← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

المطلب العاشر: خدم أهل الجنة يخدم أهل الجنة ولدان ينشئهم الله لخدمتهم، يكونون في غاية الجمال والكمال، كما قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: ١٧ - ١٨]، وقال في موضع آخر: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [الإنسان: ١٩]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان أهل الجنة مُّخَلَّدُونَ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون، في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى، لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [الإنسان: ١٩]، أي إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلواً منثوراً، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن). (١) وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هؤلاء الولدان هم الذين يموتون صغاراً من أبناء المؤمنين أو المشركين، وقد رد العلامة ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا القول، وبين أن الولدان المخلدون هم خلق من خلق الجنة قال: (والولدان الذين يطوفون على أهل الجنة: خلق من خلق الجنة ليسوا من أبناء الدنيا، بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة كمل خلقهم كأهل الجنة، على صورة أبيهم آدم). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٣٩

стр. 2137

المطلب الحادي عشر: سوق أهل الجنة أخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً, فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم حسناً وجمالاً.)) (١). الإمام أحمد في المسند، وقال: ((فيها كثبان المسك فإذا أخرجوا إليها هبت الريح)) (٢). وأخرج ابن أبي عاصم في كتاب (السنة) أن سعيد بن المسيب لقي أبا هريرة ﵁ فقال أبو هريرة ﵁: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد أوفيها سوق؟ قال: نعم. ((أخبرني رسول الله ﷺ : إن أهل الجنة إذا دخلوها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله ﵎، فيبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، فيوضع لهم منابر من نور، ومنابر من مسك، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم (وما فيهم دني) على كثبان المسك والكافور ما يرون أن أصحاب الكرسي بأفضل منهم مجلساً. قال أبو هريرة ﵁: وهل نرى ربنا ؟ قال: نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا. قال: فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى يقول: يا فلان ابن فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا. فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول: بلى أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى فبمغفرتي بلغت منزلتك هذه قال: فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط قال: ثم يقول ربنا ﵎: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما شئتم. قال: فيأتون سوقاً قد حفت به الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه، ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً. قال: فيقبل ذو البزة المرتفعة، فيلقى من هو دونه (وما فيهم دني) فيروعه ما يرى عليه من اللباس، والهيئة فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. قال: ثم ننصرف إلى منازلنا: فيلقانا أزواجنا فيقلن: مرحباً وأهلاً لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه. فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا)) (٣). ورواه الترمذي في صفة الجنة، وابن ماجه. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١١٢٠

стр. 2138

المطلب الثاني عشر: زيارة أهل الجنة ربهم ذكر الترمذي عن سعيد بن المسيب أنه لقى أبا هريرة فقال أبو هريرة: ((أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة, فقال سعيد أفيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم, ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا, فيزورون ربهم, ويبرز لهم عرشه, ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة, فتوضع لهم منابر من نور, ومنابر من اللؤلؤ, ومنابر من ياقوت, ومنابر من زبرجد, ومنابر من ذهب, ومنابر من فضة, ويجلس أدناهم وما فيهم من دني على كثبان المسك والكافور, ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلساً, قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا؟ قال: نعم, هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا، قال: كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم, ولا يبقى في ذلك المجلس رجل (إلا) حاضره الله محاضرة, حتى يقول للرجل فيهم: يا فلان بن فلان أتذكر يوم قلت كذا وكذا, فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى فبسعة مغفرتي بلغت بك منزلتك هذه. (فبينا) هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم, فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط, ويقول ربنا: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما (اشتهيتم) , فنأتي سوقاً قد حفت به الملائكة, (فيه) ما لم تنظر العيون إلى مثله, ولم تسمع الآذان, ولم يخطر على القلوب, فيحمل لنا ما اشتهينا, ليس يباع فيها ولا يشترى, وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً قال: فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس (فما) ينقضي آخر حديثه (حتى) يتخيل (عليه) ما هو أحسن منه, وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها, ثم ننصرف إلى منازلنا, فتتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحباً وأهلاً لقد جئت وإن (لك) من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه, فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ﷻ (ويحق لنا) أن ننقلب ما انقلبنا)) (١). ٥٤١ - وذكر الترمذي من حديث صهيب عن النبي ﷺ في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم ينجنا من النار؟! ألم يدخلنا الجنة؟! قالوا: بلى، فيكشف الحجاب, فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه)). (٢) العاقبة أو الموت والحشر والنشور لعبد الحق الأشبيلي الآذى– ص: ٣٢٥

стр. 2139

المطلب الثالث عشر: اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم أهل الجنة يزور بعضهم بعضاً، ويجتمعون في مجالس طيبة يتحدثون، ويذكرون ما كان منهم في الدنيا، وما من الله به عليهم من دخول الجنان، قال تعالى في وصف اجتماع أهل الجنة: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧]، وأخبرنا الله بلون من ألوان الأحاديث التي يتحدثون بها في مجتمعاتهم وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنا كُنا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنا كُنا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيم [الطور: ٢٥ - ٢٧]. ومن ذلك تذكرهم أهل الشر الذين كانوا يشككون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفران، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [الصافات: ٥٠ - ٦١] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٢

стр. 2140

المطلب الرابع عشر: أماني أهل الجنة يتمنى بعض أهل الجنة فيها أماني تتحقق على نحو عجيب، لا تشبه حال ما يحدث في الدنيا، وقد حدثنا الرسول ﷺ عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها. فهذا واحد من أهل الجنة يستأذن ربه في الزرع، فيأذن له، فما يكاد يلقي البذر، حتى يضرب بجذوره في الأرض، ثم ينمو، ويكتمل، وينضج في نفس الوقت، ففي (صحيح البخاري) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يتحدث – وعنده رجل من أهل البادية -: ((إن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟. قال: بلى، ولكن أحب الزرع، فبذر، فبادر الطرف نباته. واستواؤه، واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً، فإنهم أصحاب الزرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله ﷺ –)). (١) وهذا آخر يتمنى الولد، فيحقق الله له أمنيته في ساعة واحدة، حيث تحمل وتضع في ساعة واحدة. وروى الترمذي في (سننه)، وأحمد في (مسنده)، وابن حبان في (صحيحه) بإسناد صحيح عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: ((المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي)) (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٣

стр. 2141

المطلب الخامس عشر: نساء أهل الجنة زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة إذا دخل المؤمن الجنة، فإن كانت زوجته صالحة، فإنها تكون زوجته في الجنة أيضاً: جَناتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّياتِهِمْ [الرعد: ٢٣]، وهم في الجنات منعمون مع الأزواج، يتكئون في ظلال الجنة مسرورين فرحين هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ [يس: ٥٦]، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف: ٧٠]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٥

