← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فقوله: ((خلق آدم على صورته))؛ يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [الأعراف: ١١]، والمصور آدم إذاً؛ فآدم عل صورة الله؛ يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]؛ فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف؛ كأنه اعتنى بهذه الصورة ومن أجل ذلك؛ لا تضرب الوجه؛ فتعيبه حساً، ولا تقبحه فتقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فتعيبه معنىً؛ فمن أجل أنه الصورة التي صورها الله وأضافها إلى نفسه تشريفاً وتكريماً؛ لا تقبحها بعيب حسي ولا بعيب معنوي. ثم هل يعتبر هذا الجواب تحريفاً أم له نظير؟ نقول: له نظير، كما في: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله؛ لأن هذه الصورة (أي: صورة آدم) منفصلة بائنة من الله, وكل شيء أضافه الله إلى نفسه وهو منفصل بائن عنه؛ فهو من المخلوقات؛ فحينئذ يزول الإشكال. ولكن إذا قال قائل: أيما أسلم المعنى الأول أو الثاني؟ قلنا: المعنى الأول أسلم، ما دمنا نجد أن لظاهر اللفظ مساغاً في اللغة العربية, وإمكاناً في العقل؛ فالواجب حمل الكلام عليه, ونحن وجدنا أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره. فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟ قلنا: إن الله له وجه, وله عين, وله يد, وله رجل ، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان؛ فهناك شيء من الشبه لكنه ليس على سبيل المماثلة؛ كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر لكن بدون مماثلة، وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة؛ من أن جميع صفات الله ليست مماثلة لصفات المخلوقين؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. نسمع كثيراً من الكتب التي نقرأها يقولون: تشبيه؛ يعبرون بالتشبيه وهم يقصدون التمثيل؛ فأيما أولى: أنعبر بالتشبيه، أو نعبر بالتمثيل؟ نقول بالتمثيل أولى. أولاً: لأن القرآن عبر به: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً [البقرة: ٢٢] ... وما أشبه ذلك، وكل ما عبر به القرآن؛ فهو أولى من غيره؛ لأننا لا نجد أفصح من القرآن, ولا أدل على المعنى المراد من القرآن، والله أعلم بما يريده من كلامه، فتكون موافقة القرآن هي الصواب، فنعبر بنفي التمثيل. وهكذا في كل مكان؛ فإن موافقة النص في اللفظ أولى من ذكر لفظ مرادف أو مقارب. ثانياً: أن التشبيه عند بعض الناس يعني إثبات الصفات ولهذا يسمون أهل السنة: مشبهة؛ فإذا قلنا: من غير تشبيه وهذا الرجل لا يفهم من التشبيه إلا إثبات الصفات؛ صار كأننا نقول له: من غير إثبات صفات! فصار معنى التشبيه يوهم معنى فاسداً, فلهذا كان العدول عنه أولى. ثالثاً: أن نفي التشبيه على الإطلاق غير صحيح؛ لأن ما من شيئين من الأعيان أو من الصفات إلا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه، والاشتراك نوع تشابه، فلو نفيت التشبيه مطلقاً؛ لكنت نفيت كل ما يشترك فيه الخالق والمخلوق في شيء ما. مثلاً: الوجود؛ يشترك في أصله الخالق والمخلوق، هذا نوع اشتراك نوع تشابه، لكن فرق بين الوجودين؛ وجود الخالق واجب, ووجود المخلوق ممكن. وكذلك السمع؛ فيه اشتراك؛ الإنسان له سمع، والخالق له سمع، لكن بينهما فرق، لكن أصل وجود السمع مشترك. فإذا قلنا: من غير تشبيه ونفينا مطلق التشبيه؛ صار في هذا إشكال. وبهذا عرفنا أن التعبير بالتمثيل أولى من ثلاثة أوجه فإن قلت: ما الفرق بينهما من وجهين. الأول: أن التمثيل ذكر الصفة مقيدة بمماثل؛ فتقول يد فلان مثل يد فلان، والتكييف ذكر الصفة غير مقيدة بمماثل؛ مثل أن تقول: كيفية يد فلان كذا وكذا. وعلى هذا نقول: كل ممثل مكيف، ولا عكس. الثاني: أن الكيفية لا تكون إلا في الصفة والهيئة، والتمثيل يكون في ذلك كما في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]؛ أي: في العدد شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ١/ ١٠٢ (ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)

стр. 107

المطلب الأول: حقيقة مذهب أصحاب التفويض هم طائفة من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول فأعرضوا عنهما جميعاً، بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين، فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد، إنها نصوص متشابهة، لا يعلم معناها إلا الله تعالى وجعلوا الوقف في آية آل عمران عند لفظ الجلالة (١). وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها (٢): الأولى: تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء, ولا الملائكة, ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة. الثانية: تقول: بل تجرى على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا: حيث أثبتوا لها تأويلاً يخالف ظاهرها، وقالوا -مع هذا-: إنها تحمل على ظاهرها. وهم –أيضاً- طائفتان من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص وعدمه: (٣) الأولى: تقول: إن الرسول ﷺ كان يعلم معاني هذه النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحاً يقطع النزاع، وهذا هو المشهور بينهم. الثانية: تقول: -وهم الأكابر منهم-: إن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمه إلا الله، لا الرسول, ولا جبريل, ولا أحد من الصحابة, والتابعين, وعلماء الأمة. وعند الطائفتين، أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل الثواب بتلاوتها وقراءتها من غير فقه ولا فهم (٤). فأصحاب التفويض بنوا مذهبهم على أصلين: الأول: أن هذه النصوص – نصوص الصفات, والقدر, والوعد, والوعيد, والمعاد – من المتشابه، و ... دحض هذه الدعوى، ... أنه لا يعلم أحد من السلف جعل شيئاً من هذه النصوص من المتشابه الذي لا يعلم معناه أحد من الناس. الثاني: أن المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى, واستدلوا على ذلك بالوقف على لفظ الجلالة في آية آل عمران، والوقف صحيح، وهو قول جمهور العلماء، لكن لم يقل واحد منهم إن معاني هذه النصوص وغيرها لا يعلمه إلا الله: لا الرسول ﷺ , ولا أحد من الأمة. فهم لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره, والذي يعلمه الرسول والراسخون في العلم، وبين التأويل الذي اختص الله بعلمه، من العلم بوقت الساعة, وحقائق الأسماء والصفات، ومسائل اليوم الآخر ونحو ذلك، ومع ذلك فنحن نفهم ما خوطبنا به من هذه المسائل من جهة المعنى، وإن كنا نجهلها: كيفية وقدراً ... الفرق بين التفويض والإثبات: تباين السلف وأصحاب التفويض في مسائل أهمها: الأولى: أن السلف أثبتوا اللفظ وما دل عليه من المعاني، مع فهمهم المعنى المراد من حيث الوضع اللغوي، ومن حيث معرفة مراد المتكلم، فيعلمون معنى السمع والبصر، والوجه واليدين، والصراط والميزان، ونحو ذلك. أما أصحاب التفويض فهم وإن كانوا قد أثبتوا اللفظ، وفهموه من حيث وضع اللغة؛ لكنهم توقفوا في تعيين المراد به في حق الله تعالى, بل يمنعون أن يكون ظاهره مراداً. الثانية: السلف فوضوا العلم بالكيفية دون العلم بالمعنى؛ فيعلمون معنى السمع والبصر, والوجه, واليدين، ويعلمون معاني ما أخبر الله به من مسائل اليوم الآخر من أنواع النعيم, وصنوف العذاب، ولكنهم يجهلون كيفية ذلك وحقيقته التي هو عليها. أما أصحاب التفويض فقد فوضوا العلم بالكيفية والمعنى جميعاً، فلا يعلمون معاني نصوص الصفات، ولا معاني نصوص المعاد، بل يقولون: لا ندري ما أراد الله بها. الثالثة: أصحاب التفويض وافقوا السلف – أو كثيراً منهم – في الوقف على لفظ الجلالة، لكنهم خالفوهم في جعلهم التأويل المنفي في الآية هو تفسير اللفظ ومعرفة معناه، أو هو التأويل بالاصطلاح الحادث عند المتأخرين (٥). والسلف يقولون: التأويل المنفي هو الحقيقة التي يؤول إليها الأمر, وهو غالب استعمال القرآن، كما مر. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٥٨١

стр. 108

المطلب الثاني: الأدلة على بطلان مذهب التفويض - تواتر الآيات والأحاديث على إثبات صفة معينة وذلك بأساليب متعددة، ودلالات متعاضدة، يؤكد أن هذا الظاهر هو المطلوب فهمه، فصرف العقول والقلوب عن إدراك هذا المعنى – والذي احتشدت النصوص لتأكيده – هو غاية في الاستبلاه. - لقد فسر أئمة السلف كثيراً من آيات الصفات كقولهم في الاستواء إنه: العلو, والاستقرار, والارتفاع (١)، مما يدل على أنهم فهموا معناها. - قول عبد الله بن المبارك وقد سئل: كيف نعرف ربنا؟ فقال: (نعرف ربنا: فوق سبع سموات على العرش استوى، بائن من خلقه)، وفي رواية، قال: (على السماء السابعة على عرشه) (٢) وهذا الذي قاله هو مقتضى النصوص، وهو الذي فهمه منها. - تفريق السلف بين إدراك المعنى وإدراك الكيف: وقد تقدم كلام الإمام مالك ﵀ في ذلك، وقال الذهبي عقب كلام مالك ﵀: (وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به) (٣). - يلزم من مذهب التفويض لوازم باطلة، منها: أ- القدح في الرب جل وعلا, وفي القرآن الكريم, وفي الرسول ﷺ وذلك بأن يكون الله تعالى أنزل كلاماً لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل مالا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الكريم سبباً لأنواع الاختلافات والضلالات، بل يكون بينهم وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا تكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر (٤). ب- أن يتسلط المتأولة على المفوضة فينسبون هذه الطريقة إلى السلف، فيكون السلف من الصحابة وخيار التابعين بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، شغلهم الجهاد وفتح البلاد عن التدبر في كلام الله تعالى وعقله وفهمه، فقال المتأخرون قولتهم المشئومة: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، بل طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، وما أمتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدراً (٥). ج- استطالة نفاة المعاد – وغيرهم من الملاحدة – على المفوضة فيقول الواحد منهم: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة ومتشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم معناه لا يجوز الاستدلال به، فيبقى هذا المذهب (التفويض) سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحاً لباب من يعارضهم من أهل الضلالات من الفلاسفة, والملاحدة الباطنية، وأصحاب الأذواق والمواجيد والتأويلات الشنيعة (٦). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن -بتصرف – ٢/ ٥٩٣ (ينظر الفصل الخامس، من الباب الثالث، في الكتاب الثاني من الموسوعة)

