيح مسلم وأخرجه الإسماعيلي كذلك (في الجمع بين الصحيحين) عن النبي ﷺ أنه قال: (وزواياه سواء) زواياه: طوله وعرضه سواء، كما جاء في حديث النواس بن سمعان وجابر وأبي برزة وأبي ذر أنه قال: (طوله وعرضه سواء)، وهذا أوضح، قال: (طوله وعرضه سواء).
أما الأحاديث الواردة في مسألة تشبيه طول الحوض، فوردت على ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يدل على أن مسيرة هذا الطول شهر كامل، ومن ذلك حديث أنس ﵁ يرويه عن النبي ﷺ قال: (كما بين أيلة وصنعاء اليمن) وأيلة هي العقبة، وصنعاء اليمن هي المدينة المشهورة، وإنما أضافها إلى اليمن حتى يفرق بينها وبين صنعاء الشام، فإن أهل اليمن عندما غزوا في فتوح الشام سكن كثير منهم مكاناً في دمشق سمي بعد ذلك باسم مدينتهم صنعاء، وإضافة صنعاء اليمن هي إضافة من بعض الرواة كما يذكر ذلك بعض الشراح.
وفي رواية حذيفة بدل صنعاء: عدن، وفي رواية: (ما بين عمان إلى إيلة) وهي نفسها العقبة، وجاء في رواية أبي بردة عند ابن حبان: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين إيلة وصنعاء مسيرة شهر) وهذه المسافات كلها معروف أن مسيرتها مسيرة شهر للراحل بالإبل.
وأما النوع الثاني من الأحاديث الواردة في مسألة الطول: ما يدل على أنها نصف شهر أو دونه، ومن هذه الأحاديث حديث عقبة بن عامر عند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال في طوله: (كما بين أيلة إلى الجحفة) ما بين أيلة إلى الجحفة أقل مما بين أيلة إلى صنعاء.
وفي حديث جابر: (كما بين صنعاء إلى المدينة)، وفي حديث ثوبان: (كما بين عدن وعمان البلقاء) والبلقاء هي مدينة مشهورة في فلسطين، وعند عبد الرزاق في المصنف: (ما بين بصرى إلى صنعاء) وبصرى هي مدينة في أطراف الشام، أو: (ما بين أيلة إلى مكة)، وفي حديث ابن عمر ﵁: (ما بين صنعاء إلى مكة) أو: (ما بين مكة إلى عمان)، وفي حديث الحسن عن أنس عند أحمد: (ما بين صنعاء ومكة) كما سبق أن أشرت.
стр. 11
الجمع بين الروايات التي وردت في ذكر مسافة طول الحوض وعرضه
هذه المسافات التي ذكرناها متقاربة، وهي تدل على أن المسافة نصف شهر تقريباً أو أزيد بقليل أو أنقص بقليل، فهذه نصوص تدل على أن مسافة الحوض شهراً كاملاً، ونصوص أخرى تدل على أن مسافة الحوض نصف شهر فكيف يمكن أن نجمع بين هذه النصوص؟ جمع بينها أهل العلم بطرق متعددة من الجمع نذكر منها: القول الأول: جمع القاضي عياض ﵀ في شرحه لـ مسلم؛ حيث قال: إن هذا الاختلاف هو اختلاف في التقدير، فإن النبي ﷺ كان في كل موضع يحدث فيه عن الحوض، يضرب لهم -يعني: أصحاب النبي ﷺ مثلاً ببعد أقطار الحوض وسعته بما يسنح له من العبارة.
فعند القاضي عياض ليس المقصود هو التحديد، وإنما المقصود هو مجرد التقدير وبيان السعة فقط، ولهذا قد يذكر بعض الأحيان أن مسافته مسافة شهر، وبعض الأحيان يذكر أقل، بحسب ما سنحت له العبارة، هذا جمع القاضي عياض ﵀، ولا شك أن في هذا نظراً، فإن ضرب المثل لا يكون تارة بشيء كثير وتارة بشيء قليل، وإنما يمكن أن يعبر بأنواع متعددة منه، لكن تجتمع في المقدار، فهذا القول فيه ضعف.
القول الثاني في الجمع: هو أن هذا الاختلاف هو لاختلاف الطول والعرض، قالوا: إن بعض الروايات جاءت في الطول وبعضها جاءت في العرض، فما جاء من الروايات أنه يساوي مسيرة شهر فهذا المقصود به الطول؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق: (أن طوله مسيرة شهر)، وما جاء أقل من ذلك فهو في العرض، وهذا جمع بين الأدلة، ولا شك أن هذا أيضاً فيه نظر؛ لأنه سبق أن ذكرنا أن طوله وعرضه سواء.
القول الثالث: هو أن الفرق بين هذه وتلك هو في مسألة السير البطيء والسير السريع، قالوا: إنه إذا نظر إلى السير السريع يكون التقدير ما بين أيلة إلى صنعاء، وإذا نظر إلى السير البطيء يكون أقل من ذلك، لكن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن ظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يرد التفريق بينهما بالسير، وهذا جمع فيه تكلف.
لكن الجمع الصحيح هو ما ذكره النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: فإن النووي ﵀ عندما أراد الجمع بين هذه النصوص قال: إن الأحاديث التي ورد فيها ما بين أيلة إلى الجحفة مثلاً أو ما بين مكة إلى عمان، هذه المسافات القصيرة لا تخالف المسافات الطويلة، فإن المسافة الطويلة تشمل القصيرة وزيادة.
وبناءً على هذا فيكون المعنى: أن النبي ﷺ كان في بداية الأمر يظن أن الحوض من أيلة إلى الجحفة، ثم بعد ذلك أخبر أنه أكثر، وليس هناك تعارض بين الأكثر والأقل، فإن الأقل يدخل في الأكثر، وهذه المسألة تشبه مسألة العام والخاص، فإن العام يشمل الخاص وزيادة، وكذلك الأكثر يشمل الأقل وزيادة، وهذا أيضاً ما رجحه الحافظ ابن حجر ﵀، وهو اختياره، وقال: إنه أقرب إلى الصواب.
لكن يبقى أن نشير إلى أنه ورد في بعض الأحاديث في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال عن مسافته: (كما بين جرداء وأذرح) وجرداء وأذرح هي قريتان في الشام متقاربتان، يذكر أن بينهما مسافة ثلاثة ليال أو ثلاثة أيام، لكن هذه الرواية التي في البخاري بين الضياء المقدسي في كتابه الذي جمع فيه أحاديث الحوض أن فيها غلطاً، واستدل على وجود الغلط برواية أخرى ساقها بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عرضه مثل ما بينكم -يعني: في المدينة- وبين جرداء وأذرح)، وحينئذ فتكون رواية ابن عمر: (أنه ما بين جرداء وأذرح) غلط، وإنما الصحيح أنها: (ما بين المدينة إلى جرداء وأذرح)، فتكون متفقة مع بقية الروايات الأخرى، يقول المقدسي ﵀: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره: (كما بين مقامي وبين جرداء وأذرح)، فسقط قوله: (مقامي وبين)، ودل على ذلك رواية أبي هريرة السابقة.
