← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38032

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

محمد فاروق النبهان

Полный текст (279 стр.). Показаны 246–279 · переход к 251.

стр. 246

الفصل السادس عشر: القصة في القرآن القرآن كتاب هداية، وهذا هو الأصل فيه، وكل ما ورد فيه من توجيه وما اشتمل عليه من منهج وما تميز به من أسلوب إنما يهدف إلى تحقيق تلك الغاية، ولذا فلا يمكننا أن نطبق المعايير البشرية المتعارفة على كتاب الله، ولو طبقت تلك المعايير عليه لانتفت الخصوصية القرآنية، وهي خصوصية في الأسلوب، وفي القصة، وفي النظم، وفي التصوير، وفي المنهج. والقصة في القرآن ليست قصة بالمفهوم الأدبي المتعارف عليه عند كتاب الرواية، ولا يمكن أن تكون كذلك، فالقرآن ليس رواية، وليست غايته سرد حادثة، وإنما غايته تحقيق هدف ينسجم مع رسالة القرآن .. وما يقصه القرآن من أخبار الأنبياء السابقين والأمم السابقة إنما يراد به أولا العبرة والعظة، ويراد به ثانيا تأكيد منهج الدعوة واستمرارية هذا المنهج، ويراد به ثالثا تصحيح الأحداث التاريخية ووضع تلك الأحداث في إطارها الصحيح، للتأكيد على أن أنبياء الله واجهوا تحديات وصعوبات وصبروا، ولم يضعفوا أو يستسلموا، وتابعوا طريقهم من غير تردد، مدافعين عن الحق رافعين لواء الإيمان بالله، مطالبين بتصحيح مسيرة الإنسان، مبرزين عظمة الفضيلة في السلوك الإنساني. والقصة في القرآن خبر عن أمم سابقة، وهو خبر عن غيب ولا يمكن أن يعلمه إلا من أوتي سعة من علم، وجاء الوحي بها، لتأكيدها وإقرارها وتصحيحها، وما كان أهل الجاهلية يعلمون إلا القليل من أخبار الرسل والأمم، ولا بد أن ما علموه دخله التحريف والتزوير والتشويه حتى أصبحت الحقيقة ضائعة، وجاء القرآن لكي يؤكد الواقعة، ويصحح الحدث، ويشير إلى العبرة، ويقود الإنسان إلى أن يكتشف بنفسه ما أراده القرآن من حتمية انتصار الإيمان على الكفر، وانتصار الخير على الشر.

стр. 247

والمحور العام الذي تدور حوله القصة القرآنية يتمثل في المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدعوة الإسلامية، من إيمان بالله ورفض لكل مظاهر الكفر والشرك، ومحاربة الظلم في المجتمع، وتشجيع الفضيلة، ومنطق الأنبياء واحد، ومنهجهم متماثل، ومنطق أهل الكفر والظلم أيضا واحد، في جاهلية مستمرة يصحح مسارها رسل الله في كل حين. قال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤]. وقال تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ [الحج: ٤٢ - ٤٤]. وهذه الآيات واضحات بينات على أن القصص القرآني كان يراد به تشجيع النبي ﷺ وتقويته لكيلا يضيق بكفر أهل الجاهلية وبتكذيبهم لدعوته، وألا ييأس من النصر، فهذا هو طريق الأنبياء والرسل، وهو طريق جهاد وصبر وهو محفوف بالأشواك والآلام والأحزان، ولكن النصر في النهاية لهم، لأن الله ناصرهم ومؤيدهم. قال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف: ١١٠]. ولا شك أن القصة يراد بها أولا النبي ﷺ ، ويراد بها ثانيا أصحابه ومن جاء بعدهم من المسلمين، لكي يعلموا جيدا منهج الإسلام.

стр. 248

قال تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [القلم: ٤٨ - ٤٩]. والقصة في القرآن تساق لغاية معينة، ولهذا يذكر من عناصر القصة ما يخدم تلك الغاية، ويحقق الغرض من إيراد القصة فالزمن لا يذكر غالبا إلا عند ما يمثل الزمن عنصرا من عناصر التعبير والتصوير، كقوله تعالى في حالة إخوة يوسف: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ [يوسف: ١٦ - ١٧]. وتصور القصة في القرآن الحدث وكأنه واقع فعلا، وتهيئ الأسباب النفسية لكي ينفعل القارئ بالحدث، ويعيش معه، ويراه أمامه كمشهد حي ناطق، وليس مجرد صورة جامدة ميتة، فليست الغاية القصة ولا المشهد وإنما الغاية إيراد قصة أو مشهد منها للتعبير عن معنى معين ينسجم مع أغراض القرآن في إبراز الصراع الدائم بين الحق والباطل، وتصوير حالة المشركين والطغاة وهم يدافعون عن مواقعهم أمام دعوة الأنبياء التي تهدف إلى تحرير المفاهيم الإنسانية وتصحيح العادات والقيم الاجتماعية، وخلق الإنسان يليق بخلافة الله في الأرض، فلا يطغى ولا يظلم ولا يذل ولا يسقط في هاوية الضلال .. ولو تأملنا في قصة الرجلين اللذين يملك أحدهما جنتين من أعناب، وتابعنا ذلك الحوار الرفيع المعبر عن عظمة القرآن في تقريب المعاني من الأذهان، وفي تصوير القيم الخالدة تصويرا رائعا، ما أعظم ذلك الحوار بين غافل عن الحق ظالم لنفسه دفعته غفلته إلى أن يعتز بماله ورجاله، ودخل جنته وهو يفخر بما يملك، وينظر نظرة صغار واحتقار لصاحبه المؤمن، ويقف المؤمن وقفة إيمان ونصح، ويقول له: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ثم يقول بلهجة الواثق من ربه فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً. وفجأة ... يأتي أمر الله .. وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها

стр. 249

وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً. وتأتي العبرة .. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ويأتي الهدي القرآني مقررا الحقيقة التي يجب أن يعيها البشر: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً [الكهف: ٣٢ - ٤٤]. إنه أروع تصوير، وأجمل تمثيل وأصدق تعبير عن الحياة في مظاهرها، وعن الإنسان في قصور نظره وعجزه وضعفه، وقليل ما هم أولئك الذين يدركون الحق فلا يخدعون أنفسهم، ولا تخدعهم الدنيا، موقفان لرجل .. الموقف الأول: يمشي بخيلاء، في جنتيه أعناب ونخل وزرع، ونهر يتدفق ماء وينظر باستعلاء لصاحبه: - أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا. ويشير إلى جنته بيده قائلا: ما أظن أن تبيد هذه أبدا. أما الموقف الثاني: جنة خاوية على عروشها، لا أعناب ولا نخل ولا زرع، ولا نهر ولا ثمر، ويقف صاحب الجنة حائرا دهشا يقلب كفيه لا يصدق ما يرى. ويبحث عن ناصر ينصره، فلا يجد رجاله ولا ماله. - يعود إلى حقيقته التي نسيها في لحظة غفلة. - يا ليتني لم أشرك بربي أحدا. وتسدل الستارة عن هذا المشهد الرائع المعبر .. وتظل الصورة في الأذهان ناطقة حية معبرة. وفي كل يوم يتجدد الحدث ويتجدد الحوار. وينسى الإنسان في لحظة الغفلة حكمة الحياة وعظمة الدرس. ويتجدد المشهد على مسرح الحياة. فرعون يقف شامخا بين قومه ينادي بأعلى صوته: - يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (١). ويشير بسخرية واستهزاء إلى موسى. - أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ.