стр. 109

المطلب الأول: التعريف بالمنطق الأرسطي يزعم أصحاب المنطق أن المنطق نوعان: ظاهر وباطن، والظاهر هو الألفاظ والكلام، وتقويمه إنما يكون بالنحو في النثر، وبالعروض في الشعر، وأما الباطن فهو عمل العقل، وفكره، وتقويمه إنما يكون بالمنطق الاصطلاحي (١): والمشهور عندهم أنه: (آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، أو أن يزل في تفكيره) (٢) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٥٩٩

стр. 110

تمهيد: قد يظن البعض أن المسلمين رفضوا المنطق الأرسطي لمجرد اشتغال الأمم الكافرة به، وهذا ظن خاطئ لأنه يستلزم أن يرفض المسلمون كل ما أتى من غيرهم من علوم صحيحة كالطب, والحساب, والهندسة ونحوها. وإنما رفض المسلمون المنطق الأرسطي لأسباب شرعية وعقلية منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٦١١

стр. 111

المسألة الأولى: الأسباب الشرعية لرفض المنطق الأرسطي ١ - أنه لم يؤثر عن الصدر الأول من الصحابة والتابعين التكلم بالمنطق؛ إما لكونه لم يكن موجوداً في زمانهم، أو كان موجوداً ثم أعرضوا عنه (١) وشريعة الإسلام ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلاً (٢)، وإن كان طريقاً صحيحاً، فكيف إذا كان فاسداً أو متضمناً للفساد، بل الكفر والإلحاد. ٢ - أن المنطق نشأ في بيئة فلسفية، كان أصحابها أهل شرك وإلحاد، بل ما عند مشركي العرب من الكفر والشرك خير مما عند الفلاسفة (٣). قال ابن تيمية في الفلاسفة: (وضلالهم في الإلهيات ظاهر لأكثر الناس؛ ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين قاطبة) (٤). ولهذا كان أبو القاسم السهلي وغيره يقول: (نعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي) (٥). فلم يأخذ المسلمون بالمنطق الأرسطي لملابسته العلوم الفلسفية المباينة للعقائد الصحيحة (٦). ٣ - خشية اغترار بعض المسلمين بالمنطق لما يرى من صدق قضاياه، فيظن أنها كلها صادقة، وأن ما يتعلق منها بالعقائد مبرهن بمثل تلك البراهين، يقول الغزالي - في معرض نقده للمنطق في أواخر كتبه - (٧): (وربما ينظر في المنطق – أيضاً – من يستحسنه ويراه واضحاً فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيدة بمثل تلك البراهين، فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية) ويشير ابن تيمية إلى هذا المعنى في أول كتابه: الرد على المنطقيين (٨)، فيقول: (كنت أحسب أن قضاياه – أي المنطق – صادقة لما رأيت من صدق كثير منها, ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه ... وتبين لي أن كثيراً مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات). ٤ - قصور البرهان الفلسفي عن الوصول بالإنسان إلى اليقين، وذلك عند تطبيقه في الإلهيات؛ يقول الغزالي: (لهم نوع من الظلم في هذا العلم، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطاً يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل) (٩). ٥ - ما يسببه المنطق الأرسطي من التفرق والاختلاف والتنابذ، ومازال أهله والمشتغلون به على هذه الحال، بل لا تكاد تجد اثنين منهم يتفقان على مسألة، حتى التي يسمونها بديهيات أو يقينيات (١٠). وقد مر قول من قال: (فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها) (١١). ٦ - ما يلزم منه من لوازم فاسدة، تناقض العلم والإيمان, وتفضي إلى أنواع من الجهل, والكفر, والضلال (١٢) ... ومن ذلك: أ- القول بقدم العالم، وذلك لأن الإله لا يسبق العالم في الوجود الزمني، وإن كان يسبقه في الوجود الفكري، مثلما تسبق المقدمة النتيجة في الوجود الفكري (١٣). وهذا مما أنكره الغزالي على الفلاسفة وكفرهم به في كتابه: (تهافت الفلاسفة) (١٤).

стр. 112

ومن فساد هذا المذهب ما يلزمه من تضمن المخلوقات في الخالق منذ البداية، كتضمن النتيجة في المقدمة منذ البداية، فيكون الخالق مخلوقاً، والمخلوق خالقاً، والصانع مصنوعاً، والمصنوع صانعاً، والعلة معلولاً، والمعلول علة ... إلى غير ذلك من التناقضات (١). ب- إنكار الصفات الثبوتية لله تعالى، بل يصفونه بالسلوب المحض، أو بما لا يتضمن إلا السلب، ولهذا قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأنه لو صدر عنه اثنان لكان ذلك مخالفاً للوحدة، وبهذا نفوا أن يكون الله فاعلاً مختاراً، فنفوا الصفات عن الله تعالى هروباً من تشبيهه بالنفوس الفلكية أو الإنسانية، ثم شبهوه بالجمادات (٢). ج- إنكار علم الله تعالى بالجزئيات، وهذا هو المشهور عنهم وهو مما أنكره الغزالي -أيضاً- في كتابه: (التهافت) وغيره (٣)، فالله تعالى عندهم يعلم الأمور الكلية دون أفرادها وجزئياتها، وذلك لأن هذه الجزئيات في تغير وتجدد، فلو تعلق علم الله تعالى بها للزمه التغير والتجدد بتغير المعلوم وتجدده، فيلزم من ذلك التغير في ذات الله تعالى، وهو الواحد الأحد (٤). وهذا تكذيب صريح للقرآن الكريم وصحيح العقل، وفيه فتح لباب الفساد في العالم، والخروج على الشريعة جملة وتفصيلاً، وأعظم منه إساءة الظن برب العالمين. د- إنكار النبوات: لما رأى الفلاسفة اشتراك النفوس في كثير من الأحوال عادة، جعلوا ذلك أمراً عاماً وكلياً وملزماً لكل النفوس، ورأوا لبعض النفوس قوة حدسية، وتأثيرا في بعض الأمور، وأمورا متخيلة، فلما بلغهم من أمر الأنبياء كالمعجزات, ونزول الوحي, ورؤية الملائكة وغير ذلك، جعلوا ما يحدث للأنبياء على نحو ما يكون لتلك النفوس، فليست النبوة – عندهم – هبة الله، ومنته على بعض عباده، بل هي أمر مكتسب تستعد له النفوس بأنواع الرياضات (٥). هـ- إنكار الأخبار المتواترة: وذلك أن الأمور المعلومة بالتواتر والتجربة والحدس -عند المناطقة- احتمالية الصدق، ويختص بها من علمها فلا تكون حجة على غيره، كما أن صدقها قاصر على الجزئية التي جربت, أو سمعت, أو شوهدت، فهي جزئية من جهة نفسها، ومن جهة العلم بها؛ وعليه، فما يتواتر عن الأنبياء من أمر المعجزات وغيرها من أحوالهم وشرائعهم لا تقوم به حجة، وهذا من أصول الإلحاد والزندقة، وبناء على هذا يقول من يقول من أهل الإلحاد: هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة علي. فيقال له: اسمع كما سمع غيرك، وحينئذ يحصل لك العلم. وإنما هذا كقول من يقول: رؤية الهلال أو غيره لا تحصل إلا بالحس، وأنا لم أره، فيقال له: انظر إليه كما نظر غيرك فستراه، إذا كنت لم تصدق المخبرين. ثم إنه ليس من شرط قيام حجة الله تعالى علم المدعوين بها، ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعاً من قيام الحجة عليهم، وأيضاً، فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم، فهم إذا لم يعلموا ذلك لم يكن هذا علماً منهم بعدم ذلك، ولا بعدم علم غيرهم به، بل هم كما قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... [يونس: ٣٩] (٦). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - بتصرف- ٢/ ٦١١

стр. 113

المسألة الثانية: الأسباب العقلية لرفض المنطق الأرسطي ١ - المنطق الأرسطي تجريدي، لا صلة له بالواقع، فهو يبحث في عالم الكليات، وهذا العالم ليس له وجود في الخارج، بل وجوده في الذهن، فالمنطق يتجاهل البحث في الجزئيات والأعيان المشخصة (١). ٢ - أننا نرى كثيراً من العلوم – كالهندسة, والطب, والفلك – تتقدم تقدماً كبيراً دون أن يكون كبار الباحثين فيها ممن تخرجوا على منطق أرسطو (٢)؛ يقول ابن تيمية: (إننا لا نجد أحداً من أهل الأرض حقق علماً من العلوم وصار إماما فيه بفضل المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والمهندسون وغيرهم يحققون ما يحققون من علومهم بغير صناعة المنطق، وقد صنف في الإسلام علوم النحو, والعروض, والفقه وأصوله وغير ذلك، وليس في أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق، بل عامتهم كانوا قبل أن يعرف المنطق اليوناني) (٣). ٣ - أن محاولة فرض المنطق على كل العلوم – العقلية والتطبيقية، بل والشرعية – وجعله مقدمة لها، وشرطاً في تعلمها، ضرب من الخيال، بل المنطق نمط فكري انتهى عهده، وقد كان يناسب الفكر اليوناني في حقبة من التاريخ، حيث الفكرة المجردة، والجدل المثالي؛ يقول الدكتور عبد اللطيف محمد العبد: (ظن أنصار المنطق أنه العلم الذي لا علم قبله، ولا علم بعده، لأنه معيار الحقائق كلها، وميزان العلوم، ولم يكن هؤلاء يتخيلون مجرد تخيل أن هذا المنطق القياسي لن يكون علم العلوم، بل إنه سيصبح مرحلة تاريخية مضى أوانها) (٤). ٤ - أن هذا المنطق كان له أكبر الأثر في تخلف اليونان عن ركب المدنية، حيث انزوى بالفكر والجهود العلمية نحو عالم الميتافيزيقا – عالم ما وراء الطبيعة – معرضاً عن الحياة المدنية، والعلوم التطبيقية الواقعية: يقول الأستاذ علي لبن: (يكاد يتفق مؤرخوا الفلسفة على أن العلم لم ينهض في مطلع العصر الأوربي الحديث إلا بعد الثورة المزدوجة على السلطة العلمية ممثلة في المنطق الأرسطي، والسلطة الدينية ممثلة في رجال الكنيسة)) (٥). ولهذا كان ظهور المنطق الحديث على يد فرانسيس بيكون وغيره والذي استفادوه من علماء الإسلام وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، كان ظهوره ضربة قاضية للمنطق الأرسطي في أوربا، وعاملاً كبيراً في التقدم العلمي والحضاري فيها (٦). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٦١٥

