← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

قال: وهذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو حب الله ورسوله ﷺ وتعظيم الله ورسوله وتعزير الله ورسوله وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال. فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة المعلول. ويتبع الاعتقاد قول اللسان، ويتبع عمل القلب عمل الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك (١)). وقال بعد أن نقل عبارات السلف المذكورة .... : (وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوي، ولكن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، فقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولاً إلا بالتقييد، كقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١]. وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين التي لا يتقبلها الله. فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر ((٢). قال: (وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسماً لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل: حب الله وخشية الله، والتوكل على الله ونحو ذلك. فإن دخول أعمال القلب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها ((٣). وقد سبق ضمن كلامه الشبيه بهذا ..... قوله: (إن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح ((٤). وقوله: (فإذا قالوا: قول وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعاً) (٥) وعند هذه العبارة علق المحقق بقوله: وعلى هامش النسخة الهندية: وقول القلب هو إقراره ومعرفته وتصديقه، وعمله هو انقياده لما صدق به. ويقول الإمام ابن القيم: (إن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان, والعمل عمل القلب والجوارح، وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمناً كما قال عن قوم فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:١٤]. وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت:٣٨]. وقال موسى لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:١٠٢]. فهؤلاء حصلوا قول القلب -وهو المعرفة والعلم- ولم يكونوا بذلك مؤمنين، وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمناً، بل كان من المنافقين. وكذلك: من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمناً حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة، فيحب الله ورسوله ﷺ ويوالي أولياء الله ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله ﷺ وطاعته والتزام شريعته ظاهراً وباطناً. وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به، فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه) (٦)

стр. 2382

والحاصل أن السلف وعلماء أهل السنة والجماعة في كل عصر إنما يستخدمون في منهج التفكير المنطق الفطري البدهي الذي يقسم عمل الإنسان بحسبه قسمين: ظاهر وباطن. فالباطن: قول القلب وعمله، والظاهر: قول اللسان وعمل الجوارح. فعلى هذا قالوا: الإيمان قول وعمل، أي: شامل للظاهر والباطن، لا سيما إذا ضممنا إلى ذلك ما هو معروف -بداهةً وفطرةً- من أن حقيقة الإنسان قسمان: قلب وأعضاء، وأعماله قسمان: أقوال وأفعال، فيكون أشمل عبارة أن يقال: قول وعمل بالقلب والأعضاء، وهذا هو مراد السلف قطعاً، وإنما اكتفوا عن آخر الجملة بأولها؛ لأن منهجهم الفطري في التفكير ومنهجهم البليغ في التعبير هو القصد إلى المطلوب بإيجاز دون العروج على ما هو معلوم بداهة. وبهذا يظهر أن عبارة قول وعمل على إيجازها جامعة مانعة، لا من جهة أنها حد منطقي -أي تعريف للماهية- ولكن من جهة أنها كشف عن الحقيقة وبيان لها. ولذلك فإنني -بعد طول تأمل- أختار هذه العبارة وأفضلها على عبارة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان ونحوها، على أن تشرح بما أوضحنا آنفاً، ومن أسباب الاختيار: أنها المنقولة عن متقدمي السلف، مع إيجازها وشمولها. أن العبارة الأخرى لا تسلم أيضاً من الفهم الخطأ. فإن فهم بعض الناس -المرجئة وغيرهم- أن: (قول وعمل) تعني قول اللسان وعمل الجوارح دون قول القلب وعمله أمر تنكره البديهة وترده، ولكن العبارة الأخرى توقع في لبس قلَّ من يفطن له ولا يستطيع كل أحد رده، وهو أن هذه الثلاثة- أي الاعتقاد والقول والعمل- منفصلة بعضها عن بعض، بمعنى أن الطاعات -التي هي فروع الإيمان وشعبه- على ثلاثة أقسام: قسم قلبي، وقسم لساني، وقسم عملي وعلى هذا قد يفهم أنه يمكن أن يتحقق في الإنسان ركنان من ثلاثة بأن يتحقق لديه الاعتقاد والقول مع عدم العمل بالكلية، وهذا الذي جزم السلف باستحالة وقوعه. وبيان ذلك يتضح من خلال تأمل كلام أحد علماء السنة المحققين- وهو الحافظ ابن حجر ﵀ وهو من هو علماً وفهماً وإحاطة بأقوال السلف، فانظر إليه حين يقول- شرحاً لترجمة البخاري، وهو قول وفعل يزيد وينقص: (فأما القول فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح ليدخل الاعتقادات والعبادات. ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى. فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص ..... والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط. والكرامية قالوا: هو نطق فقط. والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحته، والسلف جعلوها شرطاً في كماله. وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى، أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم بكفره إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم .. ) (١) إلخ فقارئ كلامه يفهم منه التناقض بين تعريفي السلف في موضوع العمل، فإنه في التعريف الأول: قول وعمل يعتبر ركناً، في حين أنه حسب التعريف الأخير: اعتقاد وقول وعمل ليس إلا شرط كمال فقط. ويفهم منه -كذلك- أن الفرق بين المرجئة والسلف، أن السلف: زادوا على تعريف المرجئة العمل وجعلوه شرط كمال، وعليه فمن ترك العمل بالكلية فهو عند المرجئة مؤمن كامل الإيمان، وعند السلف مؤمن تارك لشرط الكمال فحسب.

стр. 2383

ويمكن أن نفهم منه أيضاً أن تعريف المرجئة والمعتزلة أوجه من تعريف السلف، لأن المرجئة عرفوه بركنين والمعتزلة بثلاثة والسلف عرفوه -حسب فهمه- بركنين وشرط كمال، والتعريفات إنما تذكر الأركان لا الشروط ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي - بتصرف – ١/ ٢٢١ ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح (١). فهذه خمسة أمور اشتمل عليها مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول القلب، وعمله، وقول اللسان، وعمله، وعمل الجوارح. والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة وفيرة وفيما يلي ذكر بعضها: أولا: قول القلب، وهو تصديقه وإيقانه، قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٣٣ - ٣٤] وقال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] وقال تعالى في المرتابين الشاكين: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧]. وفي حديث الشفاعة ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة)) (٢)، وغير ذلك من الأدلة. ثانيا: قول اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: ٥٣] وقال تعالى: وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى: ١٥] وقال تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣] وقال ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله .. )) (٣) وما في معنى هذا من النصوص.

стр. 2384

ثالثا: عمل القلب، وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد، والإقبال على الله ، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٥٢] وقال: وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، وقال: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، وهي كثيرة جدا في الكتاب والسنة. رابعا: عمل اللسان، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى باللسان، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر: ٢٩]، وقال: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف: ٢٧]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزمل: ٢٠]. وغير ذلك من نصوص الشرع الدالة على أعمال اللسان والطاعات التي تؤدى به. خامسا: عمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله، كمثل الخطا إلى المساجد وإلى الحج وإلى الجهاد في سبيل الله، وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى بالجوارح، قال الله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج: ٧٧ - ٧٨] وقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]، والنصوص في هذا كثيرة جدا (١). قال محمد بن حسين الآجري في باب (القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان, وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث) قال: (اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.

