← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38000

عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن

على أحمد عبد العال الطهطاوى

Полный текст (286 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرّحمن الرّحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء: ١]. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: أذكرك ونفسى عزيزى القارئ بقول النبى ﷺ : «من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». متفق عليه. ٢ - قوله ﷺ : «من قرأ آية الكرسى دبر- بعد- كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» (١). ٣ - وقوله ﷺ : «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه» (٢). ٤ - وقوله ﷺ : «من قرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ عدلت له بربع القرآن، ومن قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عدلت له بثلث القرآن» (٣).

стр. 2

٥ - وقوله ﷺ : «ومن قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس» (١). ٦ - وقوله ﷺ : «ومن قرأ بمائة آية فى ليلة كتب له قنوت ليلة» (٢). ٧ - وقوله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٣). ٨ - وقوله ﷺ : «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة (٤) أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق» (٥). ٩ - من قرأ سورة «الكهف» فى يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين (٦). ٩ - وقوله ﷺ : «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشر مرات بنى الله له بيتا فى الجنة» (٧). ١٠ - وقوله ﷺ : «ومن قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فكأنما قرأ ثلث القرآن» (٨). ١١ - وقوله ﷺ : «اقرءوا سورة البقرة فى بيوتكم (٩)، فإن الشيطان لا يدخل بيتا يقرأ فيه سورة البقرة» (١٠). أيها القارئ الكريم هل ما زلت معى، كل الأحاديث التى سبقت لم يقل فيها النبى ﷺ : «اقرءوا ثم هبوا هذه القراءة للأموات؛ لأن القرآن منا لا يصل للميت، والنبى ﷺ

стр. 3

لم يقرأ قرآنا للأموات أبدا (وأتحدى) أى مجرم على وجه الأرض أن يثبت لى بحديث صحيح من البخارى ومسلم: أن النبى ﷺ قرأ قرآنا ووهبه للأموات، وعلى كل ضال مبتدع أن يضع لسانه فى فمه قبل أن يكذب على رسول الله ﷺ فالويل كل الويل للسادة العلماء إذا لم يستيقظوا من ثباتهم، ويبينوا للناس أن القرآن شريعة ودستور وقانون. من أجل ذلك عزيزى القارئ الفاضل أقدم لك كتابنا هذا «عون الحنّان فى شرح الأمثال فى القرآن». وجعلته فى ثلاثة فصول: الفصل الأول ويشمل: التمهيد. الفصل الثانى ويشمل: إلزام القرآن للماديين والمليين. الفصل الثالث ويشمل: الأمثال فى القرآن الكريم. واسمح لى عزيزى القارئ أن أحكى لك بعض المهازل والسفالات: ١ - رحل مجرم يدّعى أنه يعرف البخت والخط ويكشف السارق؟!! يأتى بمصحف كبير الحجم ويفتح عند سورة يس، ويضع مفتاح كبير ثم يكتف المصحف بخيط، ثم يضع المفتاح فى طرف سبابته، ثم يأمر أحد الناس بوضع الجانب الثانى للمفتاح فى طرف سبابته وبذلك يكون المصحف معلق بين إصبعى الحمارين البهيمين السافلين ثم يقول الشيخ للمصحف- على مشهد من الجاموس والبقر: أيها المصحف إذا كان فلان الفلانى هو السارق فعليك بالدوران لليمين، وإذا لم يكون هو السارق فعليك بالدوران إلى اليسار. ٢ - شيخ- مجرم سفيه ضال مضل- يقوم بعمل (عدّية) يس، وهذه هى الطريقة: يحضر طشت ملئ بالماء ويضع على الماء (ماء ورد) ثم يأتى بلبنه (قالب طوب) أحمر ويشترط أن لا يكون سبق استعماله قبل ذلك، ثم يضعه فى الطشت، ثم يأتى بقماش بفته أبيض ويضع اللبنة فى القماش، ثم يضعه مرة ثانية فى الماء ثم يقرأ سورة (يس) أربعون مرة، ثم ينادى على صاحب المنزل- المسروق- ويقول له: خذ ادفن هذا الميت- ويشير على قالب الطوب- ادفنه ليلا، وقبل طلوع الشمس فإن السارق سوف يدفن مثل هذا؟

стр. 4

كنت أنا حاضرا على سبيل معرفة ما يجرى فى مصر من ضلال- فسألته عن ذلك فقال: إحنا غسّلنا قالب الطوب وكفّناه ودفنّاه، فإن السارق سوف يلحق به؟!! انظر عزيزى القارئ إلى هذه السفالات والضلالات، كل الدول تتقدم للأمام ونحن نتقهقر للخلف ونباهى الأمم أننا حضارة سبعة آلاف سنة، فلسطين محتله وتضرب بجميع أنواع الأسلحة الحديثة والعراق كذلك. ونحن ما زلنا فى سفالات، فهل من مدكر؟ فهل من عالم يتقى الله تعالى وينصح الأمة ويكشف الغمة؟ أين علمائك يا مصر؟!! أيها العلماء أفيقوا: يا من توجهون بالريموت كنترول أفيقوا! يا علماء العصر يا ملح البلد ... كيف يصلح الملح إذا الملح فسد؟ والله إنى أحبكم، وحبى لكم جعلنى أخاف عليكم من يوم التناد، ويوم الوقوف بين يدى الله تعالى، وتسألوا «وعن علمه ماذا عمل به»؟ عزيزى القارئ اقرأ وتدبر ولله الحمد المنة. الشيخ/ على أحمد عبد العال الطهطاوى رئيس جمعية أهل القرآن والسنة

стр. 5

الفصل الأول التمهيد القرآن الكريم وظيفته الأصلية، وكيف يتخذه المسلمون (١) يقولون: إذا كان الحى ينتفع بالقرآن فى حياته الدنيوية، فإن الميت كذلك لا يحرم من الانتفاع بالقرآن فى مماته، بدليل قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ٨٢]، فمثلا إذا قرأ إنسان الفاتحة أو آية من سور القرآن على روح ميت له، فهذا جائز، والميت ينتفع به كانتفاع الحى تماما. كما يوردون حديثا نسبوه إلى رسول الله ﷺ ، يدعون أنه يقول فيه: «خذ من القرآن ما شئت لما شئت»، ويتخذون هذا دليلا لعمل الأحجبة والأدوية لشفاء المرضى، ودليلا على جواز قراءة القرآن على الأموات. ونرد عليهم، فنقول: إن الله تعالى أنزل القرآن للأحياء، ليتخذوه هاديا لهم يهديهم إلى سعادة الدنيا وفلاح الآخرة إن هم آمنوا به، أو ليكون حجة عليهم إن هم ظلوا على باطلهم، كما يقول المولى: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ [يس: ٧٠]، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥]، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ [الأنعام: ١٩]. وقد أخطأ الناس فهم العبارة التى جاءت بالآية الكريمة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ٨٢]، فظنوا أو أفهمهم الشيوخ أن الرحمة هنا هى للموتى، كما أفهمهم تجار الأحجبة أن عبارة شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩] فى الآية هى خاصة بشفاء أمراض الأجسام، ولكن هذا التفسير للآية تحريف لمعناها، وإخراج لها عن مواضعها، فإن الرحمة والشفاء فى الآية هى للمؤمنين الأحياء. وفى آية أخرى يقول الله : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]، ويقول الشيخ محمد رشيد رضا فى تفسير المنار فى تفسيره لهذه الآية: أى قد جاءكم كتاب جامع لكل ما

стр. 6

تحتاجون إليه من موعظة حسنة لإصلاح أخلاقكم وأعمالكم الظاهرة، وحكمة بالغة لإصلاح خفايا أنفسكم وشفاء أمراضها الباطنية، وهداية واضحة للصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، ورحمة خاصة للمؤمنين يتراحمون بها فيما بينهم. فمن هذا التفسير نعرف أن الآية خاصة بالأحياء، وليس للموتى نصيب فيها. ثم نرد أن نسأل هؤلاء: هل الآيات التى تأمرنا بتأدية الصلاة والزكاة والصوم، وتشرح لنا أصول مناسك الحج تنفع الميت بشيء؟ هل الآيات التى تبين لنا أحكام الوصية عند الموت، والتى تبين لنا المباحات والمحرمات من النساء فى الزواج، والتى تبين لنا أحكام الطلاق تفيد الميت بشيء؟ هل الآيات التى تتحدث عن عاقبة المفسدين والمنحرفين عن سبيل الله تفيد الميت بشيء؟ هل الآيات التى تبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة، وتبين مكانهم من نعيم الله، تفيد الميت بشيء؟ هل الآيات التى تخبرنا بقصص أقوام نوح، وعاد، وثمود، وكفار قريش، وهلاك أولئك الأقوام، وجاءت تحذرنا من اتباع سبل الانحراف والغواية التى سلكها هؤلاء الأقوام حتى استحقوا غضب الله ولعنته مثلهم، هل هذه الآيات تنفع الميت بشيء؟ هل الآيات التى تأمرنا بالإصلاح والتعاون والتآخى، وتحثنا على الصبر والجهاد فى سبيل الله تنفع الميت بشيء؟ بالطبع كل هذه الآيات وما حملت إلينا من معان وأحكام وعظات وإنذار لا تنفع الميت بشيء، ولو كتبت بماء الذهب على صحائف من ذهب وعلقت على قبر الميت. معنى سورة الفاتحة: وسورة الفاتحة شأنها شأن سور القرآن، لا تنفع الميت بشيء، وإلى القارئ الدليل على هذا من كتب السنة: روى مسلم، عن أبى هريرة، رضى الله عنه، أن النبى ﷺ ، قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فصلاته خداج، خداج، خداج، غير تام»، فقيل لأبى هريرة: إنما نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها فى نفسك، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين، ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، قال الله تعالى: حمدنى عبدى، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال تعالى: أثنى علىّ عبدى، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال الله تعالى: مجدنى عبدى، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال الله تعالى: هذه بينى وبين عبدى، ولعبدى ما سأل ... » إلخ الحديث.

