وأما الطِّيَرَةُ فهي: ترك الإنسان حاجته، واعتقاده عدم نجاحها، تشاؤماً بسماع بعض الكلمات القبيحة كيا هالك أو يا ممحوق ونحوها. وكذا التشاؤم ببعض الطيور كالبومة وما شاكلها إذا صاحت، قالوا إِنَّها ناعية أو مخبرة بشر، وكذا التشاؤم بملاقاة الأعورِ أو الأعرج أو المهزول أو الشيخ الهرم أو العجوز الشمطاء، وكثير من الناس إذا لقيه وهو ذاهب لحاجة صَدَّهُ ذلك عنها ورجع معتقداً عدم نجاحها، وكثير من أهل البيع لا يبيع مِمَّنْ هذه صفته إذا جاءهُ أول النهار، حتى يبيع من غيره تشاؤماً به وكراهة له. وكثير منهم يعتقد أنه لا ينال في ذلك اليوم خيراً قط، وكثير من الناس يتشاءم بما يعرض له نفسه في حال خروجه كما إذا عثر أو شيك يرى أَنَّه لا يجد خيراً، ومن ذلك التشاؤم ببعض الأيام أو ببعض الساعات كالحادي والعشرين من الشهر وآخر أربعاء فيه ونحو ذلك فلا يسافر فيها كثير من الناس ولا يعقد فيها نكاحاً ولا يعمل فيها عملاً مهماً ابتداء، يظن أو يعتقد أن تلك الساعة نحس، وكذا التشاؤم ببعض الجهات في بعض الساعات فلا يستقبلها في سفر ولا أمر حتى تنقضي تلك الساعة أو الساعات. وهي من أكاذيب المنجمين ... ، يزعمون أَنَّ هناك فلكاً دَوَّاراً يكون كل يوم أو ليلة في جهة من الجهات فمن استقبل تلك الجهة في الوقت الذي يكون فيها هذه الفلك لا ينال خيراً ولا يأمن شراً، وهم في ذلك كاذبون مفترون قبَّحهم الله ولعنهم، وقد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. ومن ذلك التشاؤم بوقوع بعض الطيور على البيوت يرون أَنَّها معلمةٌ بشرٍّ، وكذا صوت الثعلب عندهم، ومن ذلك الاستقسام بتنفير الطير والظباء فإِنْ تيامنت ذهبوا لحاجتهم وإِنْ تياسرت تركوها، وهذا من الاستقسام بالأزلام الذي أمر الله تعالى باجتنابه وأخبر أَنَّه رجس من عمل الشيطان، وهذا وما شاكله كثير منه كان في الجاهلية قبل النبوة وقد أبطله الإسلام فأَعاده الشيطان في هذا الزمان أكثر مما كان عليه في الجاهلية بأضعاف مضاعفة، ووسع دائرة ذلك وساعده عليه شياطين الإنس من الكهنة والمنجمين وأضرابهم وأتباعهم؛ أرداهم الله وألحقهم به آمين.
قال الله تعالى وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف:١٣١]، وقال تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل:٤٥ – ٤٧]، وقال تعالى في قصة الثلاثة رسل عيسى قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ [يس:١٦ - ١٨] قال مجاهد في قوله تعالى فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ قالوا: العاقبة والرخاء نحن أحق بها وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ قال بلاء وعقوبة يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى قال: يتشاءموا به.
стр. 1087
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللهُ [الأعراف:١٣١] قال ((الأمر مِنْ قِبَلِ اللهِ)) (١). وقال ﵁ في قوله طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ [النحل:٤٧] قال: الشؤم أتاكم مِنْ عندِ اللهِ لكفركم (٢)، وتقدم ذكر الطيرة ونفيها في الأحاديث السابقة.
وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثني عبد الله بن محمد حدَّثنا عثمان بن عمر حدَّثنا يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لا عَدْوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأةِ والدار والدابة)) (٣). والشُّؤم ضد اليمن، وهو عدم البركة، والمراد به الأمر المحسوس المشاهد كالمرأة العاقر التي لا تلد أو اللسنة المؤذية أو المبذرة بمال زوجها سفاهة ونحو ذلك. وكذا الدار الجدبة أو الضيقة أو الوبيئة الوخيمة المشرب أو السيئة الجيران وما في معنى ذلك، وكذا الدابة التي لا تلد ولا نسل لها أو الكثيرة العيوب الشينة الطبع وما في معنى ذلك، فهذا كله شيء ضروري مشاهد معلوم ليس هو من باب الطيرة المنفية فإِنَّ ذلك أمر آخر عند من يعتقده ليس من هذا لأنهم يعتقدون أنَّها نحس على صاحبها لذاتها لا لعدم مصلحتها وانتفائها فيعتقدون أَنَّه إِنْ كان غنياً افتقر ليس بتبذيرها بل لنحاستها عليه، وإِنَّه إِنْ يأخذها يموت بمجرد دخولها عليه لا بسبب محسوس، بل عندهم أَنَّ لها نجما لا يوافق نجمه بل ينطحه ويكسره، وذلك مِنْ وحي الشيطان يوحيه إلى أوليائه من المشركين، قال الله تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام:١٢١]، وقال تعالى إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:٢٧].
حتَّى إنَّ رجلاً في زماننا هذا كان يشعوذ على الناس بذلك ويفرق به بين المرء وزوجه، فتنبه له بعض العامة ممن يحضر مجالس الذكر ويسمع ذم المنجمين وتكذيبهم بالآيات والأحاديث فقال له: إنِّي أُرِيد أَنْ أنكح امرأة، ما ترى فيها هل هي سعد لي أو نحس عليَّ؟ فعرض ذلك على قواعده الشيطانية ثم قال له: دعها فإنِّك إنْ أخذتها لا تبلي معها ثوباً، يعني يموت سريعاً لا تطول معها صحبته، وكانت تلك المرأة التي سأله عنها وسماها له هي زوجته وقد طالت صحبته معها وله منها نحو خمسة من الأولاد، فدعاهم كلهم بأسمائهم حتى حضروا فقال له: هؤلاء أولادي منها. ولهذا نظائر كثيرة من خرافاتهم.
والمقصود أنَّ الشؤم المثبت في هذا الحديث أمر محسوس ضروري مشاهد ليس من باب الطيرة المنفية التي يعتقدها أهل الجاهلية ومن وافقهم.
وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدَّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أَنَّ أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا طيرة، وخيرها الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة. يسمعها أحدكم)) (٤).
قال حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: ((لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصَّالح الكلمة الحسنة)) (٥).
...
стр. 1088
ومن ذلك قوله ﷺ يوم صلح الحديبية حين جاء سهيل بن عمرو قال: ((سَهَّلَ اللهُ أَمْرَكُمْ)) (١) الحديث وما شاكله.
ومن شرط الفأل أَنْ لا يعتمد عليه وأَنْ لا يكون مقصوداً، بل أَنْ يتفق للإنسان ذلك مِنْ غير أنْ يكون له على بال. ومن البِدَع الذميمة والمحدثات الوخيمة مأخذ الفأل من المصحف فإنَّه من اتخذ آيات الله هزواً ولعباً ولهواً، ساءَ ما يعملون. وما أدري كيف حال مَنْ فتح على قوله تعالى لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:٧٨]، وقوله وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:٩٣] وأمثال هذا الآيات. ويروى أَنَّ أَوَّل من أحدث هذه البدعة بعض المروانية وأَنَّه تفاءلَ يوماً ففتح المصحف فاتفق لاستفتاحه قول الله وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ [إبراهيم:١٥] الآيات فيقال إنَّه أَحرق المصحف غضباً من ذلك وقال أبياتاً لا نسوِّد بها الأوراق. والمقصود أَنَّ هذه بدعة قبيحة، والفأْلُ إذا قصده المتفائل فهو طيرة كالاستقسام بالأزلام، وقد روى الإمام أحمد في تعريف الطيرة حديث الفضل بن العباس ﵄ ((إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك)) (٢)، وروى في كفارتها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وقفه ((مَنْ ردَّتْهُ الطِّيرة عَنْ حاجته فقد أَشْرَك. قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أَنْ تقول: اللهم لا خير إلا خيرُك، ولا طير إلا طيرُك، ولا إله غيرك)) (٣).
стр. 1089
وقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عيسى بن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن رسولِ الله ﷺ قال: ((الطيرة شرك)) ثلاثاً ((وما منّا إلا، ولكنَّ الله يذهبه بالتوكل)) (١)، وقوله ((ما منّا إلا)) إلخ هو من كلام ابن مسعود كما فصله الترمذي ﵀ في روايته عن المرفوع حيث قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث ((وما منا إلاَّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل)): كل هذا عندي قول عبد الله بن مسعود (٢١٥). وقال رحمه الله تعالى: حدَّثنا أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدَّثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن عامر (قال أحمد: القرشي) قال ذُكرت الطِّيَرَةُ عند رسول الله ﷺ فقال: ((أحسنها الفأل ولا تَرُدُّ مسلماً. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهُمَّ لا يأتي بالحسنات إلا أنْت، ولا يدفع السيئات إلا أَنْتَ ولا حول ولا قوة إلا بك)) (٢).