стр. 2142

المطلب السادس عشر: المرأة لآخر أزواجها روى أبو علي الحراني في (تاريخ الرقة) عن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية بن أبي سفيان ﵁ أم الدرداء، فأبت أن تتزوجه، وقالت: سمعت أن أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : ((المرأة في آخر أزواجها، أو قال: لآخر أزواجها)) (١) ورجال هذا الإسناد موثقون غير العباس بن صالح فليس له ترجمة، ورواه أبو الشيخ في (التاريخ) بإسناد صحيح مقتصراً منه على المرفوع، ورواه الطبراني في (معجمه الأوسط) بإسناد ضعيف، ولكنه بمجموع الطريقين قوي، والمرفوع منه صحيح، وله شاهدان موقوفان: الأول يرويه ابن عساكر عن عكرمة ((إن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديداً عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تزوج بعده جمع بينهما في الجنة)) (٢). ورجاله ثقات إلا أن فيه إرسالاً لأن عكرمة لم يدرك أبا بكر إلا أن يكون تلقاه عن أسماء. والآخر أخرجه البيهقي في (السنن) أن حذيفة قال لزوجته: ((إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا)) (٣). فلذلك حرم الله على أزواج النبي ﷺ أن ينكحن من بعده، لأنهن أزواجه في الآخرة. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٥

стр. 2143

المطلب السابع عشر: الحور العين يزوج الله المؤمنين في الجنة بزوجات جميلات غير زوجاتهم اللواتي في الدنيا، كما قال تعالى: كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤]. والحور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض، وسواده شديد السواد. والعين: جمع عيناء، والعيناء هي واسعة العين. وقد وصف القرآن الحور العين بأنهن كواعب أتراب، قال تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حدائق وأعناباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ: ٣١ - ٣٣]. والكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثدياها، والأتراب المتقاربات في السن. والحور العين من خلق الله في الجنة، أنشأهن الله إنشاءً فجعلهنّ أبكاراً، عرباً أتراباً إِنا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة: ٣٥ - ٣٧] وكونهن أبكاراً يقضي أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، كما قال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]، وهذا ينفي قول من قال: إن المراد بالزوجات اللواتي ينشئهن الله في الجنة زوجاتهم في الدنيا إذ يعيدهن شباباً بعد الكهولة والهرم، وهذا المعنى صحيح، فالله يدخل المؤمنات الجنة في سن الشباب، ولكنهن لسن الحور العين اللواتي ينشئهن الله إنشاء. والمراد بالعُرُب: الغنجات المتحببات لأزواجهنّ. وقد حدثنا القرآن عن جمال نساء الجنة فقال: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة: ٢٢ – ٢٣] والمراد بالمكنون: المخفي المصان، الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس، ولا عبث الأيدي، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٥٦ - ٥٨]، والياقوت والمرجان حجران كريمان فيهما جمال، ولهما منظر حسن بديع، وقد وصف الحور العين بأنهن قاصرات الطرف، وهن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن، وقد شهد الله لحور الجنة بالحسن والجمال، وحسبك أن الله شهد بهذا ليكون قد بلغ غاية الحسن والجمال فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن: ٧٠ - ٧٢]. ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس، والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٥]. وقد حدثنا الرسول ﷺ عن جمال نساء أهل الجنة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون، ولا يمتخطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن)). (١) وانظر إلى هذا الجمال الذي يحدث عنه الرسول ﷺ هل تجد له نظيراً مما تعرف؟ ((ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)) رواه البخاري. (٢) وتحديد عدد زوجات كل شخص في الجنة باثنين يبدو أنه أقل عدد، فقد ورد أن الشهيد يزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ففي (سنن الترمذي) و (سنن ابن ماجه). بإسناد صحيح عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : ((للشهيد عند الله ثلاث خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه)) (٣). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٦

стр. 2144

المطلب الثامن عشر: غناء الحور العين وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن الحور العين في الجنان يغنين بأصوات جميلة عذبة، ففي (معجم الطبراني الأوسط) بإسناد صحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط. إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا يظعنّه)) (١) وروى سمويه في (فوائده) عن أنس، عن رسول الله ﷺ : ((إن الحور العين لتغنين في الجنة، يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام)). (٢) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٤٩

стр. 2145

المطلب التاسع عشر: غيرة الحور العين على أزواجهنّ في الدنيا أخبرنا الرسول ﷺ أن الحور العين يغرن على أزواجهن في الدنيا إذا آذى الواحد زوجته في الدنيا، ففي (مسند أحمد)، و (سنن الترمذي) بإسناد صحيح عن معاذ عن رسول الله ﷺ قال: ((لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك، يوشك أن يفارقك إلينا)) (١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٠

стр. 2146

المطلب العشرون: يُعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل عن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا من الجماع)). قيل: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: ((يعطى قوة مائة رجل)) رواه الترمذي (١) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٠

стр. 2147

المطلب الحادي والعشرون: ضحك أهل الجنة من أهل النار بعد أن يدخل الله أهل الجنة الجنة ينادون خصومهم من الكفار أهل النار مبكتين ومؤنبين (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظالِمِينَ [الأعراف:٤٤]. لقد كان الكفار في الدنيا يخاصمون المؤمنين، ويسخرون منهم، ويهزؤون بهم، وفي ذلك اليوم ينتصر المؤمنون، فإذا بهم وهم في النعيم المقيم، ينظرون إلى المجرمين، فيسخرون منهم، ويهزؤون بهم، إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٢ - ٣٦]. نعم، والله لقد جوزي الكفار بمثل ما كانوا يفعلون، والجزاء من جنس العمل، ويتذكر المؤمن في جنات النعيم ذلك القرين أو الصديق الذي كان يزين له الكفر في الدنيا، وكان يدعوه إلى تلك المبادئ الضالة التي تجعله في صف الكافرين أعداء الله، فيحدّث إخوانه عن ذلك القرين، ويدعوهم للنظر إليه في مقره الذي يعذب فيه، فعندما يرى ما يعاينه من العذاب – يعلم مدى نعمة الله عليه، وكيف خلصه من حاله، ثم يتوجه إليه باللوم والتأنيب فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات: ٥٠ - ٦٠] الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥١

стр. 2148

المطلب الثاني والعشرون: التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة الجنة دار جزاء وإنعام، لا دار تكليف واختبار، وقد يشكل على هذا ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ في صفة أول زمرة تدخل الجنة، قال في آخره: ((يسبحون الله بكرة وعشياً)) (١). ولا إشكال في ذلك إن شاء الله تعالى، لأن هذا ليس من باب التكليف، قال ابن حجر في شرحه للحديث: قال القرطبي: (هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام!، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله: ((يُلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس)) (٢) ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بد منه، فجعل تنفسهم تسبيحاً، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره). وقد قرر شيخ الإسلام أن هذا التسبيح والتكبير لون من ألوان النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة، قال: (هذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٣

