المبحث الأول: معنى المحو والإثبات في الصحف، وزيادة الأجل ونقصانه
قد يشكل على بعض الناس مواضع في كتاب الله وأحاديث رسول الله صلى الله وسلم، فيقول بعضهم: إذا كان الله علم ما هو كائن، وكتب ذلك كله عنده في كتاب فما معنى قوله: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩].
وإذا كانت الأرزاق والأعمال والآجال مكتوبة لا تزيد ولا تنقص فما توجيهكم لقوله ﷺ : ((من سرَّه أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه)) (١). وكيف تفسرون قول نوح لقومه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح: ٣ - ٤]. وما قولكم في الحديث الذي فيه أن الله جعل عمر داود ﵇ مائة سنة بعد أن كان أربعين سنة (٢). والجواب أن الأرزاق والأعمار نوعان: نوع جرى به القدر وكتب في أم الكتاب، فهذا لا يتغير ولا يتبدل، ونوع أعلم الله به ملائكته فهذا هو الذي يزيد وينقص، ولذلك قال الله تعالى: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]. وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي قدر الله فيه الأمور على ما هي عليه. ففي كتب الملائكة يزيد العمر وينقص، وكذلك الرزق بحسب الأسباب، فإن الملائكة يكتبون له رزقاً وأجلاً، فإذا وصل رحمه زيد له في الرزق والأجل، وإلا فإنه ينقص له منهما. والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجل مقيد، فإن الله يأمر الملك أن يكتب لعبده أجلاً، فإن وصل رحمه، فيأمره بأن يزيد في أجله ورزقه. والملك لا يعلم أيزاد له في ذلك أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء الأجل لم يتقدم ولم يتأخر. يقول ابن حجر العسقلاني: الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، والذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند الله (٣). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٦
стр. 2312
المبحث الثاني: التوفيق بين الأقدار وبين كل مولود يولد على الفطرة
وقد يقول بعض الناس كيف يكون الله قدر كل شيء مع أنه صح عن رسولنا أن كل مولود يولد على الفطرة؟
فالجواب أنه لا تناقض ولا تعارض بين النصوص المبينة أن كل شيء بقدر، والنصوص المخبرة بأن كل مولود يولد على الفطرة. فالله فطر عباده على السلامة من الاعتقادات الباطلة كما فطرهم على قبول العقائد الصحيحة، ثم إذا ولدوا أحاطت بهم شياطين الإنس والجن، فأفسدت فطرهم وغيَّرتها، وثبَّت الله من شاء الله هدايته على الحق. والله يعلم من يثبت على الفطرة السويّة السليمة، ومن تتغير فطرته، علم ذلك في الأزل وكتبه، فلا منافاة بين هذه النصوص ولا تعارض بينهما، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في (صحيحه) عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن الله: ((إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)) (١). والله يعلم من الذي تجتالهُ الشياطين وتغرر به، ويعلم من يثبت على الحق، ويهدى للصواب. وإذا عرفت هذا الذي بيناه علمت كيف تُوَجِّه قوله صلى لله عليه وسلم: ((خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً، وخلق فرعون في بطن أمه كافراً)). رواه ابن عدي في (الكامل)، والطبراني في (الأوسط) (٢). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٨
стр. 2313
المبحث الثالث: معنى قوله: وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ
وقد يحتج بعض الناس للقدرية النفاة بقوله تعالى: ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلناسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا [النساء:٧٩]، ويظنون أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي. وهؤلاء أخطؤوا الفهم، فالمراد بالحسنات هنا النعم، والمراد بالسيئات المصائب، يدلنا على صحة هذا الفهم سياق النص. قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: ٧٨ - ٧٩]. فالله يحكي عن المنافقين أنهم كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل الرزق والنصر والعافية، قالوا: هذه من الله، وإذا أصابتهم سيئة مثل ضَرْبٍ ومرضٍ وخوفٍ من عدو قالوا: هذه من عندك يا محمد. أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا الناس لأجله، وابتلينا لأجله بهذه المصائب. فالحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب، وهذه كقوله تعالى: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: ١٢٠]، وقوله: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٨٦]. ثم قرر الحق أن المصائب والنعم لا تخرج عن قدر الله ومشيئته قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: ٧٨]. ثم بين الحق ﵎ أن السيئات التي هي المصائب ليس لها سبب إذا أذنب العبد إلا من نفسه، وأما ما يصيب العبد من الخير فلا تنحصر أسبابه، لأنه من فضل الله، يحصل بعمل العبد وبغير عمله من إنعام الله عليه، فالواجب على العباد أن يشكروا ربهم ويحمدوه على ما أنعم به عليهم، كما يجب أن يكثروا من التوبة والأوبة والاستغفار مما اقترفوه من ذنوب سببت لهم المصائب والبلايا. وإذا أنت تأملت في قوله: ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلناسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا علمت أن الحسنة والسيئة هي فعل الله بالعباد التي هي المصائب والنعم، أما قوله فَمِن نَّفْسِكَ أي بسبب ذنوب العبد وخطاياه، وهذا وإن كان مقدراً إلا أن الله قدر أن تكون المصيبة بسبب الذنب. أما الحسنات والسيئات التي هي أفعال العباد فلا يقال فيها: فَمِن نَّفْسِكَ وإنما يقول: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [القصص: ٨٤]. وإنما قال هنا: جاء لأن الحسنة فعل الجائي، ولذلك صرح بهذا في جانب الذنوب والمعاصي: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [القصص:٨٤]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٦٩
стр. 2314
المبحث الرابع: كيف يخلق الله الشر ويقدره ؟
وقد يشاغب بعض القدرية فيقولون: إنَّ الله مقدس عن فعل الشر، وإن الواجب على العباد أن ينزهوا ربهم عن الشر وفعله، وهؤلاء خلطوا حقاً بباطل فالتبست عليهم الأمور وجواب هذه الشبهة أن الله تعالى لا يخلق الشرَّ المحض الذي لا خير فيه، ولا منفعة فيه لأحد، وليس فيه حِكْمَة ولا رحمة، ولا يعذب الناس بلا ذنب، وقد بين العلماء أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما ما في خلق إبليس والحشرات والكواسر من الحكمة والرحمة. فالشيء الواحد يكون خلقه باعتبار خيراً، وباعتبار آخر شراً، فالله خلق إبليس يبتلي به عباده، فمنهم من يمقته، ويحاربه ويحارب منهجه، ويعاديه ويعادي أولياءَه، ويوالي الرحمن ويخضع له، ومنهم من يواليه ويتبع خطواته. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٧٠
стр. 2315
الفصل الثالث: التاركون للعمل اتكالاً على القدر
ضل فريق آخر في باب القدر فقالوا: إذا كان الله عالماً بكل شيء نفعله، وعالماً بمصيرنا إلى الجنة أو النار، وكان هو الخالق لأفعالنا، فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أَعِنَّتِهَا، وسيأتينا ما قدر لنا شئنا أم أبينا.
وقد تَعمَّقَتْ هذه الضلالة عند طوائف من العُباد والزهاد وأهل التصوف، ولم تقله طائفة واحدة بعينها من طوائف أهل المقالات، وكان ولا يزال هذا القول على ألسنة كثير من جهال المسلمين وأهل الزيغ والزندقة. وهذا الفريق يؤمن بالقدر، وأن الله عالم بكل شيء، وخالق لكل شيء، ومريد لجميع الكائنات، ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل والأخذ بالأسباب، فما قُدِّر لهم سيأتيهم، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل، بل هو مع القدر كالريشة في مهب الريح، وكالساقط من قمة جبل شامخ إلى واد بعيد غورهُ، سحيق قَعُره، لا يملك وهو يتردى فيه من أمره شيئاً. لقد ترك هؤلاء العمل احتجاجاً بالقدر قبل وقوعه، واحتجوا بالقدر على ما يقع منهم من أعمال مخالفة للشرع، ووصل بهم الحال إلى عدم التفريق بين الكفر والإيمان، وأهل الهدى والضلال، لأن جميع ذلك خلق الله، فلم التفريق؟ إن هذه العقيدة المنحرفة أضلت عقولاً كثيرة وانحرف مسارها عن جادة الحق والصواب، فاضطربت عندها موازين العدل والحق، وعطلت هذه العقيدة المنحرفة طاقات هائلة في العالم الإسلامي، أقعدتها عن العمل، بل جيَّرت أعمالها لمصلحة أعداء الإسلام في بعض الأحيان. لقد كان من آثار هذه العقيدة الزعم بأن الله أحب الكفر والشرك والقتل والزنا والسرقة وعقوق الوالدين وغير ذلك من الذنوب والمعاصي، لأنهم يزعمون أن كل شيء خلقه الله وأوجده فهو يحبه ويرضاه. ومن آثارها أن أصحابها تركوا الأعمال الصالحة الخيرة التي توصلهم إلى الجنة وتنجيهم من النار، وارتكبوا كثيراً من الموبقات بدعوى أن القدر آت آت، وكل ما قدر للعبد سيصيبه، فلماذا العمل والتعب والنصب.
стр. 2316
لقد ترك هؤلاء الأخذ بالأسباب، فتركوا الصلاة والصيام، كما تركوا الدعاء والاستعانة بالله والتوكل عليه، لأنه لا فائدة منها، فالذي يريده الله ماض قادم لا ينفع معه دعاء ولا عمل. ورضي كثير من هؤلاء بظلم الظالمين وإفساد المفسدين، لأن ما يفعلوه قدر الله وإرادته. وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يهتموا بإقامة الحدود والقصاص، لأن ما وقع من المفاسد والجرائم مقدر لا بدَّ منه. وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – لهذا الفريق ومعتقده وحاله في مواضع من كتبه، فقال: الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهذا هو الذي يُبتلى به كثيراً - إمّا اعتقاداً وإما حالاً - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات. وقال أيضاً فيهم: " هؤلاء رأوا أن الله خالق المخلوقات كلها، فهو خالق أفعال العباد، ومريد الكائنات، ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر، ولا عرفان ولا نكر، ولا حق ولا باطل، ولا مهتدي ولا ضال، ولا راشد ولا غوي، ولا نبي ولا متنبيء، ولا ولي لله ولا عدو، ولا مرضي لله ولا مسخوط، ولا محبوب لله ولا ممقوت، ولا بين العدل والظلم، ولا بين البر والعقوق، ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل والنار، ولا بين الأبرار والفجار، حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام، فشهدوا المشترك بين المخلوقات، وعموا عن الفارق بينهما. وقد يغلو أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله، ويمسكون بموافقة الإرادة القدرية في السيئات الواقعة منهم، كقول الحريري: أنا كافر برب يعصى، وقول بني إسرائيل:
أصبحت منفعلاً لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات
وقد يسمون هذا حقيقة باعتبار أنه حقيقة الربوبية. وعرض ابن القيم لهذه الفرقة وضلالاتها في كتابه القيم (شفاء العليل) فقال: ثم نبغت طائفة أخرى زعمت أن حركة الإنسان الاختيارية - ولا اختيار - كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركات الأمواج، وأنه على الطاعة مجبور، وأنه غير ميسر لما خلق له، بل هو عليه مجبور ومقصور. ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين، ولمنهاجهم مقتفين، فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه، وحققوه، وزادوا عليه أن تكاليف الرب تعالى لعباده كلها تكليف مالا يطاق، وأنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق، فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد، ولا هو بمقدوره، وإنما هو تكليف بفعل من هو منفرد بالخلق، وهو على كل شيء قدير، فكلف عباده بأفعاله، وليسوا عليها قادرين، ثم عاقبهم عليها، وليسوا في الحقيقة لها فاعلين. ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العُباد، فقالوا: ليس في الكون معصية البتَّة، إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد، كما قيل:
أصبحت منفعلاً لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات
ولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال: إن كنت عصيت أمره، فقد أطعت إرادته، ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم، وقرر محققوهم من المتكلمين في هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحدة، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه.
