المطلب الثالث: مقالات المرجئة المعاصرة
تأكيداً لما سبق من أن البدع تتطور، وتتخذ أشكالا وألوانا جديدة من الانحراف، ورغبةً في تحذير أهل الإيمان، من مقالات المرجئة الذين تلاعب بهم الشيطان، فقد رأيت أن أسرد من مقالاتهم ما هو موجود في هذه الأزمنة، مما جزم أهل العلم بأنه من كلام المرجئة، الذي خالفت به أهل السنة:
١ - الإيمان هو التصديق والإقرار، وهذا مذهب مرجئة الفقهاء، وإليه ذهب جماعة من الماتريدية والأشاعرة، وهو مقرر في كثير من المعاهد والجامعات.
٢ - الإيمان هو التصديق فقط، وقول اللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، فمن صدق بقلبه، ولم يأت به- من غير إباء- فهو مؤمن ناج عند الله، وهذا معتمد الأشاعرة والماتريدية، وهو أسوأ من قول مرجئة الفقهاء، كما لا يخفى، بل هو مذهب جهم على التحقيق، إلا أن متأخريهم يثبتون عمل القلب من الإذعان والانقياد، ويجعلونه نفس التصديق، كما سبق.
٣ - الإيمان تصديق بالقلب، وعمل بالقلب، دون الجوارح، وهو قول عامة المرجئة، إلا جهما ومن وافقه، كما بين شيخ الإسلام.
٤ - الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وهو قول المرجئة الأوائل، وبه يقول أكثر الماتريدية اليوم.
٥ - الكفر هو التكذيب، والجحود، وليس شيء من الأقوال أو الأعمال كفرا بذاته، لكن من الأقوال والأعمال ما جعله الشرع علامة على الكفر. وهذا مذهب أبي الحسين الصالحي، وابن الراوندي، وبشر المريسي، وهو قول الأشاعرة والماتريدية، كما سبق (١). وأسوأ منه ما ذهب إليه بعض المعاصرين، من أنه لا يكفر من قال الكفر أو عمله، (لأن أولئك قالوا: بأن الفعل والقول يكون علامة على الكفر، بحيث يحكم عليه بالكفر لفعله أو قوله، في أحكام الدنيا دون أحكام الآخرة، وأما المتأخرون فلم يحكموا عليه بالكفر فيهما، مما يعني إبطال حد الردة. لكن قول هؤلاء المتأخرين أخف من قول المرجئة المتقدمين من وجه آخر، وهو إدخال العمل في مسمى الإيمان المطلق، فإن المرجئة الأوائل لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان المطلق، وهؤلاء يدخلونه) (٢).
٦ - الكفر لا يكون إلا في القلب، لكنه لا ينحصر في التكذيب، بل يدخل فيه ما يناقض عمل القلب، كالاستكبار وعدم الخضوع، والاستخفاف والعداوة والبغض، وهذا قول بعض المرجئة، كأتباع يونس السمري، وأبي معاذ التومني (٣).
٧ - الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، ويريدون بالاعتقاد: التكذيب، أو الاستحلال، فيرجع إلى قول الأشاعرة والماتريدية السابق. وهو من مقولات غلاة المتصوفة-أيضا- وينسجم مع قولهم: إن دعاء الأموات والذبح والنذر لهم لا يكون كفرا، إلا مع اعتقاد النفع والضر فيهم، استقلالا!
٨ - الكفر يكون بالقول وبالفعل، لكن لا يكفر المعين إلا إذا اعتقد الكفر، وهذه حيلة ظاهرة على اشتراط الاعتقاد في التكفير، فلا فرق بين هذا وبين قولهم: الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد، وهو مذهب المرجئة، كما سبق؛ لأن اعتقاد الكفر كفرٌ في حد ذاته، ولو كان القول أو الفعل كفرا-عند هذا المخالف- لم يحتج إلى وجود مكفِّر آخر، وإلا كان ذكره عبثا، وهو قد جعله شرطا!
стр. 2487
٩ - من سب الله تعالى، أو سب نبيه ﷺ لا يكفر إلا إذا استحل ذلك. وإليه ذهب بعض الفقهاء كالقاضي أبي يعلى، (وإنما أوقع من وقع في هذه المهواة ما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين، وهم الجهمية الإناث، الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى، في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح) (١).
١٠ - اشتراط الاستحلال للتكفير بالمكفرات القولية والعملية، كسب الله، والسجود للصنم، ودعاء الأموات، وحقيقته حصر الكفر في الاعتقاد، وبيان ذلك، أن من قال هذا فقد جعل الأقوال والأعمال الكفرية، بمنزلة المعاصي، كالزنا وشرب الخمر، وجعل وجودها غير مؤثر في التكفير، بل المؤثر هو اعتقاد حلها، فآل الأمر إلى حصر الكفر في الاعتقاد.
١١ - لا يكفر أحد إلا أن يقصد الكفر، ويريده، وينشرح صدره به، وهذا قول مخالف للكتاب والسنة والإجماع، كما سبق، ومؤداه حصر الكفر في القلب، وهو مذهب المرجئة.
وقد يقول بعضهم:
١٢ - الكفر يكون بالقول وبالفعل، لكن من شروط التكفير: قصد الكفر، فيرجع إلى ما قبله، من غير شك؛ لأنه إن كان القول كفرا، في ذاته، لم يحتج إلى مكفِّر ثان، وهو قصد الكفر، أو إرادته.
١٣ - الكفر يكون بالقول أو الفعل، لكن من فعل ذلك لشهوة، أو لعرض من الدنيا: لم يكفر، وهذا كسابقه؛ لأن حقيقته اشتراط اعتقاد الكفر، أو قصده، وجعل ذلك هو الموجب للتكفير، وقد مضى بيان بطلان هذا القول.
١٤ - ترك العمل الظاهر بالكلية ليس كفرا، وهذا قول المرجئة- كما صرح سفيان، وإسحاق- وهو مبني على قولهم في نفي التلازم بين الظاهر والباطن وظنهم أن الإيمان يستقر في القلب، من غير أن يظهر أثره على الجوارح ... ، وقد حذرت اللجنة الدائمة للإفتاء من بعض الكتب التي ذهبت إلى الحكم بإسلام من ترك جميع العمل الظاهر، واعتبرت ذلك إخراجا للعمل من حقيقة الإيمان الشرعي، وأنه مذهب المرجئة. ومثله قولهم:
١٥ - عمل الجوارح شرط كمال للإيمان، وليس ركنا أو جزءا أو شرط صحة لإيمان القلب، وهذا مذهب الأشاعرة.
١٦ - عمل الجوارح ركن في الإيمان، لكن تاركه بالكلية- من غير عذر- مسلم تحت المشيئة. ولا فرق بين هذا وبين الذي قبله إلا في اللفظ، وقد حذرت اللجنة الدائمة من أحد الكتب التي تبنت ذلك، واعتبرته داعيا إلى مذهب المرجئة المذموم.
١٧ - ترك الصلاة ليس كفرا؛ لأن الكفر عمل قلب، وليس عمل بدن، أو لأن الكفر لا يكون إلا بالقلب، وهذا هو قول المرجئة، وأما من لم يكفر تارك الصلاة، اعتمادا على النظر في الأدلة، مع التسليم بأن الكفر يكون بالقول والفعل، فليس بمرجئ (٢).
تنبيه:
ما سبق من أقوال المرجئة، قد يخفى أمره على بعض الناس، أو يوجد في زلات بعض المنسوبين إلى العلم، فيقلده فيه غيره، مع كراهته للإرجاء، وذمه للمرجئة، فلا يقال: إنَّ كلَّ من دان بشيء من هذا، فهو مرجئ بإطلاق، ولكن يقال: هذا القول قول المرجئة، والقائل به وافق المرجئة في كذا، أو دخلت عليه شبهة الإرجاء، وهو إن كان معذورا باجتهاد أو تأويل فالله يغفر له، وإن كان جاهلا لم تقم عليه الحجة، فلا يبدَّع ولا يفسَّق، بل يدعى إلى الحق، ويبين له الصواب، وهذا من الإنصاف والعدل الذي أمرنا به، ولذلك لم يقل أحد من أهل العلم- فيما بلغنا- إن القاضي أبا يعلى الحنبلي مرجئ، لموافقته المرجئة- في أحد قوليه- في اشتراط الاستحلال في كفر الساب، بل عُد ذلك منه زلة منكرة، وهفوة عظيمة (٣)، غفر الله له.
ومعلوم أن الفاضل لا تهدر حسناته لأجل خطأ وقع فيه، واعتبر في ذلك بما ذكره الذهبي عن أبي زرعة قال: (كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر إبراهيم بن طهمان وكان متكئاً فجلس، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ، وقال أحمد: كان مرجئاً شديداً على الجهمية) (٤). الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل وكشف شبهات المعاصرين لمحمد بن محمود آل خضير - ١/ ٣٠٨
стр. 2488
المطلب الرابع: رد شبهات المرجئة قديماً، ومن وقع في الإرجاء حديثاً
الشبهة الأولى: استشهادهم بحديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها. فقال له صلة: "ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثاً)) (١).