стр. 250

وانحطت الهامات طاعة وذلا، وفجأة حل بهم عقاب الله وغرقوا جميعا فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. وتأتي العبرة: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ. ويتجدد المشهد. قرية بطرت معيشتها .. كذبت الرسل .. وظلمت .. وليس هناك أقسى من الظلم .. ولا بد من الهلاك .. هذا وعد الله .. وهذه هي العبرة .. وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (١). قصة موسى وفرعون: والحكمة في القصة في القرآن جاءت في القرآن نفسه واضحة في بداية سورة القصص طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص: ١ - ٣]، ثم يأتي بعد ذلك البيان، لماذا اختار القرآن قصة فرعون. والجواب واضح في الآية: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وفي البداية تلخص الآية الرابعة من سورة القصص القصة كاملة، قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٤]. وقبل أن تبدأ قصة فرعون وموسى التي جاءت مفصلة في سورة القصص جاءت الآية الخامسة في السورة مبينة الحكمة من القصة والعبرة من الواقعة، وفيها تشجيع للمؤمنين وبشرى للمستضعفين ووعد لهم بالتمكين في الأرض وتحذير وتخويف للمتكبرين والظالمين. قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً

стр. 251

وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٥ - ٦]. ثم تبتدئ القصة: - وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ. - فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ. - وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي. - إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. وفي هذه الآية القصة كلها .. إيحاء من الله إلى أم موسى بأن ترضعه، فإذا خافت عليه أمرت بأن تلقيه في اليم، وبشرت في نفس الوقت بأنه سيرد إليها، وأنه سيكون من المرسلين، ولولا تلك البشرى لما استطاعت أن ترميه في اليم، وكيف يمكن لأم أن ترمي وليدها في اليم، وهي تعرف جيدا أنها تلقيه إلى الموت، وبالرغم من البشرى، فقد خافت عليه وحزنت، ومن حقها أن تخاف وتحزن .. فالإنسان محكوم بغرائز وطبائع ومشاعر .. وامتثلت أم موسى للأمر .. وصدقت البشرى .. والتقطه آل فرعون .. وتركت القلوب بأمر الله .. وارتفع صوت امرأة فرعون: لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً. وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ، ووقفت أم موسى خائفة فزعة تترقب المشهد أمامها .. وتخشى أن يفتضح أمرها، وتتدخل العناية الإلهية إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها .. ويتحقق الوعد الإلهي الأول الذي كان صداه يتردد فوق المكان فيحكم قبضته على الأحداث، وتنصاع القلوب صاغرة لذلك النداء الرباني إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ. وتقف أم موسى فرحة مستبشرة مطمئنة وهي تتسلم ابنها: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ

стр. 252

كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ. وهنا تبرز الحكمة الربانية والتوجيه الإلهي ويتوجه الخطاب إلى «محمد» وإلى أصحابه وإلى كل المؤمنين، لكي يعلموا جيدا أن وعد الله حق والخطاب لأم موسى وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. ولكن المراد بهذا الخطاب كل مؤمن لكي يطمئن إلى وعد الله، فلا يخاف ولا يحزن، والعاقبة للمتقين، وختم القرآن هذه الآية التعليمية والتوجيهية بقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وتوقف المشهد الرابع .. انتهى بانتصار الحق، عاد الوليد إلى أمه بعد عاصفة من الأحداث المتتابعة المثيرة، المليئة بالمفاجئات والمواقف، ويتحرك الأبطال في حركة منتظمة دقيقة وكأنهم دمى صغيرة في يد قادرة تحركهم .. في آيات معدودات وكلمات مختارات معبرات، نعيش أحداثا جسيمة كبيرة مثيرة غامضة .. وعد الله هو المنطلق .. إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ .. وكل شيء بعد ذلك يتحرك لكي يتحقق وعد الله .. وما أروع هذا التصوير لعظمة الأمر الإلهي ولعظمة الكون وهو يتحرك في حركة دقيقة محكمة لتنفيذ أمر الله، ولا يعلم أحد من شخصيات القصة أنه يتحرك بأمر الله، ولما يراد له، ويظن كل واحد أنه يتحرك بإرادته المطلقة فإذا هم يتحركون بإرادة الله، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً، وبين الأحداث المتسارعة تبرز الحكمة من خلال كلمات موجزات معبرات إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ. وتهدأ الأنفاس بعد تسارع، كانت تواكب الأحداث المثيرة بدهشة ورهبة وخوف، وأسدلت الستارة على أم موسى وهي تحتضن طفلها بعد أن عاد إليها وقد قرّت عينها به، وزال عنها الحزن واطمأنت بوعد الله، وآل فرعون وهم فرحون مبتهجون في هذا الولد الذي طمعوا في أن يكون قرة عين لهم عسى أن ينفعهم أو يتخذونه ولدا .. وفجأة ترتفع الستارة من جديد على شاب قوي الساعد مفتول العضلات

стр. 253

واضح الرجولة ذكي الملامح ذي إرادة واضحة وعزم أكيد. وتبتدئ الأحداث متتابعة راسمة الملامح لتاريخ هذا الشاب القوي التكوين الذي رأيناه في المشهد الأول طفلا تلقيه أمه في اليم فليلتقطه آل فرعون، ليكون لهم عدوا وحزنا. وعدان من الله أولهما تحقق في المشهد الأول، وثانيهما تتحرك الأحداث بوتيرة محكمة لكي تحققه وتهيئ الأجواء والنفوس له .. - إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ... - وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ .. - وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ. ويقف موسى موقف الترقب والخوف والرهبة .. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ ما أجمل هذا التصوير لحالة الخوف والخائف يترقب دائما، وهذا هو مصدر الخوف، فالترقب هو انتظار مجهول يخيفه، قد يأتي هذا المجهول وقد لا يأتي، وقد يكون الخوف ناتجا من وهم ومع ذلك فإن الترقب هو الذي يجعل الإنسان في حالة خوف .. واشتدت القبضة عليه، وزاد اختناقه عند ما ورد صديق الأمس الذي استنصره يستصرخه، فلما استجاب له صدمه بكلمة أيقظته، أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ. واشتد الخناق عليه .. لا يدري ماذا يفعل .. وفجأة جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى .. ولسان حاله ينذره بالخطر، ويكفيه أنه جاء من أقصى المدينة مسرعا وكأنه ينقل إلى موسى خبرا مخيفا ... قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.

