← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

صليبيون .. وتتار .. ومغول .. وباطنية .. وملاحدة .. ثم استعمار بأبشع صوره، وأردأ أشكاله، يستولي على العقول، فيسلخها من الدين، ويجردها من الأخلاق، وينشر الفسق، والمجون، والبدع، والمنكرات، وصوراً من الجهل، والدجل، والشعوذة .. حتى أعجزوهم عن حماية أنفسهم، أو عقيدتهم، أو أرضهم، أو أعراضهم، أو أخلاقهم، حتى عقولهم باعوها بالرخيص لأولئك فقلدوهم في مساوئهم, ولم يدركوا الأخذ بمحاسنهم، إن كان فيهم محاسن. بلبلوا أفكارهم، ورموهم في متاهات العقول، وراجت بينهم الشعارات البراقة: التقدم .. التطور .. العلمانية .. الحداثة .. البنيوية .. التحرر .. الثورية .. التجديد .. القومية .. الاشتراكية .. الشيوعية .. شعارات جوفاء يرددونها لا يفقهون لها معنى, أو لا يدركون لها مرمى. مع كل هذا التفكك في العالم الإسلامي .. وكل هذا التأثير من الأعداء فإنهم لم يستطيعوا تحريف, أو تبديل, أو أدنى تغيير في هذا الكتاب، ولم يكونوا من الزاهدين، ولا عنه من المتورعين، فهم أحرص الناس لو كانوا يستطيعون. استطاعوا الدس في سيرة الرسول ﷺ , وفي تاريخ المسلمين, وشوهوا قيادات إسلامية حكيمة، وزوروا أحداثاً، وحطموا دولاً ومجتمعات، واتخذوا لهم زعامات أظهروها في صور الأبطال أو المصلحين، أو أدعياء النبوة، حتى القرآن دسوا الشبهات في علومه ومعارفه، في نزوله وجمعه، في تفسيره ... الخ. لكن شيئاً واحداً مع كل هذه الظروف, وكل هذه الأحداث, وكل هذه القدرات والمحاولات, والمكر, والكيد، لم يستطيعوه، ألا وهو زيادة حرف, أو نقص حرف، فضلاً عن الكلمة, أو تقديم جملة على جملة، أو تغيير عبارة بأخرى في هذا القرآن. هذا لم يستطيعوه .. ولم يدركوه، ولو اجتمعوا له، كانت المطابع عندهم قبل أن يعرفها المسلمون بسنوات طوال، وكان عندهم من السلطة والقوة، ما يستطيعون به طبع مصاحف مزورة، وترويجها بين المسلمين قبل أن يعرفوا المطابع، أو في مجتمع لم يصل إليه المصحف، حاولوا ذلك لكن محاولاتهم كلها تبوء بالفشل، وتعود عليهم بالخسار المادي، والفكري، فقد كان المسلمون في هذه الناحية أقوى منهم، وإن كانوا أضعف في كل شيء، وما هذه القوة إلا من: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. وأنى التفتنا يمنة أو يسرة، فلن نجد كتاباً يشارك القرآن في هذه الخاصية. دونكم التوراة والإنجيل، التحريف فيهما أشهر من أن يذكر، لم يحرفهما الخصوم، بل حرفهما أهلهما وبأيديهم. دونكم المؤلفات الهائلة التي ألفت بعد نزول القرآن بقرون وقرون، لا تجدون أبداً مخطوطتين لكتاب واحد يتطابقان تماماً، فلابد من الاختلاف في كلمة أو جملة، تصحيفاً أو تحريفاً، أو تغييراً أو تبديلاً، إن لم يكن هناك اختلاف في فصول أو أبواب، وإن لم يكن هناك نقصان من مخطوطة وزيادة في أخرى، ما الذي ميز القرآن الكريم عن هذا، والنساخ هم النساخ، لا تجد نسخة تختلف عن الأخرى، لا أقول في جملة، ولا في كلمة، ولا في حرف، ولكن في شكل لكلمة، إلا اختلاف في القراءات المشروعة، وليس هذا باختلاف، بل هو زيادة في الحفظ، فالحفظ للقراءات المتواترة، من حفظ القرآن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٥٧

стр. 1367

المبحث التاسع: أنه آخر الكتب المنزلة رسالة محمد ﷺ عامة للناس كلهم، والقرآن أيضاً كذلك، فعن عمومية رسالة محمد ﷺ قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨]، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨]، وعن عمومية القرآن الكريم قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩]. وإذا كانت رسالة محمد ﷺ عامة، والقرآن يخاطب الناس جميعاً، من كان في عهده ﷺ ومن سيأتي من بعده، فإنه يظهر بهذا العموم أنها خاتمة الرسالات، وأنه خاتم الكتب المنزلة، فليست البشرية بحاجة إلى دين جديد ما دام هذا الدين يشملهم جميعاً، والقرآن يخاطبهم جميعاً، وهذا الزمخشري يقول في تفسير قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨]، (إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم، لأنهم إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم) (١). هذا ما يظهر من عمومية الرسالة، فكيف إذا كان ختم النبوة قد وردت فيه النصوص الصحيحة والصريحة، قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]. وتواترت الأخبار عنه ﷺ بأنه لا نبي بعده (٢). وإذا كان محمد ﷺ خاتم النبيين، فإن القرآن الذي أنزل عليه خاتم الكتب المنزلة. وإذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن ختم الرسالة بمحمد ﷺ , وختم الكتب بالقرآن الكريم، وختم الأمم بهذه الأمة، وختم الأديان بالإسلام، أمراً هيناً، بل هو أمر عظيم يحتاج إلى وقفات ووقفات. فكون القرآن الكريم خاتم الكتب السماوية، يعني أن القرآن حجة قائمة على كل من بلغه من الإنس والجن في كل زمان وفي كل مكان، وقد أمر الرسول ﷺ ببيان ذلك في قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩]. ولهذا قال مقاتل بن سليمان رحمه الله تعالى: (ومن يبلغ القرآن من الجن والإنس فهو نذير لهم، يعني القرآن إلى يوم القيامة) (٣)، وقال أبو السعود في تفسيره: (أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود, والأحمر, ومن الثقلين، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله، ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة) (٤). ويعني ختم الكتب بالقرآن أيضاً كمال الدين، قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]. نعم يعني كمال الدين، فليس من الحكمة أن تختم الأديان بدين ناقص، والله عز شأنه حكيم عليم.

стр. 1368

وتأمل أخي المسلم كمال هذا الدين، واستعرض موكب الأديان من قبله، منذ خلق آدم ﵇، إلى رسالة محمد ﷺ ، سترى أنبياء تترى، فإن تأملت وتدبرت، رأيت كل نبي إنما أرسل لقومه، وأن كل رسالة محدودة بزمن معين، فكل رسالة إنما هي لطائفة خاصة في بيئة خاصة، ومن ثم كانت كل رسالة محكومة بظروفها، ومتوازنة مع هذه الظروف، فكان لكل منها شريعة للحياة تناسب حال الجماعة, والزمان، والمكان، والعوامل المؤثرة في حياتها. حتى إذا ما أراد الله أن يختم الأديان كلها بدين واحد يجتمع عليه الناس كلهم، أرسل لهم جميعاً رسولاً، برسالة تخاطب الفطرة الإنسانية التي لا تختلف في بيئة أو في عصر عن عصر، لا تخضع لزمان معين، ولا تتقيد بظروف معينة، لأنها تخاطب في الإنسان ملكة لا تتغير ولا تتبدل، لا تتحور ولا تتطور: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ [الرُّوم: ٣٠]. فجاء هذا الدين بكل ما تحتاجه البشرية. وبهذا كان كمال الدين، وبهذا كان إتمام النعمة، وهو الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، واصطفاه لهم من الدين. ويعني أيضاً وفاء الشريعة، وكمالها، وشمولها لحاجات البشر كلهم، في كل مكان، وفي كل عصر إلى يوم القيامة، ففي القرآن التفصيل: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام: ١١٤]، فهو النظام الشامل الكامل لشؤون الحياة كلها، فلا يبتغي المؤمنون به بديلاً، ولا يرتضون إلا حكمه، ولا يقبلون إلا شريعته، ليس فيه نقص يستدعي الإكمال، ولا قصور يطلب الإضافة، ولا اعوجاج يحتاج إلى التعديل، ولا جمود يطلب التطوير، ولا البلى الذي يستدعي التجديد. بل هو الكتاب الكامل، الوافي، المستقيم، المتجدد في عطائه، الصالح لكل زمان ومكان، وهذا بعض ما يعنيه كونه آخر الكتب المنزلة. ويعني أيضاً حفظه عن التحريف، والتغيير، والتبديل، فكتاب لن ينزل من بعده كتاب حقه أن يخص بالحفظ فلا تطاله يد التحريف، ولا تناله يد التغيير, ولهذا تعهد الله بحفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، دون سائر الكتب السابقة، قال الزمخشري: (وهو حافظ – أي للقرآن – في كل وقت، من كل زيادة ونقصان، وتحريف وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار، فاختلفوا فيما بينهم بغياً، فكان التحريف، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه) (١). ويعني كونه آخر الكتب المنزلة أن الدين الذي جاء به هو الدين الصحيح، الذي يجب أتباعه، والذي ينسخ الأديان كلها، فلا يبقى في الساحة سواه: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]، وقال سبحانه: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران: ١٩]، وقال سبحانه: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]. ويعني كون القرآن آخر الكتب المنزلة، أن دينه دين خالد، وشريعته باقية، وأنها الرسالة الأخيرة للبشرية كلها، فمن بدلها، فقد ابتغى غير الإسلام ديناً: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ، فلا مجال أبداً لمزاحمة هذا الدين بدين آخر، ولا مجال أبداً لإقصائه عن مكانه الذي خصه الله به، وما حفظ القرآن إلى يوم القيامة، إلا بقاء لهذا الدين إلى يوم القيامة، فالله متم نوره ولو كره الكافرون. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٩٠

стр. 1369

المبحث العاشر: هيمنته على الكتب السابقة أصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب؛ يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده قد هيمن فلان عليه. وتقول: هيمن فلان على فلان، إذا صار قريباً عليه؛ فهو مهيمن (١). ويسمى الحاكم على الناس والقائم بأمورهم: المهيمن (٢). ولفظ مهيمن كان أصله (مؤيمن) بالهمزة، ثم قلبت الهمزة هاء لقرب مخرجها، كما تقلب في أرقت الماء؛ فيقال: هرقت الماء. ويقال: ماء مهراق، والأصل: ماء مراق (٣). وأهل السنة والجماعة يؤمنون أن القرآن الكريم هو المهيمن على كل الكتب قبله؛ بمعنى: أنه أمين عليها، حافظ لها، وشاهد على أنها حق من عند الله تعالى، يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما فيها من التحريف والتبديل، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، فصارت له الهيمنة عليها من كل وجه. نص الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام: قال شيخ الإسلام ﵀: (السلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب) (٤). فهو الأمين والشاهد على ما بين يديه من الكتب، وهو أيضاً الحاكم على كل كتاب قبله بإجماع المسلمين. قال ﵀: ( ... إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل الله في القرآن، وإذا تحاكم اليهود والنصارى إلى المسلمين لم يجز لهم أن يحكموا بينهم إلا بما أنزل الله في القرآن) (٥). وقد بين ﵀ السبب في احتلال القرآن هذه المنزلة العالية، والمرتبة الرفيعة بقوله: (فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بياناً وتفصيلاً، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم، ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضاً ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة: فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حرف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريات) (٦). ذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: تواترت النصوص عن سلف هذه الأمة وخلفها على أن القرآن الكريم هو المؤتمن والشاهد والحاكم على ما بين يديه من الكتب. فقد روى الطبري ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه قال في تفسير قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤]. قال: (المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله) (٧). وروي عنه أيضاً أنه قال: (وَمُهَيْمِنًا أي: حاكماً على ما قبله من الكتب) (٨). وقال قتادة ﵀: وَمُهَيْمِنًا أي: (أميناً وشاهداً على الكتب التي خلت قبله) (٩).