стр. 7

ومن هذا الحديث نفهم أن الفاتحة هى مناجاة بين الله وبين عبده، وليس للميت فيها شىء تفيده أو تضره. الميت لا ينفعه إلا عمله: أما الذى يفيد الميت وينفعه، هو أعماله وسعيه فى الدنيا، وذلك كما يقول المولى جل شأنه: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: ٣٩ - ٤١]، كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨]، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران: ٣٠]، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]. فهذه كلها نصوص تشهد بأن الميت لن ينتفع إلا بعمله وسعيه فى الدنيا؛ لأنها دار عمل، وبموته انقطع عمله، وليس له من عمل سوى ما بينه حديث النبى ﷺ . سوء استعمال القرآن: ولقد أساء كثير من المسلمين استعمال آيات القرآن، فهم يستأجرون المشايخ ليقرءونه فى المآتم، وعلى قبور الموتى؛ لجلب الرحمة والغفران لهم، ويضعون القرآن فى بيوتهم فى مجلد فاخر ليحفظ البيت من العفاريت، أو شبح الفقر، أو ليدفع عن العائلة شر الحاسدين، أو يعلقونه على أبواب المحلات التجارية أو الصناعية، أو بسيارتهم بقصد جلب الرزق ودفع الكساد عنهم، ويعلقونه فى شكل حجاب بجسم المريض ليشفيه، أو بجسم طفل وحيد أبويه ليحفظه من المرض، أو من عيون الحاسدين، أو ليطيل عمره؛ لأن من سبقوه من إخوته ماتوا أطفالا. على هذا النحو السيئ يستعمل أكثر المسلمين آيات القرآن الكريم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، مع أن الإسلام ينكر هذه العادات الذميمة، ويأمر بتركها، كما جاء فى كثير من الأحاديث النبوية. حديث: «خذ من القرآن ما شئت لما شئت»: أما هذا الحديث، فلا أصل له، وهو مبتدع، حتى أنه لم يرد له ذكر فى كتب المحققين الذين بينوا لنا الأحاديث الصحيحة والمكذوبة والموضوعة، ويكفى هذا دليلا دامغا قويّا على أن هذا الكلام المنسوب لرسولنا ﷺ ابتدعه تجار القرآن؛ ليكون لهم مورد رزق ومصدر عيش؛ لأنهم وجدوا فى هذا العمل حياة سهلة وناعمة، لا عمل فيها، ولا جهد، ولا عرق.

стр. 8

انتفاع الموتى بقراءة القرآن (١) يقرأ كثير من الناس القرآن ثم يهبه للميت، فهل ينفعه ذلك؟ آيات وأحاديث: تعرف هذه المسألة بمسألة إهداء ثواب العبادة للموتى، وقد اختلفت فيها آراء العلماء، ومنشأ الاختلاف أنه وجد فى القرآن آيات تبين سنة الله فى الثواب والعقاب، وفى تبديل السيئات بالحسنات، ووجدت أحاديث صحيحة صريحة فى أن الوالدين ينتفعان بصدقة ولدهما، أو صومه، أو حجه عنهما؛ فمن الآيات قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس: ٩، ١٠]، وقوله: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠]، وقوله: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى [النجم: ٣٣]، فهذه الآيات ونحوها ظاهرة فى أن الإنسان لا ينتفع إلا بسعيه وعمله الذى يزكى نفسه بالنية الطيبة والإخلاص لله. أما الأحاديث التى وردت فى الموضوع، فكلها تدور حول الجواب عن سؤال واحد، هو: هل ينتفع أبى وأمى إذا صمت أو تصدقت أو حججت عنهما؟ وكان الجواب: نعم ينفعه ذلك. اختلاف العلماء: وأمام هذه الآيات وتلك الأحاديث اختلفت آراء العلماء، فرأى فريق أن الآيات مقدمة فى العمل على الأحاديث، والأحاديث ليس لها قوة الحكم على الآيات، وبذلك قرروا أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره أيّا كان ذلك العمل، وكيفما كان ذلك الغير. ورأى فريق آخر أن الأحاديث صريحة فى انتفاع الوالدين بصدقة ولدهما أو حجه أو صومه عنهما، ثم قالوا: لا فرق بين الولد وغيره، وبذلك قرروا أن الإنسان ينتفع بعد موته بعمل غيره متى أهدى ثوابه إليه، وإن لم يكن من ولده، وقالوا: إن الثواب ملك للعامل، فله أن يتبرع به ويهديه إلى أخيه المسلم، ثم خرج هؤلاء الآيات تخريجا أوهن من موقفهم أمام المانعين، وكذلك كان موقفهم فى قياس غير الولد الذى لم يرد به نص، على الولد الذى ورد به نص مع وجود الفارق بينهما. أما الدعاء فهو عبادة مستقلة، ثوابها للداعى فقط، والمدعو له إنما ينتفع بالاستجابة إذا حصلت، والاستجابة ليست أثرا لإهداء الداعى ثواب دعائه للميت، وإنما هى شأن

стр. 9

خاص بالله للأحياء والأموات، أما القول بملكية الثواب للعامل، فواضح أنه ليس ملكا بالمعنى المتعارف فى متاع الدنيا لصاحبه نقله وتحويله، فهو توجيه فاسد، وبهذا يتبين أن إطلاق القول بجواز إهداء ثواب العمل، أيا كان من العامل وكيفما كان، لا تنهض له حجة، ولا يستقيم له دليل. ولد الإنسان من سعيه: والرأى الذى أراه هو أن الآيات محكمة فى معناها، وأنها من شرع الله العام الذى لا يختص بقوم دون قوم، وأن الأحاديث الصحيحة التى أشرنا إليها خاصة بعمل الأبناء يهدون ثوابه للآباء، وقد صح فى الحديث أن ولد الإنسان من سعيه، وعمله من عمله، وبذلك كان انتفاع الوالدين بعمل ولدهما، وإهداء ثوابه إليهما مما تتناوله الآيات. أما ما جرت به العادات من قراءة الأجانب القرآن، وإهداء ثوابها للأموات، والاستئجار على القراءة والحج، وإسقاط الصلاة والصوم، فكل ذلك ليس له مستند شرعى سليم، وهو فوق ذلك يقوم على النيابة فى العبادات التى لم تشرع إلا لتهذيب النفوس، وتبديل سيئاتها حسنات، وهذا لا يكون إلا عن طريق العمل الشخصى، كيف وقد صرح الجميع بأن ما اعتاده الناس من ذلك شىء حدث بعد عهد السلف، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه عمل وأهدى لغير الوالدين، مع ظهور رغبتهم فى عمل الخير، ومحبتهم لإخوانهم الأحياء والأموات؟ والجدير بالمسلم أن يقف فى عبادته وفى شئون الثواب ومحو السيئات عند الحد الذى ورد، فبحسنات الإنسان تذهب سيئاته، وبتقواه تغفر ذنوبه، ولا شأن للإنسان فى الثواب يحوله، ولا فى السيئات يمحوها. بدع حول القرآن (١) فى أكثر من رسالة من الرسائل التى تلقيتها يسأل المواطنون من القراء عن حقيقة الأمر فى التداوى ببعض آيات القرآن الكريم أو الرقى بها، كما يسألون أيضا عن رقية المريض ببعض العبارات الخاصة المعتادة، وعن حكم الدين فى قراءة القرآن فى الطرقات العامة بقصد الارتزاق، مما نراه ونشاهده فى كثير من المدن والقرى، وما هو الرأى الصحيح فى قراءة القرآن على المقابر؟ وما الرأى فيما يذكر خاصا بفضل سور القرآن أو بعضها؟

стр. 10

تلك خلاصة جملة من الرسائل أعرب مرسلوها عن رغبتهم فى الإجابة على ما يسألون، وهى كلها تدور حول هذا المعنى. الغاية من إنزال القرآن (١) ليس من شك فى أن القرآن أنزل على محمد ﷺ لغرض هو أسمى الأغراض وأنبلها، وهو هداية الناس إلى الحق عن طريقه، وإخراجهم مما هم فيه من الظلمات إلى النور، أنزله الله ليطهر القلوب من رجس الخضوع لغيره، ويرشد الناس إلى العقائد الصحيحة، وإلى العلوم النافعة، وإلى الأخلاق الفاضلة التى تحفظهم وتحفظ المجتمع من مزالق الهوى والشهوة، وأنزله أيضا ليرشد الناس إلى الأعمال الصالحة التى تسمو بالفرد والمجتمع إلى مكانة العزة والكرامة، وقد أرشد القرآن نفسه إلى هذه الغاية أو الغايات فى كثير من الآيات، فقال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]. وبذلك كان القرآن شافيا لأمراض القلب التى تفسد على الإنسان حياته، وأمراض الصدور جهل بالحق، وشبهة تضعف الإيمان، وشهوة تغرى بالفساد، وقد تضمن القرآن الكريم بنصوصه وإرشاداته ما يعالج البشرية من جهلها وشبهها وشهواتها. ولم يختلف المسلمون الأولون فى هذه الحقيقة، بل آمنوا بها وحددوا الغاية التى لأجلها نزل القرآن، فأقبلوا على حفظه ودرسه، يستخرجون نفائسه، ويتعرفون أحكامه، ثم أخذوا يعالجون به القلوب من رجس العقائد الباطلة، والأخلاق الفاسدة، ويدفعون به المجتمع إلى سبل الخير والفلاح. ومن هذا نعلم ما كان للقرآن الكريم من أثر وتوجيه فى حياة المسلمين الأولين، بيد أن المسلمين بعد ذلك ما لبثوا أن انحرفوا بالقرآن عما أنزل لأجله، واستخدم لأغراض لا تمت بأوهى الأسباب إليه، ولا هى مما ينبغى أن تستخدم أو تتخذ طريقا إليه. انحراف بالقرآن عن وجهته: انحرف المسلمون المتأخرون بالقرآن الكريم إلى جهة

