والمنافي لهذا التوحيد هو الشرك بالله تعالى، وهو صور كثيرة واقعة في حياة الناس اليوم لأسباب كثيرة، منها قلة الدعاة إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة، ومنها إعراض الناس عن تعلم أحكام الدين اشتغالا منهم بالدنيا والشهوات، ومنها الجهل المتفشي في كثير من أقطار المسلمين وخاصة الجهل بالدين الصحيح، وإلا، فعلم الضلالة والبدع منتشر وله مؤسسات وهيئات تقوم عليه وترعاه وتنشره بين المسلمين.
والذي يهمنا من هذه الأسباب الجهل الذي أدى بالناس إلى التفريط في حق خالقهم عليهم، فوقعوا في المخالفات التي تنافي توحيد الألوهية بالكلية أو تنافي بعض تفاصيل هذا التوحيد. فما هي حدود العذر بالجهل فيما يتعلق بتوحيد الألوهية؟.
الحكم في هذه المسألة ينبني على جملة من القواعد:
١ - تحديد أبرز الصور التي تنافي توحيد الألوهية.
٢ - إذا قلنا: إنه لا تكفير ولا عقاب إلا بعد قيام الحجة، فلابد من تحديد مناط قيام الحجة في هذه المسألة ونحن نحاول تطبيق هذه القاعدة على الواقع.
٣ - تحديد دائرة ما يعذر به في هذه المسألة وما لا يعذر.
تحديد أبرز الصور التي تنافي توحيد الألوهية:
- عدم إفراد الله تعالى بالعبادة، كمن أظهر الإيمان نفاقاً أو صلى أو ذبح لغير الله أو دعا أو استغاث بغيره، أو أطاع مخلوقاً في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل، ومنهم أهل الكتاب والمشركون الذين اتخذوا من دون الله أولياء من الأنبياء أو غيرهم، وعبدوهم زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ومن هؤلاء أيضا غلاة القبوريين المنتسبون للإسلام ممن يستغيثون بالأموات ويطلبون منهم قضاء الحاجات ويتقربون إليهم بالذبح، ثم يزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك معهم ليقربوهم إلى الله زلفى.
- الاعتراض والكراهية لما أنزل الله بعضه أو كله، وهذا مما وقعت فيه الأمة كليا أو جزئيا، فوقع فيها الاعتراض على توحيد المعرفة والإثبات، والاعتراض على الأمر الشرعي بالتحليل والتحريم، والاعتراض على أمره الكوني. فاعترض كثير منهم على صفاته وشريعته وقضائه وقدره (١). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٣٧٨
стр. 247
المبحث السادس: تحديد دائرة ما يُعذر به في توحيد الألوهية وما لا يعذر به
إن إفراد الله بالعبادة والطاعة ونبذ ما سواه من المعبودات الباطلة هو لب دين الإسلام، وهو المقصود من الشهادتين، فلابد لدخول الإسلام من الإقرار المجمل بالإسلام والبراءة المجملة من كل دين يخالفه اعتقاداً بالقلب وانقياداً بالجوارح. وإذا لم يتحقق هذا بأن يعتقد صحة دين آخر مع الإسلام، أو أن يصرف شيئا من العبادة لغير الله معتقداً استحقاق ذلك الغير لتلك العبادة، فمن كانت هذه حاله، فلا يسمى موحداً، بل هو كافر كفرا أصلياً.
قال الحافظ ابن القيم – ﵀: (الإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك، والإيمان بالله ورسوله وأتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا، فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً، فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله، إما عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد) (١).
يفهم مما سبق أنه لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام والبراءة المجملة من كل دين يخالفه، فكل من لم يدن بدين الإسلام الذي لبه وزبدته إفراد الله ﵎ بالعبادة والطاعة، فهو كافر، سواءً كان ذلك عناداً أم جهلاً.
فعبادة غير الله معه أو من دونه مما ينافي أصل التوحيد، ولهذا كل ما كان من الاعتقادات أو الأعمال مما ينافي أصل التوحيد كالتوجه بأنواع العبادات كالصلاة والسجود لغير الله، اعتقاداً أن ذلك الغير يستحق العبادة مع الله أو من دونه، كل هذا مما ينافي مدلول الشهادتين، فكان لا عذر لأحد بجهل أو غيره إذا وقع فيه؛ لأن أمر التوحيد قد قامت عليه الحجة بصورة كثيرة، منها الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم الذي جاءت الرسل تذكر به وهي الصورة الثانية، ثم الإقرار بالشهادتين.
فالجهل بهذا الأصل لا يعتبر عذرا للحكم بقيام الحجة فيه على كل معين أقر بالشهادتين، وإنما يعذر بالجهل في بعض تفاصيل هذا الأصل إذا لم تبلغ المكلف الحجة فيها، أو قامت في ذهن المكلف شبهات يعذر بها.
ومما يدخل في هذا المعنى كذلك أي مما ينافي أصل التوحيد مما هو واقع في الأمة – ولا حول ولا قوة إلا بالله – الإعراض والكراهية لما أنزل الله تعالى بعضه أو كله. وهذا مما يحتاج الكلام فيه إلى بسط وتفصيل.
يقول الإمام ابن القيم – ﵀ – عند حديثه عن أنواع الاعتراض المنافي للرضا: (النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره. وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع:
أحدها: الاعتراض عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أباحه، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما أسقطه، وإبطال ما صححه، وتصحيح ما أبطله، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وتقييد ما أطلقه، وإطلاق ما قيده.
وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض، وحذروا منهم، ونفروا عنهم.
الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشياطنية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله ...
стр. 248
الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف. وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع، قدمنا السياسة. فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه) (١).
(وأصل هذه الاعتراضات التلقي عن غير الله ورسوله، والاستمداد من غير الوحي وتحكيم غيره، فمنهم من حكم العقل بزعمه، فنقل فلسفات الوثنيين وحثالة فكر التائهين، وهؤلاء هم أصحاب الكلام (والفلسفة).
- ومنهم من حكم الذوق والوجد والكشف وانتكس بالعقل المسلم إلى حضيض الخرافة والوهم، (وهؤلاء هم ضلال الصوفية وملاحدتهم).