стр. 1370

وعن سعيد بن جبير ﵀ أنه قال: (القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب) (١). وروى الطبري عن ابن زيد في قوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قال: (مصدقاً عليه، كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق) (٢). وجميع هذه الأقوال كما قال ابن كثير ﵀: (كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله) (٣). وإنما احتل القرآن الكريم هذه المنزلة لكونه يستحيل أن يتطرق إليه التبديل والتحريف، ولا يمكن نسخه بعد وفاة النبي ﷺ ، وقد ختم الله به الكتب. قال الفخر الرازي ﵀: (إنما كان القرآن مهيمناً على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخاً البتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق؛ صدق باقية أبداً) (٤). مستند الإجماع في المسألة: لقد نص المولى ﷻ في كتابه العزيز على أن هذا القرآن هو الأمين على ما سبقه من الكتب، وهو الشاهد والحاكم عليها فقال ﵎ في محكم التنزيل: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨]. قال ابن كثير ﵀: (جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً، وأميناً، وحاكماً عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]) (٥). فهو محفوظ بحفظ الله إلى قيام الساعة، شاهد على هذه الكتب، مبين ما حرف منها، وحاكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وناسخ ما نسخه الله منها، وهو أمين عليها في ذلك كله. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٧٤٨ أما الكتب السابقة فقد بعث الله موسى ﵇ ومعه التوراة، فحرفها قومه، وبدلوا وغيروا، حتى أصبحت التوراة غير التوراة. وبعث سبحانه عيسى ﵇ ومعه الإنجيل، فحرف كما حرفت, وبدل كما بدلت، حتى أصبح الإنجيل غير الإنجيل. وبعث الله أنبياء آخرين، وأنزل معهم الكتب، ولم تسلم مما أصاب أمثالها، إلا القرآن الكريم، فقد أبى الله إلا حفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].

стр. 1371

بل جعل القرآن مهيمناً على الكتب السابقة: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، فجاء القرآن بالعقيدة الإسلامية التي اتفق عليها الأنبياء كلهم، صافية نقية، ليكون ما جاء به القرآن حجة على الناس، وشاهداً على تحريف الأمم السابقة لما نزل عليهم من الكتب، ومصححاً لأغلاطهم، وفاضحاً لأباطيلهم: يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١٧١]، مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: ٧٥]، ورد على اليهود فريتهم: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]. ونعى عليهم عبادة غير الله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ [الصَّفات: ١٢٥]، وأبطل زعمهم: وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤]. ورد على الفريقين عقيدتهم الباطلة: وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٠ - ٣١]. وأبطل زعم اليهود أنهم شعب الله المختار: قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]. ورد زعم اليهود والنصارى معاً: وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة: ١٨]. وقولهم: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٨٠]. وأنكر زعمهم قتل المسيح ﵇ وصلبه: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٥٧ - ١٥٨].

стр. 1372

وكشف ابتداعهم الرهبانية: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد: ٢٧]. والقرآن حين يكذبهم، يتحداهم بالإتيان بالتوراة: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [آل عمران: ٩٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة وكثيرة، كلها شاهدة على تحريف التوراة والإنجيل, ومثبتة الحق الذي يجب أتباعه، ودالة على أن الرسول ﷺ لو كان تلقى هذه الأخبار من أهل الكتاب في الجزيرة كما زعم خصومه، لجاءت موافقة لمعتقداتهم، لكن القرآن من لدن حكيم عليم، أنزل هذا القرآن الكريم وجعله مهيمناً على ما بين يديه من الكتاب، يرجع إليه المحققون، وطالبوا الحقيقة، لمعرفة الخبر الصادق، والقصص الحق. وفي القرآن نصوص تؤكد هذه الحقيقة – هيمنة القرآن – وتدعو أهل الكتاب إلى أتباعه، والأخذ به، وتحذرهم من ضلالاتهم، وتحريفاتهم الباطلة: يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥]. وبين في موضع آخر أن من مقاصد القرآن الأولى أن يبين لأهل الكتاب ما اختلفوا فيه فقال سبحانه: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤]، وقال سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، هذا قبس من هيمنة القرآن الكريم على الكتب السابقة لم يجعله الله إلا لكتابه المبين. خصائص القرآن الكريم لفهد بن عبد الرحمن الرومي– ص: ١٩٤

стр. 1373

المبحث الأول: القرآن الكريم كلام الله تعالى القرآن الكريم كلام الله تعالى ... وأن إضافته إليه، إضافة حقيقية، من باب إضافة الكلام إلى قائله، فالله تعالى تكلم به، وهو الذي أنزله على رسوله، ليكون للعالمين نذيرا وهذه الحقيقة قد صرح بها القرآن الكريم، في مثل قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦]، وقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢] وصرح بها صاحب الرسالة، ومبلغ القرآن الكريم محمد ﷺ في مثل قوله: ((ما من الأنبياء نبي، إلا أعطي من الآيات، ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)) (١). وهذا القدر من الأدلة الشرعية كاف في حق من آمن بالله تعالى ربا، وبمحمد بن عبد الله رسولا، وبالإسلام دينا، أن يعرف مصدر القرآن الكريم، وأنه من الله تعالى، إذ الإيمان الصحيح يقتضي أن يصدق المؤمن الرسول ﷺ في كل ما يخبر به، وقد أخبر أن هذا الكتاب من عند الله تعالى. أما غير المؤمن من الناس، ممن يشك في نسبة هذا القرآن إلى الله تعالى، وكونه من كلامه، فمثله: إما أن يضيف القرآن إلى النبي ﷺ ، أو إلى بشر يعلمه القرآن، أو إلى جن يدرسه إياه. أما الأول: وهو كون القرآن من عند محمد ﷺ ، وذلك لفرط ذكائه، ونفاذ بصيرته، وشفافية روحه، مما يجعله ينشئ بزعمهم مثل هذا الكلام البديع الرصين، فترده أدلة كثيرة، هذا طرف منها: ١ - أن هذا القرآن الذي أعجز البلغاء والفصحاء، قد قال صاحبه: إنه ليس من عندي، وإنما هو من عند غيري، فكيف ينسب له بعد ذلك؟ إذ أي مصلحة تكون لعاقل يرجو لنفسه الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات، لتأييد دعواه؛ ثم تجده بعد ذلك ينسب بضاعته إلى غيره، وينسلخ عنها انسلاخا، على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها، فيزداد بها رفعة، وعظمة شأن (٢). ٢ - أن الرجل مهما بلغ ذكاؤه، وصفت سريرته، أنى له أن يأتي بذكر لأحوال الأمم الغابرة، ومسائل العقائد والشرائع، وما في الجنة والنار من النعيم والعذاب، ثم يذكر لنا بعض ما سيقع في قابل الأيام والدهور، كل ذلك على نحو من التفصيل والتدقيق، مع تمام السبك، وقوة الأسلوب، ومن غير تضاد ولا اختلاف. يقول الباقلاني ﵀: (ما تضمنه القرآن من قصص الأولين، وأخبار الماضين التي لا يعرفها إلا من أكثر ملاقاة الأمم، ودراسة الكتب، مع العلم بأن النبي ﷺ لم يكن يتلو كتابا، ولا يخالط أهل السير) (٣). ٣ - قال تعالى: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] فكيف يجرؤ بشر على هذا التحدي العظيم؛ وقد علم ما عليه قومه من البيان والفصاحة؛ بل تحداهم: حاضرا ومستقبلا! لعمر الله، إنها لمخاطرة لا يقدم عليها عاقل يتصور ما يقول، فضلا عن نبي كريم يرجو لرسالته أن تنتصر، ولدعوته أن تنتشر (٤).

стр. 1374

٤ - التناسب في جميع ما تضمنه القرآن من الأخبار، والعقائد، والأحكام من غير اختلاف ولا تعارض ولا تضاد، الأمر الذي لا ينتظر من بشر، أن يسلم كلامه من الاختلال والاختلاف، قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] (١). ٥ - الاتفاق التام بين إشارات القرآن الكريم إلى بعض العلوم الكونية وبين معطيات العلم الحديث؛ الأمر الذي أثار دهشة كثير من الباحثين الغربيين المعاصرين، حيث تعرض القرآن الكريم إلى بعض العلوم الكونية وبين معطيات العلم الحديث؛ الأمر الذي أثار دهشة كثير من الباحثين الغربيين المعاصرين، حيث تعرض القرآن الكريم لقضايا علمية دقيقة – نحو ما يتعلق بعلم الأجنة – لم تكتشف وسائل معرفتها إلا بعد عصر نزول القرآن بعدة قرون (٢). وأما الثاني: وهو أن يكون النبي ﷺ قد تعلم القرآن من غيره، فهذا الغير إما أن يكون إنسيا أو جنيا، والإنسي إما أن يكون من بني قومه أو من أهل الكتاب: أما كون النبي ﷺ قد تعلم القرآن عند بعض قومه، فهذا فاسد من وجهين: ١ - أن النبي ﷺ نشأ أميا، بين ناس أميين، لا يعرفون غير علم البيان، والفصاحة، وما يتصل بهما، وكانوا منعزلين بشركهم عن أهل الكتاب، قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩] ففي الآية إشارة واضحة إلى أن هذا النوع من العلم ما كان عند العرب، وليس لهم به دراية (٣). ٢ - لم يدع واحد من العرب – مع شدة تكذيبهم – نسبة هذا القرآن إلى نفسه، ثم إن الله تعالى قد تحدى به بلغاءهم، وفصحاءهم على أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يتعرض واحد منهم لذلك، اعترافا بالحق، وربئا بالنفس عن تعريضها للافتضاح؛ وهم أهل القدرة في فنون الكلام نظما ونثرا، وترغيبا وزجرا (٤). أما كون المعلم من أهل الكتاب، فهذا يرده ما يلي: ١ - لم يذكر واحد من المصادر التاريخية جلوس النبي ﷺ بين يدي أحبار اليهود، أو رهبان النصارى، بغية التعلم والمدارسة (٥). أما مقابلته بحيرا الراهب، فقد كانت قبل النبوة بفترة من الزمن، وكانت وجيزة في وقتها؛ لا يعقل أن يتلقى فيها كل هذا العلم، ثم إنها كانت بحضور عمه أبي طالب وغيره، ولو وجدوا في تلك المقابلة ما يبطل دعوى الرسول ﷺ النبوة لأفشوه إلى قريش، بل إن بحيرا لما لاحت له تباشير النبوة، همس بها على أبي طالب، حاثا له على المحافظة على ابن أخيه من يهود. وأما مقابلته ﷺ ورقة بن نوفل – ابن عم زوجه خديجة ﵂، وذلك بعد النبوة، فكانت لأجل اطمئنان زوجه عليه، وورقة كان شيخا كبيرا قد عمي، ولم يلبث أن توفي، وذلك قبل فترة الوحي؛ مما يحيل دعوى تعلم الرسول ﷺ منه شيئا.

стр. 1375

٢ - أن الله تعالى رد على الذين قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] ذلك حين زعم المشركون في مكة أن النبي ﷺ كان يجلس إلى بعض غلمان النصارى يتعلم منهم (١)، فرد الله عليهم بقوله: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣]. ٣ - أن القرآن الكريم قد شنع بأهل الكتاب ودحض شبهاتهم وأغاليطهم، ثم دعاهم إلى الإيمان بالرسول الكريم، والاستجابة للذكر الحكيم؛ قال تعالى: وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: ٣٠] وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ [المائدة: ٥٩]، فكيف يعقل بعد ذلك أن يكون اليهود والنصارى مصدر القرآن ومنبعه، وهذه حالهم من الإعراض عنه والكفر به، وبمن أنزل عليه؟ أما أن يكون المعلم جنيا، فحال النبي ﷺ بين قومه، ولبوثه فيهم عمرا طويلا، وهو أحسنهم خلقا؛ وأعظمهم عقلا؛ وأثبتهم نفسا؛ وأرسخهم فهما؛ كل ذلك وغيره يحيل أن يكون ﷺ ملاذ الشياطين ومحل وساوسهم، بل الشياطين لأعجز من أن تأتي بهذا الكلام ... أما إضافة قريش القرآن إلى السحر والجن، فهذا حينما أعيتهم الحجة، وعجزوا عن الإتيان بمثله، على سبيل الجزم والإيقان. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان علي حسن - بتصرف– ١/ ٥٦

