وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين (١) ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه (٢). وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذَّبه أبو زرعة (٣) وابن وارة (٤). وقال صالح بن محمد الأسدي (٥): ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه (٦). وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير (٧). وقال النسائي: ليس بثقة (٨). وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات (٩).
وآخر من روى (الموطأ) عن مالك هو أبو مصعب (١٠) وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي (١١) توفي سنة تسع وخمسين ومائتين.
وفي الإسناد أيضاً من لا يعرف حاله (١٢).
стр. 1157
وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل (١) حكاية لا تعرف إلا من جهته! (٢).
هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث!.
مع أن قوله: (وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة). إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة ...
كما جاءت به الأحاديث الصحيحة (٣) حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردّهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد ﷺ ، فإنه كما قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر)) (٤).
ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه:
أحدها، قوله: (أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وأدعو!) فقال: (ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم)؛ فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي ﷺ والدعاء له. هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم ... ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها: "ولم تصرفُ وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة". إنما يدل على أنه يوم القيامة يتوسل الناس بشفاعته، وهذا حق كما تواترت به الأحاديث، لكن إذا كان الناس يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة، كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته في حياته، فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته، فنظير هذا - لو كانت الحكاية صحيحة - أن يطلب منه الدعاء والشفاعة في الدنيا عند قبره.
стр. 1158
ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي ﷺ ولا سَنَّهُ لأمته، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من الأئمة، فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة بأدلتها الشرعية، مع علو قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته، وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها؟ وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع؟ فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا.
ثم قال في الحكاية: "استقبله واستشفع به فيشفعك الله". والاستشفاع به معناه في اللغة؛ أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به.
ومنه الحديث الذي في (السنن) (١) ((أن أعرابياً قال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاع العيال، وهلك المال، فادْعُ الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله. فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك أتدري ما تقول؟ شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه)).
وذكر تمام الحديث فأنكر قوله: "نستشفع بالله عليك". ومعلوم أنه لا ينكر أن يُسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله، وإنما أن يكون الله شافعاً إلى المخلوق، ولهذا لم ينكر قوله: "نستشفع بك على الله"؛ فإنه هو الشافع المشفع.
وهم – لو كانت الحكاية صحيحة – إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته ﷺ ولهذا قال في تمام الحكاية: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [النساء: ٦٤] الآية، وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم، واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم.
وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته، فإنما يقال في ذلك: (استشفعْ به فيشفعه الله فيك) لا يقال: فيشفعك الله فيه وهذا معروف الكلام، ولغة النبي ﷺ وأصحابه وسائر العلماء، يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه. فالمشفع الذي يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به، لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له، فإن هذا ليس هو الذي يشفع، فمحمد ﷺ هو الشفيع المشفع، ليس المشفع الذي يستشفع به. ولهذا يقول في دعائه: يا رب شفعني، فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبي شفاعته، فكيف يقول: واستشفع به فيشفعك الله؟.
وأيضاً فإنَّ طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعاً عند أحد من أئمة المسلمين، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء، وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ص١٤٧
стр. 1159
ثالثا: أحاديث وآثار ضعيفة في التوسل
يحتج مجيزو التوسل المبتدع بأحاديث كثيرة، إذا تأملناها نجدها تندرج تحت نوعين اثنين، الأول ثابت بالنسبة إلى رسول الله ﷺ ، ولكنه لا يدل على مرادهم، ولا يؤيد رأيهم كحديث الضرير، وقد تقدم الكلام على هذا النوع.
والنوع الثاني غير ثابت النسبة إلى رسول الله ﷺ ، وبعضه يدل على مرادهم، وبعضه لا يدل، وهذه الأحاديث التي لا تصح كثيرة، فأكتفي بذكر ما اشتهر منها، فأقول:
الحديث الأول:
عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً ((من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ... أقبل الله عليه بوجهه)) (١).
رواه أحمد (٣/ ٢١) واللفظ له، وابن ماجه، وانظر تخريجه مفصلاً في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (رقم ٢٤). وإسناده ضعيف لأنه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف كما قال النووي في (الأذكار) وابن تيمية في (القاعدة الجليلة) والذهبي في (الميزان) بل قال في (الضعفاء) (٨٨/ ١): (مجمع على ضعفه)، والحافظ الهيثمي في غير موضع من (مجمع الزوائد) منها (٥/ ٢٣٦) وأورده أبو بكر بن المحب البعلبكي في (الضعفاء والمتروكين)، والبوصيري كما يأتي، وكذا الحافظ ابن حجر بقوله فيه: (صدوق يخطئ كثيراً، كان شيعياً مدلساً، وقد أبان فيه عن سبب ضعفه وهو أمران:
الأول: ضعف حفظه بقوله: (يخطئ كثيراً، وهذا كقوله فيه (طبقات المدلسين): (ضعيف الحفظ) وأصرح منه قوله في (تلخيص الحبير) (ص٢٤١ طبع الهند) وقد ذكر حديثاً آخر: (وفيه عطية بن سعيد العوفي وهو ضعيف).
الثاني: تدليسه، لكن كان على الحافظ أن يبين نوع تدليسه، فإن التدليس عند المحدثين على أقسام كثيرة من أشهرها ما يلي:
الأول: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهماً أنه سمعه منه، كأن يقول: عن فلان، أو قال فلان.
الثاني: أن يأتي الراوي باسم شيخه أو لقبه على خلاف المشهور به تعمية لأمره، وقد صرحوا بتحريم هذا النوع إذا كان شيخه غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله، أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته، وهذا يعرف عندهم بتدليس الشيوخ.
... وتدليس عطية من هذا النوع المحرم، كما كنت بينته في كتابي (الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة).
وخلاصة ذلك أن عطية هذا كان يروي عن أبي سعيد الخدري ﵁، فلما مات جالس أحد الكذابين المعروفين، بالكذب في الحديث وهو الكلبي، فكان عطية إذا روى عنه كناه أبا سعيد، فيتوهم السامعون منه أنه يريد أبا سعيد الخدري! وهذا وحده عندي يسقط عدالة عطية هذا، فكيف إذا انضم إلى ذلك سوء حفظه! ولهذا كنت أحب للحافظ ﵀ أن ينبه على أن تدليس عطية من هذا النوع الفاحش، ولو بالإشارة كما فعل في (طبقات المدلسين) إذ قال: (مشهور بالتدليس القبيح) ...
ثم كأن الحافظ نسي أو وهم – أو غير ذلك من الأسباب التي تعرض للبشر – فقال في تخريجه لهذا الحديث: إن عطية قال في رواية: حدثني أبو سعيد. قال: (فأمن بذلك تدليس عطية) كما نقله ابن علان عنه، وقلده في ذلك بعض المعاصرين.
...
стр. 1160
والتصريح بالسماع إنما يفيد إذا كان التدليس من النوع الأول، وتدليس عطية من النوع الآخر القبيح، فلا يفيد فيه ذلك، لأنه في هذه الرواية أيضاً قال: (حدثني أبو سعيد) فهذا هو عين التدليس القبيح.
فتبين مما سبق أن عطية ضعيف لسوء حفظه وتدليسه الفاحش، فكان حديثه هذا ضعيفاً، وأما تحسين الحافظ له الذي اغتر به من لا علم عنده فهو بناء على سهوه السابق، فتنبه ولا تكن من الغافلين. وفي الحديث علل أخرى تكلمت عليها في الكتاب المشار إليه سابقاً، فلا حاجة للإعادة، فليرجع إليه من شاء الزيادة.
وأما فهم بعض المعاصرين من عبارة الحافظ ابن حجر السابقة في (التقريب) أنها تفيد توثيق عطية هذا ففهم لا يغبطون عليه، وقد سألت الشيخ أحمد بن الصديق حين التقيت به في ظاهرية دمشق عن هذا الفهم فتعجب منه، فإن من كثر خطؤه في الرواية سقطت الثقة به بخلاف من قال ذلك منه، فالأول ضعيف الحديث، والآخر حسن الحديث، ولذلك جعل الحافظ في (شرح النخبة) من كثر غلطه قرين من ساء حفظه، وجعل حديث كل منهما مردوداً فراجعه مع حاشية الشيخ علي القاري عليه (ص١٢١، ١٣٠).
وإنما غرَّ هؤلاء ما نقلوه عن الحافظ أنه قال في (تخريج الأذكار): (ضعف عطية إنما جاء من قبل تشيعه، وقيل تدليسه، وإلا فهو صدوق).
وهم لقصر باعهم إن لم نقل لجهلهم في هذا العلم لا جرأة لهم على بيان رأيهم الصريح في أوهام العلماء، بل إنهم يسوقون كلماتهم كأنها في مأمن من الخطأ والزلل، لا سيما إذا كانت موافقة لغرضهم كهذه الجملة، وإلا فهي ظاهرة التعارض مع قول الحافظ المنقول عن (التقريب) إذ أنها تعلل ضعف عطية بسببين:
أحدهما: التشيع، وهذا ليس جرحاً مطلقاً على الراجح.
