← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر بأنه من الشهداء. فقد روى الترمذي بإسناده إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: ((أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحراء قال: اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، قيل: ومن هم؟ قال: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل: فمن العاشر قال: أنا)) (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ (٢) ففي هذا فضيلة عظيمة لسعيد بن زيد ﵁ حيث شهد له النبي ﷺ بالشهادة وإن مات على فراشه فهو شهيد لخبر الصادق المصدوق ﵊ بذلك. وكانت وفاته ﵁ سنة (إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقد غسله سعد وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة) (٣). قال الشوكاني رحمه الله تعالى مبيناً فضل سعيد بن زيد ﵁ (ويكفي سعيد بن زيد أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه شهد أحداً وما بعده من المشاهد كلها وصار من جملة أهل بدر بما ضربه له رسول الله ﷺ من السهم والأجر) اهـ (٤). ذلك هو سعيد بن زيد وتلك طائفة من مناقبه وبه ﵁ نختم فضل العشرة المبشرين بالجنة الذين قدمنا فضائلهم التي دلت على مكانتهم وعلو منزلتهم، فيجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أنهم من أهل الجنة بأعيانهم كما أخبر بذلك الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٤] وكلهم ﵃ من قريش الذين سبقوا إلى الإسلام وهاجروا إلى الله ورسوله وتركوا ديارهم وأموالهم بغية نصرة دين الإسلام ورفع رايته. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ لناصر بن علي عائض – ١/ ٣١٧

стр. 3257

المطلب الأول: وجوب محبتهم من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم والاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، وحرمة بغض أحد منهم لما شرفهم الله به من صحبة رسوله ﷺ والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم وتقديم حب الله ورسوله ﷺ على ذلك كله، وقد دلت النصوص الكثيرة على وجوب حب الصحابة ﵃ جميعاً، وقد فهم أهل السنة والجماعة ما دلت عليه النصوص في هذا واعتقدوا ما تضمنته مما يجب لهم من المحبة على وجه العموم ﵃ وأرضاهم، ومن تلك النصوص: (١) قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠]. (هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة لأنه جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحداً منهم أو اعتقد فيه شراً أنه لا حق له في الفيء، روي ذلك عن مالك وغيره، قال مالك: (من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد ﷺ أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية) (١). (٢) روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)) (٢). هذا الحديث تضمن الحث لكل إنسان يأتي بعد الصحابة في أن يحفظ حقهم، والمعنى: لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، بل عظموهم ووقروهم، ولا تتخذوهم هدفاً ترمونهم بقبيح الكلام، كما يرمى الهدف بالسهم، وبين ﵊ أن حبهم ما استقر في قلب إنسان إلا بسبب حبه للنبي ﷺ ، أو بسبب حب النبي ﷺ إياهم وما وجد بغضهم في قلب إنسان إلا بسبب ما فيه من البغض للنبي ﷺ ، ومعنى قوله ﷺ : ((يوشك أن يأخذه))، أي: يعاقبه في الدنيا أو في الآخرة (٣). فالحديث دل على وجوب حب الصحابة ﵃ وخطورة بغضهم.

стр. 3258

قال المناوي في قوله ﷺ : ((الله الله في أصحابي)) (أي: اتقوا الله فيهم ولا تلمزوهم بسوء أو اذكروا الله فيهم، وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذاناً بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص ((فمن أحبهم فبحبي أحبهم)) أي: فبسبب حبهم إياي، أو حبي إياهم، أي: إنما أحبهم لحبهم إياي، أو لحبي إياهم. ((ومن أبغضهم فببغضي)). أي: فبسبب بغضه إياي، ((أبغضهم)) يعني: إنما أبغضهم لبغضه إياي ... وخص الوعيد بها لما اطلع عليه مما سيكون بعده من ظهور البدع وإيذاء بعضهم زعماً منهم الحب لبعض آخر، وهذا من باهر معجزاته، وقد كان في حياته حريصاً على حفظهم والشفقة عليهم. أخرج البيهقي عن ابن مسعود: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: ((لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) (١)، وإن تعرض إليهم ملحد وكفر نعمة قد أنعم الله بها عليهم، فجهل منه وحرمان، وسوء فهم، وقلة إيمان، إذ لو لحقهم نقص لم يبق في الدين ساق قائمة لأنهم النقلة إلينا، فإذا جرح النقلة دخل من الآيات والأحاديث التي بها ذهاب الأنام، وخراب الإسلام إذ لا وحي بعد المصطفى ﷺ وعدالة المبلغ شرط لصحة التبليغ) (٢). (٣) وروى الإمام البخاري في (صحيحه) من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)) (٣). ومعنى قوله ﷺ هذا: (أن علامات كمال إيمان الإنسان، أو نفس إيمانه حب مؤمني الأوس والخزرج لحسن وفائهم بما عاهدوا الله عليه من إيواء نبيه ﷺ ونصره على أعدائه زمن الضعف والعسرة وحسن جواره ورسوخ صداقتهم وخلوص مودتهم ولا يلزم منه ترجيحهم على المهاجرين الذين فارقوا أوطانهم وأهليهم وحرموا أموالهم حباً له وروماً لرضاه ... (وآية النفاق) بالمعنى الخاص (بغض الأنصار)، صرح به مع فهمه مما قبله لاقتضاء المقام التأكيد، ولم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، لأن الكلام فيمن ظاهره الإيمان، وباطنه الكفر فميزه عن ذوي الإيمان الحقيقي، فلم يقل آية الكفر لكونه غير كافر ظاهراً، وخص الأنصار بهذه المنقبة العظمى، لما امتازوا به من الفضائل، فكان اختصاصهم بها مظنة الحسد الموجب للبغض، فوجب التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، وأبرز ذلك في هذين التركيبين المفيدين للحصر لأن المبتدأ والخبر فيهما معرفتان، فجعل ذلك آية الإيمان والنفاق على منهج القصر الادعائي، حتى كأنه: لا علامة للإيمان إلا حبهم، وليس حبهم إلا علامته، ولا علامة للنفاق إلا بغضهم، وليس بغضهم إلا علامته، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في المعنى مشاركاً لهم في الفضل كل بقسطه) (٤). (٤) وروى مسلم بإسناده إلى عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: ((لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)). قال شعبة: (قلت لعدي: سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث) (٥). (٥) وروى أيضاً: بإسناده إلى أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) (٦).