стр. 2317
ولقد ظنت هذه الفرقة بالله أسوأ الظنون، ونسبته إلى أقبح الظلم، وقالوا: إن أوامر الرب ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السماوات، وكتكليف الميت إحياء الأموات، والله يعذب عباده أشدَّ التعذيب على فعل مالا يقدرون على تركه، وعلى ترك مالا يقدرون على فعله، بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور، وليس أحد ميسر له، بل هو عليه مقهور، ونرى العارف منهم ينشد مترنماً، ومن ربه متشكياً ومتظلماً:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له: ... إياك إياك أن تبتل بالماء
وقد تنبه ابن القيم إلى أن هذا الصنف من البشر قصدوا تحميل ذنوبهم على الأقدار، وتبريئها من الذنوب والأوزار، وقالوا إنها في الحقيقة فعل الخلاق العليم. وتنبه المقدم لكتاب (الشفاء) إلى أن هذا السبب هو الذي جعل الاتجاه السائد في كل العصور هو الجبر فقال: عقيدة الجبر تحمل عن الإنسان تبعاته، وتضع عنه أوزار ما اقترف من الإثم، وتلقي التبعة على القوة التي حركت الإنسان، ودفعت رغبته وقادته في تصرفاته، فكاد السواد الأعظم من الناس يدين بالجبر، فمن كان وثنياً اعتقد بأن أمره بيد الآلهة التي يعبدها، يلقي التبعة على الدهر، ويعتقد أن المرء طوع تقلب الحدثان. ومن يقول أنه مؤمن بالله يعتقد أن الأقدار تُسيرِّه كيف تشاء، وأنه مسلوب الإرادة عديم الاختيار، حتى اتخذ هذا البحث مظهراً جديداً في العصور الحديثة، حيث قال المجبرة منهم: إن إرادة الإنسان مقيدة بالغرائز والوراثة والبيئة، وليس للإنسان يد في إحداث هذه الأمور، وإذن فليس له اختيار فيما يقترف من ذنب وإثم، لأن الإرادة لا أثر لها في البواعث النفسية، بل هي ثمرة هذه البواعث، وهي خاضعة لمؤثرات نفسية أو خارجية خضوعاً لا محيص عنه. ولما انتشرت فكرة الجبر بين المسلمين في العصور المتأخرة عن طريق الطرق الزائغة والمتصوفة أضرَّت ضرراً عظيماً، سيما مع ترك الأسباب.
قال بعضهم:
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غيابته الجنين
ومقالة هذا الفريق تؤدي إلى الكفر بالله، والتكذيب بما جاء في كتبه، وأخبرت به رسله، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمن أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي، ولم يثبت القدر، وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل بين جميع الخلق، فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات، ولم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكفار، وأهل الطاعة وأهل المعصية لم يؤمن بأحد من الرسل، ولا بشيءٍ من الكتب، وكان عنده آدم وإبليس سواء، ونوح وقومه سواء، وموسى وفرعون سواء، والسابقون الأولون والكفار سواء. وقال فيهم أيضاً: من يقر بتقدم علم الله وكتابه، ولكن يزعم أن ذلك يغني عن الأمر والنهي والعمل، وأنه لا يحتاج إلى العمل، بل من قضى بالسعادة دخل الجنة، بلا عمل أصلاً، ومن قضى بالشقاوة شقي بلا عمل، فهؤلاء أكفر من أولئك (يعني المكذبين بالقدر) وأضل سبيلاً، ومضمون قول هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بكثير. وقال أيضاً: هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يؤمنون بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، لكن حرفوا وبدلوا وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٧٢
стр. 2318
الفصل الرابع: الرد على القدرية الجبرية
• المبحث الأول: الوجه الأول خطؤهم في إطلاق اسم الجبر على ما يؤديه الإنسان من أفعال.
• المبحث الثاني: الوجه الثاني إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل.
• المبحث الثالث: الوجه الثالث زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه.
• المبحث الرابع: الوجه الرابع زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب.
• المبحث الخامس: الوجه الخامس احتجاجهم بالقدر.
• المبحث السادس: هل الرضا بالمقدور واجب؟.
• المبحث السابع: الوجه السادس الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق.
• المبحث الثامن: الوجه السابع يلزم من قوله التسوية بين المُخْتَلِفَيْن.
стр. 2319
المبحث الأول: الوجه الأول خطؤهم في إطلاق اسم الجبر على ما يؤديه الإنسان من أفعال
استعمل هؤلاء لفظاً لم يرد به الكتاب والسنة، والواجب على العباد أن يستخدموا الألفاظ التي جاءت بها النصوص، روى اللالكائي بإسناده إلى بقية قال: سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر؟
فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر ويقهر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلاً من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ (١).
وورد مثل هذه الأقوال عن جمع من علماء السلف مثل سفيان الثوري وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم.
وإنما أنكروا إطلاق القول بأن الإنسان مجبر على فعله، لأن لفظ (الجبر) مجمل، فقد يراد بالإجبار معنى الإكراه كقولك: أجبر الأب ابنته على النكاح وجبر الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه ومعنى الإجبار هنا الإكراه، فيكون معنى قولهم: أجبر الله العباد، أي: أكرههم، لا أنه جعلهم مريدين لأفعالهم مختارين لها عن حبٍّ ورضا.
وإطلاق هذا على الله ﵎ خطأ بين، فإن الله أعلى وأجل من أن يجبر أحداً، وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريداً للفعل مختاراً له محباً له راضياً به، والله سبحانه قادر على ذلك، فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له الراضي به مريداً له محباً له راضياً به، فكيف يقال أجبره وأكرهه، كما يجبر المخلوق المخلوق.
وأما إطلاق الجبر مراداً به أن الله جعل العباد مريدين لما يشاء منهم مختارين له من غير إكراه فهذا صحيح، وقال بعض السلف في معنى الجبار: هو الذي جبر العباد على ما أراد. ولما كان لفظ الجبر لفظ مجمل يطلق على هذا وهذا منع السلف من إطلاقه نفياً أو إثباتاً. ذكر شيخ الإسلام عن أبي بكر الخلال في كتابه (السنة) أن المروزي قال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، رجل يقول إن الله أجبر العباد، فقال: هكذا لا نقول، وأنكر ذلك وقال: يُضلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء. وذكر عن المروذي أن رجلاً قال: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه آخر، فقال: إن الله جبر العباد، أراد بذلك إثبات القدر، فسألوا عن ذلك أحمد بن حنبل، فأنكر عليهما جميعاً على الذي قال جَبَر، وعلى الذي قال لم يجبر حتى تاب، وأمره أن يقول: يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وذكر عن إسحاق الفزاري قال: جاءني الأوزاعي فقال: أتاني رجلان فسألاني عن القدر، فأجبت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان، فقال: تكلما. فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر، فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه، حتى بلغ بنا وبهم إلى أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرَّم علينا. فقلت: يا هؤلاء، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة، وأحدثوا حدثاً، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه. فقال الأوزاعي: أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق. (٢). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٧٨
стр. 2320
المبحث الثاني: الوجه الثاني إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل
الذين يزعمون أن الإنسان ليس له إرادة يفعل بها ألغوا عقولهم، فضلوا وأضلوا، وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد، الذي لا يملك شيئاً لذاته في تحركه وسكونه. بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجري في أجسادنا وبين الحركات الإرادية، فحركة القلب، وحركة الرئتين، وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان، وآلاف العمليات المعقدة التي تجري في أجسادنا - من غير أن نعرفها ونعلم بها - ليس لنا فيها خيار، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها، ومثل ذلك حركة المرعوش الذي لا يملك إيقاف اهتزاز يده. أما أكل الإنسان وشربه وركوبه، وبيعه وشراؤه، وقعوده وقيامه، وزواجه وطلاقه، ونحو ذلك فهو يتم بإرادة وقدرة ومشيئة، والذين يسلبون الإنسان هذه القدرة ضلت عقولهم، واختلفت عندهم الموازين. والقرآن مليء بإسناد الأفعال إلى من قاموا بها كقوله تعالى: وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى (٢٠) سورة [يس:٢٠] فَلَما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:١٠٣] فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:١٥] فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [القصص:٧٩] والنصوص في هذا كثيرة يصعب إحصاؤها التي تسند الأفعال إلى من قاموا بها. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨١
стр. 2321
المبحث الثالث: الوجه الثالث زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه
وهذا زعم باطل، فالله شاء وجود الكفر والشرك والذنوب والمعاصي من الزنا والسرقة وعقوق الوالدين والكذب وقول الزور، وأكل مال الناس بالباطل، ولكنه كرهها وأبغضها ونهى عباده عنها. قال ابن القيم: أخبرني شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغض الله ورسوله. فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبُغضُ منه؟ فقال له الشيخ: إذا كان الله قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم، فواليتهم أنت وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون موالياً له أو معادياً له؟ قال: فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة (١). الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨٢
стр. 2322
المبحث الرابع: الوجه الرابع زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب
لقد أخطأ هذا الفريق في دعواه أن الإيمان بالقدر لا يحتاج العبد معه إلى العمل، وذهل هؤلاء عن حقيقة القدر، فالله قدرَّ النتائج وأسبابها، ولم يقدر المسببات من غير أسباب، فمن زعم أن الله قدر النتائج والمسببات من غير مقدمتها وأسبابها فقد أعظم على الله الفرية. فالله إذا قدرَّ أن يرزق فلاناً رزقاً جعل لذلك الرزق أسباباً ينال بها، فمن ادعى أن لا حاجة به إلى السعي في طلب الرزق وأنَّ ما قدر له من رزق سوف يأتيه سعي أو لم يسع لم يفقه قدر الله في عباده.