стр. 1090
وأما الغول فهي واحد الغيلان وهي من شَرِّ شياطين الجن وسحرتهم والنفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية فيهم من الضُرِّ والنَّفعِ، وكانوا يخافونهم خوفاً شديداً ويستعيذون ببعضهم من بعض كما قال تعالى عنهم وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:٦] زاد الإنس الجن جرأة عليهم وشراً وطغياناً، وزادتهم الجن إخافة وخبلاً وكفراناً. وكان أَحَدُهم إذا نزل واديا قال: أعوذُ بِسَيِّدِ هذا الوادي من سفهائه (١) فيأتي الشيطان فيأخذ من مال هذا المستعيذ أو يروعه في نفسه، فيقول: يا صاحب الوادي، جارك أو نحو ذلك. فيسمع منادياً ينادي ذلك المعتدي أَنْ اتركه أو دعه أو ما أشبه ذلك. فأبطل الله تعالى ورسولُهُ ﷺ ذلك ونفى أَنْ يضروا أحداً إلاَّ بإذن اللهِ ، وأبدلنا عن الاستعاذة بالمخلوقين الاستعاذة بجبَّار السموات والأرض، رب الكون وخالقه ومالكه وإلهه وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وكلماته التامات التي لا يجاوزهن جبار ولا متكبر، فقال الله ﵎ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ [المؤمنون:٩٧]، وقال تعالى وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأعراف:٢٠٠]، وقال تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:١] إلى آخر السورة، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:١] إلى آخر السورة. وغيرها من الآيات. وقال رسول اللهِ ﷺ في هاتين السورتين: ((ما سأل سائلٌ بمثلهما ولا استعاذَ مستعيذٌ بمثلهما)) (٢)، وقال ﷺ ((مَنْ نَزَلَ منْزلاً فقال: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّات مِنْ شَرِّ ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك)) (٣) وهو في الصحيح، ... وفي الحديث الصحيح ((إِنَّ الشيطان إذا سمع النداء أَدْبَرَ وله ضُراط (٤) – وفي لفظ حصاص)) (٥) وأحاديث الاستعاذة والأذكار في طرد الشيطان وغيره كثيرة مشهورة مسبورة في مواضعها من كتب السنة، وأَمَّا قول مَنْ قال إِنَّ المراد في الحديث نفي وجود الغيلان مطلقاً فليس بشيءٍ لأنَّ ذلك مكابرة للأمور المشاهدة المعلومة بالضرورة في زمن النّبي ﷺ وقبله وبعده من إتيانهم وانصرافهم ومخاطبتهم وتشكلهم. والله أعلم.
وأما الهامة والصفر: فقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدَّثنا محمَّدُ بن المصفى حدَّثنا بقية قال: قلت لمحمد – يعني ابن راشد – قوله ((هام)) قال: كانت الجاهلية تقول: ((لَيْسَ أحدٌ يموت فيدفن إلا خرج مِنْ قبره هامة)). ... فقوله ((صَفَر)) قال: سمعت أهل الجاهلية يستشئمون بصَفَر، فقال النَّبيّ ﷺ ((لا صَفَر)) قال محمد: وقد سمعنا من يقول هو وجع يأخذ في البطن، فكانوا يقولون هو يعدي فقال ((لا صفر)) (٦)، وقال ﵀: حدَّثنا يحيى بن خلف حدَّثنا أبو عاصم حدَّثنا ابن جريج عن عطاء قال: يقول الناس صفر وجع يأخذ في البطن. قلت: فما الهامة؟ قال: يقول الناس الهامة التي تصرخ هامة الناس، وليست بهامة الإنسان، إنما هي دابة (٧). وقال ﵀: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهدٌ أخبركم أشهب قال: سئل مالك عن قوله ((لا صَفَر)) قال: إنَّ أَهْل الجاهلية كانوا يحلِّون صَفَر، يحلّونه عاماً ويحرِّمونه عاماً، فقال النَّبيّ ﷺ : ((لا صَفَر)) (٨).
... وكل هذه المعاني لهذه الألفاظ قد اعتقدها الجهال وكلها بجميع معانيها المذكورة منفية بنص الحديث. ولله الحمد والمنّة. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي -بتصرف – ص١١٦٠
стр. 1091
المثال الأول: الرقى الشركية
الرقى في اللغة: جمع رقية، والاسم منه (رقيا)، يقال: رقيته، أرقيه، رقيا، والمرة (رقية) (١).
وفي الاصطلاح: الأمور التي يعوذ بها لرفع البلاء أو دفعه (٢).
والرقية الشرعية هي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه، أو يعيذه منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالباً يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي أو في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يصب على بدنه، وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض.
والرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الرقى الشرعية، وهي الرقى التي سبق ذكرها، وقد أجمع أهل العلم جوازها في الجملة.
ويشترط في هذه الرقية أيضا أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة (٣)، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر، وحكم هذه الرقية عند اجتماع الشروط السابقة أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى.
والدليل على استحباب الرقية في حق المرقي: ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.
والدليل على استحبابها في حق الراقي: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله – ﵄ – قال: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: ((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)).
النوع الثاني: الرقى المحرمة:
ومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر، وإن اعتمد عليها اعتماداً كلياً حتى اعتقد أنها تنفع من دون الله، أو تضمنت صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو من الشرك الأكبر المخرج من الملة.
والدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله ﷺ : ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))، وما روى عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: ((اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك)) رواه مسلم.
стр. 1092
ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى، أو كانت من كافر كتابي أو غيره. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٣٩٧
هذه الأمور المذكورة التي يتعلق بها العامة غالبها من الشرك الأصغر لكن إذا اعتمد العبد عليها بحيث يثق بها ويضيف النفع والضر إليها كان ذلك شركا أكبر والعياذ بالله لأنه حينئذ صار متوكلا على سوى الله ملتجئا إلى غيره
وَمَن يَثِقْ بِوَدْعَةٍ أوْ نَابِ ... أَوْ حَلْقَةٍ أوْ أَعْيُنِ الذِّئَابِ
أَوْ خَيْطٍ اَوْ عُضْوٍ مِنَ النُّسُورِ ... أَو وَتَرٍ أوْ تُرْبَةِ الْقُبُورِ
لأَيِّ أَمْرٍ كَائِنٍ تَعَلَّقَهْ ... وَكلَهُ اللهُ إِلَى مَا عَلَّقَهْ
(ومن يثق) هذا الشرط جوابه (وكلهُ) الآتي:
(بودعة) قال في النهاية هو شيء أبيض يجلب من البحر يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم. وإنما نهى عنه لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين (٢٢٧).
(أو ناب) كما يفعله كثير من العامة يأخذون ناب الضبع ويعلقونه من العين.
(أو حلقة) وكثيراً ما يعلقونها من العين وسيأتي في الحديث أنهم يعلقونها من الواهنة وهو مرض العضد.
(أو أعين الذئاب) وكثيراً ما يعلقونها يزعمون أن الجن تفر منها، ومنهم من يقول إنه إذا وقع بصر الذئب على جني لا يستطيع أن يفر منه حتى يأخذه، ولهذا يعلقون عينه إذا مات على الصبيان ونحوهم.
(أو خيط) وكثيراً ما يعلقونه على المحموم ويعتقدونه فيه عقداً بحسب اصطلاحاتهم، وأكثرهم يقرأ عليه سورة: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:١] إلى آخرها، ويعقد عند كل كاف منها عقدة، فيجتمع في الخيط تسع عقد بعدد الكافات، ثم يربطونه بيد المحموم أو عنقه.
(أو عضو من النسور) كالعظم ونحوه يجعلونها خرزاً ويعلقونها على الصبيان يزعمون أنها تدفع العين.
(أو وتر) وكانوا في الجاهلية إذا عتق وتر القوس أخذوه وعلقوه يزعمون عن العين على الصبيان والدواب.
(أو تربة القبور) وما أكثر من يستشفي بها لا شفاهم الله، واستعمالهم لها على أنواع: فمنهم من يأخذها ويمسح بها جلده، ومنهم من يتمرغ على القبر تمرغ الدابة، ومنهم من يغتسل بها مع الماء، ومنهم من يشربها وغير ذلك. وهذا كله ناشئ عن اعتقادهم في صاحب ذلك القبر أنه ينفع ويضر، حتى عدوا ذلك الاعتقاد فيه إلى تربته فزعموا أنها فيها شفاء وبركة لدفنه فيها، حتى إن منهم من يعتقد في تراب بقعة لم يدفن فيها ذلك الولي بزعمه بل قيل له إن جنازته قد وضعت في ذلك المكان. وهذا وغيره من تلاعب الشيطان بأهل هذه العصور زيادة على ما تلاعب بمن قبلهم. نسأل الله العافية.
стр. 1093
(لأي أمر كائن تعلقه) الضمير عائد إلى ما تقدم وغيره (وكله الله) أي تركه (إلى ما علقه) دعاء عليه أي لا حفظه الله ولا كلأه بل تركه إلى ما وثق به واعتمد عليه دون الله : قال الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)) رواه أحمد (١). وله عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر فقال: ((ما هذا؟)) قال: من الواهنة، فقال: ((انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)) (٢) , ولابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] (٣) وفي (الصحيح) عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولاً أن ((لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت)) (٤). وعن رويفع ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه)) رواه أحمد (٥). وله عن عبد الله بن عكيم مرفوعاً ((من علق شيئاً وكل إليه)) ورواه الترمذي (٦).
стр. 1094
وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير. قالت: فدخل فجلس إلى جانبي فرأى في عنقي خيطاً. فقال: ما هذا الخيط؟ قالت قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)) قالت قلت له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت. فقال: إنما ذاك من الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي ﷺ : ((أذهب البأس رَبَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)) رواه أحمد (١). وروى جملة الدلالة منه على الباب أبو داود، أعني الجملة المرفوعة إلى النبي ﷺ . قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: الرقى هي التي تسمى العزائم وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة، والتمائم شيء يلقونه على الأولاد عن العين، والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته ا. هـ. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٦٢٣
стр. 1095
المثال الثاني: التمائم الشركية
التمائم في اللغة: جمع تميمة، وهي في الأصل خرزة كانت تعلق على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها (١)، وكأن العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب.
وفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه (٢).
ومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسيم وكتابات لا يفهم معناها، وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهال على أولادهم يعتقدون أنها سبب لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة أو للبواسير، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ (محمد) عقداً للعلاج من بعض الأمراض (٣)، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض، وهذه كلها محرمة، وهي من الشرك، لقوله ﷺ : ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))، ولقوله ﷺ : ((من علق تميمة فقد أشرك))، فهي من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيرا في الشفاء، وطلبوا دفع الأذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد سواه جل وعلا (٤)، لكن إن اعتقد متخذها أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سبباً (٥)، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.
ويدخل في التمائم أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية (الرقى) في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها، ولعل الأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:
١ - أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم، ولم يأت حديث واحد في استثناء شيء منها.
٢ - أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز إحداث عبادة لا دليل عليها.
стр. 1096
٣ - أن في تعليقها تعريضاً للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة.
٤ - سد الذريعة؛ لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤٠٨
وَإِنْ تَكُنْ مِمَّا سِوَى الْوَحْيَيْنِ ... فَإِنَّهَا شِرْكٌ بِغَيْرِ مَيْنِ
بَلْ إِنَّهَا قَسِيمَةُ الأَزْلاَمِ ... فِي الْبُعْدِ عَنْ سِيمَا أُولي الإسْلامِ
(وإن تكن) أي التمائم (مما سوى الوحيين) بل من طلاسم اليهود وعباد الهياكل والنجوم والملائكة ومستخدمي الجن ونحوهم أو من الخرز أو الأوتار أو الحلق من الحديد وغيره (فإنها شرك) أي تعلقها شرك (بدون مين) أي شك، إذ ليست هي من الأسباب المباحة والأدوية المعروفة، بل اعتقدوا فيها اعتقاداً محضاً أنها تدفع كذا وكذا من الآلام لذاتها لخصوصية زعموا فيها كاعتقاد أهل الأوثان في أوثانهم، (بل إنها قسيمة) أي شبيهة (الأزلام) التي كان يستصحبها أهل الجاهلية في جاهليتهم ويستقسمون بها إذا أرادوا أمراً، وهي ثلاثة قداح مكتوب على أحدها: افعل، والثاني: لا تفعل، والثالث: غفل، فإن خرج في يده الذي فيه افعل مضى لأمره، أو الذي فيه لا تفعل ترك ذلك، أو الغفل أعاد استقسامه. وقد أبدلنا الله تعالى – وله الحمد – خيراً من ذلك: صلاة الاستخارة ودعاءها.
والمقصود أن هذه التمائم التي من غير القرآن والسنة شريكة للأزلام وشبيهة بها من حيث الاعتقاد الفاسد والمخالفة للشرع (في البعد عن سيما أولي الإسلام) أي عن زي أهل الإسلام، فإن أهل التوحيد الخالص من أبعد ما يكون عن هذا وهذا، والإيمان في قلوبهم أعظم من أن يدخل عليه مثل هذا، وهم أجل شأناً وأقوى يقيناً من أن يتوكلوا على غير الله أو يثقوا بغيره. وبالله التوفيق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي –٢/ ٦٤٠
стр. 1097
المثال الأول: الحلف بغير الله
الحلف في اللغة: مصدر حلف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويسمى (اليمين)؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه (١)، ويسمى أيضاً (القسم).
والحلف في الأصل: توكيد لشيء بذكر معظم مصدراً بحرف من حروف القسم.
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى مصدراً بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تالله، واختلفوا فيما عدا ذلك.
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغيره الله (٢)، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله ﷺ : ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، وإلا فليصمت)) (٣) متفق عليه، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبياً أم ولياً أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، ووقع في الشرك، لقوله ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) (٤)، ولأن الحلف فيه تعظيم للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائناً من كان، فقد جعله شريكاً لله – – في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به ، وهذا من الشرك الأصغر إن كان الحالف إنما أشرك في لفظ القسم لا غير (٥)، أما إن كان الحالف قصد بحلفه تعظيم المخلوق الذي حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتاً، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن المحلوف به عندهم أجل وأعظم وأخوف من الله تعالى. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤١٧
стр. 1098
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: ((ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) (١) وفي رواية قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكراً ولا آثراً (٢). متفق عليه. ولأبي داود والنّسائي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)) (٣). ولأحمد ومسلم والنسائي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)) (٤) ... وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من حلف بالأمانة)) رواه أبو داود (٥). وفي الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يحلف بالأمانة فقال: ((ألست الذي يحلف بالأمانة)) (٦). وعن قتيلة بنت صفي أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ((ورب الكعبة))، ويقول أحدهم: ((ما شاء الله ثم شئت)) رواه النسائي وصححه وابن ماجه (٧). وقد ثبت في كفارة الحلف بغير الله حديث الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من حلف فقال في حلفه باللات والعزَّى فليقل لا إله إلا الله (٨). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص ٦١٥
стр. 1099
المثال الثاني: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ (الواو)
ومن الشرك الأصغر قول ما شاء الله وشئت، كما روى النسائي عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: ((أجعلتني لله نداً؟ ما شاء الله وحده)) (١). ولأبي داود بسند صحيح عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان)) (٢). وتقدم في ذلك حديث قتيلة، والفرق بين الواو وثم أنه إذا عطف بالواو كان مضاهياً مشيئة الله بمشيئة العبد إذ قرن بينهما، وإذا عطف بثم فقد جعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله كما قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان: ٣٠] ومثله قول: لولا الله وفلان هذا من الشرك الأصغر، ويجوز أن يقول: لولا الله ثم فلان، ذكره إبراهيم النخعي. ولابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قول الله : فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] قال: الأندادُ هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن يقول والله وحياتك يا فلان وحياتي ويقول لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك (٢٢٦). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص ٦١٥
عن قتيلة: ((أن يهودياً أتى النبي ﷺ ، فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت)). رواه النسائي وصححه (٣)
قوله: (أن يهودياً) اليهودي: هو المنتسب إلى شريعة موسى ﵇، وسموا بذلك من قوله تعالى: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ، أي: رجعنا، أو لأن جدهم اسمه يهوذا بن يعقوب، فتكون التسمية من أجل النسب، وفي الأول تكون التسمية من أجل العمل، ولا يبعد أن تكون من الاثنين جميعاً.
قوله: (إنكم تشركون). أي: تقعون في الشرك أيها المسلمون.
قوله: (ما شاء الله وشئت). الشرك هنا أنه جعل المعطوف مساوياً للمعطوف عليه، وهو الله حيث كان العطف بالواو المفيدة للتسوية.
قوله: " والكعبة ". الشرك هنا أنه حلف بغير الله، ولم ينكر النبي ﷺ ما قال اليهودي، بل أمر بتصحيح هذا الكلام، فأمرهم إذا حلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، فيكون القسم بالله.
стр. 1100
وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت، فيكون الترتيب بثم بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق، وبذلك يكون الترتيب صحيحاً، أما الأول، فلأن الحلف صار بالله، وأما الثاني، فلأنه جعل بلفظ يتبين به تأخر مشيئة العبد عن مشيئة الله، وأنه لا مساواة بينهما.
ويُستفاد من الحديث:
١ - أن النبي ﷺ لم ينكر على اليهودي مع أن ظاهر قصده الذم واللوم للنبي ﷺ وأصحابه، لأن ما قاله حق.
٢ - مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان من نبه عليه ليس من أهل الحق.
٣ - أنه ينبغي عند تغيير الشيء أن يغير إلى شيء قريب منه، لأن النبي ﷺ أمرهم أن يقولوا: ((ورب الكعبة))، ولم يقل: احلفوا بالله، وأمرهم أن يقولوا: ((ما شاء الله، ثم شئت)).
إشكال وجوابه:
وهو أن يقال: كيف لم ينبه على هذا العمل إلا هذا اليهودي؟
وجوابه: أنه يمكن أن الرسول ﷺ لم يسمعه ولم يعلم به.
ولكن يقال: بأن الله يعلم، فكيف يقرهم؟
فيبقى الإشكال، لكن يجاب: إن هذا من الشرك الأصغر دون الأكبر، فتكون الحكمة هي ابتلاء هؤلاء اليهود الذين انتقدوا المسلمين بهذه اللفظة مع أنهم يشركون شركاً أكبر ولا يرون عيبهم.
وله أيضاً عن ابن عباس، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت فقال: ((أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)) (١).
قوله في حديث ابن عباس ﵄: ((أن رجلاً قال للنبي ﷺ . .. )). الظاهر أنه قاله للنبي ﷺ تعظيماً، وأنه جعل الأمر مُفوضاً لمشيئة الله ومشيئة رسوله.
قوله: ((أجعلتني لله نداً؟!)). الاستفهام للإنكار، وقد ضمن معنى التعجب، ومن جعل للخالق نداً، فقد أتى شيئاً عجاباً.
والنِّد: هو النظير والمساوي، أي: أجعلتني لله مساوياً في هذا الأمر؟!