стр. 114

المطلب الثالث: حكم الاشتغال بالمنطق الأرسطي قال ابن تيمية: (ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه, ويذمون أهله, وينهون عنه وعن أهله، حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم في تحريمه، وعقوبة أهله) (١). وقال ابن الصلاح: (سمعت الشيخ العماد بن يونس يحكي عن يوسف الدمشقي مدرس النظامية ببغداد – وكان من النظار المعروفين -: أنه كان ينكر هذا الكلام (وجوب تعلم المنطق) ويقول: فأبو بكر وعمر وفلان وفلان، يعني أن أولئك السادة عظمت حظوظهم من الثلج واليقين، ولم يحيطوا بهذه المقدمة وأسبابها) (٢). وفتوى ابن الصلاح في تحريم المنطق مشهورة، وكان قد سئل عمن اشتغل بالمنطق والفلسفة تعلماً وتعليماً، وهل المنطق مما أباح الشارع تعلمه وتعليمه؟، وهل نقل عن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إباحته أو الاشتغال به؟ وهل يجوز أن يستعمل في إثبات الأحكام الشرعية الاصطلاحات المنطقية، أم لا؟. . إلى آخر الفتوى (٣): فأجاب رحمه الله تعالى بما ملخصه: الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال. . ثم بالغ في ذم الفلسفة وازدرائها. . ثم قال: (وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة, ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى به من أعلام الأمة وسادتها) .. ثم ذكر أن استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من الأمور المستحدثة والمنكرات المستبشعة، وليس بالأحكام الشرعية – والحمد لله – افتقار إلى المنطق أصلاً. . إلى آخر الجواب (٤). فهل يقال بعد ذلك إن الصحيح المشهور جوازه بشرط المكنة من العلوم الشرعية، فضلاً عن جوازه مطلقاً، فضلاً عن وجوبه على الأعيان أو الكفاية، سبحانك هذا بهتان عظيم! لكن قد يقال يجوز حكايته لبيان عوره، وإثبات فساده، وعديم فائدته، مثله في ذلك مثل الأحاديث الموضوعة، تحكى لبيان وضعها وفسادها. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - ٢/ ٦٣٢

стр. 115

المطلب الأول: التعريف بالكشف والرؤى أولاً: الكشف: وهو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الخفية وجوداً أو شهودا (١) ... وللمتصوفة بعض المصطلحات التي تحمل معنى الكشف، وقد يكون بينها وبينه عموم وخصوص، ... فمثلاً: ١ - الخاطر عندهم: ما يرد على القلب والضمير من الخطاب، ربانياً كان أو ملكياً أو نفسياً أو شيطانياً، من غير إقامة، وقد يكون كل وارد لا تعمل لك فيه (٢). ٢ - الوارد: وهو ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة من غير تَعَمُّل (٣) , وقد قيل للخاطر الرباني: أول الخاطر، وهو لا يخطئ أبداً، وقد يعرف بالقوة والتسلط وعدم الاندفاع، والخاطر الملكي يسمى إلهاماً، وهو إلقاء الشيء في الروح. والخاطر النفساني يسمى هاجساً، وهو ما فيه حظ النفس. أما الخاطر الشيطاني فهو ما يدعو إلى مخالفة الحق (٤). ٣ - التجلي: وهو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب (٥). ٤ - المحادثة: وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الملك والشهادة كالنداء من الشجرة لموسى ﵇ (٦). ٥ - المسامرة: وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الأسرار والغيوب نزل به الروح الأمين على قلوبهم (٧). ٦ - الذوق: نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه؛ يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك عن كتاب أو غيره (٨). ٧ - البصيرة: ملكة ترى حقائق الأشياء وبواطنها، كما يرى البصير ظواهر الأشياء المادية (٩). والكشف يقابله الإشراق عند السهرودي إمام الفلسفة الإشراقية، التي تقابل الفلسفة المشائية عند ابن سينا، فالأولى تقوم على الكشف والذوق، والثانية على الحجج المنطقية, والاستدلالات العقلية (١٠)، وقد تأثر السهروردي في ذلك بأفلاطون حتى قال: (إمام الحكمة ورئيسها أفلاطون) (١١). ثانيا: الرؤى: وهي جمع رؤيا: وهي إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يد ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعبارتها، وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة الخواطر (١٢) .. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٦٣٨

стр. 116

المطلب الثاني: موقف أهل السنة والجماعة من ذلك إن علوم المتصوفة – كما يزعم أصحابها – تستفاد من غير طريق الشرع، ولا يجوز أن توزن به، كيف وقد أخذوها من الله تعالى إما كفاحاً، أو إلهاماً، أو من الرسول ﷺ بعد موته يقظة، فحالهم مع الشرع كحال الخضر مع موسى، هكذا يزعمون. وفي هذا المبحث ...... بيان موقف أهل السنة والجماعة من هذا المذهب الخطير، والذي حاول أعداء الإسلام أن يبطلوا به أحكام الشرع, ويدكوا حصونه، ..... وهذا الموقف في مقامات: المقام الأول: الميزان الصحيح لا ريب عند المؤمنين أن الحق الذي لا يشوبه باطل: الكتاب, والسنة, وإجماع الأمة، وبإزاء ذلك الإلهامات, والمنامات, والإسرائيليات, والحكايات ونحو ذلك، ففيها الحق والباطل، ويعرف ذلك بعد عرضها على الوحي (الكتاب والسنة) , فما زكاه منها قبل، وإلا رد على صاحبه مهما كان القائل به. . (١). فالمؤمن هو الذي يستغني بالرسالة، ويكتفي بالنبي ﷺ فيتبعه اتباعاً عاماً مطلقاً غير مشروط، وأما غيره فيتبع بشرط موافقته للشرع؛ ولهذا وجب عند التنازع والاختلاف: الرد إلى الله ورسوله (الكتاب والسنة)، وكذلك يجب رد الأحوال, والأذواق, والمكاشفات ونحوها إلى الكتاب والسنة، ووزنها بميزان الشرع، فمن لمن يبن على هذا الأصل العظيم، عمله, وعلمه, وسلوكه, وجميع أمره، فليس من الدين في شيء (٢)، فالله تعالى يقول: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥] وقال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١] ويقول: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]. وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أن منشأ ضلال من ضل من المتصوفة جعلهم الذوق, والوجد, والحال, ونحو ذلك حاكماً يتحاكمون إليه فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد، فجعلوه محكاً للحق والباطل، حتى نبذوا لذلك موجب العلم والنصوص، فعظم وتفاقم الفساد والشر، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم، وانعكس السير؛ فكان إلى الله، فصيروه إلى النفوس؛ فالمحجوبون عن أذواقهم ومواجيدهم يعبدون الله، وهؤلاء المدعون الكشف والذوق يعبدون أنفسهم ... (٣). فالشريعة حاكم، لا محكوم عليها، ولو كان ما يقع من الخوارق والمكاشفات والأحوال ونحوها حاكماً عليها بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تأويل ظاهر، أو نحو ذلك، لكان غيرها حاكماً عليها، وصارت هي محكوماً عليها بغيرها، وذلك باطل باتفاق (٤). بل اتفق أولياء الله تعالى على أن الرجل لو طار في الهواء, أو مشى على الماء لا نغتر به حتى ننظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه (٥). وقال أبو حفص الحداد: (من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا تعدوه في ديوان الرجال) (٦).

стр. 117

والمقصود هنا بيان أن الشرع هو الحاكم والميزان والمزكي، وأن كل الأقوال, والاعتقادات, والأحوال مردودة مرفوضة إلا ما قبله الشرع منها وزكاه، ومن عكس انعكس قلبه وانتكس إيمانه ... المقام الثاني: المتابعة الصحيحة للشريعة تقتضي إلهامات وأحوالاً صادقة: إن المؤمن إذا صحت معرفته بالله, ورسوله, ودينه، وصدقت متابعته للشرع ظاهراً وباطناً، يفتح الله عليه بما لا يفتح على غيره، من إلهامات صحيحة، وفراسات صائبة، وأحوال صادقة: قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء: ٦٦] وقال تعالى: وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢] (١). وجاء في صفة الدجال: (مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن؛ كاتب وغير كاتب) (٢) قال ابن تيمية ﵀: (فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين لغيره، ولا سيما في الفتن، وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله. . وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف ... ) (٣). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون, فإنه تتجلى لهم أمور صادقة) (٤). وقال أبو عثمان النيسابوري: (من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم: وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور: ٥٤]) (٥). وقال شاه الكرماني: (من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشبهات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطئ له فراسة) (٦). المقام الثالث: خرق العادة لا يدل على الولاية قد يظهر شيء – مما يظن أنه كرامة – على يد أهل الرياضة، وترك الاستكثار من الطعام والشراب، والملازمين للسهر والخلوات، وذلك على ترتيب معلوم، وقانون معروف لديهم .. فيحصل للواحد منهم نوع صفاء من الكدورات البشرية، حتى يدرك ما لا يدركه غيره، فيخبر بموت فلان الغائب، أو بقدومه في وقت كذا، ونحو ذلك، وليس في هذا ما يدل على أنه كرامة، أو أنه ولي الله، بل يتفق ذلك لكثير من المرتاضين، من كفرة الهند وغيرهم (٧).

стр. 118

بل قد يحصل على لسان بعض المجانين شيء من ذلك، فيأتي في بعض الأحيان بمكاشفات صحيحة، وهو مع ذلك متلوث بالنجاسات، مخالط للقاذورات، فيغتر به من جهل حاله، فينسبه إلى أولياء الله المقربين، وهو في الحقيقة معذور قد رفع عنه قلم التكليف، فليس هو ولياً لله ولا عدواً له (١). وقال ابن سينا: (إذا بلغك أن عارفاً أطاق بقوته فعلاً, أو تحريكاً, أو حركة تخرج عن وسع مثله؛ فلا تتلقه بكل ذلك الاستنكار، فلقد تجد إلى سببه سبيلاً في اعتبارك مذاهب الطبيعة) (٢). وقال – أيضاً – (إذا بلغك أن عارفاً حدث عن غيب فأصاب متقدماً ببشرى أو نذير، فصدق، ولا يتعسرن عليك الإيمان به، فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة) (٣). فهذا مما يؤكد أن تلك الخوارق قد ينالها الكافر بأسباب طبيعية، لا تدل على ولاية ولا كرامة. وقد قسم أهل العلم الفراسة إلى ثلاثة أقسام (٤)، وذكروا منها الفراسة الرياضية، وأنها تحصل بالجوع, والسهر, والتخلي، وأنها مشتركة بين المؤمن والكافر، لا تدل على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم. فإذا كانت هذه الخوارق تقع من المسلم ومن الكافر، وتتعدد أسبابها، وتختلف مصادرها: فقد تكون من الله، أو من نفس الإنسان، أو من الشيطان، لم يكن في وقوعها من شخص ما دليل على ولايته وصلاحه، كما أنه لا يضر المسلم عدمها، فمن لم تنكشف له شيء من المغيبات، أو لم تسخر له شيء من الكونيات لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دنياه وآخرته (٥). لكن الدين إذا صح علماً وعملاً فإنه يوجب خرق العادة – كما مر – إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، كما قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢ - ٦٣] فلم يذكر لهم شيئاً أحسن من الوصف بالإيمان والتقوى. قال أبو علي الجوزجاني: (كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة) (٦). وقال أبو العباس بن عطاء: (من ألزم نفسه آداب الله نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب ﵊ في أوامره، وأفعاله، وأخلاقه) (٧). ويقول الشعراني: (أكمل الإلهام أن يلهم الرجل أتباع الشرع، والنظر في الكتب الإلهية، ويقف عند حدودها وأوامرها ... ) (٨). ثم إن الخارق – المكاشفة – قد يقع للمؤمن لنقصان درجته وضعف يقينه، أما من كوشف بصدق اليقين – يقين المعرفة الشرعية – ورفع عن قلبه حجاب الشبهة والشهوة، أغناه ذلك عن معاينة الخوارق، بل الحكمة لا تقتضي حصولها لمن هذا حاله، إنما تحصل للأول لحاجته إليها (٩). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة، ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع، فما يبالي، ولا ينقص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة) (١٠).