стр. 1376

وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن القرآن كلام الله تعالى: - حروفه ومعانيه - منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، تكلم الله به حقاً، وأوحاه إلى جبريل؛ فنزل به جبريل ﵇ على محمد ﷺ . أنزله الحكيم الخبير بلسان عربي مبين، ونقل إلينا بالتواتر الذي لا يرقى إليه شك، ولا ريب، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥] والقرآن الكريم: مكتوب في اللوح المحفوظ، وتحفظه الصدور، وتتلوه الألسن، ومكتوب في الصحف، قال الله تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:٤٩]. وقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]. والقرآن الكريم: المعجزة الكبرى الخالدة لنبي الإسلام محمد بن عبدالله ﷺ وهو آخر الكتب السماوية؛ لا ينسخ ولا يبدل، وقد تكفل الله بحفظه من أي تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقص إلى يوم يرفعه الله تعالى، وذلك قبل يوم القيامة. قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩]. وأهل السنة والجماعة: يكفرون من أنكر حرفاً منه أو زاد أو نقص، وعلى هذا فنحن نؤمن إيماناً جازماً بأن كل آية من آيات القرآن منزلة من عند الله، وقد نقلت إلينا بطريق التواتر القطعي. والقرآن الكريم: لم ينزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ بل نزل منجماً، أي مفرقاً حسب الوقائع، أو جواباً عن أسئلة، أو حسب مقتضيات الأحوال في ثلاث وعشرين سنة. والقرآن الكريم: يحتوي على (١١٤) سورة، (٨٦) منها نزلت في مكة، و (٢٨) منها نزلت في المدينة، وتسمى السور التي نزلت قبل الهجرة النبوية بالسور المكية، والسور التي نزلت بعد الهجرة بالسور المدنية، وفيه تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة. وقد كتب القرآن في عهد النبي ﷺ وبمرأى منه؛ حيث كان للوحي كتبة من خيرة الصحابة – ﵃ – يكتبون كل ما نزل من القرآن وبأمر من النبي ﷺ ثم جمع في عهد أبي بكر بين دفتي المصحف، وفي عهد عثمان على حرف واحد؛ رضي الله تعالى: عنهم أجمعين. وأهل السنة والجماعة: يهتمون بتعليم القرآن وحفظه، وتلاوته، وتفسيره، والعمل به. قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:٢٩]. ويتعبدون لله تعالى: بقراءته؛ لأن في قراءة كل حرف منه حسنة كما أخبر النبي ﷺ حيث قال: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ولا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (١). وأهل السنة والجماعة: لا يجوزون تفسير القرآن بالرأي المجرد؛ فإنه من القول على الله – – بغير علم، ومن عمل الشيطان، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩]. بل يفسر القرآن بالقرآن وبالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، ثم باللغة العربية التي نزل بها القرآن الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة عبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص ١٣٥

стр. 1377

المبحث الثاني: كلام الله في كتابه هو الحروف والمعاني قال العلامة حافظ الحكمي –﵀ في شرح قوله من منظومة (سلم الوصول): وَالْقَوْلُ في كِتَابِهِ المُفَصَّلْ ... بِأنَّهُ كَلامُهُ الْمُنَزَّلْ قال: (والقول) الذي نعتقده وندين به (في) شأن (كتابه المفصلْ) بسكون اللام للروي وهو القرآن وصفه الله تعالى بذلك فقال: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير [هود:١] وقال الله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيَّا [فصلت:٣] وقال الله تعالى: أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الذِّي نَزَّلَ إِلَيْكُمْ الكِتَابَ مُفَصَلا [الأنعام:١١٤] وغير ذلك من الآيات (بأنه كلامه) حقيقة حروفه ومعانيه ليس كلامه الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله [التوبة:٦] وقال الله تعالى: سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ الله قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِنْ قَبْل [الفتح:١٥] وروى ابن خزيمة عن نيار بن مكرم الأسلمي صاحب رسول الله ﷺ ﵁ قال: لما نزلت الَمِ. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيُغْلَبُون [الروم:١ - ٢] إلى آخر الآيتين خرج رسول الله ﷺ فجعل يقول: بسم الله الرحمن الرحيم الَمِ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيُغْلَبُون فِي بِضْعِ سِنِين [الروم:١ - ٢] فقال رؤساء مشركي مكة: يا ابن أبي قحافة هذا مما أتى به صاحبك؟ قال لا والله, ولكنه كلام الله وقوله, وذكر الحديث (١). وكان ابن مسعود ﵁ يقبل المصحف ويقول: كلام ربي كلام ربي (٢). وعن عمر ﵁ قال: (إن هذا القرآن كلام الله فضعوه على مواضعه) (٣). وقال خباب صاحب رسول الله ﷺ : (تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه) (٤). وقال عبدالله بن مسعود ﵁: (القرآن كلام الله, فمن رد منه شيئا فإنما يرد على الله) (٥). وعنه ﵁ قال: (إن أحسن الكلام كلام الله) (٦) فهذه النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة وأنه هو الذي قال ﵎: الَمِ, اَلَمِصَ, الَمِرَ, كَهَيَعِصَ, طَهَ, طَسِ, طَسِمِ, حَمِ, عِسِقَ وليس كلام الله المعاني دون الحروف ولا الحروف دون المعاني, بل حروفه ومعانيه عين كلام الله. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٢٥

стр. 1378

المبحث الثالث: القرآن ليس بمخلوق كما يقوله الزنادقة القرآن (ليس بمخلوق) كما يقول الزنادقة من الحلولية والاتحادية والجهمية والمعتزلة وغيرهم تعالى الله عن أن يكون شيء من صفاته مخلوقاً قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى:٥٢] وقال الله تعالى: أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر [الأعراف:٥٤] وقال الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون [يس:٨٢] فأخبر تعالى: أن الخلق غير الأمر وأن القرآن من أمره لا من خلقه وقال: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل:٤٠] فـ كنْ من كلامه الذي هو صفته ليس بمخلوق والشيء المراد المقول له (كن) مخلوق وقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ الله كَمَثَلَ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون [آل عمران:٥٩] فعيسى وآدم مخلوقان بـ كن و (كن) قول الله صفة من صفاته وليس الشيء المخلوق هو كن ولكنه كان بقول الله له كن. وقد انعقد إجماع سلف الأمة الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون على تكفير من قال بخلق القرآن وذلك لأنه لا يخلو قوله من إحدى ثلاث: إما أن يقول إنه خلقه في ذاته أو في غيره أو منفصلا مستقلا وكل الثلاث كفر صريح, لأنه إن قال خلقه في ذاته فقد جعل ذاته محلا للمخلوقات, وإن قال إنه خلقه في غيره فهو كلام ذلك الغير فيكون القرآن على هذا كلام تالٍ له وهذا قول الوليد بن المغيرة فيما حكى الله عنه حيث قال الله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ [المدثر:١٨ - ٢٩] الآيات. وإن قال إنه خلقه منفصلا مستقلا فهذا جحود لوجوده مطلقا إذ لا يعقل ولا يتصور كلام يقوم بدون متكلم كما لا يعقل سمع بدون سميع ولا بصر بدون بصير ولا علم بدون عالم ولا إرادة بدون مريد ولا حياة بدون حي إلى غير ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا, فهذه الثلاث لا خروج لزنديق منها ولا جواب له عنها فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٣٧

стр. 1379

المبحث الرابع: أصل القول بخلق القرآن وأول ما اشتهر القول بخلق القرآن في آخر عصر التابعين لما ظهر جهم بن صفوان شقيق إبليس لعنهما الله وكان ملحداً عنيداً وزنديقاً مبتغياً غير سبيل المؤمنين لم يثبت أن في السماء ربا ولا يصف الله تعالى بشيء مما وصف به نفسه وينتهي قوله إلى جحود الخالق . ترك الصلاة أربعين يوما يزعم يرتاد دينا ولما ناظره بعض السمنية في معبوده قال قبحه الله: هو هذا الهواء في كل مكان وافتتح مرة سورة طه فلما أتى على هذه الآية الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] قال: لو وجدت السبيل إلى حكها لحككتها, ثم قرأ حتى أتى آية أخرى فقال: ما كان أظرف محمدا حين قالها, ثم افتتح سورة القصص فلما أتى على ذكر موسى جمع يديه ورجليه ثم رفع المصحف ثم قال: أي شيء هذا ذكره ههنا فلم يتم ذكره, وذكره ههنا فلم يتم ذكره. وقد روى عنه غير هذا من الكفريات وهو أذل وأحقر من أن نشتغل بترجمته. وقد يسر الله تعالى ذبحه على يد سالم بن أحوز بأصبهان وقيل: بمرو, وهو يومئذ نائبها رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيرا. وقد تلقى هذا القول عن الجعد بن درهم لكنه يشتهر في أيام الجعد كما اشتهر عن الجهم, فإن الجعد لما أظهر القول بخلق القرآن تطلبه بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة فلقيه الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه ولم يكن له كثير أتباع غيره, ثم يسر الله تعالى قتل الجعد على يد خالد بن عبدالله القسري الأمير, قتله يوم عيد الأضحى بالكوفة, وذلك لأن خالدا خطب الناس فقال في خطبته تلك: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر, روى ذلك البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) (١) , وهو مشهور في كتب التواريخ وذلك سنة أربع وعشرين ومائة. وقد أخذ الجعد بدعته هذه من بيان بن سمعان, وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم, وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ وأنزل الله تعالى في ذلك سورة المعوذتين. ثم تقلد هذا المذهب المخذول عن الجهم بن غياث بن أبي كريمة، المريسي المتكلم, شيخ المعتزلة وأحد من أضل المأمون وجدد القول بخلق القرآن ويقال أن أباه كان يهوديا صباغا بالكوفة وروي عنه أقوال شنيعة في الدين من التجهم وغيره مات سنة ثماني عشرة ومائتان. ثم تقلد عن بشر ذلك المذهب الملعون قاضي المحنة أحمد بن أبي داود, وأعلن مذهب الجهمية وحمل السلطان على امتحان الناس بالقول بخلق القرآن وعلى أن الله لا يرى في الآخرة وكان بسببه ما كان على أهل الحديث والسنة من الحبس والضرب والقتل وغير ذلك, وقد ابتلاه الله تعالى: بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى أهلكه الله تعالى: سنة أربعين ومائتين. ومن أراد الاطلاع على ذلك وتفاصيله فليقرأ كتب التواريخ يرى العجب. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٩٣

стр. 1380

المبحث الخامس: ما قاله أئمة السنة في القرآن، وحكمهم على من قال بخلق القرآن قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر لأن القرآن من علم الله وفيه أسماء الله, وقال: إذا قال الرجل العلم مخلوق فهو كافر لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه وقال رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر لأن القرآن من علم الله (١) قال الله تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران:٦١] , وقال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَائَهُمْ بَعْدَ الذِّي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَالَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير [البقرة:١٢٠] وقال الله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:١٤٥] وقال الله تعالى: أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر [الأعراف:٥٤] وقال الله تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ [هود:١٧] قال أحمد: قال سعيد بن جبير: والأحزاب الملل كلها فَالنَّارُ مُوْعِدُه [هود:١٧] وقال الله تعالى: وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إليه أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ [الرعد:٣٦] وقال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [الرعد:٣٧] وقال رحمه الله تعالى: من قال ذاك القول لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها فإن صلي خلفه أعاد الصلاة، يعني: من قال القرآن مخلوق (٢) وقال رحمه الله تعالى: إذا كان القاضي جهميا فلا تشهد عنده (٣) وقال إبراهيم بن طهمان: الجهمية كفار والقدرية كفار (٤) وقال سليمان التيمي رحمه الله تعالى: ليس قوم أشد بُغضا للإسلام من الجهمية والقدرية فأما الجهمية فقد بارزوا الله وأما القدرية فإنهم قالوا في الله. وقال سلام بن أبي مطيع الجهمية كفار لا يصلى خلفهم (٥) وقال خارجة: الجهمية كفار بلغوا نساءهم إنهن طوالق وأنهن لا يحللن لأزواجهن لا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم ثم تلا: طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى [طه:١ - ٣] إلى قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] (٦) وقال مالك رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق يوجع ضربا ويحبس حتى يتوب (٧). وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: من زعم أن قول الله: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل:٩] مخلوق فهو كافر زنديق حلال دمه (٨)