- ومنهم من حكم الأقيسة العقلية والأعراف السياسية بحجة تحقيق المصلحة ومراعاة الأصول الكلية – وهم فقهاء الرأي وعلماء السلاطين من جهة، وحكام عصور الانحراف من جهة أخرى -، فأحلوا من الدماء والأموال والفروج ما ورد النص الصريح بتحريمه، وكان ذلك مع وقوعه في دائرة الاجتهاد الخطأ أو التطبيق المتعسف ممهداً لما وقعت فيه الأمة في العصر الحديث من الشرك الأكبر، والاعتراض الأطم بتحكيم القوانين الوضعية وإحلالها محل الشريعة، بل الكراهية الصريحة لكثير مما أنزل الله وبخاصة في الجهاد والحجاب والموالاة والسياسية) (٢). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٣٨٥
стр. 249
المطلب الأول: معنى شهادة لا إله إلا الله
ومعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله وهو في غير موضع من القرآن، ويأتيك في قول البقاعي صريحا قوله (وحده) تأكيد للإثبات (لا شريك له) تأكيد للنفي قال الحافظ: كما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:١٦٣] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥] وقال: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٦٥] فأجابوه رداً عليه بقولهم: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [الأعراف:٧٠] وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:٦٢] فتضمن ذلك نفي الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة وإثباتها لله وحده لا شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا ويقرره ويرشد إليه (ذكر كلام العلماء، في معنى لا إله إلا الله) قال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن يكون الشاهد عالماً بأنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد: ١٩] قال: واسم (الله) بعد (إلا) من حيث أنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه قال: وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله وقال ابن القيم في البدائع رداً لقول من قال: إن المستثنى مخرج من المستثنى منه قال ابن القيم: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلاً في المستثنى، إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: لا إله إلا الله لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله وإثباتها له بوصف الاختصاص فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا: (الله إله) ولا يستريب أحد في هذا البتة انتهى بمعناه وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (لا إله إلا الله) أي لا معبود إلا هو وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وقال ابن القيم: (الإله) هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وإنابة، وإكراماً وتعظيماً وذلاً وخضوعاً وخوفاً ورجاء وتوكلاً وقال ابن رجب: (الإله) هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالاً، ومحبة وخوفاً ورجاء، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه ودعاء له، ولا يصلح هذا كله إلا الله ، فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك
стр. 250
قدحاً في إخلاصه في قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي انتفاء عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علماً إذا كان نافعاً، وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف وقال الطيبي: (الإله) فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهة أي عبد عبادة قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء وإجماع منهم فدلت (لا إله إلا الله) على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائناً ما كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره، كما قال تعالى عن الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:١ - ٢] فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً، واعتقد ذلك وقبله وعمل به وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل، فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص٣٤
стр. 251
المطلب الثاني: فضل شهادة لا إله إلا الله
قال الشيخ حافظ الحكمي-﵀ في شرح قوله في (سلم الوصول):
وَقَدْ حَوَتْهُ لَفْظَةُ الشَّهَادَهْ ... فَهِيَ سَبِيلُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَهْ
مَن قَالَهَا مُعْتَقِداً مَعْنَاها ... وَكَانَ عَامِلاً بِمُقْتَضَاهَا
في القَوْلِ والفِعْلِ ومَاتَ مُؤمِنا ... يُبْعَثُ يَوْمَ الْحَشرِ نَاجٍ آمِنَا
стр. 252
يقول: (لفظة الشهادة) أي شهادة أن لا إله إلا الله (فهي) أي هذه الكلمة (سبيل الفوز) بدخول الجنة والنجاة من النار قال الله : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥] (و) هي سبيل (السعادة) في الدارين أي طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة, فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه, ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة, وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال, ويقل الميزان أو يخف, وبها النجاة من النار بعد الورود, وبعدم التزامها البقاء في النار, وبها أخذ الله الميثاق, وعليها الجزاء والمحاسبة, وعنها السؤال يوم التلاق إذ يقول تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:٩٢] وقال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦] فأما سؤاله تعالى الذين أرسل إليهم يوم القيامة فمنه قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] والآيات قبلها وبعدها وغير ذلك وأما سؤاله المرسلين فمنه قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجَبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّك أَنْتَ عَلامُ الغُيُوب [المائدة: ١٠٩] وغير ذلك من الآيات, وهي أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم إليها, ولهذا ذكرها في سورة النحل التي هي سورة النعم, فقدمها أولا قبل كل نعمة فقال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل: ٢] وهي كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة, وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه, وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها, ومتشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها, فهي العروة الوثقى التي قال الله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا [البقرة:٢٥٦] قاله سعيد بن جبير والضحاك, وهي العهد الذي ذكر الله إذ يقول: لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم:٨٧] قال ذلك عبد الله بن عباس ﵄ قال: (هو شهادة أن لا إله إلا الله, والبراءة من الحول والقوة إلا بالله, وأن لا يرجو إلا الله (١) وهي الحسنى التي قال الله : فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧] الآيات, قاله أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك ورواه عطية عن ابن عباس (٢) وهي كلمة الحق التي ذكر الله إذ يقول تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] قال ذلك البغوي وهي كلمة التقوى التي ذكر الله إذ يقول: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:٢٦] وروى ذلك ابن جرير وعبد الله بن أحمد والترمذي بأسانيدهم إلى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ (٣)
стр. 253
وهي القول الثابت الذي ذكر الله إذ يقول تعالى: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:٢٧] أخرجاه في الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ (١) وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلا قبل ذلك إذ يقول تعالى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء [إبراهيم:٢٤] قاله علي بن طلحة عن ابن عباس (٢) , أصلها ثابت في قلب المؤمن, وفرعها العمل الصالح في السماء صاعد إلى الله وكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد وهي الحسنة التي ذكر الله إذ يقول: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠] قال الله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُون [النمل:٨٩] قال ذلك زين العابدين إبراهيم النخعي, وعن أبي ذر مرفوعا ((هي أحسن الحسنات)) (٣) وهي تمحو الذنوب والخطايا وهي المثل الأعلى الذي ذكر الله إذ يقول: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الروم:٢٧] قال ذلك قتادة ومحمد بن جرير, ورواه مالك عن محمد بن المنكدر وهي سبب النجاة كما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سمع مؤذنا يقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله فقال ﷺ : خرجت من النار)) (٤) وفيه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله حرم الله عليه النار)) (٥)، وفي حديث الشفاعة: ((أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (٦) وهي سبب دخول الجنة كما في الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء)) (٧)، وفي رواية: ((أدخله الله الجنة على ما كان من عمل)) (٨) وهي أفضل ما ذكر الله به, وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة كما في المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : ((إن نوحا ﵊ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كل حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله)) (٩)،
стр. 254
وفي الترمذي والنسائي وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا, أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر؟ فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة, وإنه لا ظلم عليك اليوم, فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله, فيقول: أحضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم, قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة, فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء)) (١) وهي التي لا يحجبها شيء دون الله وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من عبد قال لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت لها أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش)) (٢) , وهي الأمان من وحشة القبور وهول الحشر واعلم أن النصوص الواردة في فضل هذه الشهادة كثيرة لا يحاط بها, وفيما ذكرنا كفاية, ... ويكفيك في فضل لا إله إلا الله أخبار النبي ﷺ أنها أعلى جميع شعب الإيمان, كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون – أو بضع وستون- شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) وهذا لفظ مسلم (٣) (من قالها) أي قال هذه الكلمة حال كونه (معتقدا) أي عالما ومتيقنا (معناها) الذي دلت عليه نفيا وإثباتا (وكان) مع ذلك (عاملا بمقتضاها) على وفق ما علمه منها وتيقنه فإن ثمرة العلم به (في القول) أي قول القلب واللسان (والفعل) أي عمل القلب واللسان والجوارح قال الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:٢ - ٣] (ومات مؤمنا) أي على ذلك, وهذا شرط لا بد منه فإنما الأعمال بالخواتيم قال رسول الله ﷺ : ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)) (٤) الحديث في الصحيحين عن أبي ذر بطوله (يبعث يوم الحشر) أي يوم الجمع (ناج) من النار (آمنا) من فزع يوم القيامة قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣] وقال الله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النحل:٨٩] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥٠٩
стр. 255
المطلب الثالث: أقوال العلماء في المراد من الأحاديث الواردة في فضل كلمة التوحيد
اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب دخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين أحاديث الوعيد التي فيها: من فعل ذنب كذا فالجنة عليه حرام, أو لا يدخل الجنة من فعل كذا, لإمكان الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي ﷺ وبأن أهل الجنة أيضا متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل, فيكون فاعل الذنب لا يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يرتكبه, أو لا يدخلها في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب ذلك الذنب, وهذا واضح مفهوم للعارف بلغة العرب وكذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمما لإمكان الجمع بأن تحريم من يدخلها بذنبه من أهل التوحيد بأن تحريمه عليها يكون بعد خروجه منها برحمة الله ثم بشفاعة الشافعين, ثم يغتسلون في نهر الحياة ويدخلون الجنة, فحينئذ قد حرموا عليها فلا تمسهم بعد ذلك أو يكون المراد أنهم يحرمون مطلقا على النار التي أعدت للكافرين التي لا يخرج منها من دخلها, وهي ما عدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها بعض عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله تعالى عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه, ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد وهذه إشارة كافية في هذا الموضع, ... وقد ذكر الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى في هذا الباب كلاما حسنا بعد سياقه حديث معاذ وحديث عتبان وحديث أبي ذر وحديث عبادة ... وأحاديث هذا الباب نوعان: أحدهما ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها, وهذا ظاهر, فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص, بل يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر من ذنوبه بالنار, وقد يعفو الله عنه فيدخله الجنة بلا عقاب قبل وحديث أبي ذر معناه أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد, وهذا حق لا مرية فيه, وليس فيه أن لا يعذب عليها مع التوحيد, وفي مسند البزار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: ((من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه)) (١) الثاني فيه أنه يحرم على النار, وقد حمله بعضهم على الخلود فيها أو على ما يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى من النار, فإن الدرك الأعلى يدخله كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين: ((إن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله)) (٢)
стр. 256
وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك, ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه, فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع, وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو أظهر وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة قال الحسن: نعم العدة, لكن للا إله إلا الله شروطا, فإياك وقذف المحصنات وقيل للحسن: إن أناسا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة, فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى, ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان, فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك, وإلا لم يفتح لك (١) وهذا الحديث: ((إن مفتاح الجنة لا إله إلا الله)) أخرجه الإمام أحمد بإسناد منقطع عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: لا إله إلا الله)) ويدل على هذا كون النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص, وكما في الصحيحين عن أبي أيوب أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: ((تعبد الله لا تشرك به شيئا, وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم)) (٢) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ ((أن رجلا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان فقال الرجل: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقص منه, فقال رسول الله ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) (٣) وفي المسند عن بشير بن الخصاصية قال: ((أتيت النبي ﷺ لأبايعه, فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن أقيم الصلاة وأن أوتي الزكاة وأحج حجة الإسلام وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله, فقلت: يا رسول الله, أما اثنتين فوالله ما أطيقها, الجهاد والصدقة, فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها وقال: فلا جهاد ولا صدقة! فبم تدخل الجنة إذا؟ قلت: أبايعك, فبايعته عليهن كلهن)) (٤)
стр. 257
ففي الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج ونظير هذا أن النبي ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ) ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى الشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك, فتوقفوا عن قتال مانعي الزكاة, وفهم الصديق ﵁ أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ : ((فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) وقال: الزكاة حق المال وهذا الذي فهمه الصديق ﵁ قد رواه عن النبي ﷺ صريحا غير واحد من الصحابة, منهم ابن عمر وأنس وغيرهما ﵃, وأنه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)) (١) ودل على ذلك قوله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ [التوبة: ٥] الآية ولا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد, ولما قرر أبو بكر ﵁ هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابا, فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا, بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام, فكذلك عقوبة الآخرة وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود, منهم الزهري والثوري وغيرهما, وهذا بعيد جدا, فإن كثيرا منها كانت بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود, وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهي في آخر حياة الرسول ﷺ , وهؤلاء منهم من يقول: هذه الأحاديث منسوخة, ومنهم من يقول هي محكمة ولكن ضم إليها شرائط, ويلتفت هذا إلى أن زيادة النص هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور, وقد صرح الثوري بأنها منسوخة, وأنه نسختها الفرائض والحدود وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح, فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرا ويكون مرادهم أن آيات الفرائض والحدود تبين توقف دخول أهل الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم فصارت النصوص منسوخة أي مبينة مفسرة, ونصوص الحدود والفرائض ناسخة أي مفسرة لمعنى تلك النصوص موضحة لها وقالت طائفة تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى, ففي بعضها: ((من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة)) (٢) وفي بعضها ((مستيقنا)) (٣)، ... وفي بعضها: ((يقولها من قلبه)) (٤)، ...