وإذا قدر الله أن يرزق فلاناً ولداً، فإنه يكون قدر له أن يتزوج ويعاشر زوجه، فالأسباب هي من الأقدار. والله يقدر أن فلاناً يدخل الجنة، ويقدر مع ذلك أن هذا الإنسان يؤمن ويعمل الصالحات، ويستقيم على أمر الله، ويقدر أن فلاناً يكون من أهل النار، ويقدر أسباب ذلك من تركه الإيمان والأعمال الصالحة. ويقدر أن فلاناً يمرض فيتناول الدواء فيشفى، فالله قدر المرض، وقدر السبب الذي يزيل المرض ويحقق الشفاء. والله يقدر أن فلاناً يدعوه ويستغيث به، فيجيب دعاءَه ويقبل رجاءَه، ويقدر أن فلاناً لا يدعوه ولا يرجوه، فيكله إلى نفسه، ويبقيه في تعسه، فالله قدر المسببات وقدر أسبابها، ومن زعم أن المسبب يقع من غير سبب فإنه لم يفقه دين الله، ولم يعرف قدر الله، وهو كمن يزعم أن الولد يأتي من غير سبب، وأن الزرع يحصل من غير ماء ولا تراب، وأن الشبع يحدث من غير طعام، والري يكون من غير تناول شراب. والنصوص الدالة على هذا الذي شرحناه وبيناه كثيرة وافرة.
стр. 2323
ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة، فقد أمرت بالعمل والسعي في طلب الرزق، واتخاذ العدة لمواجهة الأعداء، والتزود للأسفار. قال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:١٠] وقال: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:١٥] وقال: وَأَعِدُّواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [الأنفال:٦٠] وأمر المسافرين للحج بالتزود وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧] وأمر بالدعاء والاستعانة وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُواْ [الأعراف:١٢٨]. وأمر باتخاذ الأسباب الشرعية التي تؤدي إلى رضوانه وجنته كالصلاة والصيام والزكاة والحج. وحياة الرسول ﷺ وأصحابه، بل حياة المرسلين جميعاً والسائرين على نهجهم كلها شاهدة على أخذهم بالأسباب، والجد والاجتهاد في الأعمال. إن الأخذ بالأسباب هو من قدر الله ﵎، وليس مناقضاً للقدر ولا منافياً له. وقد فقَّه الرسول صلى الله عليه سلم بمعنى القدر، وأنه لا يُوجبُ ترك العمل، بل يوجب الجد والاجتهاد فيه لبلوغه ما يطمح الإنسان في نيله وتحقيقه، فقد سأل الصحابة الرسول ﷺ عن فائدة العمل إذا كانت الأعمال مقدرة مقضية جفَّ بها القلم، وفرغ منها رب العالمين، فقال: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) (١) وقرأ ﵇: فَأَما مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَما مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥ - ١٠]. وقال بعض الصحابة الذين فقهوا عن الله ورسوله مراده لما سمع أحاديث القدر: ما كنت بأشدّ اجتهاداً مني الآن. إن الذي يفقه عن الله مراده في القدر يعلم أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال، بل يدفع إلى الجد والاجتهاد والحرص على تحصيل ما ينفعه في الدنيا والآخرة. إلا أنه يجب التنبه إلى أن العبد وإن أخَذَ بالأسباب فإنه لا يجوز أن يعتمد عليها، ويتوكل عليها، بل يجب أن يتوكل على خالقها ومنشئها. وقد قال علماؤنا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس مستقلاً، ولا بدَّ له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر، وهذا مما يبين أن الله ربُّ كل شيء ومليكه، وأن السماوات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته لها خالق مدبر غيرها، وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك، فإنك تجده ليس مستقلاً بإحداث شيء من الحوادث، بل لا بدَّ له من مشارك ومعاون، وهو مع ذلك له معارضات وممانعات.
стр. 2324
فكل سبب له شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه، ولم يُصرف عنه ضده لم يحصل سببه، فالمطر وحده لا ينبت إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتمُّ حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا يفيد إن تصرف المفسدات. والعقلاء من البشر يعلمون أنهم لا يستقلون بفعل ما يريدون، فكثير منهم تتهيأ له الأسباب، ثم يحال بينه وبين ما يشتهي وما يريد حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:٢٤]. يذكر اللالكائي أن رجلاً طلب من جاريته أن تسقيه، فجاءته بقدح من زجاج، فصبت له ماء، فوضعه على راحته، ثم رفعه إلى فيه، ثم قال: يزعم ناس أني لا أستطيع أن أشرب هذا، ثم قال: هي حرة إن لم أشربه (يعني جاريته التي صبت الماء) فما كان من الجارية إلا ضربت القدح بِردن قميصه، فوقع القدح وانكسر وأهرق الماء (١).
وهكذا أثبتت الجارية لهذا المسكين أنه لا يقدر على كل ما يريد ما لم يقدره الله، فلقنته درساً، وحررت نفسها من رق العبودية. وكم من ثري أو قوي أو مُقدّم قوم ظن أن الدنيا خضعت له وأعطته زمامها، وجد نفسه عاجزاً لا يستطيع أن يفعل شيئاً، قد يقعده عن فعل ما يشتهي عدو طاغ، أو مرضٌ مُقْعِدٌ، أو خيانة صديق. أو طمع محب وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨٣
стр. 2325
المبحث الخامس: الوجه الخامس احتجاجهم بالقدر
وهؤلاء يحتجون بالقدر على ترك العمل، فتجد الواحد عندما يدعى إلى الصلاة والصيام وقراءة القرآن يقول: لو شاء الله لي أن أعمل هذا عملته، كما يحتجون به على ما يوقعونه بالناس من الظلم والفساد، أو ما يقع من ظلم وفساد، فيقولون في المظالم والمناكر والمفاسد التي تقع: هذه إرادة الله ومشيئته وليس لنا حيلة في ذلك، وقد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار الإسلام. وترى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة، بل إن بعضاً منهم يصبح أعواناً للظلمة، وتراهم يخاطبون الناس قائلين: ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله وقدره فيكم. وترى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات ويرتكبون المنكرات من الزنا والفسوق والعصيان ويحتجون لأفعالهم بالقدر. وهؤلاء إن اعتقدوا أن كل شيء واقع فهو حجة أضحكوا العقلاء منهم، وأوقعوا أنفسهم في مأزق لا يجدون منه خلاصاً، وابن القيم يذكر وقائع من هؤلاء تزري بأصحاب العقول، وتجعل أصحابها في مرتبة أقل من البهائم، يذكر عن واحد من هؤلاء أنه رأى غلامه يفجر بجاريته، فلما أراد معاقبتهما، وكان غلامه يعرف مذهبه في القدر، فقال له: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك. فقال له ذلك الجاهل: لَعِلْمُكَ بالقضاء والقدر أحب إليَّ من كل شيء، أنت حرّ لوجه الله.
стр. 2326
ورأى آخر رجلاً يفجر بزوجته، فأقبل يضربها وهي تقول: القضاء والقدر، فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أوَّه تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباس. فتنبه، ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها، وقال: لولا أنت لضللت. ورأى آخر رجلاً يفجر بامرأته، فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله. فلقب بالخيرة فيما قضى الله. ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحاً لأمكن لكل واحد أن يقتل ويفسد ويأخذ الأموال ويظلم العباد، فإذا سئل عن أفعاله احتج بالقدر، وكل العقلاء يعلمون بأن هذه الحجة مرفوضة غير مرضية، وإلا فإن الحياة تفسد. وكثير من الذين يحتجون بالقدر لظلمهم وفسقهم وضلالهم يثورون إذا ما وقع عليهم الظلم، ولا يرضون من غيرهم أن يحتج على ظلمه لهم بالقدر. إن المنهج الذي فقهه علماؤنا عن ربنا ونبينا أنه يجب علينا أن نؤمن بالقدر، ولكن لا يجوز لنا أن نحتج به على ترك العمل، كما لا يجوز لنا أن نحتج به على مخالفتنا للشرع، وإنما يحتج بالقدر على المصائب دون المعايب. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١): العبد له في المقدور حالان: حال قبل القدر وحال بعد القدر. فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك، وإن كان ذنباً استغفر إليه من ذلك. وله في المأمور حالان: حال قبل الفعل، وهو العزم على الامتثال والاستعانة بالله على ذلك، وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير. قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [غافر:٥٥] أمره أن يصبر على المصائب المقدرة، ويستغفر من الذنب. وقال تعالى: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:١٨٦]. وقال يوسف: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:٩٠]. فذكر الصبر على المصائب والتقوى بترك المعايب، وقال النبي ﷺ : ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) (٢). إن العبد المؤمن الحصيف لا يترك العمل بدعوى أنَّ قدر الله ماض فيه، بل الواجب عليه أن يأخذ الأمر بقوة، يعلم ما يطلبه الله، ويفكر فيما يفيده وينفعه، ثم يبذل قصارى جهده في القيام بأمر الله، وبالأخذ بالأسباب للأمور التي يظن أن فيها نفعه وصلاحه، فإذا لم يوفق فلا يقضي وقته بالتحسر والتأسف، وإنما يقول في هذا الموضع قدر الله وما شاء فعل. إن الإيمان بالقدر والاحتجاج به يأتي لمعالجة المشكل النفسي الذي يذهب الطاقة الإنسانية ويبددها في حال الفشل والإخفاق، ولا يكون مانعاً من العمل والإبداع في مقبل الزمان.
استدلالهم بحديث احتجاج آدم بالقدر:
وقد يستدل من قلَّ عمله بحديث احتجاج آدم وموسى على الاحتجاج بالقدر في المعايب، وهو حديث صحيح روته كتب (الصحاح)، و (السنن).
стр. 2327
روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أُهبط الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجياً، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله فحج آدم موسى)) (١).
وليس في هذا الحديث حجة للذين يحتجون بالقدر على القبائح والمعايب، فآدم ﵇ لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وموسى ﵇ لم يلم أباه آدم على ذنب تاب منه، وتاب الله عليه منه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم من موسى على المصيبة التي أخرجت آدم وأولاده من الجنة.
فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب.
فعلى العبد أن يستسلم للقدر إذا أصابته مصيبة الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنا لِلّهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعونَ [البقرة:١٥٦]، أما المذنبون فليس لهم الاحتجاج بالقدر، بل الواجب عليهم أن يتوبوا ويستغفروا فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [غافر:٥٥] فأرشد إلى الصبر في المصائب والاستغفار من الذنوب والمعايب.
والله ذم إبليس لا لاعترافه بالمقدر في قوله: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩]، وإنما على احتجاجه بالقدر.
وأجاب ابن القيم عن الإشكال الذي وقع في حديث احتجاج آدم بالقدر بجواب آخر فقال: الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءَة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق؟ فإذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنَّبهُ عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقاً، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محظور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به، ففي حال المستقبل بأن يرتكب فعلاً محرماً أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه، وإصراره، فيبطل به حقاً، ويرتكب به باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله. (٢) الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٨٧
стр. 2328
المبحث السادس: هل الرضا بالمقدور واجب ؟
إذا كانت المعاصي بقضاء الله فكيف لنا أن نكره قضاءَه ونبغضه، والجواب: أنه لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ آية ولا حديث يأمر العباد بأن يرضوا بكل مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها، ولكن الواجب على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به. قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥].