стр. 1381

وقال أيضا: من قال إنّ قُلْ هُوَ الله أَحَدْ الله الصَّمَد [الإخلاص:١ - ٢] مخلوق فهو كافر (١) وقال أبو يوسف القاضي: صنفان ما على وجه الأرض شر منهما الجهمية والمقاتلية (٢). قلت: وأظنه يعني بالمقاتلية: أتباع مقاتل بن سليمان البلخي فإنه رماه الإمام أبو حنيفة بالتشبيه فإنه قال أفرط جهم في نفي التشبيه حتى قال إنه تعالى ليس بشيء وأفرط مقاتل في معنى الإثبات حتى جعله مثل خلقه وتابع أبا حنيفة على ذلك جماعة من أئمة الجرح والتعديل من أقرانه كأبي يوسف وغيره فمن بعدهم حتى قال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان يشبه الرب بالمخلوق وكذبه وكيع وغيره والله أعلم بحاله. قال وكيع: مات مقاتل بن سليمان سنة خمسين ومائة. اهـ. وقال عبدالله بن المبارك: الجهمية كفار. (٣) وقال: ليس تعبد الجهمية شيئا (٤) وقال من قال القرآن مخلوق فهو زنديق (٥) وقال: إنا نستجير أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستجير أن نحكي كلام الجهمية (٦) وقال سفيان بن عيينة: القرآن كلام الله من قال مخلوق فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر (٧) وقال: من قال القرآن مخلوق يحتاج أن يصلب على ذباب يعني: جبل (٨) وقال عبدالله بن إدريس رحمه الله تعالى: وقد سئل ما تقول في الجهمية يصلى خلفهم؟ فقال: أمسلمون هؤلاء؟ أمسلمون هؤلاء؟ لا ولا كرامة لا يصلى خلفهم (٩) وقال له رجل: يا أبا محمد إن قبلنا ناساً يقولون: القرآن مخلوق، فقال: من اليهود؟ قال: لا، قال: فمن النصارى؟ قال: لا، قال: فمن المجوس؟ قال: لا، قال: فمن؟ قال: من الموحدين؟ قال: كذبوا ليس هؤلاء بموحدين، هؤلاء زنادقة هؤلاء زنادقة. وقرأ ابن إدريس بسم الله الرحمن الرحيم فقال الله مخلوق؟ والرحمن مخلوق؟ والرحيم مخلوق؟ هؤلاء زنادقة (١٠) وسئل عن قوم يقولون: القرآن مخلوق؛ فاستشنع ذلك وقال سبحان الله شيء منه مخلوق؟ (١١) وقال وكيع: فإني أستتيبه فإن تاب وإلا قتلته (١٢) وقال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ومن زعم أنه محدث فقد كفر. (١٣) وقيل له: إن فلانا يقول إن القرآن محدث فقال: سبحان الله هذا كفر. قال السويدي: وسألت وكيعا عن الصلاة خلف الجهمية فقال: لا تصل خلفهم (١٤) وقال: من زعم أن القرآن مخلوق؛ فقد زعم أنه محدث يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه (١٥)

стр. 1382

وقال زهير بن حرب: اختصمت أنا ومثنى فقال مثنى: القرآن مخلوق، وقلت أنا: كلام الله، فقال وكيع وأنا أسمع: هذا كفر، وقال: من قال: القرآن مخلوق هذا كفر؛ فقال المثنى: يا أبا سفيان قال الله تعالى: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ [الشعراء:٥] فإيش هذا؟ فقال وكيع: من قال القرآن مخلوق هذا كفر (١) وقال: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر (٢) وقال رحمه الله تعالى: القرآن كلام الله أنزله جبريل على رسول الله ﷺ كل صاحب هوى يعرف الله ويعرف من يعبد إلا الجهمية لا يدرون من يعبدون بشر المريسي وأصحابه (٣) وقيل لوكيع في ذبائح الجهمية قال: لا تؤكل هم مرتدون (٤) وقال: من قال: إن كلامه ليس منه فقد كفر، وقال: من قال: إن منه شيئاً مخلوقاً فقد كفر (٥). وقال فطر بن حماد سألت معتمر بن سليمان فقلت: يا أبا محمد إمام لقوم يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ فقال: ينبغي أن تضرب عنقه. قال فطر: وسألت حماد بن زيد فقلت: يا أبا إسماعيل إمام لنا يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ فقال: صل خلف مسلم أحبّ إليّ. وسألت يزيد بن زريع فقلت: يا أبا معاوية إمام يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة (٦) وقال عبدالرحمن بن مهدي: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه (٧) وقال مرة: لا أرى أن تستتيب الجهمية (٨) وقال رحمه الله تعالى: لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر فلا يمر بي أحد من الجهمية إلا سألته عن القرآن فإن قال: مخلوق ضربت رأسه ورميت به في الماء (٩) وقال أبو بكر بن الأسود: لو أن رجلا جهميا مات وأنا أرثه ما استحللت أن آخذ من ميراثه (١٠) وقال أبو يوسف القاضي جيئوني بشاهدين يشهدان على المريسي والله لأملأن ظهره وبطنه بالسياط يقول في القرآن يعني: مخلوق (١١) وقال يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال: هم والله زنادقة عليهم لعنة الله (١٢) وقال رحمه الله تعالى: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة من قال القرآن مخلوق فهو زنديق (١٣) وسئل عن الصلاة خلفهم قال: لا. وقال معاذ بن معاذ من قال القرآن مخلوق فهو كافر (١٤) وقال شبابة بن سوار: اجتمع رأيي ورأي أبي النضر هاشم بن قاسم وجماعة من الفقهاء على أن المريسي كافر جاحد نرى أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه (١٥) وكان أبو توبة الحلبي ونعيم بن حماد وإبراهيم بن مهدي يكفرون الجهمية وقال بشر بن الحارث: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وإن مرضوا لا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم كيف يرجعون وأنتم تفعلون بهم هذا؟! (١٦)

стр. 1383

قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: القرآن كلام الله ومن زعم أنه مخلوق فهو كافر هذا كلام الزنادقة (١) وقال عباد بن عوام: كلمت بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء (٢) وقال عمرو بن الربيع بن طارق: القرآن كلام الله من زعم أنه مخلوق فهو كافر (٣) وقال هارون أمير المؤمنين: بلغني أن بشراً المريسي يزعم أن القرآن مخلوق؛ فهو يعبد صنما (٤) وقال يحيى بن معين رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو كافر (٥) وقال رجل لهيثم: إن فلانا يقول القرآن مخلوق؛ فقال: اذهب إليه فاقرأ عليه أول الحديد وآخر الحشر فإن زعم أنهما مخلوقتان فاضرب عنقه (٦) وقال أبو هشام الغساني مثله (٧) وقال أبو عبيد: من قال القرآن مخلوق فقد افترى على الله وقال عليه ما لم تقله اليهود والنصارى (٨) وقال إسحاق بن البهلول لأنس بن عياض أبي ضمرة: أصلي خلف الجهمية قال: لا، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:٨٥] (٩) وسئل عيسى بن يونس رحمه الله تعالى: عمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال: كافر أو كفر؛ فقيل له: تكفرهم بهذه الكلمة. قال: إن هذا أيسر أو أحسن ما يظهرون (١٠) وكان يحيى بن معين رحمه الله تعالى: يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبدالله بن هارون المأمون ما أظهر يعني القول بخلق القرآن (١١). وقال الحسين بن إبراهيم بن أشكاب وعاصم بن علي بن عاصم وهارون الفروي وعبد الوهاب الوراق وسفيان بن وكيع القرآن كلام الله وليس بمخلوق. وسئل جعفر بن محمد رحمه الله تعالى: عن القرآن فقال: ليس بخالق ولا بمخلوق ولكنه كلام الله (١٢). وروى عن أبيه علي بن الحسين أنه قال في القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. (١٣) وقال الزهري سألت علي بن الحسين عن القرآن؟ فقال: كتاب الله وكلامه (١٤) وعن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبدالرحمن الجمحي ووهب بن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. وقال سفيان بن عيينة: لا نحسن غير هذا القرآن كلام الله فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله [التوبة:٦] يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:١٥] (١٥) وقال الإمام مالك بن أنس وجماعة من العلماء بالمدينة وذكروا القرآن فقالوا: كلام الله وهو منه وليس من الله شيء مخلوق (١٦)

стр. 1384

وقال حماد بن زيد رحمه الله تعالى: القرآن كلام الله أنزله جبريل من عند رب العالمين (١) وقال أبو بكر بن عياش: من زعم أن القرآن مخلوق فقد افترى على الله (٢) وقال وكيع: القرآن من الله، منه خرج وإليه يعود (٣) وقال يحيى بن سعيد: كيف يصنعون بقل هو الله أحد كيف يصنعون بهذه الآية إِنِّي أَنَا اللَّهُ [القصص:٣٠] يكون مخلوقا؟ (٤) وقال وهب بن جرير ومحمد بن يزيد الواسطي وابن أبي إدريس وأبو بكر بن أبي شيبة وأخوه عثمان بن أبي شيبة وأبو عمر الشيباني ويحيى بن أيوب وأبو الوليد وحجاج الأنماطي ويحيى بن معين وأبو خيثمة وإسحاق بن أبي إسرائيل وأبو معمر: القرآن كلام الله ليس بمخلوق (٥) وقال أبو عمرو الشيباني لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وقال: القرآن مخلوق فقال الشيباني: خلقه قبل أن يتكلم به أو بعدما تكلم به؟ قال: فسكت (٦) وقال حسن بن موسى الأشيب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين [الفاتحة:٥] فقال حسن مخلوق هذا؟ (٧) وقال محمد بن سليمان: لو أن القرآن كلام الله غير مخلوق ما رأيت أحداً يقول القرآن مخلوق أعوذ بالله (٨).اهـ.

стр. 1385

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: في وصيته: القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال عفان بن مسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:١٥] الله لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّوم [البقرة:٢٥٥] قُلْ هُوَ الله أَحُد [الإخلاص:١] أمخلوق هذا؟ أدركت شعبة وحماد بن سلمة وأصحاب الحسن يقولون: القرآن كلام الله ليس مخلوقا (١) وقال يحيى بن يحيى: من زعم أن من القرآن من أوله إلى آخره آية مخلوقة فهو كافر. وقال هشام بن عبيد الله القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فقال له رجل أليس الله تعالى: يقول: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ [الأنبياء:٢] فقال: محدث إلينا وليس عند الله محدث. وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي رحمه الله تعالى: ليس بين أهل العلم خلاف أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فكيف يكون شيء خرج من الرب مخلوقا؟ (٢) وقال أبو جعفر النفيلي: من قال: إن القرآن مخلوق؛ فهو كافر. فقيل: يا أبا جعفر الكفر كفران كفر النعمة وكفر بالرب ؟ قال: لا بل كفر بالرب ما تقول فيمن يقول: الله أَحَد الله الصَّمَد [الإخلاص:١] مخلوق أليس كافر هو؟ (٣) وقال عبدالله بن محمد العيشي: يستحيل في صفة الحكيم أن يخلق كلاما يدعي الربوبية يعني: قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا الله [طه:١٤] وقوله: أَنَا رَبُّك [طه:١٢] (٤). قلت: والمعتزلة يقولون إن كلام الله لموسى خلقه في الشجرة فعلى هذا تكون الشجرة هي القائلة: إِنَّنِي أَنَا الله لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:١٤] قبحهم الله في الدنيا والآخرة. وقال محمد بن يحيى الذهلي: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع صفاته وحيث تصرف (٥) وأما كلام البخاري رحمه الله تعالى ومتانته في هذه المسألة فأشهر من أن يحتاج إلى تعريف وله في ذلك كتاب (خلق أفعال العباد) وقد بوّب في (صحيحه) على جملة وافية تدل على غزارة علمه وجلالة شأنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: أدركنا العلماء في جميع الأمصار فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل شيء علماً ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (٦) وقال محمد بن أسلم الطوسي: القرآن كلام الله غير مخلوق أينما تلي وحيثما كتب لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل (٧).