стр. 2385

ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمناً، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين .. ) (١). ثم ساق من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية ما يدل على ذلك ويؤيده. زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- ص:٢١ - ٢٥ قال حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في شرح قوله في منظومة سلم الوصول اعْلَمْ بِأَنَّ الدينَ قوْلٌ وعَمَلْ ... فَاحْفَظْهُ وَافْهَمْ مَا عَلَيْهِ ذَا اشْتَمَلْ قال: (اعلم) يا أخي وفقني الله وإياك والمسلمين (بأن الدين) الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ورضيه لأهل سماواته وأرضه وأمر أن لا يعبد إلا به ولا يقبل من أحد سواه ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه ولا أحسن دينا ممن التزمه واتبعه هو (قول) أي بالقلب واللسان (وعمل) أي بالقلب واللسان والجوارح فهذه أربعة أشياء جامعة لأمور دين الإسلام. الأول قول القلب وهو تصديقه وإيقانه قال الله تعالى: وَالذِّي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المحُسْنِين [الزمر: ٣٣ - ٣٤] وقال الله تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] وقال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] صدقوا ثم لم يشكوا وفي حديث الدرجات العلى: ((بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) (٢) وقال الله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣] وقال الله تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦] الآيات وقال الله تعالى: وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى: ١٥] وغير ذلك من الآيات. وفي حديث الشفاعة: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة)) (٣) الحديث. وفي حديث الآخرة: ((فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان)) (٤).

стр. 2386

وقال الله تعالى في المكذبين: أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [يس: ١٠] وقال الله تعالى في المرتابين الشاكين: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] وقال فيهم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ [المائدة: ٤١] وقال الله تعالى فيهم: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] أي: في قولهم نشهد أي كذبوا إنهم لا يشهدون بذلك بقلوبهم إنما هو بألسنتهم تقية ونفاقا ومخادعة. الثاني: قول اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بلوازمها قال الله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا [البقرة: ١٣٦] وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: ٥٣]، وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى: ١٥] وقال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف: ٨٦] إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣] وقال ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله)) (١) وما في معناه مما سنذكر وما لا نذكر.

стр. 2387

والثالث عمل القلب وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه قال الله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الذِّينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه [الأنعام: ٥٢] إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله [الإنسان: ٩] الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: ٢] وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: ٢٣] الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] وقال الله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣]، وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين [البينة: ٥]، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي [الزمر: ١٤]، وقال الله تعالى: وَالذِّينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباً لله [البقرة: ١٦٥]، يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١]، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧]، وقال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء: ١٢٥] وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: ٢٢]، فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج: ٣٤] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]. وقال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) (١). وقال ﷺ : ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)) (٢). و ... قال ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) (٣) الحديث وقال ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (٤).

стр. 2388

وكان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل صالح يقربني إلى حبك)) (١). وقال ﷺ : ((اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين)) (٢) ...

стр. 2389

الرابع عمل اللسان والجوارح فعمل اللسان ما لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك وعمل الجوارح ما لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله كنقل الخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما يشمله حديث شعب الإيمان قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ [فاطر:٢٩] الآيات وقال الله تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف: ٢٧] وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الأحزاب: ٤١] وقال الله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: ٢٠٥] الآيات وقال الله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الإسراء: ١١١] وقال الله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا [الكهف: ٤٦] وهي ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) (١)

стр. 2390

وقال الله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] الآيات، وقال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزمل: ٢٠] وقال الله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩١] الآيات وقال الله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج: ٧٧ - ٧٨] الآيات وقال الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٣ - ٦٤] الآيات وقال الله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر: ٩] وقال الله تعالى: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١١ - ١١٢]. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما المقصود تقرير هذه الأمور من أصول الدين فإذا حققت هذه الأمور الأربعة تحقيقاً بالغاً وعرفت ما يراد بها معرفة تامة وفهمت فهما واضحا ثم أمعنت النظر في أضدادها ونواقضها تبين لك أن أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة: كفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق فأحدها يخرج من الملة بالكلية وإن اجتمعت في شخص فظلمات بعضها فوق بعض والعياذ بالله من ذلك لأنها إما أن تنتفي هذه الأمور كلها قول القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح أو ينتفي بعضها فإن انتفت كلها اجتمع أنواع الكفر غير النفاق إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ [البقرة: ٦ - ٧].

стр. 2391

وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس: ٣٩] وقال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: ٨٤]. وإن كتم الحق مع العلم بصدقه فكفر الجحود والكتمان قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٤] وقال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: ٨٩] وقال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]. وإن انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح الظاهرة فكفر نفاق سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى وسواء انتفى بتكذيب أو شك قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ - إلى قوله - وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٨ - ٢٠] وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع معرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار ككفر إبليس وكفر غالب اليهود شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهم وكفر من ترك الصلاة عنادا واستكبارا ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب قال النبي ﷺ : ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) (١). ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا بلا شك لم يعنوا مجرد التصديق فإن إبليس لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفرا واستكبارا واليهود كانوا يعتقدون صدق رسول الله ﷺ ولم يتبعوه وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد بل جحد بآيات الله ظلما وعلوا فأين هذا من تصديق من قال الله تعالى فيه: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] الآيات وأين تصديق من قال الله فيهم: قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [البقرة: ٩٣] وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٧٦] من تصديق من قالوا وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] والله الموفق معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٣٥

стр. 2392

وأقوال السلف الصالح في هذه المسألة متفقة على أن الإيمان قول وعمل، وسنذكر بعض أقوالهم على النحو التالي: يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (١) وعقد الإمام الآجري ﵀ باباً في كتابه (الشريعة) قائلاً: باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، ولا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث (٢). وقال الإمام ابن بطة ﵀ في تعريف الإيمان: معناه التصديق بما قاله، وأمر به وافترضه، ونهى عنه من كل ما جاءت به الرسل من عنده، ونزلت فيه الكتب، وبذلك أرسل المرسلين، فقال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] والتصديق بذلك قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان. (٣) ... تنوعت عبارات السلف الصالح في تعريف الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة وكل هذا صحيح، فليس بين هذا العبارات اختلاف معنوي، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قائلاً: إذا قالوا: قول وعمل فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعاً، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق فإن القول المطلق، والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فقول باللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولاً إلا بالتقييد (كقوله تعالى يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١] وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب، هي من أعمال المنافقين، التي لا يتقبلها الله، فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر.

стр. 2393

ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوباً لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط. فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه (أربعة أقسام) فسروا مرادهم، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سنة فهو بدعة (١) ... يقول ابن تيمية في هذا الشأن: إن الإيمان قول وعمل، فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو الفعل، كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجباً لفساد ذلك الاعتقاد، ومزيلاً لما فيه من المنفعة والصلاح، إذ الاعتقادات الإيمانية تزكي النفوس وتصلحها، فمتى لم توجب زكاء النفس، ولا صلاحها، فما ذاك إلا لأنها لم ترسخ في القلب. (٢)) نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف – ص١٧ قال الإمام محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني: (والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان). (٣). وقال الإمام البغوي: (اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان .. وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة). (٤) وقال الحافظ ابن عبد البر: (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية ... إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيماناً (٥) ... ). (قال الإمام الشافعي في (كتاب الأم) .. وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر) (٦). وروى الإمام اللالكائي عن الإمام البخاري قوله: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص (٧). والنصوص عن الأئمة كثيرة جداً في قولهم: إن الإيمان قول وعمل، نقل كثيراً منها المصنفون في عقيدة أهل السنة من الأئمة المتقدمين كالإمام اللالكائي وابن بطه وابن أبي عاصم وغيرهم. ولا فرق بين قولهم: إن الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل واعتقاد. فكل ذلك من باب اختلاف التنوع، فمن قال من السلف: إن الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. ومن زاد الاعتقاد رأى لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك، فزاد الاعتقاد بالقلب.