стр. 258
وهذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحققه بمعنى الشهادتين, فتحققه بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يأله قلبه غير الله حبا ورجاء وخوفا وطمعا وتوكلا واستعانة وخضوعا وإنابة وطلبا وتحققه بشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ أن لا يعبد بغير ما شرعه على لسان نبيه – محمد ﷺ ... وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد (لا إله إلا الله) يقتضي أن لا إله غير الله, والإله الذي يطاع ولا يعصى هيبة وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له, ولا يصلح ذلك كله لغير الله , فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قوله لا إله إلا الله ونقصاً في توحيده, وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل, كما ورد إطلاق الكفر والشرك على الربا وعلى الحلف بغير الله وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول ما شاء الله وشاء فلان, وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت, وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقى المكروهة وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله, ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشأها من هوى النفس أنها كفر وشرك كقتال المسلم ومن أتى حائضا أو امرأة في دبرها ومن شرب الخمر في المرة الرابعة وإن كان ذلك لا يخرجه من الملة بالكلية, ولهذا قال السلف: كفر دون كفر, وشرك دون شرك, وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع قال تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:٤٣] قال الحسن رحمه الله تعالى: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه, وقال قتادة: هو الذي كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ... ويشهد لهذا الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ((تعس عبد الدينار, تعس عبد الدرهم, تعس عبد القطيفة, تعس عبد الخميصة, تعس وانتكس, وإذا شيك فلا انتقش)) (١) , فدل هذا على أن من أحب شيئا وأطاعه وكان من غاية قصده ومطلوبه, ووالى لأجله وعادى لأجله, فهو عبده, وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه ويدل عليه أيضا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [يس:٦٠] وقال تعالى حاكيا عن خليله إبراهيم ﵊: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم:٤٤] فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته, ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن وهم الذين قال فيهم: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:٤٢] فهم الذين حققوا قول لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها وصدقوا قولهم بفعلهم فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلا, وهم الذين صدقوا في قول لا إله إلا الله, وهم عباد الله حقا فأما من قال لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب قوله فعله, ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص:٥٠] وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [ص:٢٦] ثم قال رحمه الله تعالى: فيا هذا كن عبدا لله لا عبدا للهوى, فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:٣٩] , ((تعس عبد الدرهم, تعس عبد الدينار)) والله لا ينجو غدا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار, من علم أن إلهه ومعبوده فرد فليفرده بالعبودية ولا يشرك بعبادة ربه أحدا انتهى كلامه رحمه الله تعالى معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٥٢٨
стр. 259
تمهيد:
إن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها: تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها وثالثها: أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربعة علم الله سبحانه بذلك وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١
стр. 260
مرتبة العلم
أما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] وقال النبي ﷺ ((على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس)) (١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١
стр. 261
مرتبة التكلم والخبر
وأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة قال تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام:١٥٠] وقال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:١٩] فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم قال النبي ﷺ : ((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله)) (١). وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:٣٠] وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:١٣٥] فشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي: ((فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله)) (٢) وقال تعالى: قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ [الأنعام:١٣٠] وهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة كما هو مذهب مالك وأهل المدينة وظاهر كلام أحمد ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك وقد قال ابن عباس: ((شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب)) (٣) ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة والعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة بل قال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة)) (٤) الحديث وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) (٥) وفي لفظ آخر ((حتى يقولوا لا إله إلا الله)) (٦) فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه والله أعلم مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١
стр. 262
مرتبة الإعلام والإخبار
فصل وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول وإعلام بالفعل وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر تارة يعلمه بقوله وتارة بفعله ولهذا كان من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها وأذن بالصلاة فيها معلما أنها وقف إن لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله وكذلك بالعكس وكذلك شهادة الرب ﷻ وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة أخرى فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه ومما قد علم بالاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو وأخبر بذلك وأمر عباده أن يشهدوا به وشهادته سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل من بلغ عنه كلامه وأما بيانه وإعلامه بفعله فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره كما يبينه الشاهد والمخبر بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما لقيامه مقامه وأدائه مؤداه كما قيل:
وقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا بالدر لما يثقب
وقال الآخر:
شكا إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلي فكلانا مبتلى
وقال الآخر:
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني
ويسمى هذا شهادة أيضا كما في قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به والمقصود أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] أي أن القرآن حق فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير قال ابن كيسان شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥٢
стр. 263
مرتبة الأمر والإلزام
وأما المرتبة الرابعة وهي الأمر بذلك والإلزام به وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] وقال تعالى: وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ [النحل:٥١] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: ٥] وقال تعالى: لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٢٢] وقال الله : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص:٨٨] والقرآن كله شاهد بذلك ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل وإثباتها أظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات كما إذا رأيت رجلا يستفتي أو يستشهد أو يستطب من ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان فإن هذا أمر منك ونهي وأيضا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم فإذا شهد سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده وأيضا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال للجملة الخبرية قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت قال تعالى: أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات: ١٥١] فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال في موضع آخر: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. [القلم: ٣٥] لكن هذا حكم لا إلزام معه والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن للإلزام والله سبحانه أعلم مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ٣/ ٤٥٤
стр. 264
المطلب الخامس: شروط لا إله إلا الله
الشرط الأول: العلم
والمراد به العلم بمعناها المراد منها نفيا وإثباتا المنافي للجهل بذلك, قال الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله [محمد:١٩] وقال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف:٨٦] أي بلا إله إلا الله وَهُمْ يَعْلَمُون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم قال الله تعالى: شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيم [آل عمران:١٨] وقال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِّينَ يَعْلَمُونَ وَالذِّينَ لا يَعْلَمُون إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَاب [الزمر:٩] وقال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ [فاطر:٢٨] وقال الله تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا للنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا العَالِمُون [العنكبوت:٤٣] وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)) (١)
الشرط الثاني: اليقين
اليقين المنافي للشك بأن يكون قائلها مستيقنا بمدلول هذه الكلمة يقينا حازما, فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن, فكيف إذا دخله شك, قال الله تعالى: إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الذِّينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله – إلى قوله – أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون [الحجرات:٣] فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا, أي لم يشكوا, فأما المرتاب فهو من المنافقين والعياذ بالله الذين قال الله تعالى فيهم: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة:٤٥] وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله, ولا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)) (٢) وفي رواية: ((لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة)) (٣) وفيه عنه ﵁ من حديث طويل أن النبي ﷺ بعثه بنعليه فقال: ((من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة)) (٤) الحديث, فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها, فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط
الشرط الثالث: القبول
стр. 265
القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه, وقد قص الله علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:٢٣ - ٢٥] وقال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:١٠٣] وقال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] وكذلك أخبرنا بما وعد به القابلين لها من الثواب, وما أعده لمن ردها من العذاب, كما قال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ إلى قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات:٢٢ - ٣٦] فجعل الله تعالى علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول لا إله إلا الله, وتكذيبهم من جاء بها, فلم ينفوا ما نفته ولم يثبتوا ما أثبتته, بل قالوا إنكارا واستكبارا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [ص:٥ - ٧] وقالوا ههنا: أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ فكذبهم الله ورد ذلك عليهم عن رسوله ﷺ فقال: بَلْ جَاءَ بِالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِين [الصافات:٣٧] إلى آخر الآيات, ثم قال في شأن من قبلها: إِلا عِبَادَ الله المُخْلَصِين أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُوم فَوَاكِهَ وَهُمْ مُكْرَمُون فِي جَنَّاتِ النَّعِيم [الصافات:٤١] إلى آخر الآيات, وقال الله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النحل:٨٩] وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا, وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ, فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم, ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) (١)
الشرط الرابع: الانقياد
стр. 266
الانقياد لما دلت عليه المنافي لترك ذلك قال تعالى: وَأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه [الزمر:٥٤] وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:١٢٥] وقال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى [لقمان:٢٢] أي بلا إله إلا الله وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: ٢٢] ومعنى يسلم وجهه أي ينقاد, وهو محسن موحد ومن لم يسلم وجهه إلى الله ولم يك محسنا فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو المعني بقوله تعالى: وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:٢٣ - ٢٤] وهذا تمام الانقياد وغايته
الشرط الخامس: الصدق
الصدق فيها المنافي للكذب, وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطئ قلبه لسانه, قال الله تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:١ - ٣] إلى آخر الآيات وقال تعالى في شأن المنافقين الذين قالوها كذبا: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:٨ - ١١] وكم ذكر الله تعالى من شأنهم وأبدى وأعاد وكشف أستارهم وهتكها وأبدى فضائحهم في غير ما موضع من كتابه كالبقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة وسورة كاملة في شأنهم وغير ذلك وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار)) (١) فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقا من قلبه, فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب وفيهما أيضا من حديث أنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله ﵄ من قصة الأعرابي وهو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر لما سأل رسول الله ﷺ عن شرائع الإسلام فأخبره, ((قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا, إلا أن تطوع", قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها, فقال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق")) (٢) وفي بعض الروايات ((إن صدق ليدخلن الجنة)) (٣) فاشترط في فلاحه ودخول الجنة أن يكون صادقا
الشرط السادس: الإخلاص
стр. 267
الإخلاص وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك, قال الله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:٣] وقال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:٥] الآية وقال الله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر:٢] وقال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر:١١] , قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي [الزمر:١٤] وقال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:١٤٦] وغير ذلك من الآيات وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه)) (١) وفي الصحيح عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) (٢) وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما قال عبد قط لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر)) (٣)
الشرط السابع: المحبة
стр. 268
المحبة لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك قال الله : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة:١٦٥]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:٥٤] فأخبرنا الله أن عباده المؤمنين أشد حبا له, وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحدا كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونه كحبه, وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه, وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه, وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه, واتباع رسول الله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها قال الله ﵎: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا [الفرقان:٤٣] الآيات، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:٢٣] فكل من عبد مع الله غيره فهو في الحقيقة عبد هواه, بل كل ما عصى الله به من الذنوب فسببه تقديم العبد هواه على أوامر الله ونواهيه وقال تعالى في شأن الموالاة والمعاداة فيه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:٤] الآيات وقال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:٢٢] الآية, وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١] الآيات, قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:٢٣ - ٢٤] الآيتين, وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء [الممتحنة:١] إلى آخر السورة وغير ذلك من الآيات وقال تعالى في اشتراط اتباع الرسول ﷺ : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:٣١] وقال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن
стр. 269
يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)) أخرجاه من حديث أنس ﵁ (١) وفيهما عنه وعن أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (٢) ... وذلك الذي جاء به رسول الله ﷺ هو الخبر عن الله والأمر بما يحبه الله ويرضاه والنهي عما يكرهه ويأباه, فإذا امتثل العبد ما أمره الله به واجتنب ما نهاه عنه وإن كان مخالفا لهواه كان مؤمنا حقا, فكيف إذا كان لا يهوى سوى ذلك وفي الحديث: ((أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه)) (٣) وقال ابن عباس ﵄: (من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله, فإنما تنال ولاية الله بذلك وقد أصبح غالب مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا, وذلك لا يجدي على أهله شيئا) (٤) وقال الحسن البصري وغيره من السلف: ادعى قوم محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:٣١] وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة, ومن عصاني فقد أبى)) (٥) قال حدثنا محمد بن عبادة أخبرنا يزيد حدثنا سليم – وأثنى عليه – حدثنا سعيد بن ميناء حدثنا – أو سمعت – جابر بن عبد الله ﵄ يقول: ((جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا فالدار الجنة، والداعي محمد ﷺ فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى الله، ومحمد ﷺ فرق بين الناس)) (٦) ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ , فإذا علم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه, فلا طريق إلى معرفة ما يحبه تعالى ويرضاه, وما يكرهه ويأباه إلا باتباع ما أمر به رسول الله ﷺ واجتناب ما نهى عنه, فصارت محبته مستلزمة لمحبة رسول الله ﷺ وتصديقه ومتابعته, ولهذا قرن محبته بمحبة رسول الله ﷺ في مواضع كثيرة من القرآن كقوله : قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:٢٤] وغير ذلك من الآيات معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥١٨ – ٥٢٤
стр. 270
المطلب السادس: نواقض لا إله إلا الله
النواقض: جمع ناقض، وهو المفسد، فالنواقض هي المفسدات لمعنى الشهادة، بحيث لا تترتب على نطقها واعتقادها والعمل بمدلولها – آثارها وهي الدخول في الإسلام، والبراء من ضده، وعليه فإذا وجد في العبد ناقض من النواقض، فإنه لا يكون من المسلمين، ولا يكتسب أحكام المسلمين، بل يعطى أحكام أهل الشرك والكفر، إن كان الناقض وجد معه ابتداء، والردة إن وجد بعد أن دخل الإسلام، المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١١١
ونواقض (لا إله إلا الله) وتسمى (نواقض الإسلام) و (نواقض التوحيد) وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعضهم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض (١).
وهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسية هي:
١ - الشرك الأكبر: وهو أنواع كثيرة .... ٢ - الكفر الأكبر: وهو أنواع كثيرة ....
٣ - النفاق الاعتقادي ..... تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين – بتصرف - ص٦٤
والأحكام المترتبة على وجود الناقض نوعان:
الأول: عدم دخوله في الإسلام إن وجد الناقض معه ابتداء، على معنى أنه نطق بها، واعتقد مدلولها، وعمل بموجباتها مع وجود ما يناقضها فيه.
الثاني: أن يرد عليه الناقض بعد دخوله في الإسلام، فيكون بوروده عليه مرتداً، خارجاً عن دين الإسلام.
والنواقض هي:
أولاً: الجهل بمعنى الشهادة: فإن قولها لا ينفع المتكلم بها بلا فهم ومعرفة.
ثانياً: الشك والتردد في مدلولها، أو بعضه: لأنه بذلك يفرض جوازه وعدمه، حتى ولو رجح أحد الطرفين، فلابد من اليقين به.
ثالثاً: الشرك بالله: فإن البراء منه جزء معناها، لأن معناها يتضمن أمرين:
١ - إثبات الألوهية، والعبادة، والطاعة له وحده.
٢ - نفي استحقاق شيء من الألوهية، والعبادة، والطاعة لما سواه، وهذا القسم هو الشرك بالله. كما قال عن إبراهيم ﵇: إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وهذا يستلزم العلم بالشرك وحدوده، حتى يمكن اجتنابه، والبراء منه ومن أهله، فإن عدم المعرفة به أوقع الكثير من الناس في شرك المشركين، ظناً منه أنه من التوحيد المأمور به، أو في أقل الأحوال أنه جائز، لا محظور فيه.
رابعاً: الكذب العقدي (النفاق): بأن يبدي الإيمان ويضمر الكفر، قال تعالى عن المنافقين: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فالمضاد هو من يعرف معنى هذه الكلمة، ويقبله ويعمل بما تقتضيه، وما يلزم قائلها من واجبات الدين، ويصدق قلبه لسانه.
خامساً: البغض لهذه الكلمة، وما تحمله من معنى، وعداء أهلها، ومقاومة دعاتها، ومحاولة صد الناس عنها، بالدعوة إلى ما يضادها، ونصرة أهله, ومحبتهم واتخاذهم أولياء من دون الله: قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ. وقال سبحانه: قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ.