وينبغي للعبد أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوباً، مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، وأما الرضا بها فهو مشروع، ولكن هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم: أصحهما أنه مستحب ليس بواجب. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٩٣
стр. 2329
المبحث السابع: الوجه السادس الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق
وزعم من ذهب هذا المذهب أن فاعلي المعاصي والذنوب لا يستطيعون غير ما فعلوا، وتكليفهم بخلاف ما فعلوا تكليف بما لا يطاق، وتكليف مالا يطاق جاءت الشريعة بنفيه في قوله: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:٢٨٦]. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا [الطلاق:٧]، واحتجوا بمثل قوله تعالى: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف:١٠١]، وقوله: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ [هود:٢٠]، وقوله: وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [يس:٩]. قالوا: فهذه الآيات مصرحة بأنهم لم يكونوا يستطيعون الفعل، وهؤلاء ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وزعموا أنه متناقض، وحاشاه أن يكون كذلك. والجواب عما شغبوا به أن الاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست هي الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي، فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحمد والذم، والثواب والعقاب. ومعلوم أن العباد في هذه الحال مأمورون منهيون موعودون متوعدون، فعلم أن المنفية ليست هي المشروطة في الأمر والنهي. فالاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست بسبب استحالة الفعل أو عجزهم عنه، وإنما هي بسبب تركهم له والاشتغال بضده، كالكافر كلفه الله الإيمان في حال كفره، لأنه غير عاجز عنه ولا مستحيل فعله، فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة. أما الاستطاعة التي هي مناط التكليف، فهي المذكورة في مثل قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:٩٧]، وقوله: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:٤]، ومثل قوله ﷺ : ((صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) (١). ومعلوم أن الله لا يكلف مالا يطاق لوجود ضده من العجز، فلا يكلف المقعد بأن يصلي قائماً، ولا يكلف المريض بالصيام، ولا يكلف الأعمى بالجهاد والقتال، لخروج ذلك عن المقدور. وقد اتفق أهل العلم أن العبد إذا عجز عن بعض الواجبات سقط عنه ما عجز عنه، فمن قطعت منه رجله سقط عنه غسلها، ومن لم يستطع اغتسال الجنابة أو القيام أو الركوع ونحو ذلك سقط عنه ما عجز عنه. وبذلك يظهر لك أن عدم الاستطاعة المذكورة في الآيات التي احتج بها هذا الفريق غير مشروطة في شيء من الأمر والنهي والتكليف باتفاق المسلمين، والاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي في الآيات التي سقناها هي التي لم يكلف الله أحداً شيئاً بدونها. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٩٣
стр. 2330
المبحث الثامن: الوجه السابع يلزم من قوله التسوية بين المُخْتَلِفَيْن
لقد أدى هذا المذهب بأصحابه والقائلين به إلى التسوية بين الأخيار والفجار، والأبرار والأشرار، وأهل الجنة وأهل النار، وقد فرق بينهم العليم الخبير أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجارِ [ص:٢٧ - ٢٨]، وقال: أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:٢١]، وقال: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥ - ٣٦]. الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص٩٥
стр. 2331
الفصل الخامس: مذهب أهل السنة والجماعة في القدر
بيان المذهب الحق في القدر ونقصد بذلك مذهب السلف، وأهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين، وتابعيهم إلى يوم القيامة، وهم الذين كانوا على الحق سائرين وهم الذين ثبتوا على طريق الهدى والرشاد حين بدأت بذور الفتن والفرقة تدب بين المسلمين, فنشأت هذه النحل والمقالات الفاسدة وصار لها دعاتها ومؤيدوها ومناصروها، وأصبحت كل فرقة تدعي أنها على الحق، وتستدل لأقوالها بأدلة من الكتاب والسنة، تزعم أنها تؤيد ما ذهبت إليه, بل قد تنسب أقوالها ومذاهبها إلى بعض الصحابة وكبار التابعين, وكان من آثار ذلك أن اختلطت المفاهيم، وضل فئام من الناس عن منهج الله المستقيم بكامله, أو في جانب من جوانب العقيدة.
أما أهل الحق فقد ثبتوا عليه، رغم المحن والشدائد وهب العلماء من السلف يبينون للناس العقيدة الصحيحة، ودلائلها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , ويردون على أهل الأهواء مذاهبهم وعقائدهم الفاسدة، ويدحضونها بالعلة وبالرهان، ويبينون ما هي عليه من زيف وباطل, وجاهد علماء السلف في ذلك، حتى نصرهم الله وأيدهم, فبقي مذهبهم هو مذهب عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبقيت عقيدة السلف متميزة واضحة تمام الوضوح، يتلقاها الخلف عن السلف، أما النحل والأهواء الفاسدة، فإنها وإن بقيت، وبقي لها مؤيدوها إلا أن ما فيها من باطل قد وضح للناس والحمد لله رب العالمين.
وعقيدة أهل الحق من السلف في القدر واضحة صحيحة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , قد جلاها ووضحها علماء السلف رضوان الله عليهم ... وأنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله تعالى.
١ - وهو يشمل أربع مراتب في درجتين:
الدرجة الأولى:
أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً, وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق, فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه, جفت الأقلام وطويت الصحف.
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً, فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء, وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً, فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي أو سعيد.
فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة.
الدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة, وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله , لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات, فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه فلا خالق غيره, ولا رب سواه, ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته, وطاعة رسله, ونهاهم عن معصيته, وهو سبحانه يحب المتقين, والمحسنين, والمقسطين, ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء, ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.
فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى الإرادة والمشيئة والثانية: الخلق والتكوين.
٢ - أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ومذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم. القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود – بتصرف – ص: ٢٤٧ - ٢٤٨
стр. 2332
الفصل السادس: من أقوال السلف في القدر
- يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في عقيدته التي نقلها ابن الجوزي:
(ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره من الله) ويقول أيضاً: (أجمع سبعون رجلاً من التابعين, وأئمة المسلمين، وأئمة السلف, وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ : أولها الرضا بقضاء الله, والتسليم لأمر الله, والصبر تحت حكمه, والأخذ بما أمر الله به، والنهي عما نهى عنه، وإخلاص العمل لله، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين) (١).
وفي مسائل الإمام أحمد: (أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو داود قال: سمعت أحمد قال له رجل: تلجئني القدرية إلى أن أقول: الزنا بقدر، والسرقة بقدر، قال: الخير والشر من الله) (٢).
- وقد نقل الإمام البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) عدة روايات تدل على أن الله خالق أفعال العباد، ثم قال: (قال ابن عباس ﵄: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل: سمعت عبدالله بن سعيد يقول: مازلت أسمع من أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة, قال أبو عبدالله: حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم، وكتابتهم، مخلوقة) (٣) وقال: (فالله في ذاته هو الخالق, وحظك واكتسابك من فعلك خلق، لأن كل شيء دون الله يصنعه وهو خلق) (٤).
- ويقول شيخ المالكية في المغرب ابن أبي زيد القيرواني: (والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا, ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] , يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من عمله، وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقاً لكل شيء, ألا هو رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم) (٥).
- ويذكر الإمام البيهقي في كتابه: (الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة) روايات عديدة تبين مذهب السلف، وأن الله خالق أفعال العباد، وقال معقباً على بعضها: (فثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها، ولأنه قال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى [الأنفال:١٧] , وقال: أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:٦٤] , فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه، وأثبت فعلها لنفسه, ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه, وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا على ما أراد فهي من الله خلق, على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة, وهي من عبادة كسب, على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم) (٦).
ثم قال: (أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: نا الزبير بن عبدالواحد الحافظ, قال حدثني حمزة بن علي العطار، قال: نا الربيع بن سليمان, قال سئل الشافعي ﵁ عن القدر فأنشأ يقول:
стр. 2333
(فـ) ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن
وعلى نحو قول الشافعي ﵁ في إثبات القدر لله, ووقوع أعمال العباد بمشيئته, درج أعلام الصحابة والتابعين وإلى مثل ذلك ذهب فقهاء الأمصار: الأوزاعي, ومالك بن أنس, وسفيان الثوري, وسفيان بن عيينة, والليث بن سعد, وأحمد بن حنبل, وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم ﵃, وحكينا عن أبي حنيفة ﵀ مثل ذلك, وهو فيما أخبرنا أبو عبدالله الحافظ قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر المزكي يقول: نا أبو العباس أحمد بن سعيد بن مسعود المري قال: نا سعد بن معاذ قال: ثنا إبراهيم بن رستم قال: سمعت أبا عصمة يقول: سألت أبا حنيفة من أهل الجماعة قال: من فضل أبا بكر وعمر، وأحب عليًّا وعثمان، وآمن بالقدر خيره وشره من الله ... ) (١).
- ويقول الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني في رسالته (عقيدة السلف أصحاب الحديث): (ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء, ويضل من يشاء, لا حجة لمن أضله الله عليه, ولا عذر له لديه .. ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره لا مرد لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه .. ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله، وبقضائه لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه .. ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله مريد لجميع أعمال العباد، خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته, ولم يكفر أحد إلا بمشيئته, ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس, فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، بقضائه وقدره, وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه, ويرضى الإيمان والطاعة, ويسخط الكفر والمعصية) (٢).
- ويقول الإمام ابن قتيبة ﵀: (وعدل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور, كيف خلق, وكيف قدر، وكيف أعطى، وكيف منع, وأنه لا يخرج من قدرته شيء, ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد, وأنه لا دين لأحد عليه، ولا حق لأحد قبله، فإن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل، وإن العباد يستطيعون ويعملون، ويجزون بما يكسبون، وإن لله لطيفة يبتدئ بها من أراد, ويتفضل بها على من أحب، يوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقت عليه كلمته، فهذه جملة ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله , وما سوى ذلك مخزون عنه) (٣) القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود – ص: ٢٤٩ - ٢٥٤
стр. 2334
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: وهو أنَّ الله خالق كلّ شيء ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءَه، بل هو القادر على كل شيء ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادر عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة. فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ٨/ ٤٤٩
وقال: وسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة. ومتفقون على أنه لا حجّة لأحد على الله في واجب تركه، ولا محرّم فعله، بل لله الحجة البالغة على عباده. مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ٨/ ٤٥٢
وقال: ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله. مجموع فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ٨/ ٤٥٩
- عقيدة الإمام أبي بكر محمد الحسين الآجُرِّي في القدر
قال ﵀: مذهبنا في القدر أن نقول: إن الله خلق الجنة وخلق النار، ولكل واحدة منهما أهل، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين. ثم خلق آدم ﵇، واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة. ثم جعلهم فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وخلق إبليس، وأمره بالسجود لآدم ﵇، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي سبقت في العلم من الله ، لا معارض لله الكريم في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد، عدلاً من ربنا قضاؤه وقدره. وخلق آدم وحواء ﵉، للأرض خلقهما، وأسكنهما الجنة، وأمرهما أن يأكلا منها رغداً ما شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة. فهو ﵎ في الظاهر ينهاهما، وفي الباطن من علمه: قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها: لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣]. لم يكن لهما بُدُّ من أكلهما، سبباً للمعصية، وسبباً لخروجهما من الجنة، إذ كانا للأرض خلقاً، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية، كل ذلك سابق في علمه، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه، إلا وقد جرى مقدوره به، وأحاط به علماً قبل كونه أنه سيكون.