стр. 12
ذكر منكري الحوض وسبب إنكارهم له
أنكر الخوارج والمعتزلة الحوض، وممن أنكر الحوض كذلك عبيد الله بن زياد، وهو أحد أمراء العراق لـ معاوية وابنه يزيد، فقد أخرج أبو داود عن أبي برزة الأسلمي: أنه دخل على عبيد الله بن زياد فذكر ابن زياد الحوض، فقال: (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر فيه شيئاً؟ فقال أبو برزة: نعم، لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً ولا خمساً، فمن كذب به فلا سقاه الله منه).
ويزيد القصة وضوحاً حديث أنس بن مالك ﵁ الذي رواه أبو يعلى في مسنده قال -يعني: أنس -: دخلت على ابن زياد وهم يذكرون الحوض، فقال: هذا أنس، فقلت: (لقد كانت عجائز المدينة كثيراً ما يسألن ربهن أن يسقيهن من حوض نبيهن) وإسناده صحيح.
وكذلك روى أبو داود من طريق يزيد بن حبان التيمي قال: شهدت زيد بن أرقم وبعث إليه ابن زياد -وهو عبيد الله بن زياد - فقال: (ما أحاديث تبلغني أنك تزعم أن لرسول الله ﷺ حوضاً في الجنة؟ قال: حدثنا بذلك رسول الله ﷺ .
وعبيد الله بن زياد هو من النواصب الذين كانوا يبغضون علي بن أبي طالب، بل ربما تكلم على بعض الصحابة، فلما جاءه عائذ بن عمرو ﵁ وقال له: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن شر الرعاع الحطمة)، وإني أخشى أن تكون منهم، فقال: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد، فقال له عائذ: وهل كان فيهم نخالة؟! إنما كانت النخالة فيمن بعدهم.
يقصده.
فهذه هي مسألة الحوض، والأقوال في هذه المسألة، وإنما أنكره الخوارج والمعتزلة لمخالفته للعقل في زعمهم، فإن لهم أصلاً في باب السمعيات الخبريات التي لا تقبل العقل: يؤولونها جميعاً، فيؤولون الميزان، ويؤولون الصراط، ويؤولون الحساب، ويؤولون الحوض وغير ذلك من السمعيات.
وأما الأشاعرة فإنهم يثبتون الحوض، ويقولون: إن كل السمعيات بعد إثبات النبوة تكون مثبتة، هذا هو أصلهم في هذه القضية.
стр. 13
الشفاعة
قال المؤلف ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار].
الشفاعة: هي طلب الخير للغير بالتوسط عند من لديه حاجة المشفوع له.
стр. 14
أركان الشفاعة
لها ثلاثة أركان: الركن الأول: الشافع وهو الذي يتوسط.
الركن الثاني: المشفوع له، وهو المتوسط له.
الركن الثالث: الشفاعة، وهي فعل الشافع.
стр. 15
أنواع الشفاعة وشروطها
أنواعها نوعان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.
وأما شروطها فشرطان: الشرط الأول: أن يأذن الله للشافع أن يشفع، كما يدل على ذلك قول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد، ويدل على ذلك قول الله : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، مخلصاً من قلبه).
стр. 16
أنواع الشفاعة التي أثبتها الله
والشفاعة التي أثبتها الله أنواع: النوع الأول: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، وهي المقام المحمود الذي يقول الله فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشمس لتدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم موسى ثم بمحمد ﷺ ، فيشفع ليقضي بين الخلق أو ليقضى بين الخلق، فيومئذٍ يبعثه -يعني: الله مقاماً يحمده فيه أهل الجمع كلهم).
أما حديث أبي هريرة الطويل فقد ذكر الشارح ابن أبي العز الحنفي ﵀ أن سياق الحديث في بدايته يدل على أنه في الموقف، فإنهم يأتون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى يطلبون أن يحاسبهم الله ، وأن يخرجهم من هذا الموقف، لكن في ختام الحديث ليس فيه شيء من ذلك، بل فيه أنه بعد أن يسجد ويقول الله له: (ارفع رأسك، سل تعط واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من العذاب من الباب الأيمن من أبواب الجنة)، فليس فيه أنه شفع لهم في الموقف، مع أن أهل العلم يستدلون بهذا الحديث في مسألة الشفاعة العظمى للنبي ﷺ ، ولهذا يقول: والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، ولا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، وهذا الكلام هو نص كلام الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية.
والصحيح أن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على الشفاعة العظمى، وقد استدل به ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) على هذا الأمر، كما استدل به القرطبي في كتابه (التذكرة) على الشفاعة العظمى، ووجه الدلالة في هذه المسألة هي أن الحديث اشتمل في بدايته على طلب الشفاعة، فالنبي ﷺ يقول -كما في حديث أبي هريرة -: (فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟) يعني: فيخرجكم من هذا الموقف، وليس في نهاية الحديث أنه شفع لهم للخروج من الموقف، لكن فيه أن الله يقول: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وفيه بعد ذلك حصول الشفاعة لأهل الكبائر، وهذا يدل على أنهم حوسبوا، فيبدو أن في الحديث اختصاراً، وأن الصحيح هو أن سياق الحديث بأكمله أنه بعد أن جاءوا إلى النبي ﷺ طلب الشفاعة من ربه فشفع للناس، فنزل فحاسب الناس، ثم شفع النبي ﷺ مرة أخرى لدخول من لا حساب عليه ولا عذاب الجنة.
وحينئذٍ فلا حاجة للقول بما قال به الشارح من أن الدليل هو حديث الصور؛ فإن حديث الصور حديث طويل ساقه الشارح بأكمله، وفيه: فيقول : (شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم، قال: فأرجع فأقف مع الناس) يعني: النبي ﷺ ، ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزل الملائكة بالغمام، ثم يجيء الله لفصل القضاء.
وحديث الصور لا يكون مثل حديث أبي هريرة، فإن حديث أبي هريرة أقوى منه، فحديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث الصور تكلم عليه العلماء وقالوا: إن فيه ضعفاً، وفي إسناده إسماعيل بن رافع المدني وهو قاص أهل المدينة، ويبدو أنه ركب الحديث من أحاديث مجموعة وجعلها في سياق واحد، ولهذا ضعف هذا الحديث أهل العلم، وذكروا أن ما وجد فيه من فقرات يشهد لها أحاديث أخرى في الصحيحين أو في غيرها مما ثبت إسناده فهي صحيحة، ووجد فيه ألفاظ منكرة ولا تكون ثابتة، ووجد فيه أشياء لا شواهد لها، وهذه لا تكون صحيحة؛ لضعف إسماعيل بن رافع القاص الذي سبق ذكره.
النوع الثاني من الشفاعة: الشفاعة في دخول أهل الجنة فيها، وهذه الشفاعة ثابتة في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا أول شفيع في الجنة).
وكذلك روى الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد من قبلك).
وهاتان الشفاعتان -الشفاعة الأولى والشفاعة الثانية- خاصتان بالنبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد.
النوع الثالث من أنواع الشفاعة: الشفاعة بتخفيف العذاب عمن يستحق، وهذه الشفاعة هي شفاعة النبي ﷺ في تخ
стр. 17
إثبات شفاعة غير النبي ﷺ
أما شفاعة غير النبي ﷺ فقد وردت الأحاديث الصحيحة أن الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وهو حديث طويل وفيه: (فيقول الله : شفعت الملائكة وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون، ثم لم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين) إلى آخر الحديث، وهو يدل على أن الأنبياء وعلى أن الملائكة والمؤمنين يشفعون يوم القيامة.