стр. 11

أخرى لم يتجه بها أحد من المسلمين الأولين، والسبب فى هذا الانحراف هو ما منى به العلماء من التعصب المذهبى، إذ حملهم هذا على الاكتفاء بما وصل إلى أيديهم من ترك السابقين، وقالوا: إن السابقين كفونا مئونة البحث فى آى الذكر الحكيم استنباطا لحكم شرعى، أو تفسيرا لآية، وجعلوا بينهم وبين النظر فى الكتاب حجابا كثيفا من التقليد والتعصب للمجتهدين السابقين، اعتزازا بفضلهم، وتابعهم المسلمون فى فهمهم، واتجهوا بالقرآن الكريم وجهة أخرى، حتى إننا نرى المسلمين اليوم، إلا من عصمه الله وقليل ما هم، هجروا القرآن الكريم ككتاب هداية وإرشاد، وشاعت بينهم فكرة تقديسه من جهات أخرى هى: جهة التداوى به من أمراض الأبدان، وجهة استمطار الرحمة بقراءته على أرواح الموتى، وجهة تسول الفقراء به واستغلال عاطفة الإيمان عن طريقه، هذه البدع الثلاث، أو المنكرات الثلاثة، كانت أثرا لهجر المسلمين كتاب الله من الجهة التى أنزل لأجلها، وكانت فى الوقت نفسه عنوانا سيئا على إيمان المسلمين من حيث لا يشعرون بمكانة تلك المعجزة الخالدة، التى جعلها الله سبيلا لإنقاذ البشرية من الأوهام والخرافات، وكانت مع هذا وذاك عنوانا على الجهل بنظام الأسباب والمسببات، الذى نظم الله عليه العالم، وهدى الناس إلى السير فى سبيله: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠]، يجعل الله القرآن سبيلا لإنقاذ البشرية من الأوهام والخرافات، ويعكس نفر من المسلمين القضية، فيجعلونه سبيلا من سبل الأوهام، وعنوانا على الجهل بأسرار الله ونظام الله. الدين والعقل لا يقران هذا الانحراف: وإن تعجب فعجب أن تكتب الآية القرآنية الحكيمة فى إناء ثم تمحى بالماء، ثم يؤمر المريض بشربه، أو تكتب قطع صغيرة من الورق، ثم تلف كالبرشام، ويؤمر المريض بابتلاعها، أو تحرق تلك القطع ويبخر المريض بها على مرات، أو توضع فى خرقة وتعلق حجابا فى مكان معين من جسم المريض، وبهذا ونحوه اتخذ الدجالون القرآن الكريم وسيلة لكسب العيش من طريق يأباه الإيمان، ويصدقه كثير من المسلمين. وذلك فضلا عن أنه انحراف بالقرآن عما أنزل لأجله، فإن فيه إفسادا للعقول الضعيفة، وصرفا لأربابها عن طريق العلاج الصحيح، وتغييرا لسنة الله فى الأسباب والمسببات، واحتيالا على أكل أموال الناس بالباطل، وهذا تصرف لا يقره دين ولا يرضى به عقل سليم، فإذا تركنا هؤلاء الدجالين يعبثون فى القرى والمدن بالقرآن

стр. 12

وبالعقول الضعيفة على هذا النحو، وسرت فى شوارع القاهرة أو غيرها من المدن، فإنك ترى المتسولين وقد جلس أحدهم، رجلا أو امرأة، فى ملتقى الطرقات، أو مواقف المواصلات، أو على أبواب المساجد والأضرحة، يقرأ القرآن، باسطا كفه للغادين والرائحين بقصد التسول، ترى هذا المنظر المفجع بين الأحياء، فإذا ما ذهبت إلى المقابر رأيت ما هو أدهى وأمر، رأيت الفقراء من حملة القرآن يتسابقون إلى المقبرة، وقد اندسوا بين أفواج الزائرين والزائرات، يساومونهم على مقدار ما يقرءون، ومقدار ما يأخذون ثمنا لما يقرءون. وفى هذه المشاهد كلها لا تسمع قرآنا، وإنما تسمع هذرمة فى القراءة، وإخلالا بواجبها، وإخراجا للقرآن ذى الروعة والجمال إلى ذلك المنظر المزرى الذى يفزّز النفوس، ويجرح الصدور، ويبعده فى نظر السامعين عن أن يكون طريق الهداية والإرشاد من رب العالمين. القرآن ودواء الأمراض البدنية: إن الأمراض البدنية قد خلق الله لها عقاقير طبية فيها خاصة الشفاء، وأرشد إلى البحث عنها والتداوى بها، وقد صح أن النبى ﷺ دخل على مريض يعوده، فلما رآه طلب من أهله أن يرسلوا إلى طبيب، فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله؟ فقال ﵇: «نعم، إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء»، فعل النبى ﷺ ذلك إرشادا لأمته إلى أن التداوى من الأمراض البدنية من طريق الطب البشرى الذى يعرف الدواء، أما القرآن فلم ينزله الله دواء لأمراض الأبدان، وإنما أنزله كما قال: دواء لأمراض القلوب وشفاء لما فى الصدور. وإذا كانت أمراض الأبدان أمراضا مادية، وشفاؤها بأدوية مادية، فأمراض القلوب أمراض معنوية، وشفاؤها بأدوية معنوية، والقرآن قد عالج مرض الجهل بالعلم، ومرض الشبهة بالبرهان، ومرض الشهوة بالحكمة، وما التداوى فى الأمراض البدنية بالقرآن إلا كقراءة الختمات للنصر على الأعداء فى ميدان القتال، وإلا كقراءة ما يسميه العامة عدية ياسين تحصيلا للرغبات، كلاهما وضع للعلاج المعنوى مكان العلاج المادى، وكلاهما قلب لنظام الله تعالى فى خلقه، وعروج بالقرآن الكريم عما أنزل لأجله. القراءة على الموتى (١): أما استمطار الرحمة على الموتى، فإنه لا يكون إلا بعمل مشروع، كالدعاء، والصدقة، بشرط أن يكون خالصا لوجه الله الكريم، أما ما لم يشرعه

стр. 13

الله ولم يأذن به أو شرعه، ولكن فعله الإنسان بأجر يأخذه من أخيه الإنسان، فثوابه هو ذلك الأجر، ولا ثواب له عند الله، وإذا لم يكن للقراءة ثواب عند الله لا للقارئ؛ لأنه أخذ أجره ممن استأجره، ولا للمستاجر؛ لأنه لم يقرأ شيئا، فأى شىء يصل من هذه القراءة إلى الموتى؟ إن رحمة الله للموتى شأن من شئونه الغيبية استأثر بها، ومنه وحده تعرف سبلها، وقد بين تلك السبل فى كتابه الكريم، وكل ما يفعله المرء من تلقاء نفسه فى هذا الشأن هجوم منه على الغيب وتقول على الله بغير علم، وتحكم فيما لا يحكم فيه إلا الله. التسول بالقرآن: وإذا كان التسول بالوضع الذى نراه اليوم يمقته فى ذاته الشرع والدين، وتأباه الكرامة والخلق، ولا ترضاه لنفسها أمة تريد المجد، فما بالنا به إذا اتخذ القرآن الكريم وسيلة له، واعتراض به المارة فى الطرقات، والمصلين فى المساجد، والراكبين فى السيارات والقطارات. علينا أن نبذل قصارى جهدنا فى صيانة كتاب الله عن الابتذال، وأن نوجه الناس إلى جهة الانتفاع بالقرآن الكريم، وإلى ما يحفظ كرامتنا بين الأمم عن طريق الأسباب التى وضعها سبيلا للمجد والكرامة. فضل بعض السور: أما ما جاء عن فضل سور القرآن وتلاوتها، من درجات الثواب التى يحصل عليها قارئ هذه السورة أو تلك، مما رددته بعض كتب التفاسير، فالواقع أنى فى قراءتى لهذه التفاسير انتهيت إلى أن ما جاء فى ذلك من أحاديث إنما قصد به التناسب بينها وبين ما احتوت عليه هذه السورة أو السور، واعترانى شك من جهة أن سور القرآن البالغ عددها (١١٤) سورة، كان الرسول ﷺ يتحدث عن كل سورة منها بما يناسبها، والذى نعلمه أن الرسول ما كان يرتب الثواب على مجرد القراءة، وإنما كان يرتبه على الإيمان والعمل الصالح. والمسألة ليست مسألة مجرد قراءة فحسب، ولعلك تدرى الحكمة القائلة: كم من قارئ يقرأ القرآن والقرآن يلعنه. وقد دفعنى ما وقعت فيه من شك أن أبحث عن أصل الأحاديث، فوجدت أنها ترجع إلى أصل واحد، وأن الذى تحث بها وتكلم بها رجل يسمى نوح ابن مريم، وقد سئل فى هذا، فقال: إنى وجدت الناس قد شغلوا بتاريخ ابن إسحاق، وفقه أبى حنيفة عن القرآن، فأحببت أن ألفتهم إلى القرآن، فوضعت هذه الأحاديث، حسبة لله. الرّقية دعاء لا دواء: أما الرقى بالأدعية، فإنها تفسر على نوع من الدعاء، ولكنها لا تقبل على أنها دواء للمريض من الداء، فللأدواء علاجها مما خلق الله من العقاقير.

стр. 14

بعد هذا البيان لا يسعنى إلا أن أدعو المسلمين إلى أن ينظروا للقرآن النظرة اللائقة بمكانته، وأن يضعوه فى المرتبة السامية التى وضعه فيها المسلمون الأولون، وأن يمحوا من أذهانهم أن آياته نزلت لدواء الأبدان، أو لشفاء العلل، وإنما هو هدى ورحمة وتشريع، وتنوير للبصائر، وسمو بالإنسانية، وتقويض للشرك، وهدم للباطل، ونصرة للحق، والله يهدينا سواء السبيل. وجوب طاعة الله وطاعة رسوله، ووعيد المخالفين وطاعة الله فى اتباع كتابه، وطاعة الرسول فى اتباع سنته، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٤، ٦٥]. وقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ [النساء: ١٣، ١٤]. وقال جل علاه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [الأحزاب: ٣٦]. وقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً [الجن: ٢٣]. وقال: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥]. وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة: ٥].

стр. 15

وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ [المجادلة: ٢٠]. وقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب: ٧١]. وقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [النور: ٥٢]. وقال: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور: ٥٤]. وقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً [الفتح: ١٧]. وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [التغابن: ١٢]. وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد: ٣٣]. وقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر: ٧]. الأمر بتدبر وتفهم القرآن حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت: ١ - ٤]. وقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩]. وقال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١) [القمر: ١٧]. وقال: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر: ٤٩، ٥١]. وقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ [الجمعة: ٥].

стр. 16

وقال: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩]. وقال لنبيه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ (١) وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٢) [فصلت: ٤٤]. وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]. وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ (٣) عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤]. وقال: قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٤) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً (٥) تَهْجُرُونَ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ [المؤمنون: ٦٦ - ٦٨]. وعيد المعرضين عن القرآن قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. وقال: وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا [طه: ٩٩ - ١٠١]. وقال: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ (٦) نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦].

стр. 17

وقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [الكهف: ٥٧]. وقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]. وقال: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً [الجن: ١٧]. فضائل قراءة القرآن وفضائل بعض سوره وآياته عن أبى أمامة، رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتى يوم القيامة شفيعا لأصحابه» رواه مسلم، ﵀. وعن النواس بن سمعان، رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به فى الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» رواه مسلم. وعن عثمان بن عفان، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» رواه البخارى. وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذى يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة (١) الكرام البررة، والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» متفق عليه. وعن أبى موسى الأشعرى، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ «مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة (٢) ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل الثمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» متفق عليه. وعن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أن النبى ﷺ قال «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما وو يضع به آخرين» رواه مسلم.