خلق الخلق، كما شاء لما شاء، فجعلهم شقياً وسعيداً قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كُتِبَ له وعليه.
стр. 2335
ثم بعث رسله، وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات ربهم، ونصحوا قومهم، فمن جرى في مقدور الله أن يؤمن آمن، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر، قال الله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن:٢] أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا أبداً، يضل من يشاء ويهدي من يشاء لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣]. الخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جل ذكره عن أن ينسب ربنا إلى الظلم، إنما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرَّى، وله الدنيا والآخرة، جل ذكره، وتقدست أسماؤه، أحب الطاعة من عباده، وأمر بها، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبته منه لها، ولا للأمر بها، تعالى الله أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها، وجل ربنا وعز أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وبعد أن يخلقهم، قبل أن يعملوا قضاء وقدراً. قد جرى القلم بأمره في اللوح المحفوظ بما يكون، من برّ أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم، لولا توفيقه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاء سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢١] وكذا ذم قوماً عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها، وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: هذا مذهبنا في القدر (١). الشريعة للآجري -١/ ٣١٩
ويقول الطحاوي ﵀ في القدر: خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.
وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء الله لهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً. وكلهم متقلبون في مشيئته بين فضله وعدله. وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًّا من عنده. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز – ١/ ١٢٥
стр. 2336
وقال: وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، لا يزاد في ذلك العدد، ولا ينقص منه. وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له ... والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله ... وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى: لا يُسْأَلُ عَما يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]. فمن سأل: لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك العلم المفقود. ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد قدر، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى في أنه كائن، ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً، ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:٢]. وقال تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب:٣٨]، فويل لمن صار في القدر لله خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز-١/ ٣١٧
стр. 2337
المبحث الأول: أسباب الضلال في القدر
والسبب في ضلال كل من القدرية النفاة والقدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءاً من الحقيقة وعمي عن جزء منها، فكان مثله مثل الأعور الذي يرى أحد جانبي الشيء، ولا يرى الجانب الآخر، فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا: إن الله لا يريد الكفر والذنوب والمعاصي ولا يحبها ولا يرضاها، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد وفيها الكفر والذنوب والمعاصي. والقدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبّه ورضيه. وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفرقين، ونفوا الباطل الذي تلبس كل واحد منها. فهم يقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها، ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها. وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجباً أو مستحباً. ولو قال: إن أحب الله، حنث إن كان واجباً أو مستحباً. والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية خلقية، وإرادة دينية شرعية الإيمان بالقضاء والقدر لعمر بن سليمان الأشقر - ص١٠٥
стр. 2338
المبحث الثاني: حكم الاحتجاج بالقدر
عقيدة الإيمان بالقدر لقيت كما لقي غيرها من أركان الإيمان كثيراً من الاعتراضات, وأثيرت حولها كثير من الشبهات، وليس هذا بمستغرب ما دام الصراع بين الحق والباطل موجوداً منذ أن استكبر إبليس على ربه، وأبى السجود لآدم ﵇، وإلى أن تقوم الساعة.
ولم يكن هناك داع لطرق هذا الموضوع ... لولا أن القدر قد اشتهر عنه بصفة خاصة: في بطون الكتب, وعلى ألسنة الناس في كل زمان ومكان هذا الموضوع الذي هو موضوع الاحتجاج به, فكل من عرض له موضوع القدر, أو تحدث عنه, أو كتب فيه تجده يناقش هذه المسألة.
ومن المعلوم أن كثراً من الكافرين والمشركين والضالين، والمقصرين في عبادة الله والمنحرفين عن منهج الله قد وجدوا في القدر مجالاً للاحتجاج به على كفرهم, وفسادهم, وتقصيرهم. ولذلك ورد في الكتاب والسنة, وأقوال العلماء ما يرد على هؤلاء جميعاً ويدحض حججهم كلها.
لهذا كله كان من تمام الكلام في القدر أن نناقش أهم هذه الأسئلة التي تثار حوله، والمقصود: الأسئلة التي تثار حول القدر على وفق عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، وإلا فالأسئلة التي أثيرت وتثار على مذاهب المنحرفين في القدر كثيرة وكثيرة جداً، ومن ثم فسنقصر الحديث على الأسئلة التي أثيرت حول عقيدة السلف في القدر فقط. وستكون طريقتنا أن نذكر كل حجة على شكل سؤال, ثم نعقبه مباشرة بالمناقشة والبيان، وهكذا في الحجة الثانية وإلى آخر الحجج.
السؤال الأول:
وهو سؤال عام يجمع حججاً عديدة، ولذلك كان من أشهر الحجج وأكثرها شيوعاً عند كل من انحرف عن الطريق المستقيم في باب القدر، وملخصه:
أن كل من أذنب ذنباً، أو ارتكب معصية فإنه يحتج بأنه مقدر عليه، وأنه أمر مقدور، حاصل لا محالة، ومن ثم فما ذنب العاصي في معصيته، ما دامت مكتوبة عليه، وهؤلاء يستدلون بأن آدم ﵇ قد احتج بالقدر، وأن رسول الله ﷺ قد قال: حج آدم موسى، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى, اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، ثلاثاً)) (١).
جواب هذا السؤال ومناقشته من وجوه:
١ - أنه قد علم بالاضطرار أن الاحتجاج بالقدر حجة باطلة وداحضة باتفاق كل ذي عقل, ودين من جميع العالمين، ويوضح هذا أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، فحينئذ يلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه، ويأخذ ماله، ويفسد حريمه, ويضرب عنقه, ويهلك الحرث والنسل, وهؤلاء جميعاً كذابون متناقضون, فإن أحدهم لا يزال يذم هذا, ويبغض هذا, ويخالف هذا, حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات, وترك الواجبات, لزمهم ألا يذموا أحداً, ولا يبغضوا أحداً, ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحداً فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع.
стр. 2339
وهذا يدل على ما يختلج في النفوس من شهوات وشبهات, ولذلك تراهم يحتجون بالقدر على أفعالهم ومعاصيهم, وفي نفس الوقت ينتقمون ممن اعتدى عليهم أو ظلمهم، ولو احتج عليهم بالقدر لما قبلوا، بل لو كان الاعتداء بما يحسن الاحتجاج بالقدر عليه كالمصائب التي يقدرها الله لاعترضوا ولم يقبلوا أن يحتج بالقدر من كانت على يديه هذه المصائب دون عمد منه أو تفريط, وعند الاستقراء تجد أن هؤلاء يحتجون بالقدر في ترك حق ربهم، ومخالفة أمره، لا في ترك ما يرونه حقاً لهم، ولا مخالفة أمرهم، ويقول ابن تيمية عن هؤلاء: (ولهذا تجد المحتجين والمستندين إليه من النساك, والصوفية، والفقراء, والعامة, والجند, والفقهاء وغيرهم يفرون إليه عند اتباع الظن وما تهوى الأنفس، فلو كان معهم علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلاً، بل يعتمدون عليه لعدم الهدى والعلم، وهذا أصل شريف من اعتنى به علم منشأ الضلال والغي لكثير من الناس) (١) , ومعلوم أن الصوفية هم شر من ابتلي في هذا الباب حيث اعتقدوا أن ما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فالمقدور هو محبوب لله تعالى مهما كان.
٢ - أنه يلزم على الاحتجاج بالقدر لازم باطل ألا وهو تعطيل الشرائع، وحين تعطل الشرائع يلزم عليها أن يكون إبليس, وفرعون, وقوم نوح, وعاد وكل من عذبه الله بسبب مخالفته أمره معذوراً, ويلزم أيضاً ألا يفرق بين المؤمنين والكفار, ولا بين أولياء الله وأولياء الشيطان, وهذه كلها لوازم معلوم بطلانها بالضرورة.
والقدرية ثلاثة أصناف:
الأولى: القدرية المشركية، وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي فقالوا: لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ [الأنعام:١٤٨]، وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع وإن كانوا معترفين بربوبية الله العامة لكل مخلوق.
الثانية: القدرية الإبليسية: وهم الذين يصدقون بالشرع والقدر، ولكن عندهم أن هذا تناقض, وهؤلاء كثير في سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة.
الثالثة: القدرية المجوسية، وهم الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقولون إن الذنوب ليست واقعة بمشيئة الله ولا قدرته، وهؤلاء هم المعتزلة الذين يعظمون الأمر والنهي، ولكنهم يشركون معه في باب القدر، ولهذا سموا بالقدرية المجوسية، فهؤلاء لا ينظرون إلى القدر في المصائب ولا في المعائب، في حيث أن الأولين يحتجون بالقدر في المصائب والمعائب، وكل منهم ضال في هذا الباب, وهو مقصر إما في جانب الشرع، أو في جانب القدر.
ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم تقطع يد سارق، ولا أقيم حد على زان، ولا جوهد في سبيل الله.
٣ - أن الله خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادر عليه, وكما هو معلوم فإن القدرة التي هي شرط في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف، ومن ثم فالإنسان قادر متمكن، وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان، وحينئذ فحين لا يؤمن يكون هو الذي لا يريد الإيمان، ومادام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: لماذا لم يجعلني الله مريداً للإيمان، لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه، ومادام الإنسان مريداً قادراً فاحتجاجه بالقدر باطل.
وينبغي أن يعلم أن الاحتجاج بالقدر إنما يرد على من لا يقر للإنسان بإرادة ولا قدرة كالجهمية والأشاعرة، أما على مذهب أهل السنة الحقيقي فلا يرد، لأنهم يقولون إن الإنسان مريد وفاعل حقيقة، وله قدرة يقع بها الفعل.
стр. 2340
٤ - وأقرب مثال على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال: إذا كان معلوماً أن الله قد علم وكتب أن فلاناً يتزوج امرأة ويطؤها ويولد له، وأن فلاناً يبذر البذر فينبت الزرع ... إلخ ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول: أنا لا أتزوج أو أطأ امرأة، فإن كان قدر الله أن يولد لي ولد فسيولد، أو يقول: أن لا أبذر البذر، فإن كان قدر الله أن تنبت أرضي زرعاً فستنبت، لأن من قال هذا عد من أجهل الجاهلين، إذا وضح هذا المثال فنقول: إن الله تعالى علم وكتب أن فلاناً يؤمن ويعمل صالحاً فيدخل الجنة، وفلاناً يعصي ويفسق فيدخل النار، وحينئذ فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا سأدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولاً باطلاً متناقضاً، لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح، فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضاً لما علمه الله وقدره، وهذا شبيه بمن قال: أنا لا أطأ امرأة, وإن كان قد قدر أن يأتيني منها ولد فسيأتيني (١).