стр. 2394

ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد (قول القلب)، وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية (عمل القلب)، فزاد ذلك (١). خلاصة ما سبق من حقيقة الإيمان الشرعي أنها (مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به) (٢). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – ١/ ٣١ أجمع السلف ... (أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك أنه قول القلب، وعمل القلب، ثم قول اللسان، وعمل الجوارح) (٣). فقول القلب هو: الـ (تصديق بالقلب، وإقراره، ومعرفته) (٤). ويراد به: (التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ (٥). (وهذا أصل القول) (٦). وأما عمل القلب فـ (هو حب الله ورسوله، وتعظيم الله ورسوله، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله والإنابة إليه، والإخلاص له، والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد، إيجاب العلة المعلول) (٧). (وهذا أصل العمل) (٨). (والفرق بين أقوال القلب وأعماله؛ أن أقواله هي العقائد التي يعترف بها ويعتقدها، وأما أعمال القلب فهي حركته التي يحبها الله ورسوله، وهي محبة الخير وإرادته الجازمة، وكراهية الشر والعزم على تركه) (٩). وأما قول اللسان فهو (الإقرار بالله وبما جاء من عنده والشهادة لله بالتوحيد، ولرسوله بالرسالة، ولجميع الأنبياء والرسل، ثم التسبيح والتكبير، والتحميد، والتهليل، والثناء على الله، والصلاة على رسوله، والدعاء، وسائر الذكر) (١٠). وأما عمل الجوارح فهو (أفعال سائر الجوارح من الطاعات والواجبات التي بني عليها الإسلام، أولها إتمام الطهارات كما أمر الله ، ثم الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والزكاة على ما بينه الرسول ﷺ ، ثم حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وترك الصلاة كفر، وكذلك جحود الصوم والزكاة والحج، والجهاد فرض على كفاية مع البر والفاجر، وسائر (الأعمال) التطوع التي يستحق بفعلها اسم زيادة الإيمان، والأفعال المنهي عنها التي بفعلها يستحق نقصان الإيمان) (١١). فأعمال الجوارح تنشأ عن أعمال القلوب وهي أصله، وقول اللسان ينشأ عن قول القلب وهو أصله. قال شيخ الإسلام: (فالإيمان لا بد فيه من هذين الأصلين:

стр. 2395

التصديق بالحق، والمحبة له، فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل. ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة ... وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة ... ) (١). فلهذا كانت هذه الأربعة أجزاء في الإيمان وأركانه التي قام عليها بناؤه. قال ابن القيم: (إن الإيمان قول وعمل؛ والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح. وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمناً، كما قال عن قوم فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ [النمل: ١٤]. وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت: ٣٨]. وقال موسى لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: ١٠٢]. فهؤلاء حصلوا قول القلب، وهو المعرفة والعلم، ولم يكونوا بذلك مؤمنين. وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمناً، بل كان من المنافقين. وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمناً حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة، فيحب الله ورسوله ﷺ ، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله ﷺ وطاعته والتزام شريعته ظاهراً وباطناً. وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به، فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه) (٢). (فإن انتفت كلها اجتمع أنواع الكفر غير النفاق ... وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب ... وإن كتم الحق مع العلم بصدقه فكفر الجحود والكتمان ... وإن انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح الظاهرة فكفر نفاق، سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى، وسواء انتفى بتكذيب أو شك ... وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار ... ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي ﷺ : ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (٣)) (٤). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٥٧

стр. 2396

الأصل الأول: لا يكون إسلام إلا بإيمان، ولا يكون إيمان إلا بإسلام . فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل البدن من الروح (فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حياً إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر) (١). ومثلهما –أيضاً- (كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه) (٢). ومثلهما - أيضاً – (كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام، له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط، مثله كالإيمان، لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليها، إذ لا قوام له ولا قوة إلا بها، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح، لا قوام له إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب، لا نفع له إلا بالإسلام، وهو صالح الأعمال) (٣). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٣

стр. 2397

الأصل الثاني: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بالإيمان وهذا قول أئمة الإسلام: الأوزاعي ومالك وسعيد بن عبدالعزيز التنوخي، كانوا (ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بالإيمان) (١). وقال عطاء: (فألزم الاسم العمل، وألزم العمل الاسم). ويزيد في إيضاح ما تقدم – مع وضوحه – قول عبدالله بن عبيد بن عمير الليثي: (الإيمان بالله مع العمل، والعمل مع الإيمان، ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى يقدمان على الخير إن شاء الله) (٢). وأما أهل البدع فقد فرقوا بين الإيمان والعمل، قال الإمام القدوة الثبت أبو علي الفضيل بن عياض التميمي: (فميز أهل البدع العمل من الإيمان، وقالوا: إن فرائض الله ليس من الإيمان، ومن قال ذلك فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحداً للفرائض راداً على الله أمره. ويقول أهل السنة: إن الله – – قرن العمل بالإيمان، وأن فرائض الله من الإيمان، قالوا: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٨٢] فهذا موصول العمل بالإيمان. ويقول أهل الإرجاء: إنه مقطوع غير موصول. وقال أهل السنة: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء: ١٢٤] فهذا موصول. وأهل الإرجاء، يقولون: بل هو مقطوع. وقال أهل السنة: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن [الإسراء: ١٩] فهذا موصول، وكل شيء في القرآن من أشباه ذلك، فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع. وأهل الإرجاء يقولون: هو مقطوع متفرق. ولو كان الأمر كما يقولون لكان من عصى وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل، وكان إقراره يكفيه من العمل، فما أسوأ هذا من قول وأقبحه، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٣). فانظر إلى هذا الإلزام الذي ألزمته أهل السنة المرجئة، وهو يدل على أن المرجئة الذين أنكر السلف قولهم لا ينكرون الوعيد في حق العصاة، ولا ينكرون بأن من لم يأت بالعمل أنه تارك للفرائض، وأنه معرض للوعيد، لكنهم يرفضون دخول العمل في الإيمان، وأن من لم يأت به ليس مؤمناً، وهذا هو مرادهم من فصل العمل عن الإيمان. (وقد جاء عن الإمام الشافعي في مناظرته أحد المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان قول. قال الإمام الشافعي: ومن أين قلت؟ قال: من قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]. فصار الواو فصلاً بين الإيمان والعمل؛ فالإيمان قول، والأعمال شرائع. فقال الشافعي: وعندك الواو فصل؟ قال: نعم. قال: فإذا كنت تعبد إلهين: إلهاً في المشرق، وإلهاً في المغرب؛ لأن الله تعالى يقول: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧] فغضب الرجل، وقال: سبحان الله! أجعلتني وثنياً. فقال الشافعي: بل أنت جعلت نفسك كذلك. قال: كيف؟ قال: بزعمك أن الواو فصل. فقال الرجل: فإني أستغفر الله مما قلت، بل لا أعبد إلا رباً واحداً، ولا أقول بعد اليوم: إن الواو فصل، بل أقول: إن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص) (٤). فقول المرجئ (والأعمال شرائع) يدل على أن الأعمال عندهم مطلوبة، وهذا محل اتفاق عندهم، قال عبدالقاهر البغدادي – عند كلامه على الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة يعني الأشاعرة -: (قالوا في الركن الثالث عشر: المضاف إلى الإيمان والإسلام: إن أصل الإيمان المعرفة والتصدق بالقلب، وإنما اختلفوا في تسمية الإقرار وطاعات الأعضاء إيماناً مع اتفاقهم على وجوب الطاعات المفروضة، وعلى استحباب النوافل المشروعة ... ). وجمهورهم على أن تارك الطاعات المفروضة معرض للوعيد، لكنهم يختلفون مع السلف في إدخالها في الإيمان، أي في ترتيب الإيمان على وجودها، والكفر على انتفائها، وهذا ما تدل عليه مقولة السلف: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٤