стр. 18

وعن ابن عمر، رضى الله عنه، عن النبى ﷺ قال: «لا حسد إلا فى اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء (١) الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» متفق عليه. وعن البراء بن عازب، رضى الله عنه، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشطنين (٢) فتغشته سحابة، فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبى ﷺ فذكر له ذلك، فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» متفق عليه. وعن ابن مسعود، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الذى ليس فى جوفه شىء من القرآن كالبيت الخرب» رواه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح. وعن عمرو بن العاص، رضى الله عنه، عن النبى ﷺ ، قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» رواه أبو داود والترمذى، وقال: حسن صحيح. وعن أبى سعيد رافع بن المعلى، رضى الله عنه، قال: قال لى رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟»، فأخذ بيدى، فلما أراد أن يخرج قلت: يا رسول الله، إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة فى القرآن، قال: «الحمد لله رب العالمين هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته» رواه البخارى، ﵀. وعن أبى سعيد الخدرى، رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: فى قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ: «والذى نفسى بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن». وفى رواية أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن فى ليلة؟»، فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ثلث القرآن» رواه البخارى. وعنه أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول ﷺ ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله ﷺ : «والذى نفسى

стр. 19

بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» رواه البخارى. وعن أنس، رضى الله عنه، أن رجلا قال: يا رسول الله، إنى أحب هذه السورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، قال: «إن حبها أدخلك الجنة». وعن عقبة بن عامر، رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق: ١]، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» [الناس: ١] رواه مسلم. وعن أبى سعيد الخدرى، رضى الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلت أخذ بهما وترك ما سواهما. رواه الترمذى، وقال: حديث حسن. وعن أبى هريرة، رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١]» رواه أبو داود، والترمذى، وقال: حديث حسن. وفى رواية أبى داود «تشفع». وعن أبى مسعود البدرى، رضى الله عنه، عن النبى ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه» (١) متفق عليه. وعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذى يقرأ فيه سورة البقرة» رواه مسلم. وعن أبى بن كعب، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر، أتدري أى آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]، فضرب فى صدرى، وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر» رواه مسلم، وفى البخارى فى حديث آخر طويل: «من قرأ آية الكرسى عند نومه لم يقربه شيطان». وعن أبى الدرداء، رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال». وفى رواية: «من آخر سورة الكهف» رواه مسلم. وعن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: بينما جبريل، ﵇، قاعد عند النبى ﷺ ، سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم ولم يفتح

стр. 20

قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين لم يؤتهما نبى من قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته» الحديث رواه مسلم فى صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة. وروى الحاكم فى المستدرك بإسناد صحيح، عن معقل بن يسار، رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «اعملوا بالقرآن، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم فردوه إلى الله وإلى أولى العلم من بعدى كيما يخبروكم، وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور، وما أوتى النبيون من ربهم وليسلم القرآن وما فيه من البيان، فإنه أول شافع مشفع، وما حل (١) مصدق، وإنى أعطيت سورة البقرة من الذكر الاول (٢) وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش». وروى الدرامي والترمذى، ﵀، عن أنس، رضى الله عنه، عن النبى ﷺ أنه قال: «إن لكل شىء قلبا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» ورمز فى الجامع لضعفه، وصححه شارحه، وقال الشوكانى فى التحفة: قال الترمذى: هذا حديث غريب. وأخرج النسائى، وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، ﵏، عن معقل بن يسار، عنه ﷺ أنه قال: «قلب القرآن يس، لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، اقرءوها على موتاكم» أى من حضر الموت. قال فى التحفة: وصححه ابن حبان والحاكم. وأخرج ابن حبان وابن السنى، عن جندب، رضى الله عنه، أنه ﷺ قال: «من قرأ يس فى ليلة القدر ابتغاء وجه الله غفر له»، وأخرجه الطبرانى، عن أبى هريرة، وفى إسناده غالب بن تميم، وهو ضعيف. وأما حديث: «من داوم على قراءة يس فى كل ليلة، ثم مات، مات شهيدا»، ففي إسناده سعيد بن موسى الأزدى، وهو كذاب. وروى البخارى، عن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أنزلت علىّ الليلة سورة لهى أحب إلى مما طلعت عليه الشمس»، ثم قرأ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح: ١].

стр. 21

وروى الترمذى، والحاكم، عن ابن عباس، رضى الله عنه، أنه ﷺ قال: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزلزلة: ١] تعدل نصف القرآن، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] ثلث القرآن، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الكافرون: ١] تعدل ربع القرآن» وصححه فى الجامع وشرحه، ولكن قال فى التحفة: قال الترمذى بعد إخراجه: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة الذى هو العنزى. قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. وقال البخارى: منكر الحديث. وضعفه أبو زرعة، والدارقطنى. وقال ابن عدى: لا أرى به بأسا، فالعجب من الحاكم حيث صحح حديثه أ. هـ. وأخرج الحاكم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية فى كل يوم؟»، قالوا: ومن يستطيع ذلك؟ قال: «أما يستطيع أحدكم أن يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» [التكاثر: ١]. أخرجه الحاكم، عن عقبة بن محمد، عن نافع عن ابن عمر. قال المنذرى: ورجال إسناده ثقات، إلا أن عقبة لا أعرفه. وعن أنس، أنه ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان؟»، قال: لا، والله يا رسول الله ما عندى ما أتزوج به، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ؟» قال: بلى، قال: «ثلث القرآن»، قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟» [النصر: ١]، قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «أليس معك: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ؟» [الكافرون: ١]، قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ؟» [الزلزلة: ١]، قال: بلى، قال: «ربع القرآن، تزوج، تزوج» أى بما معك من القرآن». قال فى تحفة الذاكرين: قال الترمذى بعد إخراجه: هذا حديث حسن، وقد تكلم فى هذا الحديث مسلم فى كتاب التمييز، وهو من رواية سلمة بن وردان، عن أنس. قال أبو حاتم: ليس بقوى، عامة ما عنده عن أنس منكر. وقال يحيى بن معين: ليس حديثه بذاك. أ. هـ. وفى الجامع وصححه: «من قرأ فى ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين». وفى الدرامى: «من قرأ مائتى آية فى ليلة كتب من القانتين»، و «من قرأ فى ليلة ثلاثمائة آية كتب له قنطار»، و «من قرأ ألف آية كتب له قنطار من الأجر، والقيراط من ذلك القنطار لا يفى به دنياكم». وفى رواية: «والقيراط من القنطار خير من الدنيا وما فيها واكتسب من الأجر ما شاء الله»، وهذه الأحاديث، وإن كان فيها مقال، فهى داخلة تحت عموم حديث: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها ... » الحديث، والقرآن كلام الله وفضائله لا تحصى.

стр. 22

تحزيب القرآن قال فى المغنى: يستحب أن يقرأ القرآن فى كل سبعة أيام ليكون له ختمة فى كل أسبوع. قال عبد الله بن أحمد: كان أبى يختم القرآن فى النهار فى كل سبعة، يقرأ فى كل يوم سبعا لا يتركه نظرا. وقال حنبل: كان أبو عبد الله يختم من الجمعة إلى الجمعة، وذلك ما روى أن النبى ﷺ قال لعبد الله بن عمر: «اقرأ القرآن فى سبع، ولا تزيدن على ذلك» رواه أبو داود. وعن أوس بن حذيفة، قال: قلنا لرسول الله ﷺ : لقد أبطأت عنا الليلة، قال: «إنه طرأ علىّ حزبى من القرآن، فكرهت أن أخرج حتى أتمه». قال أوس: سألت أصحاب رسول الله ﷺ : كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث (١)، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده. رواه أبو داود. ويكره أن يؤخر القرآن أكثر من أربعين يوما؛ لأن النبى ﷺ سأله عبد الله بن عمرو: كم تختم القرآن؟ قال: «فى أربعين يوما»، ثم قال: «فى شهر»، ثم قال: «فى عشرين يوما»، ثم قال: «فى خمس عشرة»، ثم قال: «فى عشر»، ثم قال: «فى سبع»، لم ينزل من سبع (٢) أخرجه أبو داود. قال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن فى أربعين، ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضى إلى نسيان القرآن، والتهاون به، فكان ما ذكرنا أولى، وهذا إذا لم يكن عذر، فأما مع العذر فواسع له. أ. هـ. لا تعرض عن قراءة القرآن إذا عرفت فضل القرآن العظيم، وفضل بعض سوره وآياته، وعرفت وافر وجزيل أجر تلاوته، وعلمت كيفية تحزيب النبى ﷺ وأصحابه للقرآن، وترتيبهم له على الأيام والليالى، حق لنا أن نقول لك أيها المسلم المتبع لأعظم رسول: لا تعرض عن قراءة كتاب ربك إلى قراءة أوراد المشايخ وأحزابهم، فإن الأجر كله، والثواب كله، والفضل العظيم كله، والنصح، والإرشاد، والوعظ، والهدى، والنور كله، والصراط المستقيم إنما هو فى تلاوة كتاب الله تعالى.

стр. 23

فيا متبع الرسول الأعظم، إياك ثم إياك وما ابتدع، فإنه ضلالة، واعلم أنه لا يجوز لك أن تقرأ دعاء البسملة، ولا ورد الجلالة ودعاءها للجيلانى؛ لأنه يصدك عن القرآن، ولا يجوز لك أن تقرأ مسبعات، ولا منظومة الدردير، ولا ورد السحر، والميمية، والمنهجة الكبرى، بل اقرأ بدل هذا أحزابا من القرآن تنفعك قراءتها يوم لقاء ربك، ولا سيما قراءة التدبر والتفقه. أيها العاقل، هل حزب البر، والبحر، والنصر، وحزب الرفاعى الكبير والصغير، وحزب الدسوقى الكبير والصغير أيضا، وحزب النووى والبيومى، وحزب الوقاية المسمى بالدور الأعلى، بل وجميع مجموع الأوراد، خير أو حزب واحد، أو سورة واحدة من القرآن العظيم؟! لا بل آية واحدة، بل حرف واحد من كتاب الله، لا شك أنك تعترف أنه أعظم وأجل ألف مرة، بل لا مناسبة بالكلية، وأنت تشهد وتقر معى بذلك، ولا أظنك تنكره، إن جميع ما فى مجموع الأذكار الطيبة للطرق السبعة، وجميع ما فى كتاب مجموع أوراد الخلوتية والمرغنية، وأوراد الخليلية، وحرز الجوشنى، وحرز الغاسلة، والجلجلوتية، والبرهتية، لا شك أنه من عند غير الله، ولا شك أنه شرع لم يشرعه الله ولا رسوله، فصار بدعة، وكل بدعة ضلالة. ولعلك تقول: إن هذه الأحزاب والأوراد لا تخلو من آيات قرآنية فيها، فنقول لك: القرآن كاللبن النقى الخالص، وأحزابكم وأورادكم كاللبن المخلوط بالدم، أو كاللبن الاصطناعى، فأيهما ترتضيه لنفسك؟ الأول لا شك، بل ما فى القرآن من الموعظة، والشفاء، والرحمة، والتذكير، والهداية، والعبرة، والأمر، والنهى، والترغيب، والترهيب، وذكر عظمة الله وكبريائه، وتعريفك برسول الله، ورسوله، وقصص الأنبياء وأتباعهم، وما فعل الله بالطاغين والعاصين، وما أعده لأهل طاعته من النعيم المقيم، وغير ذلك مما لا يمكننا عده، ولا حصر بعضه، وليس يوجد من ذلك حرف واحد فى أورادكم ولا أحزابكم، فما هى إلا عبادات مخترعات. وشىء آخر هو أنك لا تقرأ بحرف واحد من كتاب الله إلا أوتيت أجره، كما فى الحديث الصحيح: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، والله يضاعف لمن يشاء»، فما هو ثواب من قرأ حزب الجيلانى كله من أوله إلى آخره ألف مرة، وما ثواب من يقرأ حزب الكبرى، بل وما ثواب من يقرأ جميع مجاميع الأوراد كلها حرفا حرفا؟ لا يمكنكم أصلا أن تقدروا لقارئها ثوابا كثواب قراءة أصغر سورة فى القرآن، بل ولا آية،