стр. 254

وخرج موسى من المدينة وبصره شاخص إلى السماء، وقد أحيط به من كل جانب، وهو يقول: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وأسلم أمره لله، وهنا تبتدئ مرحلة التكوين النفسي للوعد الثاني، حالة الوحشة من البشر، حالة العزوف عنهم، حالة العودة لله والاستسلام لأمره. ويسدل الستار على موسى وهو يمشي في طريقه إلى مدين، يبحث عن الهداية ويردد: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. ومن جديد ترفع الستارة عن مشهد جديد. - أمة من الناس يسقون .. وامرأتان تذودان أغنامهما عن الماء ... - قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فسقى لهما .. وتولى إلى الظل .. وأخذ يدعو ربه: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. وفجأة جاءته إحداهما تمشي على استحياء ... قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وقالت إحداهما: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ بدأت مرحلة جديدة في حياته، «وعد الله» بأنه سيكون من المرسلين ... ومن بعيد .. آنس موسى من جانب الطور نارا، فقال لأهله امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. - فَلَمَّا أَتاها ... - نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى .. - إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ.

стр. 255

فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب، وأحس موسى بالخوف والهلع، ولا يمكن للبشرية في لحظة الالتقاء بالحقيقة الإلهية ممثلة في مظهر الخروج عن القوانين الطبيعية إلا أن تخاف والخوف هنا أمر حتمي، فالإنسان يخاف من المعجزات ويخاف من الخوارق ويخاف من الغيب، ولهذا جاءت المعجزات في نطاق ضيق لكي يشعر الإنسان بالأمن والاطمئنان، وارتبطت المعجزة وهي العصا في الآية بقوله تعالى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، لكي تكون المعجزة مؤكدة لكل ما سمعه موسى من نداء، ولولا المعجزة الحسية لكان النداء أقل أثرا في النفس، وهنا تأتي العناية الإلهية .. يتجدد النداء وفيها تأكيد على الأمن، يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. ولا بد من معجزة حسية تؤكد الإحساس بالأمن وتعمقه وتغذيه وتقويه وتدعمه، لكي يرتد إليه الشعور بالاطمئنان ولكي يزول عنه الخوف .. وهنا جاء الأمر الإلهي من جديد .. - اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. - وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ. معجزة واضحة لموسى، لكي يطمئن .. يده يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء .. ثم تعود ثانية كما كانت .. هذا برهان من الله، وهي بداية التكليف .. وخاف موسى .. كيف يمكنه أن يواجه فرعون وملأه .. وارتفع صوته المتهدج الوجل المتهيب. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وجاء الجواب مطمئنا وواعدا وضامنا ومتعهدا. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما

стр. 256

وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ. وذهل قوم فرعون أمام الآيات البينات، وقالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، ووقف فرعون أمام الملأ من قومه خائفا حائرا مندهشا متكبرا ولا بد له من أن يقول شيئا أمام معجزة موسى. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ. وتتوقف القصة القرآنية أمام ظاهرة فرعون، ظاهرة الاستكبار في الأرض، ظاهرة الطغيان والبغي، ظاهرة الغفلة عن الحق، ولا بد من الحكم والعقاب والعبرة .. ويتوجه الخطاب من جديد إلى البشرية في كل عصر وفي كل مصر ويأتي القرآن بهديه وإرشاده، لكي يعلم الناس الدروس من الماضي فالتاريخ أحداث وقعت، والغاية من رواية الرواية التاريخية هي العبرة والاستفادة والتعلم، وعدم الوقوع في نفس الأخطاء فالوقائع تتجدد أسبابها، والعاقل من يحسن الفهم، ويتعلم من القصة التاريخية الحكمة ويأخذ العبرة ... وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص: ٣٩ - ٤٢]. أشخاص القصة القرآنية: والأشخاص في القصة القرآنية رموز معبرة عن مواقف ومعاني ودلالات، ولا تذكر الشخصية إلا في مواطن التعبير عن معاني معينة دالة على أحداث القصة القرآنية، ولا تراد الشخصية بذاتها فالقرآن ليس قصة ولا رواية تاريخية، وليس ذلك من أهدافه، ولهذا اقتصرت الرواية على ما يدل على الهدف، وتركزت

стр. 257

العبارات حول ذات الحدث المراد، والجزئيات الخارجة عن نطاق الهدف من القصة ليست مرادة وليست ضرورية، ولهذا جاءت القصة في القرآن موجزة، بآيات قليلة، وبإشارات واضحة، وأشخاص القصة القرآنية كما وردت في قصة موسى وفرعون، انحصرت في موسى وفرعون وأم موسى وهناك أشخاص عابرون في القصة القرآنية لا يذكرون إلا في معرض الإشارة إلى دورهم كالرجلين الذين يتقاتلان، هذا من شيعته، وهذا من عدوه، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، وإغفال الأسماء للدلالة على أنها ليست مهمة في القصة وليست دالة، ويكفي أن تشير القصة القرآنية إلى وصف يحدد دور ذلك الشخص ومكانه هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ، وأحيانا لا تذكر الأوصاف، ويخفى الخبر أو الموقف لأنه المراد، كما في قوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى، وليس ذلك الشخص مهما لكي يذكر، هل هو من شيعته أو من عدوه، يكفي أنه ناصح، نقل خبره وأدى مهمته وانتهى أمره. وفرعون في القرآن دالة على معنى السلطة الظالمة الطاغية المستبدة التي تدعي الألوهية، وتستغل سذاجة الشعب لإذلاله وفرض الطاعة عليه، وجاءت لفظة فرعون في القرآن أربعا وسبعين مرة في سبع وعشرين سورة من سور القرآن، وأكثر ما وردت فيه في سورة الأعراف وسورة القصص وسورة غافر .. وارتبط اسم فرعون وملأه بأوصاف ذكرها القرآن، وأهمها ما يلي: أولا: الكفر بآيات الله في قوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ [الأنفال: ٥٢]. ثانيا: التكذيب بآيات ربهم في قوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ [الأنفال: ٥٤]. ثالثا: سوم الناس سوء العذاب في قوله تعالى: نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ [البقرة: ٤٩]. رابعا: العلو في الأرض في قوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً [القصص: ٤].