كما أنه ورد في الصحيح إثبات شفاعة الشهداء، وفي ذلك حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : (للشهيد عند الله ست خصال: -ومنها- ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه) وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده والآجري في الشريعة، وهو صحيح.
وورد كذلك شفاعة الصيام والقرآن، فقد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته من نومة بالليل فشفعني فيه، فيشفعان) وهذا الحديث إسناده صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم وصححه وقال: على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه كذلك المنذري.
هذه هي الشفاعة المثبتة.
стр. 18
الشفاعة المنفية
وأما الشفاعة المنفية: فهي الشفاعة الشركية، ويمكن أن نتحدث عن هذا الموضوع في نقاط، منها: حكم طلب الشفاعة من الرسول ﷺ .
стр. 19
حكم طلب الشفاعة من الرسول ﷺ والتوسل به
طلب الشفاعة من الرسول ﷺ هو أن يقول الإنسان: يا رسول الله! اشفع لي، فإن هناك فرقاً بين أن يقول الإنسان: اللهم شفع نبيك محمداً ﷺ في، وبين أن يقول: يا رسول الله! اشفع لي، فإذا قال: اللهم، هذا دعاء لله وليس فيه إشكال، وإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، فإن طلب الشفاعة من الرسول ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أقسام بحسب الدور: ففي الدنيا يصح للإنسان أن يأتي إلى النبي ﷺ ويطلب منه الشفاعة، والمقصود بالشفاعة حينئذ الدعاء، ولا إشكال في ذلك.
وأما طلب الشفاعة من النبي ﷺ في البرزخ فإنه لا يجوز، وهو إما بدعة وإما شرك، فإنه طلب من الغائب أن يشفع له فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فإن الشفاعة ملك لله ، كما قال الله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فالشفاعة ملك خاص لله لا يجوز أن تطلب إلا منه، لكن قد يقول قائل: إن الله أعطى النبي ﷺ الشفاعة، فإذا أعطى الله النبي ﷺ الشفاعة فلماذا لا نطلبها منه الآن؟ والجواب على هذا هو أن يقال: إن الله أعطى النبي ﷺ الشفاعة في الآخرة بعد أحداث، وبعد أن يستأذن من الله ، وأما في الدنيا وفي البرزخ فلم يعطه شيئاً من الشفاعة، بل هي ملك لله ، فإذا طلبها الإنسان من غير الله فهو يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، وهذا من الشرك.
وأما الحالة الثالثة فهي أن يطلب الشفاعة من النبي ﷺ يوم القيامة، وهذا لا إشكال فيه، فإنه يطلب الشفاعة والدعاء من حي ينظر إليه ويستطيع أن يدعو له، ولهذا لا يصح للقبوريين أن يستدلوا: بأن الناس يوم القيامة يأتون إلى آدم وإلى نوح وإلى إبراهيم وإلى موسى وعيسى ويأتون إلى النبي ﷺ فيستغيثون به، فإن الاستغاثة هذه استغاثة فيما يقدرون عليه وهو الدعاء، ولا إشكال في ذلك، وهذا من جنس أن يطلب الإنسان من مخلوق في الدنيا ما يستطيع عليه، والشرك هو أن يطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ، فإذا طلب الإنسان من مخلوق شيئاً من الأشياء يقدر عليه المخلوق فلا إشكال في هذا، وهذه الصورة لا إشكال فيها، وإنما الذي يدخله الشرك أو هو الشرك بعينه أن يطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله .
والمسألة الثانية: التوسل بالنبي ﷺ ، والتوسل بالنبي ﷺ إذا أطلقه القبوريون فهم يريدون به استغاثة الرسول ﷺ ، فإذا قالوا: نحن نتوسل بالرسول ﷺ ، فإنهم يقصدون الاستغاثة بالرسول ﷺ ، وهي دعاؤه فيما لا يقدر عليه إلا الله ، وهذا من الشرك.
стр. 20
التوسل المشروع
وأما التوسل المشروع فإنه ثلاثة أنواع: النوع الأول: التوسل بأسماء الله تعالى كما قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
النوع الثاني: التوسل بالعمل الصالح، كما يدل عليه خبر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وكل واحد منهم سأل الله بصالح عمله.
النوع الثالث: التوسل بدعاء الصالحين، وهذا ما يدل عليه حديث الأعمى المشهور: (أنه جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو له، فدعا له، ثم قال: اللهم شفعه في)، وهذا توسل بدعاء النبي ﷺ ، وهو يدل على جواز التوسل بدعاء الصالحين عموماً، وقد فعله الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ وغيره.
وأما الحديث المشهور الذي فيه الدعاء: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي) إلى آخر الحديث، فهذا الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ ، بل هو حديث ضعيف، يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن العلماء أجمعوا على ضعفه، فإن في إسناده فضيل بن مرزوق وهو ضعيف، وفيه أيضاً عطية العوفي، قال ابن حبان: إنه كان يسمع من أبي سعيد الخدري، ثم لما مات أبو سعيد ذهب فأصبح يطلب العلم من الكلبي، والكلبي وضاع كذاب، فكناه بـ أبي سعيد، فإذا سأله أحد عن الحديث: من حدثك؟ قال: حدثني أبو سعيد، فيفهم المستمع أن أبا سعيد الخدري هو الذي حدثه، وفي الحقيقة أن الذي حدثه هو الكلبي، لكنه دلسه بهذه الطريقة، ولا يصح هذا الحديث بأي وجه من الوجوه.
وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن الشفاعة بشكل مجمل، وفي اللقاء القادم إن شاء الله سنتحدث عن مسائل أخرى بإذنه تعالى.
стр. 21
الأسئلة
стр. 22
المقصود بقوله ﵇ عن الحوض: (زواياه سواء)
السؤال
هل المقصود بقوله: (زواياه سواء): أن الحوض مربع أو مستطيل؟
الجواب
المقصود به: أنه مربع؛ لأن تساوي الزوايا يدل على أنه مربع.
стр. 23
عموم الشفاعة العظمى لكل الناس
السؤال
الشفاعة العظمى هل هي عامة لجميع الخلق أم هي خاصة للمؤمنين الموحدين فقط؟
الجواب
الشفاعة العظمى عامة لجميع الناس، وهي من أجل أن يأتي الله لفصل القضاء، وهذه عامة للمسلمين والكفار.
стр. 24
عصمة الأنبياء
السؤال
الأنبياء معصومون من الخطأ، ولكن في يوم القيامة كل نبي يعد خطأه، فما توجيه ذلك؟
الجواب
ليس هناك مانع من أن يخطئ النبي في غير الوحي، فإن الوحي لا يخطئ فيه النبي، لكن غير الوحي يمكن أن يحصل منه الخطأ، فإذا حصل منه الخطأ فإنه يتوب منه في الدنيا، وأما الكبائر فإنهم معصومون منها.
стр. 25
عموم الشفاعة لأصحاب الصغائر والكبائر
السؤال
هل الشفاعة تشمل أصحاب الكبائر أم هي فقط لأصحاب الصغائر؟
الجواب
الشفاعة تشمل أصحاب الكبائر وأصحاب الصغائر أيضاً.