стр. 2149

المطلب الثالث والعشرون: رؤية الله ورضاه أفضل ما يُعطاه أهل الجنة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) متفق عليه (١) وأعظم النعيم النظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم، يقول ابن الأثير: (رؤية الله هي الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا الله الفاخرة، بلغنا الله منها ما نرجو). وقد صرح الحق ﵎ برؤية العباد لربهم في جنات النعيم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، والكفار والمشركون يحرمون من هذا النعيم العظيم، والتكرمة الباهرة: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين:١٥]، وقد روى مسلم في (صحيحه) والترمذي في (سننه) عن صهيب الرومي – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أهل الجنة، يقول ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎)، زاد في رواية: ((ثم تلا هذه الآية: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦])). (٢) وفي (صحيحي البخاري ومسلم) عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها – وفي رواية طولها – ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)). (٣) والنظر إلى وجه الله تعالى هو من المزيد الذي وعد الله به المحسنين لَهُم ما يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]، لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، وقد فسرت الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، يشير إلى هذا الحديث الذي رواه مسلم ... ورؤية الله رؤية حقيقية، لا كما تزعم بعض الفرق التي نفت رؤية الله تعالى بمقاييس عقلية باطلة، وتحريفات لفظية جائرة، وقد سئل الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة عن قوله تعالى: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣]، فقيل: إن قوماً يقولون: إلى ثوابه. فقال مالك: كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى: إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]؟ قال مالك: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم، وقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعبر الله عن الكفار بالحجاب، فقال: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين:١٥]، رواه في (شرح السنة) ومن الذين نصوا على رؤية المؤمنين ربهم في الجنات الطحاوي في العقيدة المشهورة باسم (العقيدة الطحاوية)، قال: (والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلّم لله ولرسوله ﷺ . وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه). وقال شارح (الطحاوية) مبيناً مذاهب الفرق الضالة في هذه المسألة ومذهب أهل الحق: (المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة). ثم بين أهمية هذه المسألة فقال: (وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودن). ثم بين أن قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٥٤

стр. 2150

المبحث الثامن: المحاجة بين الجنة والنار أخبرنا رسولنا ﷺ أن الجنة والنار تحاجتا عند ربهما، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ - زاد في رواية: وغرتهم – فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله – وفي رواية: حتى يضع الله ﵎ رجله – فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً)) أخرجه البخاري ومسلم. (١). وللبخاري قال: ((اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم. وقالت النار - يعنى - أوثرت بالمتكبرين. فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي. وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها - قال - فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول هل من مزيد. ثلاثا، حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعض وتقول قط قط قط)). (٢) وله في أخرى: - وكان كثيراً ما يقفه أبو سفيان الحميري، أحد رواته، قال: ((يقال لجهنم، هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب قدمه عليها، فتقول: قط قط)). (٣) ولمسلم بنحو الأولى، وانتهى عند قوله: ((ولكل واحدة منهما ملؤها)) (٤). وقال في رواية: ((فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟)) وفي آخره: ((فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع قدمه عليها، فهنالك تمتلئ، ويزوي بعضها إلى بعض)) (٥) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٦٦

стр. 2151

المبحث التاسع: الجنة خالدة وأهلها خالدون • المطلب الأول: عدم فناء الجنة. • المطلب الثاني: النصوص الدالة على أن الجنة خالدة وأهلها خالدون. • المطلب الثالث: القائلون بفناء الجنة.

стр. 2152

المطلب الأول: عدم فناء الجنة يؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله أعد لعباده المؤمنين جنة عرضها السموات والأرض يدخلها المؤمن فينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت وأنها دار باقية لا تفنى ولا نهاية لها عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨] ..... -قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة ... ) (١). ........ قال الإمامان الحافظان، أبو حاتم وأبو زرعة - رحمهما الله-: (أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً - فكان من مذهبهم ... الجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبداً) (٢). وقال الإمام أبو إسماعيل الصابوني ﵀ (ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان وإنهما باقيتان لا يفنيان أبداً) (٣). وقال الإمام الحافظ ابن حزم ﵀: (الجنة حق، والنار حق، وأنهما مخلوقتان مخلدتان هما ومن فهيما بلا نهاية ... كل هذا إجماع من جميع أهل الإسلام، ومن خرج عنه خرج عن الإسلام) (٤). وغير هؤلاء كثير، ممن نقل الإجماع على أبدية الجنة وعدم فنائها. ذكر مستند الإجماع على عدم فناء الجنة: أخبر الله تعالى بأن أهل الجنة خالدون فيها خلوداً مؤبداً، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [البينة: ٧ - ٨]. وقال تعالى: وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التغابن: ٩] وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً [النساء: ١٢٢]. ووصفهم بعدم الخروج من الجنة، فقال تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٧ - ٤٨]. ووصف نعيمهم بعدم الانقطاع، فقال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨]. وقال تعالى: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]. وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال فيؤمر به فيذبح. قال ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا)) (٥). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين - بتصرف- ص: ٨٨٤

стр. 2153

المطلب الثاني: النصوص الدالة على أن الجنة خالدة وأهلها خالدون الجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد، وأهلها فيها خالدون، لا يرحلون عنها ولا يظعنون، ولا يبيدون ولا يموتون، لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان:٥٦]، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَناتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]. وقد سقنا عند الحديث عن خلود النار – الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ذبح الموت بين الجنة والنار، ثم يقال لأهل الجنة ولأهل النار: ((يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)) (١). إن مقتضى النصوص الدالة أن الجنة تخلق خلقاً غير قابل للفناء، وكذلك أهلها، ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)). (٢) واستمع إلى النداء العلوي الرباني الذي ينادي به أهل الجنة بعد دخولهم الجنة: ((إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبتئسوا أبدا، فذلك قوله : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:٤٣].)) (٣) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٤١

стр. 2154

المطلب الثالث: القائلون بفناء الجنة قال بفناء الجنة كما قال بفناء النار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة. وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة قال بفناء حركات أهل الجنة والنار، بحيث يصيرون إلى سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة. وكل هذا باطل، قال شارح الطحاوية: (فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر به، قال تعالى: وَأَما الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:١٠٨]، أي غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [هود:١٠٨]) وقد ذكر شارح الطحاوية اختلاف السلف في هذا الاستثناء فقال: (واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: (إلا) بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعاً ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:١٠٨]، قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولاً إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم – مع خلودهم – في مشيئة الله، لأنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً [الإسراء:٨٦]، وقوله تعالى: (فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى:٢٤]، وقوله: قُل لَّوْ شَاء اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس:١٦]، ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقيل: إن (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل غير ذلك. وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:١٠٨]. وكذلك قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص:٥٤]. وقوله: أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا [الرعد:٣٥].وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى [الدخان:٥٦].وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [هود:١٠٨]، - تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر- ص١٤٣

стр. 2155

المبحث الأول: تعريف النار النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسحن فيه المجرمين. وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [آل عمران: ١٩٢]، أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٦٣]، وقال: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥]. وكيف لا تكون النار كما وصفنا وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره أقلامنا، وعن وصفه ألسنتنا، وهي مع ذلك خالدة وأهلها فيها خالدون، ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار في النار إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٦]، هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ [ص: ٥٥ – ٥٦]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص١١

стр. 2156

المبحث الثاني: الجنة والنار مخلوقتان قال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة (الطحاوية): والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى: خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد. وقال ابن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية) في شرحه لهذا النص: أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أنهما مخلوقتان، فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى: عن الجنة: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد: ٢١]، وعن النار أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلْطَّاغِينَ مَآبًا [النبأ: ٢١ – ٢٢]. وقال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٣– ١٥]. وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى. كما في (الصحيحين)، من حديث أنس ﵁، في قصة الإسراء، وفي آخره: ((ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)) (١). وفي (الصحيحين) من حديث عبدالله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)) (٢) وحديث البراء بن عازب وفيه: ((ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها)). (٣) وفي (صحيح مسلم)، عن عائشة ﵂، قالت: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله ﷺ : رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت)). (٤)