стр. 258

خامسا: الطغيان في قوله تعالى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [طه: ٢٤]. وجاءت في عدة أماكن في القرآن. سادسا: الفسق في قوله تعالى: فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [النمل: ١٢]. سابعا: ادعاء الألوهية في قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨]. وهذه الصفات التي وصف القرآن بها فرعون وقومه جعلت فرعون يمثل شخصية المستبد الطاغي المعاند الذي يكفر بآيات الله ويكذب بها، ويدعي لنفسه الألوهية والملك والسلطان، وسيظلم ويقتل ولذلك اتجهت دعوة الأنبياء والرسل لمقاومة هؤلاء الطغاة، لتحرير الإنسان الذي وقع عليه الظلم، ولتقويته ولشد أزره، لكي يقاوم ويرفض ويتمرد، ومن الطبيعي أن يستجيب الضعفاء لدعوة الأنبياء وأن يقف الأنبياء إلى جانب هؤلاء المستضعفين، لتخليصهم من سوء العذاب الذي يسلطه عليهم آل فرعون، لكي تستقيم مسيرة البشرية. وقال آل فرعون لموسى ما قاله المشركون لمحمد، واتهموه بالسحر، والاتهام بالسحر هو تسليم بالعجز، واعتراف بعظمة التأثير ولا يوصف بالسحر إلا من أتى بشيء خارق للعادات معجز لا يقدر البشر على مثله، وقال محمد للمشركين ما قاله موسى لآل فرعون قال لهم: إني رسول من رب العالمين، وجاءهم بالبينات وبسلطان مبين، وسخر فرعون من موسى كما سخر المشركون من محمد، قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٢٩]، وقال ساخرا: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً [غافر: ٣٦ - ٣٧]. وشخصية فرعون هي إحدى الشخصيات التي اعتمدت عليها القصة في القرآن، لأن دعوة موسى ومحمد واحدة، وما يلقاه «محمد» من قومه شبيه بما

стр. 259

لقيه موسى من آل فرعون، وانتهت قصة موسى وفرعون بانتصار الحق على الباطل، وأغرق الله آل فرعون في اليم وامتن الله على بني إسرائيل بما أسبغه عليهم من نعمة فضّلهم به على غيرهم، قال تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة: ٤٩]، ولا بد أن ينتصر «محمد» على قومه من المشركين كما انتصر موسى على آل فرعون، تحقيقا لقوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر: ٥١ - ٥٢]. قصة يوسف في القرآن: ومن أبرز القصص القرآني قصة يوسف، وهي قصة رائعة التصوير رفيعة المعنى، جميلة النظم، عظيمة الدلالات، عميقة الإشارات، تصف الطبائع البشرية، وتفضح أساليب الغدر والكيد. وأروع ما في قصة يوسف تلك الخاتمة العظيمة التي ختم الله بها القصة وتحمل في ثناياها أعظم الدلالات على أهداف القصة في القرآن، وأروع الدروس التي تبين عاقبة الأمم من قبلنا، ومن آمن منهم ومن كفر، من صدق بالأنبياء ومن جحد، قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١٠٩ - ١١١]. وقصة يوسف كما حددتها الآيات الأولى من السورة تهدف إلى بيان أمرين اثنين: أولا: بيان نعمة الله على أنبيائه، وكيف يجتبيهم ويعلمهم من تأويل

стр. 260

الأحاديث ويتم نعمته عليهم، وقصة يوسف لا تختلف من حيث الدلالة عن قصة موسى وآل فرعون، وكما التقط آل فرعون الطفل من اليم ليكون لهم قرة عين فقد اشترى عزيز مصر يوسف بثمن بخس دراهم معدودات وقال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وتبرز العناية الإلهية في توجيه أحداث القصة ووقائعها والإمساك بزمام الشخصيات التي تنفذ ما أحكمته القدرة الإلهية من التمكين ليوسف في الأرض وتعليمه من تأويل الأحاديث .. ثانيا: بيان ما طبعت عليه النفس الإنسانية من استعداد للشر، وتمثل هذا الاستعداد فيما توقعه الأب عند ما سمع رؤيا يوسف في المنام، وأنه رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له فقال له أبوه، وقد توقع من أبنائه الآخرين إذا سمعوا بذلك أن يكيدوا له، قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف: ٥]. وبدأت القصة القرآنية لحياة يوسف وإخوته بقوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ، وهذه هي العبرة من القصة أن تكون آية لغيرهم من الناس، ثم بدأت بعد ذلك بمقدمة يسيرة عن أصل المشكلة، إخوة متنافسون، شعور الإخوة بحب الأب لأحد أبنائه، الطبيعة البشرية .. وبسرعة يتخذ القرار. - اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً. - لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ... - وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ .. ووقف الأبناء أمام أبيهم معاتبين: - يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ .. - أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ .. وبدأ الخوف ينتاب الأب الصالح .. لماذا هذه العناية المفاجئة بيوسف، لماذا هذا الحب الذي ما عهده في أولاده .. وداخله الشك والريبة وخاف عليه .. ولا سبيل إلى إيقاف هذا الحكم الإلهي الذي يساق البشر إليه، وهم

стр. 261

عنه غافلون .. وفي العشاء .. والظلام يخيم والرهبة مسيطرة على النفوس .. وقف الأبناء أمام أبيهم يبكون .. - يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ. - وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ لتأكيد الرواية .. وأحس الأب الصالح بما جرى .. ولكن لا سبيل لديه لمعرفة الحقيقة .. ولا يملك إلا الصبر .. وهمس لسانه بكلمات قليلة: - بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً. - فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. - وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ. ثلاث كلمات معبرة .. الشك في الرواية .. التمسك بالصبر .. الاستعانة بالله لمواجهة هذه النكبة .. ويبتدئ مسلسل الإعداد والتكوين .. وفقا لأحداث متتالية يقود بعضها البعض الآخر، في حلقات متكاملة .. - جاءت سيارة .. قال واردهم: - يا بُشْرى هذا غُلامٌ .. - وباعوه بثمن بخس .. قال الذي اشتراه لامرأته: - أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً .. وبدأت المحنة الجديدة .. - وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ .. - وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ .. - وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ..

стр. 262

بلهجة المؤمن الذي مكن الله له في الأرض وعلمه تأويل الأحاديث وبإيمان من آتاه الله حكما وعلما قال: - مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ .. وهمت به .. وهم بها .. والهم هنا متعدد المعاني .. والأقرب والأوضح من الآية هو البطش .. في حالتي المدافعة والمغالبة، كل منهما يريد أن يهم بالآخر، هي تريد تنفيذ ما فكرت فيه .. وهو يريد أن يتخلص بالقوة، ولا سبيل لتفسير الهم بإرادة الفاحشة منه لأن سياق الآية أكد أن الهم المتبادل جاء بعد الرفض .. وفي تلك اللحظة رأى برهان ربه، الذي تولى أمره، وجعله من المخلصين .. وأسرع كل منهما للباب .. وفجأة ظهر السيد .. ورأى المشهد المثير، وقبل أن يسأل أو يستفسر أو يحكم أو يتهم أو يدين انفجرت المرأة لتحقق أمرين معا: تبرئة نفسها ... والكيد لذلك الذي أذل أنوثتها قالت بحدة: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم واستعملت كلمة «أهلك» لتحريض الزوج وإثارته، وحددت له العقوبة، السجن أو العذاب الأليم .. ودافع يوسف عن نفسه .. ولا خيار له .. - هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي .. - وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها .. فلما تأكد الزوج من براءة يوسف .. قال كلمة معبرة عن الإدانة: - إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .. والتفت إلى كل من يوسف وامرأته قائلا: - يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا .. - وأنت وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ .. ولما انتشر الأمر وشاع .. وأخذ نسوة في المدينة يتحدثن عن امرأة العزيز التي تراود فتاها عن نفسه، قالوا:

стр. 263

- قَدْ شَغَفَها حُبًّا .. - إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ .. وغضبت لما سمعت ما قيل عنها .. وأرادت أن تؤكد لهن لماذا شغفها حبا .. ويصف القرآن بعبارات موجزة ما فعلت تلك المرأة: - أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ .. - وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً .. - وَءاتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً .. - وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ .. فلما رأينه أكبرنه .. وقطعن أيديهن .. وبصوت واحد قلن: - حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً. - إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. هنا .. ارتاحت امرأة العزيز .. انتصرت .. ليست الوحيدة التي يمكن أن تضعف، ولماذا تخفي الحقيقة .. لماذا تكذب على نفسها .. لماذا تضعف .. هي امرأة العزيز ومن حقها أن تعيش سعيدة .. وليس من حق يوسف الذي أحبته أن يرفض طلبها، لن تسمح له بذلك .. لن تخجل بعد اليوم من حبها .. هي امرأة ومن حقها أن تحب .. وقالت بغضب وحدة لمن حولها من النسوة: - فذلكن الذي لمتنني فيه. - ولقد راودته عن نفسه فاستعصم .. نعم راودته .. ولا أخجل من هذا .. ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين .. ولا خيار له بعد ذلك .. وأطرق يوسف رأسه هنيهة .. ثم رفع رأسه إلى السماء معتصما بالله مستسلما لأمره ملتجئا إليه، كما يفعل العبد عند ما يشعر بعجزه .. وأخذ يدعو ..

стр. 264

- رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .. - وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ .. ودخل السجن .. ربما كان ذلك رحمة به .. لكي تتوقف المحنة التي صبت عليه من امرأة العزيز .. ما زال كيدها يلاحقه .. لن تتركه أبدا ينعم بالراحة .. وفي السجن برز يوسف .. أنضجته المحنة .. وعلمته ما لم يكن يعلم .. واشتهرت معجزته التي أكرمه الله بها، آتاه الله حكما وعلما وعلمه من تأويل الأحاديث، وأخذ يحدث أصحابه في السجن بما علمه الله من تأويل الأحاديث ويدعو بالحكمة والحجة إلى الإيمان بالله وإلى نبذ الشرك والكفر، داعيا إلى عبادة الله واتباع ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب .. ووقف بين صاحبيه في السجن يقول لهما: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]. ومكث يوسف في السجن بضع سنين، وكاد أن ينسى، تلك شريعة الظلم والطغيان، وكيف يمكن لعزيز مصر أن يذكر ذلك الشاب الذي تعلقت به زوجته، وتحدث الناس بشغفها فيه .. كان عليه أن يمكث في الظلام لكي يطمئن ذلك العزيز إلى وفاء زوجته .. لكي تنساه .. وينسى الناس ما تحدثت النسوة به .. ودخل معه السجن فتيان من فتيان العزيز اتهما بالتآمر عليه: - قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا .. - وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه .. قال يوسف وقد علمه الله تأويل الأحاديث .. وذلك بفضل ما ترك من ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون، واتباعه ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

стр. 265

يا صاحبي السجن: - أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً. - وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ. وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان .. ومرت هذه الحادثة .. ونسي من هو ناج منهما يوسف، أنساه الشيطان ذكره. بعد بضع سنين .. في مجلس الملك .. وقد التف صحبه حوله وكان قلقا من منام: - يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ .. - إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ .. وأطرقت الوجوه حائرة لا تنبس ببنت شفة .. ماذا نجيب .. والملك يلح عليهم وهو قلق: ويكرر: أفتوني في رؤياي .. ويلتفت يمنة ويسرة .. فلا يسمع إلا صوتا هامسا يتردد في الأرجاء .. - أضغاث أحلام .. يا أيها الملك .. وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين .. وفجأة تقدم رجل .. يمشي بخطا ثابتة .. واثقا من نفسه قال باطمئنان: - أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ .. ونظر الجميع إليه بدهشة .. والكل يتساءل .. من أين لك علم التأويل، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين .. قال: - هناك في السجن يوسف .. أرسلوني إليه .. ما أتانا طعام رزقناه إلا نبأنا بتأويله قبل أن يأتينا .. ذلك مما علمه الله .. ووقف الرجل أمام يوسف خجلا معتذرا، وقد أنساه الشيطان ذكره أمام الملك .. قال بتحبب: - يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٤٦].

стр. 266

قال يوسف: - تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٧ - ٤٩]. سمع الملك تأويل الرؤيا، وأعجب بدقة التأويل وبصدقه ولا شك أنه تأكد من صدق ذلك التأويل، وعلم أن ذلك التأويل مما لم يعهده الناس، وأنه مما اختص الله به يوسف. وأسرع الملك مخاطبا أعوانه: - ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي .. فلما جاءه الرسول مبشرا بأمر الملك .. رفض يوسف أن يعود قبل أن تبرأ ساحته، وينصف بعد ظلم، ويعاد له اعتباره، وقال للرسول: - ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، ووقف الملك أمام النسوة يستفسرهن عن الحقيقة قائلا: - ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ .. أجابت النسوة بصوت واحد: - حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ .. وتقدمت امرأة العزيز مطأطئة رأسها بخجل وحياء، معترفة بالحقيقة، مؤكدة أنها لا يمكن أن تخونه بالغيب قائلة: - الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ .. - وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ .. ولما عرف الملك الحقيقة كاملة، وتأكد مما ألحقه بيوسف من ظلم، وما قاساه من كيد النساء، وما سمعه من ثناء عليه، قال من جديد مستعجلا عودته إليه:

стр. 267

- ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي .. ووقف يوسف أمام الملك عزيزا كريما رافع الرأس موفور الكرامة، قال له الملك: إنك اليوم لدينا مكين أمين .. وأجابه يوسف بثقة: - اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ .. وتسدل الستارة على هذا المشهد الرائع المعبر، ويبتدئ مشهد جديد، هو الأشد في التأثير وهو الأقوى في التعبير عن عظمة الحكمة الإلهية في القصة القرآنية، التي تشير في كل مشهد وفي كل موقف إلى تلك الحكمة، وتضع يدنا على عبر عظيمة الدلالة، لكي يتعلم جيل الخلف من جيل السلف، فالغد أمس يتجدد، والأمس غد يعاد، ويقف الإنسان أمام الأحداث مذهولا، لا يدري أن الدروس والعبر بين يديه، شاخصة حية .. ووقف يوسف بشموخ ورفعة بعد أن مكن الله له في الأرض يستقبل وفود المحتاجين من بلاد كنعان بعد أن أصابهم القحط وحل بهم الجوع يعطيهم الطعام والمال، ووقف إخوته أمامه، فعرفهم وهم له منكرون وقال لهم: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ، فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون. ومن جديد .. وقع حوار لطيف بين الأب وأبنائه: - يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. وأجابهم الأب بصوت هامس حزين، يدل على عمق الجرح العظيم ومدى تأثيره في نفسه. - هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .. ولما رأوا بضاعتهم ردت إليهم صاحوا بفرح:

стр. 268

- يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ .. وأجابهم الأب وقد أحيط به: - لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ .. فلما فعلوا أوصاهم أبوهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، ووقفوا من جديد بين يدي يوسف، وآوى إليه أخوه، وقال له: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ وجعل السقاية في رحل أخيه، ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون. وساد صمت رهيب .. أعقبه احتجاج وإنكار، قالوا: - تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ .. ولما استخرج صواع الملك من وعاء أخيه، عاودهم شعور الكراهية والحسد نحو يوسف .. قالوا: - إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ .. وفجأة تذكروا موثقهم مع أبيهم، سيشك في صدقهم، وخجلوا من أنفسهم، والتفتوا إلى يوسف، وهو يقهقه في أعماقه، يرى حيرتهم ويتتبع ملامح وجوههم، وهم يرددون: - يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. ورد عليهم بحزم: - مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ. ووقفوا من جديد أمام أبيهم: - يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ .. واستسلم الأب الصالح لأمر ربه .. والشك يراوده، وأخذت الدموع تسيل

стр. 269

من عينيه، وابيضت عيناه من الحزن .. وأخذ يردد: - فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ .. ولما ضاق صدرهم بما كان يردده الأب عن يوسف قال: - إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. وأمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه .. وألا ييأسوا من روح الله. ومن جديد عادوا إلى يوسف قائلين: - يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا. وأراد يوسف أن يكشف عن نفسه، فلقد أوشكت القصة على النهاية وأدت الغاية منها. - قال: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ .. - قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ. - قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا. - قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ. - قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. ونادى الأب الصالح لما اقتربت العير: - إني لأجد ريح يوسف .. فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف: ٩٦ - ٩٨]. ووقف الأب والإخوة أمام يوسف وقد رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا، وأخذ يوسف يخاطب أباه:

стр. 270

يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: ١٠٠]. - رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١]. الحوار في القصة القرآنية: يعتبر الحوار عنصرا أساسيا في القصة القرآنية، ويجري الحوار بين شخصيات القصة معبرا عن المعنى المراد مشيرا إلى بعض ما ترمز إليه القصة من أهداف، والحوار يبعث الحياة في القصة القرآنية ويجعلها أكثر تعبيرا عن المعنى المقصود، ولا يمكن لأسلوب العرض التقريري أن يغني عن الحوار في بعض المواقف، فهو أداة التعبير المباشر عن الشخصية، والحوار يوضح ملامح الشخصية الإنسانية ويعبر عن أسلوبها وطبيعتها ويكشف خفايا تلك الشخصية الإنسانية من حيث الاستعدادات والانفعالات ويأتي الحوار في إطار السرد التاريخي للقصة، ويبرز هذا في قصة يوسف عند ما تحدث القرآن عن المرأة وراودته التي هو في بيتها وقالت: هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وهناك علاقة بين الحوار والشخصية لأن لكل شخصية أسلوبها المعبر، فالملك يعبر بأسلوب يعبر عن شخصيته ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ والأمر واضح في خطاب الملوك، وفيه شدة ويلاحظ في الحوار أسلوب الرجاء: يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا، وأسلوب النصح في خطاب الأب لأولاده يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وليس هناك كلمة أبلغ في التعبير عن الاطمئنان وإزالة الخوف من كلمة يوسف لأخيه إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ، وتأتي كلمة امرأة العزيز حاسمة صادقة: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ. والحوار متعدد الأساليب، فهناك من الحوار ما يفيد معنى التهديد والوعيد، وهناك ما يفيد معنى الازدراء والاستخفاف وهناك ما يفيد معنى التلقين والتقرير،

стр. 271

وهناك ما يفيد معنى النصح أو الاعتراف .. والقصة في سورة يوسف غنية بدلالاتها ومعانيها وألفاظها ومفرداتها، والحوار فيها مؤثر ومعبر وبليغ، يتميز بقوة الألفاظ وبجمالها وبقدرتها التعبيرية عن الموقف، حتى أن القارئ يشعر كأنه يعيش الحدث ويتفاعل معه ويتأثر به، وكأنه يراه أمامه نابضا بالحياة .. ويتميز الأنبياء في الحوار بالرفق والنصح والتوجيه وسعة الصدر، لأنهم أصحاب رسالة، ومن الطبيعي أن يكون حوارهم معبرا عن قيم أخلاقية رفيعة وداعيا إلى عبادة الله والاحتكام إليه والاعتماد عليه، وتبرز معجزاتهم الدالة على صدق رسالتهم من خلال ما يمثله الحوار وما يعبر عنه من قدرات خاصة، كتأويل الأحاديث بالنسبة ليوسف، ومعجزات واضحة بالنسبة لموسى .. والحوار في القرآن متعدد الجوانب، فقد يخاطب الإنسان نفسه ويحاورها في نوع من أنواع التعبير عما يجيش في النفس من خواطر، لتفسير بعض المواقف، وأحيانا يجري الحوار بين الله والملائكة أو بين الله والإنسان، كقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة: ٣٠]، وأحيانا يجري الحوار بين الملائكة والإنسان أو بين الإنسان والشياطين أو بين الإنسان والحيوان. وغاية الحوار في كل ذلك تقريب الأفكار وتوضيح المعاني وإغناء السامع بالحجة وتمكينه من الوصول إلى الحقيقة، والإجابة عن طريق الحوار إلى ما يجول في ذهنه من تساؤلات وشكوك، ويتضمن الحوار في معظم الأحيان ما يراد أن يصل إلى السامع من إقرار مبادئ الإيمان، ومن انتصار الخير على الشر، ومن الاعتراف بنعمة الله وشكره والتخويف من عذابه .. خصائص الحوار في القصة القرآنية: وأهم ما يتميز به الحوار في القصة القرآنية ما يلي: أولا: الإقناع العقلي، وهذه هي خصوصية الحوار، فالحوار وسيلة للإقناع،