стр. 26
حكم قول: اللهم أدخلني الجنة من دون شفاعة النبي ﷺ
السؤال
من يقول: اللهم أدخلني الجنة ولا تدخلني النار، وأدخلني الجنة من دون شفاعة نبيك محمد ﷺ ، هل هذا الدعاء صحيح، علماً أنه يقصد بذلك: أي بأعماله، وقبل ذلك برحمة الله؟
الجواب
ليس هناك داع للدعاء بهذه الطريقة السيئة، يعني: كونه يقول: اللهم أدخلني الجنة من دون شفاعة النبي ﷺ ، هذا دعاء عجيب! وهو على كل حال من الاعتداء في الدعاء، والواجب أن يدعو الإنسان ربه بأن يدخله الجنة ويعيذه من النار، ولا يتشرط بهذا الأسلوب الغريب.
стр. 27
كيفية الرؤية القلبية
السؤال
كيف رأى النبي ﷺ ربه بقلبه؟ وهل القلب يرى؟
الجواب
سبق أن بينا أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه، والمقصود بالرؤيا هنا رؤيا قلبية، وهي نوع من أنواع الكشف؛ كشف قلبي يعرف الإنسان به ربه، وليس المقصود به رؤية بصرية كما سبق.
وأما هل القلب يرى؟ فنعم يرى، له رؤية خاصة به وليست مثل رؤية العين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 28
العقيدة الطحاوية [٣]
يعتقد أهل السنة والجماعة أخذ الله تعالى الميثاق من ذرية آدم واستنطاقهم وإشهادهم على ربوبيته لهم, كما يعتقدون وجوب الإيمان بالقدر ومراتبه وما تضمنته كل مرتبة من مسائل, خلافًا لمن ضل فيه وفي مراتبه من القدرية والجبرية والفلاسفة ونحوهم, وأنه سر الله تعالى في خلقه لا يخوض فيه إلا من زلت به القدم, كما يعتقدون إثبات العرش والكرسي وإثبات علو الله تعالى على خلقه, وإثبات صفة المحبة له تعالى, والإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة لهداية الخلق.
стр. 29
الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق].
أخذ الله من ظهر آدم ذريته، وجمعهم في مكان واحد، واستنطقهم ، وأشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] فقال الله لهم: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وهذا الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم من ظهر آدم هو قبل أن يخلق الناس، والميثاق فيه أربع مسائل كبار: المسألة الأولى: مسألة الفطرة، والمسألة الثانية: مسألة الأرواح، والمسألة الثالثة: مسألة القدر، والمسألة الرابعة: مسألة قيام الحجة.
والشيخ أبو جعفر الطحاوي ﵀ أوردها في صدر الكلام على القدر، كأنه يشير إلى أن الميثاق نوع من أنواع القدر المكتوب، كما سيأتي ذكره.
ويدل على الميثاق قول الله في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، والإشهاد والاستنطاق وأخذ الميثاق أمر متفق عليه بين السلف الصالح رضوان الله عليهم، إلا أنهم اختلفوا في مسألة: هل آية الأعراف تدل على هذا الأمر الذي هو أمر الميثاق وإخراج الذرية واستنطاقهم وإشهادهم، أو أنها لا تدل؟ أما استنطاقهم وإخراجهم وإشهادهم على أنفسهم فقد دلت عليه جملة من الأحاديث، منها حديث عمر بن الخطاب ﵁، وحديث ابن عمر ﵁، وحديث أبي هريرة ﵁، وحديث أنس بن مالك ﵁، وكل هذه الأحاديث منصوصة في كتب أهل العلم في المسانيد والسنن والجوامع، وهي وإن كان كثير من طرقها فيه ضعف إلا أن بعضها يجبر بعضاً، وقد جمع طرقها الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة واستفاض في تخريجها وأطال رحمه الله تعالى.
ويمكن أن نذكر من هذه الأحاديث حديث ابن عباس ﵁، وهو قوله: قال رسول ﷺ : (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان -يعني: بعرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كليهم قبلاً، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] إلى آخر الآيات).
وكذلك روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب ﵁ نحو ما رواه عن ابن عباس، إلا أنه زاد: (إن الله مسح ظهر آدم بيمينه واستخرج منها ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار) ونحو ذلك من الأحاديث التي تدل على أن الله استخرج من ظهر آدم ذريته، وأشهدهم على أنفسهم.
لكن اختلف السلف الصالح رضوان الله عليهم في آية الأعراف، هل هي نفسها المقصودة في الأحاديث؟ يعني: هل الأحاديث وآية الأعراف شيء واحد، أم أن الآية تدل على معنى والأحاديث تدل على معنى آخر؟ جمهور أهل العلم يقولون: إن الآية هي نفسها المرادة في الأحاديث، ولهذا جاء نصها في حديث ابن عباس ﵁ كما سبق.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم في كتابه الروح وأيضاً وافقهما الشارح يرون أن الآية التي في سورة الأعراف لا توافق الأحاديث الواردة في استخراج الذرية وإشهادهم على أنفسهم وإقرارهم بذلك.
وهذه المسألة التي في تفسير الآية الخلاف فيها سهل وبسيط، لكن أهل العلم اتفقوا على مسائل الاعتقاد التي تضمنها هذا الميثاق الوارد في الأحاديث، فقد اتفقوا على أن الميثاق يدل على الفطرة، ويدل على أن الله خلق كل ا
стр. 30
الإيمان بالقدر
ثم بعد ذلك شرع الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في الكلام على القدر فقال: [وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه].
ثم ذكر بعد ذلك فقرات متعددة كل هذه الفقرات يجمعها أنها في موضوع القدر، يعني: من فقرة (٥٠) إلى فقرة (٦٠) تقريباً هذه كلها في موضوعات القدر، ويمكن أن نذكر الموضوعات الأساسية في القدر ثم نعرض لهذه الفقرات، ونطبقها على ما نذكره إن شاء الله.
والإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، كما جاء ذلك في حديث جبريل عندما سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، فالقدر ركن من أركان الإيمان، كما أن القدر يعتبر من الإيمان بالله ؛ فإن خلاصة القدر هو: الإيمان بصفات الله ؛ الإيمان بالعلم والقدرة والإرادة والخلق، وكل ذلك سيأتي بيانه وتفصيله.
فالإيمان بالقدر متعلق بالإيمان بالله ، وبالذات بتوحيد الأسماء والصفات، ولهذا تساءل البعض: لماذا لم يرد ركن الإيمان بالقدر في القرآن؟ والجواب عن هذا: أنه ورد في القرآن مفرداً عن بقية الأركان، كما قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] هذا أمر.
والأمر الثاني: أنه حتى لو لم يرد هذا الركن منفصلاً فهو تابع لركن الإيمان بالله، فإن القدر كما سبق أن بينا متعلق بالإيمان بالله؛ لأن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بربوبية الله والإيمان بإلوهية الله، والإيمان بأسماء الله وصفاته، ومن الإيمان بأسماء الله وصفاته الإيمان بالقدر، فإن القدر يعود إلى توحيد الأسماء الصفات، كما سيأتي في مراتبه إن شاء الله.
стр. 31
مراتب القدر
القدر له أربع مراتب:
стр. 32
المرتبة الأولى: العلم
المرتبة الأولى: مرتبة العلم، والعلم صفة من صفات الله ، فإن الله عالم بكل شيء، عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو عالم بآجال الناس وأعمالهم وأرزاقهم، وهو عالم بكل شيء ولا يغيب عنه شيء.
والعلم من الصفات الثبوتية لله ، فإن الصفات تنقسم إلى قسمين: الصفات السلبية: وهي التي نفاها الله عن نفسه؛ كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].
والصفات الثبوتية: وهي ما أثبته الله لنفسه.