стр. 2157

وفي (الصحيحين) واللفظ للبخاري، عن عبدالله بن عباس، قال: ((انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ فقال: إني رأيت الجنة، فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم، يا رسول الله؟ قال: بكفرهن قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط)) (١) وفي (صحيح مسلم) من حديث عائشة السابق أن الرسول ﷺ قال في خطبته بعد الصلاة: ((لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً)). (٢) وفي (الموطأ) و (السنن)، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ ((إنما نسمة المؤمن طيرٌ تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة)) (٣) وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي (صحيح مسلم) و (السنن) و (المسند)، من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها)) (٤) ونظائر ذلك في السنة كثيرة وقد عقد البخاري في (صحيحه) باباً قال فيه: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة وساق في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على أن الجنة مخلوقة، منها الحديث الذي ينص على أن الله يُري الميت عندما يوضع في قبره مقعده من الجنة والنار (٥)، وحديث اطلاع الرسول ﷺ على الجنة والنار (٦)، وحديث رؤية الرسول ﷺ لقصر عمر بن الخطاب في الجنة (٧)، وغير ذلك من الأحاديث، وقد كان ابن حجر مصيباً عندما قال: وأصرح مما ذكره البخاري في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها)) (٨) (٩) شرح العقيدة الصحاوية لابن أبي العز٢/ ٦١٤

стр. 2158

المبحث الثالث: في بيان وجود النار الآن أعلم أنه لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون, وأهل السنة, والحديث قاطبة. وفقهاء الإسلام, وأهل التصوف والزهد, على اعتقاد ذلك وإثباته، مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، .... ، فإنهم دعوا الأمم إليها, وأخبروا بها, إلى أن نبغت نابغة من أهل البدع والأهواء فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة موجودة، وقالت بل الله ينشئها يوم المعاد. وأن خلق النار قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مدداً متطاولة ليس فيها سكانها؛ فردوا من النصوص الأصول والفروع، وضللوا كل من خالف بدعتهم هذه بما لا يسمن ولا يغني من جوع. ولهذا صار السلف الصالح ومن نحا نحوهم يذكرون في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن موجودتان في الحال، ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث كافة لا يختلفون فيها، منهم أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين). وقد ذكر الله تعالى النار في كتابه في مواضع كثيرة يتعسر حدها ويفوت عدها ووصفها. وأخبر بها على لسان نبيه ﷺ ونعتها فقال عز من قال فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٤] وقال إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: ٢٩]. وقال إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [الكهف: ١٠٢] وقال بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان: ١١] وقال تعالى أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح: ٢٥] وقال وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦] وقال وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [الملك: ٥] وقال النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦] إلى غير ذلك من الأدلة القطعية التي كلها صيغ موضوعة للمعنى حقيقة فلا وجه للعدول عنها إلى المجازات إلا بصريح آية أو صحيح دلالة وأنى لهم ذلك؟ وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة, وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) (١). وفيهما أيضاً أن النبي ﷺ : ((رأى في صلاة الكسوف النار فلم ير منظر أفظع من ذلك)) (٢) وفي البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: ((اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) (٣) وفيه دلالة على وجودها حال اطلاعه, ورواه الترمذي والنسائي أيضاً. وفي الصحيح (باب صفة النار وأنها مخلوقة الآن) وعن أبي ذر عن النبي ﷺ ((أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً, فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء, ونفس في الصيف, فأشد ما تجدون من الحر, وأشد ما تجدون من الزمهرير)) (٤) رواه البخاري أي من ذلك التنفس.

стр. 2159

وعن ابن عباس وابن عمر ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((الحمى من فيح جهنم, فأبردوها بالماء)) (١) رواه البخاري وفي رواية ((من فور جهنم)) (٢) رواه عن رافع بن خديج. وكل ذلك يفيد وجود النار الآن، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث ابن عمرو ﵄: ((ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم)) (٣) الحديث وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ : قال ((لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال رأيت الجنة والنار)) (٤). وفي مسند أحمد ومسلم والسنن من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها, قال: فرجع إليه وقال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها, فأمر بها فحفت بالمكاره, فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها. قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها, فإذا هي يركب بعضها بعضاً، فرجع إليه: فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها, فأمر بها فحفت بالشهوات, فقال: ارجع إليها, فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها)) (٥). قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وفي الصحيحين من حديثه أيضاً يرفعه: ((حجبت الجنة بالمكاره, وحجبت النار بالشهوات)) (٦) وفي الباب أحاديث كثيرة، وقال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في عقائده: (الجنة والنار حق, وهما مخلوقتان اليوم, باقيتان إلى يوم القيامة) انتهى، ونحوه ومثله في الكتب الأخرى المؤلفة في أصول الدين. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان - بتصرف– ص: ١٣

стр. 2160

المبحث الرابع: شبهة من قال النار لم تخلق بعد وقد ناقش شارح (الطحاوية) شبهة الذين قالوا: لم تخلق النار بعد، ورد عليها فقال: وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطراراً أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، وكُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:١٨٥]، وقد روى الترمذي في (جامعه)، من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر)) (١). وفيه أيضاً: من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة)) (٢). قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغاً منها لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى: عن امرأة فرعون أنها قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم: ١١]. فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يُحدث فيها شيئاً بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث فيها عند دخولهم أموراً أخر - فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر. وأما احتجاجكم بقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن – نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن المراد كُلُّ شَيْء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هَالِكٌ، والجنة والنار خُلِقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة. وقيل: المراد إلا مُلْكَه. وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى: أنزل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى: عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. وإنما قالوا ذلك توفيقاً بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضاً. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٣

стр. 2161

المبحث الخامس: خزنة النار يقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]. وعدتهم تسعة عشر ملكاً، كما قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٢٦ - ٣٠] وقد فتن الكفار بهذا العدد، فقد ظنوا أنه يمكن التغلب على هذا العدد القليل، وغاب عنهم أن الواحد من هؤلاء يملك من القوة ما يواجه به البشر جميعاً، ولذلك عقب الحق على ما سبق بقوله: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر: ٣١]. قال ابن رجب: والمشهور بين السلف والخلف أن الفتنة إنما جاءت من حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقلتهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن البشر كلهم مقاومته. وهؤلاء الملائكة هم الذين سماهم الله بخزنة جهنم في قوله: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]. الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩

стр. 2162

المطلب الأول: مكان النار أما مكانها فقد قال ابن عباس ﵄: (جهنم في الأرض السابعة). رواه أبو نعيم (١). وخرج ابن منده عن مجاهد قال: (قلت لابن عباس ﵄: أين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة) ...... وخرج ابن خزيمة، وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سلام ﵁: (إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض) (٢). وابن أبي الدنيا عن قتادة: (كانوا يقولون: الجنة في السموات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع) (٣). وفي حديث البراء في حق الكافر: ((يقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى, فتطرح روحه طرحاً)) (٤) خرجه الإمام أحمد، وغيره وتقدم أول الكتاب بطوله. وأخرج الإمام أحمد بسند فيه نظر عن يعلى بن أمية، عن النبي ﷺ قال: ((البحر هو جهنم)) فقالوا ليعلى: ألا تركبها. يعني: البحور. قال: ألا ترون أن الله يقول: نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: ٢٩]. لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله . (٥) قال الحافظ ابن رجب (٦): (وهذا إن شئت فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحراً واحداً، ثم يسجر ويوقد عليها فتصير ناراً، وتزاد في نار جهنم. وقد فسر قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير: ٦] بنحو هذا). وقال ابن عباس: تسجر تصير ناراً. وفي رواية عنه: (تكون الشمس والقمر والنجوم في البحر, فيبعث الله عليها ريحاً دبورا فتنفخه حتى يرجع ناراً) رواه ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وأخرجا عنه أيضاً في قوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [العنكبوت: ٥٤]. قال: (هو هذا البحر فتنشر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر فيه فيكون هو جهنم). وقال سيدنا علي ﵁ ليهودي: (أين جهنم؟ قال: تحت البحر قال علي: صدق، ثم قرأ: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [التكوير: ٦] رواه ابن أبي إياس. وخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب ﵁ في قوله: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ. قال: (قالت الجن للإنس: نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج) (٧).

стр. 2163

وفي سنن أبي داود عن ابن عمرو مرفوعاً: ((لا يركب البحر إلا حاجاً، أو معتمراً، أو غازياً في سبيل الله فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً)) (١). وروي عن ابن عمر مرفوعاً: ((إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائها فلذلك كان الصراط على جهنم طريقا إلى الجنة)) (٢). قال الحافظ ابن رجب: (هذا حديث غريب منكر) (٣). وقيل: إن النار في السماء. وخرج الإمام أحمد عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((أتيت بالبراق فلم نزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، وفتح لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار)) (٤). وخرج عنه أيضاً، عن النبي ﷺ : ((رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء فقرأت هذه الآية: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: ٢٢] فكأني لم أقرأها قط)) (٥). ولا حجة في هذا ونحوه على أن النار في السماء لجواز أن يراها في الأرض وهو في السماء, وهذا الميت يرى وهو في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض, وقد ثبت أنه ﷺ رآهما وهو في صلاة الكسوف وهو في الأرض, وفي بعض طريق حديث الإسراء عن أبي هريرة أنه مر على أرض الجنة والنار في مسيره إلى بيت المقدس (٦). ولم يدل شيء من ذلك على أن الجنة في الأرض، فحديث حذيفة إن ثبت فيه أنه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي أي: رأيت الجنة والنار حال كوني في السماء، يعني: صدرت الرؤيا مني وأنا في السماء، ولا تعرض في الحديث للمرئي فتأمل. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف – ٣/ ١٣١٣ وعن عبد الله ابن سلام قال: (إن أكرم خليفة لله أبو القاسم ﷺ , وإن الجنة في السماء) (٧) أخرجه أبو نعيم، وعنده أيضاً عن ابن عباس ((أن الجنة في السماء السابعة)) ويجعلها الله تعالى حيث شاء يوم القيامة، ((وجهنم في الأرض السابعة)) (٨) وعن ابن مسعود ﵁: ((الجنة في السماء الرابعة, فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء, والنار في الأرض السابعة فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء)) (٩) أخرجه ابن مندة (١٠). وقال مجاهد: قلت لابن عباس: (أين الجنة؟ قال: فوق سبع سموات، قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة) (١١) رواه ابن منده، قال الشوكاني في فتح القدير: والأولى الحمل على ما هو الأعم من هذه الأقوال, فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء, والقدر, والقضاء ينزل منها, والجنة والنار فيها. انتهى. ...

стр. 2164

والحاصل أن الجنة فوق السماء السابعة, وسقفها العرش، وأن النار في الأرض السابعة على الصحيح المعتمد وبالله التوفيق) انتهى (١). ... قال السيوطي في (إتمام الدراية شرح النقاية): (ونقف عن النار, أي نقول فيها بالوقف, أي محلها حيث لا يعلمه إلا الله، فلم يثبت عندي حديث أعتمده في ذلك, وقيل: تحت الأرض لما روى ابن عبد البر وضعفه من حديث ابن عمر مرفوعاً ((لا يركب البحر إلا غاز أو حاج, أو معتمر, فإن تحت البحر ناراً)) (٢) ...... وقيل: هي على وجه الأرض لما روى وهب أيضاً قال: (قال: أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالاً صغاراً – إلى أن قال – يا قاف, أخبرني عن عظمة الله, فقال: إن شأن ربنا لعظيم. إن ورائي أرضاً مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام, من جبال ثلج, يحطم بعضها بعضاً ولولا هي لاحترقت من جهنم). وروى الحارث بن أسامة في مسنده عن عبد الله بن سلام قال: (الجنة في السماء والنار في الأرض) وقيل: محلها في السماء). انتهى كلام السيوطي ومثله في التذكرة للقرطبي قال: (فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها, وأين هي من الأرض). انتهى. وقال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في عقيدته: (ولم يصرح نص بتعيين مكانهما بل حيث شاء الله تعالى إذ لا إحاطة لنا بخلق الله وعوالمه)، انتهى. أقول وهذا القول أرجح الأقوال وأحوطها إن شاء الله تعالى. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان- بتصرف– ص: ٢٣

стр. 2165

المطلب الثاني: سعة النار وبعد قعرها وأما قعرها وعمقها فعن خالد بن عمير قال: ((خطب عتبة بن غزوان فقال: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرك لها قعراً والله لَتُملأَن أفعجبتم.)) (١) رواه مسلم موقوفاً هكذا، وكذا خرجه الإمام أحمد موقوفاً، وخرجه أيضاً مرفوعاً. قال الحافظ: والموقوف أصح (٢). وخرج الترمذي عن عتبة بن غزوان أنه قال على منبر البصرة عن النبي ﷺ قال: ((إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين وما تقض إلى قرارها)). قال: وكان عمر ﵁ يقول: (أكثروا ذكر النار, فإن حرها شديد, وإن قعرها بعيد, وإن مقامعها من حديد) (٣). قال الترمذي: (رواه الحسن عن عتبة ولا نعرف للحسن سماعاً من عتبة بن غزوان). وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كنا عند رسول الله ﷺ يوماً فسمعنا وجبة، فقال النبي ﷺ : أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفاً)) (٤). وخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لو أن حجراً قذف به في نار جهنم لهوى فيها سبعين خريفاً قبل أن يبلغ قعرها)) (٥) (٦). وأخرج ابن المبارك عن أبي أمامة ﵁ قال: (إن ما بين شفير جهنم مسيرة سبعين خريفاً من حجر يهوي أو صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات أي: نوق عشارية عظام سمان فقال له رجل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم غي وآثام) (٧). قال الحافظ في التخويف (٨): (وقد روي هذا مرفوعاً بإسناد فيه ضعف وزاد فيه: ((قيل وما غي وما آثام قال: بئران يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللتان ذكرهما الله في كتابه فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩] وفي الفرقان يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان: ٦٨].)) (٩). قال الحافظ: (والموقوف أصح) (١٠). وأخرج الإمام أحمد عن عبد الله عنه ﷺ قال: ((ما من حكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على شفير جهنم, ثم يرفع رأسه إلى الله فإذا قال: ألقه، ألقاه في مهوي أربعين خريفاً)) (١١).