لقد فهم بعضهم من قول حذيفة ﵁ لصلة بن زفر: (تنجيهم من النار) أن تارك العمل الظاهر كلية من غير عذر مؤمن ناقص الإيمان، وإن عاش حياته كلها لا يسجد لله سجدة، ولا يركع لله ركعة، ولا يؤدي زكاة، ولا صوماً، ولا حجا، ولا أي عمل من أعمال الجوارح، طالما وأنه يقول: (لا إله إلا الله)!!
إنه لمن العجب العجاب أن يصدر ذلك ممن يتصدر لتدريس العقيدة والتوحيد، ويربي الشباب على منهج السلف – زعم - فنتج عن قوله التفلت من التكاليف الشرعية، وعدم أخذ الكتاب بقوة وجدية. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذا الحديث لا يصلح دليلاً لمن استشهد به على نجاة تارك العمل الظاهر كلية، ولو فهم هذا المستشهد الحديث وتأمله، وراجع كلام أهل العلم فيه لاتضح له ذلك جلياً.
فإن الحديث في حالة خاصة يعذر صاحبها إذا ترك العمل الظاهر؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر؛ ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول.
ولهذا جاء في الحديث: ((يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صوماً ولا حجا، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقولون لا إله إلا الله، وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجا. فقال: ولا صوم ينجيهم من النار)). اهـ (٢).
стр. 2489
وقال ﵀ أيضاً: (وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: ((يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صياماً، ولا حجاً، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون: "لا إله إلا الله")). فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله)؟ فقال: "تنجيهم من النار"). اهـ (١).
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀:
(القسم الخامس: ما ورد مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة، كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ... )) (٢) الحديث. وفيه: ((وتبقى طوائف الناس)).
فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام، لأنهم لا يدرون عنها، فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها، كمن مات عقيب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم قبل العلم بالشرائع) (٣).
الشبهة الثانية: استشهادهم على ما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، والذي اشتهر بحديث البطاقة، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: ((يصاح برجل من أمتي يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول الله هل تنكر من هذا شيئاً فيقول: لا يا رب فيقول أظلمك كتبتي الحافظون ثم يقول ألك عندنا حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم.
فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السلجات وثقلت البطاقة)) (٤).
قال محمد بن يحيى – شيخ ابن ماجه – (البطاقة: الرقعة. وأهل مصر يقولون للرقعة: بطاقة).
احتج بعضهم بهذا الحديث على أن النجاة من النار يوم القيامة تكون باعتقاد القلب، ونطق اللسان، وإن خلا العبد من أي عمل من أعمال الجوارح.
والجواب عن ذلك من خمسة أوجه:
الوجه الأول: لابد من حمل هذا الحديث على من قالها مع النجاة من الشرك، وإلا فإنه لو قالها مع الشرك بالله تعالى لم تنفعه، - وهم متفقون مع أهل السنة في ذلك -. قال الله تعالى لخير خلقه وصفوة أنبيائه ورسله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥].
стр. 2490
وهذا فهم من النصوص الأخرى غير حديث البطاقة، ومثله يقال في أعمال الجوارح، علماً بأن بعضها ركن في الإيمان، وبعضها من كماله الواجب وبعضها من تمامه المستحب.
فلابد من جمع النصوص وضم بعضها إلى بعض ...
الوجه الثاني: يقال لهم: أنتم توافقونا في أنه لابد من تصديق القلب الذي لا يصح إيمان قائل (لا إله إلا الله) إلا به، وهذا لم يذكر في حديث البطاقة أيضاً، ولكنه مأخوذ من الأدلة الأخرى، فلابد من حمل الحديث على حالة خاصة.
الوجه الثالث: قولكم: (يكفي الاعتقاد والتلفظ للنجاة من الخلود في النار) لازمه أن تخرجوا عما أجمع عليه أهل السنة من أن الإيمان (قول وعمل واعتقاد)، إلى القول بأنه: (قول واعتقاد) فقط، أو القول بأنه: (قول وعمل واعتقاد، ولكن الأعمال شرط في كماله). وهل الأول إلا قول المرجئة، وهل الثاني إلا قول الأشاعرة والذين كم حذر السلف من بدعتهم؟!! (١).
الوجه الرابع: لابد لمن أتى بـ (لا إله إلا الله) أن يقولها عن صدق ويقين وإخلاص، وكذا باقي الشروط المعروفة. وهذا أيضا لم يرد في الحديث، ولكنه فهم من النصوص الأخرى.
стр. 2491
الوجه الخامس: ليس في الحديث أن صاحب البطاقة المذكورة لم يأت بصلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج، بل فيه ما يدل على خلافه وأن الرجل المذكور له حسنات (١)، ففي الحديث يقول الله : ((بلى، إن لك عندنا حسنات)) (٢)، أما المحو بهذه البطاقة فإنه للكبائر (٣).
стр. 2492
قال شيخ الإسلام ﵀: (فالمحو والتكفير يقع بما يتقبل من الأعمال، وأكثر الناس يقصرون في الحسنات حتى في نفس صلاتهم. فالسعيد منهم من يكتب له نصفها، وهم يفعلون السيئات كثيراً؛ فلهذا يكفر بما يقبل من الصلوات الخمس شيء، والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر الله له به كبائر، كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، فيقال هل تنكر من هذا شيئاً فيقول لا يا رب، فيقول: لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات)) (١).
فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون لا إله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة). اهـ (٢).
الشبهة الثالثة: استشهادهم بالنصوص المطلقة في دخول من شهد أن (لا إله إلا الله) الجنة:
ومما استشهد به المرجئة قديماً، ومن وقع في الإرجاء حديثاً:
١ - قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨].
٢ - عن عثمان رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)) (٣).
٣ - وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: ((كنا مع النبي ﷺ في مسير فنفدت أزواد القوم حتى هم بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: يا رسول الله! لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها. ففعل، فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، - قال مجاهد: ذو النواة بنواه – قلت – أبو صالح: الراوي عن أبي هريرة ﵁: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء، فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزودتهم، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة)) (٤).
стр. 2493
٤ - وعن أبي هريرة أو عن أبي سعيد ﵄ – شك الأعمش – قال: ((لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله ﷺ : افعلوا. قال: فجاء عمر فقال: يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : نعم. قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: يجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله عليه بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)) (١).
٥ - وعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء)) (٢).
٦ - وعن الصنابحي، أنه قال: دخلت على عبادة بن الصامت ﵁ وهو في الموت، فبكيت، فقال: مهلاً، لم تبكي؟ فوالله! لئن استشهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، ثم قال: والله! ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه، إلا حديثاً واحداً، وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، حرم الله عليه النار)) (٣).
٧ - عن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنت ردف النبي ﷺ ، ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: ((يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على العباد قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة، قال: يا معاذ بن جبل قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم)) (٤).
٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: ((قيل يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه)) (٥).
٩ - وعن عتبان بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (( ... فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)) (٦).
стр. 2494
ووجه الدلالة عند هؤلاء من هذه النصوص، - ونحوها من النصوص العامة – أن عمومها يدل على أنه لا يخلد في النار إلا المشرك، ولم يذكر في هذه النصوص أن تارك العمل من المخلدين في النار، وأن بعض هذه الأدلة علق السعادة والشفاعة لأهل كلمة (لا إله إلا الله)، ولم يذكر فيها العمل، وأن العصمة تكون لأهل كلمة التوحيد دون تعرض للعمل، وأن بعض الأحاديث فرق بين شهادة لا إله إلا الله والعمل، مما يدل على المغايرة ... وغير ذلك من أقوالهم.
الجواب عن استشهادهم بهذه الأدلة:
١ - (قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جواباً لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، أدخله الله الجنة). ونحو ذلك من النصوص) (١).
٢ - قال الشيخ العلامة حمد بن علي بن محمد بن عتيق ﵀ معلقاً على حديث عبادة بن الصامت ﵁ السابق: ((من شهد أن لا إله إلا الله)) أي من شهد أن لا معبود بحق إلا الله، وقام بوظائف هذه الكلمة من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله، وتبرأ من كل المعبودات سواه، سواء كان ذلك المعبود نبياً أو غيره، وأن محمداً عبده ورسوله الصادق المصدوق، أفضل الرسل، فهو عبد الله ورسوله، أوجب الله تعالى على الخلق طاعته، ونهى عن عبادته، وأمر بإخلاص العبادة لله بجميع أنواعها، كما قال: وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦]. وليس المراد أن الإنسان إذا شهد بهذا من غير عمل بمقتضاه يحصل له دخول الجنة، بل المراد به الشهادة لله بالتوحيد، والعمل بما تقتضيه شهادة أن لا إله إلا الله، من الإخلاص، وما تقتضيه شهادة أن محمداً عبده ورسوله، من الإيمان به، وتصديقه، وأتباعه) (٢).
وقال ﵀ أيضاً عند تعليقه على حديث عتبان بن مالك ﵁ السابق: (قوله: ((يبتغي بذلك وجه الله)) كقوله: ((من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، حرم الله عليه النار)) (٣)، ونحوه، وكالأحاديث التي فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة. قال شيخ الإسلام وغيره: هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها مخلصاً من قلبه، مستيقناً بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد: أن لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه دخل الجنة؛ لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله أن يتوب من الذنوب توبة نصوحاً، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك. وقال الحسن: معنى هذه الأحاديث: من قال هذه الكلمة، وأدى حقها وفريضتها. وقيل إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك، وهذا قول البخاري. وقال ابن المسيب: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي.