فصفة العلم هي من الصفات الثبوتية، والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: صفات فعلية وصفات ذاتية، والضابط في التفريق بينهما هو: أن الصفات الفعلية هي ما تعلق بمشيئة الله وإرادته، وأما الصفات الثبوتية فهي الذي لا ينفك عن الله بأي وجه من الوجوه، وليس متعلقاً بالإرادة.
فصفة العلم صفة ثبوتية ذاتية متعلقة بالله ، لكن قد يقول قائل: ما هو الدليل على تقسيم الصفات؟ فنقول: الدليل على تقسيم الصفات هو أن هذه الصفات أصلاً موجودة في القرآن بمعناها، فمعنى الصفات الفعلية هو موجود، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، فهذا يدل على أنه استوى وقبل ذلك لم يكن مستوياً، فلما خلق العرش استوى ، وهذه صفة فعلية متعلقة بإرادته ومشيئته، وصفة العلم متعلقة بالله ؛ فإن العلم لا ينفك عنه بوجه من الوجوه، ولهذا لا يمكن أن يكون الله يوماً من الأيام جاهلاً ومرة أخرى عالماً هذا لا يقوله أي مسلم، وصفة العلم يمكن أن نأخذها من اسم الله العليم، فإن القاعدة: أن كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة؛ فالعليم يتضمن صفة العلم، ومما يدل على هذه الصفة في القرآن قول الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فهذه الآية وغيرها من الآيات تدل على إثبات صفة العلم لله ، وأهل السنة يثبتون هذه الصفة التي هي العلم، ويقولون: إنه عالم بالماضي والمستقبل، وإن علمه شامل لكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا يعتريه نسيان ولا جهل بأي وجه من الوجوه.
стр. 33
الفرق التي ضلت في إثبات مرتبة العلم والرد عليهم
أما المذاهب الضالة في موضوع العلم فهي على أنواع: الفرقة الأولى: الفلاسفة، والفلاسفة جمع فيلسوف، وفيلسوف كلمة يونانية مركبة من كلمتين: من (فيلا) و (سوف) يعني: محب الحكمة، والفلاسفة نوعان: فلاسفة اليونان: مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط وجالينيوس وغيرهم من الفلاسفة.
وهناك فلاسفة يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، والحقيقة أنه ليس في الإسلام فلسفة، لكن نسبوا إلى الإسلام؛ لأنهم ينتسبون إليه، مثل: ابن سينا والفارابي والكندي، فهؤلاء الفلاسفة ضلوا في صفة العلم، فقالوا: إن الله إنما يعلم الكليات فقط، وأما الجزئيات فلا يعلمها، وهذا أحد الأسباب التي جعلت الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) يكفرهم بسببه، فإن الغزالي كفرهم في كتابه (تهافت الفلاسفة) بثلاثة أسباب: السبب الأول: أنهم قالوا: إن الله إنما يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات.
السبب الثاني: إنكارهم للنبوة.
السبب الثالث: أنهم أنكروا المعاد الجسماني، وقالوا: إن الناس لا يبعثون من قبورهم.
ويمكن أن يرد عليهم بآية في كتاب الله وهي قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يعني: عقلاً لا يتصور أن يخلق الله خلقاً لا يعرفه، فإن من يخلق الشيء لابد أن يعرفه، فكيف يقال: إن الله خلق الخلق ثم لا يعرف ما فيه إلا الكليات؟! وهم أصلاً ضالون في صفة الخلق، فإنهم يقولون: إن الخلق لم يحصل بإرادة الرب ، وإنما صدر الخلق عن الله صدوراً مثل الشعاع عندما ينفصل عن الشمس، ولهذا يعتقدون أن الخلق قديم، وأن الخلق له جزء من صفة الباري! هكذا يعتقدون، وهم ضالون في ذلك، وكفرهم وضلالهم واضح.
الفرقة الثانية: هم القدرية الأولى، فإن القدرية الأولى يقولون: إن الله لا يعلم الفعل من العبد قبل وقوعه، وإنما يعلمه بعد أن يقع، وأول من قال بهذا رجل نصراني ظهر في البصرة في العراق يسمى سوسن النصراني أظهر الإسلام، ثم بعد ذلك تأثر به معبد الجهني، وأخذها عن معبد غيلان الدمشقي، والذي يدل على أن معبداً أخذها من سوسن النصراني هو حديث يحيى بن يعمر الثابت في صحيح مسلم وفيه: أنه ذهب هو وحميد بن عبد الرحمن الحميري والتقيا بـ ابن عمر ﵁ في عرفة وكان حاجاً، فقالا له: إنه ظهر عندنا بالبصرة رجل يقال له: معبد، ينكر القدر ويقول: إن الأمر أنف، فـ معبد الجهني كان هو وغيلان وسوسن الذي قبله ينكرون علم الله بالفعل قبل وقوعه، وإنما يقولون: إنه يعلم الفعل بعد وقوعه، وهؤلاء كفرهم السلف رضوان الله عليهم، لكن هؤلاء انقرضوا، ولم يبقوا بعد ذلك.
الفرقة الثالثة: المعتزلة: والمعتزلة أخذوا هذا الفكر عن القدرية، ولا شك أن عقيدة القدرية الذين ينكرون علم الله باطلة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، فقوله: ((وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)) يدل على أنه عالم بالماضي والمستقبل، عالم بالفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، كما سيأتي في الكلام على عقيدة الأشاعرة في هذا الأمر.
فالمعتزلة هم خلف القدرية، وجاء بعد معبد الجهني غيلان الدمشقي، ثم غيلان الدمشقي قتله هشام بن عبد الملك كما هو مشهور، وقيل: قتله عمر بن عبد العزيز.
ثم بعد ذلك ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وأخذوا ضمن ما أخذوا إنكار القدر عن معبد، لكن بشكل أقل غلواً من أولئك؛ فقد أثبتوا صفة العلم لله ، لكنهم أنكروا الكتابة، وأنكروا الإرادة، وأنكروا خلق أفعال العباد كما سيأتي مفصلاً بإذنه تعالى.
والمعتزلة وإن كانوا يثبتون صفة العلم، إلا أنهم يقولون: إن الله عليم بلا علم، كما يقولون: سميع بلا سمع، ويقولون: إن علمه هو ذاته، وقالوا بهذا القول هروباً من شبهة تعدد القدماء؛ فإنهم يعتقدون أن أخص وصف للإله أن يكون قديماً، والقديم لا يقبل التعدد عندهم، فإنهم يقولون: لو أثبتنا -مثلاً- للباري صفة العلم وأثبتنا له صفة الإرادة وأثبتنا له صفة الكلام فإنه يلزم في كل صفة من هذه الصفات أن تكون قديمة؛ لأن الإله قديم، ومادام يلزم أن تكون هذه الصفة قديمة فمعنى هذا: أنه لابد أن يكون لهذه الصفة سمع وبصر وعلم، فأصبحت إلهاً آخر، ولهذا أصبح عندنا آلهة متعددة، فيقولون: إذا أثبتنا الصفات أثبتن
стр. 34
المرتبة الثانية: الكتابة
المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر: مرتبة الكتابة، وهذه المرتبة متعلقة بصفة القدرة، ويدل على هذه المرتبة من القرآن قول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ﴾ [الأنعام:٣٨]، وللسلف رضوان الله عليهم في تفسير الكتاب هنا رأيان: الرأي الأول: أن المقصود بالكتاب: اللوح المحفوظ.