стр. 2398

الأصل الثالث: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول قالها سعيد بن جبير، وتتابع أئمة أهل السنة عليها: فمن قائل: لا يجوز القول إلا بالعمل. ومن قائل: لا يكون قول إلا بعمل. ومن قائل: لا يستقيم قول إلا بعمل. ومن قائل: لا يصلح قول إلا بعمل. ومن قائل: لا ينفع قول إلا بعمل. وهي متواردة على معنى واحد، وهو (أن من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمناً) (١). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٧

стр. 2399

الأصل الرابع: الإيمان قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر الإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر. قاله الزهري وقد جاء نحو هذا القول في حديث مرسل، عن محمد بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بالله والعمل قرينان، لا يصلح واحد منهما إلا مع صاحبه)) (١). وبوب عليه الحافظ المسند شيخ الحرم في زمانه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في كتابه (الإيمان): باب ملازمة العمل للإيمان. ونص على مضمونه عدد من أئمة أهل السنة في عقائدهم: - الإمام المزني – ﵀: قال: (والإيمان قول وعمل مع اعتقاده بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، وهما سيان ونظامان وقرينان لا نفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) (٢). - وقال أبو طالب المكي: (الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه). - وقال ابن أبي زمنين: (والإيمان بالله هو باللسان والقلب، وتصديق ذلك العمل. فالقول والعمل قرينان لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه) (٣). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٨

стр. 2400

الأصل الخامس: أن ترك الفرائض ليس بمنزلة ركوب المحارم أن ترك الفرائض ليس بمنزلة ركوب المحارم وقد ذكر هذا الإمام الثقة الحافظ الفقيه أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، قال ﵀: (والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصراً بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر) (١). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٩

стр. 2401

الأصل السادس: قول أهل السنة إنا لا نكفر بالذنب، إنما يراد به المعاصي لا المباني قال شيخ الإسلام: (نحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي: كالزنا والشرب. وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور، وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدى الروايات عنه: أنه يكفر من ترك واحدة منها، وهو اختيار أبي بكر وطائفة من أصحاب مالك، كابن حبيب. وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط. ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها. ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة. وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن. وهذه أقوال معروفة للسلف. قال الحكم بن عتيبة: (من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمداً فقد كفر، ومن ترك الحج متعمداً فقد كفر، ومن ترك صوم رمضان متعمداً فقد كفر). وقال سعيد بن جبير: (من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر بالله، ومن ترك الزكاة متعمداً فقد كفر بالله، ومن ترك صوم رمضان متعمداً فقد كفر بالله). وقال الضحاك: (لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة) (١). وقال عبدالله بن مسعود: (من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له)، رواه أسد بن موسى (٢). وقال عبدالله بن عمرو: (من شرب الخمر ممسياً أصبح مشركاً، ومن شربه مصبحاً أمسى مشركاً، فقيل لإبراهيم النخعي: كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة) (٣). وبهذا يعلم أن من قال بكفر تارك أحد المباني الأربعة لم يخرج من أقوال أهل السنة، وإن كنا نرى أن قوله قول مرجوح في غير الصلاة، والله أعلم. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٩

стр. 2402

الأصل السابع: في بيان الفرق بين ترك الصلاة وترك العمل يخلط بعض من يتكلم في موضوعنا بين مسألة ترك الصلاة، ومسألة ترك العمل، ولم يميز بينهما؛ إما لدخول الشبهة عليه، وإما للتشغيب على مخالفه، حتى تمنطق بعضهم مناقشاً مخالفه في محاورة من نسج خياله هذى بها أمام أصحابه قائلاً: نقول لهم: ما تقولون في رجل ترك الزكاة والصيام والحج لكنه يصلي، أيكفر؟ قال: فإن قالوا لا يكفر، قيل لهم: فما تقولون في رجل فعل جميع الأركان: الزكاة والصوم والحج إلا الصلاة، أيكفر؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: إذاً المسألة مسألة ترك الصلاة، وهي مسألة خلافية، خالف فيها كثير من العلماء، فلماذا تنكرون على العلماء، وترمونهم بالإرجاء!! وقد طار فرحاً هذا المتمنطق بهذا الخيال الذي ظن أنه مفحم لخصمه وناقض لمذهبه. فلقطع الطريق أمام كل مشغب، ولتجلية الموضوع لكل من اشتبه عليه الأمر أقول: ١ - (شعار المسلمين الصلاة؛ ولهذا يعبر عنها بها، فيقال: اختلف أهل الصلاة، واختلف أهل القبلة. والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. وفي الصحيح: ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا)) (١). وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة) (٢). ٢ - توافرت النصوص عن الصحابة في إكفار تارك الصلاة ولم ينقل عن أحدهم خلاف ذلك. فعن أبي المليح الهذلي، قال: سمعت عمر ﵁ على المنبر يقول: (لا إسلام لمن لم يصل) (٣). وقال أيضاً ﵁: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) (٤) بعد إفاقته لما طعن بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه عليه. وقال ابن مسعود ﵁: (من ترك الصلاة فلا دين له) (٥). وقال أبو الدرداء ﵁: (لا إيمان لمن لا صلاة له) (٦). ٣ - حكى جماعة من أهل العلم إجماع الصحابة على إكفار تارك الصلاة، فمن ذلك: أ) قال مجاهد بن جبر: (قلت لجابر بن عبدالله ﵄: ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: الصلاة (٧). وقوله (عندكم) أي عند الصحابة ﵃. ب) وقال عبدالله بن شقيق: (لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) (٨). وعبدالله بن شقيق روى (عن عمر وأبي ذر والكبار) قاله الذهبي في الكاشف (٩).

стр. 2403

ج) وقال الحسن البصري ﵀: (بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر؛ أن يدع الصلاة من غير عذر) (١). والحسن تابعي كبير، قد أدرك كبار الصحابة، فقوله المذكور إن لم يكن سماعاً من كثير من الصحابة، فلا أقل من أن يكون حكاية عالم فقيه مطلع على الخلاف والإجماع، والعلماء يعتدون بمن هو أقل من الحسن في مثل هذا، والله أعلم. د) وقال أيوب السختياني ﵀: (ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه) (٢). قلت: أيوب سيد الفقهاء والعلماء في زمانه، وهو إمام حافظ ثبت قد نقل الاتفاق على أن ترك الصلاة كفر، وهذا يدل على أن الخلاف في المسألة حادث بعد وفاته أو قبله بقليل، وقد كانت وفاته سنة (١٣١هـ) وسيأتي في كلام ابن نصر ما يشهد لهذا. هـ) الإمام محمد بن نصر المروزي، قال ﵀: ( ... ثم ذكرنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتل من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة ﵃ مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك، ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك في تأويل ما روي عن النبي ﷺ ثم عن الصحابة ﵃ في إكفار تاركها، وإيجاب القتل على من امتنع من إقامتها) (٣). ٤ - ظهر خلاف بعد الصحابة احتج له أصحابه بأدلة قيّمها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كلمة جامعة، قال فيها: (وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد، كان جواباً لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتوالي، - كما تقدم - وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة؛ كقوله: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... أدخله الله الجنة)) (٤) ونحو ذلك من النصوص) (٥). ٥ - لا خلاف بين أهل السنة في أن الإيمان: اعتقاد وقول وعمل، وأن من لم يأت بهذه الثلاثة فليس مؤمناً: قال الإمام الشافعي – وهو في المشهور عنه لا يرى كفر تارك الصلاة -: (وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم، يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر). وقال إسحاق بن راهويه: (غلت المرجئة حتى صار من قولهم أن قوماً يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض، من غير جحود لها إنا لا نكفره يرجأ أمره إلى الله بعد؛ إذا هو مقر، فهؤلاء الذين لا شك فيهم، يعني في أنهم مرجئة) (٦). وقال – في تارك الصلاة -: (من ترك الصلاة متعمداً حتى ذهب وقتها، الظهر إلى المغرب، والمغرب إلى نصف الليل، فإنه كافر بالله العظيم، يستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يرجع، وقال: تركها لا يكون كفراً ضربت عنقه - يعني: تاركها وقائل ذلك -، وأما إذا صلى وقال ذلك، فهذه مسألة اجتهاد) (٧). ا. هـ. ففرق إسحاق – ﵀ – بين المسألتين وجعل مسألة تكفير تارك الصلاة إذا كان يصلي مسألة اجتهادية مع قوله بكفره، بخلاف مسألة تارك العمل فقد جعل المخالف في تكفيره مرجئاً. ومما تقدم يعلم أمران:

стр. 2404

الأول: أن القولين متفقان على تكفير تارك جنس العمل؛ لأن هذا الأمر مبني على تعريف أهل السنة والجماعة للإيمان وأنه قول وعمل. الثاني: أنهما يفترقان في تحديد العمل الذي يكفر به تاركه، فأصحاب القول الأول يرون أنه عمل مخصوص، وهو الصلاة؛ وبالتالي فتارك الصلاة عندهم كافر ولو أتى بسائر الأعمال. وأما أصحاب القول الثاني فلا يكفر عندهم تارك الصلاة ما دام يقوم ببعض الأعمال. وهذا الأمر - وهو تحديد العمل الذي يكفر به تاركه - مبناه على النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة وعدمه، وهو محل خلاف، كما تقدم بيانه. ومن هنا نقول: إن المحاورة المذكورة إنما نسجت على أحد قولي أهل السنة في ترك الصلاة، وليس على قولهم في ترك العمل الذي هو جزء من الإيمان وركن فيه. قال شيخ الإسلام - مبيناً ما بين الأمرين من ارتباط -: (فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل، كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه. فالقول: تصديق الرسول. والعمل: تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمناً. والقول الذي يصير به مؤمناً قول مخصوص؛ فكذلك العمل هو الصلاة) (١). فقد بنى – ﵀ – القول بكفر تارك الصلاة على مقدمات مسلم بها عند أهل السنة، وهي: ١ - أن الإيمان لا بد فيه من قول وعمل. ٢ - أن القول تصديق الرسول ﷺ . ٣ - أن القول الذي لا بد منه، هو قول مخصوص. ٤ - أن العمل هو تصديق القول، أي: (إذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمناً). وهذه المقدمات محل اتفاق بين أهل السنة، ولذا قدمها ليبني عليها القول بكفر تارك الصلاة حيث قال: (والقول الذي يصير به مؤمناً، قول مخصوص، فكذلك العمل هو الصلاة) أي بما أن الإيمان لا بد فيه من عمل، وهو تصديق القول، وقد صار القول عندهم قولاً مخصوصاً وهو كلمة التوحيد، فكذلك ينبغي أن يكون العمل الذي لا بد منه عمل مخصوص، وهو الصلاة. ففرق ﵀ بين المسألتين إذ جعل الأولى - مسألة تارك العمل - مقدمة مسلماً بها عند أهل السنة، والثانية - مسألة تارك الصلاة - محل خلاف، ثم بنى الثانية على الأولى. وقوله هذا يتفق مع قوله: (ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات – سواء جعل فعل تلك الواجبات لازماً له أو جزءاً منه، فهذا نزاع لفظي – كان مخطئاً خطئاً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها) (٢) ا. هـ. ٦ - عد بعض السلف تكفير تارك الصلاة مما يميز أهل السنة عن المرجئة. قال ابن معين: (قيل لعبدالله بن المبارك: إن هؤلاء يقولون: من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان. قال عبدالله: لا نقول نحن كما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمداً من غير علة، حتى أدخل وقتاً في وقت فهو كافر) (٣). قلت: جعل ابن المبارك مما يميزه عن المرجئة تكفير تارك الصلاة، وهذا – والله أعلم – لا لعدم تكفيرهم تارك الصلاة، فإنه قول جماعة من الأئمة، وإنما لقولهم: هو مؤمن كامل الإيمان. وقد يكون كلامه من المنطوق الذي لا مفهوم له، فمن قال بكفر تارك الصلاة فقد باين المرجئة وخالفهم، ولا يعني هذا أن من لم يكفره لم يباينهم.

стр. 2405

وأما من قال إن من لم يكفر تارك الصلاة كسلاً فقد تأثر بالإرجاء شعر أم لم يشعر فقد أخطأ، كما أن قول من قال إن من كفر تارك الصلاة (فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم). خطأ لا ينبغي. إذا تبين ما تقدم، فليعلم أن بعضهم قد اعترض علينا بما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة، وهذا نصه: (س: يقول رجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا يقوم بالأركان الأربعة الصلاة والزكاة والصيام والحج، ولا يقوم بالأعمال الأخرى المطلوبة في الشريعة الإسلامية، هل يستحق هذا الرجل شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة بحيث لا يدخل النار، ولو لوقت محدود؟ ج: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وترك الصلاة والزكاة والحج جاحداً لوجوب هذه الأركان الأربعة أو لواحد منها بعد البلاغ، فهو مرتد عن الإسلام يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وكان أهلاً للشفاعة يوم القيامة إن مات على الإيمان، وإن أصر على إنكاره قتله ولي الأمر لكفره وردته، ولا حظّ له في شفاعة النبي ﷺ ولا غيره، وإن ترك الصلاة وحدها كسلاً وفتوراً فهو كافر كفراً يخرج به من ملة الإسلام في أصح قولي العلماء، فكيف إذا جمع إلى تركها ترك الزكاة والصيام وحج بيت الله الحرام؟! وعلى هذا لا يكون أهلاً لشفاعة النبي ﷺ ولا غيره إن مات على ذلك. ومن قال من العلماء: إنه كافر كفراً عملياً لا يخرجه عن حظيرة الإسلام بتركة لهذه الأركان، يرى أنه أهل للشفاعة فيه، وإن كان مرتكباً لما هو من الكبائر إن مات مؤمناً. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم) (١). فيقال: إن هذه الفتوى تحتمل أحد وجهين: الأول: أن يقال: إن الفتوى في حق رجل ترك الأركان الأربعة، لكنه لا زال يقوم ببعض الأعمال المطلوبة شرعاً، وإن وقع في السؤال ما يدل على نفي ذلك، فليس في الجواب سوى الاقتصار على ترك الأركان وهي الأربعة. الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتوى في حق من ترك جنس العمل، لكن تحقيق ترك الجنس في حق الشخص المعين لا يعرف في الظاهر إلا بالإصرار على الترك، وهو أن يعيش فترة من الزمن بعد تركه للعمل مع القدرة عليه وعدم المانع، وهذا ما لم تتحقق اللجنة من توفره. ويدل على هذا قول اللجنة في آخر الفتوى – تعقيباً على القول الثاني-: (إن من مات مؤمناً) فهذا قيد احترزت به اللجنة من هذه الصورة، والله أعلم. والقول بأحد هذين الوجهين لا بد منه، لأن اللجنة التي أصدرت هذه الفتوى، هي اللجنة التي أصدرت البيان التحذيري من كتاب (ضبط الضوابط) ووصفته بأنه كتاب (يدعو إلى مذهب الإرجاء المذموم) ومما جاء فيه قول كاتبه: (وللأسف فقد تأثر بعض الناس بهذا الفكر، وزعموا أن من نطق بالشهادتين ولم يأت بناقض، ولم يقم بشيء من أركان الإسلام الخمسة سواها فليس بمسلم، بل هو من أهل الخلود في النار، ثم نسبوا ذلك إلى مذهب أهل السنة، ونسبوا من خالفهم في ذلك إلى الإرجاء) (٢). هذا نقوله من باب الجمع بين كلام علمائنا، ولا نصنع كما صنع من انحرف في هذا الباب من ضرب كلامهم بعضه ببعض هروباً وحيدة عن الحق الواضح إلى ما اشتبه، وهذه سمة من سمات أهل الأهواء، نعوذ بالله من سماتهم. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٠١