стр. 24

ولا حرف واحد، فإن قدرتم وقلتم فظن وإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس: ٣٦]، بل إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: ١٢]، بل يكون افتراء وكذبا على الله، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ [الصف: ٧]. فيها أيها المسلمون اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر: ٢٣]، وقص عليكم أحسن القصص فى كتابه، فلا تعدلوا عنه وتتبعوا هؤلاء، فإنهم قد هوكوا وتهوكوا (١)، يا قوم «كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتاب ربهم الذى أنزل على نبيهم»، كذا فى الحديث، يا قوم حذار حذار من الإعراض عن كتاب الله، فإن الله يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [طه: ١٢٤]، ويقول: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٢) [الزخرف: ٣٦]، ويقول لنبيه: وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا [طه: ٩٩ - ١٠١]، ويقول: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (٣) [الجن: ١٧]. يا قوم، إنى أقول والحق أقول: إنه لا يرغب عن كتاب ربه إلى مخترعات الشيوخ إلا من سفه نفسه، وضل سعيه، وزين له الشيطان عمله، فصده عن السبيل، فحزبوا وجزءوا القرآن، وقسموه على أيامكم ولياليكم، وحلوا وارتحلوا فيه من أوله إلى آخره، واجعلوا المصحف فى جيوبكم دائما وأبدا، بدل المجموع، ولكن أكبر ما تمعنون فيه النظر بعد القرآن أحاديث الرسول، والتعبد بالأدعية والأذكار المروية عنه فى الكتب التى ذكرناها لكم، وهذا فيه الغنية التامة، والكفاية العظمى عن جميع ما تقرءونه من الأوراد، والأحزاب، والدلائل، والتوسلات التى لم يتعبد بحرف واحد منها أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا أئمة الدين، أسأل الله لى ولكم الهداية والاعتصام بكتابه وسنة نبيه، آمين.

стр. 25

بدعية جمع القراءات فى سورة أو آية واحدة سئل شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، عن جمع القراءات السبعة، هل هو سنة أم بدعة؟ وهل جمعت على عهد رسول الله أم لا؟ وهل لجامعها مزية ثواب على من قرأ برواية أم لا؟ فأجاب بقوله: الحمد لله، أما نفس معرفة القراءة وحفظها فسنة، فإن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول، فمعرفة القراءات التى كان النبى ﷺ يقرأ بها، أو يقرهم على القراءة بها، أو يأذن لهم وقد أقرئوا بها سنة، والعارف بالقراءات الحافظ لها، له مزية على من لم يعرف ذلك، ولا يعرف إلا قراءة واحدة، وأما جمعها فى الصلاة أو فى التلاوة، فهو بدعة مكروهة، وأما جمعها لأجل الحفظ والدرس، فهو من الاجتهاد الذى فعله طوائف فى القراءة، وأما الصحابة والتابعون، فلم يكونوا يجمعون، والله أعلم. وقال فى موضع آخر: وأما الجمع فى كل القراءة المشروعة المأمور بها، فغير مشروع باتفاق المسلمين، بل يخير بين تلك الحروف، وإذا قرأ بهذه تارة وبهذه تارة كان حسنا. وقال بعد حديث الصحاح وهو: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، فاقرءوا بما تيسر»، ومعلوم أن المشروع فى ذلك أن يقرأ أحدها أو هذا تارة وهذا تارة لا الجمع بينهما، فإن النبى ﷺ لم يجمع بين هذه الألفاظ فى آن واحد، بل قال هذا تارة وهذا تارة. أ. هـ. بدع وضلالات متعلقة بالقرآن العظيم فمن ذلك أخذ الفأل والبخت من المصحف، ولا أدرى ماذا يصنع صاحب البخت إن وقف على آية: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٩]، أو: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [العلق: ١٥]، أو: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ [العلق: ١٦]، أو: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨] مثلا. وفى كتاب أدب الدنيا والدين، أن الوليد بن يزيد تفاءل يوما فى المصحف، فخرج له قوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم: ١٥]، فمزق المصحف وأنشأ يقول: أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقنى الوليد فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، فنعوذ بالله.

стр. 26

وهذا فعل مذموم جدا يجب تركه ومحاربته، وكذا قولهم: إن النبى ﷺ يحزن ويتألم من قراءة سورة: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] لأجل عمه، فلا تقرأ ولا يصلى بها، وكيف ذلك وقد أنزل الله: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١] الآية، واعتقادهم أن من حلف على المصحف يصاب بالعمى والكساح هو من خرافاتهم وجهالاتهم المضحكة، وإنما هو يمين يكفر عنها إن رأى أن غيرها خير منها على بعض المذاهب، وإلا فهو يمين غموس، أى يغمس صاحبه فى النار، وقراءتهم سورة يس أربعين مرة بدعائها المخترع المحدث لإهلاك شخص، أو فك مسجون، أو قضاء حاجة، جهل أيضا وبعد عن اتباع الحقائق الشرعية. وحديث: «يس لما قرئت له». قال الحافظ السخاوى: لا أصل له، وكذا حديث: «خذ من القرآن ما شئت لما شئت»، فتشت عنه كثيرا فى الكتب، فلم أجد له أصلا، وفى آخر تفسير سورة يس من البيضاوى والنسفى أحاديث موضوعة فى فضلها، فينبغى أن لا يعول عليها، وجمع آى سجدات القرآن والسجود عند كل آية بدعة تقدم الكلام عليها، وجمع تهليلات القرآن كما فى حزب البيومى، ابتداع فى الدين، واختراع لا يرضى، وقراءة النساء القرآن على الرجال فى المحافل وغيرها ممنوع شرعا، وقد قال الرسول ﷺ : «إذا نابتكم نائبة فى صلاتكم فسبحوا، إنما جعل التصفيق للنساء»، كذا فى الصحيح، أينها هن الرسول عن التلفظ بسبحان الله فى الصلاة ونجلسهن بيننا للتغنى بالقرآن على مقعد خاص فى محافل الرجال؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥]، وكتب آيات السلام ك سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ [الصافات: ٧٩] بدعة ضلالة أيضا. وجعلهم المصحف حجابا يعلقونه على أنفسهم، وعلى مواشيهم جهل شنيع وبدعة، وحمل النساء له أيام حيضهن، ونفاسهن، ووقت جنابتهن، ضلال كبير، وامتهان لكتاب الله القدير، وخبر نزول دم عثمان عند قتله على كتاب الله على لفظ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧] باطل لا أصل له، كما فى أسنى المطالب، وحديث شمهورش قاضى الجن الذى فيه: حدثنى سيد المرسلين محمد ﷺ قال: «حدثنى جبريل، قال: حدثنى إسرافيل عن رب العزة أن من قرأ سورة الفاتحة فى نفس واحد لقضاء حاجة قضيت»، هذا باطل معارض بما عرف من أنه ﷺ كان إذا قرأ يقف على رءوس الآى ويمدها، ثم لماذا وما فائدة قراءتها فى نفس واحد؟ إن هذا لمن أفرى الفرى على الله ورسوله، ولو كان صحيحا لثبت فى الصحاح والسنن، واشتهر على

стр. 27

ألسنة الصحابة والتابعين، ولم تقتصر روايته على شمهورش الجنى. وإننى لأعجب كيف يروج هذا على عقول العلماء؟ وكيف يقبلونه؟ وكيف يحفظونه ويقرءونه على الناس، وفى مصنفاتهم يكتبونه؟ وقد سمعت هذا الحديث من شيخ أزهرى يقال له: عالم، وقرأته على ظهر كتاب لشيخ من المتأخرين، فيا للأسف على فساد عقول رؤساء الدين، ورواج الأباطيل والأضاليل والترهات على من اشتهر من بين الناس بأنهم كبار المسلمين، وعلى عدم معرفتهم بين الصحيح والمكذوب على الرسول الأمين ﷺ . وإننى والله لا أثق أبدا بعلم ولا دين هؤلاء ما داموا لا يفرقون بين الحق والباطل، والصحيح والموضوع، ولا بين الأنوار الربانية المحمدية، والظلمات الشيطانية. والدعاء الذى فى آخر المصاحف لا يجوز التعبد به قطعا، بل هو مذموم وممنوع شرعا؛ لأنه مخترع وليس مأثورا، بل كله بدع ضلالات، وتوسلات موضوعات، فلا تحل قراءته، بل ولا كتابته فى آخر المصاحف، والقرآن والسنة كافيان شافيان، قال الله تعالى مسفها وعائبا أحلام من لم يكتفوا بكتاب الله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١]، وفى الحديث: «كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتاب نبيهم أنزل على نبى غير نبيهم» رواه أبو داود فى مراسيله. فكيف بكم وقد أصبحت جل عباداتكم لا هى عن نبى من أنبياء الله المتقدمين، ولا هى عن نبيكم محمد ﷺ ، ولا عن أصحابه، بل أوحى بها الشيطان على بعض المتعالين، فحذار من التعبد بما لم ينزل على نبيكم، ولا فعله أصحاب نبيكم، إذ المتعبد به بدعى، جاهل، غبى. وقراءة الختمات التى يعملونها للأموات ويجتمع لها القراء ويفرقون على بعضهم أجزاء الأربعة- المصحف- ثم يستفتحون القراءة ويختمونها جميعا فى ساعة، ثم يهدون ثواب ما قرءوه للمتوفى، بدعة ضلالة فاعلها غاية الجهالة، ولو عاشوا عمر نوح يبحثون فى الشريعة الغراء على دليل يدل على ذلك لما وجدوه، وهؤلاء لو أن الداعى لهم أخرج لهم الغداء أو العشاء قليلا، أو أعطاهم قروشا قليلة، لفضحوه وسبوه ولعنوه لعنا كبيرا، فنعوذ بالله من الجهل والشقاء والخيبة. والقارئ، الفقى، الراتب فى البيوت دائما وفى رمضان بدعة، ودخولهم على النساء