قوله ((بل ما شاء الله وحده)). أرشده النبي ﷺ إلى ما يقطع عنه الشرك، ولم يرشده إلى أن يقول ما شاء الله ثم شئت حتى يقطع عنه كل ذريعة عن الشرك وإن بَعُدَت.
يستفاد من الحديث:
أن تعظيم النبي ﷺ بلفظ يقتضي مساواته للخالق شرك، فإن كان يعتقد المساواة، فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه دون ذلك، فهو أصغر، وإذا كان هذا شركاً، فكيف بمن يجعل حق الخالق للرسول ﷺ ؟!
هذا أعظم، لأنه ﷺ ليس له شيء من خصائص الربوبية، بل يلبس الدرع، ويحمل السلاح، ويجوع، ويتألم، ويمرض، ويعطش كبقية الناس، ولكن الله فضله على البشر بما أوحى إليه من هذا الشرع العظيم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠]، فهو بشر، وأكد هذه البشرية بقوله: مِّثْلُكُمْ، ثم جاء التمييز بينه وبين بقية البشر بقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]، ولا شك أن الله أعطاه من الأخلاق الفاضلة التي بها الكمالات من كل وجه أعطاه من الصبر العظيم، وأعطاه من الكرم ومن الجود، لكنها كلها في حدود البشرية، أما أن تصل إلى خصائص الربوبية، فهذا أمر لا يمكن، ومن ادعى ذلك، فقد كفر بمحمد ﷺ وكفر بمن أرسله.
стр. 1101
فالمهم أننا لا نغلو في الرسول ﵊ فننزله في منزلة هو ينكرها، ولا نهضم حقه الذي يجب علينا فنعطيه ما يجب له، ونسأل الله أن يعيننا على القيام بحقه، ولكننا لا ننزله منزلة الرب .
٢ - إنكار المنكر وإن كان في أمر يتعلق بالمنكر، لقوله ﷺ ((أجعلتني لله نداً))، مع أنه فعل ذلك تعظيماً للنبي ﷺ ، وعلى هذا إذا انحنى لك شخص عند السلام، فالواجب عليك الإنكار.
٣ - أن من حسن الدعوة إلى الله أن تذكر ما يباح إذا ذكرت ما يحرم، لأنه ﷺ لما منعه من قوله: ((ما شاء الله وشئت)) أرشده إلى الجائز وهو قوله: ((بل ما شاء الله وحده)).
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: ((رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت، أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحداً؟. قلت نعم قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده)) (١). القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – ٢/ ٤٠٨
стр. 1102
المثال الثالث: الاستسقاء بالأنواء
الاستسقاء في اللغة: من سقى، يسقي، والمصدر: سقيا، بفتح السين وتسكين القاف، والاسم: السقيا، والمراد: إنزال الغيث (١)، والسين والتاء في ((الاستسقاء)) تدل على الطلب، أي السقيا، كالاستغفار، فهو طلب المغفرة، فمادة (استفعل) تدل على الطلب غالباً (٢).
والأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجماً، كنجم الثريا، ونجم الحوت.
فالاستسقاء بالأنواء: أن يطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا، أو هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث (٣).
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقداً أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جل وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع.
القسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقداً أن الله جعل هذا النجم سبباً في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنه جعل ما ليس بسبب سبباً، فالله تعالى لم يجعل شيئاً من النجوم سبباً في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:
١ - ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس – ﵄ – قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : ((أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا)) (٤). قال: فنزلت هذه الآية: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥] حتى بلغ: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تكذبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى (٥).
٢ - ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)) (٦). وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر.
٣ - ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)) (٧).
стр. 1103
هذا وإذا قال المسلم: (مطرنا بنوء كذا وكذا) ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم، معتقداً أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالاً ولا تسبباً فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم (١).
وقيل: مكروه (٢). وقيل: مباح (٣)، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، أو يقول: (هذه رحمة الله)، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول: (هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا)، أو يقول: (مطرنا في نوء كذا)، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول (مطرنا بنوء كذا) أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:
١ - أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقاً بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفراً بالله تعالى، وإيماناً بالكوكب.
٢ - أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يؤدي بجهالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء.
٣ - أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد.
٤ - أن فيه استبدالاً للفظ المندوب إليه شرعاً في هذه الحال، وهو قول: (مطرنا بفضل الله ورحمته) بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبه بالمشركين، وقد نهينا عن التشبه بهم.
قريب من لفظ (مطرنا بنوء كذا وكذا) ما يشبهه من الألفاظ الموهمة، كلفظ (هذا مطر الوسمي)، ونحو ذلك.
هذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة ونحوهما، ومنها التسمي بأسماء الله تعالى، ومنها التسمي باسم فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما، ومنها بعض صور التبرك البدعي، ومنها التصوير لذوات الأرواح إذا كان فيه نوع تعظيم، ومنها سب الدهر، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، وبالأخص إذا كان في قضية واحدة. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤٢٩
الاستسقاء: طلب السقيا، كالاستغفار: طلب المغفرة والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستهداء: طلب الهداية، لأن مادة استفعل في الغالب تدل على الطلب، وقد لا تدل على الطلب، بل تدل على المبالغة في الفعل، مثل: استكبر، أي: بلغ في الكبر غايته، وليس المعنى طلب الكبر، والاستسقاء بالأنواء، أي: أن تطلب منها أن تسقيك.
والاستسقاء بالأنواء، أي: أن تطلب منها أن تسقيك.
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك أكبر، وله صورتان:
الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا! اسقنا أو أغثنا، وما أشبه ذلك، فهذا شرك أكبر، لأنه دعا غير الله، ودعاء غير الله من الشرك الأكبر، قال تعالى: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١٧]، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، وقال تعالى وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦].
стр. 1104
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على النهي عن دعاء غير الله، وأنه من الشرك الأكبر.
الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعها، فهذا شرك أكبر في الربوبية، والأول في العبادة، لأن الدعاء من العبادة، وهو متضمن للشرك في الربوبية، لأنه لم يدعها إلا وهو يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجة.
القسم الثاني
شرك أصغر، وهو أن يجعل هذه الأنواء سبباً مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل، لأن كل من جعل سبباً لم يجعله الله سبباً لا بوجه ولا بقدرة، فهو مشرك شركاً أصغر.
وقال الله تعالى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨٢].
قوله تعالى: وتجعلون. أي: تصيرون، وهى تنصب مفعولين: الأول: رزق، والثاني أن، وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان، والتقدير: وتجعلون رزقكم كونكم تكذبون أو تكذيبكم.
والمعنى: تكذبون أنه من عند الله، حيث تضيفون حصوله إلى غيره.
قوله: رزقكم. الرزق هو العطاء، والمراد به هنا: ما هو أعم من المطر، فيشمل معنيين:
الأول: أن المراد به رزق العلم، لأن الله قال: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٧٥ - ٨٣]، أي: تخافونهم فتداهنونهم، وتجعلون شكر ما رزقكم الله به من العلم والوحي أنكم تكذبون به، وهذا هو ظاهر سياق الآية.
الثاني: أن المراد بالرزق المطر، وقد روي في ذلك حديث عن النبي ﷺ لكنه ضعيف، إلا أنه صح عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: أن المراد بالرزق المطر، وأن التكذيب به نسبته إلى الأنواء (١)، وعليه يكون ما ساق المؤلف الآية من أجله مناسباً للباب تماماً. والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين جميعاً بدون منافاة تحمل عليهما جميعاً، وإن حصل بينهما منافاة طلب المرجح.
ومعنى الآية: أن الله يوبخ هؤلاء الذين يجعلون شكر الرزق التكذيب والاستكبار والبعد، لأن شكر الرزق يكون بالتصديق والقبول والعمل بطاعة المنعم، والفطرة كذلك لا تقبل أن تكفر بمن ينعم عليها، فالفطرة والعقل والشرع كل منها يوجب أن تشكر من ينعم عليك، سواء قلنا: المراد بالرزق المطر الذي به حياة الأرض، أو قلنا: إن به القرآن الذي به حياة القلوب، فإن هذا من أعظم الرزق، فكيف يليق بالإنسان أن يقابل هذه النعمة بالتكذيب؟!
واعلم أن التكذيب نوعان:
أحدهما: التكذيب بلسان المقال، بأن يقول هذا كذب، أو المطر من النوء ونحو ذلك.
والثاني: التكذيب بلسان الحال، بأن يعظم الأنواء والنجوم معتقداً أنها السبب، ولهذا وعظ عمر بن عبد العزيز الناس يوماً، فقال: (أيها الناس! إن كنتم مصدقين، فأنتم حمقى، وإن كنتم مكذبين، فأنتم هلكى) (٢). وهذا صحيح، فالذي يصدق ولا يعمل أحمق، والمكذب هالك، فكل إنسان عاص نقول له الآن: أنت بين أمرين: إما أنك مصدق بما رتب على هذه المعصية، أو مكذب، فإن كنت مصدقاً، فأنت أحمق، كيف لا تخاف فتستقيم؟ ! وإن كنت غير مصدق، فالبلاء أكبر، فأنت هالك كافر.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)) (٣).
стр. 1105
قوله في حديث أبي مالك: (أربع في أمتي). الفائدة من قوله: (أربع) ليس الحصر، لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي ﷺ ذلك باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد، لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ.
قوله: (من أمر الجاهلية). أمر هنا بمعنى شأن، أي: من شأن الجاهلية وهو واحد الأمور، وليس واحد الأوامر، وليس الأوامر، لأن واحد الأوامر طلب الفعل على وجه الاستعلاء.