стр. 2406

الأصل الثامن: الإيمان ثلاث درجات (١). المؤمنون متفاوتون في مراتب إيمانهم، فمنهم من معه أصل الإيمان - الحد الأدنى - دون حقيقته الواجبة، ومنهم من بلغ درجات الكمال الواجب، ومنهم من بلغ درجات الكمال المستحب، وفي قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢] إشارة إلى المراتب الثلاث. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ٩٣

стр. 2407

الأصل التاسع: في بيان الأعمال الظاهرة الدالة على حقيقة إيمان القلب تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأنه (لا إسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام) يعني كما أنه لا بد في الإسلام من إيمان يصححه، فكذلك لا بد في الإيمان من إسلام يصححه، أي عمل ظاهر يدل على أن في القلب إيماناً صحيحاً. فإذا أتى إنسان بالشهادتين حكمنا بإسلامه في الظاهر لكن الحكم بالإسلام لا يستلزم ثبوت الإيمان الباطن. فالإسلام يحكم به في الظاهر لكل من جاء بالشهادتين مع جواز أن يكون في الباطن كافراً منافقاً، وعليه فلا منافاة بين الحكم بالإسلام لمن جاء بالشهادتين، وبين القول بأن الإيمان الباطن يستلزم العمل الظاهر. وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، ومن زعم خلاف ذلك، فقال بوجود إيمان صحيح في القلب دون أن يظهر أثره على الجوارح، قال بقول المرجئة الذي قالوا: الإيمان قول بلا عمل. وهؤلاء كان السلف يردون عليهم بذلك أدلة دخول العمل في الإيمان، دون الخوض في ماهية الأعمال المطلوبة، إذ هي فرع من الأصل المتنازع فيه، ولا حاجة للخوض في الفرع حتى يقر المنازع بالأصل. براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٢١

стр. 2408

الأصل العاشر: أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب ولازمة لها قال ابن القيم عن أعمال القلوب -: (هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبع ومكملة ومتممة، وأن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فموات، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث. فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها، وأحكام الجوارح متفرعة عليها) (١). وقال شيخ الإسلام: (ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت، فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)) (٢). وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده. فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علماً وعملاً قلبياً لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد) (٣). وقال – أيضا -: ( ... وشرح حديث جبريل الذي فيه بيان أن الإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، كما في المسند عن النبي ﷺ أنه قال: ((الإسلام علانية، والإيمان في القلب)) (٤)، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)) (٥). فإذا كان الإيمان في القلب، فقد صلح القلب، فيجب أن يصلح سائر الجسد، فلذلك هو ثمرة ما في القلب؛ فلهذا قال بعضهم: الأعمال ثمرة الإيمان. وصحته – أي الجسد – لما كانت لازمة لصلاح القلب دخلت في الاسم، كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع) (٦). وقال – أيضاً -: (وفصل الخطاب في هذا الباب: أن اسم الإيمان قد يذكر مجرداً، ويذكر مقروناً بالعمل أو بالإسلام) (٧).

стр. 2409

فإذا ذكر مجرداً تناول الأعمال؛ كما في الصحيحين: (( ... الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (١)، وفيهما أنه قال لوفد عبدالقيس: ((آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)) (٢). وإذا ذكر مع الإسلام – كما في حديث جبريل أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان – فرق بينهما، فقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ... )) إلى آخره (٣). وفي المسند عن النبي ﷺ : ((الإسلام علانية، والإيمان في القلب)) (٤) فلما ذكرهما جميعاً، ذكر أن الإيمان في القلب، والإسلام ما يظهر من الأعمال. وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة، لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب والتصديق بما أخبر به الرسول وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه ألبتة، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة، ولا يكون لها أثر في الظاهر. ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١]. وقوله: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢] ونحوها.

стр. 2410

فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيماً إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)) (١)، وقال عمر لمن رآه يعبث في صلاته: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) (٢). وفي الحديث: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه)) (٣). ولهذا كان الظاهر لازماً للباطن من وجه، وملزوماً له من وجه، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزوماً لا من جهة كونه لازماً، فإن الدليل ملزوم المدلول، يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه، والدليل يطرد ولا ينعكس بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس) (٤). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٢٦

стр. 2411

الأصل الحادي عشر: جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب قال شيخ الإسلام: (والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه، كقوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: ٤٧ – ٥١]. فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان) (١). وقال ﵀: (لكنهم – أي مرجئة الفقهاء – إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضاً، فإنها لازمة لها) (٢). وقال ﵀: (وأيضاً فإخراجهم – أي مرجئة الفقهاء – العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضاً، وهذا باطل قطعاً، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعاً بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضاً؛ لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن. وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمناً بالله ورسوله بقلبه هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم ويخص على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟! فمن المعلوم أن هذا ممتنع؛ فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلاً على انتفاء حقيقة الإيمان ... ) (٣). وقال - أيضاً -: (والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضاً وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن) (٤). وقال ﵀: ( ... وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر بل وغيره) (٥). وقال - عندما تحدث عن أغلاط المرجئة -: (ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان المقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه) (٦). وقال: ( ... فالعمل يصدق أن في القلب إيماناً، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيماناً؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم) (٧). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٢٩

стр. 2412

الأصل الثاني عشر: (الإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التامة (توجب وقوع المقدور) أو (لا يتخلف عنها العمل) أو (توجب فعل المراد) (١). قال شيخ الإسلام: (فالإيمان لا بد فيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق، والمحبة له، فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل. ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم ... وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلوله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضاً تأثير فيما في القلب. فكل منهما يؤثر في الآخر لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه) (٢). وقال ﵀: (والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريداً للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة. وبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل، هل يحصل بها عقاب؟ وكثر النزاع في ذلك ... والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال ... وأما الإرادة الجازمة فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة أو حركة رأس أو لفظة أو خطوة أو تحريك بدن ... ) (٣). وقال ﵀: (وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام، فإن الإيمان في القلب، والإسلام ظاهر، كما في المسند عند النبي ﷺ أنه قال: ((الإسلام علانية والإيمان في القلب)) (٤) و ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره)) (٥)، ومتى حصل له هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطناً، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد) (٦).