стр. 1386

وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: في كتاب (التوحيد) بعد تبويبه على تكليم الله موسى ﵊: وتكليم الله بالوحي وصفة نزول الوحي وتكليم الله عباده يوم القيامة وتقرير البحث في ذلك، ثم قال: باب ذكر البيان في كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى ﷺ ومن سنة نبينا محمد ﷺ على الفرق بين كلام الله الذي به يكون خلقه وبين خلقه الذي يكون بكلامه وقوله والدليل على نبذ قول الجهمية الذين يزعمون أن كلام الله تعالى: مخلوق جل ربنا وعز عن ذلك. قال الله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:٥٤] ففرق الله تعالى: بين الخلق والأمر الذي به يخلق الخلق بواو الاستئناف وأعلمنا الله جل وعلا في محكم تنزيله أنه يخلق الخلق بكلامه وقوله: ِإنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل:٤٠] فأعلمنا جل وعلا أنه يكون كل مكون من خلقه بقوله كن فيكون وقوله كن هو كلامه الذي به يكون الخلق وكلامه الذي به يكون الخلق غير الخلق الذي يكون مكونا بكلامه فافهم ولا تغلط ولا تغالط ومن عقل عن الله خطابه علم أن الله سبحانه لما أعلم عباده المؤمنين أنه يكون الشيء بقوله: كن أن القول الذي هو كن غير المكون بكن المقول له كن وعقل عن الله أن قوله كن لو كان خلقا على ما زعمت الجهمية المفترية على الله أنه إنما يخلق الخلق ويكونه بخلق لو كان قوله كن خلقا فيقال لهم يا جهلة فالقول الذي يكون به الخلق على زعمكم لو كان خلقا بم يكونه؟ أليس قول مقالتكم التي تزعمون أن قوله: كن إنما يخلقه بقول قلبه وهو عندكم خلقه وذلك القول يخلقه بقول قلبه وهو خلق حتى يصير إلى ما لا غاية له ولا عدد ولا أول, وفي هذا إبطال تكوين الخلق وإنشاء البرية وإحداث ما لم يكن قبل أن يحدث الله الشيء وينشئه, وهذا قول لا يتوهمه ذو لب لو تفكر فيه ووفق لإدراك الصواب والرشاد قال الله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف:٥٤] فهل يتوهم مسلم أن الله تعالى: سخر الشمس والقمر والنجوم مسخرات بخلقه أليس مفهوما عند من يعقل عن الله خطابه أن الأمر الذي سخر به غير المسخر بالأمر وأن القول غير المقول له فتفهموا يا ذوي الحجا عن الله خطابه وعن النبي ﷺ بيانه لا تصدوا عن سواء السبيل فتضلوا كما ضلت الجهمية عليهم لعائن الله فاسمعوا الآن الدليل الواضح البيّن غير المشكل من سنة رسول الله ﷺ بنقل العدل موصولا إليه على الفرق بين خلق الله وبين كلام الله تعالى. ثم ساق الأحاديث في ذكر كلمات الله تعالى إلى الحديث: ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) (١) ثم قال: أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه هل سمعت عالماً يجيز أن يقول: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله أو يجيز أن يقول أعوذ بالصفا والمروة أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق الله؟ هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه ...

стр. 1387

وقال أبو معاوية بن حازم الضرير رحمه الله تعالى: الكلام فيه بدعة وضلالة ما يكلم فيه النبي ﷺ ولا الصحابة ﵃ ولا التابعون ولا الصالحون رحمهم الله تعالى: يعني قول القرآن مخلوق (١). وذكر عند أبي نعيم هو الفضل بن دكين من يقول: القرآن مخلوق فقال: والله والله ما سمعت بشيء من هذا حتى خرج ذاك الخبيث جهم (٢) وكلام أئمة السنة في هذا الباب يطول ذكره ولو أردنا استيعابه لطال الفصل. وقد تكرر نقل الإجماع منهم على إثبات ما أثبت الله لنفسه وأثبته رسول الله ﷺ والصحابة فمن بعدهم ونفي التكييف عنها لا سيما في مسألة العلو وفي هذه المسألة مسألة القرآن وتكليم الله تعالى موسى لأنها أول ما جحده الزنادقة قبحهم الله تعالى: وفي ذكر من سمينا كفاية ومن لم نسم منهم أضعاف ذلك ولم يختلف منهم اثنان في أن القرآن كلام الله تعالى: ليس بمخلوق من الله بدأ وإليه يعود, وتقلدوا كفر من قال بخلق القرآن ومنعوا الصلاة خلفه وأفتوا بضرب عنقه وبتحريم ميراثه على المسلمين وحرموا ذبيحته وجزموا بأنها ذبيحة مرتد لا تحل للمسلمين فانظر أيها المنصف أقوالهم ثم اعرضها على نصوص الكتاب والسنة هل تجدهم حادوا عنها قيد شبر أو قدموا عليها قول أحد من الناس كائنا من كان حاشا وكلا معاذ الله بل بها اقتدوا ومنها تضلعوا وبنورها استضاءوا وإياها اتبعوا فهداهم الله بذلك لما اختلفت فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. .. معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي -١/ ٣٤٣ - ٣٦٢

стр. 1388

تمهيد والمخالفون لأهل السنة في القرآن سبع طوائف ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج وابن القيم في الصواعق معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨١

стр. 1389

المبحث الأول: الاتحادية القائلون بوحدة الوجود أن كل كلام في الوجود كلام الله نظمه ونثره وحقه وباطله سحره وكفره والسب والشتم والهجر والفحش وأضداده كله عين كلام الله تعالى القائم به كما قال عارفهم: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه وهذا المذهب مبني على أصلهم الذي أصلوه وهو أن الله سبحانه هو عين هذا الوجود فصفاته هي صفات الله وكلامه هو كلام الله وأصل هذا المذهب إنكار مسألة المباينة والعلو فإنهم لما أصلوا أن الله تعالى: غير مباين لهذا العالم المحسوس صاروا بين أمرين لا ثالث لهما إلا المكابرة أحدهما: أنه معدوم لا وجود له إذ لو كان موجوداً لكان إما داخل العالم وإما خارجاً عنه وهذا معلوم بالضرورة فإنه إذا كان قائما بنفسه فإما أن يكون مباينا للعالم أو محدثا له إما داخلا فيه وإما خارجا عنه الأمر الثاني: أن يكون هو عين هذا العالم فإنه يصح أن يقال فيه حينئذ أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينا له ولا حلا فيه إذ هو عينه والشيء لا يباين نفسه ولا يحايثها فرأوا أن هذا خير من إنكار وجوده والحكم عليه بأنه معدوم ورأوا أن الفرار من هذا إلى إثبات موجود قائم بنفسه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا مباين له ولا محايث ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا من خلفه ولا أمامه فرارا إلى ما لا يسيغه عقل ولا تقبله فطرة ولا تأتي به شريعة ولا يمكن أن يقر برب هذا شأنه إلا على أحد وجهين لا ثالث لهما أحدهما: أن يكون ساريا فيه حالا فهو في كل مكان بذاته وهو قول جميع الجهمية الأقدمين. الوجه الثاني: أن يكون وجوده في الذهن لا في الخارج فيكون وجوده سبحانه وجودا عقليا إذ لو كان موجودا في الأعيان لكان إما عين هذا العالم أو غيره ولو كان غيره لكان إما بائنا عنه أو حالا فيه وكلاهما باطل فثبت أنه عين هذا العالم فله حينئذ كل اسم حسن وقبيح وكل صفة كمال ونقص وكل كلام حق وباطل نعوذ بالله من ذلك. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨١

стр. 1390

المبحث الثاني: مذهب الفلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو وهم الذين يحكي ابن سينا والفارابي والطوسي قولهم: إن كلام الله فيض فاض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية بحسب استعدادها فأوجب لها ذلك الفيض تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته منه ولهذه النفوس عندهم ثلاث قوى: قوة التصور وقوة التخيل وقوة التعبير فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عن غيرها وتدرك بقوة تخيلها شكل المعقول في صورة المحسوس فتتصور المعقول صورا نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان وهو عندهم كلام الله ولا حقيقة له في الخارج وإنما ذلك كله من القوة الخيالية الوهمية قالوا وربما قويت هذه القوة على إسماع ذلك الخطاب لغيرها وتشكيل تلك الصورة العقلية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع خطابهم وكل ذلك من الوهم والخيال لا في الخارج فهذا أصل هؤلاء في إثبات كلام الرب الذي عرفت به الرسل ودعت إليه وهو القائم بنفسه المباين لخلقه العالي فوق عرشه الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته العالم بجميع المعلومات القادر على كل شيء فهم أنكروا ذلك كله. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٢

стр. 1391

المبحث الثالث: مذهب الجهمية النفاة لصفات الرب تعالى: القائلين إن كلامه مخلوق ومن بعض مخلوقاته فلم يقم بذاته سبحانه فاتفقوا على هذا الأصل واختلفوا في فروعه قال الأشعري في كتاب (المقالات): اختلفت المعتزلة في كلام الله هل هو جسم أو ليس بجسم وفي خلقه على ستة أقاويل فالفرقة الأولى: يزعمون أن كلام الله جسم وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا الجسم والفرقة الثانية: زعموا أن كلام الخلق عرض وهو حركة لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة وأن كلام الخالق جسم وأن ذلك الجسم صوت منقطع مؤلف مسموع وهو فعل الله وخلقه وهذا قول الهذيل وأصحابه وأحال النظام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو مكانين في وقت واحد وزعم أنه في المكان الذي خلق فيه والفرقة الثالثة: من المعتزلة تزعم أن القرآن مخلوق لله وأنه عرض وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد إذا تلاه تال فهو يوجد مع تلاوته وإذا كتبه وجد مع كتابته وإذا حفظه وجد مع حفظه وهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال والفرقة الرابعة: يزعمون أن كلام الله عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد وزعموا أن المكان الذي خلقه الله تعالى فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر البغداديين. الفرقة الخامسة: أصحاب معمر يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منهما يفعله الأحياء وقسم منهما يفعله الأموات ومحال أن يكون ما يفعله الأموات فعلا للأحياء والقرآن مفعول وهو عرض ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله وزعموا أن القرآن فعل للمحل الذي يسمع منه إذا سمع من الشجرة فهو فعل لها وحيث سمع فهو فعل المحل الذي حل فيه الفرقة السادسة: يزعمون أن كلام الله عرض مخلو وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد وهذا قول الإسكافي واختلفت المعتزلة في كلام الله هل يبقى فقالت فرقة منه: يبقى بعد خلقه وقالت فرقة أخرى: لا يبقى وإنما يوجد في الوقت الذي خلقه الله ثم يعدم بعد ذلك وهذا المذهب هو من فروع ذلك الأصل الباطل المخالف لجميع كتب الله ورسله ولصريح المعقول والفطر من جحد صفات الرب وتعطيل حقائق أسمائه وصفاته ونفي قيام الأفعال به فلما أصلوا أنه لا يقوم به وصف ولا فعل كان من فروع هذا الأصل أنه لم يتكلم بالقرآن ولا بغيره وأن القرآن مخلوق وطرد ذلك إنكار ربوبيته وإلهيته فإن ربوبيته سبحانه إنما تتحقق بكونه فعالا مدبرا متصرفا في خلقه يعلم ويقرر ويريد ويسمع ويبصر فإذا انتفت عنه صفة الكلام انتفى الأمر والنهي ولوازمهما وذلك ينفي حقيقة الإلهية فطرد ما أصلوه أن الله سبحانه ليس برب العالمين ولا إله فضلا عن أن يكون لا رب غيره ولا إله سواه. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٣

стр. 1392

المبحث الرابع: مذهب الكلابية أتباع عبدالله بن سعيد بن كلاب أن القرآن معنى قائم بالنفس لا يتعلق بالقدرة والمشيئة وأنه لازم ذات الرب كلزوم الحياة والعلم وأنه لا يسمع على الحقيقة والحروف والأصوات حكاية له دالة عليه وهي مخلوقة وهو أربعة معاني في نفسه: الأمر والنهي والخبر والاستفهام فهي أنواع لذلك المعنى القديم الذي لا يسمع وذلك المعنى هو المتلو وهذا المذهب أول من يعرف أنه قال به ابن كلاب وبناه على أن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم والحروف والأصوات حادثة فلا يمكن أن تقوم بذات الرب والقرآن اسم لذلك المعنى وهو غير مخلوق. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٥