стр. 28

حال غياب الرجال مفسدة ودياثة، وشحذ القراء بالقرآن فى الشوارع والطرقات ضلال كبير، وشر خطير، ولو استغنوا بتجارة أو صناعة لغناهم الله قطعا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٢، ٣]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق: ٤]، وفى الحديث عنه ﷺ قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا» رواه الإمام أحمد، والترمذى، وابن ماجة، والحاكم، عن عمر بسند صحيح كما فى الجامع، فاتقوا الله أيها القراء، وتوكلوا على الله وتحرفوا لدنياكم، «فإن الله يحب العبد المؤمن المحترف، واعرفوا ربكم وادعوه، فإنكم لو عرفتم الله حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال» وذكرهما فى الجامع. وقراءة الفاتحة زيادة فى شرف النبى ﷺ بدعة لا أصل لها، وقد قال تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦]، ولم يقل: اقرءوا عليه، وقراءة الفاتحة بنية قضاء الحاجات، وتفريح الكربات، وهلاك الأعداء، بدعة لم يأذن بها الدين، وقراءة الفاتحة بالسماح كما يفعله الفقراء بدعة، وقراءة الفاتحة عند شرط خطبة الزواج واعتقادهم أن قراءتها عهد لا ينقض بدعة واعتقاد فاسد وجهل. وقراءة سورة الفيل إلى كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: ٥] ثم تكرير كَعَصْفٍ مرات لأجل إسكات الكلاب عن النباح، واعتقادهم أنها تمنع الكلب عن عض الإنسان، وأنه إذا قرأ لفظة مَأْكُولٍ عضه الكلب، هذا هو كلام واعتقاد من لا عقل له ولا دين. والمسبعات: الفاتحة، والمعوذتان والإخلاص، والكافرون سبعا سبعا بدعة، لم يرد فيها ولا حديث ضعيف، ولم يتعبد بها الرسول ﷺ ، ولا أحد من خلفائه، ولا أصحابه، فما هى إلا منام رآه إبراهيم التيمى، وليست المنامات شريعة يتعبد بها. والفائدة التى يعملونها لجلب الرزق، ويصومون عن أكل كل ذى روح أياما، ويحتجبون عن الناس فى الخلوة فى مكان مظلم، ويكررون عقب كل صلاة مئات المرات آية: وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ [يس: ٧٢] هى باطلة قطعا، ولا تعود على صاحبها بأدنى فائدة، بل بالخيبة الدائمة، والذى يجلب الرزق حقا، ويفتح لك بركات السماء والأرض، إنما هو تقوى الله، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ٩٦].

стр. 29

وقولهم: كان السيوطى إذا أراد أن يفسر القرآن، خرج إلى الجبل ففسره هناك خوفا من الخطأ فى التفسير، فإنه ينزل الغضب على أهل البلد، كلام باطل لا أصل له البتة، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان، ليصدهم به عن سبيل الله، وقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧]، أى متذكر ومتعظ به، وقال تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت: ١ - ٤]، وقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩]. ولهذا الجهل الفاشى بينهم، ترى الناس جميعا، حتى حملة القرآن، يتحاملون عن التكلم فى معنى آية من كتاب الله، وإن كان أحدهم حافظا لمعناها، وإن كان سمع تفسيرها عشرين مرة، وإن كان قرأها فى التفسير مائة مرة، فتراهم يتناهون بحدة وشدة، يقولون: ارجع ارجع أحسن تنزل علينا الغضب، ما لك وما للتفسير، خلى التفسير لأصحابه يا عم. ومن هنا عم فينا الجهل وطم، وساءت أخلاقنا، وسفهت أحلامنا، وقسمت قلوبنا، فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤]، وعصى الله ورسوله جهارا، وبعدنا عن كل فضيلة، ووقعنا فى كل رذيلة، حتى صرنا أذل وأحقر الأمم بعد أن كانت العزة والسلطان لنا، وكل هذا بسبب هجرنا وبعدنا من تعاليم القرآن السامية، وعدم اعتناقنا لأوامره ونواهيه، وإعراضنا عن فهمه وتدبر معانيه، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه: ١٢٤]، وقوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦] وقوله: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً [الجن: ١٧]، وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [الكهف: ٥٧]. واعتقادهم كفر من غلط، أو لحن فى قراءة سورة الكافرين اعتقاد باطل فظيع شنيع، ومتى يتعلم الإنسان دينه، وكتاب ربه، إذا كان بغلطة ينزل عليه وعلى أهل بلدته المقت والغضب، وبلحنه يكفر ويخرج من الدين؟ نعوذ بالله من ضلال المضلين، ومن الشيطان الرجيم، لما علم الشيطان عظم أجر هذه السورة ألقى هذا بين الناس. فقد روى الطبرانى، والحاكم، أنه ﷺ قال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ تعدل ربع القرآن» حديث صحيح، كما فى الجامع، وقد تقدم فى الحديث المتفق عليه أن: «الذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له

стр. 30

أجران»، وورد: «من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه، فله بكل حرف حسنة» وصححه ابن قدامة. وكتاب الدر النظيم فى خواص القرآن العظيم لا تجوز قراءته، ولا العمل بما فيه، وليس فيه جملة نافعة، ولا فائدة صادقة، بل كل فوائده وجمله كاذبة خاطئة، ومثله كتاب الفوائد فى الصلات والعوائد، إلا أن هذا خلط، فجمع بعضا من الصحيح، والضعيف، وبقيته أكاذيب، وخرافات، وأباطيل، وترهات، وأضاليل، وتمويهات، أعاذ الله منها المسلمين والمسلمات. وقولهم لقارئ القرآن: الله الله، كمان، كمان يا أستاذ، هيه هيه، الله يفتح عليك، حرمه الله بقول: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤]، والحق أنهم لم يلتذوا بألفاظ القرآن؛ لأنهم لم يفقهوا لها معنى، بل ما كانت لذتهم إلا من حسن نغمة القارئ، والدليل على ذلك أنه لو قرأ قارئ ليس حسن الصوت، السورة بعينها، التى كانت تتلى عليهم لانفضوا من حوله، سابين لاعنين له ولمن جاء به، قائلين: جايب لنا فقى حسه زى حس الوابور. ولقد وصف الله المؤمنين من عباده بأنهم: إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الأنفال: ٢]، وقال فيهم أيضا: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣]. ذكر أسباب إعراض الناس عن القرآن هذه الأسباب كثيرة جدا، وليس منها ما يعد عذرا مقبولا عند الله تعالى، وسنبين لك هذا إن شاء الله، فنقول: المعرضون طوائف: الطائفة الأولى: العلماء، ولإعراضهم عن القرآن سببان: السبب الأول: أن الكتب التى يقرءونها ويتدارسونها لم توصلهم إلى إدراك حقائق هدايته، ولم تكشف لهم أنواره الربانية، وأسراره الصمدانية، ومواعظه الرحمانية، وإرشاداته المؤثرة، وترغيبه وترهيبه، وقصصه، وعجائبه، ومحاسنه، وغير ذلك مما لو أنزله الله: عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١]، ذلك لأنها مشحونة بالمسائل المنطقية والبيانية والفلسفية، وإظهار وجوه الإعراب والصرف،

стр. 31

ولذلك كانت الهداية والدلالة بها على الله ودينه قليلة جدا، ولذا نرى كثيرا منهم يتركون الصلاة، وينقرونها نقرا، مخلين بها، ويرتكبون الكبائر من المحرمات، فقطعا هم لم يذوقوا طعم القرآن، والله لو ذاقوا طعمه وحلاوته ولذة مناجاته تعالى لما وقعوا فى محارم الله، ولأداهم ذلك إلى الجهاد فى سبيله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، وخصوصا فى عصرنا هذا الذى سالت فيه سيول الفتن والأضاليل، وكادت عواصف الملحدين والزائغين والمبتدعين تنسف أنوار الهداية المحمدية نسفا. وهذا هو مقتضى القرآن والإيمان، فإن الله تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]، فليس صادقا فى إيمانه من لم يجاهد فى سبيل الله بماله ونفسه، وأى جهاد أعظم من دعوة الناس جميعا إلى الاستمساك بالقرآن ونواهيه بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلا فبالعنف والشدة، كما قال تعالى: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣] الآية. فلما لا تظهرون للناس عجائب القرآن السامية، ومعجزاته الهادية، وعلومه العالية، وقصصه الوعظية، وسياسته الاجتماعية، وإدارته المدنية بأساليب الإقناع العصرية، التى انتهجها أخوكم صاحب المنار فى تفسيره، وفى كتابه الوحى المحمدى، الذى أظهر فيه علوم القرآن ومعجزاته ما يحتاج إليه العالم الإنسانى، فتضاربون بأعاجيب كتاب ربكم، وسنن نبيكم، وحلاوة فصاحتكم، وعذوبة بلاغتكم، أعاجيب السينمات والتياترات واللونباركات ومسارح الرقص والغناء، إنكم لما أعرضتم عن تعليم وإرشاد وجهاد أبنائكم وإخوانكم، أعرضوا عنكم وانصرفوا إلى ملاذهم وشهواتهم، فاللوم عليكم. ثم لماذا لا تكاتبون حكومتكم الإسلامية بذلك؟ لماذا لا تتخذون رؤساء الحكومة إخوانا لكم، فترغبون فى القرآن والإيمان ورضاء الرحمن؟ وجنة عالية قطوفها دانية؟ وترهبونهم من ترك القرآن ومعصية الرحمن، ومن نارٌ حامِيَةٌ [القارعة: ١١] ومن سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة: ٤٢ - ٤٤]، إنكم لو فعلتم ذلك لوجدتم وفاقا، واتفاقا، وألفة، ومحبة، ومودة بين سائر المسلمين، فلما لم تفعلوا أحل بنا ما حل، فأنتم المسئولون بين يدى ربكم عن ضياع هذه الأمة بسبب إعراضكم عن كتاب الله. السبب الثانى: مرتباتهم الضخمة، وجراياتهم الكثيرة، فإن الذين يأخذون خمسين وستين جنيها، إلى تسعين ومائة، إلى خمسمائة وستمائة، مرغمون ومضطرون إلى تنميق