والثاني: التدليس، وهذا جرح قد يزول كما سيأتي، ومع ذلك فإنه أشار إلى تضعيفه لهذا السبب بقوله: (قيل). بينما جزم في (التقريب) بأنه كان مدلساً، كما جزم بأنه كان شيعياً، ولذلك أورده (أعني الحافظ نفسه) في رسالة (طبقات المدلسين) (ص١٨) فقال: (تابعي معروف، ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح) ذكره في (المرتبة الرابعة) وهي التي يورد فيها (من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد) كما ذكره في المقدمة، فهذان النصان من الحافظ نفسه دليل على وهمه في تضعيفه كون عطية مدلساً في الجملة المذكورة آنفاً. فهذا وجه من وجوه التعارض بينها وبين عبارة (التقريب). وثمة وجه آخر وهو أنه في هذه الجملة لم يصفه بما هو جرح عنده – كما سبق عن (شرح النخبة) – وهو قوله في (التقريب): (يخطئ كثيراً) فهذا كله يدلنا على أن الحافظ رحمه الله تعالى لم يكن قد ساعده حفظه حين تخريجه لهذا الحديث، فوقع في هذا القصور الذي يشهد به كلامه المسطور في كتبه الأخرى، وهي أولى بالاعتماد عليها من كتابه (التخريج)، لأنه في تلك ينقل عن الأصول مباشرة، ويلخص منها بخلاف صنيعه في (التخريج).
ولما ذكرنا من حال العوفي ضعف الحديث غير واحد من الحفاظ كالمنذري في (الترغيب) والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية في (القاعدة الجليلة) وكذا البوصيري، فقال في (مصباح الزجاجة) (٢/ ٥٢): (هذا إسناد مسلسل بالضعفاء: عطية وفضيل بن مرزوق والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء). وقال صديق خان في (نزل الأبرار) (ص٧١) بعد أن أشار لهذا الحديث وحديث بلال الآتي بعده: (وإسنادهم ضعيف، صرح بذلك النووي في (الأذكار).
الحديث الثاني:
стр. 1161
وحديث بلال الذي أشار إليه صديق خان هو ما روي عنه أنه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً .. )) (١) الحديث أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة – رقم٨٢) من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عنه.
... وهذا سند ضعيف جداً، وآفته الوازع هذا، فإنه لم يكن عنده وازع يمنعه من الكذب، كما بينته في (السلسلة الضعيفة) ولذلك لما قال النووي في (الأذكار): (حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث) قال الحافظ بعد تخريجه: (هذا حديث واه جداً، أخرجه الدارقطني في (الأفراد) من هذا الوجه وقال: تفرد به الوازع، وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث. والقول فيه أشد من ذلك، فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم وجماعة، متروك الحديث، وقال الحاكم: يروي أحاديث موضوعة).
... فلا يجوز الاستشهاد به كما فعل الشيخ الكوثري، والشيخ الغماري في (مصباح الزجاجة) وغيرهما من المبتدعة.
ومع كون هذين الحديثين ضعيفين فهما لا يدلان على التوسل بالمخلوقين أبداً، وإنما يعودان إلى أحد أنواع التوسل المشروع الذي تقدم الكلام عنه، وهو التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته ، لأن فيهما التوسل بحق السائلين على الله وبحق ممشى المصلين. فما هو حق السائلين على الله تعالى؟، لا شك أنه إجابة دعائهم، وإجابة الله دعاء عباده صفة من صفاته ، وكذلك حق ممشى المسلم إلى المسجد هو أن يغفر الله له، ويدخله الجنة ومغفرة الله تعالى ورحمته، وإدخاله بعض خلقه ممن يطيعه الجنة. كل ذلك صفات له ﵎.
وبهذا تعلم أن هذا الحديث الذي يحتج به المبتدعون ينقلب عليهم، ويصبح بعد فهمه فهماً جيداً حجة لنا عليهم، والحمد لله على توفيقه.
الحديث الثالث:
عن أبي أمامة قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أصبح، وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد .. أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك ... )) (٢).
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ١١٧): (رواه الطبراني، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه).
... بل هو ضعيف جداً، اتهمه ابن حبان فقال: (شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة، يروي عنه ما ليس منه حديثه). وقال أيضاً: (لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها).
وقال ابن عدي في (الكامل) (٢٥/ ١٣): (أحاديثه كلها غير محفوظة).
... فالحديث شديد الضعف، فلا يجوز الاستشهاد به أيضاً، كما فعل صاحب (المصباح) (ص٥٦).
الحديث الرابع:
стр. 1162
عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي ﵄ دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون ...
فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ ، فاضطجع فيه فقال: ((الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق نبيك، والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين ... )) (١).
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٩/ ٢٥٧): (رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح، وثقة ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح).
... ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء) (٣/ ١٢١) وإسناده عندهما ضعيف، لأن روح بن صلاح الذي في إسناده قد تفرد به، كما قال أبو نعيم نفسه، وروح ضعفه ابن عدي، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني (ضعيف في الحديث) وقال ابن ماكولا: (ضعفوه) وقال ابن عدي بعد أن أخرج له حديثين: (له أحاديث كثيرة، في بعضها نكرة) فقد اتفقوا على تضعيفه فكان حديثه منكراً لتفرده به.
وقد ذهب بعضهم إلى تقوية هذا الحديث لتوثيق ابن حبان والحاكم لروح هذا، ولكن ذلك لا ينفعهم، لما عرفا به من التساهل في التوثيق، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى لو كان الجرح مبهماً، فكيف مع بيانه كما هي الحال هنا، وقد فصلت الكلام على ضعف هذا الحديث في (السلسلة الضعيفة) فلا نعيد الكلام عليه في هذه العجالة ...
الحديث الخامس:
عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: ((كان رسول الله ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين)) (٢).
فيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي ﷺ كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا – بزعمهم – هو التوسل المختلف فيه نفسه.
والجواب من وجهين:
الأول: ضعف الحديث، فقد أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١/ ٨١/٢): حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه حدثنا أبي حدثنا عيسى بن يونس حدثني أبي عن أبيه عن أمية به.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بن عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد به. ثم رواه من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة عن أمية بن خالد مرفوعاً بلفظ:
(( ... يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين)).
... مداره على أمية هذا، ولم تثبت صحبته، فالحديث مرسل ضعيف، وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب) (١/ ٣٨): (لا تصح عندي صحبته، والحديث مرسل) وقال الحافظ في (الإصابة) (١/ ١٣٣): (ليست له صحبة ولا رواية).
... وفيه علة أخرى، وهي اختلاط أبي إسحاق وعنعنته، فإنه كان مدلساً، إلا أن سفيان سمع منه قبل الاختلاط، فبقيت العلة الأخرى وهي العنعنة.
فثبت بذلك ضعف الحديث وأنه لا تقوم به حجة. وهذا هو الجواب الأول.
стр. 1163
الثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دل عليه حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في (فيض القدير): ((كان يستفتح)) أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال:١٩] ذكره الزمخشري.
((ويستنصر)) أي يطلب النصرة ((بصعاليك المسلمين)) أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم.
... وقد جاء هذا التفسير من حديثه، أخرجه النسائي (٢/ ١٥) بلفظ: ((إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم)) (١) وسنده صحيح، وأصله في (صحيح البخاري)، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين،
لا بذواتهم وجاههم.
ومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: ((كان يستفتح ويستنصر ... )) فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم، وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث – إن صح – دليلاً على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع، والحمد لله.
الحديث السادس:
عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: ((لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم ! وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك)) (٢).
أخرجه الحاكم في (المستدرك) (٢/ ٦١٥) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: صحيح الإسناد ...
فتعقبه الذهبي فقال: (قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري من ذا) قلت: ومن تناقض الحاكم في (المستدرك) نفسه أنه أورد فيه (٣/ ٣٣٢) حديثاً آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: (والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد!).
... والفهري هذا أورده الذهبي في (الميزان) وساق له هذا الحديث وقال: (خبر باطل)، وكذا قال الحافظ ابن حجر في (اللسان) (٣/ ٣٦٠) وزاد عليه قوله في الفهري هذا: (لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته) قلت: والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رُشيد، قال الحافظ: ذكره ابن حبان، متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه، وهو الذي روى عن ابن هدية نسخة كأنها معمولة).
... والحديث رواه الطبراني في (المعجم الصغير) (ص٢٠٧): ثنا محمد بن داود بن أسلم الصدفي المصري: ثنا أحمد بن سعيد المدني الفهري: ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به. وهذا سند مظلم فإن كل من دون عبد الرحمن لا يعرفون، وقد أشار إلى ذلك الحافظ الهيثمي حيث قال في (مجمع الزوائد) (٨/ ٢٥٣): (رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم).
...
стр. 1164
وهذا إعلال قاصر، يوهم من لا علم عنده أن ليس فيهم من هو معروف بالطعن فيه، وليس كذلك فإن مداره على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال البيهقي: (إنه تفرد به) وهو متهم بالوضع، رماه بذلك الحاكم نفسه، ولذلك أنكر العلماء عليه تصحيحه لحديثه، ونسبوه إلى الخطأ والتناقض، فقال (وارث علم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين شيخ الإسلام ابن تيمية) (١) ﵀ في (القاعدة الجليلة) (ص٨٩): (ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب (المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم): (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه) , قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً (٢)، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني، وغيرهم. وقال ابن حبان: (كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك).