стр. 119

وقال تليمذه ابن القيم ﵀: (الكشف الصحيح أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله, وأنزل به كتبه، معاينة لقلبه، ويجرد إرادة القلب له، فيدور معه وجوداً وعدماً، هذا هو التحقيق الصحيح، وما خالفه فغرور قبيح) (١). المقام الخامس: مرتبة الوحي أعظم وأشرف من مرتبة الكشف والإلهام ونحوهما: عدد ابن القيم ﵀ مراتب الهداية، وأوصلها إلى عشر مراتب، ذكر في مقدمتها: التكليم، والوحي، وإرسال الملك، وجعل هذه الثلاث خاصة بالأنبياء لا يشركهم فيها أحد من الأولياء. ثم ذكر في المرتبة الرابعة: مرتبة التحديث، وفي المرتبة التاسعة: الإلهام، والرؤية في المرتبة العاشرة ... (٢). فهذا يبين أن مرتبة الوحي وعلم الشريعة – التي مصدرها الوحي – أفضل وأشرف من مرتبة التحديث والإلهام وغيرها من مصادر العلم، ويتضح ذلك بوجوه (٣): الأول: أن علم الشريعة خبراً وطلباً لا ينال إلا من جهة الوحي الذي طريقه الرسول ﷺ ، وأما العلم بالمكاشفات ونحوها فأسبابه كثيرة، ومعلوم أن ما اختص به الرسول وورثته أفضل مما يشركهم فيه بقية الناس. الثاني: أن الشريعة لا يعمل بها إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل الجنة وأحباب الله وصفوته وأولياؤه، ولا يأمر بها إلا هم، وأما المكاشفات ونحوها فقد تقع من كافر, ومنافق, وفاجر، فما كان من العلم مختصاً بالصالحين فهو أفضل مما يشترك فيه المصلحون والمفسدون. الثالث: العلم بالشريعة والعمل به ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ويدفع عنه مضرة الدنيا والآخرة من غير حاجة معه إلى الكشف ونحوه، وأما العلم بالكشف وغيره إن لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة؛ أما في الآخرة فلعدم الدين؛ وأما في الدنيا فلأن الإنسان يعرض نفسه، ودينه، وجسمه، وقلبه، وعقله، وأهله وماله لمخاطرات، لا يضمن حسن العاقبة معها، فكم منهم من ذهب عقله وماله، وأشقى نفسه من غير حصول مطلوبه. الرابع: إن الدين إذا صح علماً وعملاً فلابد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، كما قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطَّلاق:٢ - ٣] وليس العكس، أعني أن خرق العادة لا يدل على صحة الدين علماً وعملاً. الخامس: أن المقصود من الوحي والشرع مراعاة حق العبودية وإقامتها, وقد أمر بذلك الشارع، ومقصود المتصوفة من الكشف ونحوه مشاهدة الربوبية، ولم يأمر بها الشارع، ومن المعلوم أن مراعاة ما أمر به الشارع أولى من مراعاة ما لم يأمر به. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان بن علي بن حسن- بتصرف – ٢/ ٦٥٥

стр. 120

القاعدة الأولى: إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل كل دعوى لابد من إقامة الدليل عليها، وإلا كانت مجرد دعوى خلية عن البرهان، والدليل إما أن يكون نقلياً أو عقلياً، والمطلوب في النقلي تحرير صحته، وفي العقلي إظهار صراحته وبيان حجته: قال تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ١١١] فهذا عام في كل دعوى، لابد من تصديقها بالدليل. وقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف: ٤] فطالبهم أولا بالطريق العقلي، وثانيا بالطريق السمعي (١). قال ابن تيمية: (فالكتاب هو الكتاب – أي جنس الكتب المنزلة من عند الله – والأثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد. وقالوا: هي الخط أيضاً، إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط، وذلك لأن الأثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد, ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره) (٢). ومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة: (إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل) (٣). ولهذا تجد كثيراً من أهل البدع يستدل على بدعته، بنقل ضعيف, أو موضوع، أو دلالة ضعيفة، أو بعقل فاسد. فالشيعة الرافضة يكثر عندهم الاستدلال بالنقول الموضوعة والضعيفة، وكذلك الدلالة الضعيفة، ويشاركهم في ذلك طوائف من المتصوفة. أما أهل الفلسفة والكلام فيكثر عندهم الاستدلال بالأقيسة العقلية الفاسدة، أو الاحتمالات والتجويزات (٤).

стр. 121

القاعدة الثانية: موافقة النصوص لفظاً ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ: وذلك أن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتها في المعنى دون اللفظ؛ فالرسول ﷺ علم البراء بن عازب كلمات يقولهن إذا أخذ مضجعه، وفيها (( ... آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت)) قال البراء: ((فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت. قال – أي النبي ﷺ – قل آمنت بنبيك الذي أرسلت)) (١) تحقيقاً لكمال الموافقة، في اللفظ والمعنى. ولهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول ﷺ بالمعنى، ومن أجازه اشترط أن يكون الناقل عاقلاً عالماً بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركاً لأساليب العرب حتى يستبين الفروق (٢). فالناس في موافقة الكتاب والسنة أقسام: الأول: من يوافقهما لفظاً ومعنى، وهذا أسعد الناس بالحق. الثاني: من يوافقهما في المعنى دون اللفظ، كمن يتكلم في المعاني الشرعية الصحيحة بألفاظ غير شرعية، وهذا كالألفاظ المجملة والتي تحتمل حقاً وباطلاً، كمن يتكلم في نفي الجهة عن الله تعالى قاصداً نفي الجهة المخلوقة، أو ينفي الحيز والمكان المخلوقين وغير ذلك من الألفاظ التي لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، بل تحتمل معاني صحيحة وأخرى فاسدة، فإذا عرف مراد صاحبها وكان موافقاً للمعنى الصحيح، قبل مراده، ومنع من التكلم باللفظ المجمل، وعلم الألفاظ الشرعية في ذلك. وكذلك يدخل فيهم من نفى ظاهر نصوص الصفات قاصداً نفي المعنى الظاهر المختص بالمخلوق، فنفيه صحيح، لكن ظاهر النصوص لم يدل على باطل، حتى يستوجب هذا النفي، وإنما نفى هذا ما توهمه أنه ظاهر النص، وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر. الثالث: من يوافق الكتاب والسنة في اللفظ دون المعنى، وهؤلاء كطوائف الباطنية وغيرهم ممن يعبرون عن عقائدهم الفاسدة بألفاظ شرعية، فالصلاة عندهم كشف أسرارهم، والصيام كتمانها، والحج القصد إلى شيوخهم، ونحو ذلك (٣). الرابع: من يخالف الكتاب والسنة لفظاً ومعنى، وهؤلاء أشقى الطوائف، وهم من الكفرة والملاحدة ونحوهم.

стр. 122

القاعدة الثالثة: لا ينبغي بتر الدليل، والاستدلال بجزئه وهذا هو شأن أهل الابتداع حتى يجدوا من الكلمات الشرعية ما يسوغ لهم بدعتهم, ويجعلها تروج عند ضعفاء المسلمين: قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى في الرد على القدرية: ( ... وإنهم أتموا آية من كتاب الله ولكنهم يأخذون بأولها ويتركون آخرها، والذي نفسي بيده لإبليس أعلم بالله ، يعلم من أغواه، وهم يزعمون أنهم يغوون أنفسهم ويرشدونها) (١). ولما احتج غيلان الدمشقي أمام عمر بن عبد العزيز على مقالته في القدر بقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: ٢ - ٣] قال له عمر: (أقرا آخر السورة: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: ٣٠، ٣١] ثم قال عمر: وما تقول يا غيلان، قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالاً فهديتني ... ) فتاب، ثم رجع إلى مقالته في عهد هشام بن عبد الملك؛ فصلبه (٢).

стр. 123

القاعدة الرابعة: الحق يقبل من أي جهة جاء الحق يقبل لكونه موافقاً للدليل، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه، ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندها من الباطل، بغض النظر عن الموالي منها أو المعادي: قال تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣] وفي دعاء النبي ﷺ : (( ... اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) (١). قال ابن القيم ﵀: (فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدى الله لما اختلف فيه من الحق) (٢). وقال تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ... [المائدة: ٨] ومن العدل فيهم قبول ما عندهم من الحق. وهكذا أدبنا القرآن الكريم حين ساق كلام بلقيس – وقت كفرها- ثم وافقها عليه، قال تعالى – حكاية عنها -: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]. ولما دل الشيطان أبا هريرة ﵁ إلى آية الكرسي لتكون له حرزاً من الشيطان، وذلك مقابل فكه من الأسر، قال له النبي ﷺ : ((صدقك وهو كذوب)) (٣). وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول: (اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً –أو قال فاجراً- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً) (٤). ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية – مبيناً منهجه في التعامل مع المخالفين له من أهل الكلام وغيرهم-: (وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله – من المتكلمين وغيرهم – يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به) (٥).

стр. 124

القاعدة الخامسة: الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف رجاله الحق ما وافق الدليل من غير التفات إلى كثرة المقبلين، أو قلة المعرضين، فالحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق، ومجرد نفور النافرين، أو محبة الموافقين لا يدل على صحة قول أو فساده، بل كل قول يحتج له خلا قول النبي ﷺ فإنه يحتج به (١): ومن المعلوم أنه لا يوجد أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامًّا، يتعمد مخالفة النبي ﷺ في شيء من سنته، لا دقيق ولا جليل، بل هم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب متابعته، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويرد، إلا الرسول ﷺ ، وذلك لأجل ثبوت العصمة للشارع وحده، أما غيره فيعتريه من نقص العلم والفهم ما يستوجب عرض قوله على الشرع طلباً للإجازة والتزكية.