стр. 1393

المبحث الخامس: مذهب الأشعري ومن وافقه أنه معنى واحد قائم بذات الرب تعالى: لأنه ليس بحرف ولا صوت ولا ينقسم ولا له أبعاض ولا له أجزاء وهو عين الأمر وعين النهي وعين الخبر وعين الاستخبار الكل واحد وهو عين التوراة وعين الإنجيل وعين القرآن والزبور وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا صفات لذلك المعنى الواحد لا أنواع له فإنه لا ينقسم بنوع ولا جزء وكونه قرآنا وتوراة وإنجيلا تقسيم للعبارات عنه لا لذاته بل إذا عبر عن ذلك المعنى بالعربية كان قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإذا عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا والمعنى واحد وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية وهي خلق من المخلوقات وعنده لم يتكلم الله بهذا الكلام العربي ولا سمع من الله وعنده ذلك المعنى سمع من الله حقيقة ويجوز أن يرى ويشم ويذاق ويلمس ويدرك بالحواس الخمس إذ المصحح عنده لإدراك الحواس هو الوجود فكل وجود يصح تعلق الإدراكات كلها به كما قرره في مسألة رؤية من ليس في جهة الرائي وأنه يرى حقيقة وليس مقابلا للرائي هذا قولهم في الرؤية وذلك قولهم في الكلام. والبلية العظمى نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ وأنه جاء بهذا ودعا إليه الأمة وأنهم أهل الحق ومن عداهم أهل الباطل وجمهور العقلاء يقولون: إن تتصور هذا المذهب كاف في الجزم ببطلانه وهو لا يتصور إلا كما تصور المستحيلات الممتنعات وهذا المذهب مبني على مسألة إنكار قيام الأفعال والأمور الاختيارية بالرب تعالى: ويسمونها مسألة حلول الحوادث وحقيقتها إنكار أفعاله وربوبيته وإرادته ومشيئته. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٥

стр. 1394

المبحث السادس: مذهب الكرامية وهو أنه متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات الرب تعالى: وهو حروف وأصوات مسموعة وهو حادث بعد أن لم يكن فهو عندهم متكلم بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن فاعلا كما ألزموا به الكرامية في مسألة الكلام فهو لازم لهم في مسألة الفعل والكرامية أقرب إلى الصواب منهم فإنهم اثبتوا كلاما وفعلا حقيقة قائمين بذات المتكلم الفاعل وجعلوا لها فرارا من القول بحوادث لا أول لها ومنازعوهم أبطلوا حقيقة الكلام والفعل وقالوا لم يقم به فعل ولا كلام ألبتة وأما من أثبت منهم معنى قائما بنفسه سبحانه فلو كان ما أثبته مفعولا لكان من جنس الإرادة والعلم لم يكن خارجا عنهما فهم لم يثبتوا لله كلاما ولا فعلا وأما الكرامية فإنهم جعلوه متكلما بعد أن لم يكن متكلما كما جعله خصومهم فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٧

стр. 1395

المبحث السابع: مذهب السالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وأهل الحديث إنه صفة قديمة قائمة بذات الرب تعالى: لم يزل ولا يزال لا يتعلق بقدرته ومشيئته ومع ذلك هو حروف وأصوات وسور وآيات سمعه جبريل منه وسمعه موسى بلا واسطة ويسمعه سبحانه من يشاء وإسماعه نوعان: بواسطة وبلا واسطة ومع ذلك فحروفه وكلماته لا يسبق بعضها بعضا بل هي مقترنة الباء من السين مع الميم في آن واحد ثم لم تكن معدومة في وقت من الأوقات ولا تعدم بل لم تزل قائمة بذاته سبحانه قيام صفات الحياة والسمع والبصر وجمهور العقلاء قالوا إن تصور هذا المذهب كاف في الجزم في بطلانه والبراهين العقلية والأدلة القطعية شاهدة ببطلان هذه المذاهب كلها وأنها مخالفة لصريح العقل والنقل والعجب إنها هي الدائرة بين فضلاء العالم لا يكادون يعرفون غيرها ثم ذكر رحمه الله تعالى: قول أتباع الرسل وأطال على ذلك ثم مسألة تكلم العباد بالقرآن وساق فيه كثيرا من كلام البخاري رحمه الله تعالى: في (صحيحه) وفي كتاب (خلق أفعال العباد) لأنه من أحسن الأئمة توضيحا وتفصيلا في هذه المسألة لما جرى عليه من المحنة في شأنها ثم ذكر الكلام على حروف المعجم وساق فيه أقوال الأئمة ثم ذكر اللفظية في أثناء ذلك والواقفة ثم ذكر فصلا في الكتابة له في الرق وغيره ثم فصلا في السماع ثم فصلا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أول من أظهر إنكار أن الله سبحانه يتكلم بصوت في أثناء المئة الثالثة ابن كلاب, وأنكر عليه ذلك أئمة الحديث كأحمد والبخاري وغيرهما, وفي غضون هذه الفصول أبحاث نفيسة لا يستغنى عنها فلتراجع منه. ثم قال رحمه الله تعالى: فصل منشأ النزاع بين الطوائف أن الرب تعالى: هل يتكلم بمشيئته أم كلامه بغير مشيئته على قولين فقالت طائفة كلامه بغير مشيئته واختياره ثم انقسم هؤلاء أربع فرق قالت فرقة هو فيض فاض منه بواسطة العقل الفعال على نفس شريفة فتكلمت به كما يقول ابن سينا وأتباعه وينسبونه إلى أرسطو وفرقة قالت بل هو معنى قائم بذات الرب تعالى: هو به متكلم وهو قول الكلابية ومن تبعهم وانقسم هؤلاء فرقتين فرقة قالت هو معان متعددة في أنفسها أمر ونهي وخبر واستخبار ومعنى جامع لهذه الأربعة وفرقة قالت بل هو معنى واحد بالعين لا ينقسم ولا يتبعض وفرقة قالت كلامه هو هذه الحروف والأصوات خلقها خارجة عن ذاته فصار بها متكلما وهذا قول المعتزلة وهو في الأصل قول الجهمية تلقاه عنهم أهل الاعتزال فنسب إليهم وفرقة قالت يتكلم بقدرته ومشيئته كلاما قائما بذاته سبحانه كما يقوم به سائر أفعاله لكنه حادث النوع وعندهم أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا فقول هؤلاء في الفعل المتصل كقول أولئك في الفعل المنفصل وهذا قول الكرامية وفرقة قالت يتكلم بمشيئته وكلامه سبحانه هو الذي يتكلم به الناس كله حقه وباطله وصدقه وكذبه كما يقوله طوائف الاتحادية. وقال أهل الحديث والسنة إنه لم يزل سبحانه متكلما إذا شاء ويتكلم بمشيئته ولم تتحدد له هذه الصفة بل كونه متكلما بمشيئته هو من لوازم ذاته المقدسة وهو بائن عن خلقه بذاته وصفاته وكلامه ليس متحدا بهم ولا حالا فيهم واختلفت الفرق هل يسمع كلام الله على الحقيقة فقالت فرقة لا يسمع كلامه على الحقيقة إنما تسمع حكايته والعبارة عنه وهذا قول الكلابية ومن تبعهم وقالت بقية الطوائف بل يسمع كلامه حقيقة ثم اختلفوا فقالت فرقة يسمعه كل أحد من الله تعالى: وهذا قول الاتحادية وقالت فرقة بل لا يسمع إلا من غيره وعندهم أن موسى لم يسمع كلام الله منه فهذا قول الجهمية والمعتزلة وقال أهل السنة والحديث يسمع كلامه سبحانه منه تارة بلا واسطة كما سمعه موسى وجبريل وغيرهما وكما يكلم عبده يوم القيامة ويكلم أهل الجنة ويكلم الأنبياء في الموقف ويسمع من المبلغ عنه كما سمع الأنبياء الوحي من جبريل تبليغا عنه وكما سمع الصحابة القرآن من رسول الله ﷺ عن الله فسمعوا كلام الله بواسطة المبلغ وكذلك نسمع نحن بواسطة التالي فإذا قيل المسموع مخلوق أو غير مخلوق قيل إن أردت المسموع عن الله تعالى: فهو كلامه غير مخلوق وإن أردت المسموع من المبلغ ففيه تفصيل إن سألت عن الكلام المؤدى بذلك الصوت فهو غير مخلوق والذين قالوا إن الله يتكلم بصوت فرق أربعة فرقة قالت يتكلم بصوت مخلوق منفصل عنه وهم المعتزلة وفرقة قالت يتكلم بصوت قديم لم يزل ولا يزال وهم السالمية والاقترانية وفرقة قالت يتكلم بصوت حادث في ذاته بعد أن لم يكن وهم الكرامية, وقال أهل السنة والحديث: لم يزل الله تعالى: متكلما بصوت إذا شاء والذين قالوا لا يتكلم بصوت فرقتان أصحاب الفيض والقائلون إن الكلام معنى قائم بالنفس معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ١/ ٤٨٨

стр. 1396

الباب الثالث أهم الكتب المنزلة • أولا: مواضع الاتفاق. • ثانيا: مواضع الاختلاف.

стр. 1397

أولا: مواضع الاتفاق تتفق الكتب السماوية في أمور عديدة منها: ١ - وحدة المصدر: فمصدرها واحد؛ فهي منزلة من عند الله، قال تعالى: الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران:١ - ٤]. ٢ - وحدة الغاية: فالكتب السماوية غايتها واحدة، فهي كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى دين الإسلام؛ فالإسلام هو دين جميع الرسل، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]. وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران: ١٩]. والإسلام هو الدين الذي أُمِر به إبراهيم ﵇ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٣١]. وقال موسى ﵇ لقومه: يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤]. والحواريون قالوا لعيسى ﵇: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢]. فالغاية إذاً هي الدعوة إلى دين الإسلام، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له. ٣ - مسائل العقيدة: فالكتب اشتملت على الإيمان بالغيب، ومسائل العقيدة، كالإيمان بالرسل، والبعث والنشور، والإيمان باليوم الآخر إلى غير ذلك. فمسائل العقيدة من باب الأخبار التي لا تنسخ. ٤ - القواعد العامة: فالكتب السماوية تقرر القواعد العامة، التي لابد أن تعيها البشرية؛ كقاعدة الثواب والعقاب، وهي أن الإنسان يحاسب بعمله، فيعاقب بذنوبه وأوزاره، ولا يؤاخذ بجريرة غيره، ويثاب بسعيه، وليس له سعي غيره كما قال تعالى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم: ٣٦_٤١]. ومن ذلك الحث على تزكية النفس، وبيان أن الفلاح الحقيقي لا يتحقق إلا بتزكية النفس بالطاعة لله، والعبودية له، وإيثار الآجل على العاجل. قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٤ - ١٩]. ومن تلك القواعد أن الذي يستحق وراثة الأرض هم عباد الله الصالحون؛ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]. ومن ذلك أن العاقبة للتقوى وللمتقين، كما قال تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه: ١٣٢]، وقال: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨]. ٥ - العدل والقسط: وهذا من مواطن الاتفاق؛ فجميع الأنبياء ﵈ حملوا ميزان العدل والقسط، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥]. ٦ - محاربة الفساد والانحراف: وهذا ما اتفقت عليه الرسالات؛ سواء كان الفساد عقدياً أو خلقياً، أو انحرافاً عن الفطرة، أو عدواناً على البشر، أو تطفيفاً في الكيل والميزان، أو غير ذلك.