والرأي الثاني: أن المقصود به: القرآن.
لكن يبدو أن المقصود به اللوح المحفوظ كما ذكره غير واحد من السلف.
ومما يدل على ذلك -وهو أوضح من الاستدلال السابق- قول الله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، وهذا نص على أن الله خلق السماوات والأرض وأن ذلك في كتاب، ويقول الله : ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥].
ومرتبة الكتابة أنواع: النوع الأول: الكتابة العامة، ويدل عليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء).
النوع الثاني: التقدير أو الكتابة حين أخذ الميثاق، وقد ذكرنا ذلك في حديث عمر بن الخطاب.
النوع الثالث: هي الكتابة العمرية أو التقدير العمري، ويدل عليه حديث ابن مسعود ﵁ عندما قال: حدثني الصادق المصدوق إلى أن قال: (ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد)، فهذه كتابة عمرية، يعني: متعلقة بعمر الإنسان كله.
النوع الرابع: التقدير أو الكتابة التي تحصل في ليلة القدر، فإن الله يقول عنها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].
النوع الخامس: الكتابة أو التقدير اليومي؛ كما قال الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، وكما قال النبي ﷺ في هذه الآية: (من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويخفض آخرين)، وهذه الكتابة كما تلاحظون ثابتة بالقرآن والسنة، والمكتوب في هذه الكتابة هو ما علمه ، وعلمه لا يحده حد، فهو يعلم الماضي ويعلم المستقبل، يعلم كل شيء ، فقد علم ما سيفعله العباد قبل أن يفعلوه، وكتب ما علمه من فعل العباد الذي سيفعلونه قبل أن يفعلوه، وهذا من علمه الشامل التام، وهذه المرتبة ينكرها المعتزلة القدرية، ويثبتها الجبرية بكل طوائفهم، وسيأتي الإشارة إلى هذه الطوائف في المرتبة الرابعة.
стр. 35
المرتبة الثالثة: المشيئة
المرتبة الثالثة: هي مرتبة المشيئة والإرادة، يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦]، ويقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤]، وإثبات إرادة الله في النصوص كثيرة جداً، وأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله مريد بإرادة شاملة عامة لا يحدها حد.
وأما المعتزلة فإنهم يقولون: إن إرادة الله إنما تكون في الخير فقط، وأما الشر فإن الله لا يريده، والسبب في ضلال المعتزلة في هذه المسألة: هو أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فإن الإرادة الكونية هي ما أراده الله أن يكون في خلقه، ولا يمكن أن يحصل شيء في مخلوقات الله وهو لم يرده، فهي موافقة لصفة الخلق، فكل شيء خلقه الله فقد أراده قبل أن يخلقه.
وأما الإرادة الثانية فهي الإرادة الشرعية، والإرادة الشرعية المقصود بها: ما أمر الله به العباد وأوجبه عليهم وما أراده الله منهم، بمعنى: أحب أن يفعلوه، فلما لم يفرق المعتزلة بين هذين ظنوا أن الإرادة لابد أن تكون محبوبة لله ، فلما ظنوا هذا الظن قالوا: كيف إذاً يريد الكفر مع أنه يقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]؟ فلا يمكن أن يحصل منه أنه يريد الكفر وهو في نفس الوقت يكرهه، ولهذا يتساءلون بتساؤل مشهور وهو: كيف يريد الله تعالى أمراً ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يريده ثم يبغضه؟ يقولون: كيف يريد الله شيئاً من الأشياء، ثم يبغض هذا الشيء؟ وكيف يريد الله أمراً من الأمور ثم ينهى عنه وهو مريده؟ فلم يتصوروا أن المراد نوعان: نوع مراد لذاته، وهذه هي الإرادة الشرعية التي أرادها الله من العباد.
ونوع مراد لغيره، يعني: ليس مراداً لذاته، وإنما هو مراد لغيره، وهذه هي الإرادة الكونية، فإن الله خلق الكفر وخلق القبائح في الكون وقد أرادها ، بمعنى: أنه خلقها، لكن جعلها للابتلاء والامتحان والاختبار، ولم يخلقها الله وهو محب لها كما ظن المعتزلة، ولهذا ينقل كثير من أهل العلم مناظرات بين المعتزلة وبعض أئمة أهل السنة، وعندما يحصل النقاش بينهم إذا ذكر أحدهم هذا التساؤل وهو: كيف يريد الله شيئاً ثم يبغضه؟ فيرد عليه السلفي بقوله: إنه لا يمكن أن يكون في كونه ما لا يريد؛ لأن المعتزلة يقولون: إن الله لم يرد الشر ولم يرد الكفر، وأن الكفر حصل من الكفار بغير إرادة الله! هكذا يزعمون، ولا شك أن في هذا تنقيصاً لأفعال الله وقدرته؛ لأنهم يقولون: إن الكافر كفر بإرادته هو والله لم يرد هذا، فكأن الكافر غلب الله فحصلت إرادته! ولهذا سماهم السلف: مشبهة الأفعال؛ حيث شبهوا الله بخلقه، وهذا قدح في التوحيد الذي يظنون أنهم يدافعون عنه بمثل هذه العقائد الفاسدة.
стр. 36
المرتبة الرابعة: الخلق
المرتبة الرابعة: مرتبة خلق أفعال العباد، يقول الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠٢]، فقوله : ((خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) يشمل أفعال العباد، ويقول الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، ويقول الله : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣]، ويقول: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] يعني: الذي خلق و (ما) موصولة تعم، وعقيدة أهل السنة: أن الله خالق العباد وأفعالهم، ومما خلق من أفعال العباد إرادتهم وأنهم يفعلون الفعل عن إرادة واختيار.
وآراء الفرق في هذه المسألة يمكن أن نقسمها إلى رأيين مشهورين: الرأي الأول: رأي القدرية، وهم المعتزلة.
والرأي الثاني: رأي الجبرية.
فأما المعتزلة فقالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وإن العباد يحدثون أفعالهم، واختلفوا هل يصح أن نسمي العبد خالقاً لفعله أو أنه محدث له؟ فأما المتقدمون فلقربهم من عهد السلف كانوا يتجنبون اسم الخلق ويقولون: إنه محدث لفعله، وأما المتأخرون فإنهم ينصون على أنه خالق لفعله حقيقة، وقال المعتزلة بهذا بسبب هو أنهم يريدون أن يفروا من الجبر، وأن الله لم يجبر العباد على شيء من الأعمال، ولهذا يسميهم كثير من الكتاب المعاصرين: أتباع حرية الإرادة، يعني: الذين يطالبون بأن يكون الإنسان حراً مختاراً مريداً، والحقيقة أن الله خالق لأفعال العباد وليس في هذا جبر عليهم، فإن مما خلق إرادتهم التي يريدون بها والتي يختارون بها، فإرادتهم مخلوقة له ، ومشيئتهم مخلوقة لله ، لكن طبيعة هذه الإرادة هي أنهم يختارون ما يشاءون من غير جبر، ويتركون ما يشاءون من غير جبر، وأما الكتابة السابقة فإنه لا يوجد فيها جبر، وإنما الكتابة التي كتبها الله هي ما علمه ، والله علمه واسع يشمل السابق واللاحق ويشمل كل شيء، ومما علم هو أن العبد سيختار الكفر أو سيختار الإيمان، فكتب ما علمه، ولهذا لا حجة للجبرية في كون الله خالق لأفعال العباد، ولا حجة للقدرية في كونه خالق لأفعال العباد فيما وصلوا إليه من القولين المتناقضين، فهما يعني: أصل دعواهما واحدة، لكن لكل طائفة قول غير قول الطائفة الأخرى.