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم).
... وقد أورد الحاكم نفسه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه (الضعفاء) كما سماه
العلامة ابن عبد الهادي، وقال في آخره: (فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا أستحله تقليداً، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله ﷺ : ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن)) (٣).
... فمن تأمل في كلام الحاكم هذا والذي قبله يتبين له بوضوح أن حديث عبد الرحمن بن زيد هذا موضوع عند الحاكم نفسه، وأن من يرويه بعد العلم بحاله فهو أحد الكاذبَيْن.
وقد اتفق عند التحقيق كلام الحفاظ ابن تيمية والذهبي والعسقلاني على بطلان هذا الحديث، وتبعهم على ذلك غير واحد من المحققين كالحافظ ابن عبد الهادي كما سيأتي، فلا يجوز لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصحح الحديث بعد اتفاق هؤلاء على وضعه تقليداً للحاكم في أحد قوليه، مع اختياره في قوله الآخر لطالب العلم أن لا يكتب حديث عبد الرحمن هذا، وأنه إن فعل كان أحد الكاذبين كما سبق.
... أن للحديث علتين:
الأولى: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأنه ضعيف جداً.
الثانية: جهالة الإسناد إلى عبد الرحمن.
стр. 1165
وللحديث عندي علة أخرى. وهي اضطراب عبد الرحمن أو من دونه في إسناده، فتارة كان يرفعه كما مضى، وتارة كان يرويه موقوفاً على عمر، لا يرفعه إلى النبي ﷺ ، كما رواه أبو بكر الآجري في كتاب (الشريعة) (ص٤٢٧) من طريق عبد الله ابن إسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد به، وعبد الله هذا لم أعرفه أيضاً، فلا يصح عن عمر مرفوعاً ولا موقوفاً، ثم رواه الآجري من طريق آخر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: ((اللهم أسألك بحق محمد عليك .. )) الحديث نحوه مختصراً، (١) وهذا مع إرساله ووقفه، فإن إسناده إلى ابن أبي الزناد ضعيف جداً، وفيه عثمان بن خالد والد أبي مروان العثماني، قال النسائي: (ليس بثقة).
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون أصل هذا الحديث من الإسرائيليات التي تسربت إلى المسلمين من بعض مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم. أو عن كتبهم التي لا يوثق بها، لما طرأ عليها من التحريف والتبديل كما بينه شيخ الإسلام في كتبه، ثم رفعه بعض هؤلاء الضعفاء إلى النبي ﷺ خطأ أو عمداً.
مخالفة هذا الحديث للقرآن:
ومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به ﷺ ، والله يقول:
فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧] وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ مما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحاكم (٣/ ٥٤٥) عنه: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: ٣٧])) (٢) وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
... وقول ابن عباس هذا في حكم المرفوع من وجهين:
الأول: أنه أمر غيبي لا يقال من مجرد الرأي.
الثاني: أنه ورد في تفسير الآية، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع ...
ولا سيما إذا كان من قول إمام المفسرين عبد الله بن عباس ﵄ الذي دعا له رسول الله ﷺ بقوله ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)) (٣).
وقد قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها ما في الآية الأخرى قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣].وبهذا جزم السيد رشيد رضا في (تفسيره).
стр. 1166
(١/ ٢٧٩). لكن أشار ابن كثير (١/ ٨١) إلى تضعيفه، ولا منافاة عندي بين القولين، بل أحدهم يتمم الآخر، فحديث ابن عباس لم يتعرض لبيان ما قاله آدم ﵇ بعد أن تلقى من ربه تلك الكلمات وهذا القول يبين ذلك، فلا منافاة والحمد لله، وثبت مخالفة الحديث للقرآن، فكان باطلاً.
الموضع الثاني: قوله في آخره: ((ولولا محمد ما خلقتك)) فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقاً، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحاً لورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآناً وسنة، كما قرره ابن حزم في (الإحكام) وأيضاً فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] , فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم ﷺ كمخالفة هذا الحديث الباطل. ومثله ما اشتهر على ألسنة الناس: ((لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك)) (١) فإنه موضوع كما قاله الصنعاني ووافقه الشوكاني في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) (٢). ومن الطرائف أن المتنبي ميرزا غلام أحمد القادياني سرق هذا الحديث الموضوع فادعى أن الله خاطبه بقوله: ((لولاك لما خلقت الأفلاك))!! وهذا شيء يعترف به أتباعه القاديانيون ... لوروده في كتاب متنبئهم (حقيقة الوحي) (ص٩٩).
ثم على افتراض أن هذا الحديث ضعيف فقط كما يزعم بعض المخالفين خلافاً لمن سبق ذكرهم من العلماء والحفاظ، فلا يجوز الاستدلال به على مشروعية التوسل المختلف فيه، لأن – على قولهم – عبادة مشروعة، وأقل أحوال العبادة أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي من الأحكام الخمسة التي لا تثبت إلا بنص صحيح تقوم به الحجة، فإذا الحديث عنده ضعيف، فلا حجة فيه البتة، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله تعالى.
الحديث السابع ((توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم)):
وبعضهم يرويه بلفظ: ((إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم)) (٣).
هذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث البتة، وإنما يرويه بعض الجهال بالسنة كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (القاعدة الجليلة) (ص١٣٢، ١٥٠) قال: (مع أن جاهه ﷺ عند الله أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن جاه المخلوق عند الخالق ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له
كما قال سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سورة سبأ: ٢٢ - ٢٣].
стр. 1167
فلا يلزم إذاً من كون جاهه ﷺ عند ربه عظيماً، أن نتوسل به إلى الله تعالى لعدم ثبوت الأمر به عنه ﷺ ، ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم فيما اصطلح عليه الناس، فقد كانوا وما يزال بعضهم يقومون ويركعون ويسجدون لمليكهم ورئيسهم والمعظم لديهم، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن محمداً ﷺ هو أعظم الناس لديهم، وأرفعهم عندهم. ترى فهل يجوز لهم أن يقوموا ويركعوا ويسجدوا له في حياته وبعد مماته؟
الجواب: إنه لا بد لمن يجوز ذلك، من أن يثبت وروده في الشرع، وقد نظرنا فوجدنا أن السجود والركوع لا يجوزان إلا له ، وقد نهى النبي ﷺ أن يسجد أو يركع أحد لأحد، كما أننا رأينا في السنة كراهية النبي ﷺ للقيام، فدل ذلك على عدم مشروعيته.
ترى فهل يستطيع أحد أن يقول عنا حين نمنع السجود لرسول الله ﷺ : إننا ننكر جاهه ﷺ وقدره؟ كلا ثم كلا.
فظهر من هذا بجلاء إن شاء الله تعالى أنه لا تلازم بين ثبوت جاه النبي ﷺ وبين تعظيمه بالتوسل بجاهه ما دام أنه لم يرد في الشرع.
هذا، وإن من جاهه ﷺ أنه يجب علينا اتباعه وإطاعته كما يجب إطاعة ربه، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به)) (١) فإذا لم يأمرنا بهذا التوسل ولو أمرَ استحباب فليس عبادة، فيجب علينا اتباعه في ذلك وأن ندع العواطف جانباً، ولا نفسح لها المجال حتى ندخل في دين الله ما ليس منه بدعوى حبه ﷺ ، فالحب الصادق إنما هو بالاتِّباع، وليس بالابتداع كما قال : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١] , ومنه قول الشاعر:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
أثران ضعيفان:
١ – أثر الاستسقاء بالرسول ﷺ بعد وفاته:
وبعد أن فرغنا من إيراد الأحاديث الضعيفة في التوسل، وتحقيق القول فيها يحسن بنا أن نورد أثراً، كثيراً ما يورده المجيزون لهذا التوسل المبتدع، لنبين حاله من صحة أو ضعف، وهل له علاقة بما نحن فيه أم لا؟
فأقول: قال الحافظ في (الفتح) (٢/ ٣٩٧) ما نصه: (وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار – وكان خازن عمر – قال: ((أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجلُ في المنام، فقيل له: ائت عمر .. )) الحديث. (٢) وقد روى سيف في (الفتح) أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة).
... والجواب من وجوه:
стр. 1168
الأول: عدم التسليم بصحة هذه القصة، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (٤/ ٢١٣) ولم يذكر راوياً عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه – مع سعة حفظه واطلاعه – لم يحك فيه توثيقاً فبقي على الجهالة، ولا ينافي هذا قول الحافظ: ( ... بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان ... ) لأننا نقول: إنه ليس نصاً في تصحيح جميع السند بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسنادَ من عند أبي صالح، ولقال رأساً: (عن مالك الدار ... وإسناده صحيح) ولكنه تعمد ذلك، ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئاً ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها: أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة، فلا يستجيزون لأنفسهم حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لاسيما عند الاستدلال به، بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ ﵀ هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبي صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبي حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك هذا أو يشير إلى جهالته. والله أعلم.