стр. 3259

(٦) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله)) (١). (٧) وروى الحافظ الطبراني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم)) (٢). (٨) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)) (٣). (٩) وروى الإمام أحمد بإسناده إلى سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الحي من الأنصار محنة حبهم إيمان وبغضهم نفاق)) (٤). (١٠) وروى أيضاً: بإسناده إلى الحارث بن زياد الساعدي ((أنه أتى رسول الله ﷺ يوم الخندق وهو يبايع الناس على الهجرة فقال: يا رسول الله بايع هذا، قال: ومن هذا، قال: ابن عمي حوط بن يزيد أو يزيد بن حوط، قال: فقال رسول الله ﷺ : لا أبايعك إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم، والذي نفس محمد ﷺ بيده لا يحب رجل الأنصار حتى يلقى الله ﵎ إلا لقي الله – ﵎ – وهو يحبه، ولا يبغض رجل الأنصار حتى يلقى الله – ﵎ – إلا لقي الله – ﵎ – وهو يبغضه)) (٥). (١١) وروى الإمام مسلم بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال: ((والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)) (٦). فهذه الأحاديث كلها دلت على وجوب حب أصحاب رسول الله ﷺ جميعاً مهاجرين وأنصار، ولا يقال إن ظاهر لفظها في الأنصار فلا يدخل فيها المهاجرون، بل الصحيح أنه يدخل فيها كل فرد من أفراد الصحابة لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن الغناء في الدين ﵃ أجمعين. كما اشتملت على ذكر الجزاء الذي ينتظر من يكن لهم المحبة في قلبه ومن يكن لهم البغض، فمن أحبهم فاز بحب الله له، ومن أبغضهم أبغضه الله، وشتان بين الجزائين، كما دلت على أن القلب الذي امتلأ ببغضهم إنما هو قلب ينضح بالنفاق، خذل صاحبه بعدم الإيمان والعياذ بالله.

стр. 3260

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى مبيناً المراد في قوله ﷺ : ((آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار)) (١)، وفي الرواية الأخرى: ((لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)) (٢)، وفي الأخرى: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر)) (٣)، وفي حديث علي ﵁: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ﷺ إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) (٤). (الآية: هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثاراً للإسلام، وعرف من علي بن أبي طالب ﵁ قربه من رسول الله ﷺ وحب النبي ﷺ له، وما كان منه في نصرة الإسلام، وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعلياً لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله – – ورسوله ﷺ ، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم) (٥). وقال الذهبي رحمه الله تعالى مبيناً العلة من جعله ﷺ حب الأنصار علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق حيث قال: (وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله ﷺ ، وكذلك حب علي ﵁ من الإيمان وبغضه من النفاق، وإنما يعرف فضائل الصحابة ﵃ من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضاً، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئاً) (٦). وقال العيني رحمه الله تعالى شارحاً لقوله ﷺ : ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)) (٧): (المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم، لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك، قالوا: وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة والمهاجرين بل في كل الصحابة إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة وغناء في الدين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق ويدل عليه ما روي مرفوعاً في فضل أصحابه كلهم: ((من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)) (٨).