стр. 125

القاعدة السادسة: حكم كلام غير الشارع ما يقوله سائر الناس من الكلام في المطالب الشرعية لابد من عرضه على الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنة فهو حق يقبل, وإن خالفهما فهو باطل يرد، وإن احتمل الجهتين: فإما أن يعرف مراد المتكلم فيحكم له أو عليه بحسب المراد، وإما أن لا يعرف مراده، فينظر في سيرته – سيرة المتكلم – فإن كانت حسنة حمل كلامه على الوجه الحسن؛ وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨] وإن كانت سيرته سيئة حمل كلامه على الوجه السيء وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف: ٥٨]. أما إذا عرف مراده لكن لم يعرف: هل جاء الشرع بتصديقه أو بتكذيبه؛ فإنه يمسك عنه ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول ﷺ (١). واعتصاماً بهذه القاعدة شرح ابن القيم ﵀ كتاب منازل السائرين للشيخ الهروي في كتابه القيم: (مدارج السالكين)، فقبل من كلام الشيخ ما أسنده الدليل، ورد منه ما خالفه الدليل، وحمل على أحسن المحامل ما احتمل وجوهاً، إحساناً للظن بشيخ الإسلام الهروي (٢).

стр. 126

القاعدة السابعة: السكوت عما سكت الله عنه ورسوله كل مسألة من مسائل الشريعة – ولاسيما مسائل الاعتقاد – لا يحكم فيها، نفياً أو إثباتاً إلا بدليل، فما ورد الدليل بإثباته أثبتناه، وما ورد بنفيه نفيناه، وما لم يرد بإثباته ولا بنفيه دليل توقفنا، ولم نحكم فيه بشيء؛ لا إثباتاً ولا نفياً، ولا يعني هذا أن المسألة خلية عن الدليل، بل قد يكون عليها دليل، لكن لا نعلمه، فالواجب علينا التوقف: إما مطلقاً أو لحين وجدان الدليل: قال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٦] قال قتادة: (لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله) (١). وقال ﷺ : ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها)) (٢). قال ابن تيمية: (الأقسام ثلاثة: ما علم ثبوته أثبت، وما علم انتفاؤه نفي، وما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته) (٣).

стр. 127

القاعدة الثامنة: الامتناع عن مناظرة أهل السفسطة إذا وضح الحق وبان لم يبق للمعارضة العلمية ولا العملية محل، فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة، بينة بنفسها، ضرورية، وجحدها الخصم كان سوفسطائياً؛ فلا ينبغي مناظرته بعد ذلك، قال تعالى: وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] وقال تعالى: يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ... [الأنفال: ٦] فكل من جادل في الحق بعد وضوحه وبيانه فقد غالط شرعاً وعقلاً (١). قال المزني ﵀: (وحق المناظرة أن يراد بها الله ، وأن يقبل منها ما يتبين) (٢). ولهذا كان من الأسئلة ما ليس له جواب غير السكوت والانتهاء كما قال النبي ﷺ : ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته)) (٣). فإن كل نظر لابد له من ضرورة يستند إليها، فإذا احتاجت الضرورة إلى استدلال ونظر، أدى ذلك إلى التسلسل وهو باطل.

стр. 128

القاعدة التاسعة: الباطل لا يرد بالباطل، بل بالحق السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات باطلاً، وإن قصد به نصر الكتاب والسنة، فيذمون من قابل بدعة ببدعة، وفاسداً بفاسد (١). فالباطل يرد بالحق المحض، والبدعة ترد بالسنة الصحيحة: قال الخلال: (أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف البحتري العكبري، وقال: إنه قد تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد، أراد بذلك إثبات القدر. فوضع أحمد بن علي كتاباً يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله، فأخبرته بالقصة، فقال: ويضع كتاباً؟ وأنكر أبو عبد الله عليهما جميعاً: على ابن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلى القدري الذي قال: لم يجبر العباد، وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه بوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد، فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ قال: يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [فاطر: ٨] (٢). وهذا الفخر الرازي يرد على النصارى قولهم في إلهة عيسى بأن الإله لا يكون جسماً, ولا متحيزاً, ولا عرضاً (٣)، ومعلوم أن هذه الألفاظ لم ترد لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام سلف الأمة وأئمتها، بل هي ألفاظ محدثة مبتدعة، فيكون قد رد باطلهم بنحوه. وفي باب الصفات رقى المعتزلة ونحوهم – للرد على الشبهة – سلم النفي والتعطيل، قال ابن قتيبة ﵀: (وتعمق آخرون في النظر وزعموا أنهم يريدون تصحيح التوحيد بنفي التشبيه عن الخالق، فأبطلوا الصفات، مثل: الحلم والقدرة والجلال والعفو وأشباه ذلك ... ) (٤). وأراد بعض مثبتة القدر الرد على نفاته، فأنكروا فعل العبد واختياره. والشيعة أرادوا الإنكار على الخوارج الذين كفروا علياً ﵁ فوقعوا في سائر الصحابة –عدا آل البيت- تكفيراً وتفسيقاً، وقالوا: لا ولاء إلا ببراء. وهكذا، فمن لم يعتصم بالكتاب والسنة في مناظراته لم يسلم من مثل هذه البدع.

стр. 129

القاعدة العاشرة: عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم كثير من المتناظرين قد يجعل عمدته في نفي وجود أمر ما، عدم علمه بالدليل على وجوده، والأصل أن عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم،، وعدم الوجدان ليس نفياً للوجود، فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل, فكذلك النفي يحتاج إلى دليل، وإلا فما لم يعلم وجوده بدليل معين، قد يكون معلوماً بأدلة أخرى، فمثلاً: عدم الدليل العقلي على وجود أمر ما، لا يعني عدم وجوده، لأنه قد يكون ثابتاً بالدليل السمعي، أو غيره. فالدليل يجب فيه الطرد لا العكس، بمعنى أنه يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم، أي عدم المدلول عليه، قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس: ٣٩] فهذا نعي على كل من كذب بما قصر عنه علمه. فمن نفى كثيراً من الغيبيات كالصفات, والقدر, والملائكة, والجن, وأحوال البرزخ, والمعاد، لعدم قيام دليل الحس والمشاهدة، أو دليل العقل – كما يزعم – كان غالطاً، لأنه أخبر عن نفسه، ولا يمنع أن يكون غيره قد قام عنده دليل العقل، أو دليل السمع، أو دليل المشاهدة كما وقع ذلك للرسول ﷺ في مشاهدة الجن والملائكة وأحوال البرزخ والمعاد (١). وقد رد الفخر الرازي على النصارى دعواهم إلهية عيسى ﵇ لظهور الخوارق على يديه، بأن عدم ظهور هذه الخوارق في حق غيره لا يلزم منه عدم إلهية ذلك الغير، بل غاية ما هناك أنه لم يوجد هذا الدليل المعين، وعليه، فيجوز – كما هو لازم قولهم – حلول الله تعالى في كل مخلوق من مخلوقاته، إذ لا دليل على اختصاص عيسى ﵇ بذلك، لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول (٢). ويستثنى من هذه القاعدة ما إذا كان وجود المدلول مستلزماً لوجود الدليل، وقد علم عدم الدليل، فيقع العلم بعدم المدلول المستلزم لدليله، لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم، مثاله: قد ثبت توافر الدواعي على نقل كتاب الله تعالى ودينه، فإنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج الناس إلى نقله، فلما لم ينقل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم نقلاً عاماً، علمنا يقيناً عدم ذلك، نحو سورة زائدة، أو صلاة سادسة ونحو ذلك (٣).

стр. 130

القاعدة الحادية عشرة: في لازم المذهب أولاً: ينبغي أن يعلم أن اللازم من قول الله تعالى, وقول رسوله ﷺ إذا صح أن يكون لازماً فهو حق، يثبت ويحكم به؛ لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق؛ ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازماً من كلامه وكلام رسوله، فيكون مراداً (١). وكذلك قول الإنسان إما أن يكون موافقاً للكتاب والسنة فيكون حقاً، ولازمه حقاً، وإما أن يكون مخالفاً للكتاب والسنة فيكون باطلاً ولازمه باطلاً (٢). ثانياً: اللازم من قول العالم له ثلاث حالات (٣): الحالة الأولى: أن يذكر له لازم قوله فليتزمه، مثل أن يقول لمن يثبت وزن الأعمال في الآخرة: يلزمك القول بجواز وزن الأعراض. فيقول المثبت: نعم التزم به، لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والله تعالى على كل شيء قدير، ثم إنه قد وجد في زماننا هذا موازين للحرارة, والبرودة, والإضاءة, ونحو ذلك من الأعراض. وهذا اللازم يجوز إضافته إليه إذا علم منه أنه لا يمنعه. الحالة الثانية: أن يذكر له لازم قوله، فيمنع التلازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول نافي الصفات لمن يثبتها، يلزمك أن يكون الله تعالى مشابهاً للخلق في صفاته، فيقول المثبت: لا يلزم ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الصفات إلى الخالق سبحانه قطعنا توهم الاشتراك والمشابهة، كما أنك أيها النافي للصفات، تثبت ذاتاً لله تعالى وتمنع أن يكون الله مشابها للخلق في ذاته، فقل ذلك أيضاً في الصفات إذ لا فرق بينهما. وهذا اللازم لا يجوز إضافته إليه بعد أن بين هو وجه امتناع التلازم بين قوله وبين ما أضيف إليه. الحالة الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع، فهذا حكمه أن لا ينسب إليه، لأنه إذا ذكر له اللازم: فقد يلتزمه، وقد يمنع التلازم، وقد يتبين له وجه الحق فيرجع عن اللازم والملزوم جميعاً. ولأجل هذه الاحتمالات فلا ينبغي إضافة اللازم إليه ولا سيما أن الإنسان بشر وتعتريه حالات نفسية وخارجية توجب له الذهول عن اللازم؛ فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تدبر في لوازمه، ونحو ذلك. قال ابن تيمية ﵀: (ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة) (٤). لكن قد تذكر اللوازم الباطلة – لاسيما عند المناظرة – لإظهار شناعة المذهب الباطل (الملزوم)، لأن العاقل إذا نبه إلى ما يلزم قوله من اللوازم الفاسدة، فقد ينتبه ويرجع عن قوله. وأهل البدع – لاضطرابهم وتناقضهم – قد يفر الواحد منهم من اللازم الحق ليقع في اللازم الباطل، وهو يظن في ذلك السلامة: كالقدري يفر من لازم كون الله يضل من يشاء، فيقع في لازم كونه يقع في ملكه ما لا يشاء، وكذلك منكر الصفات يفر من التشبيه – بزعمه – فيقع في التعطيل، والذي قد يقوده إلى التعطيل الكامل فلا يعرف إلها موجوداً معبوداً!