وهذا علم دقيق لا يعرفه إلا من مارس هذه الصناعة، ويؤيد ما ذهبت إليه أن الحافظ المنذري أورد في (الترغيب) (٢/ ٤١ - ٤٢) قصة أخرى من رواية مالك الدار عن عمر ثم قال: (رواه الطبراني في (الكبير)، ورواته إلى مالك الدار ثقات مشهورون، ومالك الدار لا أعرفه). وكذا قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٣/ ١٢٥).
وقد غفل عن هذا التحقيق صاحب كتاب (التوصل) (ص٢٤١) فاغتر بظاهر كلام الحافظ، وصرح بأن الحديث صحيح، وتخلص منه بقوله: (فليس فيه سوى: جاء رجل .. ) واعتمد على أن الرواية التي فيها تسمية الرجل ببلال بن الحارث فيها سيف، وقد عرفت حاله.
وهذا لا فائدة كبرى فيه، بل الأثر ضعيف من أصله لجهالة مالك الدار كما بيناه.
الثاني: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا [نوح: ١٠ - ١١] وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقاً أنه التجأ إلى قبر النبي ﷺ ، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعاً لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.
الثالث: هب أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها، لأن مدارها على رجل لم يسم، فهو مجهول أيضاً، وتسميته بلالاً في رواية سيف لا يساوي شيئاً، لأن سيفاً هذا – وهو ابن عمر التميمي – متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: (يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث). فمن كان هذا شأنه لا تقبل روايته ولا كرامة،
لا سيما عند المخالفة ...
الفرق بين التوسل بذات النبي ﷺ وبين طلب الدعاء منه:
стр. 1169
الوجه الرابع: أن هذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي ﷺ ، بل فيه طلب الدعاء منه بأن يسقي الله تعالى أمته، وهذه مسألة أخرى لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف الصالح ﵃، أعني الطلب منه ﷺ بعد وفاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (القاعدة الجليلة) (ص١٩ - ٢٠): (لم يكن النبي ﷺ بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: (يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله يا ولي الله (الأصل: رسول الله) ادع الله لي، سل الله لي، سل الله أن يغفر لي ... ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلاناً الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك.
ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضراً أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي ﷺ لم يشرع هذا لأمته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئاً من ذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحابه ﷺ والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي ﷺ عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين، وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكوا إليك جدب الزمان أو قوة العدو، أن كثرة الذنوب ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وضلالة باتفاق المسلمين (١).
стр. 1170
ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال ((هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)) ثم قرأ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١) [الأنعام: ١٥٣].
قلت: إنما وقع بعض المتأخرين في هذا الخطأ المبين بسبب قياسهم حياة الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا، وهذا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع، وحسبنا الآن مثالاً على ذلك أن أحداً من المسلمين لا يجيز الصلاة وراء قبورهم، ولا يستطيع أحد مكالمتهم، ولا التحدث إليهم، وغير ذلك من الفوارق التي لا تخفى على عاقل.
الاستغاثة بغير الله تعالى:
ونتج من هذا القياس الفاسد والرأي الكاسد تلك الضلالة الكبرى، والمصيبة العظمى التي وقع فيها كثير من عامة المسلمين وبعض خاصتهم، ألا وهي الاستغاثة بالأنبياء الصالحين من دون الله تعالى في الشدائد والمصائب حتى إنك لتسمع جماعات متعددة عند بعض القبور يستغيثون بأصحابها في أمور مختلفة، كأن هؤلاء الأموات يسمعون ما يقال لهم، ويطلب منهم من الحاجات المختلفة بلغات متباينة، فهم عند المستغيثين بهم يعلمون مختلف لغات الدنيا، ويميزون كل لغة عن الأخرى، ولو كان الكلام بها في آن واحد! وهذا هو الشرك في صفات الله تعالى الذي جهله كثير من الناس، فوقعوا بسببه في هذه الضلالة الكبرى.
ويبطل هذا ويرد عليه آيات كثيرة. منها قوله تعالى: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً [الإسراء: ٥٦]. والآيات في هذا
الصدد كثيرة، بل قد ألف في بيان ذلك كتب ورسائل عديدة (٢). فمن كان في شك من ذلك فليرجع إليها يظهر له الحق إن شاء الله، ولكني وقفت على نقول لبعض علماء الحنفية رأيت من المفيد إيرادها هنا حتى لا يظن ظان أن ما قلناه لم يذهب إليه أحد من أصحاب المذاهب المعروفة.
стр. 1171
قال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في (التعليق المغني على سنن الدارقطني) (ص٥٢٠ - ٥٢١): (ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئاً لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد، هؤلاء عبدة غير الله ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ ﵀ لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه؟! أليس الله بكاف عبده؟!! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحداً من خلقك كعظمتك، قال في (البزازية) وغيرها من كتب الفتاوى: (من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر) (١) وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: "ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في (البحر الرائق)، وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في (التوشيح): (منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥]، وفي (البحر) (٢): لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي ﷺ يعلم الغيب (٣)، وهكذا في (فتاوى قاضي خان) و (العيني) و (الدر المختار) و (العالمكيرية) وغيرها من كتب العلماء الحنفية، وأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، - ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية).
٢ – أثر فتح الكوى فوق قبر الرسول ﷺ إلى السماء:
روى الدارمي في (سننه) (١/ ٤٣): حدثنا أبو النعمان ثنا سعيد ابن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحَط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة، فقالت: (انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق) (٤).
... وهذا سند ضعيف لا تقوم به حجة لأمور ثلاثة:
أولها: أن سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن زيد فيه ضعف. قال فيه الحافظ في (التقريب): صدوق له أوهام. وقال الذهبي في (الميزان): (قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: ليس بحجة، يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه).
وثانيهما: أنه موقوف على عائشة وليس بمرفوع إلى النبي ﷺ ، ولو صح لم تكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون من قبيل الآراء الاجتهادية لبعض الصحابة، مما يخطئون فيه ويصيبون، ولسنا ملزمين بالعمل بها.
стр. 1172
وثالثها: أن أبا النعمان هذا هو محمد بن الفضل، يعرف بعارم، وهو وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره. وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي حيث أورده في "المختلطين" من كتابه (المقدمة) وقال (ص٣٩١): (والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده).
... وهذا الأثر لا يدرى هل سمعه الدارمي منه قبل الاختلاط أو بعده، فهو إذن غير مقبول، فلا يحتج به، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرد على البكري) (ص٦٨ - ٧٤): (وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء، لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقياً كما كان على عهد النبي ﷺ ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في (الصحيحين) عن عائشة ((أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء من حجرتها)) (١)، ولم تزل الحجرة النبوية كذلك في مسجد الرسول ﷺ .. ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه يُبنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بين لو صح ذلك لكان حجة ودليلاً على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه، فأين هذا من هذا، والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه هي الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما تُحِبُ ذاته، وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح، فهذا باطل عقلاً وشرعاً، أما عقلاً فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوباً له ما يوجب كون حاجتي تقضى بالتوسل بذاته إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضى به حاجتي، فإن كان منه دعاء لي أو كان مني إيمان به وطاعة له فلا ريب أن هذه وسيلة، وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة لي منها إذا لم يحصل لي السبب الذي أمرت به فيها.
وأما الشرع فيقال: العبادات كلها مبناها على الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلى قبره ويقول هو أحق بالصلاة
إليه من الكعبة، وقد ثبت عنه ﷺ في (الصحيح) أنه قال ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) (٢) مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة، ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة! وطائفة أخرى يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام (والنبوي) والأقصى. وكثير من الناس يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل منه في المساجد، وهذا كله مما قد علم جميع أهل العلم بديانة الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام. ومن لم يعتصم في هذا الباب وغيره بالكتاب والسنة فقد ضَل وأضل، ووقع في مهواة من التلف. فعلى العبد أن يسلم للشريعة المحمدية الكاملة البيضاء الواضحة، ويسلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا رأى من العبادات والتقشفات وغيرها التي يظنها حسنة ونافعة ما ليس بمشروع علم أن ضررها راجح على نفعها، ومفسدتها راجحة على مصلحتها، إذ الشارع الحكيم لا يهمل المصالح) ثم قال: (والدعاء من أجل العبادات، فينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عبادته الصور المشروعة، فإن هذا هو الصراط المستقيم. والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين). التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني - بتصرف- ص ٧٥
وإذا كان القرب من النبي ﷺ لا يغني عن القريب شيئاً، دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي ﷺ ، لأن جاه النبي ﷺ لا ينتفع به إلا النبي ﷺ ، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي ﷺ . القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين – ص ١٢٢
стр. 1173
المطلب الأول: معنى التبرك
البركة: هي كثرة الخير وثبوته، وهي مأخوذة من البركة بالكسر، والبركة: مجمع الماء، ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين:
الكثرة. الثبوت.
والتبرك طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص: ٢٩] , فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله بذلك أمماً كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
أن يكون بأمر حسي معلوم، مثل: التعليم، والدعاء، ونحوه، فهذا الرجل يتبرك بعمله ودعوته إلى الخير، فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيراً كثيراً.