стр. 2495
قال بعض المحققين: قد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة والمباحية ذريعة إلى طرح التكاليف، ورفع الأحكام، وإبطال الأعمال، معتقدين أن الشهادة وعدم الإشراك كاف، وربما يتمسك بها المرجئة، وهذا الاعتقاد يستلزم طيَّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود والزواجر السمعية. ويوجب أن يكون التكليف بالترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي والجنايات غير متضمن طائلاً، بل يقتضي الانخلاع عن ربقة الدين والملة، والانسلال عن قيد الشريعة والحكمة والسنة، والولوج في الخبط والخروج عن الضبط). اهـ (١).
وقال: النطق بالشهادتين دليل على العصمة لا أنه عصمة، أو يقال: هو العصمة لكن بشرط العمل. اهـ (٢).
стр. 2496
٣ - قال فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى: (ليس المقصود قول: (لا إله إلا الله) باللسان فقط من غير فهم لمعناها، لابد أن تتعلم ما معنى (لا إله إلا الله)، أما إذا قلت وأنت لا تعرف معناها، فإنك لا تعتقد ما دلت عليه، فكيف تعتقد شيئاً تجهله، فلابد أن تعرف معناها حتى تعتقده، تعتقد بقلبك ما يلفظ به بلسانك، فلازم أن تتعلم معنى (لا إله إلا الله). أما مجرد نطق اللسان من غير فهم لمعناها فهذا لا يفيد شيئاً. أيضاً لا يكفي الاعتقاد بالقلب ونطق اللسان، بل لابد من العمل بمقتضاها، وذلك بإخلاص العبادة لله، وترك عبادة من سواه ، فـ (لا إله إلا الله) كلمة نطق وعلم وعمل، ليست كلمة لفظ فقط. أما المرجئة فهم يقولون: يكفي التلفظ بـ (لا إله إلا الله)، أو يكفي التلفظ بها مع اعتقاد معناها، والعمل ليس بلازم، من قالها ولو لم يعمل شيئاً من لوازمها من أهل الجنة، ولو لم يصل، ولم يزك، ولم يحج، ولم يصم، ولو فعل الفواحش والكبائر والزنا والسرقة وشرب الخمر، وفعل ما يريد من المعاصي، وترك الطاعات كلها؛ لأنه تكفيه (لا إله إلا الله) عندهم، هذا مذهب المرجئة، الذين يخرجون العمل من حقيقة الإيمان ويعتبرون العمل إذا جاء فبها ونعمت، وإن لم يجئ فإنها تكفي (لا إله إلا الله) عندهم، ويستدلون بأحاديث تفيد أن من قال: (لا إله إلا الله)، دخل الجنة، ولكن الرسول ﷺ ما اقتصر على هذه الأحاديث، فالرسول ﷺ له أحاديث أخرى تقيد هذه الأحاديث، ولابد من أن تجمع بين كلام الرسول ﷺ بعضه إلى بعض لا أن تأخذ منه طرفا وتترك طرفا لأن كلام الرسول ﷺ يفسر بعضه بعضا، أما الذي يأخذ طرفاً ويترك، طرفاً فإنه من أهل الزيغ الذين يتبعون: مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧]. الرسول ﷺ قال: من قال: ((لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله)) (١). وهذا حديث صحيح، فلماذا غفلتم عنه، وقال ﷺ : ((فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)) (٢)، أما الذي يقول (لا إله إلا الله)، ولا يكفر بما يعبد من دون الله، ويدعو الأولياء والصالحين، فإن هذا لا تنفعه (لا إله إلا الله)؛ لأن كلام الرسول ﷺ يفسر بعضه بعضاً، ويقيد بعضه بعضاً فلا تأخذ بعضه وتترك بعضه، والله يقول: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] يأخذون الذي يصلح لهم، ويتركون الذي لا يصلح لهم، ويقولون: استدللنا بالقرآن. نقول: ما استدللتم بالقرآن، فالقرآن إذا قال كذا فقد قال كذا، فلماذا تأخذون بعضه وتتركون بعضاً؟ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، المحكم والمتشابه، فيردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرونه به ويقيدونه به، ويفضلونه، أما إنهم يأخذون المتشابه ويتركون المحكم فهذه طريقة أهل الزيغ. فالذين يأخذون بحديث أن من قال: ((لا إله إلا الله دخل الجنة))، ويقتصرون على هذا، ولا يوردون الأحاديث الواضحة التي فيها القيود، وفيها التفصيل، فهؤلاء أهل زيغ.
стр. 2497
فيجب على طالب العلم أن يعرف هذه القاعدة العظيمة؛ لأنها هي جماع الدين وأساس الملة. ليس المقصود أنك تأخذ آية أو حديثاً وتترك غيره، بل المقصود أنك تأخذ القرآن كله، وتأخذ السنة كلها، وكذلك كلام أهل العلم. العالم إذا قال كلاماً لا تأخذه وحده حتى ترده إلى كلامه الكامل، وتتبع كلامه في مؤلفاته؛ لأنه يقيد بعضه بعضاً؛ لأنهم على سنن كتاب الله وسنة رسوله، فترد المطلق إلى المقيد من كلامهم، فطالب العلم يجب عليه أن يأخذ هذه القاعدة معه دائماً، ويحذر من طريقة أهل الزيغ الذين يأخذون الذي يصلح لهم من الكتاب، ومن السنة، ومن كلام أهل العلم، ويبترون النقول، ويتركون باقي الكلام، أو يتركون الكلام الثاني الذي يوضحه، ويأخذون الكلام المشتبه ويتركون الكلام البين، كثير من الذين يدعون العلم غفلوا عن هذا الشيء، إما عن قصد التضليل، وإما عن جهل، فيجب معرفة هذه الأمور، وأن تكون أصولاً وقواعد عند طالب العلم). اهـ (١).
٤ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن قيل: فقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)) (٢). متفق عليه.
стр. 2498
قلنا: هذا الخبر قد روي فيه ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرم دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله)). رواه ابن ماجه وابن خزيمة في (صحيحة) (١). فهذا المقيد يقضي على ذلك المطلق، ثم لو كان قد قيل مفرداً، فإن الصلاة والزكاة من حقها، كما قال الصديق لعمر ووافقه عمر وسائر الصحابة على ذلك، ويكون ﷺ قد قال كلا من الحديثين في وقت، فقال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) (٢)؛ ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها وجب الكف عنه، وصار دمه وماله معصوماً، ثم بين في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين؛ ليعلم أن تمام العصمة وكمالها إنما تحصل لذلك، ولئلا تقع الشبهة؛ فإن مجرد الإقرار لا يعصم على الدوام، كما وقعت لبعض الصحابة حتى طلاها الصديق ثم وافقه، وتكون فائدة ذلك أنه إذا قال (لا إله إلا الله) كان قد شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة وإلا بطلت، وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار ((أن رجلاً من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ﷺ وهو في مجلس فساره فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله ﷺ فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، فقال: أليس يشهد أن محمداً رسول الله قال: بلى ولا شهادة له، قال: أليس يصلي قال: بلى ولا صلاة له، قال: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم)) (٣). رواه الشافعي، وأحمد في (مسنديهما). ولو كانت الشهادتان موجبة للعصمة مع ترك الصلاة لم يسأل عنها، ولم يسقها مع الشهادتين مساقاً واحداً. وقوله بعد ذلك: ((أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم)). يوجب حصر الذين نهي عن قتلهم في هذا الصنف. وعن أبي سعيد في حديث الخوارج، فقال ذو الخويصرة التميمي للنبي ﷺ : ((يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك، ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال: لا، لعله أن يكون يصلي. قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله ﷺ : لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم)) رواه مسلم (٤)، فلما نهى عن قتله وعلل ذلك باحتمال صلاته علم أن ذلك هو الذي حقن دمه لا مجرد الإقرار بالشهادتين؛ فإنه قد قال: يا رسول الله، ومع هذا لم يجعل النبي ﷺ ذلك وحده موجبا لحقن الدم. وعن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: ((يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم فقال لا، ما صلوا)) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. ولأن الصلاة أحد مباني الإسلام الخمسة فيقتل تاركها كالشهادتين.
стр. 2499
اهـ (١).
وقال ﵀ أيضا: (وهذه المسألة (٢) لها طرفان:
أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر.
والثاني: في إثبات الكفر الباطن.
فأما الطرف الثاني فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢] (٣).
الشبهة الرابعة: قولهم: الإيمان لغة هو التصديق، وهو باق على معناه اللغوي لم ينقل عنه، فوجب أن يكون كذلك في الشرع.
قال العلامة محمد بن نصر المروزي ﵀ مبينا أن هذا من حجج المرجئة: (ومن أعظم حجج المرجئة التي يقولون بها عند أنفسهم: اللغة، وذلك أنهم زعموا أن الإيمان لا يعرف في اللغة إلا بالتصديق، وزعم بعضهم أن التصديق لا يكون إلا بالقلب، وقال بعضهم: لا يكون إلا بالقلب واللسان، وقد وجدنا العرب في لغتنا تسمي كل عمل حققت به عمل القلب واللسان: تصديقاً). اهـ (٤).