أما الجبرية فإنهم على نوعين: جبرية خالصة، وهم الجهمية الأولون.
وجبرية تسمى جبرية جزئية وهم جبرية الأشاعرة.
فأما الجبرية الخالصة فإنهم قالوا: إن العبد مجبور على فعل نفسه، كما قال جهم، وإن العبد مثل الريشة في مهب الريح، وإن أفعاله كلها اضطرارية، وليس فيها شيء اختياري، وإن العبد إذا فعل ما فعل إنما يفعله عن جبر وليس عن اختيار، وصار لهذا الرأي قبول عند المتأخرين من الصوفية ونحوهم؛ فإنهم يعتقدون أن العبد مجبور على فعل نفسه، وأنه ليس له اختيار فيما يفعله، ولهذا يعتقدون أن الأفعال التي يفعلها العبد هي أفعال صالحة؛ لأن الله يحبها، هكذا يظنون، فلما جاءت معها عقيدة وحدة الوجود، أصبح فعل العبد هو نفسه فعل الله عندهم، ولهذا يقول ابن عربي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ويقول: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف يعني: كيف يكلف؟ ولهذا كثير منهم يعتقد أن النصارى إنما وقع منهم الشرك لأنهم حددوا إلهاً معيناً، والواجب أن يكون كل شيء إلهاً! يعني: أنهم أكثر غلواً من النصارى وأكثر غلواً من اليهود، وهذه عقيدة ابن عربي وابن سبعين وغيرهم من الصوفية الملاحدة، وهم الذين يسمون بفلاسفة الصوفية.
وأما الأشاعرة فكما هي حالهم في كثير من مسائل العقيدة: يأتون ويريدون التوسط، ثم يضطربون ويميلون في آخر المطاف إلى أحد المذاهب الباطلة، فهم أرادوا التوسط بين مذهب القدرية ومذهب الجبرية، فأثبتوا أن الله خالق لأفعال العباد، فوافقوا السلف في هذا، ثم أرادوا أن يثبتوا للعبد فعلاً معها فتورطوا كيف يجمعون بين كون الله خالق لفعل العبد، وبين كون العبد له فعل، فتوصلوا في النهاية إلى أن العبد له شيء سموه كسباً، والكسب هذا عند التحقيق وعند تحرير مذهبهم لا شيء، وإنما هو اسم الفعل، ولهذا شبهه إمام من أئمتهم وهو أبو منصور البغدادي في كتابه (أصول الدين) بأنه مثل الرجل الكبير الذي يحمل صخرة ومعه طفل صغير يحمل معه هذه الصخرة، ولو أن الطفل الصغير ما حملها لحملها الكبير، فلما حملها معه الصغير سمي حاملاً؛ لأنه يحملها معه، لكنه في الحقيقة ليس بحامل، وهذه هي عقيدة الأشاعرة في موضوع الكسب، ولهذا يقول أحد أئمتهم وهو الأيجي في كتاب له اسمه (المواقف): الجبرية نوعان: جبرية خالصة، وهم ال
стр. 37
وجوب الإيمان بالقدر وعدم الخوض فيه
ويمكن أن نمر على فقرات من موضوع القدر، ثم نعلق عليها، ثم ننتقل إلى الكلام في مسألة العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله].
وهذا سبق أن أشرنا إليه، وذكرنا أن الله قد كتب أعمال العباد جميعها.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه].
والسبب في كونه سر الله تعالى: أنه متعلق بصفة العلم، وصفة العلم لا نعلمها نحن، ولهذا الذين يحتجون بالقدر على المعائب ويقولون: إن الله كتب علينا الأخطاء، هؤلاء اعتقادهم اعتقاد فاسد وباطل، والسبب في هذا هو: أنهم لا يعلمون ماذا كتب لهم أصلاً؛ فهو سر من الأسرار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان].
ولهذا نهى النبي ﷺ الصحابة الذين كانوا يتناظرون في القدر، خرج عليهم وهو مغضب ووجهه أحمر كأنما فقع في وجهه حب الرمان، فقال: (أتضربون كتاب الله بعضه ببعض؟!) ونهاهم عن ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودرجة الطغيان، الحذر كل الحذر! من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين].
ومن الطرائف في الحقيقة التي تذكر في هذا: أن أعرابياً جاء إلى عمرو بن عبيد، وعمرو بن عبيد من المعتزلة الذين يقولون: إن الله لم يرد الشر، وإنما حصل الشر بغير إرادته، فجاءه أعرابي وهو في بيته، وقال له: ضاعت إبلي فادع الله لي، وكان بين طلابه، فرفع يديه وقال: اللهم إنك لم ترد أن تضيع إبل فلان فردها إليه، فقال: لا حاجة لي بدعائك، قال: لماذا؟ قال: لأني أخشى أن يريد أن ترجع فلا ترجع، مادام أنه لم يرد أن تضيع فضاعت! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود].
والمقصود بالعلم المفقود هو علم الغيب، مثل حقائق أسماء الله وصفاته، ومثل القدر، ومثل حقائق ما في الجنة والنار ونحو ذلك، فكل هذه ليست مرامة بالنسبة للإنسان في هذه الدنيا، وإنما عليه أن يؤمن بالقدر الذي جاء في الكتاب والسنة فقط.
وفي هذه الفقرة مسألة من المسائل، وهي مسألة الأولياء، وسيذكرها الشيخ في آخر الكتاب، والأولياء بينهم الله في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، فأولياء الله هم أهل التقوى من أهل العقيدة الصحيحة، وأما ما يعتقده الصوفية في الولي وأنه أفضل من النبي فهذا اعتقاد باطل، حتى إنه قال بعضهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي يعني: النبوة أقل من الولاية، ويستدلون على ذلك بأن الخضر كان معلماً لموسى ﵉، والخضر ولي، وبناء على هذا فالولي أفضل من النبي، وهذا استدلال فاسد؛ فإن الخضر نبي؛ لقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] يعني: وإنما فعلته عن أمر الله ، فقولهم هذا لا شك في بطلانه.
والباطنية لهم عقيدة خاصة في أولياء الله ، لكن لا يكفي المجال لشرحها، حتى إن بعضهم يعتقد أن الولاية إنما تحصل بالكشف فقط، فقد نص الغزالي في إحياء علوم الدين على أن الكشف يمكن أن تؤول به النصوص الشرعية، وهذه علومهم، فعلومهم أنهم يجلسون في الأماكن القذرة والوسخة ويدعون أنهم تأتيهم كشوفات، حتى قال الشبلي: إذا بارزونا بعلم الورق خرجنا إليهم بعلم الخرق يعني: يعتقدون أن الخرقة -وهي الولاية التي تحصل لهم- لها إسناد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم].
وهذه منزلة الكتابة، وهي الإيمان بما كتبه الله في اللوح، وهذه الكتابة بالقلم.
وقد أنكر الفلاسفة اللوح والقلم، قال ابن سينا: إن اللوح هو النفس الكلية، وأما القلم فهو العقل الكلي، ورفض أن يؤمن باللوح والقلم كما أراده الله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه؛ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة].