وقال أسيد بن حضير: (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) (١)، فإن الله يجري على بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر. القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٢٤٥
стр. 1174
تمهيد
والتبرك ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين:
أ- تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلباً للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه، ومنه التبرك بالمسجد الحرام بالصلاة فيه ليحصل على فضيلة مضاعفة الصلاة فيه، فهذا من بركة المسجد الحرام.
ب- تبرك ممنوع: وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين: تبرك شركي، وتبرك بدعي تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين- بتصرف - ص: ٢٨٨
стр. 1175
١ - التبرك بذكر الله
بما أن حقيقة البركة ثبوت الخير ودوامه، وكثرة الخير وزيادته، وأن الخير كله الديني والدنيوي في يدي الله . ..... فلا تطلب البركة إلا منه ﵎، أو مما أودع هو فيه البركة، وعلى الوجه المشروع، فإن من وسائل طلب البركة منه التبرك بذكره .
وذكر الله يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل (١)، لأن ذكر القلب يثمر المعرفة، ويثير المحبة والحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة (٢). التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٢٠٣
بركات الذكر وفضائله:
لذكر الله تعالى فضائل عظيمة وبركات كثيرة، دينية ودنيوية.
(أ) فمن البركات الدنيوية ما يأتي:
١ - اطمئنان القلب وزوال الخوف عنه، كما قال تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ [الرعد: ٢٨].
٢ - الذكر يعطي الذاكرة قوة، حتى أنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.
وقد علم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعلياً رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك وقال: ((فهو خير لكما من خادم)) (٣).
فقيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم (٤).
وذكر ابن القيم ﵀ أن كلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله) لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق. وأورد شواهد على ذلك (٥).
٣ - من منافع الاستغفار الدنيوية ما جاء في قول الله تعالى في سورة نوح اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١٠ - ١٢]. وقول الرسول ﷺ فيما رواه عبد الله بن عباس ﵄: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)) (٦).
٤ - من بركات الذكر الدنيوية الرقية باسم الله تعالى، وبالأذكار الشرعية للاستشفاء والعلاج ...
(ب) ومن البركات الدينية ما يأتي:
١ - مغفرة الذنوب ومضاعفة الأجر.
والأحاديث في هذا كثيرة جداً، أنقل منها ما يأتي:
في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك)) (٧).
стр. 1176
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) (١).
وفي صحيح البخاري عن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت، إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة، أو كان من أهل الجنة، وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله)) (٢).
٢ - ومن المنافع الدينية أيضاً أن مجالس الذكر من أسباب نزول السكينة وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة. فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) (٣).
(ج) ومن البركات الدينية والدنيوية معاً لذكر الله أنه حصن منيع من الشياطين وشرورهم.
والأحاديث الدالة على هذا كثيرة، ومنها ما يأتي:
جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء)) (٤).
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً)) (٥).
وفي بعض السنن عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله)) (٦).
ثم إن الدعاء له ثمرات ونتائج طيبة في الدنيا والآخرة.
ومما يدل على فضل الذكر أيضاً: أن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكر الله ، فهو سر الطاعات وروحها (٧).
إلى غير ذلك من الفضائل العظيمة والبركات العديدة لذكر الله (٨). ولذا ((كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه)) (٩) كما روت ذلك عائشة ﵂.
فحري بنا المداومة على ذكر الله تعالى بأنواعه، وفي مواطنه، والتقيد بالأذكار المشروعة، طاعة لله تعالى، واتباعاً لرسوله ﷺ ، ورجاء نيل الفضائل الجليلة، والبركات الكثيرة، والخيرات الوفيرة لذكر الله تعالى في الدنيا والآخرة. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع - بتصرف– ص: ٢١٠
стр. 1177
٢ - التبرك بتلاوة القرآن الكريم
بركات التلاوة وفضائلها:
قال آمراً بتلاوة كتابه الكريم وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف: ٢٧].
وقال رسوله ﷺ : ((اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)). رواه الإمام مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ (١).
وقال جل وعلا في بيان فضل تلاوة القرآن المجيد: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٢٩، ٣٠].
وأما الأحاديث في ذلك فكثيرة جداً.
منها ما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁، المخرج في صحيح مسلم وفيه قوله ﷺ : ((أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)) (٢).
ومنها ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ المخرج في صحيح مسلم أيضاً وفيه ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)) (٣).
وقد ثبت في الصحيحين دنو الملائكة واستماعهم لقراءة أسيد بن حضير ﵁.
وروى الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (٤).
وأخيراً أذكر المثل الذي ضربه نبينا ﷺ لمن يقرأ القرآن أو يتركه، مؤمناً كان أو منافقاً.
فقد روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر)) (٥).
هذا مجمل فضائل وبركات تلاوة القرآن الكريم الدينية.
ومن البركات والمصالح الدنيوية: الاستشفاء به والانتفاع من الرقية ببعض سوره وآياته. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٢١٥
стр. 1178
تمهيد:
(ولا شك أن آثار رسول الله ﷺ – صفوة خلق الله وأفضل النبيين – أثبت جوداً، وأشهر ذكراً، وأظهر بركة، فهي أولى بذلك وأحرى).
ولهذا فإن صحابة الرسول ﷺ ورضي الله عنهم تبركوا بذاته ﵊، وبآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ في حياته، وأقرهم ﷺ على ذلك ولم ينكر عليهم، ثم إنهم ﵃ تبركوا ومن بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته، مما يدل على مشروعية هذا التبرك.
وينبغي أن يعلم أنه لا يصاحب هذا التبرك – من جهة الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح – شيء يعارض أو يناقض توحيد الألوهية أو الربوبية، وأن هذا الفعل ليس من باب الغلو المذموم، وإلا لنبه على ذلك الرسول ﷺ صحابته ﵃، كما نهاهم عن بعض الألفاظ الشركية (١)، وحذرهم من ألفاظ الغلو (٢).
فينظر إذاً إلى هذا على أنه تكريم وتشريف من الخالق لصفوة خلقه في بدنه، وما ينفصل عنه من آثاره الحسية، حيث وضع ﵎ في ذلك كله الخير والبركة.
стр. 1179
نماذج من تبرك الصحابة بالرسول ﷺ في حياته:
..... نماذج مما نقل إلينا نقلاً صحيحاً من الأخبار والآثار عن تبرك جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بنبينا محمد ﷺ أثناء حياته، بذاته الكريمة، أو بآثاره الشريفة ﷺ ، على النحو التالي:
أ- تبرك الصحابة ﵃ بأعضاء جسده ﷺ .
مما يدل على بركة أعضاء جسده الشريف ﷺ ما روته عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها)) (١).
ومما ورد عن تبرك الصحابة رضي الله تعالى عنهم بيده الشريفة ﷺ ما ثبت عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها)) (٢).
وما ثبت عن أبي جحيفة ﵁ أنه قال: ((خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين)) وفيه ((وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم)) قال: ((فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك)) (٣).
وكان الصحابة ﵃ يحرصون على تقبيل يده ﷺ .
كما أنهم أيضاً يحرصون على مس أي موضع من جسده ﷺ وتقبيله كلما أمكن ذلك للتبرك وغيره.
ومن هذا ما روى أبو داود في سننه أن أسيد بن حضير ﵁ بينما هو يحث القوم – وكان فيه مزاح – طعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود، فقال: أصبرني، قال: ((اصطبر)) قال: إن عليك قميصاً وليس علي قميص، فرفع النبي ﷺ عن قميصه فاحتضنه، وأخذ يقبل كشحه، قال: ((إنما أردت هذا يا رسول الله)) (٤).
ب- تبركهم بما انفصل منه ﷺ :
١ - التبرك بشعر النبي ﷺ .
ثبت أن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بشعر النبي ﷺ ، وأنه قد أقرهم على ذلك، بل إنه ﷺ وزعه عليهم.
ففي صحيح مسلم عن أنس ﵁: ((أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس)) (٥).
وفي رواية: ((فبدأ بالشق الأيمن، فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك، ثم قال: هاهنا أبو طلحة فدفعه إلى أبي طلحة)) (٦).
قال النووي رحمه الله تعالى: (من فوائد الحديث التبرك بشعره ﷺ ، وجواز اقتنائه للتبرك) (٧).
وكان الصحابة ﵃ يحرصون على اقتناء شعره الشريف ﵊.
ففي صحيح مسلم أيضاً عن أنس ﵁ قال: ((لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل)) (٨).
стр. 1180
وقد ذكر النووي من أحكام هذا الحديث: تبرك الصحابة بشعر الرسول ﷺ الكريم، وإكرامهم إياه أن يقع منه إلا في يد رجل سبق إليه (١).
ولعل حرص الصحابة ﵃ على ذلك في حجة الوداع لإظهار مدى حبهم للنبي ﷺ وتعظيمهم له على مرأى جموع الحجاج.
٢ - التبرك بريق النبي ﷺ .
في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها هاجرت إلى رسول الله ﷺ وهي حبلى بعبد الله بن الزبير. قالت: ((فأتيت المدينة فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ... ثم حنكه بالتمرة)) الحديث (٢).