الجواب عن هذه الشبهة من أربعة أوجه، كلها لفارس الميدان، وبطل المضمار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
١ - رده ﵀ على من يرى أن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق بما يشفي صدور المؤمنين، ويزيل شبهة المبتدعين والمغرورين، وسوف أنقل كلامه بطوله لأهميته:
قال ﵀: (وليس لفظ الإيمان مرادفاً للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس، فإن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال: لمن أخبر بالأمور المشهورة مثل: الواحد نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض، مجيبا: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر: آمنا له، وللمخبر به: آمنا به، كما قال إخوة يوسف: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧]، أي: بمقر لنا، ومصدق لنا؛ لأنهم أخبروه عن غائب، ومنه قوله تعالى: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١]، وقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١]، وقوله: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون: ٤٧]، وقوله تعالى: وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان: ٢١]، وقوله تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣]، أي أقر له.
وذلك أن الإيمان يفارق التصديق، أي: لفظا ومعنى، فإنه أيضا يقال: صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، كما يقال: هل أنت مصدق له؛ لأن الفعل المتعدي بنفسه إذا قدم مفعوله عليه، أو كان العامل اسم فاعل ونحوه مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية له، كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا ورأيته، وأنا له سامع وراء، كذلك يقال: صدقته، وأنا له مصدق، ولا يقال صدقت له به، وهذا خلاف آمن، فإنه لا يقال إذا أردت التصديق: آمنته كما يقال: أقررت له، ومنه قوله: آمنت له، كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ.
стр. 2500
الفرق الثاني: ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب. فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار.
وأما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من: قر، يقر، وهو قريب من آمن، يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال: الصدق طمأنينة, والكذب ريبة، فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:
أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.
والثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]، وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد؛ فإنه سبحانه قال: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١]، فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول، وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر. والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد؛ فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
وأيضا: فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فإن التصديق إخبار بصدق المخبر، والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، وقد يكذب الرجل الصادق أخرى، فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر. فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر يخبر عنها، بخلاف الإيمان, والإقرار, والإنكار, والجحود ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضا). اهـ (١)(٢).
٢ - رد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن الإيمان لغة هو التصديق:
قال ﵀: وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة:
أحدها: (قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق، ويقول: هو بمعنى الإقرار وغيره.
والثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب, واللسان, وسائر الجوارح، كما قال النبي: ((والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) (٣).
стр. 2501
والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص، مقيد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلاً للفظ ولا تغييراً له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص وصفه وبينه.
والرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. ونقول: إن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى.
الخامس: قول من يقول: أن اللفظ باق على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكاماً.
السادس: قول من يقول: أن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي.
السابع: قول من يقول: أنه منقول.
فهذه سبعة أقوال:
الأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو التصديق بل بمعنى الإقرار وغيره.
قوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق.
فيقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟
الثاني: أن يقال: أتعني بأهل اللغة نقلتها، كأبي عمرو، والأصمعي، والخليل ونحوهم، أو المتكلمين بها؟ فإن عنيت الأول، فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقوله لفظ الإيمان، فضلاً عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم، ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك.
الثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد أو اثنان فليس هذا إجماعاً.
الرابع: أن يقال هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا عنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلاماً عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يدره، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.
الخامس: أنه لو قدر أنهم قالوا: هذا فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق؟ فإن قيل: هذا يقدح في العلم باللغة قبل نزول القرآن، قيل: فليكن، ونحن لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن، والقرآن نزل بلغة قريش، والذين خوطبوا به كانوا عرباً، وقد فهموا ما أريد به، وهم الصحابة، ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه إلى التابعين، حتى انتهى إلينا فلم يبق بنا حاجة إلى أن تتواتر عندنا تلك اللغة من غير طريق تواتر القرآن، لكن لما تواتر القرآن لفظاً ومعنى، وعرفنا أنه نزل بلغتهم، عرفنا أنه كان في لغتهم لفظ السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر ونحو ذلك، على ما هو معناها في القرآن، وإلا فلو كلفنا نقلاً متواتراً لآحاد هذه الألفاظ من غير القرآن لتعذر علينا ذلك في جميع الألفاظ، لاسيما إذا كان المطلوب أن جميع العرب كانت تريد باللفظ هذا المعنى، فإن هذا يتعذر العلم به، والعلم بمعاني القرآن ليس موقوفاً على شيء من ذلك، بل الصحابة بلغوا معاني القرآن كما بلغوا لفظه، ولو قدرنا أن قوماً سمعوا كلاماً أعجمياً وترجموه لنا بلغتهم، لم نحتج إلى معرفة اللغة التي خوطبوا بها أولاً.
стр. 2502
السادس: أنه لم يذكر شاهداً من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان يؤمن بعذاب القبر، وفلان لا يؤمن بذلك، ومعلوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم الناس به بعد عصر الصحابة، لما صار من الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر، ومرادهم بذلك هو مرادهم بقوله: فلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان لا يؤمن بذلك، والقائل لذلك وإن كان تصديق القلب داخلاً في مراده فليس مراده ذلك وحده، بل مراده التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه.
السابع: أن يقال: من قال ذلك فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلا فلو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلا لم يسموه مؤمناً به، كما أنهم لا يسمون مؤمناً بالجنة والنار إلا من رجا الجنة وخاف النار، دون المعرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق، كما لا يسمون إبليس مؤمناً بالله وإن كان مصدقا بوجوده وربوبيته، ولا يسمون فرعون مؤمناً وإن كان عالما بأن الله بعث موسى، وأنه هو الذي أنزل الآيات وقد استيقنت بها أنفسهم مع جحدهم لها بألسنتهم، ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول وإن كانوا يعرفون أنه حق كما يعرفون أبناءهم. فلا يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه، وهو مع ذلك لا يحبه, ولا يعظمه, ولا يخافه, ولا يرجوه، بل يجحد به ويكذب به بلسانه، أنهم يقولون هو مؤمن، بل ولو عرفه بقلبه وكذب به بلسانه لم يقولوا: هو مصدق به، ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه لم يقولوا: هو مؤمن به، فلا يوجد في كلام العرب شاهد واحد يدل على ما ادعوه، وقوله: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧] قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع، فإن هذا استدلال بالقرآن وليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر كما بسطناه في موضعه.
الوجه الثامن: قوله: لا يعرفون في اللغة إيماناً غير ذلك، من أين له هذا النفي الذي لا تمكن الإحاطة به؟! بل هو قول بلا علم.
التاسع: قول من يقول: أصل الإيمان مأخوذ من الأمن كما ستأتي أقوالهم إن شاء الله، وقد نقلوا في اللغة الإيمان بغير هذا المعنى، كما قاله الشيخ أبو البيان في قول.
الوجه العاشر: أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة، ومعلوم أن الخاص ينضم إليه قيود لا توجد في جميع العام، كالحيوان إذا أخذ بعض أنواعه وهو الإنسان، كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به، وذلك المجموع ليس هو المعنى العام. فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعاً من التصديق العام، فلا يكون مطابقاً له في العموم والخصوص من غير تغيير اللسان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفاً من العام والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه حيوان وأنه ناطق.
стр. 2503
الوجه الحادي عشر: أن القرآن ليس فيه ذكر مطلق غير مفسر. بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد وإما مطلق مفسر، فالمقيد كقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، وقوله: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: ٨٣] والمطلق المفسر كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]، وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥] ونحو ذلك، وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]، وأمثال هذه الآيات. وكل إيمان مطلق في القرآن فقد يبين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمناً إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لابد فيه من عمل مع التصديق كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج.
فإن قيل: تلك الأسماء باقية، ولكن ضم على المسمى أعمالاً في الحكم لا في الاسم، كما يقوله القاضي أبو يعلى وغيره، قيل: إن كان هذا صحيحاً قيل مثله في الإيمان، وقد أورد هذا السؤال لبعضهم ثم لم يجب عنه بجواب صحيح، بل زعم أن القرآن لم يذكر فيه ذلك، وليس كذلك، بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق، وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة وإجماع السلف.
стр. 2504
الثاني عشر: أنه إذا قيل: أن الشارع خاطب الناس بلغة العرب، فإنما خاطبهم بلغتهم المعروفة، وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقاً وعاماً، ثم يدخل فيه قيد أخص من معناه، كما يقولون: ذهب إلى القاضي والوالي والأمير يريدون شخصا معينا يعرفونه، دلت عليه اللام مع معرفتهم به، وهذا الاسم في اللغة اسم جنس لا يدل على خصوص شخص، وأمثال ذلك. فكذلك الإيمان والصلاة والزكاة، إنما خاطبهم بهذه الأسماء بلام التعريف، وقد عرفهم قبل ذلك أن المراد الإيمان الذي صفته كذا وكذا، والدعاء الذي صفته كذا وكذا، فبتقدير أن يكون في لغتهم التصديق، فإنه قد بين أنه لا يكتفي بتصديق القلب واللسان، فضلاً عن تصديق القلب وحده، بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق، كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات: ١٥]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]، وفي قوله ﷺ : ((لا تؤمنون حتى تكونوا كذا)) وفي قوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢]، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١]، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، كقوله ﵇: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (١)، وقوله: ((لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)) (٢) وأمثال ذلك. فقد بيَّن لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمنا إلا به هو أن يكون تصديقا على هذا الوجه، وهذا بيِّنٌ في القرآن والسنة من غير تغيير للغة، ولا نقل لها.