ومعلوم أن جميع الأسباب قد تقدم علم الله بها، وكتابته لها، وتقديره إياها، وقضاؤه بها، كما تقدم ربط ذلك بالمسببات، ومنها الأسباب التي بها يخلق الله النبات من المطر وغيره، فمن ظن أن الشيء إذا علم وكتب أنه يكفي ذلك في وجوده, ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب فهو ضال جاهل من وجهين:
أحدهما: (من جهة كونه جعل العلم جهلاً: فإن العلم يطابق المعلوم، ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أن المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب, لأن ذلك هو الواقع فمن قال: إنه يعلم شيئاً بدون الأسباب, فقد قال على الله الباطل, وهو بمنزلة من قال: إن الله يعلم أن هذا الولد ولد بلا أبوين، وأن هذا النبات نبت بلا ماء، فإن تعلق العلم بالماضي والمستقبل سواء) (٢)، فالله أخبر أن الأعمال هي سبب في الثواب والعقاب, فلو قال قائل: إن الله قد أخرج آدم بلا ذنب, وأنه قد قدر عليه، أو قال: إن الله قد غفر لآدم بلا توبة، وأنه قد علم ذلك، كان هذا كذباً وبهتاناً, بخلاف ما إذا أقر بأن آدم قد أذنب، وأنه قد تاب فتاب الله عليه، وكل ذلك مقدر، فإنه يكون صادقاً، ويقاس على ذلك ما ذكره الله من أن السعادة والشقاوة تكون بالأعمال المأمور بها والمنهي عنها (٣).
стр. 2341
والثاني: (أن العلم بأن الشيء سيكون, والخبر عنه بذلك, وكتابة ذلك لا يوجب استغناء ذلك عما به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها، كالفاعل، وقدرته، ومشيئته، فإن اعتقاد هذا غاية في الجهل, إذ هذا العلم ليس موجباً بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء بل هو مطابق له على ما هو عليه، لا يكسبه صفة، ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا، كالموجودات التي كانت قبل وجودنا، مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته، فإن هذا العلم ليس مؤثراً في وجود المعلوم باتفاق العلماء, وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم, كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرفنا صفته وقدره، فإن الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممن له شعور وعلم, إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم، وهذا التفصيل الموجود في علمنا بحيث ينقسم إلى علم فعلي له تأثير في المعلوم، وعلم انفعالي لا تأثير له في وجود المعلوم هو فصل الخطاب في العلم) (١) , وهكذا علم الله ﵎ فعلمه بنفسه - سبحانه - لا تأثير له في وجود المعلوم، أما علمه بمخلوقاته التي خلقها بمشيئته وإراداته فهو مما له تأثير في وجود معلوماته, ولهذا كان الخلق مستلزماً للعمل ودليلاً عليه، (وأما إذا أخبر بما سيكون قبل أن يكون، فعلمه وخبره حينئذ ليس هو المؤثر في وجوده، لعلمه وخبره، به بعد وجوده، لثلاثة أوجه:
أحدهما: أن العلم والخبر عن المستقبل كالعلم والخبر عن الماضي.
الثاني: أن العلم المؤثر هو المستلزم للإرادة المستلزمة للخلق، ليس هو ما يستلزم الخبر ...
الثالث: أنه لو قدر أن العلم والخبر بما سيكون له تأثير في وجود المعلوم المخبر به، فلا ريب أنه لا بد مع ذلك من القدرة والمشيئة فلا يكون مجرد العلم موجباً له بدون القدرة والإرادة، فتبين أن العلم والخبر والكتاب لا يوجب الاكتفاء بذلك عن الفاعل القادر المريد، ومما يدل على ذلك، أن الله يعلم ويخبر بما يكون من مفعولات الرب، كما يعلم أنه سيقيم القيامة ويخبر بذلك، ومع ذلك فمعلوم أن هذا العلم والخبر لا يوجب وقوع المعلوم المخبر به بدون الأسباب التي جعلها الله أسباباً له) (٢).
ومن ثم فالاحتجاج بعلم الله السابق باطل، وبهذا تبطل كثير من الشبه التي تثار حول القدر.
٥ - أما حديث احتجاج آدم وموسى، فقد تكلم فيه العلماء وأطالوا الإجابة عنه، وغالب أجوبتهم بعيدة عن الصواب، ومن الأجوبة:
أ- أن آدم حج موسى لأنه أبوه، فحجه كما يحج الرجل ابنه، وهذا فاسد؛ لأن الحجة يجب المصير إليها سواء كانت مع الأب أو الابن, أو العبد أو السيد.
ب – وقيل: إن آدم حج موسى لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة، وهذا كالذي قبله، لأن أمة محمد ﷺ تلوم الأمم التي قبلها المخالفة لرسلها.
ج- وقيل: حجه لأنه لامه في غير دار التكليف، ولو لامه في دار التكليف لكانت حجة لموسى عليه، وهذا فاسد، كما ذكر ابن القيم، لوجهين:
أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق، فلم يتعرض للدار، وإنما احتج بالقدر السابق.
والثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة.
стр. 2342
د- وقيل: إنه حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة، وتفرد الرب بربوبيته، وقالوا: إن مشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة؛ لأنه شهد نفسه عدماً محضاً، قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم، وهذا قول بعض الصوفية، ويقول عنه ابن القيم: (وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في علم الحديث ... ولو صح لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك, وكافر, وظالم، ولم يبق للحدود معنى, ولا يلام جانٍ على جنايته، ولا ظالم على ظلمه، ولا ينكر منكر أبداً) (١)
هـ - وقيل: إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومه، وهذا لا يصح أيضاً لوجوه منها:
- أن آدم لم يذكر ذلك في جوابه, ولا جعله حجة على موسى، ومنها: أن موسى ﵊، أعرف بالله من أن يلومه على ذنب قد تاب منه (٢).
وإذا تبين فساد هذه الأقوال فما هو الجواب الصحيح في معنى هذا الحديث؟
الجواب الصحيح: (أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇، كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه, واجتباه، وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة, فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعائب) (٣).
وقد ذكر هذا الجواب ابن القيم – ﵀ – وحكاه عن ابن تيمية، ثم قال: (وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد, ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً, ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه: أن آدم قال لموسى، أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة، وزال أمره حتى كأن لم يكن، ثم أنبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: هذا أمر كان قد قدر عليَّ قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقاً، ولا ذكره حجة له على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيبطل بالاحتجاج به حقاً, ويرتكب باطلاً كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله) (٤).
وهذا الذي ذكره ابن القيم جواب جيد، وإن كان ظاهره أنه يرجع إلى الجواب الأول، لأن من أذنب ذنباً ثم تاب منه، وجاء الخبر من الله أنه تاب عليه من هذا الذنب، فإذا كان قد ترتب على هذا الذنب عقوبة معجلة فهي من قبيل المصائب، والله أعلم.
هذا هو ملخص الرد على سؤال الاحتجاج بالقدر، وربما يدخل فيها بعض الأسئلة التي سترد فيما بعد، فلعل في هذه الإجابة ما يغني عن كثير من الأمور التي تحتاج إلى جواب.
стр. 2343
السؤال الثاني: وملخصه: لماذا منّ الله بالهداية على المؤمنين، دون الكافرين، وإذا كان – تعالى- قد بين طرق الهدى للناس، فلماذا أعان المؤمن حتى أصبح مؤمناً طائعاً، ولم يعن الكافر فأصبح عاصياً كافراً؟
وجواب ذلك كما يلي:
١ - أن الزعم بأن منة الله بالهداية على المؤمنين دون الكافرين ظلم منه، باطل لأمرين:
أحدهما: أن هذا تفضل من الله، كما قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] وكما قالت الأنبياء: إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:١١]، فتخصيص هذا بالإيمان كتخصيص هذا بمزيد قوة وعلم، وصحة، وجمال، ومال، والله – قد تفضل على جميع عباده بنعم جليلة لا تحصى، ولو عبدوا الله بأنواع العبادات والقربات طوال أعمارهم ليلاً ونهاراً لما جاءت إلا في مقابل جزء صغير من نعم الله وأفضاله عليهم، ولذلك فالله – تعالى- يدخل عباده الجنة برحمته لا بأعمالهم، وأعمالهم سبب لدخول الجنة لا بدل لها، فإذا تفضل على بعض عباده بالهداية كان ذلك له سبحانه، ولا يعد ظلماً.
والثاني: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والله إنما يضع العقوبة في محلها، فإذا بين سبحانه الهدى للناس جميعاً، وأقام الحجة عليهم, أقدرهم على الإيمان وعدمه, كان كل ذلك محض العدل منه، فحين يمن على بعض عباده بالإيمان ولا يمن على بعضهم لا يكون ذلك ظلماً منه (١).
٢ - أن الله – – قد قامت حجته على من منعهم الهدى، وذلك بتخليته بينهم وبين الهدى، فالله تعالى قد أرسل لهم الرسل ليردوهم إلى الصراط المستقيم, ويدلهوهم عليه، كما أقام لهم أسباب الهداية ظاهراً وباطناً، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب التي توصلهم إلى الهداية، فلم يكلف سبحانه الصغير والمجنون، فالله لم يمنعهم من الهدى، ولم يحل بينهم وبينه، وحين تكون الحجة قائمة عليهم لا يبقى لمعترض اعتراض على توفيق الله ومنته لبعض عباده بالهدى والتوفيق (٢)، وكم لله من النعم على الكفار (٣).
٣ - أما قول من يقول: لماذا أعان المؤمن دون الكافر؟ فهذا باطل لوجوه:
أحدها: أن حقيقة هذا القول: لماذا لم يهد الله جميع الناس، وهذا فاسد لأن لله تعالى، حكماً عظيمة وجليلة في خلق الناس متفاوتين، ولو شاء أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، ولكنه، تعالى لم يفعل لحكم عظيمة، ظهر بعضها للعباد, وبعضها لم ظهر (٤).
стр. 2344
الثاني: أن الإعانة من أفعاله تعالى, ومن ثم فما فعله فلحكمة, وما لم يفعله فلانتفاء الحكمة، أما الطاعة فهي من فعل الإنسان، وتعود مصلحتها له، فإذا أعان الله عبداً من عباده كان فضلاً منه، وإذا خذله كان ذلك عدلاً منه، ولما كان من المعلوم أن الله تعالى قد بين الهدى للناس وأقام الحجة عليهم، فحينئذ من أقبل على الله مؤمناً به مصدقاً برسوله، فالله تعالى يعينه على الهدى ويمكنه منه، أما من كذب رسله وأعرض عن هداه فإن الله تعالى يخذله ولا يمكنه من الهدى كما قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:١٧]، فهم الذين استحبوا العمى على الهدى فعاقبهم الله بالخذلان, وسد أبواب الهداية عنهم عقوبة لهم (١) , (فإنه إذا دعا عبده إلى معرفته ومحبته، وذكره وشكره، فأبى العبد إلا إعراضاً وكفراً، قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره، وصده عن الإيمان، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى، وذلك عدل منه فيه) (٢).