стр. 272

وربما يعتبر من أهم وسائل الإقناع، ولهذا اتجه الحوار إلى مخاطبة العقول وطرح التساؤلات العقلية التي يمكن أن يثيرها العقل، وبخاصة في القضايا التي تتصل بالعقيدة والإيمان، وإذا لم يحقق الحوار في بعض المواطن أغراضه بطريقة مباشرة فإنه على الأقل يساعد العقل على تلمس بعض الحقائق الإيمانية التي لا تدرك إلا بالذوق الإيماني وصفاء النفس وطهارة النفس ونقاء الفطرة، والمنهج العقلي في القرآن واضح وبين، ويخاطب القرآن العقل البشري، وينيط به مهمة التفسير والفهم، ويجعل المخاطب الموثوق بحسن إدراكه وعمق فهمه والعقول السليمة تستجيب لمنهج القرآن في الحوار، لأن القرآن الذي يخاطب العقول لا يمكن أن يقرر حقائق منافية للعقول والقصة القرآنية هي إحدى أدوات القرآن للإقناع والتأثير. ثانيا: استخدام اللغة لإحداث التأثير النفسي، ومفردات القرآن متميزة في قوة تأثيرها، وفي دقة تعبيرها، وفي إحداث التأثير المطلوب منها، ولو استبدلت لفظة قرآنية بأخرى لضعف التأثير واختل المعنى، وترهلت العبارة، ومن اليسير علينا أن ندرك عند قراءتنا للقرآن أثر اللفظة القرآنية في إحداث التأثير النفسي ولو حاولنا أن نعيد كتابة قصة يوسف، أو استبدال لفظة بأخرى من ألفاظ الحوار لفقدت هذه القصة كل تأثير، ولكانت مملة، لأن القصة معروفة، واللفظة القرآنية هي أداة التعبير المؤثر، حتى أن السامع عند ما يسمعها يظن أنه يسمعها لأول مرة، ويتأثر بها، واللفظة المفردة ليست لها قيمة متميزة إلا في إطار المكان الذي جاءت فيه من النظم والتركيب، ولو تتبعنا بعض الكلمات القرآنية لاكتشفنا عظمة النظم المؤثر. - وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ .. - وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ .. - وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ .. - قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ..

стр. 273

- وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ .. - قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ. - يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ .. - وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ. - قَدْ شَغَفَها حُبًّا .. - وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ. - وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ .. - وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ. إن كل كلمة مؤثرة، ولا تغني عنها لفظة أخرى، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز البياني، والقصة القرآنية في شخصيتها وفي الحوار الذي يجري على لسان تلك الشخصيات هي أداة من أدوات الإقناع ولا تختلف من حيث الأثر عن الآيات الأخرى التي تقرر فيها مبادئ العقيدة بطريقة مباشرة .. ونلاحظ أن شخصيات القصة من خلال الحوار تنطق بما ينسجم مع دعوة الأنبياء في هداية البشر وإرشادهم إلى طريق الخير وتدعيم قيم الفضيلة في المجتمع الإنساني ... ويتمثل هذا في قول يوسف لرفيقيه في السجن: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]. وقول يعقوب لبنيه: وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف: ٦٧]. ويحرص القرآن في مجال القصة القرآنية إلى أن يدعو أثناء عرض القصة أو

стр. 274

بعد الانتهاء منها إلى استخراج العبرة منها، وأحيانا يبتدئ القصة بذكر العبرة منها. ويؤكد هذا ما جاء في بداية قصة يوسف: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف: ٧]، وهذا بيان وتوضيح لأسباب عرض القصة في القرآن، فالقصة ليست مرادة، ويراد بها بيان الآيات التي تؤكد نبوة الأنبياء، وأن الله تعالى أعدهم لأمر وتكفل بأمرهم وجاء هذا في قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١]، وجاء هذا المعنى واضحا في قصة موسى وفرعون في سورة القصص في قوله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٥ - ٦]. وكثيرا ما تأتي الآيات في القصة موضحة العلة من إنزال العلة في الظالمين، كما في قوله تعالى في حق فرعون: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: ٣٩ - ٤٠]. وهذا يؤكد خصوصيات القصة القرآنية من حيث الموضوع ومن حيث الأسلوب ومن حيث الغاية والهدف، وأهم خصوصياتها تداخل القصة بالحكم والعبر المستفادة منها، حيثما دعت الحاجة إلى ذلك في بداية القصة أو في نهايتها، أو على لسان شخصيات القصة أثناء الحوار. ونخلص من هذا أن القصة في القرآن هي إحدى أبرز معاني الإعجاز، من حيث إخبارها عن الأمم السابقة مما لم يكن معلوما أو من حيث وضوح الالتزام بالأهداف القرآنية، أو من حيث الأسلوب البليغ المؤثر في إحداث الغاية المطلوبة من عرض القصة ... روعة الوصف في القصة القرآنية: لو تتبعنا قصة مريم في القرآن لوجدنا أروع نموذج لدقة الوصف، وتصوير

стр. 275

الحالة النفسية، واختيار المفردات اللغوية المعبرة وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا. - قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. - قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا. - قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. - قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [مريم: ١٦ - ٢١]. ثم يبتدئ الوصف الرائع لمريم فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا، وكلمة الانتباذ تعبر عن الوضع النفسي لمريم وهي تعيش حالة النفور من المجتمع ونفور المجتمع منها، لأنها تشعر أنها فعلت شيئا سيكون منكرا، وهي لا تدري ماذا تفعل، وكيف يمكن أن تدافع عن نفسها، ولما اشتد عليها ألم الوضع ودفعها إلى جذع الشجرة قالت والألم الجسدي والنفسي يكاد يخنقها: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا. وهناك تبرز العناية الإلهية، صوت خفي يناديها: أَلَّا تَحْزَنِي .. - وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا. - فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦]. وجاءت به إلى قومها تحمله .. وارتفعت الأصواب منكرة معنفة ساخطة: - يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. - يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا .. ما أقسى ما تسمعين يا مريم .. من اتهام .. بالسوء والبغي ... لم تتكلم

стр. 276

مريم .. لقد نذرت للرحمن صوما .. أشارت إليه .. قالوا بسخرية: كيف نكلم من كان في المهد صبيّا؟ .. فجأة .. ارتفع صوت الصبي من المهد .. قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: ٣٠ - ٣٣]. ثم جاء التوجيه القرآني ... ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [مريم: ٣٥]. ونلاحظ أن الوصف القرآني معبر، فالكلمة دالة ناطقة حية .. مواقف .. وصور .. وحالات انفعال .. وحوار .. كل ذلك يتم في آيات قليلة، كل كلمة معبرة .. لوحات متتابعة ... تعبر بالصورة الجميلة ... عن الحد ... والصورة جاءت في لفظة ... ... وفي قصة جديدة .. يقف إبراهيم أمام أبيه ... باستعطاف ورجاء .. - إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً .. - يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا. - يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا. - يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا [مريم: ٤٢ - ٤٥]. وانتهى الحوار بجواب أبيه، كان قاسيا كل القسوة ... قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (١).