الثالثة عشر: أن يقال: بل نقل وغُيِّرَ، قوله: لو نقل لتواتر، قيل: نعم، وقد تواتر أنه أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج معانيها المعروفة، وأراد بالإيمان ما بينه بكتابه وسنة رسوله، من أن العبد لا يكون مؤمنا إلا به، كقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ وهذا متواتر في القرآن والسنن، ومتواتر أيضاً أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الإيمان إلا أن يؤدي الفرائض، ومتواتر عنه أنه أخبر أنه من مات مؤمنا دخل الجنة ولم يعذب، وأن الفساق لا يستحقون ذلك بل هم معرضون للعذاب، فقد تواتر عنه من معاني اسم الإيمان وأحكامه ما لم يتواتر عنه في غيره، فأي تواتر أبلغ من هذا؟ وقد توفرت الدواعي على نقل ذلك وإظهاره ولله الحمد. ولا يقدر أحد أن ينقل عن النبي ﷺ نقلاً يناقض هذا، لكن أخبر أنه يخرج منها من كان معه شيء من الإيمان، ولم يقل: إن المؤمن يدخلها، ولا قال: إن الفساق مؤمنون، لكن أدخلهم في مسمى الإيمان في مواضع، كما أدخل المنافقين في اسم الإيمان في مواضع مع القيود، وأما الاسم المطلق الذي وعد أهله بالجنة فلم يدخل فيه لا هؤلاء ولا هؤلاء.
стр. 2505
الوجه الرابع عشر: قوله: ولا وجه للعدول بالآيات التي تدل على أنه عربي عن ظاهرها، فيقال له: الآيات التي فسرت المؤمن, وسلبت الإيمان عمن لم يعمل أصرح وأبين وأكثر من هذه الآيات، ثم إذا دلت على أنه عربي فما ذكر لا يخرجه عن كونه عربيا؛ ولهذا لما خاطبهم بلفظ الصلاة والحج وغير ذلك لم يقولوا: هذا ليس بعربي، بل خاطبهم باسم المنافقين، وقد ذكر أهل اللغة أن هذا الاسم لم يكن يعرف في الجاهلية، ولم يقولوا: أنه ليس بعربي؛ لأن المنافق مشتق من نفق إذا خرج، فإذا كان اللفظ مشتقاً من لغتهم وقد تصرف فيه المتكلم به كما جرت عادتهم في لغتهم، لم يخرج ذلك عن كونه عربيا.
الوجه الخامس عشر: أنه لو فرض أن هذه الألفاظ ليست عربية، فليس تخصيص عموم هذه الألفاظ بأعظم من إخراج لفظ الإيمان عما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، فإن النصوص التي تنفي الإيمان عمن لا يحب الله ورسوله، ولا يخاف الله ولا يتقيه، ولا يعمل شيئاً من الواجب، ولا يترك شيئا من المحرم، كثيرة صريحة، فإذا قدر أنه عارضها آية، كان تخصيص اللفظ القليل العام أولى من رد النصوص الكثيرة الصريحة.
السادس عشر: أن هؤلاء واقفة في ألفاظ العموم، لا يقولون بعمومها، والسلف يقولون: الرسول وقفنا على معاني الإيمان، وبيَّنه لنا، وعلمنا مراده منه بالاضطرار، وعلمنا من مراده علما ضرورياً أن من قيل: أنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى، ولا صام، ولا أحب الله ورسوله، ولا خاف الله، بل كان مبغضاً للرسول، معادياً له، يقاتله، أن هذا ليس بمؤمن). اهـ (١).
٣ - وقال ﵀ أيضا: (وأما المقدمة الثانية فيقال: إنه إذا فرض أنه مرادف للتصديق، فقولهم أن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان عنه جوابان:
أحدهما: المنع، بل الأفعال تسمى تصديقاً، كما ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: ((العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني، وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) (٢)، وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف. قال الجوهري: والصِّدِّيقُ مثال الفِّسِّيقِ، الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وهذا مشهور عن الحسن، يروى عنه من غير وجه، كما رواه عباس الدوري: حدثنا حجاج، حدثنا أبو عبيدة الناجي، عن الحسن قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)، من قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحاً رفعه العمل، ذلك بأن الله يقول: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ [فاطر: ١٠]. ورواه ابن بطة من الوجهين: وقوله: ليس الإيمان بالتمني, يعني الكلام، وقوله: بالتحلي, يعني أن يصير حلية ظاهرة له، فيظهره من غير حقيقة من قلبه، ومعناه ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدق أن في القلب إيماناً، وإذا لم يكن عمل كذب أن في قلبه إيماناً؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم). اهـ (٣).
стр. 2506
٤ - وقال ﵀ أيضاً: (فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته. وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقاً يوجب حالاً في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول. وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمناً إلا بمجموع الأمرين.
فمن ترك الانقياد كان مستكبراً فصار من الكافرين وإن كان مصدقاً، فالكفر أعم من التكذيب. يكون تكذيباً وجهلاً، ويكون استكباراً وظلماً، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب.
ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل، ألا ترى أن نفراً من اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق، ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبرا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله.
فإذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، فإذا قال: (وأشهد أن محمداً رسول الله) تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله، فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار.
فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين – وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول – ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان، وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول ظاهراً وباطناً ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله – كإبليس -.
وهذا مما يبين لك أن الاستهزاء بالله ورسوله ينافي الانقياد له، والطاعة منفاة ذاتية، وينافي التصديق بطريق الاستلزام؛ لأنه ينافي موجب التصديق ومقتضاه، ويمنعه عن حصول ثمرته مقصوده. لكن الإيمان بالرسول إنما يعود أصله إلى التصديق فقط؛ لأنه مبلغ لخبر الله وأمره، لكن يستلزم الانقياد له؛ لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته، فصار الانقياد له من تصديقه في خبره، فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه، وكلاهما كفر صريح). اهـ (١).
فهذا واضح جلي في أن الإقرار والانقياد لازم للتصديق القلبي، فهل سيعقل ذلك من نقل عن شيخ الإسلام ﵀ خلافه؟!!
الشبهة الخامسة: قالوا: إن الله تعالى خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل وجود الأعمال، فدل ذلك على تحقيق الإيمان بدونها.
الجواب عن هذه الشبهة: قد أجاب عن هذه الشبهة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: الجواب عن قولهم: خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال، فنقول: يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين، ولهذا قال تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] ولهذا لم يجيء ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان، كحديث وفد عبد القيس، وحديث الرجل النجدي الذي يقال له: ضمام بن ثعلبة وغيرهما، وإنما جاء ذكر الحج في حديث ابن عمر وجبريل؛ وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي ﷺ في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد، وسنذكر إن شاء الله متى فرض الحج.
стр. 2507
وكذلك قولهم: من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمناً فصحيح؛ لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد). اهـ (١).
وقال ﵀ أيضاً: (وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب، لأنه متى ثبت الإيمان في القلب، والتصديق بما أخبر به الرسول، وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر، ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: ٨١]، وقوله: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] الآية ونحوها. فالظاهر والباطن متلازمان. لا يكون الظاهر مستقيماً إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلابد أن يستقيم الظاهر؛ ولهذا قال النبي: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)) (٢). اهـ) (٣).
وقال ﵀ أيضاً: (فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان، علماً وعملاً قلبيا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر, والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). فلابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: ١٦٥]. فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبا لله من المشركين لأندادهم. اهـ) (٤).
الشبهة السادسة: استشهادهم بقول بعض السلف: "الإسلام الكلمة، والإيمان العمل".
وهذا القول مروي عن الزهري، وابن أبي ذئب، ورواية عن أحمد، ﵏ جميعاً.
قال الإمام أبو داود السجستاني ﵀ (٥): قال الزهري – يعني على قوله تعالى -: قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤] قال: نرى الإسلام الكلمة والإيمان العمل (٦).
وقال اللالكائي ﵀: (أخبرنا محمد أخبرنا عثمان قال: ثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – وسئل عن الإيمان والإسلام قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام الكلمة والإيمان العمل (٧). وساق الخلال بسنده إلى أحمد بن القاسم قال:
سمعت أبا عبد الله يقول: ... قال الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. فاستحسنه أبو عبد الله (٨).
والذين استشهدوا بذلك قالوا: فإن ترك العمل خرج من الإيمان إلى الإسلام.
الجواب عن استشهادهم من ثلاثة أوجه:
стр. 2508
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قال الزهري: الإسلام الكلمة. وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها؛ فإن الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك، ولهذا أحمد لم يجب بهذا في جوابه الثاني، خوفاً من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة (١).