стр. 131

القاعدة الثانية عشرة: الاستدلال بالدليل المتفق عليه على المسألة المتنازع فيها الخصمان إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا، فإن لم يتفقا على شيء، لم تقع بمناظرتهما فائدة، وإذا كانت الدعوى لابد لها من دليل، وكان الدليل عند الخصم متنازعاً فيه، ليس عنده بدليل، صار الإتيان به عبثاً، لا يفيد فائدة ولا يحصل مقصوداً، إذ مقصود المناظرة رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه، فلابد من الرجوع إلى دليل يعرفه الخصم السائل، معرفة الخصم المستدل: ولهذا كان الرجوع عند المسلمين إلى الكتاب والسنة، لاتفاقهم عليهما، وكان المرجوع إليه عند التنازع مع غير المسلمين ما يسلم به الكفار، كما قال تعالى: - في محاجة الكفار -: قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٠] (١).

стр. 132

القاعدة الثالثة عشرة: الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات وهي خاصة العقل الصحيح, وصفة الفطرة السليمة، وعليها قامت أحكام الشرع، فالشيء يعطى حكم نظيره، وينفى عنه حكم مخالفه، ولا يجوز العكس بحال: وهو أن يفرق بين متماثلين أو يجمع بين مختلفين: قال الله تعالى في ذم اليهود: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥] وذلك أنهم أغفلوا حكم التوراة في سفك الدماء وإخراج أنفسهم من ديارهم، وأقاموه -أي حكم التوراة- في مفاداة الأسرى (١) وكان الواجب عليهم إقامته في شأنهم كله. وقال تعالى: في شأنهم –أيضاً-: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة: ٩١] فكفروا برسالة محمد ﷺ مع ما فيها من التصديق لما معهم من التوراة والإنجيل، والجميع يخرج من مشكاة واحدة؛ فكان الكفر ببعض ذلك كفراً بالجميع وجحداً له (٢). هذا في جانب التفريق بين المتماثلات، أما في جانب الجمع بين المختلفات، فقد قاس اليهود الرب ﷻ على المخلوق الضعيف القاصر، فوصفوه (سبحانه) بصفات المخلوقين، فقالوا: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] وقالوا: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١] وقالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ [التوبة: ٣٠] وفيه إثبات الصاحبة والولد وهي من صفات المخلوقات، ويشركهم في ذلك النصارى القائلون: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ [التوبة: ٣٠]. فكل من فرق بين متماثلين, أو جمع بين مختلفين من مبتدعة المسلمين يكون فيه شبه من اليهود والنصارى، وهم إمامه وسلفه في ذلك: فنفاة الصفات: بعضها أو جميعها، أو الصفات دون الأسماء، أو الصفات والأسماء جميعاً، فرقوا بين المتماثلات, إذ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر نفياً وإثباتاً، وكذلك القول في الصفات كالقول في الأسماء، وكذلك القول في الصفات والأسماء فرع عن القول في الذات (٣). وهم –أيضاً- قد جمعوا بين المختلفات، لأنهم لم يعتقدوا التعطيل إلا بعد أن قامت عندهم شبهة التشبيه، ولهذا كان كل معطل مشبهاً. ونفاة القدر فرقوا بين المتشابهات والمتماثلات من وجه؛ حيث اعتمدوا النصوص التي تثبت قدرة العبد ومشيئته، وأنكروا النصوص التي تثبت قدرة الخالق, ومشيئته, وخلقه, وسابق علمه، وجمعوا بين المختلفات من وجه؛ حيث قاسوا المخلوق بالخالق, وجعلوهما سواء فيما يجوز, ويجب, ويمتنع. قال ابن قتيبة ﵀: (ألا ترى أن أهل القدر حين نظروا في قدر الله الذي هو سره بآرائهم, وحملوه على مقاييسهم؛ أرتهم أنفسهم قياساً على ما جعل في تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخلق على الخلق، أن يجعلوا ذلك حكماً بين الله وبين العبد، فقالوا بالتخلية والإهمال، وجعلوا العباد فاعلين لما لا يشاء، وقادرين على ما لا يريد, كأنهم لم يسمعوا بإجماع الناس على: ما يشاء الله كان وما لا يشاء لا يكون) (٤). والوعيدية من الخوارج والمعتزلة فرقوا بين نصوص الوعيد فآمنوا بها، وبين نصوص الوعد فكفروا بها، والجميع يخرج من مشكاة واحدة، وفي المقابل المرجئة آمنوا بنصوص الوعد, وكفروا بنصوص الوعيد. والشيعة فرقوا بين الصحابة رضوان الله عليهم، فتولوا آل البيت منهم وعادوا غيرهم، والواجب موالاتهم جميعاً. وجمعوا بين الرسول ﷺ وبين غيره في إثبات العصمة، حيث ساقوها في أئمتهم، والواجب التفريق في ذلك بين الرسل وغيرهم من الناس. وممن خالف هذه القاعدة – أيضاً – من فرق بين الكتاب والسنة فاعتمد الكتاب دون السنة، وكذلك من فرق بين نصوص الأحكام فاعتمدها، وبين نصوص العقائد فأعرض عنها بتأويل أو تفويض، أو تكذيب إن كانت أحاديث آحاد، وكذلك من فرق بين السنة والمتواترة وسنة الآحاد في باب العقائد أو الأحكام. فكل هؤلاء واقعون في التناقض والاضطراب، والواجب عليهم الجمع بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات حتى يسلموا مما هم فيه.

стр. 133

القاعدة الرابعة عشرة: المعارضة الصحيحة هي التي يمكن طردها قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨]. فلما سوى الملحد نفسه بالله تعالى في ادعاء الإحياء والإماتة طالبه إبراهيم بطرد المساواة، وهي أن من حقوق الربوبية التصرف في الكون، وفي كواكبه وأجرامه، ومن ذلك أن الله تعالى يسير الشمس من المشرق على المغرب، فإن كنت صادقاً في ادعاء المساواة لله تعالى في الإحياء والإماتة، فأعكس حركة هذه الشمس، واجعلها تسير من المغرب إلى المشرق، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (١). وكذلك يقال – مثلاً – لنفاة بعض الصفات بقصد التنزيه، اطردوا حجتكم وانفوا سائر الصفات، بل وسائر الأسماء، حتى صفة الوجود؛ لأن المخلوق يتصف بها، فمن طرد منهم لم يبق عنده إله يعبد، ولا رب يصلي له ويسجد، ومن فرق بقي في التناقض، والسعيد من أثبت الصفات جميعاً مع نفي التشبيه والمماثلة بين الخالق والمخلوق في شيء منها.

стр. 134

القاعدة الخامسة عشرة: في مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم الخاص إذا تكلم المخالف باصطلاحه الخاص الذي اصطلحه مخالفاً به ما عليه الشرع من الألفاظ؛ فقد يعبر عن المعاني التي أثبتها الشرع بعبارات أخرى ليست فيه، أو أنها فيه لكن جاءت بمعان أخر، بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفياً باطلاً نفاه الشرع والعقل (١): كلفظ التوحيد عند الطوائف المنحرفة: فالتوحيد عند الفلاسفة يعنون به إثبات الوجود المطلق، مجرداً عن الماهية والصفة. وعند الاتحادية وأصحاب وحدة الوجود: أن الرب تعالى هو عين كل موجود. وعند الجهمية: التوحيد هو إنكار صفة العلو لله تعالى, والكلام, والسمع, والبصر, وغير ذلك من الصفات التي ثبتت بالسمع ودل عليها العقل. وعند القدرية: إنكار قدر الله وعموم مشيئته في الكائنات وقدرته عليها. ويدخل في ذلك -أيضاً- نحو التكلم بالألفاظ المجملة كلفظ الجهة، والحيز والمكان، والجسم وغير ذلك. فيبقى المخاطب لهم والراد عليهم متردداً بين أمور: الأول: أن يخاطبهم بغير اصطلاحهم، بل بالألفاظ والمعاني الشرعية، فحينئذ قد يقولون: إنا لا نفهم ما قيل لنا، أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا ومرادنا، ويلبسون على الناس، بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق، وأنه موافق للشرع. الثاني: أن يخاطبهم بلغتهم واصطلاحهم – وقد يكون ذلك مخالفاً لألفاظ القرآن في الظاهر – فحينئذ قد ينسبون المخاطب لهم إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقاً وباطلاً، وأوهموا الجهال باصطلاحهم الخاص. الثالث: أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بها نفياً وإثباتاً، بل يستفصل عن مرادهم: فإن أرادوا بهذه الألفاظ حقاً قبل، وإن أرادوا باطلاً رد، وهنا قد ينسبونه إلى العجز والانقطاع (٢): فحينئذ تختلف المصلحة؛ فيختار المخاطب لهم، الأسلوب الأمثل في مخاطبتهم والرد عليهم، وذلك بحسب ما يقتضيه المقام (٣): فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلى قولهم وإلزامهم به أمكن أن يقال لهم: لا يجب على أحد أن يجيب داعياً إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك. ومثل هذا فعله شيوخ السنة بين يدى ولاة الأمور في مناظراتهم لرؤوس المعتزلة والجهمية (٤). أما إن كان المخالف معارضاً للشرع بما يذكره، أو كان غير ملتزم بالشريعة: فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها: إما بألفاظهم، وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وإن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسناً، وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم، ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم، أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ: قال شيخ الإسلام ﵀: (وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة ... ) (٥). فمخاطبة أهل الاصطلاح بلغتهم واصطلاحهم يفيد من وجوه: الأول: أنهم يفهمون الحجة. الثاني: أن ذلك أبلغ في الرد عليهم، وكسرهم. الثالث: بيان تمكن أهل الحق من معاني مسائلهم وعرضها بأي أسلوب يقتضيه الموقف. وقد استعمل شيخ الإسلام هذا الأسلوب في كثير من مصنفاته التي فيها الرد على أهل البدع والفلسفة، مثل كتاب درء التعارض، والرد على المنطقيين، وكذلك رأيت الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ يستخدم المنطق في الرد على من يؤمنون به، وذلك في تفسيره أضواء البيان (٦).