стр. 2166

وفي التخويف للحافظ (١) بسند فيه عبد الله بن الوليد الرصافي لا يحفظ الحديث – وكان شيخاً صالحاً – أن أبا ذر ﵁ قال لعمر ﵁ ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقي منه مفصل إلا زال عن مكانه, فإن كان مطيعاً لله في عمله مضى به، وإن كان عاصياً لله في عمله انخرق به الجسر فهوى في جهنم مقدار خمسين عاماً. فقال له عمر ﵁: من يطلب العمل بعد هذا؟ قال أبو ذر ﵁: من سلت الله أنفه, وألصق خده بالتراب, فجاء أبو الدرداء فقال له عمر: يا أبا الدرداء هل سمعت رسول الله ﷺ ؟ حدثنا بحديث حدثني به أبو ذر، قال: فأخبره أن مع الخمسين خمسين عاما يهوي أو نحو هذا)) (٢). ........ وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله قال: قال النبي ﷺ : ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار)) (٣) وفي لفظ ((يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)) (٤). وأخرج الإمام أحمد والترمذي عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها في النار سبعين خريفاً)) (٥). وخرجه ابن ماجه وكذا البزار بنحوه عن ابن مسعود ﵁. هذا عمقها. وأما سعتها فروى مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: ((أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: قال: أجل والله ما تدرون, ما بين شحمة أذن أحدهم وعاتقه مسيرة سبعين خريفاً، تجري فيه أودية القيح والصديد والدم، قلنا: أنهار؟ قال: لا بل أودية، ثم قال: أتدرون ما سعة جهنم؟ قلنا: لا، قال: حدثتني عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] فأين الناس يومئذ؟ قال: على جسر جهنم)) روه الإمام أحمد. (٦) وخرج النسائي والترمذي منه المرفوع وصححه الترمذي وخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني - بتصرف– ٣/ ١٣٢٣

стр. 2167

المطلب الثالث: دركات النار النار متفاوتة في شدة حرها، وما أعده الله من العذاب لأهلها، فليست درجة واحدة، وقد قال الحق ﵎: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥]. والعرب تطلق: الدرك على كل ما تسافل، كما تطلق: الدرج على كل ما تعالى: فيقال: للجنة درجات وللنار دركات، وكلما ذهبت النار سفلاً كلما علا حرها واشتد لهيبها، والمنافقون لهم النصيب الأوفر من العذاب، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار. وقد تسمى النار درجات أيضاً، ففي سورة الأنعام ذكر الله أهل الجنة والنار، ثم قال: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ [الأنعام: ١٣٢]، وقال: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ, هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]، قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: (درجات الجنة تذهب علواً، ودرجات النار تذهب سفلاً) (١). وقد ورد عن بعض السلف أن عصاة الموحدين ممن يدخلون النار يكونون في الدرك الأعلى، ويكون في الدرك الثاني اليهود، وفي الدرك الثالث النصارى، وفي الدرك الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، وفي السادس مشركو العرب، وفي السابع المنافقون. ووقع في بعض الكتب تسمية هذه الدركات: فالأول جهنم، والثاني لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم، والسابع الهاوية. ولم يصح تقسيم الناس في النار وفق هذا التقسيم، كما لم يصح تسمية دركات النار على النحو الذي ذكروه، والصحيح أن كل واحد من هذه الأسماء التي ذكروها: جهنم، لظى، الحطمة ... إلخ اسم علم للنار كلها، وليس لجزء من النار دون جزء الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٥ فعذاب جهنم متفاوت بعضه أشد من بعض، وعلى هذا فمنازل أهل النار متفاوتة بتفاوت دركاتها، وقد أخبر سبحانه أن المنافقين أسفل أهل النار إذ هم في الدرك الأسفل منها. وأخبر ﷺ عن أهون أهل النار عذاباً فقال: ((إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه)) (٢). وصرح ﷺ أنه أبو طالب فقال: ((أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو متنعل بنعلين يغلي منهما دماغه)) (٣). ولا شك أن عصاة المؤمنين الذين يدخلون النار فيعذبون فيها على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها .... لا شك أنهم أهون أهل النار عذاباً لأن عذابهم فيها مؤقت، أما بقية أهل النار من الكفار والمنافقين فكما قال الله فيهم: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا [فاطر: ٣٦]. ومقصود النبي ﷺ بقوله: ((أهون أهل النار عذاباً)) في هذا الحديث أهلها المقيمين فيها الذين لا يخرجون منها كما قال ﷺ : ((أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتهم إماتة. حتى إذا كانوا فحماً، أذن بالشفاعة. فجيء بهم ضبائر ضبائر. فبثوا على أنهار الجنة. ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)) (٤). مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد عبدالرحمن الشظيفي - بتصرف – ص ٤١٣

стр. 2168

المطلب الرابع: سجر جهنم وتسعرها روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لما خلق الله النار أرسل إليها جبريل قال له: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضاً, فرجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها, فأمر بها فحفت بالشهوات, ثم قال له: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها, فذهب فنظر إليها ورجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها)) خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي (١). وفي حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن ملكين أتياه في المنام فذكر رؤيا طويلة وفيها: قال: انطلقت, فأتينا على رجل كريه المرآة, كأكره ما أنت راء، فإذا هو عند نار يحشها ويسعى حولها قال: قلت: ما هذا؟ قالا لي: انطلق)) وفي آخر الحديث: ((قالا: فأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم)) وقد خرجه البخاري بتمامه، وخرج مسلم أوله ولم يتمه (٢). وقوله: ((كريه المرآة)) أي المنظر, وقوله: ((يحشها)) أي يوقدها. وروى هذا الحديث أبو خلدة عن أبي رجاء عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ فذكر الحديث بطوله، وفي حديثه قال: ((فرأيت شجرة لو اجتمع تحتها خلق كثير لأظلتهم, وتحتها رجلان أحدهما يوقد ناراً والآخر يحتطب الحطب)) وفي آخر الحديث: ((قلت: فالرجلان اللذان رأيت تحت الشجرة، قال: ذلك ملكان من جهنم يحمون جهنم لأعداء الله إلى يوم القيامة)) (٣) ... وجهنم تسجر كل يوم نصف النهار, وفي (صحيح مسلم) عن عمرو بن عبسة عن النبي ﷺ قال: ((صلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع, فإنها تطلع بين قرني شيطان, وحينئذ يسجد لها الكفار, ثم صل فإن الصلاة مشهودة (محظورة) حتى يستقل الظل بالرمح, ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل)) (٤) وذكر بقية الحديث. وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث أبي أمامة وغيره (٥). وفي حديث صفوان بن المعطل عن النبي ﷺ : ((إذا طلعت الشمس فصل حتى تعتدل على رأسك مثل المرح، فإذا اعتدلت على رأسك فإن تلك الساعة تسخر فيها جهنم وتفتح فيها أبوابها, حتى تزول عن حاجبك الأيمن)) خرجه عبدالله بن الإمام أحمد (٦). وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((فإذا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس, فإنها حيئنذ تسعر جهنم, وشدة الحر من فيح جهنم)) (٧). وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبدالله بن مسعود قال: (أن الشمس تطلع بين قرني شيطان, أو في قرني شيطان, فما ترتفع قصمة في السماء إلا فتح لها باب من أبواب النار, فإذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها, فكنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس, وعند غروبها, ونصف النهار) (٨) خرجه يعقوب بن شيبة ورواه الإمام أحمد عن أبي بكر بن عياش أيضاً. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (٩) وفي رواية خرجها أبو نعيم: ((من فيح جهنم)) أو ((من فيح أبواب جهنم)) (١٠) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لا بن رجب - ص: ٩٨ – ١٠١