стр. 2413

وذكر ﵀ في ثنايا كلام له، أن من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، قال – ﵀: (فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب - أي وجوب الصلاة - وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل) (١). وهذه الأصول الثلاثة الأخيرة تتفق في دلالتها على أمر واحد، وهو (ارتباط الظاهر بالباطن) وشيخ الإسلام يبني عليها القول بكفر تارك الفرائض الأربع، قال ﵀: (وأما الفرائض الأربع، فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة، فهو كافر ... وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئاً من هذه الأركان الأربعة ففي التكفير أقوال للعلماء، هي روايات عن أحمد ... وهذه المسألة لها طرفان: أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر. والثاني: في إثبات الكفر الباطن. فأما الطرف الثاني: فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً - كما تقدم -، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٢) [القلم: ٤٢ - ٤٣]) (٢). براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة لمحمد بن سعيد الكثيري – ص: ١٣١

стр. 2414

المبحث الأول: الإيمان حقيقة مركبة إن أصل الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في موضوع العمل هو أن المرجئة لا يقرون بهذه التركيبية، بل يعتقدون أن الإيمان شيء واحد؛ هو تصديق القلب دون سائر أعمال القلب والجوارح ... وهم يوافقون على أن من أتى بجميع أعمال الجوارح الواجبة والمستحبة ظاهراً، لكن قلبه مع ذلك خال من الإيمان إنه لا يكون مؤمنا – وذلك باستثناء الخلاف اللفظي الذي شذت به الكرامية، حيث يطلق عليه اسم الإيمان – مع إقرارها أنه كافر مخلد في النار، فخالفوا في الاسم لا في الحكم – ولكنهم يخالفون في عكس هذه القضية وهى أن أحداً لم يعمل عملاً من الأعمال الواجبة والظاهرة قط، حتى أنه لم ينطق بكلمة الشهادة وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان. وهي القضية التي ينفي أهل السنة وجودها في الواقع أصلا – كما سنرى -، والفرق بينهما وبين القضية الأولى والتي يقر بها المرجئة من حيث الوجود والعدم يرجع إلى الفرق بين مفهوم الإيمان المفترض وجوده عند الطائفتين، فلما كان الإيمان عند المرجئة هو التصديق على النحو الذي فسروه به – لم يصعب عليهم تصور وجوده مع فقد كل الأعمال الواجبة، لكنه لما كان عند أهل السنة له معنى آخر مركب، لم يتصوروا أن يوجد باطن الإيمان ولا يوجد شيء من ظاهره؛ لأن ذلك من قبيل افتراض وجود الأصل اللازم والعلة التامة، مع انتفاء المجزوم والمعلوم، فهو نفى لتلك العلامة التركيبية المزجية. وهذا ما قرره السلف كثيراً؛ كقول أبى ثور في إلزام المرجئة: (أرأيتم أن رجلاً قال: أعمل ما أمر الله به ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون الآخر مؤمناً – إذا عمل ولم يقر – لا فرق بين ذلك .... ) (١)، ويمكن تحرير ذلك باستخدام السبر والتقسيم فيقال: إن تعلق العمل بالإيمان منحصر في أربع حالات لا خامس لها (٢): أن يجتمعا معاً – أي إيمان القلب وعمل الجوارح. أن ينتفيا معا. أن توجد أعمال الجوارح مع انتفاء إيمان القلب. أن يوجد إيمان القلب مع انتفاء عمل الجوارح. فأما القضية الأولى فمتفق عليها (مؤمن). فأما القضية الثانية فمتفق عليها (كافر). أما القضية الثالثة فمتفق عليها (منافق) وأما القضية الرابعة فمختلف فيها. فالمرجئة يلحقون حكمها بحكم الأولى، بل يقولون: إن إيمان من تنطبق عليه القضية الأولى كإيمان من تنطبق عليه القضية الرابعة سواء بسواء؛ إذ الأعمال عندهم خارجة عن الإيمان، والإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه –كما سبق بيانه، فهو لدى الاثنين سواء، بل قالوا ما هو أسوء من ذلك؛ وهو إن ارتكاب جميع المحرمات وترك جميع الطاعات لا يذهب شيئاً من الإيمان؛ إذ لو ذهب منه شيء لم يبق منه شيء (٣). وهذا القدر المشترك بينهم كاف في الرد عليهم جميعا رداً واحداً –أي من يعتبر النطق ومن لا يعتبره-. وأما أهل السنة والجماعة فينفون وجود الحالة الرابعة في الواقع أصلاً؛ بناء على مفهومهم الخاص للإيمان. فتبين إن فساد تصور المرجئة للإيمان أدى إلى تصور هذه الحالة، وعليه: فبيان خطأ قولهم هذا يستلزم فساد تصورهم للإيمان بلا ريب، وإن الإيمان الذي يتكلمون عنه ويصفونه ليس الإيمان الشرعي بحال.

стр. 2415

كما إنه يدل على تناقض من وافقهم من الفقهاء المنتسبين إلى السنة والأئمة في بعض الأحكام الظاهرة –كالقول بأن تارك الصلاة المصر على تركها حتى ضربت عنقه بالسيف إنما قتل حدا؛ إذ إن مذهب المرجئة في حكم تارك الصلاة يتفق ومفهوم الإيمان عندهم، لكن من يعتقد أن الإيمان قول وعمل – ويكون ذلك مذهب إمامه –كيف يوافقهم على إن تارك جميع العمل لا يكفر، إلا إذا انتفى منهم تصديق القلب أي كان مستحلاً أو غير مقر بالوجوب ويوافقهم على أن شاتم الرسول ﷺ ومهين المصحف عمداً وقاتل النبي كافر ظاهراً، ويجوز أن يكون مؤمناً في الباطن؟! (١) وأهل السنة حين يقرون أن ترك العمل ترك لركن الإيمان الذي لا يكون إلا به، لا يعتمدون على تفلسف أو نظريات ذهنية، وإنما ينطلقون من منطلق واقعي وعلمي في غاية الوضوح؛ وهو أن هذه الحالة الرابعة لا وجود لها في واقع الجيل الأول، ولا في تصوره، وكذا لا وجود لها في الواقع النفسي المحسوس، كما لا يمكن أن تتفق مع حقيقة الإيمان الشرعية التي تشهد النصوص بأنها مركبة من القول والعمل معاً، كما لا تتفق مع النصوص الأخرى الكثيرة في حكم التولي عن طاعة الله ورسوله ﷺ ، وترك الامتثال لأوامره، والتخاذل عن القيام بفرائضه. وهو كذلك مناقض لما ورد عن السلف الأخيار، والأئمة الأعلام في هذا الأمر ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي – ٢/ ٦٣٦

стр. 2416

المبحث الثاني: أدلة أهل السنة على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان أدلة أهل السنة على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان منها: قول الله : وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ١٤٣] ثبت في سبب نزول هذه الآية كما في حديث البراء الطويل وغيره وفي آخره ((أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)) (١) ووضع البخاري هذا الحديث في مواضع ومنها (باب: الصلاة من الإيمان) (٢) قال الحليمي: أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أن الصلاة إيمان، وإذا ثبت ذلك، فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقاً في هذه التسمية بين الصلاة وسائر العبادات (٣) كذلك قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ١ - ٤] ومثله جميع الآيات المشابهة كقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور: ٦٢] ففي هذه الآيات إشارة إلى أن جميع الأعمال المذكورة من واجبات الإيمان فلهذا نفي الإيمان عمن لم يأت بها، فإن حرف إنما يدل على إثبات المذكور ونفي غيره (٤). ومن الأدلة الصريحة في ذلك حديث وفد عبد القيس وفيه قوله ﷺ : ((آمركم بالإيمان بالله وحده)) وقال: ((هل تدرون ما الإيمان بالله وحده))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من الغنائم الخمس)) الحديث (٥). ففي هذا الحديث فسر الرسول ﷺ للوفد الإيمان هنا بقول اللسان، وأعمال الجوارح (ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في مواضع أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق مع العلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود) (٦)