٢ - وقال ﵀: وأحمد بن حنبل وإن كان قد قال في هذا الموضع: إن الإسلام هو الكلمة، فقد قال في موضع آخر: إن الأعمال من الإسلام، وهو اتبع هنا الزهري ﵀، فإن كان مراد من قال ذلك أنه بالكلمة يدخل في الإسلام وإن لم يعمل فهذا غلط قطعا، بل قد أنكر أحمد هذا الجواب، وهو قول من قال: يطلق عليه الإسلام وإن لم يعمل متابعة لحديث جبريل، فكان ينبغي أن يذكر قول أحمد جميعه. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الإسلام والإيمان, فقال: الإيمان قول وعمل، والإسلام الإقرار. وقال: وسألت أحمد عمن قال في الذي قال جبريل للنبي ﷺ إذ سأله عن الإسلام: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ فقال: نعم. فقال قائل: وإن لم يفعل الذي قال جبريل للنبي فهو مسلم أيضا؟ فقال: هذا معاند للحديث. فقد جعل أحمد من جعله مسلماً إذا لم يأت بالخمس معانداً للحديث، مع قوله أن الإسلام الإقرار، فدل ذلك على أن ذاك أول الدخول في الإسلام، وأنه لا يكون قائماً بالإسلام الواجب حتى يأتي بالخمس. وإطلاق الاسم مشروط بها، فإنه ذم من لم يتبع حديث جبريل، وأيضاً فهو في أكثر أجوبته يكفر من لم يأت بالصلاة، بل وبغيرها من المباني. والكافر لا يكون مسلماً باتفاق المسلمين، فعلم أنه لم يرد أن الإسلام هو مجرد القول بلا عمل، وإن قدر أنه أراد ذلك، فهذا يكون أنه لا يكفر بترك شيء من المباني الأربعة، وأكثر الروايات عنه بخلاف ذلك، والذين لا يكفرون من ترك هذه المباني يجعلونها من الإسلام، كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، فكيف لا يجعلها أحمد من الإسلام، وقوله في دخولها في الإسلام أقوى من قول غيره. اهـ) (٢).
٣ - الإمام الزهري ﵀ يرى أن الأحاديث التي فيها (من قال: لا إله إلا الله. دخل الجنة) كانت قبل نزول الفرائض والحدود، كما نقله عنه الحافظ ابن رجب ﵀ (٣).
فلابد من جمع كلام الأئمة، وضم بعضه إلى بعض، كما هي طريقة أهل السنة، والتي تميزوا بها عن المبتدعة، ولئن كان ذلك مطلوباً في كلام الأئمة، ففي النصوص الشرعية أولى وأحرى.
الشبهة السابعة: استشهادهم بقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، والذي يعرف بحديث الشفاعة، أو حديث الجهنميين، وفيه: ((أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه)) (٤). ويعد من قال بنجاة تارك أعمال الجوارح كلية حديث الشفاعة نصاً في ذلك زَعَمَ.
أولاً: بعض طرق الحديث التي لها علاقة بالمسألة:
١ - حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه:
стр. 2509
أ) من طريق الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ ... فساق الحديث، وذكر أتباع كل أمة ما كانت تعبد، ومرور المؤمنين على الصراط، وأن آخرهم يمر وهو يسحب سحباً، قال: ((فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوا فاقرؤوا: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء: ٤٠]، قال رسول الله ﷺ : فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواماً قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنب الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها على جانب الصخرة، إلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه)) (١).
ب) رواية مسلم من طريق سويد بن سعيد قال: حدثني حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وفيه: ((فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا! كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا, ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً ... إلى أن قال: فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة ... إلى أن قال: فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه ... )) الحديث (٢).
стр. 2510
٢ - حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ((أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ... فذكر الحديث))، وفيه: ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل .... )) الحديث (١).
٣ - حديث أنس رضي الله تعالى عنه:
من طريق حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي عن أنس ﵁ مرفوعاً ... وفيه ذكر إتيان الناس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام طلباً للشفاعة، ثم قال النبي ﷺ : ((فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان. فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد, ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب، أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى (أدنى) مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجه من النار، من النار، من النار، فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا: لو مررنا بالحسن- وهو متوار في منزل أبي خليفة- فحدثنا بما حدثنا أنس بن مالك، فأتيناه فسلمنا عليه، فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة، فقال: هيه. فحدثناه بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هيه، فقلنا: لم يزد لنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة، فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلموا (٢)، فقلنا: يا أبا سعيد، فحدثناه، فضحك وقال: خلق الإنسان عجولاً، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم. حدثني كما حدثكم به، قال: ثم أعود الرابعة، فأحمد بتلك، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي، وجلالي، وكبريائي، وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله)) (٣).
٤ - حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه:
من طريق الحسن بن ذكوان حدثنا أبو رجاء حدثنا عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين)) (٤).
стр. 2511
تنبيه مهم: قال إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀: فأصحاب النبي ﷺ ربما اختصروا أخبار النبي ﷺ إذا حدثوا بها، وربما اقتصوا الحديث بتمامه، وربما كان اختصار بعض الأخبار أن بعض السامعين يحفظ بعض الخبر ولا يحفظ جميع الخبر، وربما نسي بعد الحفظ بعض المتن. فإذا جمعت الأخبار كلها علم حينئذ جميع المتن والسند، (و) دل بعض المتن على بعض، كذكرنا أخبار النبي ﷺ في كتبنا، نذكر المختصر منها، والمتقصى منها، والمجمل والمفسر، فمن لم يفهم هذا الباب لم يحل له تعاطي علم الأخبار ولا ادعاؤها). اهـ (١).
وقال ﵀ أيضاً: (والناظر في أحاديث الشفاعة يجد هذا بجلاء، بل لا تكاد ترى حديثاً في هذا الباب إلا وفيه إجمال أو إبهام، والموفق من وفقه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢).
ثانياً: كلام أهل العلم حول الحديث، وبيان خطأ من استشهد به على نجاة تارك العمل الظاهر كلية دون عذر، وذلك من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث لا يمكن الأخذ بظاهره والاكتفاء به دون تقييده بالأدلة الأخرى. وبيان ذلك: أن التدرج المذكور في الحديث:
((فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه)).
((فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه)).
((فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه)).
((ثم قول الملائكة بعد ذلك: ربنا لم نذر فيها خيرا)).
ثم قول الله : ((شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط)).
هذا التدرج يدل بظاهره على أن هؤلاء ليسوا من أهل التوحيد، فليس معهم شيء من إيمان القلب، ولا مثقال ذرة من خير، ولم يعملوا خيراً قط، لا من أعمال الجوارح ولا من أعمال القلوب، كما يفيده هذا النفي.
ولم يذكر في الحديث أنهم قالوا: (لا إله إلا الله)؛ ولهذا احتج به بعض أهل البدع على إخراج غير المؤمنين من النار. قال الحافظ ابن حجر ﵀: تنبيه، قرأت في (تنقيح الزركشي): وقع هنا في حديث أبي سعيد بعد شفاعة الأنبياء، فيقول الله: ((بقيت شفاعتي فيخرج من النار من لم يعمل خيراً)).
وتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار.
ورد بوجهين:
أحدهما: أن هذه الزيادة ضعيفة؛ لأنها غير متصلة كما قال عبد الحق في (الجمع) (٣).
والثاني: أن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث.
هكذا قال، والوجه الأول غلط منه، فإن الرواية متصلة هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحق فغلط على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في طريق أخرى وقع فيها: ((أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير ... )) قال: هذه متصلة. اهـ (٤).
وقد نسب الشيخ الألباني ﵀ (٥) هذا الوجه الثاني إلى الحافظ ابن حجر، ولم ينبه على أنه كلام الزركشي وارتضى هذا الجواب، ومثل للأحاديث المشار إليها في كلام الزركشي بحديث أنس ﵁ الطويل في الشفاعة.
стр. 2512
وقولهم: إن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين. قد يفهم منه اشتراط التصديق وعمل القلب، وقد ينازع في هذا الفهم؛ ولهذا كان أجود منه قول الطيبي: هذا يؤذن بأن كل ما قدر قبل ذلك بمقدار شعيرة، ثم حبة، ثم خردلة، ثم ذرة، غير الإيمان الذي يعبر به عن التصديق والإقرار، بل هو ما يوجد في قلوب المؤمنين من ثمرة الإيمان، وهو على وجهين:
أحدهما: ازدياد اليقين وطمأنينة النفس، لأن تضافر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لعدمه.
والثاني: أن يراد العمل، وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل، وينصر هذا الوجه قوله في حديث أبي سعيد: ((لم يعملوا خيراً قط)). اهـ (١).
والحاصل أن ظاهر الحديث مشكل، وأنه لا يمكن القول به إلا مع مراعاة الأدلة الأخرى.
الوجه الثاني: أن المخالف إن قال: بل هؤلاء الذين لم يعملوا خيرا قط، إلا الإقرار والتصديق وعمل القلب.
قيل له: من أين لك هذا، ولا وجود له في الحديث، لاسيما مع "التدرج" الذي تحتج به؟
فإن قال: جاء هذا من النصوص الأخرى التي تشترط للنجاة قول (لا إله إلا الله) بصدق ويقين وإخلاص.
قيل له: ونحن نثبت وجود عمل الجوارح لاسيما الصلاة.
الوجه الثالث: قوله ﷺ : (لم يعملوا خيرا قط) ليس المراد منه نفي جميع العمل، بل جاء إطلاق هذه العبارة في النصوص مع إثبات العمل، وقد وقع هذا في حديث الشفاعة وفي غيره وهناك طرفاً من ذلك، مع كلام السلف:
١ - في رواية حذيفة ﵁ عن أبي بكر الصديق ﵁ لحديث الرؤية والشفاعة: ((ثم يقال ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء. قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي معه الخمسة والستة، والنبي ليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، قال: فإذا فعلت الشهداء ذلك قال: فيقول الله : أنا أرحم الراحمين، ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئاً، قال: فيدخلون الجنة. قال: ثم يقول الله : انظروا في أهل النار هل تلقون من أحد عمل خيراً قط؟
قال: فيجدون في النار رجلاً، فيقولون له: هل عملت خيراً قط؟ فيقول: لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع.