стр. 2169

المطلب الخامس: أبواب النار أخبر الحق أن للنار سبعة أبواب كما قال تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ [الحجر: ٤٣ - ٤٤]. قال ابن كثير في تفسير الآية: أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بحسب عمله ونُقِلَ عن علي بن أبي طالب قوله وهو يخطب: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون - أطباقاً بعضها فوق بعض ونُقل عنه أيضاً قوله: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تمتلئ كلها (١). وعندما يردُ الكفار النار تفتح أبوابها، ثم يدخلونها خالدين وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: ٧١]، وبعد هذا الإقرار يقال لهم: ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٧٢]، وهذه الأبواب تغلق على المجرمين، فلا مطمع لهم في الخروج منها بعد ذلك، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ [البلد: ١٩ - ٢٠]. قال ابن عباس: مُّؤْصَدَةٌ مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش، أي أغلقه. (٢) وقال الحق في سورة الهمزة: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ [الهمزة: ١ - ٩]. فأخبر الحق أن أبوابها مغلقة عليهم، وقال ابن عباس: فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ يعني الأبواب هي الممددة، وقال قتادة في قراءة ابن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة، وقال عطية العوفي: هي عمد من حديد، وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها، وعلى هذا فقوله: مُّمَدَّدَةٍ صفة للعمد، يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممددة مطولة، والممدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير. وقد تفتح أبواب النار وتغلق قبل يوم القيامة، فقد أخبر المصطفى أن أبواب النار تغلق في شهر رمضان، فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ومردة الجن)) (٣). وخرّج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب)) (٤) الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٧

стр. 2170

المطلب السادس: بُعد أبواب جهنم بعضها من بعض وما أعد الله تعالى فيها من العذاب قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر: ٤٤] قال: (من الكفار، والمنافقين, والشياطين، بين الباب والباب خمسمائة عام, فالباب الأول: يسمى جهنم لأنه يتجهم في وجوه الرجال والنساء، فيأكل لحومهم، وهو أهون عذاباً من غيره، والباب الثاني: يقال له: لظى نزاعة للشوى، ويقول آكلة لليدين والرجلين, تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ عن التوحيد وتولى عما جاء به محمد ﷺ ، والباب الثالث: يقال: له سقر، وإنما سمي سقر لأنه يأكل لحوم الرجال والنساء لا يبقى لهم لحماً على عظم، والباب الرابع يقال له: الحطمة. فقد قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحُطَمَةُ الآية تحطم العظام، وتحرق الأفئدة: قال تعالى: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ , تأخذه النار من قدميه، وتطلع على فؤاده، وترمي بشرر كالقصر، كما قال تعالى: تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ الآية, يعني سوداً فتطلع الشرر إلى السماء، ثم تنزل فتحرق وجوههم, وأيديهم, وأبدانهم، فيبكون الدمع حتى ينفذ، ثم يبكون الدماء، ثم يبكون القيح حتى تنفذ، حتى أن السفن لو أرسلت تجري فيما خرج من أعينهم لجرت، والباب الخامس يقال: له الجحيم, وإنما سمي الجحيم لأنه عظيم، الجمرة الواحدة منه أعظم من الدنيا. والباب السادس: يقال له: السعير وإنما سمي السعير لأن يسعر منذ خلق؛ فيه ثلاثمائة قصر في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب, وفيه الحيات، والعقارب، والقيود، والسلاسل، والأغلال، والأنكال، وفيه جب الحزن، ليس في النار عذاب أشد منه، إذا فتح باب الجب حزن أهل النار حزناً شديداً. الباب السابع: يقال له الهاوية من وقع فيه لم يخرج منه أبداً. وفيه بئر الهباب إذا فتح تخرج منه نار تستعيذ منه النار، وفيه الذي قال الله : سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا أو جبل من نار تصعده أعداء الله على وجوههم, مغلولة أيديهم إلى أعناقهم, مجموعة أعناقهم إلى أقدامهم, والزبانية وقوف على رءوسهم, بأيديهم مقامع من حديد، إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة سمع صوتها الثقلان، وأبواب النار حديد، فرشها الشوك، غشاوتها الظلمة, أرضها نحاس, ورصاص, وزجاج، النار من فوقهم، والنار من تحتهم، لهم من فوقهم ظلل من النار. ومن تحتهم ظلل, أوقد عليها ألف عام حتى احمرت, وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مدلهمة مظلمة، قد مزجت بغضب الله). ذكره القتيبي في كتاب (عيون الأخبار). وذكر عن ابن عباس: (أن جهنم سوداء مظلمة لا ضوء لها ولا لهب، وهي كما قال تعالى: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ على كل باب سبعون ألف جبل, على كل جبل سبعون ألف شعب من النار، في كل شعب سبعون ألف شق من نار، في كل شق سبعون ألف واد من نار، في كل واد سبعون ألف قصر من النار، في كل قصر سبعون ألف حية, وسبعون ألف عقرب، لكل عقرب سبعون ألف ذنب، لكل ذنب سبعون ألف نقار, لكل نقار سبعون ألف قلة من سم، فإذا كان يوم القيامة كشف عنها الغطاء, فتطير منها سرادق عن يمين الثقلين, وآخر عن شمالهم, وسرادق أمامهم, وسرادق من فوقهم, وآخر من ورائهم، فإذا نظر الثقلان إلى ذلك جثوا على ركبهم وكل ينادي رب سلم سلم). قال القرطبي (١): (ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو توقيف لأنه أخبار عن مغيب). انتهى. ثم نقل عن وهب بن منبه نحوه. وأقول: وهب يحدث عن الإسرائيليين كثيراً، ولا يقبل مثل ذلك عنه، ولا عن أمثاله ونظرائه إلا أن يرد به دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، وما ورد في ذلك من القرآن والحديث يكفي، ويشفي ويغني عن غيره. يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار لصديق حسن خان– ص: ١١٣

стр. 2171

المطلب السابع: وقود النار وقود النار الأحجار والفجرة الكفار، كما قال الحق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: ٦]، وقال: فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٤]. والمراد بالناس الذين توقد النار بهم الكفرة المشركون، وأما نوع الحجارة التي تكون للنار وقوداً فالله أعلم بحقيقتها، وقد ذهب بعض السلف إلى أن هذه الحجارة من كبريت، قال عبدالله بن مسعود: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في المستدرك. وقال بهذا القول ابن عباس ومجاهد وابن جريج. (١) وإذا كان القول هذا مأخوذاً من الرسول ﷺ فنأخذ به، ولا نجادل فيه، وإن كان أمراً اجتهادياً مبنياً على العلم بطبائع الحجارة وخصائصها فهذا قول غير مسلّم، فإن من الحجارة ما يفوق حجارة الكبريت قوة واشتعالاً. والأوائل رأوا أن حجارة الكبريت لها خصائص ليست لغيرها من الحجارة فقالوا إنها مادة وقود النار، يقول ابن رجب: وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار. ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت. وقد يوجد الله من أنواع الحجارة ما يفوق ما في الكبريت من خصائص، ونحن نجزم أن ما في الآخرة مغاير لما في الدنيا. ومما توقد به النار الآلهة التي كانت تعبد من دون الله إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: ٩٨ – ٩٩] وحصبها: وقودها وحطبها، وقال الجوهري: كل ما أوقدت به النار أو هيجتها فقد حصبتها، وقال أبو عبيدة: كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٣٠