وقوله: (من أمر الجاهلية). إضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير، لأن كل إنسان يقال: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب، إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال الجاهلية، فالغرض من الإضافة هنا أمران:
التنفير.
بيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان، إذ ليست أهلاً بأن يراعيها الإنسان أو يعتني بها، فالذي يعتني بها جاهل.
والمراد بالجاهلية هنا: ما قبل البعثة، لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن.
لكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم، قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، فهذه منة عظيمة أن بعث فيهم النبي ﵊ لهذه الأمور السامية:
يتلو عليهم آيات الله. ويزكيهم، فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها.
ويعلمهم الكتاب والحكمة.
هذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [عمران: ١٦٤] و (إن هذه ليست نافية بل مؤكدة؛ فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
إذا ًالمراد بالجاهلية ما قبل البعثة، لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم. فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله وحقوق عباده، فمن جهلهم أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر.
قوله: ((لا يتركونهن)). المراد: لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعاً، إنما الأمة كمجموع لابد أن يوجد فيها شيء من ذلك، لأن هذا خبر من الصادق المصدوق ﷺ ، والمراد بهذا الخبر التنفير، لأنه ﷺ قد يخبر بأشياء تقع وليس غرضه أن يؤخذ بها، كما قال ﷺ ((لتركبن سنن من كان قبلكم اليهود والنصارى)) (١) أي: فاحذروا، وأخبر ﷺ : ((أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله)) (٢)، أي: بلا محرم، وهذا خبر عن أمر واقع وليس إقراراً له شرعاً.
قوله (أمتي) أي: أمة الإجابة.
стр. 1106
قوله: (الفخر بالأحساب). الفخر: التعالي والتعاظم، والباء للسببية، أي: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه.
والحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد، كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة، فيفتخر بذلك، وهذا من أمر الجاهلية، لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والمتقي حقيقة هو الذي كلما ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعاً للحق وللخلق.
وإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية، فلا يجوز لنا أن نفعله، ولهذا قال تعالى لنساء نبيه ﷺ : وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ [الأحزاب: ٣٣]، واعلم أن كل ما ينسب إلى الجاهلية، فهو مذموم ومنهي عنه.
قوله: ((الطعن في الأنساب)). الطعن العيب، لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون في الجسد، ولهذا سمي العيب طعناً.
والأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدباغ، أو أنت ابن مُقطَّعة البظور – وهو شيء في فرج المرأة يقطع عند ختان النساء -.
قوله: ((والاستسقاء بالنجوم)). أي: نسبة المطر إلى النجوم مع اعتقاد أن الفاعل هو الله – ، أما إن أعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة .............
أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة: إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.
ومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لابد أن يعاقب، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيميه لإطلاق قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ١١٦]، فقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، وبهذا نعرف عظم سيئة الشرك، قال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقاً) (١)
لأن الحلف بغير الله من الشرك، والحلف بالله كاذباً من كبائر الذنوب وسيئة الشرك أعظم من سيئة الذنب.
ثبوت الجزاء والبعث.
أن الجزاء من جنس العمل.
ولهما عن زيد بن خالد ﵁، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصراف، اقبل على الناس، فقال ((هل تدرون ماذا قال ربكم)) (٢)؟.
قوله في حديث زيد بن خالد (صلى لنا). أي إماماً، لأن الإمام يصلي لنفسه ولغيره، ولهذا يتبعه المأموم، وقيل: إن اللام بمعنى الباء، وهذا قريب وقيل: إن اللام للتعليل، أي: صلى لأجلنا.
قوله: (صلاة الصبح بالحديبية). أي صلاة الفجر، والحديبية فيها لغتان: التخفيف، وهو أكثر، والتشديد، وهى أسم بئر سمي بها المكان، وقيل أن أصلها شجرة حدبا تسمى حديبية، والأكثر على أنها بئر، وهذا المكان قريب من مكة بعضه في الحل وبعضه في الحرم، نزل به الرسول ﷺ في السنة السادسة من الهجرة لما قدم معتمراً، فصده المشركون عن البيت، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ويسمى الآن الشميسي.
قوله: (على إثر سماء كانت من الليل). الإثر معناه العقب، والأثر معناه العقب، والأثر: ما ينتج عن السير.
قوله: (سماء). المراد به المطر.
стр. 1107
قوله: (كانت من الليل). (من) لابتداء الغاية هذا هو الظاهر – والله أعلم -، ويحتمل أن تكون بمعنى في للظرفية.
قوله: (فلما انصرف) أي: من صلاته، وليس من مكانه بدليل قوله: (أقبل على الناس).
قوله: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟). الاستفهام يراد به التنبيه والتشويق لما سيلقي عليهم، وإلا، فالرسول ﷺ يعلم أنهم لا يعلمون ماذا قال الله، لأن الوحي لا ينزل عليهم.
ومعنى قوله: (هل تدرون). أي: هل تعلمون.
والمراد بالربوبية هنا الخاصة، لأن ربوبية الله للمؤمن خاصة كما أن عبودية المؤمن له خاصة، ولكن الخاصة لا تنافي العامة، لأن العامة تشمل هذا وهذا، والخاصة تختص بالمؤمن.
قوله: (قالوا: الله ورسوله). فيه إشكال نحوي، لأن: (أعلم) خبر عن اثنين، وهي مفرد، فيقال: أن اسم التفضيل: إن اسم التفضيل إذا نوي به معنى (من)، وكان مجرداً من أل والإضافة لزم فيه الإفراد والتذكير.
وفيه أيضاً إشكال معنوي، وهو أنه جمع بين الله ورسوله بالواو، مع أن الرسول ﷺ لما قال له الرجل: ((ما شاء الله وشئت. قال أجعلتني لله نداً!)) (١)
فيقال: أن هذا أمر شرعي، وقد نزل على الرسول ﷺ .
وأما إنكاره على من قال: ما شاء وشئت، فلأنه أمر كوني، والرسول ﷺ ليس له شأن في الأمور الكونية.
والمراد بقولهم: (الله ورسوله أعلم) تفويض العلم إلى الله ورسوله، وأنهم لا يعلمون.
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال، مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)) (٢).
قوله: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر). (مؤمن) صفة لموصوف محذوف، أي: عبد مؤمن، وعبد كافر.
و (أصبح): من أخوات كان، واسمها: (مؤمن)، وخبرها: (من عبادي). ويجوز أن يكون (أصبح) فعلاً ماضياً ناقصاً، واسمها ضمير الشأن، أي: أصبح الشأن، فـ (من عبادي) خبر مقدم، و (مؤمن) مؤخر، أي: أصبح شأن الناس منهم مؤمن ومنهم كافر.
قوله: (فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته). أي: قال بلسانه وقلبه، والباء للسببية، وأفضل: العطاء والزيادة.
والرحمة: صفة من صفات الله، يكون بها الإنعام والإحسان إلى الخلق.
وقوله: (فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب). لأنه نسب المطر إلى الله ولم ينسبه إلى الكوكب، ولم ير له تأثيراً في نزوله، بل نزل بفضل الله.
قوله: (وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا). الباء للسببية، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وصار كافراً بالله، لأنه أنكر نعمة الله ونسبها إلى سبب لم يجعله الله سبباً، فتعلقت نفسه بهذا السبب، ونسي نعمة الله، وهذا الكفر لا يخرج من الملة، لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب وليس إلى النوء على أنه فاعل.
لأنه قال: (مطرنا بنوء كذا)، ولم يقل: أنزل علينا المطر نوء كذا، لأنه لو قال ذلك، لكان نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد، وبه نعرف خطأ من قال: إن المراد بقوله: (مطرنا بنوء كذا) نسبة المطر إلى النوء نسبة إيجاد، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا ولم يقل مطرنا به.
فعلم أن المراد أن من أقر بأن الذي خلق المطر وأنزله هو الله، لكن النوء هو السبب، فهو كافر، وعليه يكون من باب الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.
стр. 1108
والمراد بالكوكب النجم، وكانوا ينسبون المطر إليه، ويقولون: إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر، وليسوا ينسبونه إلى هذا نسبة وقت، وإنما نسبة سبب، فنسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
نسبة إيجاد، وهذه شرك أكبر.
نسبة سبب، وهذه شرك أصغر.
نسبة وقت، وهذه جائزة بأن يريد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: جاءنا المطر في هذا النوء أي في وقته.
ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول: مطرنا بنوء كذا، ويجوز مطرنا في نوء كذا، وفرقوا بنيهما أن الباء للسببية، و (في) للظرفية، ومن ثم قال أهل العلم: إنه إذا قال: مطرنا بنوء كذا وجعل الباء للظرفية فهذا جائز، وهذا وإن كان له وجه من حيث المعنى، لكن لا وجه له من حيث اللفظ، لأن لفظ الحديث: (من قال: مطرنا بنوء كذا)، والباء للسببية أظهر منها للظرفية، وهي وإن جاءت للظرفية كما في قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، لكن كونها للسببية أظهر، والعكس بالعكس، (في) للظرفية أظهر منها للسببية وإن جاءت للسببية، كما في قوله ﷺ ((دخلت امرأة النار في هرة)) (١)
والحاصل أن الأقرب المنع ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مطلقاً، ولا يظن أنها تأتى سببية، فهذا جائز، ومع ذلك فالأولى أن يقال لهم: قولوا: في نوء كذا.
ولهما من حديث ابن عباس معناه وفيه قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا. فأنزل الله هذه الآيات: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢].