стр. 135

القاعدة السادسة عشرة: التوقف عند الإيهام، والاستفصال عند الإجمال إذا أورد المنازع لفظاً مجملاً يحتمل حقاً وباطلاً، لم يكن لنا إثبات اللفظ أو نفيه، بل الواجب التوقف، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا لقصور أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن اللفظ مجمل، والعبارة موهمة مشتملة على الحق والباطل، ففي إثباتها إثبات الحق والباطل، وفي نفيها نفي الحق والباطل، فالواجب الامتناع عن كلا الإطلاقين، ثم الاستفسار عن مراد صاحبها بها فإن أراد بها حقاً قبل، وإن أراد بها باطلاً رد (١). وبعد اختيار المعنى الصحيح المراد من العبارة الموهمة، يمنع من إطلاقها ويركب للمعنى لفظه الشرعي، حتى ينتفي عنه الإيهام والإجمال: مثال ذلك: لفظ الجهة لله تعالى (٢): فلو سأل سائل: هل تثبتون لله تعالى الجهة؟ الجواب: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لا إثباتاً ولا نفياً وهو لفظ مجمل محتمل، ويغني عنه ما ثبت في الكتاب والسنة من أن الله تعالى في السماء. أما الجهة فقد يراد بها جهة سفل، أو جهة علو تحيط بالله تعالى، أو جهة علو لا تحيط به: أما المعنى الأول فباطل، لمنافاته العلو لله تعالى الثابت بالكتاب, والسنة, والإجماع, والعقل, والفطرة. والثاني باطل – أيضاً – لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته. وأما المعنى الثالث: فحق يجب إثباته وقبوله، لأن الله تعالى هو العلي الأعلى، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته. يقول طاش كبرى زاده في أصول المناظرة (٣): وليجتنب فيها عن الإطناب ... ثم عن الإيجاز والخطاب إلى رفيع القدر والمهابة ... وعن كلام شابه الغرابة ومجمل من غير أن يفصلا ... كذا تعرض لما لا مدخلا ولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف النهي عن إطلاق النفي أو الإثبات في مثل هذه المواطن: قال الإمام أحمد ﵀: (إذا سأل الجهمي فقال: أخبرونا عن القرآن، هو الله أو غير الله؟ قيل له: وإن الله جل ثناؤه لم يقل في القرآن: إن القرآن أنا ولم يقل: غيري، وقال: هو كلامي، فسميناه باسم سماه الله به، فقلنا: كلام الله، فمن سمى القرآن باسم سماه الله به كان من المهتدين، ومن سماه باسم غيره كان من الضالين) (٤). وفي كتاب السنة للخلال (٥): سئل الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: (أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحبه). وقال الأوزاعي: (ما أعرف للجبر أصلاً من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء, والقدر, والخلق, والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ . قال ابن تيمية: (فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة ... وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي لأن الزبيدي نفى الجبر، والأوزاعي منع إطلاقه، إذ هذا اللفظ قد يحتمل معنى صحيحاً، فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل) (٦) وكذلك إثباته قد يقتضي إثبات الحق والباطل، والصواب الإعراض عنه، أو التفصيل في الجواب. ومثال آخر لمنهج السلف في هذه المسألة، ما أورده الإمام الذهبي في كتاب (العلو) (٧) من كلام أبي بكر محمد بن الحسن الحصري القيرواني الذي ساق أقوال جماعة من العلماء في مسألة الاستواء، ثم قال: (وهذا هو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد, ولا تمكن في مكان, ولا كون فيه ولا مماسة). قال الذهبي معلقاً على ذلك: (سلب هذه الأشياء وإثباتها مداره على النقل، فلو ورد شيء بذلك نطقنا به، وإلا فالسكوت والكف أشبه بشمائل السلف) (٨).

стр. 136

القاعدة السابعة عشرة: طالب الحق يستفيد من رد أهل البدع، بعضهم على بعض قال ابن القيم ﵀ (١): (من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئاً من الباطل قد شاركه في بعضه أو في نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته وكسر باطله؛ لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما سلط هو به عليه, وهذا شأن أهل الأهواء مع بعضهم بعضاً، ولهذا كان عامة ما يأتون به أبداً يناقض بعضهم بعضاً، ويكسر أقوال بعضهم بعض، وفي هذا منفعة جليلة لطالب الحق، فإنه يكتفي بإبطال كل فرقة لقول الفرقة الأخرى .. ). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل، وتارة بين القولين الباطلين لتبيين بطلانهما، أو بطلان أحدهما، أو كون أحدهما أشد بطلاناً من الآخر، فإن هذا ينتفع به كثيراً من أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم، ممن يقول أحدهم القول الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب، فيبين أن قول منازعه أحق بالصحة إن كان قوله صحيحاً، وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعه فاسداً، لتنقطع بذلك حجة الباطل، فإن هذا أمر مهم، إذ كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم، فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين، فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت، ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله، فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله) (٢). مثال ذلك (٣): إذا استدل متأول الصفات على منكر المعاد وحشر الأجساد بنصوص الوحي، أبدا لها منكر المعاد تأويلات تخالف ظاهرها، وقال للمستدل بها: تأولت أنا هذه النصوص (نصوص المعاد) كما تأولت أنت نصوص الصفات، ولاسيما أنها أكثر وأصرح، فإذا تطرق التأويل إليها، فهو إلى ما دونها أقرب تطرقاً. ولا نجاة من هذا التناقض إلا بالإيمان بجميع النصوص، وإجرائها على ظاهرها، ومنع التأويل.

стр. 137

القاعدة الثامنة عشرة: القطعية والظنية من الأمور النسبية الإضافية كون العلم – أو الدليل – بديهياً أو نظرياً، قطعياً أو ظنياً، هو من الأمور النسبية الإضافية التي تختلف باختلاف المدرك المستدل فقد يكون قطعياً عند زيد، ما لا يعرفه غيره إلا بالنظر، ومن اعتقد أن القطع والظن صفة لازمة للدليل بحيث يشترك في ذلك جميع الناس فقد غلط وخالف الواقع والحس .. (١). وعليه، فمن أنكر بعض الأحاديث بحجة أنها ظنية، فهذا إخبار منه عن حاله، إذ لم يحصل له من الطرق ما يفيده العلم والقطع، ولا يلزم من ذلك النفي العام، حتى يكون غيره من أهل الحديث والسنة لم يحصل له العلم والقطع بمدلول تلك الأحاديث: فيقال للمنكر: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول، واحرص عليه وتتبعه واجمعه، واعرف أحوال نقلته وسيرتهم، واجعل ذلك غاية طلبك ونهاية قصدك حتى يحصل لك من العلم اليقيني ما حصل لغيرك، أما مع إعراضك عنه وعن طلبه، فلو قلت: إنه لا يفيدك ظنًّا فضلاً عن اليقين، كنت صادقاً في الإخبار عن نفسك، وعن حظك ونصيبك منها (٢). وما يذكره كثير من أهل الكلام من وجوب القطع في المسائل الخبرية والتي قد يسمونها مسائل الأصول، وقد يوجبون القطع فيها على كل أحد، فهذا الإطلاق والتعميم ليس بصحيح، بل هو خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، بل ما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ذلك، كما في قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨]، وقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [محمد: ١٩] وأما ما تنازع فيه الناس من المسائل الدقيقة والتي قد تكون مشتبهة عند كثير منهم، لا يقدر الواحد منهم فيها على دليل يفيد اليقين، لا شرعي ولا غيره، لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قول غالب على ظنه، لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك هو الذي يقدر عليه، ولاسيما إذا كان موافقا للحق، فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه، ويسقط به الفرض، إذا لم يقدر على أكثر منه. ثم إن هؤلاء المتكلمين من أبعد الناس عما أوجبوه، بل تجدهم يحتجون بما هو أقرب إلى الأغلوطات منه إلى الظنيات فضلاً عن القطعيات، بل تجد الواحد منهم كثيراً ما يقطع بصحة حجة في موضع، ويقطع ببطلانها في موضع آخر، بل منهم من عامة كلامه كذلك (٣).

стр. 138

القاعدة التاسعة عشرة: الاصطلاحات الحادثة لا تغير من الحقائق شيئاً قد يستخدم المبتدعة بعض الألفاظ الحسنة يصفون بها ما هم عليه من العقائد الفاسدة، رجاء قبولها عند ضعفاء الناس وشيوعها بينهم، ويستخدمون في حق منازعيهم من أهل السنة الألفاظ الذميمة والألقاب الشنيعة تنفيراً منهم، وتحقيراً لعلومهم (١): فأهل الكلام يسمون ما عندهم من الكلام عقليات, وقطعيات, ويقينيات, ويسمون ما عند غيرهم من العلوم: ظواهر وظنيات. ومحرفو الكلم عن مواضعه يسمون تحريفهم تأويلاً ليروج ويقبل، وقد عرفنا أن التأويل في استعمال القرآن هو العاقبة التي يؤول إليها الأمر، وفي عرف السلف: تفسير كلام وشرح معناه. والمعطلة للصفات، يسمون نفي الصفات تنزيهاً وتقديساً وتوحيداً ويسمون إثباتها: تجسيماً وتشبيهاً وحشواً، ويلقبون مثبتيها: بالمجسمة, والمشبهة, والحشوية. والمتصوفة يسمون خيالاتهم الشيطانية: حقائق ومعارف يقينية، وقد يسمونها توحيداً، ويسمون ما عند أهل السنة: ظواهر, ورسوماً, وعوائق, وحجباً. وكل هذه الاصطلاحات لا ينبغي أن تغير من الحقائق شيئاً.

стр. 139

القاعدة العشرون: الحيدة عن الجواب ضرب من الانقطاع الحيدة: جواب السائل بغير ما سأل عنه، كأن يقول لك قائل: من أين جئت؟ فتقول له: حضرت الآن. فهذا ليس جوابه: ومثال الحيدة في كتاب الله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ مع قومه: قال تعالى: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء: ٧٠ - ٧٣] فصاروا بين أمرين: أن يقولوا بالإيجاب، وليس لهم حجة على ذلك إلا مجرد الدعوى، أو يقولوا بالنفي فتظهر حجة إبراهيم عليهم، فلما أدركوا أن أيا من الأمرين لا يصلح جواباً يخلصهم، حادوا عن الجواب فـ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء: ٧٤] وهذا ليس جواب إبراهيم ﵇، وإنما حيدة وانقطاع (١). ومن أمثلة حيدة أهل البدع ما أجاب به بشر المريسي عبد العزيز المكي حين سأله: هل لله علم؟ فقال بشر: الله لا يجهل (٢)، لأنه أدرك إن هو أجاب بالإثبات فقد أبطل حجته في كون القرآن مخلوقاً، لأنه لا يستطيع أن يقول: علم الله مخلوق، والقرآن من علم الله. وإن أجاب بالنفي كان ذلك منه تكذيباً صريحاً بنصوص التنزيل, فحاد عن الجواب لئلا يلزمه أحد الوجهين. فشهد المأمون عليه بالانقطاع. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان بن علي بن حسن– ٢/ ٦٨٩