стр. 1398

٧ - الدعوة إلى مكارم الأخلاق: فالكتب كلها دعت إلى مكارم الأخلاق، كالعفو عن المسيء، وكالصبر على الأذى، وكالقول الحسن، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وإكرام الضيف، والتواضع، والعطف على المساكين، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق. ٨ - كثير من العبادات: فكثير من العبادات التي نقوم بها كانت معروفة عند الرسل وأتباعهم، كالصلاة، والزكاة، قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ [الأنبياء: ٧٣]. وإسماعيل ﵇ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ [مريم: ٥٥]، وقال الله لموسى ﵇: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤]، وقال عيسى ﵇: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً [مريم: ٣١]. والصوم كذلك مفروض علينا كما هو مفروض على من قبلنا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣]. والحج كذلك، كما في قول الله تعالى لإبراهيم ﵇: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً [الحج: ٢٧]. وقد جعل الله لكل أمة مناسكها وعبادتها، قال : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج: ٣٤]. رسائل في العقيدة لمحمد إبراهيم الحمد - ص ٢٨٧

стр. 1399

ثانيا: مواضع الاختلاف تختلف الكتب السماوية في الشرائع، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى ﵉ في بعض الأمور، وشريعة محمد تخالف شريعة موسى وعيسى ﵉ في أمور. قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة: ٤٨]. وليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافاً كلياً؛ فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية، وقد مر بنا شيء من ذلك، فالاختلاف بينها إنما يكون في التفاصيل. فعدد الصلوات، وأركانها، وشروطها، ومقادير الزكاة، ومواضع النسك، ونحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة، وقد يُحِل الله أمراً في شريعة لحكمة، ويحرمه في شريعة أخرى لحكمة يعلمها ولا يلزم أن نعلمها، ومن الأمثلة على ذلك مايلي: ١ - الصوم: فقد كان الصائم يفطر في غروب الشمس، ويباح له الطعام، والشراب، والنكاح إلى طلوع الفجر ما لم ينم، فإن نام قبل الفجر حرم عليه ذلك كله إلى غروب الشمس من اليوم الثاني، فخفف الله عن هذه الأمة، وأحله من الغروب إلى الفجر، سواءً نام أم لم ينم، قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧]. ٢ - ستر العورة حال الاغتسال: لم يكن واجباً عند بني إسرائيل، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: ((كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده)). (١) ٣ - الأمور المحرمة: فمما أحله الله لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم الله هذا بعد ذلك. وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة. وقد حرَّم الله مثل هذا على بني إسرائيل في التوراة. وكذلك الجمع بين الأختين كان سائغاً،. ... ومما حرَّمه الله على اليهود ما قصه علينا في سورة الأنعام، قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام: ١٤٦]. ثم جاء عيسى ﵇ فأحل لبني إسرائيل بعض ما حرم عليهم. وجاءت الشريعة الخاتمة لتكون القاعدة: إحلال الطيبات وتحريم، الخبائث. ومما تميزت به الشريعة الخاتمة أنها عامة لجميع الناس إلى قيام الساعة، بخلاف الشرائع الأخرى، فهي خاصة بقوم دون قوم، أو فترة دون فترة. رسائل في العقيدة لمحمد إبراهيم الحمد – بتصرف – ص ٢٩٠

стр. 1400

المبحث الأول تعريف التوراة التوراة: كلمة عبرانية تعني الشريعة أو الناموس، ويراد بها في اصطلاح اليهود: خمسة أسفار يعتقدون أن موسى ﵇ كتبها بيده، ويسمونها "بنتاتوك" نسبة إلى (بنتا) وهي كلمة يونانية تعني خمسة، أي: الأسفار الخمسة، وهذه الأسفار هي: ١ - سفر التكوين: ويتحدث عن خلق السموات والأرض، وآدم، والأنبياء بعده إلى موت يوسف ﵇ ٢ - سفر الخروج: ويتحدث عن قصة بني إسرائيل من بعد موت يوسف ﵇ إلى خروجهم من مصر، وما حدث لهم بعد الخروج مع موسى ﵇ ٣ - سفر اللاويين: وهو نسبة إلى لاوى بن يعقوب، الذي من نسله موسى وهارون ﵉، وأولاد هارون هم الذين فيهم الكهانة، أي: القيام بالأمور الدينية، وهم المكلفون بالمحافظة على الشريعة وتعليمها الناس، ويتضمن هذا السفر أموراً تتعلق بهم وبعض الشعائر الدينية الأخرى. ٤ - سفر العدد: وهو معنيٌّ بعدِّ بني إسرائيل، ويتضمن توجيهات، وحوادث حدثت من بني إسرائيل بعد الخروج. ٥ - سفر التثنية: ويعني تكرير الشريعة، وإعادة الأوامر والنواهي عليهم مرة أخرى، وينتهي هذا السفر بذكر موت موسى ﵇ وقبره، وقد يطلق النصارى اسم التوراة على جميع أسفار العهد القديم. أما في اصطلاح المسلمين فهي: الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵇ نوراً وهدى لبني إسرائيل. أما الكتب الملحقة بالتوراة فهي: أربعة وثلاثون سفراً، حسب النسخة البروتستانتية، فيكون مجموعها مع التوراة تسعة وثلاثين سفراً، وهي التي تسمى العهد القديم لدى النصارى، ويمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام: أولاً: الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇ ثانياً: الأسفار التاريخية، وهي ثلاثة عشر سفرا: ١ - يشوع ٢ - القضاة ٣ - راعوث ٤ - صموئيل الأول ٥ - صموئيل الثاني ٦ - الملوك الأول ٧ - الملوك الثاني ٨ - أخبار الأيام الأول ٩ - أخبار الأيام الثاني ١٠ - عزرا ١١ - نحميا ١٢ - إستير ١٣ - يونان (يونس ﵇. وهذه الأسفار تحكي قصة بني إسرائيل من بعد موسى ﵇ إلى ما بعد العودة من السبي البابلي إلى فلسطين، وإقامتهم للهيكل مرة أخرى بعد تدميره، ماعدا سفري أخبار الأيام الأول والثاني، فإنها تعيد قصة بني إسرائيل، وتبتدئ بذكر مواليد آدم على سبيل الاختصار إلى السنة الأولى لملك الفرس قورش، وكذلك سفر يونان (يونس ﵇ يحكي قصته مع أهل نينوى الذين أرسل إليهم. ثالثاً: أسفار الأنبياء وهي خمسة عشر سفراً: ١ - أشعيا ٢ - إرميا ٣ - حزقيال ٤ - دانيال ٥ - هوشع ٦ - يوثيل ٧ - عاموس ٨ - عوبديا ٩ - ميخا ١٠ - ناحوم ١١ - حبقوق ١٢ - صفنيا ١٣ - حجى ١٤ - زكريا ١٥ - ملاخى. وهذه الأسفار يغلب عليها طابع الرؤى، والتنبؤات بما سيكون من حال بني إسرائيل، وحال الناس معهم، وفيها تهديدات لبني إسرائيل، ووعود بالعودة والنصر. والذين نسبت إليهم هذه الأسفار هم ممن كانوا زمن السبي إلى بابل وبعده. رابعاً: أسفار الحكمة والشعر (الأسفار الأدبية). وهي خمسة أسفار: ١ - أيوب ٢ - الأمثال ٣ - الجامعة ٤ - نشيد الإنشاد ٥ - مراثي إرميا. خامساً: سفر الابتهالات والأدعية سفر واحد، وهو سفر المزامير المنسوب إلى داود ﵇. هذه أسفار النسخة العبرانية المعتمدة لدى اليهود والبروتستانت من النصارى. أما النصارى الكاثوليك، والأرثوذكس فيعتمدون النسخة اليونانية، وهي تزيد على العبرانية بسبعة أسفار هي: سفر طوبيا، ويهوديت، والحكمة، ويشوع بن سيراخ، وباروخ، والمكابيين الأول والمكابيين الثاني. دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٧٦

стр. 1401

المبحث الثاني: تاريخ التوراة إن كل كتاب يستمد قيمته من قيمة صاحبه، ولابد أن يثبت صحة نسبته إلى صاحبه، وإلا فإنه يفقد قيمته، والكتب المنزلة المقدسة تستمد قدسيتها من نسبتها إلى من جاءت من عنده، وهو الله ، ولابد لثبوت قدسيتها أن تثبت صحة نسبتها وسندها إلى الله ، وما لم يثبت ذلك فإنها لا تكون مقدسة، وغير واجبة القبول؛ إذ تكون عرضة للتحريف، والتبديل، والخطأ. فلهذا لابد لنا أن نتعرف على حال التوراة المنسوبة إلى موسى ﵇، وهي أهم جزء في العهد القديم الذي بين يدي اليهود والنصارى من ناحية إسنادها فنقول: إن من نظر في التوراة والأسفار الملحقة بها يجد ذكراً محدوداً لأسفار موسى التي يسمونها الشريعة، أو سفر الرب، أو التوراة. ومن خلال هذه المعلومات نجد أن اليهود ذكروا: ١ - أن موسى ﵇ دوَّن جميع الأحكام وكتبها، وهي أحكام أعطيها شفهيًّا وفي هذا قالوا في (سفر الخروج) (٢٤/ ٣): (فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام، فأجاب جميع الشعب بصوت واحد، وقالوا: كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل. فكتب موسى جميع أقوال الرب ... ) ثم قالوا: (وأخذ كتاب العهد، وقرأ في مسامع الشعب فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له). ٢ - أن موسى أُعطي شريعة مكتوبة بيد الله تعالى، وفي هذا قالوا في (سفر الخروج) (٢٤/ ١٢) (وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل، وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة، والشريعة، والوصية التي كتبتها لتعليمهم). ثم ذكروا بعد هذا أن موسى ﵇ مكث أربعين يوماً في الجبل، وذكروا شرائع كثيرة أعطيها، وتكلم الله بها معه، ثم في نهاية ذلك ذكروا إعطاءه الألواح، وفي هذا قالوا في (سفر الخروج) (٣١/ ١٨): (ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله). وفي أثناء غياب موسى ﵇ عبد بنو إسرائيل العجل، فلما عاد موسى ﵇ ورأى قومه يرقصون حول العجل ألقى الألواح فتكسرت، ثم إن الله فيما يذكر اليهود كتب له لوحين آخرين بدلاً عنها. ٣ - ذكر اليهود أن موسى ﵇ قبيل وفاته كتب التوراة، وأعطاها لحاملي التابوت، وفي هذا قالوا في (سفر التثنية) (٣١/ ٩): (وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة من بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل، وأمرهم موسى قائلاً: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة البراء في عيد المظال حينما يجيء جميع إسرائيل؛ لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تقرأ هذه التوراة، أمام كل إسرائيل في مسامعهم). ثم ذكر اليهود في خاتمة هذا السفر السبب الذي لأجله دوَّن موسى ﵇ التوراة فقالوا في (سفر التثنية) (٣١/ ٢٤): (فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم؛ ليكون هناك شاهداً عليكم؛ لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هو ذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحري بعد موتي). ٤ - ذكر اليهود في سفر يشوع أن يشوع (يوشع) كتب التوراة مرة أخرى على أحجار المذبح حسب وصية موسى ﵇، وفي هذا قالوا: (حينئذ بنى يشوع مذبحاً للرب إله إسرائيل في جبل عيبال ... وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل ... وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة، حسب كل ما كتب في سفر التوراة).

стр. 1402

٥ - انقطع بعد هذا ذكر التوراة وخبرها، فلا يذكر اليهود في كتابهم التوراة التي كتبها موسى، ولا ما كتبه يشوع على حجارة المذبح، وإنما ذكروا التابوت الذي وضع موسى ﵇ فيه التوراة، وأن هذا التابوت استولى عليه الأعداء في زمن النبي صموئيل في قولهم، ثم أعيد إليهم بعد سبعة أشهر، فجعلوه في قرية يسمونها يعاريم. وبقى هناك فيما ذكروا عشرين عاماً إلى أن جاء داود ﵇ فأصعده من هناك إلى أورشليم، وجعله في خيمة، ثم نقله سليمان ﵇ إلى الهيكل الذي بناه، وجعله في قدس الأقداس فيما يقولون، وكانوا يستقبلونه في الصلاة. وقد ذكروا أن سليمان ﵇ حين فتح التابوت لم يكن فيه سوى لوحي الحجر اللذين وضعهما موسى ﵇، فأين ذهبت نسخة التوراة التي نسخها موسى ﵇ ووضعها في التابوت؟ هذا مالا يجد اليهود ولا النصارى جواباً له. ٦ - بعد سليمان ﵇ انقسمت دولة بني إسرائيل إلى قسمين: دولة إسرائيل في الشمال: وهي تحت حكم يربعام بن نباط، وعاصمتها نابلس. ودولة يهوذا في الجنوب، وهي تحت حكم رحبعام بن سليمان، وعاصمتها أورشليم. وذكر اليهود حادثة في زمن رحبعام، لها دلالتها المهمة: وهي أن رحبعام ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل، وذلك يعني انحرافهم عن الدين فهاجمهم فرعون مصر في ذلك الزمن، واستباح ديارهم، وفي هذا قالوا في (سفر الملوك الأول) (١٤/ ٢٢): (وعمل يهوذا الشر في عيني الرب، وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباؤهم بخطاياهم التي أخطأوا بها، وبنوا لأنفسهم مرتفعات، وأنصاباً، وسواري على كل تل مرتفع، وتحت كل شجرة خضراء، وكان أيضاً مأبونون في الأرض فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل. وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم، وأخذ جميع خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان). وفي (سفر أخبار الأيام الثاني) (١٢/ ١) وصفوا شيشق، وما معه من قوة بما يلي: (وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر على أورشليم- لأنهم خانوا الرب- بألف ومائتي مركبة، وستين ألف فارس، ولم يكن عدد للشعب الذين جاؤوا معه من مصر، لوبيين وسكيين وكوشيين، وأخذ المدن الحصينة التي ليهوذا، وأتى إلى أورشليم ... ). فهذا النص فيه دلالة واضحة على أن عاصمة اليهود الدينية استباحها فرعون مصر، واستولى على ما فيها، وهذا يدل على أن اليهود فقدوا التوراة في هذه الحادثة حيث لم يشر كتابهم المقدس إليها بعد هذا إلا في زمن الملك يوشيا، أي: بعد ما يقارب ثلاثة قرون وزيادة، كما سيأتي بيانه في الفقرة التالية، كما أن التابوت ينتهي خبره بعد هذه الحادثة إلى زمن الملك يوشيا أيضاً، حيث طلب من اللاويين أن يجعلوا التابوت في البيت الذي بناه النبي سليمان ﵇، ثم ينقطع بعد هذا خبره إلى يومنا هذا، ولعله كان مما دمره بختنصر في غزوه لبيت المقدس. ٧ - يزعم اليهود أن الملك يوشيا الذي تولى الملك في يهوذا بعد سليمان ﵇ بما يقارب (٣٤٠) عاماً، وقبيل غزو بختنصر لدولة يهوذا وتدميرها مرة أخرى وجد سفر الشريعة, وهذا نص كلامهم: (وفي السنة الثامنة عشرة للملك يوشيا، أرسل الملك شافان بن أصليا بن مشلام الكاتب إلى بيت الرب قائلاً:

стр. 1403

اصعد إلى حلقيا الكاهن فيحسب الفضة المدخلة إلى بيت الرب التي جمعها حارسو الباب من الشعب فيدفعوها ليد عاملي الشغل الموكلين ببيت الرب ... فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه، وجاء شافان الكاتب إلى الملك ورد على الملك جواباً .... وأخبر شافان الملك قائلاً: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفراً، وقرأه شافان أمام الملك، فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه، وأمر الملك حلقيا الكاهن، وأخيقام بن شافان .... قائلاً: اذهبوا اسألوا الرب لأجلي، ولأجل الشعب، ولأجل كل يهوذا من جهة كلام هذا السفر الذي وجد؛ لأنه عظيم، هو غضب الرب الذي اشتعل علينا من أجل أن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر ليعملوا حسب كل ما هو مكتوب علينا. .. وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم وصعد الملك إلى بيت الرب، وجمع رجال يهوذا، وكل سكان أورشليم معه والكهنة والأنبياء، وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب). فهذا الخبر الذي ذكره اليهود فيه دلالة واضحة على أنهم كانوا قد فقدوا التوراة، وأنهم أيضاً ضيعوا أحكامها، ونسوا الشيء الكثير منها، وما وجدوه في الواقع ليس فيه أي دليل على أنه التوراة؛ إذ من المستبعد جدًّا أن يكون اليهود قد فقدوا التوراة كل هذه المدة الطويلة- أكثر من ثلاثة قرون- وهي موجودة في الهيكل مع أنه معبد عام، وقد تعاقب على رئاسته خلال تلك المدة الكثيرة من الكهنة، وهم يبحثون عنها كل تلك المدة ولا يجدونها مع ما لها من القداسة في نفوسهم ثم يجدها الكاهن حلقيا؟ هذا في الواقع مستبعد جدًّا، وليس بعيداً أن يكون الكاهن حلقيا كتبها من محفوظاته ومعلوماته، وزعم أنها سفر الشريعة؛ ليرضي بذلك الملك يوشيا، الذي كان له تدين ورغبة في استقامة الشعب. والله أعلم. ٨ - بعد الملك يوشيا بخمس وعشرين سنة تقريباً- وذلك سنة (٥٨٦) ق. م- هجم بختنصر الكلداني على دولة يهوذا ودمرها، ودمر الهيكل، وسبى بني إسرائيل، وفي هذا قالوا في كتابهم بعد ذكر مبررات التدمير من فساد بني إسرائيل وكفرهم: "فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى، أو عذراء، ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده، وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعا إلى بابل، وأحرقوا بيت الله، وهدموا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس". فيجمع الكُتَّاب هنا على أن التوراة فقدت من بني إسرائيل مرة أخرى بسبب هذا التدمير الشامل. ٩ - يزعم اليهود أن عزرا الكاتب قد هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء. وعزرا هذا كان زمن السبي البابلي، ولما عاد بنو إسرائيل إلى أورشليم في زمن ملك الفرس جمعهم لقراءة ما كتب من شريعة موسى، وفي هذا قالوا: (اجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل، فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء، وكل فاهم ما يسمع في اليوم الأول من الشهر السابع، وقرأ منها أمام الساحة التي أمام باب الماء من الصباح إلى نصف النهار أمام الرجال والنساء والفاهمين، وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة).

стр. 1404

فيظهر من هذا واضحاً أن عزرا قد كتب لهم التوراة، ولم يذكر اليهود من أين وصلت التوراة إليه، وبينه وبين موسى ﵇ أكثر من ثمانية قرون؟ وقد فقدت التوراة قبل زمن عزرا قطعاً كما مرَّ ذكره. فعلى هذا يتبين أن التوراة التي كان عزرا يقرأها على الناس إما أن تكون مفتراة مكذوبة، دوَّنها عزرا من محفوظاته وما وصل إليه من مدونات ومعلومات، وليست توراة موسى، وبالتأكيد لا يوثق بحفظه ولا ما وصل إليه من أوراق وكتب؛ إذ إن ذلك يحتاج إلى إثبات السند المتصل منه إلى موسى ﵇، وهذا أبعد عليهم من السماء. وإما أن تكون معلومات متوارثة في الأحكام الواجب على بني إسرائيل التزامها، دوَّنها عزرا على أنها الفرائض التي أوجبها الله على بني إسرائيل، وزعم هو أو زعم كُتَّاب الكلام السابق أنها سفر شريعة موسى، وبين الأمرين كما بين السماء والأرض؛ إذ إن توراة موسى منزلة من عند الله، وما جمعه عزرا ودوَّنه لا يعدو أن يكون فهوماً واستنباطات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل، وهذا الاحتمال الأخير في رأيي أرجح من سابقه، وذلك لأن اليهود ذكروا في كتابهم عن عزرا قولهم: "لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء". فهذا يدل على أنه أخذ يجدُّ في الجمع والتتبع والعمل والتعليم. وهناك نص آخر يدل على أن بني إسرائيل قد أهملوا العمل بكثير من التعاليم من أيام يوشع بن نون، وفي هذا قالوا عن أحد أعيادهم التي عملوها بدعوة من عزرا: (وعمل كل الجماعة الراجعين من السبي مظال وسكنوا في المظال؛ لأنه لم يعمل بنو إسرائيل هكذا من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم، وكان فرح عظيما جدًّا). فهذا ينص صراحة على الإهمال للتعاليم، وعدم أدائها من زمن بعيد، فلا يمكن لرجل مهما أوتي من العلم جمع كل التعاليم الواجبة مع البعد الزمني، وكثرة التقلبات والانحرافات التي وقع فيها بنو إسرائيل، ومع ذلك فجمعه لا يعدو أن يكون عملاً بشريًّا لا يصح بأي حال نسبته إلى الله . ١٠ - ذكر المؤرخون أن الحاكم اليوناني (بطليموس الثاني) الذي كان في الفترة من (٢٨٢ - ٢٤٧ - ق. م) طلب من اليعازار رئيس الكهان أن يرسل إليه اثنين وسبعين عالماً من علماء التوراة؛ لترجمة أسفار موسى الخمسة إلى اليونانية فنفذ الطلب، وكان اليعازار على رأس أولئك، وتمت المهمة خلال اثنين وسبعين يوماً، فكانت الترجمة المعروفة بـ (السبعينية) في اللغة اليونانية للأسفار الخمسة. وعن اليونانية ترجم العهد القديم إلى اللاتينية.

стр. 1405

فهذه الترجمة للأسفار تمت بعد فترة طويلة جدًّا من وفاة موسى ﵇، إذ تقارب العشرة قرون، وكذلك بعد فترة طويلة من نسخة عزرا التي سبق ذكرها؛ إذ بين هذه الترجمة وتلك النسخة قرابة قرنين من الزمان، مما يجعل الكتاب الذي ترجم عنه إلى اليونانية لا سند له، فيكون المترجَم بالتالي لا قيمة له. كما أن هذه المعلومة لم يذكرها إلا رجل يوناني يسمى (أرستاي) في رسالة له لهذا ردها كثيرٌ من متأخري اليهود والنصارى، وإن كان المتقدمون قد قبلوها. كما ذكر ذلك الدبس في (تاريخ سورية). فهي معلومة لم يتوفر لها الإثباتات اللازمة، إضافة إلى غرابتها حيث زعم قائلها أن اليعازار أرسل اثنين وسبعين رجلاً من علماء اليهود، ستة من كل سبط من أسباطهم الاثني عشر، وأنهم جعلوا في أماكن منفرد بعضهم عن بعض، فكانت ترجماتهم متطابقة تماماً. فهذا الخبر لا يمكن قبوله وتصديقه، وذلك لأن مما هو متفق عليه عند اليهود أن عشرة أسباط من بني إسرائيل وهم الذين كانوا شعب دولة إسرائيل شمال دولة يهوذا قد سبوا من أيام الأشوريين في سنة (٧٢٢) ق. م وانقرضوا حيث يوصفون بالأسباط العشرة الضائعة، وحسب الخبر المذكور هنا فإن اليعازار قد أحضر ستين عالماً منهم، وهذا مستبعد جدًّا. ١١ - أن اليهود فقدوا المقدرة على فهم اللغة العبرية المدونة القديمة بعد اختلاطهم بالأمم، وذلك أن اللغة العبرية في أصلها بدون نقط ولا حركات، وهذا يسبب أخطاءً كثيرة في القراءة، فاهتدوا إلى وسيلة لإزالة هذا اللبس بإدخال النقط والحركات، والفواصل، واستمر هذا العمل من القرن السابع الميلادي إلى القرن العاشر الميلادي، فأخرجوا نسخة من التوراة باللغة العبرية على هذا النمط تسمى النسخة الماسورية، انتهوا منها في القرن العاشر الميلادي، وعن هذه النسخة- أي: العبرية- المعدلة نسخت جميع النسخ العبرية والمترجمة عنها. والسؤال المطروح هنا: أين النسخ الأصلية التي نقلت عنها النسخة الماسورية؟ الجواب عن ذلك: أنه لا يوجد بأيدي اليهود أو النصارى شيء من النسخ الأصلية سوى مخطوطات وادي قمران عند البحر الميت، والتي عثر عليها في الفترة من عام (١٩٤٧) - (١٩٥٦م) وهي مجموعات متكاملة للعهد القديم كتبت قبل الميلاد بثلاثة قرون، وأقربها عهداً ما كتب قبل الميلاد بقرن واحد، إلا أن هذه المخطوطات التي استولى على الجزء الأكبر منها كل من أمريكا، وبريطانيا، واليهود في فلسطين لم تكشف ولم تعلن حتى الآن، مما يجعل في الأذهان استفهامات عديدة حولها، وأنها تتضمن أمورا خطيرة، جعلت اليهود والنصارى يتفقون على عدم كشفها على غير عادتهم في الآثار التاريخية. ومن خلال هذا العرض التاريخي الموثق للتوراة يتبين ما يلي: ١ - أن التوراة التي أعطيها موسى ﵇ مكتوبة، والتي دوَّنها، وكذلك التي دوَّنها يوشع بن نون بعد موسى ﵇ فقدت، إما قبل عهد سليمان ﵇، أو بعده مباشرة. ٢ - أن اليهود زعموا أنهم عثروا على التوراة زمن الملك يوشيا، وهو ادعاء يحتاج إلى العديد من الإثباتات لاعتقاد صحته. ٣ - أن اليهود فقدوا ما ادعوا أنهم وجدوه زمن الملك يوشيا، وذلك بسبب تدمير بيت المقدس وما أعقب ذلك من سبي اليهود وتهجيرهم. ٤ - أن عزرا أعاد لهم التوراة وكتبها فيما زعم اليهود، وإذا قبلنا كلام اليهود هذا فإن ذلك لا يعدو أن يكون عملاً بشريًّا، وإذا كان عزرا نسبه إلى الله فهو كاذب في ذلك؛ لأن التوراة لم يدَّعِ أحد لا من اليهود، ولا من النصارى، ولا من المسلمين أنها أنزلت مرتين مرة على موسى، ومرة على عزرا.
следующие страницы →