الثالث: أن التكليف إرشاد وهدى، وتعريف للعباد بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، فمن عرف أن هذا الفعل يضره وهذا ينفعه، فعليه أن يذل لله ويخضع له حتى يعينه على فعل ما ينفعه، ولا يقول: أنا لا أفعل حتى يخلق الله فيَّ الفعل، كما أنه لو هجم عليه عدو أو سبع فإنه يهرب ويفر ولا يقول: سأنتظر حتى يخلق الله في الهرب (٣).
الرابع: أن إعانة الله تعالى للكفار قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون وقوع تلك الطاعة يتضمن مفسدة أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة، ومثال ذلك، أن الجهاد في سبيل الله لا شك أنه طاعة، ولكن حين يفضي إلى بعض المفاسد التي ترتب على خروج المنافقين مع رسول الله ﷺ نجد أن الله تعالى ثبط المنافقين لأنه كرهه منهم، قال تعالى: وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:٤٦] فأهم المفاسد المترتبة على خروج هؤلاء مع المؤمنين: زيادة المؤمنين خبالاً أي: فساداً وشرا، وإيضاعهم خلالهم بالسعي بينهم بالفساد والشر، وإرادتهم الفتنة، وفي المؤمنين سماعون لهم قابلون منهم، مستجيبون لهم، فينتج من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشرور والمفاسد ما هو أعظم من مصلحة خروجهم (٤).
ومن هذا المثال يتضح أن لله حكماً حين يرضى لعبده شيئاً ولا يعينه عليه.
الخامس: أن الله خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان، قادر عليه، فلو أراده لفعله, فإذا لم يؤمن كان ذلك دليلاً على أنه لم يرده، لا بعجزه وعدم قدرته، لأنها موجودة، وحينئذ: (فمن أراد الطاعة وعلم أنها تنفعه، أطاع قطعاً إذا لم يكن عاجزاً، فإن نفس الإرادة الجازمة للطاعة مع القدرة توجب الطاعة، فإنها مع وجود القدرة والداعي التام توجب وجود المقدور) (٥) ومن لم يرد الطاعة فإنه لا يفعلها، ولا يطلب أن يخلقها الله تعالى فيه ويعينه عليها، لأنه لو أرادها لفعلها (٦).
стр. 2345
السادس: ننبه إلى خطأ المعتزلة في هذا الباب، فإنهم قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وقالوا: إن الله إذا أمر العباد فيلزمه أن يعينهم، فلما رأوا أن بعض العباد لم يعن ومات كافراً، قالوا: لا يجوز أن يكون الله خالقاً لأفعال العباد، لأن من أمر غيره بأمر فلا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المقاعد والمساند ونحو ذلك، وقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فبين أن قول المعتزلة هذا يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون الآمر أمر غيره لمصلحة تعود إليه، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ماله، فهذا تلزم إعانته، والثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالآمر بالمعروف إذا أعان المأمور على البر والتقوى، فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته على الطاعة، فهذا أيضاً تلزم إعانته، ولكن تبقى حالة وهي:
ما إذا كان الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور، لا نفع يعود إليه من فعله، كالناصح فإنه قد يأمر غيره وينهاه مريداً للنصيحة، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل, إذ ليس كل ما يكون من مصلحته أن يأمر غيره وينصحه، يكون من مصلحته أن يعينه عليه، بل قد تكون مصلحته إرادة ما يضاده، كالرجل الذي يستثير غيره في خطبة امرأة، فإنه يأمره أن يتزوجها لأن ذلك مصلحة المأمور, وإن كان يرى أن مصلحته في أن يتزوجها هو دونه، فإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين ففي حق الله تعالى أولى - ولله المثل الأعلى - فالله أمر خلقه على ألسنة رسله بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، فمنهم من استجاب وأعانه الله ومنهم من لم يعنه، ولا يلزمه سبحانه إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة، فتبين أن الله إذا أمر العباد بما يصلحهم بالأمر لم يلزم من ذلك أن يعينهم، وهذا ما غلط فيه المعتزلة (١).
٤ - إذا تبين ما سبق، وأن الاعتراض مردود، وحجة الله قد قامت على عباده، فتبقى مسألة: وهي: أصل القدر، وهو كونه - تعالى - قدر المقادير فأوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وأضل وهدى، مع كونه – تعالى- غنياً عن خلقه الغنى التام، فما أصل القدر؟ الجواب ما قاله الطحاوي: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه, لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان, وسلم الحرمان, ودرجة الطغيان, فالحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة, فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) (٢) وعلم القدر قال عنه علي ﵁: (القدر سر الله فلا تكشفه) (٣) وسماه الطحاوي بالعلم المفقود، لأن الله طواه عن الخلق (٤) , ونحن نؤمن بأن له تعالى في خلقه حكماً عظيمة, وإذا كان هناك من الحكم ما هون خاف فلا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها، ولا من جهلنا انتفاء حكمته ﵎ (٥).
السؤال الثالث: يقول مورد هذا السؤال: إذا كانت المعاصي مقدرة من الله، فلماذا يعاقب عليها؟
والجواب عليه من وجوه:
١ - هذا السؤال ليس بعيداً عن السؤال السابق، وفيما سبق من جوابه ما يغني عن جواب هذا السؤال, ولكن نزيد الأمر بياناً وتمحيصاً بإضافة الوجوه التالية:
стр. 2346
٢ - أن الله قد أنعم على جميع عباده - وفيهم العصاة - بنعم عظيمة, ومنها أمران عظيمان هما أصل السعادة:
أحدهما: أن الله خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود يولد على الفطرة، كما قال ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ... )) (١) وحينئذ فإذا تركت النفس وفطرتها لم تؤثر على محبة باريها وفاطرها وعبادته شيئاً، ولم تشرك به, ولم تجحد ربوبيته، ولكن إذا اقترن بها شيطان من شياطين الإنس أو الجن فقد يزين لها الإغواء، فتنحرف عن الهدى.
الثاني: أنه هدى الناس هداية عامة, وذلك بما أودعه فيهم من المعرفة, وبما أرسل من الرسل, وبما أنزل من الكتب، وقد هدى الله جميع العباد إلى معرفته والإيمان، حتى قامت الحجة عليهم، فإذا ما أعرض الإنسان عن الهدى كان هو المريد لذلك المختار له، ومن ثم فهو الذي يتحمل عاقبة إعراضه وكفره (٢).
٣ - أن الأعمال والأقوال من الطاعات والمعاصي من العبد، بمعنى أنها قائمة به، وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها المتحرك، الذي يعود حكمها عليه، وهي مع ذلك مخلوقة لله وهذا لا يعارض كونها فعلاً للعبد، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وبناء على ذلك: فمن فعل المعاصي، فقد فعلها باختياره فهو الذي أعرض وتولى عن الهدى, وهو الذي توجه إلى المعصية وفضلها على الطاعة, فإذا اعترض العاصي هنا وقال: إن المعصية كانت مكتوبة عليَّ. فيقال له: قبل أن تقترف المعصية، ما يدريك عن علم الله تعالى؟ فما دمت لا تعلم، ومعك الاختيار والقدرة، وقد وضحت لك طرق الخير والشر، فحينئذ إذا عصيت فأنت مختار للمعصية، المفضل لها على الطاعة, المعرض عن الهدى, وإذا كان الأمر كذلك فتتحمل عقوبة معصيتك, ولا حجة لك مطلقاً (٣).
٤ - ومما يوضح الوجه السابق أن يقال: إذا كانت المعصية مقدرة من عند الله فكيف يعاقب عليها، نقول له: إذا كان الله قد علم وكتب أن فلاناً سيعصي وقدر الله سيقع لا محالة، كما علمه سبحانه، فهل يقال: إنه مستحق للعقوبة بذلك, أم أن الله أخبر أنه لا يعاقب إلا بعد وقوع المعصية منه؟ أم أن الأمر سيان؟ فإذا كان من المقطوع به أن العقاب لا يقع إلا بعد وقوع المعاصي من العباد، دل ذلك على أن القدر السابق لا حجة فيه للعاصي, فالله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم، وما هم عاملون، وما هم إليه صائرون, ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه, وابتلاهم من الأمر والنهي، والخير والشر، بما أظهر معلومه، فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب، بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق، ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل رسله وأنزل كتبه، وشرع شرائعه، إعذاراً إليهم، وإقامة للحجة عليهم، لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟ إذا فقول القائل: كيف يعاقب العاصي وقد قدر عليه المعصية؟ باطل ومردود.
٥ - والسؤال بصيغته يدل على أن المقصود من إيراده من جانب المنحرفين إثارة الشبهة والإفساد، ولذلك تجدهم يركزون على ناحية المعاصي فقط، فيقولون: كيف يقدر الله المعاصي، ثم يعاقب عليها، ولكنهم يتجاهلون الشق الثاني من السؤال الذي يجب أن يرد مع الشق الأول، وهو: إذا كانت الطاعات بقدر الله فلماذا يثيب الله عليها؟
стр. 2347
إذن لماذا يوردون الشق الأول دون الثاني؟ ولماذا يفرقون بين السؤالين؟ إن الهوى ومحاولة إيجاد مبررات الانحراف والعصيان هو الداعي لذلك (١) كما قال بعض العلماء: (أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وفق هواك تمذهبت به) (٢).
٦ - وأخيراً يقال: إن العقاب على المعاصي يقع لأن الإنسان يفعلها بإرادته واختياره، ولذلك لا يعاقب ما ليس من اختياره، فلو كان في جسم الإنسان برص أو عيب خلق فيه، فإنه لا يستحسن ذمه ولا عقابه على ذلك، فعلم أن الفرق بين تعذيب الإنسان على فعله الاختياري وغير فعله الاختياري مستقر في فطر العقول (٣).
السؤال الرابع: وملخصه: كيف يأمر الله الكافر بالإيمان، ولا يريده منه؟ ويقول يلزم أن يكون الكافر مطيعاً لأنه فعل ما هو مراد الله تعالى.
والجواب من وجوه:
١ - أن منشأ الضلال في هذا السؤال هو التسوية بين الإرادة والمشيئة وبين المحبة والرضا، ... والقول الحق الذي تعضده أدلة الكتاب والسنة، وأدلة العقول، وملخص القول الحق: أن هناك فرقاً بين الإرادة والمحبة والرضى، إذ إن النصوص دالة على أن كل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وإرادته، وهذا يشمل الطاعات والمعاصي، ثم إن النصوص دلت على أن الله لا يحب الكفر ولا المعاصي ولا الفساد، وقد اتفقت الأمة على أن الله يكره المنهيات دون المأمورات، ويحب المأمورات دون المنهيات، فالطاعات يريدها الله من العباد الإرادة المتضمنة لمحبته لها، ورضاه بها، إذا وقعت وإن لم يفعلها، والمعاصي يبغضها ويكره من يفعلها من العباد وإن شاء أن يخلقها هو لحكمة اقتضت ذلك، ولا يلزم إذا كرهها للعبد لكونها تضر بالعبد أن يكره أن يخلقها هو لما له فيه من الحكمة، وكون الإرادة لا تستلزم المحبة مما هو مستقر في فطر العقول وفي واقع الناس، كإرادة المريض للدواء الذي يبغضه، وكمحبة المريض للطعام الذي يضره، ومحبة الصائم للطعام والشراب الذي لا يريد أن يأكله ولا يريد أن يشربه, ومحبة الإنسان للشهوات التي لا يريدها والتي يكرهها بعقله ودينه، فإذا عقل ثبوت أحدهما دون الآخر, وأن أحدهما لا يستلزم الآخر, فكيف لا يمكن ثبوت ذلك في حق الخالق تعالى ولله المثل الأعلى (٤).