وقد س
стр. 38
إثبات العرش والكرسي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعرش والكرسي حق].
فأما العرش فقد ورد في آيات كثيرة، منها قول الله : ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧]، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فهذه الأدلة كلها وغيرها تدل على أن لله عرشاً، وأما الكرسي فهو الثابت في آية الكرسي، عندما قال الله : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو حق، لكن هنا مسألة: هل هناك فرق بين الكرسي والعرش؟ بعض أهل الكلام قالوا: إن الكرسي هو العرش، وهذا خطأ، فإن الكرسي هو موضع قدمي الرب ؛ لما روى ابن أبي شيبة في صفة العرش عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (الكرسي موضع قدمي الرب ، والعرش لا يقدر قدره إلا الله) وإسناده حسن، وهذا من المرفوع حكماً؛ لأنه مما لا يدخله الاجتهاد في الرأي، وقد فسر بعض أهل الكلام الكرسي بأنه الملك، وهذا تأويل باطل، لقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فهل معنى هذا أنهم يحملون ملك الله ؟ ويقول الله : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] فهل كان ملكه على الماء؟ ولهذا لا يصح هذا التفسير للعرش، وإنما العرش هو: سرير الملك، وليس هو الملك، وهنا فرق بين السرير والملك نفسه.
والكرسي لم يرد إلا في آية واحدة وهي آية الكرسي المشهورة، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض)، وهذا الحديث يدل على أن الكرسي غير العرش، وهو رد على من جعل الكرسي هو نفسه العرش، فيضاف إلى أثر ابن عباس السابق.
وقد أول بعض السلف الكرسي بأنه العلم، وهذا خطأ، وربما يقع من بعض أهل العلم خطأ في مسألة من المسائل وهذا الخطأ لا يكون بدعة؛ لأن أصوله العقائدية وآراءه العقائدية هي ما أجمع عليه السلف رضوان الله عليهم، والذي قال: إن الكرسي هو العلم، هو ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، ولا يصح أن يقال: إنه العلم؛ لأن الله يقول: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ولا يمكن أن يكون العلم وسع السماوات والأرض فقط، وحينئذ فالكرسي هو موضع قدمي الرب كما ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄.
стр. 39
إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه].
وهو مستغن عن العرش لأنه هو الغني الحميد، كما قال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، وكما قال الله : ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، واستواؤه على العرش لا يدل على حاجته له، فإن الله استوى عليه وهو غير محتاج له، وإنما هو غني عنه، وهاتان الفقرتان ذكرهما المؤلف في بداية الكلام على موضوع من أهم الموضوعات العقائدية، وهو موضوع إثبات علو الله ، وإثبات علو الله على خلقه من أعظم العقائد السلفية الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة، والثابتة بالعقل والفطرة، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر أن علو الله على خلقه عليه ألف دليل، وقد ذكر ابن القيم أكثر من ثلاثين دليلاً فطرياً على إثبات علو الله على خلقه، وقد وزعها بعض العلماء إلى أنواع، وقبل ذلك صنف فيها بعض الأئمة كتباً مستقلة، مثل: الذهبي ﵀ صنف كتاب (العلو للعلي الغفار) وقد اختصره الشيخ الألباني والأصل والمختصر كلاهما مطبوع، وقبل الذهبي ألف أبو محمد الموفق المقدسي كتاباً سماه (علو الله تعالى)، وممن ألف في علو الله تعالى الأستاذ موسى الدويش له رسالة ماجستير في إثبات علو الله تعالى على خلقه، وأسامة القصاص له جزءان في إثبات علو الله تعالى على خلقه.
وذكروا أنواعاً من الأدلة على علو الله ، منها: أن الله صرح بالعلو، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فهذا صريح في إثبات صفة العلو، ومنها قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].
ومن الأدلة كذلك المعراج، فإنه ﷺ أعرج به إلى السماء، وهكذا هناك أدلة كثيرة تدل على إثبات علو الله على خلقه، ومنها تنزل القرآن منه .
وأما العقل فقد دل على إثبات علو الله على خلقه، وقد استدل الإمام أحمد ﵀ في كتابه (الرد على الجهمية والزنادقة) بدليل عقلي ظاهر، فإنه قال: إن الله عندما خلق الخلق، هل خلق المخلوقات في نفسه أو خارجاً عنه؟ ثم قال: لا يخلو المعطل -يعني: لا يجيب المعطل- إلا بأحد ثلاثة أجوبة، إما أن يقول: خلق المخلوقات في نفسه، وهذا واضح الكفر، وإما أن يقول: خارجاً عنه، فإذا قال: خارجاً عنه، فنقول: هل هو خارج عنه ثم دخل فيه؟ فإن قال: هو خارج عنه ثم دخل فيه، فهذا كفر ظاهر؛ لأن فيه حصراً لله ونسبة للأماكن القبيحة له سبحانه، فلا يبقى له إلا واحد وهو أن يقول: إن الله خلق الخلق وهو خارج عن هذه المخلوقات وهو في العلو .
стр. 40
الفرق التي ضلت في صفة العلو لله
الفرق التي ضلت في مسألة علو الله فرقتان: الفرقة الأولى: الجبرية الحلولية، وهم الذين قالوا: إن الله في كل مكان، ولا يخلو منه مكان، وهم الذين قالوا: إن أفعال العباد هي أفعال الله، بل كل شيء في هذا الكون هو من فعل الله ، هكذا ظنوا، وهكذا يقولون! وهم يستدلون على ذلك بآيات المعية، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] وفهموا أن قوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) يعني: أنه مختلط بكم، وهذا فهم فاسد، فإن قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) يعني: بعلمه وقدرته ، فإن الذي قال: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وهو الذي نزه نفسه عن القبائح، وهو نفسه الذي قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وهو الذي أوجد في فطر العباد أن الإله لابد أن يكون عالياً، ولهذا يذكر أن إمام الحرمين الجويني وهو من أئمة الأشاعرة النفاة للعلو كان في أحد دروسه يقرر نفي العلو، فقال له أحد التلاميذ -وهو الهمداني -: أرأيت الشيء والحاجة التي نجدها في صدورنا أثناء الدعاء بالاتجاه إلى العلو؟ فماذا تقول فيها؟ فسكت، ثم فكر قليلاً، وقال: إنها الحيرة! إنها الحيرة! وجعل يضرب على رأسه، ويقول: حيرني الهمداني؛ لأنه استدل عليه بدليل من نفسه، وهو وجود فطرة في نفس الإنسان أثناء الدعاء؛ حيث يجد الإنسان في نفسه الالتجاء إلى الله ، بل إنك لو أوقفت طفلاً صغيراً وسألته: أين الله؟ فإنه مباشرة يشير إلى السماء فهي فطرة موهوبة في نفس الإنسان.
الفرقة الثانية التي ضلت: الجهمية الكلامية، وهم أهل الكلام من الجهمية، فهؤلاء قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا في العلو ولا في السفل، ولا عن اليمين ولا عن الشمال، وهؤلاء في الحقيقة ينفون الإله، إلا أنهم لم يأتوا بالتصريح في نفي الإله؛ لأن هذا لا يجوز بتاتاً، فإن الذي لا داخل العالم ولا خارج العالم ولا في اليمين ولا في الشمال هو العدم.
ويمكن مراجعة كتاب (الصواعق المرسلة) فقد شرح ابن القيم ﵀ الرد على هؤلاء بالتفصيل.
следующие страницы →