قوله: (ولهما). الظاهر أنه سبق قلم، وإلا، فالحديث في (مسلم) وليس في (الصحيحين).
ومعنى الحديث: أنه لما نزل المطر نسبه بعضهم إلى رحمة الله وبعضهم قال: لقد صدق نوء كذا وكذا، فكأنه جعل النوء هو الذي أنزل المطر أو نزل بسببه.
ومنه ما يذكر في بعض كتب التوقيت: (وقل أن يخلف نوؤه)، أو: (هذا نوؤه صادق)، وهذا لا يجوز، وهو الذي أنكره الله – – على عباده، وهذا شرك أصغر، ولو قال بإذن الله، فإنه لا يجوز لأن كل الأسباب من الله، والنوء لم يجعله الله سبباً. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - بتصرف– ٢/ ١٤١
стр. 1109
تمهيد
لما كانت الأعمال الشركية كثيرة لا حصر لها، رأينا أنه من اللازم علينا الكلام على بعضها مما هو منتشر بين الناس خطره، وقد يخفى عليهم حكمه. وهي ما بين قضايا منافية للتوحيد، وأخرى منافية لكماله؛ أو قضايا لها جهتان: فهي من جهة تنافي التوحيد، ومن جهة تنافي كماله.
وعلة ذلك: أنها تارة تكون من الشرك, أو الكفر, أو النفاق الأكبر، وتارة تكون من الشرك, أو الكفر, أو النفاق الأصغر. وقد تقدم أن الأولى تنافي التوحيد، وأن الثانية تنافي كمال التوحيد. وهكذا الأمر نفسه بالنسبة للوسائل، فما أوصل للشرك الأكبر ونحوه أخذ حكمه، وما أوصل إلى الشرك الأصغر ونحوه أخذ حكمه.
وهذه الأعمال كما يلي: المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤١
стр. 1110
الفرع الأول: السحر والشعوذة
وهو لغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، ومنه سمي السحر سحراً لأنه يقع خفياً آخر الليل، ومنه قوله ﷺ : ((إن من البيان لسحراً)) لما في البيان من قدرة من يتصف به على إخفاء الحقائق.
وشرعاً: هو عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه، قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ، وقد أمر الله بالتعوذ من السحر وأهله، فقال جل شأنه: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ وهن السواحر اللواتي ينفخن في عقد السحر، والسحر له حقيقة؛ ولذا أمرنا بالتعوذ منه، وظهرت آثاره على المسحورين، قال تعالى: وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. فوصفه بالعظم، ولو لم تكن له حقيقة لم يوصف بهذا الوصف، وهذا لا يمنع أن يكون من السحر ما هو خيال، كما قال سبحانه عن سحر سحرة فرعون: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى أي: يخيل لموسى أن الحبال تسعى كالحيات من قوة ما صنعوه من السحر. وعليه فالسحر قسمان:
أحدهما: سحر حقيقي.
والثاني: سحر خيالي.
وهذا لا يعني أن الساحر قادر على تغيير حقائق الأشياء، فهو لا يقدر على جعل الإنسان قرداً أو القرد بقرة مثلاً.
والساحر ليس هو ولا سحره مؤثرين بذاتهما ولكن يؤثر السحر إذا تعلق به إذن الله القدري الكوني, وأما إذن الله الشرعي فلا يتعلق به البتة؛ لأن السحر مما حرمه الله ولم يأذن به شرعاً، قال تعالى: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ.
وحكم الساحر: كافر خارج عن ملة الإسلام، والسحر: كفر مخرج عن ملة الإسلام، فهو من الكفر الأكبر الذي إن مات عليه لم يغفر له، وأحبط له عمله.
وعليه، فالساحر يقتل مرتداً، وقد ثبت قتل الساحر عن عدد من أصحاب رسول الله ﵇، فقد صح عن أم المؤمنين حفصة (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت)، وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر ابن الخطاب ﵁: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة, فقتلنا ثلاث سواحر). وقد صح عن جندب بن عبد الله الأزدي مرفوعاً إلى رسول الله ﵊ قال: ((حد الساحر ضربة بالسيف)) وهو قول مالك وأحمد وأبي حنيفة وقال الشافعي: (يقتل إذا قتل به إنساناً). وقال أبو حنيفة: (يقتل إن تكرر منه السحر). وقتله عند مالك وأحمد وأبي حنيفة حد للمرتد، وعند الشافعي لا يقتل إلا إذا قتل به قصاصاً عن قتله لمعصوم، وأما كفره، فإن لم يصف كفراً ولا فعله فليس بكافر، مع العلم بأن الكل متفقون على أنه محرم، ومن كبائر الذنوب، بل من الموبقات، كما قال ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر ... )) إلخ الحديث.
هذا وقد كان سحر النبي ﵊ من قبيل المرض المؤثر في البدن دون العقل الذي هو مناط التكليف، ولذا لما أمره جبريل وميكائيل أن يقرأ المعوذات الثلاث (سورة الإخلاص والفلق والناس) فهم عنهما وقرأ فأزال الله بذلك ما كان يشعر به.
والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم عندي: أن الساحر كافر بالله كما قال تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: ١٠٢]، ولولا أن تعلمه واستعماله كفر لما وجها له هذا التحذير.
ويدخل في مسمى السحر ما يفعله بعض الناس مما يسمى خفة يد، والتنويم المغناطيسي، وما يسمى بتحضير الأرواح، وغيرها من أفعال الشعوذة والدجالين.
وإذا كان السحر محرماً والساحر على الراجح كافراً فإن إتيانهم، وطلب عمل السحر أيضاً محرم، ومن يقصد الساحر كافر كفراً أصغر هو أعظم من كبائر الذنوب، لظاهر قوله ﷺ : ((من تعلم شيئا من السحر قليلاً كان أو كثيراً كان آخر عهده من الله)) رواه عبد الرزاق، عن صفوان بن سليم، وهو مرسل (١).
والسحر من الشرك لأنه لا يحصل إلا بالاستعانة بالشياطين، كما قال ﷺ : ((من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه)) رواه النسائي وحسنه ابن مفلح (٢). المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤١
стр. 1111
الفرع الثاني: الكهانة
الكهانة هي طلب العلم بالمستقبل والإخبار عما في الضمير. فالكاهن مدع للعلم بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، كما قال : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا.
وأما ما يتكلم به الكاهن فيقع كما أخبر فذلك سببه مسترق السمع من الشياطين الذي يلقي للكاهن ما استرقه ومعه تسعا وتسعين كذبة، فصارت نسبة إصابته الحق في حقه واحد إلى مائة مما يدل على أن إصابة الحق عنده ضعيفة جدا، بل بعيدة للغاية، وعندئذ فلا تكون إصابته لأنه عالم، بل لأنها وافقت ما في علم الله، وإلا فإنه رماها مع عدم علمه بأنها ستقع قطعاً.
وعلى هذا، فالكاهن في إخباره عما يقع في المستقبل، أو في الضمير كاذب في ادعاء علمه، وهو يستغل البسطاء من الناس، ويسلب أموالهم بغير حق، وهو ينشر أنواع الشعوذات فيهم، ويجعلهم أكثر قابلية للدجل، والشعوذة والإيمان بالخرافة.
ومن هنا حرمت الكهانة وما في معناها من العرافة وهي: الاستدلال على المسروق ببعض المقدمات، كأثر السارق، ورؤية محل السرقة، أو منديل السارق، أو نحو ذلك؛ لأنها من جنس الكهانة، وفيها ما فيها من معنى.
والكاهن كافر بالله كفراً أكبر لادعائه علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن أتاه مصدقاً أنه يعلم الغيب كافراً كفراً أكبر، أما من لم يصدقه لكن حضر مكانه ليرى ما يفعله لا لقصد الشهادة عليه أو أمره بمعروف، أو نهيه عن منكر، أو حضر ليعمل بما أشار به لدعوى أنه لا ضرر فيه، فإن أفاد حصل المطلوب، وإن لم يحصل فلا ضرر؛ فإنه كافر كفراً أصغر، أكبر من كبائر الذنوب.
قال الرسول ﵊: ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) رواه أبو داود. وفي رواية للأربعة والحاكم: ((من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ). (١). وقال ﵊: ((من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)) رواه مسلم (٢).
هذا، ولأحمد ﵁ فيمن أتى الكاهن فصدقه روايتان:
إحداهما: أنه كفر أصغر ولعله الراجح.
الثانية: التوقف مع تسميته كافراً كما سماه الرسول ﷺ , فالتوقف في الحكم لا في التسمية، فلا يقال: ينقل عن الملة.
ويلتحق بالكاهن حكماً به الرمال، والضرب بالحصى، وقراءة الكف، والفنجان، وقراءة الحروف الأبجدية، وقراءة البروج، وقراءة الخطوط ونحو ذلك مما انتشر في هذا العصر من أنواع الكهانة. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤٣
стр. 1112
الفرع الثالث: النشرة
قال ابن الأثير: (النشرة بالضم ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسًّا من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء أي: يكشف ويزال)، والمراد بها هنا: هي حل السحر عن المسحور وهي نوعان:
الأول: حل السحر عن المسحور بسحر مثله، وهو محرم، وهو كفر أصغر، وهو الذي قال فيه الحسن: (لا يحل السحر إلا الساحر) (١)، حيث يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور.
الثاني: حل السحر بالأدعية والرقى المباحة من القرآن والسنة، فهذا جائز.