وجاء في صحيح البخاري في حديث صلح الحديبية أن عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قال عن أصحاب النبي ﷺ : ((فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده ... )) (٣).
قال ابن حجر ﵀ معلقاً على فعل الصحابة ﵃ ونحوه في هذه الغزوة مع الرسول ﷺ : (ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك،، إشارة منهم إلى الرد على ما خشيه من فرارهم، وكأنهم قالوا بلسان الحال: من يحب إمامه هذه المحبة، ويعظمه هذا التعظيم، كيف يظن به أن يفر عنه ويسلمه لعدوه؟ بل هم أشد اغتباطاً به وبدينه وبنصره من القبائل التي يراعي بعضها بعضاً بمجرد الرحم) (٤).
٣ - التبرك بعرق النبي ﷺ .
جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها، فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ فقال: ((وما تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت)) (٥).
ج- تبركهم بما لبسه أو لمسه أو فضل منه ﷺ :
- التبرك بثياب النبي ﷺ :
جاء في صحيح البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: ((جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة، فيها حاشيتها، فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه، فاكسنيها، فقال: نعم فلما قام النبي ﷺ لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها)) (٦).
وثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ أعطى اللاتي يغسلن ابنته إزاره وقال: ((أشعرنها إياه)) (٧).
قال النووي رحمه الله تعالى: معنى ((أشعرنها إياه)): اجعلنه شعاراً لها، وهو الثوب الذي يلي الجسد، سمي شعراً لأنه يلي شعر الجسد، ثم قال: (والحكمة في إشعارها به تبريكها).
стр. 1181
- التبرك بمواضع أصابع النبي ﷺ .
جاء في صحيح مسلم في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ ((فكان يصنع للنبي ﷺ طعاماً، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه)) (١).
- التبرك بفضل شرب النبي ﷺ .
في الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: ((أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً. قال: فتله رسول الله ﷺ في يده)) (٢).
- التبرك بماء وضوئه ﷺ .
جاء في الصحيحين عن أبي جحيفة ﵁ أنه قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به)) (٣).
وأما المقصود بفضل وضوئه ﷺ فقد قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (كأنهم اقتسموا الماء الذي فضل عنه، ويحتمل أن يكونوا تناولوا ما سال من أعضاء وضوئه ﷺ (٤). وجاء في صحيح البخاري في حديث صلح الحديبية أن عروة ابن مسعود الثقفي ﵁ قال عن أصحاب النبي ﷺ : ((وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه)) (٥).
بل إن الرسول ﷺ أرشد أصحابه ﵃ أحياناً إلى شيء من هذا، وساعدهم عليه.
ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ((دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا فأخذا القدح، ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ ، فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما، فأفضلا لها منه طائفة)) (٦).
وفيهما أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت)) الحديث (٧). التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٢٤٣
стр. 1182
٤ - التبرك بآثاره ﷺ بعد وفاته:
• أ- نماذج من تبرك الصحابة بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:.
• ب- نماذج من تبرك التابعين بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:.
• ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر؟.
стр. 1183
أ- نماذج من تبرك الصحابة بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:
عقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب بعنوان: باب ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه, وسيفه, وقدحه, وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، ومن شعره, ونعله, وآنيته, مما تبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته (١).
ثم ساق البخاري جملة من أحاديث هذا الباب. ... منها.
عن عيسى بن طهمان قال: (أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين، لهما قبالان، فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس: أنهما نعلا النبي ﷺ (٢).
وعن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة ﵂ كساء ملبداً، وقالت: (في هذا نزع روح النبي ﷺ (٣). وفي رواية أخرى (أخرجت إلينا عائشة إزاراً غليظاً مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التي يدعونها الملبدة). (٤).
وأخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أيضاً في موضع آخر عن عاصم الأحول قال: (رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا) (٥).
وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أخرجت جبة طيالسة، وقالت: (هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) (٦).
стр. 1184
ب- نماذج من تبرك التابعين بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:
لم يقتصر التبرك بآثار المصطفى ﷺ بعد وفاته على الصحابة الكرام ﵃، بل نقل عن بعض التابعين أيضاً رحمهم الله تعالى ما يدل على وقوع هذا التبرك المشروع.
وسأورد الآن نماذج مما صح نقله في هذا الباب عن جمع من التابعين رحمهم الله تعالى.
فمن ذلك حرصهم على اقتناء شعر الرسول ﷺ ، المحفوظ عند بعض الصحابة ﵃ للتبرك به.
ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى عن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه قال: قلت لعبيدة: (عندنا من شعر النبي ﷺ ، أصبناه من قبل أنس، أو من قبل أهل أنس) فقال: (لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها) (١).
وكانوا يتبركون بالشعرات الكريمة عند إصابتهم بالعين ونحوها.
ففي صحيح البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب ﵁ قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة – زوج النبي ﷺ – بقدح من ماء ... فيه شعر من شعر النبي ﷺ ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبة ... ) (٢).
قال ابن حجر ﵀: (والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناء إلى أم سلمة، فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه، وتعيده، فيشربه صاحب الإناء، أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها) (٣).
كما كان التابعون رحمهم الله تعالى يتبركون بالشرب في قدح النبي ﷺ .
فقد عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه – كتاب الأشربة – باباً بعنوان (باب الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته) ثم ذكر هذا القول تعليقاً: وقال أبو بردة: قال لي عبد الله بن سلام: (ألا أسقيك في قدح شرب النبي ﷺ فيه؟) (٤).
ثم روى البخاري في هذا الباب حديثين فقط.
وسأذكر أحدهما، وهو المروي عن أبي حازم ﵀ عن سهل بن سعد ﵁، وفيه أن سهل بن سعد سقى الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ بقدح، قال أبو حازم: (فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه) وقال: (ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له) (٥).
وفي موضع آخر من صحيح البخاري، روى عن عاصم الأحول ﵀ أنه قال في شأن قدح النبي ﷺ – الموجود عند أنس بن مالك ﵁: (رأيت القدح وشربت فيه) (٦).
стр. 1185
ج- هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أنبه على أن حكم التبرك بآثار الرسول ﷺ باق على مشروعيته، لا يقتصر على الصحابة ﵃ أو التابعين فقط رحمهم الله تعالى، فإن بركة آثار الرسول ﷺ باقية فيها، وليس هناك ما يرفعها.
وإجابة عن السؤال الآنف الذكر لابد من بيان الأمور الآتية:
أولاً: جاء في صحيح البخاري ﵀ عن عمرو بن الحارث ﵁ أنه قال: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهماً ولا ديناراً، ولا عبداً ولا أمة، ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة) (١).
ولا شك أن هذا يدل على قلة ما خلفه الرسول ﷺ بعد موته من أدواته الخاصة.
ثانياً: وردت أخبار عديدة بعد عصر الصحابة ﵃، والتابعين ﵏، إلى يومنا هذا تدل على حصول هذا التبرك بآثار المصطفى ﷺ ، من قبل بعض الخلفاء والعلماء والصالحين، وإن كان بعض هذه الأخبار ليس صحيحاً، وهذا إما بسبب ضعف في روايته، أو لعدم صحة نسبة الأثر ذاته إلى الرسول ﷺ ، وهذا هو الأكثر.
قال صاحب كتاب (الآثار النبوية) بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ وغيره، بالقسطنطينية – عاصمة الخلافة العثمانية -: (لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة، غير أنا لم نر أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك) (٢) الخ.
ثالثاً: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك.
ومن الأمثلة على هذا ما يأتي:-
١ - جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أريس، نقشه – محمد رسول الله -) (٣).
٢ - فقدان البردة والقضيب في آخر الدولة العباسية حين أحرقهما التتار عند غزوهم لبغداد سنة ٦٥٦هـ (٤).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفاً عن سلف، وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار) (٥).
٣ - ذهاب نعلين ينسبان إلى النبي ﷺ في فتنة تيمورلنك بدمشق سنة ٨٠٣هـ (٦).
ومن الأسباب أيضاً لفقدان الآثار النبوية وصية بعض من عنده شيء منها أن يكفن فيه إن كان لباساً، كما تقدم قريباً من حديث سهل بن سعد ﵁، أو يوصي بأن يدفن معه بعد موته، إن كان ذلك الأثر شعرات مثلاً (٧).
стр. 1186
رابعاً: يلحظ كثرة ادعاء وجود وامتلاك شعرات منسوبة إلى الرسول ﷺ في كثير من البلدان الإسلامية (١) في العصور المتأخرة، حتى قيل إن في القسطنطينية وحدها ثلاثاً وأربعين شعرة سنة ١٣٢٧هـ، ثم أهدي منها خمس وعشرون وبقي ثماني عشرة (٢).
ولذا قال مؤلف كتاب (الآثار النبوية) بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول ﷺ من قبل أصحابه ﵃: (فما صح من العشرات التي تداولها الناس بعد ذلك فإنما وصل إليهم مما قسم بين الأصحاب ﵃، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها) (٣).