стр. 271
سادساً: الترك لمعناها ولفظها والعمل بموجبها جملة وتفصيلاً: فلا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يعمل أي عمل من أعمال الإسلام، وإن ادعى فهمه للمعنى، وأنه معتقد له، أو محب لأهله، مبغض لضده، وأهل ذلك الضد، فإن ذلك لا يغني عنه من الله شيئاً، فلا يدخل في الإسلام وإن دخل فيه فهو مرتد عنه.
سابعاً: الرد والإعراض عن معناها واعتقاده: فإن مشركي العرب كانوا يعلمون معناها، لكنهم رافضون له، غير راضين به، قال الله تعالى: إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ.
وقد اتخذ بعض العلماء في بيان النواقض طريقة غير التي بنينا عليها بحثنا، فقسم النواقض إلى أربعة أنواع هي:
الأول: الناقض القولي: كـ (سب) الله، وسب الرسول، والبراء من دين الإسلام، ودعوى أن النفع والضر بيد غير الله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغيره، والاستجارة بسواه ونحو ذلك.
الثاني: الناقض الفعلي: كالسجود لغيره، والركوع لسواه، والصلاة لغيره، ونحو ذلك.
الثالث: الناقض الاعتقادي: كاعتقاد تعدد الإله أو أن هناك من يجيب الدعاء، ويكشف الضر سواه، ونحو ذلك.
الرابع: الشك في شيء من مدلولاتها: كالشك في كون الله إلهاً واحداً أو أكثر وفي كون الكاشف للضر الله، أو غيره ونحو ذلك.
ومن العلماء من اختار تقسيماً ثالثاً هو:
أولاً: النواقض المتعلقة بالذات والإلهية: كالشرك، وإنكار الصفات، والأسماء وإنكار الربوبية، ونحو ذلك.
ثانياً: النواقض المتعلقة بالنبي ﷺ : كإنكار الرسالة، أو ما جاء به الرسول، أو إنكار بعض ما جاء به، وجحده.
ثالثاً: النواقض المتعلقة بالشريعة: كتجويز التعبد بغيرها، أو الحكم بغير ما أنزل الله، أو إنكار ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، أو الاستهزاء بالدين وأهله، أو الإعراض عن دين الإسلام لا يتعلمه ولا يعمل به.
رابعاً: النواقض المتعلقة بأعداء الله – أفعالهم – كموالاة المشركين، ومظاهرتهم، ومعاونتهم على المسلمين، والسحر، والكهانة، والعرافة، ونحوها.
وهذه التقاسيم مهما اختلفت موارد التقسيم فيها، فإنها متفقة غير مختلفة، وإن لحظ كل واحد منهم مورداً خاصاً به يرجع إليه التقسيم، وهي في جملتها تقاسيم صحيحة المعنى والمبنى، فلا حرج في اعتبار أي واحد منها، لأن اختلافها اختلاف في الأسلوب، لا في أصل الفكرة ولا معناها. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١١١
стр. 272
المطلب الأول: معنى شهادة أن محمداً رسول الله
والشهادة بأن محمداً رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه كما يجب على الخلق أن يثبتوا ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات فيخلصون من التعطيل والتمثيل ويكونون على خير عقيدة في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرمه فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله كما في قوله تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر السورة وما ذكر الله في صدر سورة الأعراف وكذلك قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] وقد قال تعالى لنبيه ﷺ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] فأخبره أنه أرسله داعيا إليه بإذنه فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة ٣١] وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم وقد قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله ولا يدينون دين الحق والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلل وحرم فحرموا ما حرم الله ورسوله ودانوا دين الحق فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فأمرهم بكل معروف ونهاهم عن كل منكر وأحل لهم كل طيب وحرم عليهم كل خبيث اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٨٤٢
و (معنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر, وتصديقه فيما أخبر, واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع) (١).
وهذه الشهادة هي الشطر الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، كما أن الإيمان بالنبي ﷺ داخل في الركن الرابع من أركان الإيمان الستة، ويشهد لذلك حديث جبريل المشهور.
ويلاحظ أننا عرّفنا الشهادة والإيمان به بتعريف واحد، وهذا الأمر يصح في حالة الإفراد. .... أما في حالة الاقتران فالإيمان به يختص بتصديق القلب وإقراره، والشهادة يراد بها نطق اللسان واعترافه، ويجب تحقيق هذه الشهادة معرفة وإقراراً, وانقياداً وطاعة (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الإيمان بالرسول فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه، ولهذا كان ركنا الإسلام: -أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله-) (٣). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٧
стр. 273
المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ
(الإيمان بالرسول: هو تصديقه, وطاعته, واتباع شريعته) (١) وهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي ﷺ , وعن بيان هذه الأمور المطلوبة عند الإيمان بالنبي ﷺ قال العلماء:
أ- أما تصديقه ﷺ فيتعلق به أمران عظيمان:
أحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به ﷺ (٢).
ويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها:
١ - الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم.
٢ - الإيمان بكونه خاتم النبين, ورسالته خاتمة الرسالات.
٣ - الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع.
٤ - الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها, وأدى الأمانة, ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها.
٥ - الإيمان بعصمته ﷺ .
٦ - الإيمان بماله من حقوق خلاف ما تقدم ذكره, كمحبته وتعظيمه ﷺ .
الثاني: (تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه. وهذا يجب عليه ﷺ وعلى كل أحد) (٣).
فيجب تصديق النبي ﷺ جميع ما أخبر به عن الله ، من أنباء ما قد سبق, وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال, وحرّم من حرام، والإيمان بأن ذلك كله من عند الله ، قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤].
قال شارح العقيدة الطحاوية: (يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية) (٤).
ب- طاعته واتباع شريعته: إن الإيمان بالرسول ﷺ كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به, وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به ﷺ .
وهي تعني: الانقياد له ﷺ وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالاً لقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]. فيجب على الخلق اتباع شريعته, والالتزام بسنته, مع الرضا بما قضاه والتسليم له، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله, وأن معصيته معصية لله, لأنه هو الواسطة يين الله وبين الثقلين في التبليغ ........
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب على الخلق الإقرار (٥) بما جاء به النبي ﷺ , فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلاً عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمناً حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ , وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة) (٦). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٤
стр. 274
المطلب الثالث: وجوب الإيمان بنبوته ورسالته ﷺ
الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الإيمان به ﷺ .
أ-الأدلة من القرآن:
أوجب الله على الثقلين – الإنس والجن – الذين أدركتهم رسالة النبي ﷺ أن يؤمنوا بالنبي ﷺ وبما جاء به كما شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز.
كما أكد الله وجوب الإيمان بأن جعله مقترناً بالإيمان به في مواضع كثيرة من القرآن الكريم منها:
قال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٧ - ٨]، وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨].
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً [النساء: ١٣٦]، وقال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفتح: ٤]، وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]. والإيمان به ﷺ واحد من ثلاثة حقوق اقترن بها حقه ﷺ مع حق الله تعالى في القرآن الكريم.
أما الحق الثاني له: فهو طاعته قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: ١٣٢]، ...
والحق الثالث هو: محبته قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٢٤]، ..... (كما أن الإيمان به واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه) (١).
وقال تعالى في حق من لم يؤمن: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً [الفتح: ١٣].
وبما تقدم من آيات يعلم وجوب الإيمان بالرسول ﷺ وأهميته وأنه لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، كما لا تحصل نجاة ولا سعادة بدون الإيمان به لأنه هو الطريق إلى الله ، ولذلك كان أول أركان الإسلام (شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله).
стр. 275
ب- الأدلة من السنة على وجوب الإيمان به ﷺ :
وردت في السنة أحاديث كثيرة جداً تدل على وجوب الإيمان به ﷺ على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، فلا يسع أحداً من هؤلاء الخروج عن شريعته, أو التعبد لله بغير ما جاء به. لأن الله لا يقبل من أحد عملاً يخالف شرع نبيه محمد ﷺ .
قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] ... ومن تلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن:
أ- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) (١).
٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)) (٢).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) (٣) ..
٤ - وعن ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم: ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس .... )) (٤) الحديث.
٥ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله فقال: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب, فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله, فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة, فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.)) (٥).
وهذه الأحاديث وغيرها تؤكد وجوب الإيمان به ﷺ وبما جاء به، وكذلك طاعته، ويكون ذلك بأن يحل ما أحل الله ورسوله، ويحرم ما حرم الله ورسوله، ويوجب ما أوجبه الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويكره ما كرهه الله ورسوله.