وعن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: (هي من عمل الشيطان) رواه أحمد بسند جيد (٢). وقال ﷺ : ((لا تداووا بحرام)) (٣)، وقال: ((ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها)) فحل السحر بالسحر من عمل الشيطان، وعمل الشيطان محرم، فلا يكون فيه شفاء وتوقع أن فيه شفاء عادة لم يجز؛ لأنه يحرم التداوي بالمحرمات، ولا يقال أن ذلك مما تمليه الضرورة؛ لأن محل الضرورة ما فيه نفع يدفعها، والسحر ليس كذلك كما دل عليه الحديث المتقدم. وإن قلنا: إن فيها نفعاً فإن محل الضرورة خوف الموت، والمسحور لا يموت بمجرد سحره حتى يقال إنه يحافظ على نفسه, كما أن تجويز إتيان السحر من أجل العلاج به يساعد على تعلمه وهو يحمل ضمناً تجويز تعلمه والعمل به, ويفتح الباب لكل شرير أن يسحر فيلجأ الناس إليه من أجل العلاج مما يزيد في شر السحرة وإفسادها, مع أن الشرع يحل دم الساحر ويدل على كفره – كما تقدم – وهذا الأمر مما ابتلي به كثير من الناس في عصرنا، فيكثر منهم من يذهب إلى السحر لحل ما أصابه من السحر عنه، مما جعل الناس يكثرون من لجوئهم إلى السحر سواء في العلاج، أو في طلب سحر الغير لحقد أو حسد أو بغضاء، مما زاد في الفساد وفتح باب الخرافة للناس. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤٥
стр. 1113
الفرع الرابع: التنجيم
وهو في اللغة: طلب العلم بالنجوم فالتاء في لفظ التنجيم للطلب فهو تفعيل منه.
وشرعاً: هو الاستدلال بالنجوم.
والحكمة من خلق النجوم التي أخبرنا بها في كتابه الكريم هي:
١ - علامات على الجهات التي تعرف بها الجهات الأصلية والفرعية.
٢ - يهتدي بها المسافر إلى جهات البلدان؛ لمعرفة طرقها, أو أماكن وجودها، قال تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.
٣ - زينة للسماء الدنيا.
٤ - رجوماً للشياطين المسترقين للسمع بعد بعثة النبي ﷺ قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وعليه فمن ادعى لها فائدة غير هذه طولب بالدليل الشرعي على ذلك، ولا يقر على شيء مما يقول حتى يقيمه بلا شبهة إذ لا يترك ما دل عليه كتاب الله لقول قائل كائناً من كان.
والتنجيم على قسمين:
الأول: علم تأثير:
وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية, بأن تجعل أسباباً مؤثرة أو مقارنة لها، فإن اعتقد أنها الفاعلة أو المؤثرة، سواء بنفسها أو ادعى أنها مؤثرة بإذنه تعالى فهو مشرك شركاً أكبر مخرجاً عن ملة الإسلام.
وإن اعتقد أنها مقارنة للحوادث الأرضية لا تفارقها فهو مشرك شركاً أصغر، ينافي كمال التوحيد، وذلك لأن اعتقاد أن الشيء سبب مؤثر أو مقارنة أمر شرعي فلابد من ثبوت السببية شرعاً أو عادة وهي منفية هنا فدعواها قول على الله بغير علم.
الثاني: علم تسيير:
وهو الاستدلال بها على الجهات، ومواقع البلدان، ونحو ذلك، فهو جائز لا محظور فيه ومنه: حساب التقاويم، ومعرفة بروج الشتاء والصيف، وأوقات التلقيح، والتأبير، والأمطار، وهبوب الرياح وصلاح الثمار، وتهيج العلل. والأمراض، ونحو ذلك.
وأما قوله ﷺ : ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد)) رواه أبو داود، وإسناده صحيح (١). فالمراد به القسم الأول؛ لأن المعروف من حال المنجم هو الاستعانة بالشياطين واعتقادهم ما يعتقده الصابئة من أن النجوم ذوات أرواح فاعلة، فيستعينون بالشياطين في قضاء أمورهم، وبناء عليه اعتبر نوعاً من السحر. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٤٦
(ينظر الفصل الثاني، من الباب الخامس، في الكتاب التاسع من الموسوعة)
стр. 1114
تمهيد:
الوسائل: جمع وسيلة، وهي: ما أدى إلى غيره.
ولذا فقد تقرر شرعاً أن ما كان وسيلة لمحرم فهو محرم، وما كان وسيلة لواجب فهو واجب، وما كان وسيلة لسنة فهو سنة، وما كان وسيلة لمكروه فهو مكروه، وما كان وسيلة إلى مباح فهو مباح. فكذلك ما كان وسيلة لشرك فهو شرك. وبذا يتبين أن خطر الوسيلة تبعاً لخطر ما تؤدي إليه، وإن أخطر الوسائل ما أدت إلى الشرك بالله لأنه أعظم ذنب عصي الله به.
من هنا تأتي أهمية معرفة وسائل الشرك المؤدية إليه، وقيمة العلم بها وبأحكامها، ولما كانت وسائل الشرك كثيرة غير محصورة، كان التعرض لأكثرها انتشاراً وأعظمها خطراً أمراً متعيناً علماً بها، وتنبيهاً على غيرها المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٦٥
ولما كان الشرك الأكبر أعظم ذنب عصي الله به؛ حرم الله ورسوله ﷺ كل قول أو فعل يؤدي إليه، أو يكون سبباً في وقوع المسلم فيه.
فالرسول ﷺ كان حريصاً على هداية أمته، وسلامتها من كل ما يكون سبباً في هلاكها، كما قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].
وقال أبو ذر ﵁: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علماً. قال: وقال رسول الله ﷺ : ((ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا بين لكم)) (١).
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها)) (٢) رواه البخاري ومسلم.
فالرسول ﷺ حمى جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه حماية محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار على الدرب وصل؛ ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من السيء إلى الأسوأ شيئاً فشيئاً حتى يخرجه من دائرة الإسلام بالكلية – إن استطاع إلى ذلك سبيلاً – فمن انقاد له واتبع خطواته خسر الدنيا والآخرة.
ولذلك لما عصى كثير من المسلمين نبيهم محمد بن عبد الله ﷺ بفعل بعض الأمور التي نهاهم عنها وحذرهم منها، واتبعوا خطوات الشيطان الذي زين لهم الباطل ودعاهم إليه حتى ظنوا أنهم على الحق مع مخالفتهم ومعصيتهم الصريحة للنبي ﷺ أدى بهم ذلك إلى الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٢٧٣
стр. 1115
المطلب الأول: تعريف التوسل
لفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عني بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في (النهاية): (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل) وقال الفيروز أبادي في (القاموس): (وسل إلى الله تعالى توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل) وقال ابن فارس في (معجم المقاييس): (الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ، وهو في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ).
وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): (الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى).
وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضاً وأنشد عليه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل
هذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (١).
وواضح أن هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.
معنى الوسيلة في القرآن:
إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٣٥].
وقوله سبحانه: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٧].
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير ﵀ في تفسيرها: (يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. اتقوا الله يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه).
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس ﵄ أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه .. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود) (٢)
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون) (٣).
стр. 1116
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١): (أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية).
... وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال:
يبتغون أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء. التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني – بتصرف - ص١٠
стр. 1117
الفرع الأول: التوسل المشروع
١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير أن تعافيني.
أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي. ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبك لمحمد ﷺ . فإن الحب من صفاته تعالى.
ودليل مشروعية هذا التوسل قوله : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨] , والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى. ولا شك أن صفاته العليا داخلة في هذا الطلب، لأن أسماءه الحسنى سبحانه صفات له، خصت به ﵎.
ومن ذلك ما ذكره الله تعالى من دعاء سليمان ﵇ حيث قال: وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩].
ومن الأدلة أيضاً قول النبي ﷺ في أحد أدعيته الثابتة عنه قبل السلام من صلاته ﷺ :
((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي .. )) (١).
ومنها أنه ﷺ سمع رجلاً يقول في تشهده: ((اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم فقال ﷺ قد غفر له قد غفر له)) (٢).
стр. 1118
وسمع النبي ﷺ رجلاً آخر يقول في تشهده: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار فقال النبي ﷺ لأصحابه: تدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم - وفي رواية (الأعظم) - الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى)) (١).
ومنها قوله ﷺ : ((من كثر همه فليقل: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحد من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا)) (٢).
ومنها ما ورد في استعاذته ﷺ وهي قوله: ((اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني .. )) (٣).
ومنها ما رواه أنس ﵁ أن النبي ﷺ : ((كان إذا حزبه - أي أهمه وأحزنه- أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)) (٤).
فهذه الأحاديث وما شابهها تبين مشروعية التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفه من صفاته، وأن ذلك مما يحبه الله سبحانه ويرضاه، ولذلك استعمله رسول الله ﷺ ، وقد قال الله ﵎: وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٨] , فكان من المشروع لنا أن ندعوه سبحانه بما دعاه به رسوله ﷺ ، فذلك خير ألف مرة من الدعاء بأدعية ننشئها، وصيغ نخترعها.
стр. 1119
٢ ـ التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي .. أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﷺ وإيماني به أن تفرج عني .. ومنه أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بالٍ، فيه خوفه من الله سبحانه، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه، ليكون أرجى لقبوله وإجابته.
وهذا توسل جيد وجميل قد شرعه الله تعالى وارتضاه، ويدل على مشروعيته قوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٦] , وقوله: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] , وقوله: رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤] ,. وقوله: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١٠٩] , وأمثال هذه الآيات الكريمات المباركات. وكذلك يدل على مشروعية هذا النوع من التوسل ما رواه بريدة بن الحٌصَيب ﵁ حيث قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: ((اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال: قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)) (١).