стр. 140

الفصل الأول: خصائص منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد امتازت مناهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الدين أصوله وفروعه بخصائص جعلتها أكثر موافقة للحق وإصابة له، نذكر في هذا الموقع، طرفا منها: أولا: وحدة المصدر: وهو أن السلف لا يتلقون أمور دينهم إلا عن مشكاة النبوة، لا عقل ولا ذوق ولا كشف، بل هذه إن صحت كانت معضدة لحجة السمع (الكتاب والسنة) فكيف بمن عارض بها دلائل الكتاب والسنة، وأكثرها جهالات وخيالات فاسدة. وبهذا نفهم كيف أن الرسول ﷺ أنكر على عمر بن الخطاب ﵁ النظر في صحيفة من التوراة، وهو الكتاب المنزل من السماء، وإن شابه التحريف فهو أفضل من كثير من الأقيسة العقلية، والخيالات الصوفية (١): روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن ثابت أنه قال: ((جاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، قال: فسري عن النبي ﷺ ، ثم قال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين)) (٢). وفي رواية (( ... أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية .. . والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)) (٣) ... فهذا موسى ﵇ لو قدر وجوده بعد بعثة محمد ﷺ ما جاز لأحد متابعته وترك ما عليه النبي ﷺ ، بل ما جاز له - أي موسى - ترك متابعة النبي ﷺ فكيف تتلقى أمور الديانة - أصولها وفروعها - عن عقل أو ذوق أو وجد أو نحو ذلك؟ قال ابن عبد البر ﵀: (ليس في الاعتقاد كله، في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه) (٤). ثانيا: منهج توقيفي:

стр. 141

فهو منهج يقوم على التسليم المطلق لنصوص الكتاب والسنة، لا يردون منها شيئا، ولا يعارضونها بشيء، لا بعقل، ولا ذوق، ولا منام، ولا غير ذلك، بل يقفون حيث تقف بهم النصوص، ولا يتجاوزونها إلى إعمال رأي أو قياس أو ذوق .. ملتزمين قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: ١] وقال الربيع بن خثيم ﵀: "يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فأحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] (١) وقال الأوزاعي ﵀: (كان مكحول والزهري يقولان: أمروا هذه الأحاديث كما جاءت ولا تناظروا فيها) (٢) يعني أحاديث الصفات. أما غير أهل السنة فقد أصلوا لأنفسهم قواعد، حاكموا إليها النصوص، فما وافق منها تلك القواعد قالوا به معضدين لا محتجين، وما خالف ردوه: إما بتضعيف - إن كان حديثا - أو تأويل، وإن أحسنوا المعاملة فوضوا العلم به وعزلوه عن سلطان الحكم والاحتجاج، حتى أحدثوا في دين الله تعالى من المقالات الشنيعة ما ضاهوا، أو سبقوا به اليهود والنصارى وعباد الأصنام. قال يونس بن عبد الأعلى: (سمعت الشافعي، يوم ناظره حفص الفرد، قال لي: يا أبا موسى .. . لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه) (٣) وقال ابن عيينة: (سمعت من جابر الجعفي كلاما خشيت أن يقع علي وعليه البيت) (٤). ثالثا: تجنب الجدل والخصومات في الدين: وبناء على ما سبق كان للسلف موقف واضح وصريح من الجدل والخصومات في مسائل الاعتقاد، حتى عدوا الكلام والتمحل فيها من البدع، التي شددوا النكير على مقترفيها، وقصة عمر بن الخطاب ﵁ مع صبيغ بن عسل مشهورة معروفة: وهي (أن صبيغا قدم المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر ﵁ فبعث إليه، وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه جلس، فقال له عمر ﵁: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ، فقال عمر ﵁: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي) (٥).

стр. 142

وقال مالك بن أنس ﵁: (الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه، وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر، وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله، وفي الله ، فالسكوت أحب إلي، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في دين الله إلا فيما تحته عمل) (١) قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: (والذي قاله مالك ﵀ عليه جماعة العلماء قديما وحديثا، من أهل الحديث، والفتوى، وإنما خالف ذلك أهل البدع: المعتزلة وسائر الفرق، وأما الجماعة فعلى ما قال مالك) (٢) وذلك فيما لم تكن هناك ضرورة، كرد باطل أو خوف من ضلالة أن تعم، فالواجب بيان الحق ودفع الباطل على ما أشار إليه ابن عبد البر ﵀ (٣). رابعا: اتفاق السلف في مسائل العقيدة: لقد كان من ثمرة صحة المنهج، وصدق قضاياه: أن يتفق أهل السنة على مسائل الاعتقاد مع اختلاف أعصارهم، وتباعد أمصارهم. يقول الإمام الأصبهاني ﵀: (ومما يدل على أن أهل الحديث هم أهل الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافا، ولا تفرقا في شئ ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟) (٤). منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن- بتصرف-١/ ٤٠

стр. 143

الفصل الثاني: نتائج الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد النتيجة الأولى: تحقيق كمال الدين، وتمام النعمة، وقيام الحجة: التزام هذا المنهج فيه اعتراف حقيقي بأن الله تعالى أكمل الدين، وأتم النعمة، وأن الرسول ﷺ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الغمة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم حواريو الرسول ﷺ ، وورثته في العلم والإيمان، وحفظة الله تعالى في عباده، أقاموا الدين علما وعملا، وبلغوه لفظا ومعنى. وهذا وإن كان واضحا في كل مسائل الديانة إلا أنه في مسائل الاعتقاد أشد وضوحا، وأعظم رسوخا، إذ (معرفة الاعتقاد أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا؟! ومن المحال – أيضا – أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (١) .. محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين – وإن دقت – أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم، في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته، غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، ثم إذا كان قد وقع ذلك منه: فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب: زائدين فيه أو ناقصين عنه ... ) (٢). النتيجة الثانية: بيان ثبوت العصمة للشارع: الالتزام بهذا المنهج يفيد إثبات العصمة للشارع الحكيم، بحيث لا يجوز الاستدراك عليه، وذلك بعد أن تقرر بالأدلة والبراهين اليقينية أن ليس في الشرع ما يخالف مقتضيات العقول الصحيحة، كما أنه ليس في العقل الصحيح ما يخالف نصا صحيحا صريحا من نصوص الكتاب والسنة. بل كل ما يظن أنه يخالف الشرع من العقل فيمكن إثبات فساده بعقل صحيح صريح يبين أن تلك المخالفة مجرد ظن وتوهم. وعليه، فيجب النظر إلى الشريعة بعين الكمال لا بعين النقصان واعتبارها اعتبارا كليا في العقائد والعبادات والمعاملات، وعدم الخروج عنها البتة؛ لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمي في عماية كيف وقد ثبت كمالها وتمامها فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق، المنحرف عن جادة الصواب إلى بنيات الطرق، وهذا هو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسببه الاستدراك على الشرع (٣). النتيجة الثالثة: التصديق بجميع نصوص الكتاب والسنة:

стр. 144

الالتزام بهذا المنهج يفيد التصديق بجميع نصوص الكتاب والسنة، والاستدلال بها مجتمعة – ما لم يكن بين بعضها تناسخ – لأنها خرجت من مشكاة واحدة، وتكلم بها من وصف نفسه بكمال العلم وتمام الحكمة، ومن أصدق من الله قيلا، فلا يجوز ضرب بعضها ببعض؛ لأن ذلك يقتضي التكذيب ببعض الحق، إذ أنه من باب معارضة حق بحق، وهذا يقتضي التكذيب بأحدهما أو الاشتباه والحيرة، والواجب التصديق بهذا الحق وهو الحق؛ قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٢ - ٣٣] فذم سبحانه من كذب أو كذب بحق، ولم يمدح إلا من صدق وصدق بالحق، فلو صدق الإنسان فيما يقوله، ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره لم يكن ممدوحا، حتى يكون ممن يجيء بالصدق ويصدق به، فأؤلئك هم المتقون" (١). النتيجة الرابعة: تعظيم نصوص الكتاب والسنة: إن الالتزام بهذا المنهج يجعل المسلم في موقف المعظم لنصوص الكتاب والسنة؛ لأنه يعتقد أن كل ما تضمنته هو الحق والصواب، وفي خلافها الباطل والضلال. أما المخالفون فقد سقطت من نفوسهم هيبة النصوص حتى استحلوا حرماتها، وعاثوا فيها تكذيبا أو تحريفا، وإن أحسنوا المعاملة أعرضوا عنها بقلوبهم وعقولهم ولم يستدلوا بشيء منها، فهم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [البقرة: ٧٨]. النتيجة الخامسة: عصمة علوم أهل السنة: أهل السنة معصومون فيما يأخذونه عن إجماع الصحابة والتابعين، لأن إجماعهم حجة، ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، فكيف إذا أجمع السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم على مسألة، فإن خلافهم فيها لا يجوز؛ لأنه خلاف الإجماع، وخلاف القرون المفضلة. أما أهل البدع والتفرق فلم يبالوا بهذا الأصل، حتى أعلنوا مخالفتهم لسلف الأمة وأئمتها، ونسبوهم إلى أعظم السفه والجهل. النتيجة السادسة: السكوت عما سكت عنه السلف: كل مسألة سكت عنها الصحابة والسلف الصالح وتكلم فيها الخلف – ولا سيما فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد والإيمان – إلا كان السكوت عنها أولى وأليق، ولم يأت فيها الخلف إلا بباطل من القول وزورا. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز ﵀ في وصيته إلى عدي بن أرطأة ( .. فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما يرضى به القوم لأنفسهم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى – وبفضل – لو كان فيه أجرى، فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون فضلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم) (٢). النتيجة السابعة: النجاة المحضة موقوفة على متابعة مذهب أهل السنة:

стр. 145

إن النجاة المحضة وقف على من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهذا إنما يعرف عن طريق السنن المروية، والآثار الصحابية. وأولى الناس بمعرفة ذلك هم أهل السنة والجماعة؛ وذلك لاشتغالهم وعنايتهم بها، وانتسابهم إليها، بعكس أهل البدع من المتكلمة والمتصوفة الذين هم من أبعد الناس عن معرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، مستغنين عن ذلك بالمحارات الفلسفية والخيالات الصوفية، ومنهم من يعترف بقلة بضاعته من الإرث النبوي، ومنهم من لو اطلعت على مصنفاته لا تكاد تقف على آية كريمة، أو حديث شريف، أو أثر عن صحابي شاهدين على أنفسهم بالجفاء. ثم ها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (١): أما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم. فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق. ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (٢). وأيضا – كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين. وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة. أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة – عدا آل البيت – وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية. والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ . والأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ – بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: (ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض) (٣). فكيف يقال في هؤلاء جميعا إنهم موافقون للصحابة في علومهم وأعمالهم؟! النتيجة الثامنة: شرف الانتساب إلى السلف الصالح: إن السلفية تطلق ويراد بها أحد معنيين: أحدهما: الحقيقة التاريخية التي تختص بأهل القرون الثلاثة المفضلة؛ لحديث: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .. ) (٤). الثاني: الطريقة التي كان عليها أهل تلك القرون الفاضلة من التمسك بالكتاب والسنة وتقديمهما على ما سواهما، والعمل بها على مقتضى فهم الصحابة والسلف. فالسلفية بالمعنى الثاني منهاج باق إلى يوم القيامة يصح الانتساب إليه متى التزمت شروطه وقواعده؛ لحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) (٥).
следующие страницы →