فيقول الله : اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي. ثم يخرجون من النار رجلاً يقول له: هل عملت خيراً قط؟
فيقول: لا، غير أني أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني في النار ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل فاذهبوا بي إلى البحر فاذروني في الريح، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبداً.
فقال الله له: لم فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك. قال: فيقول الله : انظر إلى ملك, أعظم ملك، فإن له مثله وعشرة أمثاله. قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك)) (٢).
стр. 2513
٢ - وفي رواية أنس رضي الله تعالى عنه، عند أحمد وابن منده أن هؤلاء الجهنميين كانوا يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً في الدنيا. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد – يعني ابن الهاد – عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر، وإني آتي باب الجنة فآخذ بحلقتها، فيقولون: من هذا؟ فأقول: أنا محمد، فيفتحون لي فأدخل، فإذا الجبار مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي يا رب. فيقول: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة. فأقبل فمن وجدت في قلبه ذلك فأدخله الجنة، فإذا الجبار مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي أي رب. فيقول: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه نصف حبة من شعير من الإيمان فأدخلهم الجنة. فأذهب فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلهم الجنة، فإذا الجبار مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي، فيقول: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان فأدخله الجنة، فأذهب فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلتهم الجنة.
وفرغ الله من حساب الناس وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار. فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئاً. فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله ، فيذهب بهم فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون. فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار ) (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: (ووقع في رواية عمرو بن أبي عمرو عن أنس عند النسائي ذكر سبب آخر لإخراج الموحدين من النار ولفظه: ((وفرغ من حساب الناس وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئاً. فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنهم من النار فيرسل إليهم فيخرجون)). وفي حديث أبي موسى عند ابن أبي عاصم والبزار رفعه: ((وإذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة يقول لهم الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا بلى. قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟
стр. 2514
فقالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فيأمر الله من كان من أهل القبلة فأخرجوا. فقال الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين)) (١). وفي الباب عن جابر، وقد تقدم في الباب الذي قبله، وعن أبي سعيد الخدري عند ابن مردويه.) اهـ (٢).
فهؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن: يعبدون الله، وهم من أهل القبلة، فكيف يظن أنهم لم يعملوا شيئاً من أعمال الجوارح؟!
٣ - حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً في (الصحيحين): وقد جاء فيه عند مسلم: ((أن ملائكة العذاب تقول: إنه لم يعمل خيراً قط، وأن ملائكة الرحمة تقول: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله)) (٣).
والملائكة جميعهم صادقون في وصفهم للرجل.
فعلم بهذا أنه قد يقال عن رجل: لم يعمل خيراً قط، مع تلبسه ببعض الأعمال الصالحة. ويكون المراد بالنفي أنه لم يأت بكمال العمل الواجب.
وفي الحديث: ((ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمن وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه، فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)) (٤).
قال قتادة: فقال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.
فهذا السير والانطلاق، ثم النأي بالصدر، أليس عملاً صالحاً من أعمال الجوارح؟!
وهذا فهم السلف ومن على دربهم من أهل العلم المعاصرين لهذه اللفظة ((لم يعملوا خيراً قط)).
قال الإمام ابن خزيمة ﵀: (هذه اللفظة: ((لم يعملوا خيراً قط)): من الجنس الذي تقول العرب: ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي.) اهـ (٥).
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث والعلمية والإفتاء بالسعودية، زادها الله عزا وتمكينا: (وأما ما جاء في الحديث: ((إن قوماً يدخلون الجنة لم يعملوا خيراً قط)): فليس هو عاما لكل من ترك العمل وهو يقدر عليه، وإنما هو خاص بأولئك لعذر منعهم من العمل، أو لغير ذلك من المعاني التي تتفق مع مقاصد الشريعة) (٦).
وقد سئل فضيلة الشيخ العلامة: محمد بن صالح العثيمين ﵀: (هل هناك تعارض بن أدلة تكفير تارك الصلاة، وحديث ((لم يعملوا خيراً قط))؟
فأجاب ﵀: لا تعارض بينهما، فهذا عام يخصص بأدلة تكفير تارك الصلاة.) اهـ (٧).
فإن قيل: إنه لا يليق أن يطلق على من معه هذه الشعيرة العظيمة "الصلاة" لم يعمل خيراً قط.
فجوابه: وهل يليق أن يطلق على من معه عمل القلب (من الإخلاص واليقين والصدق والخشية)، وكذا من يقول أعظم كلمة – (لا إله إلا الله) – لم يعمل خيراً قط؟!
فإن كان الجواب: لا – ولا يصح غيره - فهذا يحملكم على أنه لابد من الجمع بين النصوص حتى لا يقع الزلل الذي ضلت به الفرق من قبل.
هذا ما يسر الله تعالى جمعه من جواب أهل العلم الأثبات عما استشهد به المرجئة وكذا من وقع في الإرجاء، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لتعظيم الكتاب والسنة، ويوفقنا للعمل بهما، والدعوة إليهما والذب عنهما، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. إتحاف النبلاء برد شبهات من وقع في الإرجاء لعلي بن عبد العزيز موسى – ص ٩٧
стр. 2515
المبحث الأول: الأدلة من القرآن الكريم
قوله تعالى في أول الأنفال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].
وقوله سبحانه في أواخر آل عمران: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣].
وفي آخر التوبة: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
فالمؤمنون يزدادون إيماناً بنزول القرآن والمنافقون يزدادون كفراً ورجساً وينقص إيمانهم إن كان بقي منه شيء قبل نزوله!
وفي سورة الأحزاب: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢].
وفي أول الفتح: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤].
وفي سورة المدثر: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١].
وكما يزيد الإيمان ... فإنه يزيد بزيادة أفراده كالخشوع كما في آية السجدة من الإسراء: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [] الإسراء: ١٠٩ [.]
وزيادة الهدى والهداية كما في قوله في سورة مريم: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: ٧٦].
وفي سورة محمد: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد: ١٧].
وقوله عن الفتية أصحاب الكهفِ: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣].
فما زاد شيء إلا نقص، بدليل كونه قبل الزيادة أنقص منه بعدها.
وكما أن الكفر يزيد كما في قوله تعالى في آيتي المائدة: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا [المائدة: ٦٤]. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [المائدة: ٦٨].
وقوله في الإسراء: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:٦٠].
وفي آل عمران: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ [آل عمران: ٩٠].
وفي النساء: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء: ١٣٧].
فكذلك الإيمان يزيد حتى يبلغ أعلى درجاته، والكفر يزيد حتى يسفل إلى أدنى دركاته.
أيضاً مما يدل على زيادة الإيمان عند أهله تفاضلهم فيه، بكون بعضهم أفضل من بعض.
стр. 2516
كما قال سبحانه عن الأنبياء: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: ٥٥].
وفي البقرة: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: ٢٥٣].
وفي الإسراء: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء: ٢١].
وفاضل سبحانه بين الصحابة في آية الحديد: وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠].
وفاضل بين المجاهدين وغيرهم في سورة النساء: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ٩٥ - ٩٦].
ومن ذلك قوله: الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [التوبة: ٢٠].
وفاضل بين درجات العلماء أهل الإيمان بقوله في سورة المجادلة: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: ١١].
ومايز سبحانه بين أهل الطاعة والمعصية بقوله في سورة الجاثية: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: ٢١]، وفي سورة الواقعة ذكر أصحاب اليمين، ثم أصحاب الشمال، ثم السابقين. وكل هذه المفاضلات للتمايز في زيادة الإيمان مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – بتصرف- ص٢٨
стр. 2517
المبحث الثاني: الأدلة من السنة المطهرة
منها:
- ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) (١).
فنفى عنه كمال الإيمان الواجب بفعل هذه الكبائر، مما دل على نقص الإيمان بفعلها.
وهكذا كل ما ورد من نفي كمال الإيمان الواجب أو المستحب تدل على زيادته، ومن ثمَّ نقصانه!
- ومنها ما عقده البخاري في صحيحه من كتاب الإيمان باباً في تفاضل أهل الإيمان بالأعمال وذكر فيه:
حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: ((يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان .. )) (٢).
مما يدل على أنه أنقص المؤمنين إيماناً، ولو كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص لاستحق أهله كلهم الجنة، وبدرجات متساوية!
- وحديث أبي سعيد ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: ((بينا أنا نائم، رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين)) (٣).
ورؤيا الأنبياء حق، فدل على زيادة الإيمان في أقوام، ونقصانه في آخرين.
- حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر وأبي هريرة ﵃، أن النبي ﷺ قال: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن، قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلن: بلى؟ قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها)) (٤).
فهو وإن كان النقص ليس من فعلهن، لكن من صلى وصام كان أكمل إيماناً منهن بهذا الاعتبار لصلاته وصيامه ...
-حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: ((فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) (٥). ويفسره ويبين مدلوله حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (٦).
فدل على أن الإيمان لا يزال يضعف بتخلف تلك المراتب وهو النقصان، وتحصيلها هو زيادته.