стр. 1120
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار، كما يرويها عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم))، وفي رواية لمسلم: فقال بعضهم لبعض: ((انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله، فادعوا الله بها، لعل الله يفرجها عنكم. فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبُقُ (١) قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب شيء (وفي رواية لمسلم: الشجر) يوماً، فلم أرحْ عليهما (٢)، حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج. قال النبي ﷺ : قال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني حتى ألمت بها سَنَة (٣) من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض -وفي رواية لمسلم-: يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي ﷺ : وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدِّ لي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون)) (٤).
стр. 1121
ويتضح من هذا الحديث أن هؤلاء الرجال المؤمنين الثلاثة حينما اشتد بهم الكرب، وضاق بهم الأمر، ويئسوا من أن يأتيهم الفرج من كل طريق إلا طريق الله ﵎ وحده، فلجئوا إليه، ودعوه بإخلاص واستذكروا أعمالاً لهم صالحة، كانوا تعرفوا فيها إلى الله في أوقات الرخاء، راجين أن يتعرف إليهم ربهم مقابلها في أوقات الشدة، كما ورد في حديث النبي ﷺ الذي فيه: (( .. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) (١) فتوسلوا إليه سبحانه بتلك الأعمال؛ توسل الأول ببره والديه، وعطفه عليهما، ورأفته الشديدة بهما حتى كان منه ذلك الموقف الرائع الفريد، وما أحسب إنساناً آخر، حاشا الأنبياء ـ يصل بره بوالديه إلى هذا الحد.
وتوسل الثاني بعفته من الزنى بابنة عمه التي أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء بعدما قدر عليها، واستسلمت له مكرهة بسبب الجوع والحاجة، ولكنها ذكرته بالله ، فتذكر قلبه، وخشعت جوارحه، وتركها والمال الذي أعطاها.
وتوسل الثالث بحفاظه على حق أجيره الذي ترك أجرته التي كانت فَرَقاَ (٢) من أرز كما ورد في رواية صحيحة للحديث وذهب، فنماها له صاحب العمل، وثمرها حتى كانت منها الشاه والبقر والإبل والرقيق، فلما احتاج الأجير إلى المال ذكر أجرته الزهيدة عند صاحبه، فجاءه وطالبه بحقه، فأعطاه تلك الأموال كلها، فدهش وظنه يستهزئ به، ولكنه لما تيقن منه الجد، وعرف أنه ثمرَّ له أجره حتى تجمعت منه تلك الأموال، استاقها فرحاً مذهولاً، ولم يترك منها شيئاً. وأيْم الله إن صنيع رب العمل هذا بالغ حد الروعة في الإحسان إلى العامل، ومحقق المثل الأعلى الممكن في رعايته وإكرامه، مما لا يصل إلى عشر معشاره موقف كل من يدعي نصرة العمال والكادحين، ويتاجر بدعوى حماية الفقراء والمحتاجين، وإنصافهم وإعطائهم حقوقهم، دعا هؤلاء الثلاثة ربهم سبحانه متوسلين إليه بهذه الأعمال الصالحة أي صلاح، والمواقف الكريمة أي كرم، معلنين أنهم إنما فعلوها ابتغاء رضوان الله تعالى وحده.
стр. 1122
لم يريدوا بها دنيا قريبة أو مصلحة عاجلة أو مالاً، ورجوا الله جل شأنه أن يفرج عنهم ضائقتهم، ويخلصهم من محنتهم، فاستجاب سبحانه دعاءهم، وكشف كربهم، وكان عند حسن ظنهم به، فخرق لهم العادات وأكرمهم بتلك الكرامة الظاهرة، فأزاح الصخرة بالتدرج على مراحل ثلاث، كلما دعا واحد منهم تنفرج بعض الانفراج حتى انفرجت تماماً مع آخر دعوة الثالث بعد أن كانوا في موت محقق. ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يروي لنا هذه القصة الرائعة التي كانت في بطون الغيب، لا يعلمها إلا الله ليذكرنا بأعمال فاضلة مثالية لأناس فاضلين مثاليين من أتباع الرسل السابقين، لنقتدي بهم، ونتأسى بأعمالهم، ونأخذ من أخبارهم الدروس الثمينة، والعظات البالغة. ولا يقولن قائل: إن هذه الأعمال جرت قبل بعثة نبينا محمد ﷺ فلا تنطبق علينا بناء على ما هو الراجح في علم الأصول أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. لأننا نقول: إن حكاية النبي ﷺ لهذه الحادثة إنما جاءت في سياق المدح والثناء، والتعظيم والتبجيل، وهذا إقرار منه ﷺ بذلك، بل هو أكثر من إقرار لما قاموا به من التوسل بأعمالهم الصالحة المذكورة، بل إن هذا ليس إلا شرحاً وتطبيقاً عملياً للآيات المتقدمة، وبذلك تتلاقى الشرائع السماوية في تعاليمها وتوجيهاتها، ومقاصدها وغاياتها، ولا غرابة في ذلك، فهي تنبع من معين واحد، وتخرج من مشكاة واحدة، وخاصة فيما يتعلق بحال الناس مع ربهم سبحانه، فهي لا تكاد تختلف إلا في القليل النادر الذي يقتضي حكمة الله سبحانه تغييره وتبديله.
٣ - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح:
стр. 1123
كأن يقول المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله ﵎، فيجب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه. فهذا نوع آخر من التوسل المشروع، دلت عليه الشريعة المطهرة، وأرشدت إليه، وقد وردت أمثلة منه في السنة الشريفة، كما وقعت نماذج منه من فعل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فمن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ حيث قال: ((أصاب الناس سنَة على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب (على المنبر) قائماً في يوم الجمعة، قام (وفي راوية: دخل) أعرابي (من أهل البدو) (من باب كان وجَاه المنبر) (نحو دار القضاء ورسول الله قائم، فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً) فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع (وفي رواية: هلك) العيال (ومن طريق أخرى: هلك الكُراع، وهلك الشاء) (وفي أخرى هلكت المواشي، وانقطعت السبل (فادعُ الله لنا) أن يَسْقِيَنا () وفي أخرى: يُغيثنا (فرفع يديه يدعو) حتى رأيت بياض إبطه (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا (، ورفع الناس أيديهم معه يدعون (ولم يذكر أنه حوَّل رداءه، ولا استقبل القبلة) ولا والله (ما نرى في السماء) من سحاب ولا) قزعة (ولا شيئاً، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار) (وفي رواية: قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة) (قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت) فو الذي نفسه بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطرَ يتحادر على لحيته ﷺ (وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحاباً، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماءُ عزاليها (ونزل عن المنبر فصلى) (فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا) (وفي رواية: حتى ما كاد الرجل يصل إلى منزله) فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى (ما تقلع) (حتى سالت مثاعب المدينة) (وفي رواية: فلا والله ما رأينا الشمس ستاً) وقام ذلك الأعرابي أو غيره وفي رواية: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائماً (فقال: يا رسول الله تهدم البناء) وفي رواية: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي) وفي طريق: بشَق المسافر، ومُنع الطريق (وغرق المال، فادع الله) يحبسه (لنا) فتبسم النبي ﷺ (فرفع يده، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا،) اللهم على رؤوس الجبال والآكام) والظراب (وبطون الأودية ومنابت الشجر (فما) جعل) يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت مثل الجوْبَة، (وفي رواية: فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة (يميناً وشمالاً) كأنه إكليل) (وفي أخرى: فانْجابَتْ) عن المدينة انجياب الثوب) (يمطر ما حولينا ولا يمطر فيها شيء (وفي طريق: قطرة) (وخرجنا نمشي في الشمس) يريهم الله كرامة نبيه ﷺ وإجابة دعوته)، وسال الوادي (وادي) قناة شهراً، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود)) (١).
стр. 1124
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقَون)) (١).
ومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أننا كنا نقصد نبينا ﷺ ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعوَ لنا، وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: (اللهم بجاه نبيك اسقنا)، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته ﷺ : (اللهم بجاه العباس اسقنا)، لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، ولم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ... ،
ومن ذلك أيضاً ما رواه الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في (تاريخه) (١٨/ ١٥١/١) بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم ابن عامر الخبَائري: (أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم) (٢).
وروى ابن عساكر أيضاً بسند صحيح أن الضحاك بن قيس خرج يستسقي بالناس فقال ليزيد بن الأسود أيضاً: قم يا بكاء! زاد في رواية: (فما دعا إلا ثلاثاً حتى أمطروا مطراً كادوا يغرقون منه) (٣).
فهذا معاوية ﵁ أيضاً لا يتوسل بالنبي ﷺ ، لما سبق بيانه، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح: يزيد بن الأسود رحمه الله تعالى، فيطلب منه أن يدعو الله تعالى، ليسقيهم ويغيثهم، ويستجيب الله ﵎ طلبه. وحدث مثل هذا في ولاية الضحاك بن قيس أيضاً. التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد بن ناصر الدين الألباني - بتصرف - ص٣٨
стр. 1125
الفرع الثاني: التوسل الممنوع
• الوجه الأول: التوسل إليه تعالى بذات وشخص المتوسل به ..
• الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى بجاه فلان, أو حقه, أو حرمته وما أشبه.
• الوجه الثالث: الإقسام على الله جل وعلا بالمتوسل به.