وهناك عناية بحفظ تلك الشعراء المنسوبة إلى الرسول ﷺ من قبل من يدعي ذلك، حيث إنها تحفظ في صناديق أو قوارير وتلف بقطع من الحرير ونحوه.
على أنه في بعض الأماكن يحتفل بإخراجها – على طريقة خاصة – مرة واحدة أو أكثر كل عام، في بعض المواسم، كليلة ٢٧ من رمضان، أو ليلة النصف من شعبان مثلاً (٤).
ومن خلال ما تقدم فإن ما يدعى الآن عند بعض الأشخاص، أو في بعض المواضع من وجود بعض الآثار النبوية، كالشعرات أو النعال وغيرها – موضع شك، فيحتاج في إثبات صحة نسبته إلى الرسول ﷺ إلى برهان قاطع، يزيل الشك الوارد، ولكن أين ذلك؟
يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: (ونحن نعلم أن آثاره ﷺ ، من ثياب، أو شعر، أو فضلات، قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين) (٥) لاسيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان على وجود تلك الآثار النبوية، ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها إلى الرسول ﷺ للحصول على بعض الأغراض، كما وضعت الأحاديث ونسبت إلى الرسول ﷺ كذباً وزوراً.
وعلى أي حال فإن التبرك الأسمى والأعلى بالرسول ﷺ هو اتباع ما أثر عنه من قول أو فعل، والاقتداء به، والسير على منهاجه ظاهراً وباطناً، وإن في هذا الخير كله ...
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي ﷺ في بركته لما آمنوا به وأطاعوه، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله) (٦). التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع - بتصرف– ص: ٢٤٣
стр. 1187
١ - تبرك شركي:
وهو أن يعتقد المتبرك أن المتبرك به – وهو المخلوق – يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالاً، أو أن يطلب منه الخير والنماء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى (١)؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: ((البركة من الله))، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.
стр. 1188
٢ - تبرك بدعي:
وهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقداً أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.
وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ولأنه جعل ما ليس بسبب سبباً، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - ص: ٢٨٩
أنواع التبرك البدعي
النوع الأول: التبرك بالنبي ﷺ بعد وفاته
الذي بقي من التبرك بعد وفاته أمران فقط هما:
١ - الإيمان به وطاعته واتباعه.
ومن المعلوم أن هذا واجب على المكلفين، وأن من أداه سيحصل على الخير العظيم والأجر الجزيل، وعلى سعادة الدارين، وهذا ما يسمى بالبركات المعنوية للرسول ﷺ ، وأنعم بذلك من فضل وخير.
٢ - التبرك بآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ ...
وعلى هذا فما عدا ذلك من صيغ التبرك بالرسول ﷺ بعد وفاته غير مشروع، بل هو ممنوع.
هذا وإن مما تتحتم معرفته هنا أنه مع وجوب اعتقاد عظم شأن الرسول ﷺ وعلو منزلته، وعموم بركته حياً وميتاً، ومع عظم محبة الناس له ﷺ ، إلا أن هذا يجب أن لا يؤدي إلى رفعه فوق منزلته، أو الغلو في محبته، كما يظهر مثلاً في ممارسات التبرك بالرسول ﷺ غير المشروع.
كما ينبغي أن يعلم أيضاً أن منع التبرك بالرسول ﷺ في بعض الأحوال، لا يعني انتقاص حقه أو التقليل من شأنه ﷺ . التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – بتصرف - ص: ٣١٧
أ- مظاهر التبرك الممنوع بقبره ﷺ :
تشرع زيارة قبر الرسول ﷺ بدون شد الرحال إليه، وأن فاعل ذلك يثاب عليه كما يثاب على زيارة القبور، إلا أن هذه الزيارة لابد أن تكون على الوجه المشروع كما سلف إيضاحه.
ولكن بعض الزائرين لقبره ﵊ لم يكتفوا بالزيارة الشرعية، بل أحدثوا بدعا وأموراً، بحجة التماس البركة والخير والأجر، ونحو ذلك.
ولا شك أن ذلك ممنوع من جهة الشرع، كما سيأتي توضيحه بإذن الله. ويمكن بيان أبرز مظاهر ذلك التبرك الممنوع بقبره ﷺ فيما يلي:
١ - طلب الدعاء أو الشفاعة من الرسول ﷺ عند قبره:
إن هذا العمل من أنواع التوسل غير المشروع بالرسول ﷺ ، فإن التوسل مشروع ونافع في حياته ﷺ فقط، وبشفاعته يوم القيامة.
أما طلب ذلك بعد وفاته، عند قبره، أو غير قبره ﷺ ، كأن يقول الشخص: يا رسول الله استغفر الله لي، ادع الله أن يغفر لي، أو يهديني، أو ينصرني، فهذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، وليست واجبة ولا مستحبة باتفاقهم، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين (١).
стр. 1189
أما سؤال الرسول ﷺ بعد وفاته حاجة، أو الاستغاثة به لكشف كربة، ونحو ذلك، فهذا أبعد مراتب البدع، وهو من أنواع الشرك بالله تعالى (١)، لأنه من باب الاستعانة أو الاستغاثة بمخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله ﵎ (٢).
٢ - أداء بعض العبادات عند القبر النبوي:
من أشهر هذه العبادات الدعاء والصلاة عند القبر. وإن من يعمل ذلك يظن أو يعتقد أن الدعاء عند قبره ﷺ مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، وأن الصلاة عند القبر أرجى للقبول (٣)، فيقصد زيارته لذلك (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الفعل ونحوه: (فهذا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين) (٥).
وقال أيضاً ﵀ مبيناً حكم الدعاء عند القبر النبوي: (ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عند القبر يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده) (٦) اهـ.
ويدخل فيما تقدم من بدع الزيارة: الجلوس عند القبر، وحوله، لتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله (٧)، وما قد يتبع ذلك من رفع الصوت، وطول القيام أو الجلوس عند القبر، مما يضايق الآخرين من المصلين أو الزوار، أو يشوش عليهم، وأيضاً تجديد الزائر التوبة عند القبر الشريف، كما ادعى بعضهم استحبابه (٨).
وهكذا فإن قصد أي نوع من أنواع العبادة الأخرى، كالطواف (٩) ونحوه، مما قد يعمل عند القبر تبركاً، فإن ذلك كله من البدع المحدثة في الدين، ولأن الطواف خاص بالكعبة فقط.
وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معللاً عدم مشروعية أداء العبادات عند القبر النبوي: (لو كان للأعمال عند القبر فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة، فلما منعوا من الوصول إلى القبر، وأمروا بالعبادة في المسجد: علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في مسجده ... ولم يأمر قط بأن يقصد بعمل صالح أن يفعل عند قبره ﷺ (١٠).
٣ - التمسح بالقبر أو تقبيله، ونحو ذلك:
стр. 1190
إن التمسح بحائط قبر الرسول ﷺ باليد أو غيرها – على أي وجه كان – أو تقبيله رجاء الخير والبركة، مظهر من مظاهر البدع عند بعض الزوار.
وقد نص على كراهة ذلك الفعل، وعلى النهي عنه جماعة من العلماء (١)، وقال الإمام الغزالي ﵀: إنه عادة النصارى واليهود (٢).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اتفاق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ ، أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين – الصحابة وأهل البيت وغيرهم – أنه لا يتمسح به، ولا يقبله (٣).
أما ما يروى عن بعض العلماء أنه فعل ذلك أو أجازه ففيه نظر (٤).
وقال شيخ الإسلام مبيناً حكم تقبيل الجمادات: (ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٥)(٦) ..
وقال في موضع آخر مبيناً سبب كراهة العلماء للتمسح بقبر النبي ﷺ أو تقبيله، قال ﵀: (لأنهم علموا ما قصده النبي ﷺ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله رب العالمين) (٧).
وقال أيضا: (لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق) (٨).
وللإمام النووي رحمه الله تعالى كلام نفيس حول حكم هذا الفعل بقبر الرسول ﷺ ، أرى أن من المناسب ذكره هنا لأهميته.
قال ﵀ ما نصه: (يكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته ﷺ ، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم، ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله ما معناه: اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطريق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي في ما وافق الشرع، وأقوال العلماء، وكيف يبتغى الفضل في مخالفة الصواب؟) (٩) اهـ.
стр. 1191
وهكذا تبين لنا أن التمسح بالقبر أو تقبيله (١)، ونحو ذلك مما قد يعمل عند القبر الشريف تبركاً، كإلصاق البطن أو الظهر بجدار القبر (٢)، أو التبرك برؤية القبر (٣)، كل ذلك من البدع المذمومة.
إلى غير ذلك من مظاهر التبرك غير المشروع بقبر النبي ﷺ التي يراها من يزور مسجده ﷺ ويسلم عليه. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٣٢٤
ب- التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها ﷺ
لابد من معرفة الفرق بين هذين الأمرين (وهما):
أحدهما: ما قصده الرسول ﷺ من العبادات – كالصلاة ونحوها – في أي بقعة أو مكان، فإنه يشرع قصده وتحري مكانه، اقتداء به ﷺ وطلباً للأجر والثواب، وهذا لا خلاف فيه.
الثاني: ما فعله الرسول ﷺ من العبادات وغيرها، في أي مكان، دون قصده لمكان بذاته، أو أداء العبادة فيه، فهذا مما لا يشرع قصده أو تحريه، وهو محل البحث هنا.