стр. 277

دروس من القصة القرآنية: وفي كل القصص تبرز معاني إنسانية عظيمة الأهمية في حياة البشر، فهناك الصراع بين الحق والباطل، وهناك عواطف البشر تطفو على السطح متحدية قيم المجتمع مؤكدة أن الإنسان لا يملك ذاته وهناك الظلم الطاغي الذي سلطه الطغاة على المستضعفين. ويمكننا أن نستنتج من كل قصة مواقف إنسانية، ففي قصة موسى وفرعون يتجسد الطغيان في أقسى صورة، وفرعون هو رمز لهذا الطغيان، فهو يستعبد الناس ويظلمهم، ويقتل من شاء، ولا تجد امرأة ضعيفة طريقا لإنقاذ وليدها الصغير إلا أن تلقيه في البحر وهذا أقسى حالات اليأس والقنوط والإذلال، ويأبى الله إلا أن ينتصر الحق وتتدخل القدرة الإلهية فتتعهد ذلك الطفل، وتجعله الأمل المرتجى لخلاص بني إسرائيل، وتبرز المعجزة كما حكاها القرآن، يكبر موسى، وتلتقطه امرأة فرعون لكي يكون قرة عين لها ولزوجها فإذا به الخصم العنيد الذي يحمل اللواء لتحرير الإنسان من الظلم، والعاقبة في كل المعارك للحق والعدل، ومهما طال ليل العبودية فالفجر هو الوليد المنتظر بعد كل ظلام، ويحمل موسى أمانة التكليف ويواجه فرعون وقومه ويتحداهم في عقر دارهم، ويطارد استقرارهم وأمنهم، وينغص عليهم عيشهم، ويقع الصدام ولا بد منه، ويقع التنكيل برموز الحق ودعاة الحرية، وهذا لا بد منه أيضا، وفي النهاية، ومهما طال الصراع، فالمواطن المظلوم سيقاوم من ظلمه إلى أن يسترد حقه ويمارس حريته، وعظمة الرسل والأنبياء أنهم كانوا دائما إلى جانب الحق يدافعون عن حرية الإنسان وكرامته وينتصرون لمبادئ الفضيلة ويقاومون الكفر والشرك، ويعيدون المسيرة الإنسانية لطريقها الصحيح، كلما ضلت طريقها. وفي قصة يوسف تبرز النفس الإنسانية عارية مكشوفة، تحت تأثير الغرائز والشهوات، وليس أقسى على الإنسان من تحكم غرائزه والغريزة هي العدو الأول للإنسان، إذا تحكمت واستبدت، لأن الغريزة قوة عمياء متسلطة طاغية تتحكم في السلوك الإنساني وتقود الإنسان إلى أسوأ أنواع السلوك، فلا يتعقبه ضمير ولا

стр. 278

يحاسبه رادع من خلق، ويقف إخوة يوسف في مواجهة أخيهم الصغير يوسف الذي حظي بسبب جماله وذكائه وفطنته بمحبة والده ورعايته .. وتتحرك النفس الأمارة بالسوء غاضبة مختنقة بمشاعر الحسد متطلعة للانتقام، باحثة عن سبب لتحقيق هذه الغاية، والنفس التي لم تبلغ كمالها الخلقي تظل عرضة لانفعالات خطيرة مدمرة لكل القيم الأخلاقية، وينقض الإخوة على أخيهم الصغير، فيوسعونه إذلالا، فينتصر الأب لولده الصغير، فتزداد مشاعر الغضب، وتستبد تلك المشاعر بتفكير الإنسان، ويفكر بعضهم بقتل ذلك الأخ، وينصرف الجميع إلى إلقائه في غيابات جب مهجور في طريق بعيد، ويحزن الأب ويتألم، ولا يملك إلا أن يصبر الصبر الجميل. وتقود العناية الإلهية التي احتضنت هذا الطفل مسيرته، وتطوقه بما يضمن له السلامة، ويجد نفسه في رحاب قصر عظيم السلطان وفي قبضة امرأة أحكمت طوقها حوله، أحبته وتعلقت به وشغفها حبا وراودته عن نفسه فاستعصم، وجرح كبرياءها وأذل أنوثتها وكيف يمكن لمثله أن يرفض هذا الشرف العظيم، وأرادت أن تذله كما أذلها وأن تجرحه كما جرحها، وأن تقول للناس جميعا بأنها الأقوى والأقدر، فرمته في السجن غلاما منسيّا، وكان يمكن أن يظل في السجن ولا يذكره أحد، وأعطاه الله سلاح التأويل، وأمده بمعجزة، وسلط على مصر قحطا، وخرج من السجن بعد أن شهدت له تلك المرأة بحسن السلوك وأصبح صاحب سلطة ونفوذ، ووقف إخوته بين يديه يطلبون منه الطعام ويخرون بين يديه سجدا، يلتمسون منه العفو والصفح والمغفرة ... وهكذا تمضي القصة في القرآن، في أداء دورها في الإقناع والتأثير، مخاطبة الإنسان، مستلهمة العبر من التاريخ، مستشهدة بمواقف مشهودة ومعلومة، مؤكدة دور الأنبياء والرسل في إصلاح المجتمع ومقاومة رموز الشر فيه، داعية إلى الاعتبار من التاريخ معززة القيم الإنسانية مبشرة الإنسان بغد ينتصر فيه الخير على الشر والعدل على الظلم ..

стр. 279

فهرس المحتويات الإهداء ٥ مقدمة ٧ الفصول الرئيسية ١٣ الفصل الأول: القرآن الكريم ١٥ الفصل الثاني: الوحي والقرآن ٢٧ الفصل الثالث: نشأة علوم القرآن ٤٦ الفصل الرابع: التفسير والتأويل ٦٧ الفصل الخامس: ترجمة القرآن ٨٠ الفصل السادس: المكي والمدني من القرآن الكريم ٩١ الفصل السابع: جمع القرآن وكتابته ١٠٥ الفصل الثامن: فواتح السور القرآنية وخواتمها ١٢٠ الفصل التاسع: ترتيب السور والآيات ١٣٢ الفصل العاشر: علم الناسخ والمنسوخ ١٤٤ الفصل الحادي عشر: رسم القرآن ١٥٥ الفصل الثاني عشر: علم المحكم والمتشابه ١٧٨ الفصل الثالث عشر: القراءات القرآنية ١٨٦ الفصل الرابع عشر: الوقف والابتداء ٢١٥ الفصل الخامس عشر: إعجاز القرآن ٢١٩ الفصل السادس عشر: القصة في القرآن ٢٥٣