стр. 2172

المطلب الثامن: شدة حرها وعظم دخانها وشرارها، وزمهريرها قال الله تعالى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة:٤١ - ٤٤] قال ابن عباس: (من دخان) وكذا قال مجاهد وعكرمة وغير واحد (١)، وعن مجاهد قال: (ظل من دخان جهنم وهو السموم) (٢) وقال أبو مالك: (اليحموم ظل من دخان جهنم) (٣) قال الحسن وقتادة في قوله: لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ: (لا بارد المدخل ولا كريم المنظر) (٤) , والسموم: هو الريح الحارة, قاله قتادة وغيره (٥). وهذا الآية تضمنت ذكر ما يتبرد به في الدنيا من الكرب والحر، وهو ثلاثة، الماء, والهواء, والظل، فهواء جهنم، السموم وهو الريح الحارة الشديدة الحر، وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره، وظلها اليحموم, وهو قطع دخانها أجارنا الله من ذلك كله بكرمه ومنه. وقال تعالى: انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات:٣٠] , قال مجاهد: (هو دخان جهنم: اللهب الأخضر, والأسود, والأصفر الذي يعلو النار إذا أوقدت). قال السدي: في قوله: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [المرسلات:٣٢] قال: (زعموا أن شررها ترمي به كأصول الشجر ثم يرتفع فيمتد). وقال القرظي: (على جهنم سور, فما خرج من وراء سورها يخرج منها في عظم القصور, ولون القار) (٦). وقال الحسن والضحاك في قوله: كَالْقَصْرِ: (هو كأصول الشجر العظام) (٧). وقال مجاهد: (قطع الشجر والجبل) (٨). وصح عن ابن مسعود قال: (شرر كالقصور والمدائن) (٩). وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ يقول: كالقصر العظيم) (١٠). وفي (صحيح البخاري) عن ابن عباس قال: (كنا نرفع من الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل, نرفعه للشتاء نسميه القصر) (١١). وقوله: كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ قال ابن عباس: (حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض تكون كأوساط الرجال) (١٢) وقال مجاهد: (هي حبال الجسور) (١٣). وقالت طائفة: (هي الإبل) منهم الحسن وقتادة والضحاك (١٤) وقالوا: (الصفر هي السود). وروي عن مجاهد أيضاً (١٥). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: جِمَالَتٌ صُفْرٌ قال: (يقول قطع النحاس) (١٦).

стр. 2173

قال الله : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن:٣٥] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ ويقول: لهب النار وَنُحَاسٌ يقول: دخان النار) (١)، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح وغيرهما: أن النحاس دخان النار (٢)، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ قال: (دخان) (٣)، وقال أبو صالح: (الشواظ: اللهب الذي فوق النار ودون الدخان) (٤)، قال منصور عن مجاهد: (الشواظ، هو اللهب الأخضر المتقطع) وعنه قال: (الشواظ قطعة من النار فيها خضرة) (٥). قال الحسين بن منصور: أخرج الفضيل بن عياض رأسه من خوخة, فقال منصور عن مجاهد: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ [الرحمن:٣٥] ثم أدخل رأسه فانتحب ثم أخرج رأسه، فقال: هو اللهب المنقطع, ولم يستطع أن يجيز الحديث (٦). وخرج النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ أبداً)) (٧) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لابن رجب - ص: ١١٠ – ١١٢ أما حرها فقال تعالى: وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فنفسني, فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من سمومها, وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها)) (٨). وفيهما عن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: ((ناركم هذه ما يوقد ابن آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم)) قالوا: والله إن كانت لكافية قال: ((إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها)) (٩). وخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: ((وضربت بالبحر مرتين, ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد)) (١٠) وتقدم.

стр. 2174

وخرج الإمام عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((إن النار هذه جزء من مائة جزء من جهنم)) (١) وروى الطبراني: ((أن جبريل ﵇ قال لرسول الله ﷺ : والذي بعثك بالحق لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره)) (٢). قال الحافظ (٣): (وروي عن الحسن مرسلاً من وجه ضعيف، والحديث تكلم فيه والله تعالى أعلم). وقال كعب الأحبار ﵀ لعمر بن الخطاب ﵁: (لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها.) وقال عبد الملك بن عمير: (لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها). وقال بشير بن منصور: قلت لعطاء السلمي ﵀: (لو أن إنساناً أوقدت له نار وقيل له: من دخل هذه النار نجا من النار، فقال عطاء: لو قيل لي ذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً قبل أن أقع فيها) (٤). فإن قلت قد ذكرت عن المصطفى ﷺ : ((أن هذه النار جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)) (٥) وفي حديث آخر ((من مائة جزء)) (٦) وكلا الحديثين ثابت عنه ﷺ . قلت: لفظة سبعين وسبعمائة وسبعة آلاف ونحوها كثيراً ما يراد به التكثير كقوله تعالى: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] وهذا كثير جداً في كلام العرب أو يقال: إن هذين الحديثين وردا بحسب اختلاف النارين اللتين من نار الدنيا, وكل أحد يشاهد أن بعض نار الدنيا أقوى وأشد حر من بعض، هذا معلوم بالحس لا ينكره أحد والله تعالى أعلم. وأما زمهريرها فروي أن بيتاً في جهنم يتميز فيه الكافر من برده يعني يتقطع ويتمزع وقال مجاهد: (إن في النار لزمهريراً يقيلون فيه، يهربون إلى ذلك الزمهرير فإذا وقعوا حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض). وقال ابن عباس ﵄: (يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر) (٧). وعن عبد الملك بن عمير أنه قال: (بلغني أن أهل النار يسألون خازنها أن يخرجهم إلى حَبَّانها فأخرجهم فقتلهم البرد حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوا من البرد) (٨). وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس ﵄: أن كعباً ﵁ قال: (إن في جهنم برداً هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم) (٩). البحور الزاخرة في علوم الآخرة لمحمد بن أحمد السفاريني – ٣/ ١٣٤٣

стр. 2175

المطلب التاسع: النار تتكلم وتبصر الذي يقرأ النصوص من الكتاب والسنة التي تصف النار يجدها مخلوقاً يبصر، ويتكلم، ويشتكي، ففي الكتاب العزيز أن النار ترى أهلها وهم قادمون إليها من بعيد، فعند ذلك تطلق الأصوات المرعبة الدالة على مدى حنقها وغيظها على هؤلاء المجرمين، قال تعالى: إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: ١٢]. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: ((إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: مالك؟ فتقول: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف)) (١). وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، تقول: إني وُكّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين)) (٢). الجنة والنار لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٣٥
следующие страницы →