стр. 32

مآكلهم، ومشاربهم، وملابسهم، ومناكحهم، ومساكنهم، وأتومبيلاتهم، وجراجاتهم، واستثمار أموالهم، وتكثير أطيانهم وعزبهم، وقصورهم، وبنائهم، وتشييدهم، وتجديدهم، وتصليحهم، لكل ذلك وهذا وغيره يحتاج ضرورة إلى ضياع أكثر الأوقات. ثم اعلم أنا لا نقول لهم: ألقوا بأموالكم فى البحر، أو بددوها، أو وزعوها على الناس، كلا كلا، بل نحن نعلم أن عزة الإسلام والمسلمين لا تكون إلا بالأموال، ولكنا نقول لهم: وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٤١]، انشروا علوم الإسلام على المسلمين، وافتحوا لهم فى البلاد المدارس، وقرروا فيها حفظ القرآن، وتدريس التفاسير وكتب السنة والتوحيد، ووظفوا فيها العلماء العاملين، ورتبوا لهم المرتبات، واحبسوا عليها الأوقاف، فإن خريجى الأزهر يكثرون عاما بعد عام، ولا يجدون كسبا يعيشون به كما تعيشون، بل هم عالة على أهليهم وأقاربهم وعلى الناس، يعلمون كل الوسائل للحصول على وظيفة بمسجد يتعيشون منها، ويجلسون ينتظرون السنين العديدة حتى يبيعوا كتبهم ويخرجوا إلى بلاد الأرياف كى يسهر الواحد منهم فى رمضان عند رجل بجنيه واحد، وبعضهم يعظون فى المساجد، وبعد الوعظ يقول الواحد للناس: إننى عالم مسافر إلى بلدى، وليس معى ما يوصلنى فساعدونى، وبعضهم يبكى ويقول: احترق منزلى أو ثيابى، أو يقول: سرقنى النشال، وهم كاذبون. وإنما أوقعهم فى الكذب شدة ما هم فيه من الفقر والفاقة، فهلا كفيتم هؤلاء المساكين ذل السؤال؟ هلا سافرتم إلى البلاد ففتشتم على بلد ليس فيه علم فأسستم فيه مسجدا ورتبتم فيه عالما؟ هلا أرسلتم على نفقاتكم وعاظا يجوبون البلاد، ويعلمون العباد، وينشرون الإصلاح، ويخمدون نار الإفساد؟ كلا بل ألهتكم أموالكم عن تبيان أوامر الله ونواهيه، وهلا تدبرتم قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: ١٥٩]، وقوله: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٢٤]. الطائفة الثانية: جماعة الأغنياء البخلاء، أطغتهم الأموال، وألهتهم الآمال، فكانوا ممن أو كمن قال الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [إبراهيم: ٢٨]، منعوا الزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة والمندوبة، فعشوا عن

стр. 33

القرآن الكريم، والذكر الحكيم، فسلط الله عليهم الشياطين، يدعونهم إلى الشر، ويأمرونهم بالمنكر، وينهونهم عن المعروف، ويجرونهم إلى السينمات، وحفلات الرقص والغناء، ويصدونهم عن الجمعة والجماعات، وسماع القرآن والخطب، فهم يجاهدون فى سبيل الشيطان بأموالهم وأنفسهم معرضون عن الحق، وقد قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦]، فيا أغنياء المسلمين وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الحديد: ١٦]. الطائفة الثالثة: القراء الذين لا يقرءون القرآن إلا لجمع حطام الدنيا، فيتلونه فى حفلات المآتم والختمات والليالى، وكثير منهم يتعلمون القراءات لأجل التعيش، ولأجل أن يرغبوا فيه أكثر من غيره، ولأجل أن يكتسب هو أكثر منهم، ولو سألتهم عن معنى كلمة واحدة من كتاب الله لعجزوا، ومن الناس من لا يحفظون أولادهم القرآن إلا لأجل إعفائهم به من القرعة العسكرية، ومنهم من يعلمونه أبناءهم وبناتهم العميان لأجل المعيشة والارتزاق، وما لهذا أنزل القرآن. الطائفة الرابعة: المتصوفة، والسبب فى إعراض هؤلاء الناس عن القرآن إنما هو اشتغالهم بأحزاب مشايخهم، وأورادهم، وبالبيارق، والبازات، والليالى، والختمات، والموالد، والحضرات، والمنامات، والتخمير بسانوريا مانوريا سبايبنيرا، والواجب على العلماء أن يحاربوا هؤلاء الأقوام. الطائفة الخامسة: جماعة المتفرنجين والصناع، وهؤلاء قد شغلوا بقراءة الجرائد السياسية، والمجلات الفكاهية والهزلية، وكتب الحكايات والروايات والقصص والأشعار، كالزير سالم، وأبو زيد، والمهلهل، فتراهم يحفظون الكثير من المسائل الطويلة السياسية، والحكايات والقصص والفكاهات والشعر وغير ذلك، ويحفظون قليلا ولا كثيرا من علوم الإسلام، بل يعدون المقبلين على فهمها والعمل بها مجانين، أو عقولهم متأخرة، وهؤلاء كل آية فى القرآن نزلت فيمن يعرضون عن ذكر ربهم تصفعهم هم على نواصيهم، قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [الكهف: ٥٧]، وقد وصف الله المعرضين عما ذكروا به بالحمر، فقال: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (١) [المدثر: ٤٩، ٥١].

стр. 34

وقال فى أمثالهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ [الجمعة: ٥]، وقال: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤]، وقال: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ (١) مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ (٢) بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٣) [المؤمنون: ٦٣ - ٦٦] الطائفة السادسة: الجماعة الأميون، وهؤلاء يحفظ أحدهم مائة موال، ومائة حدوثة، وكثيرا من الأحراز والفوازير، ويذكر لك كل ما يسمعه من الحكايات، وكل ما يقرأ أمامه من قصة الظاهر بيبرس، أو عنترة، أو خليفة، ثم إذا خاطبته فى حفظ شىء من القرآن ليصحح به صلاته يعتذر لك بعدم القراءة والكتابة، ويقول لك: يا سيدى بعد ما شاب يودوه الكتاب، هذا جوابهم مع أنا نرى منهم من يخاطب الإفرنج بلغاتهم، وإننى لأعرف أناسا أميين يجيدون قراءة وكتابة اللغات الأجنبية، ولا يحسنون النطق بسمع الله لمن حمده، ولا بالفاتحة، فالمسألة راجعة إلى العناية والاجتهاد، فلو اجتهد رجل أمى فى حفظ ما يسمعه من أوامر الدين ونواهيه، ومن آيات القرآن وسنن النبى ﷺ ، كبعض محافظته على التعاليم الأجنبية لحفظ شيئا كثيرا، بل لو شاء حفظ القرآن كله، وألف حديث نبوى لكان ذلك سهلا عليه جدا، وجماعة العميان أكبر شاهد ودليل على ذلك، ولكنهم أعرضوا ونأوا ف وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٣١]، واذكروا قول ربكم لنبيه: وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه: ٩٩ - ١٠٢]. الطائفة السابعة: جلاس حانات الخمور، وآلات اللهو والطرب، وجلاس المقاهى، ولاعبى النرد، والطاولة، والكتشينة، والضمنة، وأصحاب الحشيشة، والأفيونة، والكوكايين، والتبغ، والدخان، والتنباك، وغير ذلك، وهذه الأشياء الخبيثة الملعونة قد أضرب وأفسدت أخلاق كثير من الشبان، بل والشابات، وكم قد خربت من بيوتات كانت عامرات، فهى التى فتكت بكثير من العائلات، وإنه لا سبيل إلى الخلاص من

стр. 35

هذه الدواهى كلها والطوام والرزايا العظام إلا اتفاق العلماء جميعا على الدعوة إلى الله، وإلى الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، بالاجتهاد والمثابرة والصبر على الدعاية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتى هى أحسن مع أهل الزيغ والضلال، والمبتدعة الجهال. لكن لا يتم هذا العمل إلا بمساعدة الحكومة لهم، ولن تساعدهم الحكومة أبدا إلا بعد اتفاقهم التام مع رؤسائها، ولن يتفق معهم رؤساؤها إلا بعد تبيانهم لهم حقائق الدين ومحاسنه العالية الغالية، وعظمته، وأبهته، وجماله، وجلاله، وكماله، ورحمته، وعدله، وإحسانه، وفضله، وبعد أن يدخلوا نور القرآن والإيمان والعلم الصحيح فى قلوبهم، وبهذا يتم العمل، وينشر الدين، ويتحد المسلمون وينتصرون على عدوهم، وتكونون أنتم علماء عالمين مجاهدين فى سبيل الله، هذا وإلا فمن قومكم من استحب الكفر على الإيمان، ومنهم ألوف يسبون الدين بغير مبالاة، بل ومنهم من يسبون الله ويسبون رسول الله، ورأينا منهم من يرى أن العار الكبير فى الأذان والصلاة ويقف على باب بيته حيث يمنع ابنه من الخروج لأداء الصلاة، وقد سمعناهم جهارا يقولون: ليتنا خلقنا إنكليزا، أو يهودا، أو نصارى، حيث إن المسلمين اجتمع عليهم أشقى الشقاء، فقر الدنيا وعذاب الآخرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. حكم الجهر بقراءة سورة الكهف بالمسجد، وسماعها من المذياع فى المسجد س: سبق أن أديت فريضة الجمعة بأحد مساجد الوجه القبلى، فوجدت أهالى القرية يستعملون جهاز الراديو لتلاوة القرآن الكريم بدلا من المقرئ، فهل يجيز الشرع ذلك؟ الجواب: إن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فى المسجد فى الوقت الذى اعتيد أن تقرأ فيه، وعلى الكيفية التى تقرأ بها، شىء حدث بعد العصور الأولى فى الإسلام، ولم يؤثر حتى عن عصر الأئمة أنها كانت تقرأ بتلك الكيفية، فهى من هذه الجهة تدخل فى دائرة البدع، وقراءتها تحدث تشويشا على المتنفلين والذين يؤدون تحية المسجد، فإذا فرضنا أنها لم تقرأ أصلا لكان خيرا. وسماعها عن طريق الراديو ليس إلا سماع قراءة جهرية لسورة الكهف بالكيفية المبتدعة، وحكمها حكم سماعها أو قراءتها من نفس القارئ، فمن شاء أن يترك سماعها عن طريق الراديو فليترك قراءتها عن طريق قراءة القارئ.