إن هذا كاف في الإجابة على هذا السؤال ولكن نزيد الأمر وضوحاً بإضافة الوجوه التالية:
٢ - أن يقال: المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لله، مرضي له، فما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد، والمراد لغيره: هو المراد بالعرض، وهذا قد لا يكون مقصوداً لما يريد، ولا فيه مصلحة بالنظر إلى ذاته، ولكنه وسيلة إلى مقصوده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما (٥).
стр. 2348
ومما يوضح ما سبق ما عقب عليه شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المسألة فقد قال: (وعلى هذا ينبني مسألة محبة الرب – – نفسه، ومحبته لعباده، فإن الذين جعلوا المحبة والرضا هو المشيئة العامة قالوا: إن الرب لا يحب في الحقيقة ولا يحب، وتأولوا محبته – تعالى – لعباده بإرادة ثوابهم، ومحبتهم له بإرادة طاعتهم له والتقرب إليه، ومنهم طائفة كثيرة قالوا: هو محبوب يستحق أن يحب، ولكن محبته لغيره بغيره بمعنى مشيئته، وأما السلف، والأئمة, وأئمة الحديث، وأئمة التصوف وكثير من أهل الكلام والنظر .. فأقروا بأنه محبوب لذاته، بل لا يستحق أن يحب لذاته إلا هو، وهذا حقيقة الألوهية، وهو حقيقة ملة إبراهيم ومن لم يقر بذلك لم يفرق بين الربوبية والإلهية، ولم يجعل الله معبوداً لذاته، ولا أثبت التلذذ بالنظر إليه ... وأما الذين أثبتوا أنه محبوب، وأن محبته لغيره بمعنى مشيئته، فهؤلاء ظنوا أن كل ما خلقه فقد أحبه وهؤلاء قد يخرجون إلى مذاهب الإباحة فيقولون: إنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى ذلك، وأن العارف إذا شهد المقام لم يستحسن حسنة، ولم يستقبح سيئة, لشهوده القيومية العامة وخلق الرب لكل شيء) (١) ومن هذا يتبين أن الانحراف في هذه المسألة، مسألة هل الإرادة مستلزمة للمحبة؟ قد لا يقف عند حد، بل قد يوصل إلى الكفر وإبطال الشرائع.
٣ - أن الإرادة نوعان: إرادة تتعلق بالأمر، وإرادة تتعلق بالخلق، فالإرادة المتعلقة بالأمر: أن يريد من العبد فعل ما أمره، وهذه الإرادة متضمنة للمحبة والرضا، وهي الإرادة الدينية الشرعية، وأما إرادة الخلق، فأن يريد ما يفعله هو، وهي المشيئة, وهي الإرادة الكونية القدرية، وحينئذ فالطاعة موافقة للأمر المستلزم لتلك الإرادة، فتكون طاعة محبوبة مرضياً عنها, أما المعصية فليست مرادة لله تعالى، بالاعتبار الأول، أي الإرادة الدينية، وحين تكون موافقة للنوع الثاني أي الإرادة الكونية لا تكون طاعة بمجرد ذلك (٢) وبهذا التفصيل في باب الإرادة تزول كل الإشكالات.
ومما يوضح هذا الأمر أن يقال: الإرادة نوعان: أحدهما: بمعنى المشيئة وهو: أن يريد الفاعل أن يفعل فعلاً فهذه الإرادة المتعلقة بفعله, والثاني: أن يريد من غيره أن يفعل فهذه الإرادة لفعل الغير, وكلا النوعين مفعول في الناس وكل من الجهمية والقدرية قال بنوع واحد فقط, فالجبرية قالوا بالنوع الأول فقط لأن الأمر عندهم يتضمن الإرادة، والقدرية قالوا بالنوع الثاني لأن الله عندهم لا يخلق أفعال العباد، ولكن القول الصحيح إثبات النوعين من الإرادة كما أثبت ذلك السلف والأئمة لأن الله تعالى أمر الخلق بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم, ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله فأراد هو - سبحانه - أن يخلق ذلك الفعل ويجعله فاعلاً له, ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فتبين أن جهة خلقه - سبحانه - لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد على وجه بيان ظاهر, مصلحة للعبد أو مفسدة (٣).
٥ - بالوجوه السابقة يتضح جواب هذا السؤال, فالله - تعالى - أمر الكافر بالإيمان وحين أمره هيأ له أسبابه، ففطره على الفطرة السليمة، وبين له طرق الهدى, وأعطاه الإرادة والقدرة على الفعل, ولكن كونه سبحانه لم يرد الإيمان منه كوناً, لا يعارض هذا ولا يتناقض معه، وليس فيه حجة لأحد، إذ إن الطاعة هي في موافقة الأمر لا موافقة الإرادة، فتبين بذلك أن الله قد يأمر الكافر بالإيمان شرعاً ولا يريده منه كوناً.
стр. 2349
وكذلك فإن الكافر لا يكون مطيعاً لأنه فعل ما هو مراد لله كوناً، لأن الكفر قد نهى الله عنه، ولا يلزم من كونه - تعالى - أراد أمراً أن يكون محبوباً له، وهذا كما أنه تعالى خلق كثيراً من الشرور وهي مبغضة له غير محبوبة، ولكن خلقها لأنها تفضي إلى محبوبات له كثيرة, وأقرب مثال إلى ذلك خلق الله لإبليس لعنه الله الذي هو مادة الفساد في الأديان والأعمال والاعتقادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد, ومع ذلك فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه, ووجودها أحب إليه من عدمها منها: ظهور أسمائه القهرية مثل: القهار، والعدل، والضار، والشديد العقاب. ومنها ظهور أسمائه المتضمنة لحلمة وعفوه ومغفرته. ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس ما وجدت، كعبودية الجهاد، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعبودية الصبر ومخالفة الهوى ... إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن تعدادها وحصرها (١).
السؤال الخامس:
وخلاصة هذا السؤال: إذا كان الكفر بقضاء الله، فيلزم عدم الرضا بقضاء الله وقدره.
وجوابه كما يلي:
١ - أن يقال: إننا لا نسلم بأن الرضا واجب لكل المقتضيات، ولا دليل على وجوب ذلك من كتاب ولا سنة، ولا قاله أحد من السلف والله – تعالى – أخبر بأنه لا يرضى بأمور مع أنها مخلوقة له، فهو – سبحانه – يكره أموراً كثيرة ويبغضها ويمقتها، وقد أمرنا الله أن نكرهها ونبغضها, وذلك كالكفر والمعاصي وغيرها (٢).
وقد تنازع الناس في الفقر والمرض والذل، هل يجب الرضا به أم يستحب على قولين، والراجح أنه لا يجب بل هو مستحب وإنما أوجب تعالى الصبر على ذلك (٣)
٢ - ويقال أيضاً: المسألة تحتاج إلى تفصيل.
أ- فالقضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه, وكتابه, وتقديره, ومشيئته, فالرضا به واجب لأنه من تمام الرضا بالله رباً, وإلهاً, ومالكاً, ومدبراً.
ب – أما الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، ففيه تفصيل، لأن القضاء نوعان: ديني وكوني. فالديني: يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، أما الكوني: فمنه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب (٤).
٣ - وقد قيل في الإجابة: إن المقدورات لها وجهان: وجه يرضى بها منه وهو إضافتها إلى الله خلقاً ومشيئة، ووجه فيه تفصيل وهو تعليقها بالعبد، فمنه ما يرضى به كالطاعات، ومنه مالا يرضى به كالكفر غير المفعول (٥).
وهذان الجوابان فيهما ضعف، فيحتاجان إلى إيضاح، فنقول: من المعلوم أن لله في خلقه حكماً عظيمة، وقد خلق تعالى الشرور والمفاسد لكونها تفضي إلى محبوبات لله كثيرة، فيقال: العبد يجب عليه أن يكره الذنوب ويبغضها لأن الله تعالى يبغضها ويمقتها, ويجب عليه أن يرضى بالحكمة التي خلقها الله لأجلها فهي من جهة فعل العبد لها مكروهة مسخوطة, ومن جهة خلق الرب لها محبوبة مرضية، لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة فنرضى بقضاء الله وقدره (٦).
السؤال السادس: وخلاصته: ما الفائدة من التكليف مع سبق الأقدار؟
وجوابه من وجوه:
стр. 2350
١ - أن هذا سؤال فاسد، لأن معناه إنكار أن يكون لله تعالى أية حكمة في خلق السموات والأرض، وخلق البشر, لأن العلم السابق كاف في ثبوت هذه الحكم, وهذا من أبطل الباطل.
وظهور ما لله تعالى من الحكم في خلقه وفي تعريض عباده للابتلاء والامتحان هي حكم عظيمة جليلة لا تحصى, إنما يتم ذلك بوقوعه كما قدره الله, ولا يمكن أن يقال إنها حاصلة بدون ذلك.
٢ - وإقامة الحجة على العباد لا يمكن أن تتم إلا بعد إيجادهم، وتمكينهم وتبيين طرق الهدى لهم، بإرسال الرسل وإنزال الكتب، حتى يعرفوا طريق الهدى وطريق الشر، فيختاروا أحد الطريقين، وبعد ذلك ينالوا جزاءهم في الدار الآخرة إما النعيم وإما العذاب ولو لم يقع الابتلاء والامتحان في الدنيا ثم عوقبوا في الآخرة على مقتضى القدر لاحتجوا على الله.
والقول بأن العلم السابق كاف في وقوع المقدور قد بينا بطلانه في الرد على السؤال الثاني.
٣ - والله (أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليهم أحكام أسمائه وصفاته, فيظهر كماله المقدس وإن كان لم يزل كاملاً فمن كماله ظهور آثار كماله في: خلقه، وأمره, وقدره, ووعده, ووعيده, ومنعه, وإعطائه, وإكرامه, وإهانته ... ) (١).
هذه هي أهم الأسئلة التي وردت وترد في باب القدر، ناقشناها وبينا وجه الحق فيها، وإن كانت هناك أسئلة أخرى فهي إما راجعة إلى أحد الأسئلة التي ذكرناها، أو أنها ضعيفة لا تستحق الرد، أو أنها جاءت اعتراضاً على المذاهب المنحرفة في القدر, ولا تأتي على مذهب السلف أهل السنة والجماعة.
القضاء والقدر لعبدالرحمن بن صالح المحمود -بتصرف - ص ٢٧١ - ٢٩٠