ج- دليل الإجماع:
أجمعت الأمة على وجوب الإيمان بالنبي ﷺ ، كما أجمعت كذلك على أن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم (٦). لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه وبينه الرسول أيضا في الحكمة المنزلة عليه من غير الكتاب، فإن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، ولم يبتدع المسلمون شيئا من ذلك من تلقاء أنفسهم (٧). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٦٨
стр. 276
المسألة الأولى: المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ وانقسام الناس فيها
اعلم أن الله قد أوجب لنبينا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقاً زائدة على مجرد التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب, واللسان, والجوارح أموراً زائدة على مجرد التصديق به سبحانه. وحرم سبحانه لحرمة رسوله - مما يباح أن يفعل مع غيره - أموراً زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.
فمن تلك الحقوق حقه ﷺ بأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دلت على ذلك الأدلة من القرآن والسنة (١) والتي سيأتي ذكرها.
(فحب النبي ﷺ من أعظم واجبات الدين) (٢).
فهذه المحبة الواجبة له ﷺ هي من محبة الله، فهي حب لله وفي الله، ذلك لأن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ ، فوجب بذلك محبته حقاً، فهي متفرعة عن محبة الله وتابعة لها, واقتران ذكرها مع محبة الله في القرآن والسنة إنما هو للتنبيه على أهميتها وعظم منزلتها.
وبمقتضى هذه المحبة يجب موافقة الرسول ﷺ في حب ما يحبه, وكره ما يكرهه، أي بتحقيق المتابعة له فيحب بقلبه ما أحب الرسول، ويكره ما كرهه الرسول، ويرضى بما يرضى الرسول، ويسخط ما يسخط الرسول، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.
وقد انقسم الناس في فهمهم لهذه المحبة إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: أهل الإفراط.
القسم الثاني: أهل التفريط.
القسم الثالث: الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط.
أما أصحاب القسم الأول: فهم الذين بالغوا في محبته بابتداعهم أموراً لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ، ظناً منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها.
ومن تلك الأمور احتفالهم بمولده، ومبالغتهم في مدحه, وإيصاله إلى أمور لا تنبغي إلا لله تعالى ومن ذلك قول قائلهم:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم (٣)
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ ، ومن بعض علومه علم اللوح والقلم لأن (من) للتبعيض، فماذا للخالق جل وعلا؟
إضافة إلى صرف بعض أنواع العبادة له كالدعاء, والتوسل, والاستشفاع, والحلف به, والطواف, والتمسح بالحجرة التي فيها قبره ﷺ إلى غير ذلك من البدعيَّات والشركيَّات التي تفعل بدعوى المحبة للرسول ﷺ ، وهي أمور لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ولم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم الذين عرفوا بإجلالهم وتقديرهم ومحبتهم لرسول الله ﷺ ، وإضافة إلى ذلك فإن ما يقوم به هؤلاء هي أمور مخالفة لما جاء به الشارع، بل هي أمور قد حذر الشارع من فعلها، ولقد صار حظ أكثر أصحاب هذا القسم منه ﷺ مدحه بالأشعار والقصائد المقترنة بالغلو والإطراء الزائد الذي حذر منه الشارع الكريم، مع عصيانهم له في كثير من أمره ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه (٤).
стр. 277
فيا ترى أي محبة هذه التي يخالف أصحابها شرع نبيهم، فيحلوا ما حرم الله, ويحرموا ما أحل الله، فكرهوا ما أحب الله ورسوله، وأحبوا ما كرهه الله ورسوله. فكيف تكون لهؤلاء محبة وهم قد ابتدعوا ما ابتدعوه من أمور لم تشرع في الدين، ونعلم أن رسول الله ﷺ قد تبرأ ممن ابتدع في هذا الدين فقال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١) ..
والذي يجب على أمثال هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول وتعظيمه إنما تكون بتصديقه فيما أخبر به عن الله، وطاعته فيما أمر به، ومتابعته، ومحبته وموالاته، لا بالتكذيب بما أرسل به، والإشراك به والغلو فيه، فهذا لا يعدو كونه كفراً به، وطعناً فيما جاء به ومعاداة له (٢).
كما يجب عليهم أن يفرقوا بين الحقوق التي يختص بها الله وحده، وبين الحقوق التي له ولرسله، والحقوق التي يختص بها الرسول، فقد ميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفتح: ٩]، فالتعزير والتوقير للرسول والتسبيح بكرة وأصيلاً لله، وكما قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: ٣].
فعلى هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول ﷺ لا تنال بدعائه والاستغاثة به، فتلك أمور صرفها لغير الله يعد شركاً مع الله, فالله وحده هو الذي يدعى, ويستغاث به, فهو رب العالمين، وخالق كل شيء، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القريب الذي يجيب الداع إذا دعاه, وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً ...
أما أصحاب القسم الثاني: فهم أهل التفريط الذين قصروا في تحقيق هذا المقام فلم يراعوا حقه ﷺ في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال. كما لم يراعوا ماله من حقوق أخرى كتعزيره, وتوقيره, وإجلاله, وطاعته, واتباع سنته, والصلاة والسلام عليه, إلى غير ذلك من الحقوق العظيمة الواجبة له. والسبب في ذلك يعود إلى إحدى الأمور التالية أو إليها جميعاً وهي:
أولاً: إعراض هؤلاء عن سنة نبيهم ﷺ وعن اتباع شرعه بسبب ما هم عليه من المعاصي، وإسرافهم في تقديم شهوات أنفسهم وأهوائهم على ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي.
ثانياً: اعتقاد الكثير أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، وأن هذا هو القدر الواجب عليهم، ولذا تراهم يكتفون بالتصديق بنبوة محمد ﷺ ، دون تحقيق المتابعة له، وهذا هو حال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان, ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان, وما أكثرهم في زماننا هذا.
ثالثاً: جهل الكثير منهم بأمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له ﷺ ، والتي من ضمنها محبته ﷺ , فكثير من الناس - ولا حول ولا قوة إلا بالله - ليس لهم من الإسلام إلا اسمه وليس لهم من الدين إلا رسمه.
فالواجب على هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم, وأن يقلعوا عن غيهم، وما هم عليه من المعاصي والذنوب التي هي سبب نقصان إيمانهم, وضعف محبتهم, وبعدهم عما يقربهم إلى الله تعالى.
стр. 278
كما يجب عليهم أن يعلموا أن مجرد التصديق لا يسمى إيماناً بل الإيمان قول باللسان, واعتقاد بالجنان, وعمل بالأركان, يزيد بطاعة الرحمن, وينقص بطاعة الشيطان، فليس لأحد أن يخرج العمل عن مسمى الإيمان, فلذلك يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يطيع الله ورسوله, ويتبع ما أنزل الله من الشرع على رسوله ﷺ ، فبذلك يحصل الإيمان، فإن الاتباع هو ميزان الإيمان, فبحسب اتباع المرء يكون إيمانه، فمتى ما قوي اتباعه قوي إيمانه والعكس بالعكس.
كما يجب عليهم معرفة أمور دينهم وبخاصة الواجب منها, والتي من ضمنها معرفة ما للمصطفى ﷺ من الحقوق الواجبة, فلقد ذم الله ﵎ أولئك النفر الذين لم يعرفوا ما للنبي ﷺ من حق في عدم رفع الصوت عند مخاطبته أو مناداته, ووصفهم الله بأنهم لا يعقلون قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤]، وفي السورة نفسها أثنى على الذين عرفوا حق المصطفى ﷺ فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ٣]، والله يقول في كتابه العزيز قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]. وليعلم هؤلاء أنه لا يتحقق لهم إيمان ولا محبة إلا باتباعهم للمصطفى ﷺ , واقتدائهم بسنته, والسير على نهجه وهداه.
أما القسم الثالث: فهم الذين توسطوا بين الطرفين السابقين أهل الإفراط وأهل التفريط. فأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم, الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكماً, وقاموا بمقتضاها اعتقاداً وقولاً وعملاً. فأحبوا النبي ﷺ فوق محبة النفس, والولد, والأهل, وجميع الخلق امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله ﷺ , فجعلوه أولى بهم من أنفسهم تصديقاً لقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: ٦]، وأيقنوا بوجوب أن يوقى بالأنفس والأموال طاعة لقوله تعالى: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: ١٢٠]. وقاموا بمقتضى هذه المحبة اعتقاداً وقولاً وعملاً بحسب ما أو جب الله لنبيه ﷺ من حقوق على القلب واللسان والجوارح من غير إفراط ولا تفريط. فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به من ربه . وقاموا- بحسب استطاعتهم- بما يلزم من طاعته, والانقياد لأمره, والتأسي بفعله, والاقتداء بسنته, إلى غير ذلك مما يعد من لوازم الإيمان برسالته.
قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] وامتثلوا لما أمر به من حقوق زائدة على مجرد التصديق بنبوَّته وما يدخل في لوازم رسالته.
فمن ذلك امتثالهم لأمره سبحانه بالصلاة عليه والتسليم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: ٥٦]. وما أمر به سبحانه من تعزيره وتوقيره قال تعالى: وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ. فتعزيره يكون بنصره, وتأييده, ومنعه من كل ما يؤذيه ﷺ .
стр. 279
وتوقيره: يكون بإجلاله وإكرامه, وأن يعامل بالتشريف, والتكريم, والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار (١).
ويدخل في ذلك مخاطبته بما يليق قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً.
وحرمة التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرمة رفع الصوت فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ١ - ٣].
فقاموا بهذه الأمور امتثالاً وطاعة لأمر الله ﵎, وأدوا ما فرض عليهم من الحقوق الأخرى التي يطول ذكرها .... وهم مع قيامهم بهذه الأمور لم يتجاوزوا ما أمروا به, فلم يغالوا ولم يبالغوا كما فعل أهل الإفراط الذين وصفوا النبي ﷺ بأمور لا تنبغي لغير الله كعلم الغيب، وصرفوا له أموراً لا يجوز صرفها لغير الله كدعائه, والسجود له, والاستغاثة به والطواف بقبره.
بل هم مؤمنون بأن ما أكرم الله به نبيه ﷺ من النبوة, والرسالة, والرفعة, وعظم القدر, وشرف المنزلة، كل ذلك لا يوجب خروجه عن بشريته وعبوديته لله قال تعالى: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً [الإسراء: ٩٣].
واعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة, ومناقضة لما أمر به نبيه ﷺ أن يقوله لأمته: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النمل: ٦٥].
وقال تعالى: قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٨٨].
فكل غلو في حقه ﷺ ليس من محبته في شيء بل يعد مخالفة لما أمر به فيجب الابتعاد عن ذلك والحذر من عقوبته قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ كما يعد مشاقة للرسول ﷺ . قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥]، ولذا فإنه يجب الحذر من حال الغلاة الذين غلوا في حق النبي ﷺ بما ابتدعوه من الأمور التي لم يشرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله، بل حذر الله ورسوله منها.
стр. 280
وقد يظن البعض بأن السير على منهج أهل التوسط فيه انتقاص من قدر النبي ﷺ وغمط لحقه، والأمر على عكس ما يظنون فالذي يعتقده السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أن الحق الواجب أن يثنى على النبي ﷺ بما هو أهل له من الخصائص الثابتة له التي خصه الله بها, والفضائل العظيمة التي شرفه بها, والصفات الحقيقية والخلقية التي كان عليها, وذلك للتعرف وتعريف الناس بفضله ومكانته وعظيم قدره عند الله وعند خلقه حتى يتأسى ويقتدى به في أقواله وأفعاله, فهو الأسوة والقدوة عليه أفضل الصلاة والتسليم قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١].
فمن صميم المحبة له ﷺ الاشتغال بمعرفة سيرته بقصد التأسي والاقتداء بما كان عليه من كريم الخصال, ومحاسن الأفعال والأقوال. وكذا معرفة شمائله, ودلائل نبوته التي تعمق إيمان المسلم بصدق نبوته, وتزيد في محبته وتعظيمه ﷺ . ولقد اهتم السلف بهذه الجوانب وأولوها رعايتهم واهتمامهم, فاعتنوا بتأليف المؤلفات التي أوضحت هذه الجوانب وأبرزتها, فقد ألفت لهذا الغرض كتب الشمائل التي اعتنت بذكر صفاته وأحواله في عباداته, وخلقه, وهديه, ومعاملاته (١)، كما ألفت كتب الدلائل التي اعتنت بدلائل وعلامات نبوته ﷺ (٢).
هذا بالإضافة إلى ما كتب في الفضائل والخصائص التي كانت للنبي ﷺ . كما اعتنوا بأصل هذه الجوانب جميعها ألا وهو سيرته الشريفة ﷺ , فقد ألفت لهذا الغرض المؤلفات التي اعتنت بحياته منذ ولادته إلى وفاته, وضمت في جوانب ذلك الحديث عن نشأته, وبعثته, وما حدث له من الأمور قبل الهجرة وبعدها, وما كان من أمر دعوته, وغزواته, وسراياه, وما يتعلق بهذه الجوانب وغيرها مما هو داخل في سيرته (٣). فقد دونت هذه الجوانب جميعها وخدمت بقصد أن يتأسى الناس به ﷺ , وأن يتعرفوا على كمال ذاته ﷺ وما تميز به من صفات، وتفرد به من أخلاق, لتزيد تلك المعرفة من محبتهم له, وتنميتها في قلوبهم, ولتبعث في نفوسهم تعظيمه وإجلاله.
وبهذا يعلم أن أهل التوسط لم ينتقصوا من قدره ﷺ , بل حفظوا وحافظوا على كل ما من شأنه أن يضمن استمرارية محبة الأمة وتعظيمها له.
فهذه حال أهل التوسط وهذا هو منهجهم, فمن أراد أن يسير على النهج القويم, ويسلك الصراط المستقيم فعليه بسبيل أهل الإيمان وطريقهم, ألا وهو الكتاب والسنة, فذاك طريق الحق، والحق أحق أن يتبع.
وهذا منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فقد كانت محبتهم للنبي ﷺ تحكمها قواعد الكتاب والسنة، فما أمر به الشارع ائتمروا به, وما نهى عنه الشارع انتهوا عنه، ولم يحكموا في هذه المحبة عواطفهم وأهواءهم كما فعل أهل الإفراط الذين زلت بهم أقدامهم بسبب غلوهم في حقه, ذاك الغلو الذي دفعهم إليه تحكيم أهوائهم، وهو غلو ما أنزل الله به من سلطان, بل إن نصوص الشرع تنص على تحريمه، وإنه ليصدق وصف أهل الإفراط بقوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠].
فخلاصة القول في هذا الجانب أن المفهوم الصحيح لمحبته ﷺ يتمثل في ذلك المفهوم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة, والتابعين, وتابعيهم, ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم. ذلك المفهوم المستمد من آيات القرآن ونصوص السنة والذي لم يخرج عنهما قيد أنملة. حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٢٨٩
стр. 281
المسالة الثانية: التحذير من المحبة البدعية
يظن البعض من الناس أن له الحق في التعبير عن محبته للنبي ﷺ بما يراه ويستحسنه من الأمور، من غير أن يراعي في ذلك قواعد الشرع وأصوله, وهذا الصنف من الناس تراه منساقاً مع عواطفه, جاعلاً لها حق التشريع في هذا الدين. فتراه يغلو في حق النبي ﷺ حتى كمل به إلى بعض مراتب الألوهية. وتراه يبتدع في دين الله أموراً تصل إلى حد العظائم. وتراه يقدم على الشركيات والكفريات. وكل ذلك بدعوى محبة النبي ﷺ ولقد حكم الله بالضلال على هذا الصنف فقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠].
فالمتبعون لعواطفهم وأهوائهم المحكمون لها، لابد وأن يكونوا نابذين لهدي الله المتمثل في الكتاب والسنة، واللذين يشتملان على قواعد هذا الدين وأصوله والتي من ضمنها تحريم الابتداع في الدين والإحداث فيه، وتحريم الغلو بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم الشرك بمختلف صوره وألوانه.
ولذلك حكم الله بضلالهم وغوايتهم, وبعدهم عن الصراط المستقيم. فحري بأمثال هؤلاء أن يقلعوا عن غيهم، وأن يحكموا في عواطفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ .
فمحبة النبي ﷺ من الدين، وتحقيقها يكون عن طريق ما شرع في هذا الدين، لا عن طريق البدع وما تهواه النفوس, فالبدع قد حذرنا نبينا ﷺ منها بقوله: ((إياكم ومحدثات الأمور)) (١) وهذا الحديث يعني في هذا المقام أن ليس لأحد الحق في التعبير عن محبة النبي ﷺ إلا بما جاء به النبي ﷺ , فعلى المسلم أن يدرك هذا الأمر, وليحذر من سبل أهل الضلال والانحراف.
قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].
وإن الناظر في أحوال أولئك المفتونين بالبدع تحت دعوى محبة النبي ﷺ يجد أنهم قد رغبوا في تلك الأمور المبتدعة لأنها أمور لا مشقة فيها على النفس, فجعلوها بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال والطاعات التي تشق على نفوسهم الضعيفة المريضة، فالمحبة عند هؤلاء تنحصر في مظاهر التعظيم اللساني المليء بالغلو والشرك, والمقترن بالاجتماع على موائد الطعام والذي لا يخلو في بعض الأحيان من المنكرات والمحرمات.