-ومثله حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)) (٧).
стр. 2518
- ومثله حديث أبي هريرة وغيره ﵃ مرفوعاً: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً)) (١) مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل – بتصرف - ص٣٠
- قوله ﷺ : ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير)).
وقال البخاري: وقال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي ﷺ من ((إيمان)) مكان من ((خير)) (٢).
وقد وضع الإمام البخاري هذا الحديث تحت باب (زيادة الإيمان ونقصانه) وهو ظاهر الدلالة على تفاوت الناس بما في قلوبهم من الإيمان (والمراد بحبة الخردل ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد (٣) مثل ذلك قوله ﷺ : ((من رأى منكم منكراً ... إلى قوله وذلك أضعف الإيمان)) (٤).
وفي حديث الأمانة: (( .. وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان .. الحديث)) (٥)
- الأحاديث التي فيها نفي الإيمان كقوله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (٦).
وقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... الحديث)) (٧).
وقوله: ((لا إيمان لمن لا أمانة له .. الخ)) (٨).
قال النووي: (فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة) (٩).
فالذي يترك هذه المعاصي أكمل إيماناً ممن يقترفها.
- قوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) (١٠).
قال الحليمي ﵀: (فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيماناً من بعض) (١١) ...
قال الإمام البغوي: وقالوا (أي أهل السنة): إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء) (١٢).
وقال الحليمي: (فإذا كانت المرأة لنقصان صلاتها عن صلاة الرجال تكون أنقص ديناً منهم، مع أنها غير جانية بترك ما تترك من الصلاة، أفلا يكون الجاني بترك الصلوات أنقص ديناً من المقيم بها المواظب؟) (١٣). نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – بتصرف - ١/ ٨٢
стр. 2519
الفصل الثاني: أقوال أهل السنة في مسمى الإيمان، وما يدخل في مسمى الإيمان من الأوامر والنواهي
• المبحث الأول: أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان وزيادته ونقصانه.
• المبحث الثاني: ما يدخل في مسمى الإيمان من الأوامر والنواهي.
• المبحث الثالث: ما روي عن الإمام مالك في زيادة الإيمان ونقصانه.
стр. 2520
المبحث الأول: أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان وزيادته ونقصانه
• تمهيد.
• المطلب الأول: نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.
• المطلب الثاني: أقوال السلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
стр. 2521
تمهيد
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة - سلفاً وخلفاً - على أن الإيمان: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح؛ يزيد بالطاعة وكثرة العبادة، وينقص بالمعصية والغفلة، وقد حكى الإجماع على ذلك أكثر أهل العلم ﵏ بل أصبح هذا القول من مميزات أهل السنة والجماعة، والفارقة بينهم وبين أهل البدع والأهواء ....
وعلى هذه العقيدة توفي الرسول ﷺ وعلى هذا المنهج كان جميع الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان: من المحدثين، والفقهاء، وجميع أئمة الدين، ولم يخالفهم أحد من السلف والخلف؛ إلا الذين مالوا عن الحق في هذا الأمر، وجانبوا الصواب.
والآثار عن السلف في مسمى الإيمان وحقيقته كثيرة جداً، ولا يمكن حصرها هنا، وقد قال بهذا القول خلق كثير - غيرهم - من أهل السنة والجماعة ... نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي - بتصرف - ص٥٧
стр. 2522
المطلب الأول: نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص
قال يحيى بن سعيد القطان: (ما أدركت أحداً من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان، ويقولون: الإيمان يزيد وينقص) (١).
وقال الإمام أبو عبدالرازق الصنعاني ﵀: (لقيت اثنين وستين شيخا .. فذكر عددا منهم ثم قال: كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٢).
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: (هلم تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ... فسمى أكثر من مائة وثلاثين رجلا من أهل العلم من الصحابة وغيرهم .. ثم قال: هؤلاء كلهم يقولون الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، والمعمول به عندنا) (٣).
وقال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀: (أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ ... فذكر أموراً منها: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٤).
وقال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀: (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص) (٥).
وقال أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي: (الإيمان عندنا أهل السنة الإخلاص لله بالقلوب والألسنة، والجوارح، وهو قول وعمل، يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة، ثم ذكر منهم بضعاً وثلاثين) (٦).
وقال سهل بن المتوكل الشيباني: (أدركت ألف أستاذ وأكثر كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .. ) (٧).
وقال ابن جرير الطبري: (وأما القول في الإيمان هل قول وعمل يزيد وينقص، أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وعليه مضى أهل الدين والفضل) (٨).
وقال أبو عمر بن عبدالبر: (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (٩).
وقال أبو الحسن الأشعري ﵀: (وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به، ولا جهل به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا جميعا مؤديين للواجب علينا) (١٠).
стр. 2523
وقال ابن أبي زيد القيرواني في كتابه (المفرد في السنة): (فصل فيما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة .. فذكر أموراً منها: أن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد ذلك بالطاعة وينقص بالمعصية نقصاً عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة) (١).
وقال ابن بطال المالكي: (مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٢).
وقال الحافظ عبدالغني المقدسي في عقيدته:
(اعلم وفقنا الله وإياك .. أن صالح السلف وخيار الخلف وسادات الأئمة وعلماء الأمة اتفقت أقوالهم وتطابقت آراؤهم فذكر أموراً ثم قال: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) ثم أورد بعض النصوص الدالة على ذلك (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٤).
وقال ابن القيم: ( .. فإنه بإجماع السلف: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٥). و ... قول ابن كثير ﵀: (وهذا مذهب جمهور الأمة، بل حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد) (٦).
وقال السفاريني: (والذي اعتمده أئمة الأثر وعلماء السلف: أن الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان) (٧). زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر- بتصرف- ص ١٠٦
стр. 2524
المطلب الثاني: أقوال السلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
وبعد هذه النقول السابقة المبينة لإجماع أهل السنة والجماعة على زيادة الإيمان ونقصانه، وأنهم متضافرون على قول واحد فيه، أذكر جملة من النقول عن بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن نقل عنه ذلك، ذاكراً أقوال الصحابة أولاً، فالتابعين، فمن بعدهم، مرتباً لهم حسب وفياتهم عدا الصحابة فلم أراع في ترتيبهم ذلك:
١ - كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: (هلموا نزداد إيمانا) وفي لفظ: (تعالوا نزداد إيمانا) (١).
٢ - وقال عبدالله بن مسعود ﵁: (اجلسوا بنا نزداد إيمانا) (٢). وكان يقول في دعائه: (اللهم زدني إيمانا ويقينا وفقها) (٣).
٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقول: (اجلسوا بنا نؤمن ساعة) (٤).
قال ابن حجر مبينا وجه دلالته على زيادة الإيمان ونقصانه: (ووجه الدلالة منه ظاهرة، لأنه لا يحمل على أصل الإيمان لكونه كان مؤمناً وأي مؤمن، وإنما يحمل على إرادة أنه يزداد إيمانا بذكر الله تعالى) (٥).
أما قول ابن العربي عنه: (لا تعلق فيه للزيادة معللاً ذلك: أن معاذاً إنما أراد تجديد الإيمان، لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضاً، ثم يكون أبدا مجددا كلما نظر أو فكر) (٦).
فغير صحيح، لأن الإيمان الذي ينجم عن النظر والتفكر بعد تحقق أصل الإيمان، يعد في الحقيقة زيادة إيمان، فما سماه ابن العربي هنا تجدد إيمان هو في واقع أمره زيادة إيمان وإن سمي بغير اسمه.
ولذا تعقبه الحافظ بقوله: (وما نفاه أولاً أثبته آخرا، لأن تجدد الإيمان إيمان) (٧).
٤ - (وكان عبدالله بن رواحة ﵁ يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيمانا بطاعته، لعله يذكرنا بمغفرته) (٨).
٥ - وعن أبي الدرداء عويمر الأنصاري ﵁ أنه قال: (الإيمان يزداد وينقص) (٩).
стр. 2525
وروي عنه ﵁ أنه قال: (من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص، وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه) (١).
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: (الإيمان يزداد وينقص) (٢).
وروي عنه وعن ابن عباس ﵄ أنهما قالا: (الإيمان يزيد وينقص) (٣).
٧ - وعن جندب بن عبدالله البجلي ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ فتيانا حزاورة فتعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا) (٤).
٨ - وعن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا، فذلك نقصانه) (٥).
قال ابن القيم ﵀: (وأقدم من روي عنه زيادة الإيمان ونقصانه من الصحابة عمير بن حبيب الخطمي) (٦).
ولم يتبين لي وجه هذه الأقدمية، ولم أقف على تاريخ وفاة عمير ﵁، وإنما عد ممن أسلم قبل الفتح، وفي الذين نقل عنهم من الصحابة ذلك عبدالله بن رواحة وكان قد استشهد في غزوة مؤتة في حياة رسول الله ﷺ (٧).
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (إن الرجل ليتفضل بالإيمان كما يتفضل ثوب المرأة) (٨).
ولعل التشبيه بثوب المرأة هو لكونه ضافيا وافيا، وقد تقدم معنا الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ حيث قال: ((بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضوه عليَّ وعليهم قمص .. )) (٩) الحديث، ثم فسر القمص بالدين.
١٠ - وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالم) (١٠).