стр. 36

والعبارة مأثورة عن الشرع لا يصح الزيادة فيها بما لم يؤثر عنه ﷺ ، وبخاصة إذا أحدث ذلك فى نفس الجمهور أنها عبادة مشروعة بهذه الكيفية فى ذلك الوقت. ومن هنا خاصة نرى الكف مطلقا عن قراءة سورة الكهف فى ذلك الوقت وبتلك الكيفية حتى لا يعتقد الناس أن غير المشروع مشروع (١).

стр. 37

الفصل الثانى إلزام القرآن للماديين والمليّين ١ - معنى المادة والماديين كثر إطلاق المادة على مجموع الأجرام التى يتألف منها العالم المشاهد، وعلى ذلك فالماديون هم الذاهبون إلى نفى كل موجود سوى المادة المذكورة، وأن وصف الوجود مختص بما يدرك بالحواس الخمس، لا يتناول شيئا وراءه، ويقال لهم: الطبيعيون، وذلك أنهم سئلوا عن منشأ الاختلاف فى صور المواد وعوارضها، والتنوع الواقع فى آثارها، فنسبوه إلى طبيعة هذه الأشياء، ومن زعمهم أن المادة وجدت بنفسها، ويستحيل أن تكون من العدم، قالوا: لأن العقل لا يمكن أن يتصور مادة تتلاشى إلى درجة العدم، فكيف يحكم بوجودها فى زمن من الأزمان فى حالة لا يمكن أن تصير إليها، وزعموا أن العالم لم يزل ولا يزال لا يتغير ولا يضمحل، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التى فيه، إلى آخر مفترياتهم وادعاءاتهم الفارغة. وقد بطل قولهم: أن العقل لا يمكن أن يتصور مادة تتلاشى إلى درجة العدم، بما ثبت فى هذه الأيام عن طريق الحس والتجربة من تحول المادة وتلاشيها إلى قوة صرفة، ومعنى محض. وبما أنهم قالوا بأزلية المادة، فقد أنكروا الخالق، وبما أنهم قالوا بعدم زوال هذا العالم، وأنه لا يضمحل أبدا، فقد أنكروا البعث، وبضرورة الحال ينكرون رسالة خاتم النبيين محمد ﷺ . هذا وقد أبطل العلماء قدم المادة، حيث قالوا (١): ومما أحال قدم المادة، أن القديم لا بدّ من كونه كاملا، موجودا بذاته، لا يقبل تغيرا، هذه أخص أوصافه، وذلك لأنه لو كان غير كامل، للزم أن يتكامل بغيره متصاعدا، حتى يصل إلى كائن كامل فى ذاته، لا يفتقر إلى غيره، ولو كان غير موجود بذاته، للزم أن يكون له علة قد أوجدته، فلا يكون أزليا، ولو كان يقبل التغير، لتواردت عليه البدايات والنهايات، فكان غير قديم.

стр. 38

وأوصاف القديم هذه لا تنطبق على المادة بوجه؛ لأن المادة ناقصة تتكامل دائما وأبدا، متعددة، ليس لها وجود من ذاتها، تتغير وضعا، وفعلا، واتصافا، إذ يتعلق الواحد فيها بالآخر، مما يجره إليها كل من التدافع والتجاذب، وحينئذ فلا تكون المادة قديمة، ومعنى ذلك أن المادة حدثت من العدم. فإن قال قائل: كيف تحدث المادة من العدم؟ قلنا: قال بعض المحققين: دعوى أن الحدوث من العدم محال، يقال عنها: إنها محال بنفسها، لا بفعل قادر أزلى، وعدم إدراكنا لذلك وكونه مما يفوق طور العقل لا ينفيه، إذا لا يلزم من جهل الأمر نفيه، وقد اعترف الماديون بتعذر معرفة أصل المادة، وكم من أشياء مشهورة يعسر على الإنسان إدراك حقيقتها، وكما أنه لا يحق لمن لا يبصر أمرا أن ينكر وجوده، فهكذا ليس لمن لم يفهم حقيقة الخلق أن ينكر وجوده، لا سيما وهى من غيب الغيوب، وأبطن البطون. وقال آخر: لا يخفى أن الاعتراض يرجع إلى هذا، وهو لا شىء يصير من لا شىء. فنقول: إن أريد به أنه لا موجود بدون موجد، فهو صحيح إجماعا، وأما إذا كان المراد به لا شىء، يمكن أن يصدر من لا مادة، ففيه تفصيل، فبالنظر إلى الأسباب المتناهية القوى التى تشاهد فى عالم الحس، لا خلاف فيه؛ لأن الخليفة أيا كانت لا تقدر أن تصنع من لا شىء شيئا. وأما بالنظر إلى الخالق جل وعلا، فباطل، إذ من شأن القوة غير المتناهية إلا تتقيد بشيء خارج عنها، فيمكنها أن توجد الشيء من العدم البحت، أى لا من مادة كيفما شاءت، ومتى شاءت، وإلا كانت متناهية محدودة، وذلك محال عليها، ولا يلزم من قدمه تعالى قدم المخلوقات، إذ هو تعالى فاعل مطلق، لا يضطره شىء، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. أ. هـ. هذا موقف العقلاء من بيان فساد مذهب الماديين فى إنكارهم الخالق جل وعلا، والبعث، ونبوّة خاتم الأنبياء. أما موقف القرآن، فقد ألزم كل مكلف من إنس وجن، ذكر وأنثى، بهذه المطالب الثلاثة، وفى أوائل سورة البقرة بيان لها، ففي قوله سبحانه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، إيمان بالخالق وتوحيده، وفى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: ٤]، إيمان بنبوّة محمد والأنبياء جميعا، عليهم الصلاة والسلام، وفى قوله جل شأنه: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: ٤]، إيمان بالبعث والمعاد.

стр. 39

وقد خص هذا بالذكر بعد دخوله فى قوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، لمزيد العناية به، ورفعة شأنه، وقد بينت الآية بعد ذلك فى قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥]، أن هؤلاء المؤمنين بهذه المطالب الثلاثة، هم المتمكنون من الهدى الإلهى، وأنهم دون غيرهم المفلحون، الظافرون بكل محبوب، الناجون من كل مكروه. وقد سلك القرآن الكريم فى إثبات هذه المطالب عليهم، وإلزامهم بها، طريق النظر والفكر، فبه يتوصل إلى العلوم، ويهتدى إلى الحقيقة. قال جمال الدين الخوارزمى فيما نقله عنه العلامة القاسمى: النظر هو قانون الاستدلال فى الأمور، وقاضى الصدق، وبرهان الشريعة، وترجمان الإيمان، وحجة الأنبياء، ومحجة الأولياء، والسيف القاطع على الأعداء، وهو رأس السعادة فى الدين، فأساس التدبير، وصحة الاعتقاد، وخلاصة التوحيد فى ناصية النظر، كما أن أساس الكفر والشرك فى جانب التقليد. وما دام فى العالم حق وباطل، ولكل منهما مشايعون، فلا يتصور معرفة الحق من الباطل إلا بالنظر، والإنسان خلق كامل الرأى، عظيم الفكر، دراكا للمعانى، وأعطى الإدراك وهو العقل، فإذا استعمله على وجهه، وقع عنده العلم للمنظور فيه، كما يقع العلم بالمدركات عند الإدراك، فعند فتح الأجفان يبصر الأشياء، وعند الاستماع يسمع، وعند استعمال اللسان يتكلم، كذلك عند النظر يعلم. فنحن معشر المسلمين نعرف الحق من الباطل بالنظر، ونعرف الكفر من الإيمان بالنظر، ونعرف الله ورسوله بالنظر، ونعرف أن التقليد بلا برهان باطل، ولا معصوم إلا رسول الله ﷺ ، كل ذلك بالنظر، وبالجملة فالناس من عهد آدم، ﵇، إلى منقرض العالم، إذا نزلت بهم نازلة يرجعون إلى النظر والفكر، سواء كان فى أمر الدين أو الدنيا، ويقول بعضهم لبعض: انظروا وتفكروا، فلولا أنه طريق واضح، ومنهج لائح، لما فزعوا إليه. أ. هـ. بتصرف. ونحن نسير مع القرآن الكريم فى إثبات وبيان هذه المطالب الإيمانية الثلاثة: المطلب الأول: وجود الصانع وتوحيده: الآيات فى هذا المطلب كثيرة جدا، فهى أكثر من أوراق الأشجار، كما أنها أجلى من ضياء النهار، وسوف نقتصر من هذه الكثرة على النذر اليسير؛ لاقتضاء المقام ذلك،

стр. 40

وسوف نجعلها تحت عناوين أربعة، وإن كان بعضها يتداخل فى البعض الآخر. أولا: آيات فى خلق الإنسان ونشأته. ثانيا: آيات فى إمداده بما يحتاج إليه من رزق وطعام. ثالثا: آيات فى بعض مظاهر الكون. رابعا: آيات فى مظاهر التدبير الإلهى فى أحوال الإنسان الخاصة. ثم بعد ذلك نذكر ما سبق به العلامة ابن رشد من الكشف عن المنهج القرآنى الذى سلكناه واخترناه، وهاك التفصيل: أولا: خلق الإنسان: الإنسان آدم أبو البشر، أول موجود على ظهر البسيطة، وأول نبى نزل عليه الوحى، كان خلقه من تراب، ولا يغيب عن البال ما قدمناه من إبطال أزلية المادة، وأنها لم توجد بنفسها، بل أوجدها الفاعل المختار، وعلى ذلك فآدم من تراب، والتراب مخلوق من العدم، ثم تحول التراب بعد صب الماء عليه إلى طين، فصار هذا الطين حمأ مسنونا، طينا متغيرا، ثم جف هذا الحمأ المسنون فصار صلصالا كالفخار، ثم سوى الله ﷻ صورة آدم، ﵇، من هذا الفخار، ثم نفخ فيه من روحه، فكان إنسانا أصلا لأبنائه الموجودين عموما إلى أن تنتهى الدنيا. ولا نريد أن نذكر هذا للماديين، فهم لا يصدقونه؛ لأنه غيب، ولا يؤمن بالغيب إلا المؤمنون الصادقون، وإنما نريد أن نذكر لهم كيف كان خلق ذرية آدم من بعده، فذلك محسوس لهم ومشاهد، فتكون الدلالة فيه ألزم، والحجة فيه أقوى. وسوف لا نتعرض لتفسير الآيات المسوقة إلا بالقدر الذى يتضح به المراد، وتظهر عنده الحقيقة. كيفية خلق الذرية: قال الله تعالى فى سورة المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. إن الماديين لا يستطيعون أن ينكروا هذه الأطوار فى خلق الذرية بحال من الأحوال، ولا يمكنهم أن يدفعوا منها شيئا، اللهم إلا إذا أمكن أن تنكر الشمس وهى طالعة، وينكر سواد الليل وبياض النهار.
следующие страницы →