ويحق للمرء أن يتساءل: أي محبة هذه التي تجيز لهؤلاء أن يبتدعوا في دين الله بزيادة أو نقص, أو تغيير أو تبديل؟ لاشك أن فعل هذه الأمور يناقض المحبة ويضادها جملة وتفصيلاً، ولا عذر لفاعلها فيما أقدم عليه وإن كان فعل ذلك بحسن نية، فحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فلقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، فمازالوا على حالهم تلك حتى صارت أديانهم على غير ما جاءت به رسلهم.
ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس يتمسك بتلك البدع تقليداً لمشائخه أو عشيرته أو أهل بلده. إلى غير ذلك من العصبيات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان, والتي أعمت بصائر الكثير منهم وأضلتهم عن سبيل الله.
стр. 282
ولقد كان من الحري بهؤلاء أن يقتدوا بصحابة رسول الله ﷺ ، الذين كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ ، وأشدهم تعظيما له, وكانوا أحرص الناس على الخير ممن جاء بعدهم، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في هذا السبيل. فلقد كان من سنن الصحابة رضوان الله عليهم حرصهم على اتباع النبي ﷺ لأنهم يؤمنون بأن منشأ محبته وثباتها وقوتها إنما يكون بمتابعته ﷺ في أقواله, وأفعاله, وسلوكه, وتصرفاته.
كما أنهم يؤمنون بأن الابتداع في الدين يضاد تلك المحبة وينافيها ولذلك لم يعهد عنهم أنهم ابتدعوا أشياء من عند أنفسهم لإظهار محبتهم للنبي ﷺ كما ابتدع المتأخرون ما ابتدعوه من البدع تحت ستار المحبة والتعظيم له ﷺ . فإذا كان هذا هو شأن الصحابة فيما أثر عنهم من الآثار وهم المشهود لهم بأنهم أشد الأمة وأفضلها محبة وتعظيماً للنبي ﷺ ، أفلا يسع من جاء بعدهم ما وسعهم، فيتركوا تلك الأمور المبتدعة التي أحدثت من بعدهم، والتي لم يأذن بها الله ولم تكن من هدي رسول الله ﷺ ، ولا من عمل أصحابه ﵃ وأرضاهم، ومن لم يتسع له ما اتسع للصحابة ﵃، فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة.
فعن قتادة قال: قال ابن مسعود ﵁: (من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد ﷺ ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً, وأقلها تكلفاً, وأقومها هدياً, وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم, واتبعوهم في آثارهم, فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) (١) حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٦٧
стр. 283
المسألة الأولى: معنى التعزير, والتوقير, والتعظيم .
قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩].
وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧].
أ- أما التعزير في اللغة:
فيقول صاحب معجم مقاييس اللغة عن أصل هذه الكلمة: (عزر) العين والزاء. والراء: كلمتان:
أحدهما: التعظيم والنصر. والكلمة الأخرى: جنس من الضرب. فالأولى: النصر والتوقير كقوله تعالى: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ والأصل الآخر: التعزير وهو الضرب دون الحد (١).
وفي النهاية في غريب الحديث (أصل التعزير: المنع والرد. فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه. ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، يقال عزرته، وعزرته. فهو من الأضداد) (٢).
وجاء في تهذيب اللغة: (عزر) قال الله : وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
جاء في التفسير في قوله تعالى وَتُعَزِّرُوهُ أي لتنصروه بالسيف وَعَزَّرْتُمُوهُمْ عظمتموهم. وقيل: نصرتموهم.
واللفظة تستعمل لعدة معان هي:
١ - التعزير: النصر باللسان والسيف.
٢ - التعزير: التوقير.
٣ - التعزير: التأديب دون الحد.
٤ - التعزير: التوقيف على الفرائض والأحكام (٣).
وأما عن المعنى الشرعي المراد هنا:
فعن ابن عباس ﵄: وَعَزَّرُوهُ يقول: (حموه ووقروه) (٤).
وعن مجاهد قال: (عزروه: سددوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه) (٥).
وعن قتادة في قوله: وَتُعَزِّرُوهُ قال: (ينصروه) (٦).
وقال ابن جرر الطبري: وَعَزَّرُوهُ (وقروه, وعظموه, وحموه, من الناس) (٧).
وقال أيضاً بعد أن نقل قول ابن عباس ومجاهد وقتادة: (وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها, ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصر والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال) (٨).
وقال شيخ الإسلام: (التعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه) (٩).
ب- وأما عن التوقير في اللغة:
ففي معجم مقاييس اللغة: (وقر) الواو. والقاف. والراء: أصل يدل على ثقل في الشيء ... ومنه الوقار: الحلم والرزانة (١٠).
وجاء في تهذيب اللغة: (وقر الرجل من الوقار، يقر، فهو وقور. ووقرت الرجل: إذا عظمته, ومنه قوله : وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ (١١)).
وفي لسان العرب: (وقر الرجل: بجله، والتوقير: التعظيم والترزين) (١٢).
وأما المعنى الشرعي المراد هنا:
فقال ابن عباس: (وَتُوَقِّرُوهُ يعني التعظيم) (١٣).
وقال قتادة: (وَتُوَقِّرُوهُ أمر الله بتسويده وتفخيمه) (١٤).
وقال أيضاً: (وَتُوَقِّرُوهُ أي ليعظموه) (١٥).
وقال ابن جرير الطبري: (فأما التوقير فهو التعظيم والإجلال والتفخيم) (١٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) (١٧).
قال ابن كثير: (التوقير: هو الاحترام, والإجلال, والإعظام) (١٨).
ج- وأما التعظيم في اللغة:
ففي لسان العرب (التعظيم: التبجيل: يقال لفلان عظمة عند الناس: أي حرمة يعظم لها) (١٩).
ولفظ (التعظيم) لا يرد في خطاب الشارع كما ورد لفظ (التعزير) و (التوقير) لكن العلماء استعملوه في كلامهم عند هذه المسألة وذلك لقربه في المعنى إلى ذهن السامع، ولتأديته للمعنى المراد من لفظتي (التعزير) و (التوقير). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -٢/ ٤١٩
стр. 284
المسألة الثانية: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ والأدلة على ذلك
إن تعظيم النبي ﷺ ، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة (١) بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة. ذلك لأنه ليس كل محب معظماً، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه.
والولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه, ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم.
فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة (٢).
فمن حق النبي ﷺ على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده, ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة, وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩].
وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧].
فأبان أن حق الرسول ﷺ في أمته أن يكون معزراً موقراً مهيباً. وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره, ولا خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم (٣).
وفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقه ﷺ يعد من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. قال الحليمي: (فمعلوم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل, وأعظم, وأكرم, وألزم لنا, وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم, والآباء على أولادهم, لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا, وأبداننا, وأعراضنا, وأموالنا, وأهلينا, وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. فأية نعمة توازي هذه النعم, وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار. ووعدنا باتباعه الجنة. فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة. فحق علينا أن نحبه, ونجله, ونعظمه, ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده, وكل ولد والده. وبمثل هذا نطق القرآن, ووردت أوامر الله جل ثناؤه) (٤).
ففي القرآن الكريم آيات كثيرة جاء فيها التأكيد على هذا الحق من حقوقه ﷺ وبخاصة في جوانب معينة من جوانب تعظيمه ومن تلك الآيات ما يلي:
١ - قوله تعالى: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] (ففي هذه الآية نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع) (٥).
وروى الطبري بسنده عن مجاهد في تفسيرها فقال: (أمرهم أن يدعوه يا رسول الله في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد، في تجهم) (٦).
وعن قتادة قال: (أمرهم أن يفخموه ويشرفوه) (٧).
стр. 285
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسيرها: (خص الله نبيه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهى أن يقولوا: يا محمد, أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله, وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحداً من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب: ٢٨] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ [الأحزاب: ٥٠] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ١] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب: ٤٥] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: ١ - ٢] يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ١ - ٢] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤].
مع أنه سبحانه قال: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ [البقرة: ٣٥] قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة: ٣٣] يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [هود: ٧٦] يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف: ١٤٤] يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ [ص: ٢٦] يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ [المائدة: ١١٠]) (١).
وقال ﵀: (وإذا كنا في باب العبارة عن النبي ﷺ علينا أن نفرق بين مخاطبته والإخبار عنه. فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى حيث قال: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] فلا تقول يا محمد, يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضاً بل نقول: يا رسول الله، يا نبي الله. والله خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: ٣٥] يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود: ٤٨] يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: ١١ - ١٢] يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥].
ولما خاطبه ﷺ قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: ٦٤] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة: ٤١] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: ١] يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١٠] فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.