وعلى هذا فإن ما فعله الرسول ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه، فإذا تخصص زمان أو مكان بعبادة، كان تخصيصه بتلك العبادة سنة (٤).
فقصد الصلاة أو الدعاء في الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها سنة، اقتداء برسول الله ﷺ واتباعاً له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات، فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب (٥).
ومن أمثلة هذا قصد الرسول ﷺ الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇، وكما كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة في مسجده ﷺ ، وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول، ونحو ذلك (٦). أما ما لم يكن كذلك فلا يشرع قصده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية موضحاً حكم هذه المسألة: (لم يشرع الله تعالى للمسلمين مكاناً يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكاناً يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج، كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة، بخلاف المساجد، فإنها هي التي تقصد للصلاة، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك ... وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر، إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك، وإن كان مسكناً لنبي أو منزلاً أو ممراً.
فإن الدين أصله متابعة النبي ﷺ وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا وسنه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها، بخلاف ما كان من خصائصه.
فأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلاً سن لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ (٧) اهـ.
стр. 1192
وبناء على ما تقدم فإن المواضع التي صلى فيها الرسول ﷺ بالمدينة – ما عدا مسجده ﷺ ومسجد قباء – أو على طرقها، أو بمكة – ما عدا المسجد الحرام – ونحو ذلك مما لم يقصده بذاته، كبعض المساجد بمكة أو المدينة وما حولهما، المبنية على آثار صلاة الرسول ﷺ ، في حضره أو سفره أو غزواته – إن صح ذلك – لا تشرع الصلاة فيها على سبيل القصد, والقربة, والتبرك، وستأتي أدلة ذلك.
وكذلك فإن المواضع والبقاع والجبال التي جلس أو أقام فيها الرسول ﷺ – ما عدا المشاعر – لا تقصد العبادة فيها التماساً للبركة.
وكذا فإن الآبار التي شرب منها الرسول ﷺ – ما عدا بئر زمزم – أو اغتسل منها، لا تقصد تبركاً واستشفاء ......
أدلة عدم شرعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها ﷺ :
يمكن الاستدلال على عدم شرعية التبرك بهذه المواضع – على الوجه المتقدم – من عدة أوجه:
أحدها: لا يوجد دليل من النصوص الشرعية يفيد جواز ذلك الفعل أو استحبابه.
ولا شك أن الجلوس في تلك المواضع للصلاة أو الدعاء أو الذكر ونحو ذلك قربة وتبركاً من أنواع العبادة، والعبادات مبناها على الاتباع لا على الابتداع.
الثاني: أن الصحابة ﵃ لم ينقل عن أحد منهم أنه تبرك بشيء من المواضع التي جلس فيها رسول الله ﷺ ، أو البقع التي صلى عليها ﵊ اتفاقاً، مع أنهم أحرص الأمة على التبرك بالرسول ﷺ ، ومع علمهم بتلك المواضع، وشدة محبتهم للرسول ﷺ وتعظيمهم له، واتباعهم لسنته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته، وأتبع لها من غيرهم) (١).
فتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين التي حث الرسول ﷺ على التمسك بها، بل هو مما ابتدع.
ولم ينقل قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها الرسول ﷺ إلا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وهو لم يكن يقصد التبرك – كما سيأتي إيضاحه – مع أن قول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة (٢).
وكما أن أداء الصلاة ونحوها من أنواع العبادة غير مشروع عند الآثار النبوية تبركاً، فإن التمسح أو التقبيل لشيء منها ممنوع أيضاً، كما عليه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: (المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائماً، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها) (٣).
الوجه الثالث: نهي السلف الصالح عن هذا التبرك قولاً وفعلاً.
لقد أنكر هذا التبرك السلف الصالح ﵏، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وكان على رأس هؤلاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد.
стр. 1193
فعن المعرور بن سويد ﵀ قال: (خرجنا مع عمر بن الخطاب، فعرض لنا في بعض الطريق مسجد، فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا، حتى أحدثوها بِيَعاً، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض) (١).
قال ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذه القصة: (لما كان النبي لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد، الذي هو عمل القلب وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل) (٢) اهـ.
وورد في قصة أخرى أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فأمر بها فقطعت.
هذا قول عمر بن الخطاب ﵁ وفعله، الذي قال عنه النبي ﷺ : ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)) (٣).
وقد قال ابن وضاح القرطبي ﵀ بعد أن روى هاتين القصتين: (وكان مالك بن أنس، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وأحداً) (٤).
ثم قال: (وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضاً ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضاً مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان).
ثم قال أخيراً: (فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعد من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند من مضى) (٥) الخ.
تلك نماذج لنهي السلف الصالح رحمهم بأقوالهم وأفعالهم عن هذا التبرك المبتدع.
الوجه الرابع: أن منع هذا التبرك من باب سد الذريعة، ويمكن إيضاح ذلك من عدة وجوه:
أحدها: أن النهي عن هذا الفعل سد لذريعة الشرك والفتنة (٦)، فهو وسيلة إلى الفتنة بتلك المواضع، وتعظيمها، وربما أفضى ذلك إلى جعلها معابد (٧).
الثاني: أن ذلك الفعل يشبه الصلاة عند المقابر (٨)، إذ هو ذريعة إلى اتخاذ تلك الآثار مساجد.
والنصوص الشرعية تحرم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ... مع أنهم مدفونون فيها، وهم أحياء في قبورهم (٩)، فما بالك بالمواضع الأخرى لهم.
الثالث: أن هذا الفعل ذريعة إلى التشبه بأهل الكتاب في أفعالهم، كما حذر عمر ﵁.
стр. 1194
الوجه الخامس: أن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، والله أعلم، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها النبي، أو جلس عليها، أو طريق مر بها تطلب بركتها، ويتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعًا، فانتفى الملزوم إذاً (١).
قال الشيخ صديق حسن ﵀: (قالوا: المشي في أرض مشى فيها رسول الله ﷺ يكفر السيئات، خصوصاً مع النية الصالحة ... وفيها بشرى له برجاء أن يكون متبعاً آثاره الشريفة، قلت: وذلك يحتاج إلى سند، لأن المكفر إنما هو اتباع هديه وسنته ظاهراً وباطناً دون تتبع آثاره الأرضية فقط، فتدبر) (٢).
وبهذه الأوجه وغيرها يستدل على عدم مشروعية التبرك المذكور. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٣٣٩
وما ورد عن ابن عمر ونزوله في مواضع نزول النبي ﷺ ونحو ذلك مردود بفعل سائر الصحابة
وقد تبين أن أحدا من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر: أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي ﷺ والصلاة في المواضع التي صلى فيها، حتى أن النبي ﷺ توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة. ففعل ابن عمر ذلك وهذا من ابن عمر تحر لمثل فعله. فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها.
... أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفرا قصيراً أو طويلا مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، مثل ما كان مبنياً على نعله، ومثل ما في جبل قاسيون، وجبل الفتح، وجبل طور زيتا الذي ببيت المقدس، ونحو هذه البقاع، فهذا مما يعلم كل من كان عالما بحال رسول الله ﷺ ، وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئا من هذه الأمكنة.
ارتياد جبل حراء والغار ونحوه من البدع التي لم تشرع ولم يفعلها الصحابة والسلف الصالح.
فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة، كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، ولهذا قال أبو طالب في شعره:
وراق ليرقى في حراء ونازل
وقد ثبت في (الصحيح) ((عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى فجأه الوحي، وهو بغار حراء، فأتاه الملك، فقال له: اقرأ. فقال لست بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم قال: اقرأ. فقال لست بقارئ قال: مرتين أو ثلاثا- ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥] , فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره)) (٣) الحديث بطوله.
стр. 1195
فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث. ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولا يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء. ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت -والحديبية عن يمينك وأنت قاصد مكة إذا مررت بالتنعيم عند المساجد التي يقال إنها مساجد عائشة، والجبل الذي عن يمينك يقال له جبل التنعيم، والحديبية غربيه- ثم إنه اعتمر من العام القابل عمرة القضية، ودخل مكة هو وكثير من أصحابه، وأقاموا بها ثلاثا. ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة، فقاتل هوازن بوادي حنين، ثم حاصر أهل الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة، فأتى بعمرة من الجعرانة إلى مكة، ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، ولم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله، ولم يشرع النبي ﷺ لأمته زيارة تلك البقاع والمشاهد وهو في ذلك كله، لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام، وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة.
ثم بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم، من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء.
وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة: ٤٠] , وهو غار بجبل ثور، يمان مكة، لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله ﷺ بمكة مسجدا، غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد.
ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه، لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وإذا كان حكم مقام نبينا ﷺ في مثل غار حراء الذي ابتدئ فيه بالإنباء والإرسال، وأنزل عليه فيه القرآن، مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد فيه. وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته عليه.
فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يشرع قصدها، والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة. فكيف إذا علم أنها كذب، أو لم يعلم صحتها.
وأيضا- فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها. فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