стр. 2417

ومن الأدلة أيضاً قوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) الحديث (١) وما في معناه من الأحاديث في نفي الإيمان عمن ارتكب الكبائر وترك الواجبات كقوله ﷺ : ((لا إيمان لمن لا أمانة له)) (٢) يقول ابن رجب تعليقاً على ذلك: فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. (٣) ويقول ابن تيمية: ثم إن نفي الإيمان عند عدمها دال على أنها واجبة فالله ورسوله لا ينفيان اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته كقوله ﷺ : ((لا صلاة إلا بأم القرآن)) (٤). وقوله ﷺ : ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) (٥) (٦). ومن الأحاديث أيضاً قوله ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان)) (٧) ومثله: ((حسن العهد من الإيمان)) (٨) وغيرها كثير. ومنها قوله ﷺ : ((من أعطى لله ومنع لله، وأحب لله وأبغض لله، وأنكح لله فقد استكمل إيمانه)) (٩). وهذا يدل على أن هذه الأعمال جزء من مسمى الإيمان يكمل بوجودها وينقص بنقصها، ومثل ذلك جميع الآيات والأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه كما سيأتي (لأن الأعمال إذا كانت إيمانا كان بكمالها تكامل الإيمان، وبتناقصها تناقص الإيمان وكان المؤمنون متفاضلين في إيمانهم كما هم متفاضلون في أعمالهم، وحرم أن يقول قائل (إيماني وإيمان الملائكة والنبيين واحد) لأن الطاعات كلها إذا كانت إيماناً فمن كان أكثر طاعة كان أكثر إيماناً ومن خلط الطاعات بالمعاصي كان أنقص إيماناً ممن أخلص الطاعات) (١٠). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي - ١/ ٥٠

стр. 2418

تمهيد: يطلق لفظ (الإيمان) عند السلف على ثلاثة عناصر مجتمعة، وهذه العناصر هي: العنصر الأول: الاعتقاد بالقلب. العنصر الثاني: الإقرار باللسان. العنصر الثالث: العمل بالجوارح. وحول هذه العناصر (مجتمعة) تدور تعريفات السلف المتنوعة للإيمان، إجمالاً وتفصيلاً وشرحاً وتوضيحاً. ولمزيد بيان نعرض لكل عنصر من هذه العناصر على حدة بالتعريف والتحليل، مدعمين ذلك ببعض النقول عن سلف الأمة وأئمتها. حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لمحمد عبد الهادي المصري – ص ٢٥

стр. 2419

المسألة الأولى: الاعتقاد بالقلب الاعتقاد عند السلف يتضمن ركنين قلبيين لا يغني أحدهما عن الآخر، ويلزم تحقيقهما مجتمعين في القلب ليدخل صاحبه في مسمى الإيمان: الركن الأول: المعرفة والعلم والتصديق. ويطلق عليه (قول القلب). الركن الثاني: الالتزام والانقياد والتسليم. ويطلق عليه (عمل القلب). أما عن الركن الأول وهو قول القلب، أو معرفة القلب للحق وتصديقه به، فلا نحسب أن أحداً من العقلاء يدفعه أو يجادل فيه فيقول مثلاً: إن الإيمان لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق. يقول الإمام أحمد بن حنبل – ﵀: (من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً، فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام) اهـ (١). وقد أورد صاحب (معارج القبول) سبعة شروط لمن ينطق بكلمة التوحيد قيد بها انتفاعه بالشهادتين في الدنيا والآخرة من الدخول في الإسلام والفوز بالجنة والنجاة من النار، فوضع بداهة على رأس هذه الشروط شرط المعرفة لحقيقة معناها فقال: (العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً، المنافي للجهل بذلك، قال الله – : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: ١٩]. وقال تعالى: إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف: ٨٦] أي: بلا إله إلا الله وَهُمْ يَعْلَمُونَ بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم) اهـ (٢). ويقول البيضاوي في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ [البقرة: ٢١] في سورة البقرة: (فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها – أي العبادة – بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به) اهـ (٣). وأما عن الركن الآخر، وهو الالتزام والانقياد والتسليم والخضوع ولوازم ذلك كله من عمل القلب كالمحبة والتعظيم والتوكل والخشية والرجاء، فإن سلف الأمة وأئمتها متفقون على أنه للركن الأول وملازم له ولا يكون العبد مؤمناً إلا بهما. وإلا فإن مجرد التصديق بالله ورسوله دون المحبة والتعظيم والانقياد لهما ليس إيماناً باتفاق هؤلاء الأئمة، بل هذا ظاهر ثابت بدلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (٤). والتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيماناً ألبتة، بل هو كتصديق فرعون واليهود وإبليس (٥). يقول الإمام ابن تيمية: (فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولا بد فيه من شيئين: - تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا قول القلب. قال الجنيد بن محمد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب، فلا بد فيه من قول القلب وعمله، ثم قول البدن وعمله. ولا بد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان) اهـ (٦). ويشرح الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه (الصلاة) حديث جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان فيقول: (أما قوله: الإيمان أن تؤمن بالله: فأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان. وتخضع له ولأمره بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانباً للاستنكاف والاستكبار والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محآبه ﷺ ، واجتنبت مساخطه) اهـ (٧).

стр. 2420

ويعلق الإمام ابن القيم على قصة وفد نجران فيقول في الفقه المستفاد من هذه القصة: (ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل: المعرفة، والإقرار، والانقياد، والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً) اهـ (١). إن معرفة القلب وتصديقه بالحق إذا صادفت قلباً سليماً خالياً من الحسد والكبر والانشغال بالشهوات والأهواء وما إلى ذلك، فإن هذا القلب سيخضع للحق حتماً وينقاد له، لأن القلوب مفطورة على حب الحق وإرادته، ولا شيء أحب إلى هذه القلوب السليمة من الله (٢). ولكن قد يعرض للقلوب ما يفسدها، إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن أتباعه. فالنصارى مثلاً رغم عبادتهم لا علم لهم، واليهود رغم أنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، لا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته. ولهذا قال النبي ﷺ : ((اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)) (٣)؛ لأن هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له، فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة ولا قصد نافع (٤). إن أهم عناصر الإيمان التي يجب بحثها وعرضها وتركيز انتباه الناس إليها هو عنصر عمل القلب، فهو صلب قضية الإيمان في كل وقت وحين، وحجر زاوية الدين الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين. إن قضية الرسل مع أقوامهم كانت دائماً قضية الخضوع والانقياد والتسليم لله ورسله, ولم تكن أبداً قضية المعرفة والتصديق، مهما حاولوا طمس هذه الحقيقة والتشويش عليها تحت زعم تكذيب الأنبياء والرسل، وصدق الله حيث يقول: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣]. ويقول : بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: ٧٠]. ويقول : لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨]. القضية إذن هي: محبة الحق وابتغاؤه والخضوع له، أو كراهيته والصد عنه والإباء والاستكبار والاستنكاف عن التسليم له والانقياد لحكمه. إن الكبر والحسد والتطلع إلى الزعامة والرياسة وحب الشهوات والاستغراق فيها وأمثال ذلك من المكاسب الدنيوية العاجلة، هي التي تصد القلوب ابتداء عن التسليم للحق وإرادته والخضوع له وتعظيمه، بل وربما ران الهوى على القلب تماماً فطمس بصيرته وأعماه، حتى إن القلب ليتعلق تماماً بما دون الله من الأغيار فيستغرقه حبها وإرادتها والاعتقاد بها تماماً، بل وقد يدخله الشك والريبة، بل والتكذيب للحق نفسه. إن الحق دائماً واضح أبلج لكل ذي عينين – إلا من شذ ممن أعمى الله بصيرته قبل بصره – ولم تكن قضية المعرفة إلا مقدمة يبدأ بها الرسول لتذكير قومه بالحق، ثم لا يلبث أن يعرض عليهم صلب رسالته وجوهر دعوته: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩] أي أطيعوه، وابتغوا محبته، وعظموه، وانقادوا لشرعه، واستسلموا لرسله، إلى آخر لوازم ذلك كله.
следующие страницы →