стр. 3261

وقال القرطبي: (وأما من أبغض والعياذ بالله أحداً منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حدث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقاً ولا كافراً، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يقال كلهم مصيب، أو المصيب واحد والمخطئ معذور، مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه، فمن وقع له في أحد منهم والعياذ بالله لشيء من ذلك، فهو عاص يجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم، وفضائلهم، وما لهم على كل من بعدهم من الحقوق إذا لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم وبسببهم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية اهـ) (١). وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاعتقاد ما دلت عليه النصوص المتقدم ذكرها من أن حب الصحابة واجب على كل مسلم، (فقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: حب أبي بكر وعمر ﵄ سنة؟ قال: لا، فريضة) (٢). وقال الطحاوي رحمه الله تعالى مبيناً ما يجب على المسلم اعتقاده في محبة أصحاب رسول الله ﷺ : (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) (٣). وقال أبو عبد الله بن بطة في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة: (ونحب جميع أصحاب رسول الله ﷺ على مراتبهم ومنازلهم أولاً فأولاً: من أهل بدر والحديبية وبيعة الرضوان وأحد فهؤلاء أهل الفضائل الشريفة والمنازل المنيفة الذين سبقت لهم السوابق ﵏ أجمعين) (٤). فعلى المسلم أن يسلك في حب الصحابة مسلك أهل الحق من أهل السنة والجماعة بحيث يحبهم جميعاً، ولا يفرط في حب أحد منهم وأن يتبرأ من طريقة الشيعة الرافضة الذين يتدينون ببغضهم وسبهم، ومن طريقة النواصب والخوارج الذين ابتلوا بإيذاء أهل بيت رسول الله ﷺ ، وليعلم كل مسلم أن أهل السنة والجماعة يتبرؤون من طريقة هذه الفرق فيهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل) (٥). (فمن أراد السلامة لدينه وأن يسلم له إيمانه فليحبهم جميعاً، وأن يحتم ذلك على نفسه، وعلى كل أبناء جنسه لأن ذلك واجب على جميع الأمة واتفق على ذلك الأئمة، فلا يزوغ عن حبهم إلا هالك، ولا يزوغ عن وجوب ذلك إلا آفك) (٦). عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٧٥٧

стр. 3262

أولاً: معنى العدالة في اللغة جاء في (الصحاح) للجوهري: (العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدِلته ومعدَلَتَه، وفلان من أهل المعدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضاً: وهو جمع عدل وقد عدل الرجل بالضم عدالة ... إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام) (١). وجاء في (لسان العرب): (رجل عدل بين العدل والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال في موضعين: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ [الطلاق: ٢]، ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعاً، أو مثنى أو مؤنثاً، فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر) (٢) اهـ. وجاء في (المصباح المنير): (وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها و (عدل) هو بالضم، (عدالة) و (عدولة) فهو (عدل) أي: مرضي يقنع به ويطلق (العدل) على الواحد وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس: وتعاقد العقد الوثيق وأشهدا ... من كل قوم مسلمين عدولاً وربما طابق في التأنيث، وقيل: امرأة عدلة) (٣). وجاء في (القاموس): (العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعَدُولة والمعدِلة والمعدَلة) (٤) اهـ. فمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة: الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم تظهر منه ريبة (٥)، وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقنعون بها (٦).

стр. 3263

ثانياً: تعريف العدالة في الاصطلاح أما تعريف العدالة في الاصطلاح فقد تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء: (١) روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال: (العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها) (١). (٢) وعرفها الخطيب البغدادي بقوله: (العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقاً حتى يكون مع ذلك متوقياً لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير) (٢). (٣) وعرفها الغزالي بقوله: (والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفاً وازعاً عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضاً: اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصداً، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح وضابط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا، فلا) (٣). (٤) وعرفها ابن الحاجب: بقوله: (العدالة: هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأراذل والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة) (٤). (٥) وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: (المراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة) (٥). (٦) وعرفها أيضاً بتعريف آخر فقال: (والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلماً مكلفاً حراً غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة. زاد الشافعي: وأن يكون ذا مروءة) (٦). واشتراط الحرية فيه نظر. (٧) وذكر علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي عدة تعريفات للعدالة في كتابه (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف) حيث قال: (العدالة: هي استواء أحواله في دينه واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبة) (٧). وذكر أبو محمد الجوزي في العدالة: (اجتناب الريبة وانتفاء التهمة). زاد في (الرعاية): (وفعل ما يستحب وترك ما يكره) (٨) اهـ.

стр. 3264

(٨) وقال السيوطي في تعريف العدالة: (حدها الأصحاب: بأنها ملكة أي: هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة وهذه أحسن عبارة في حدها وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة، ولأن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك، ولأن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر فذكره في الحد تكرار) (١). هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضاً: لا تتحقق إلا بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق. والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر. والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين: الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصداً. الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم. ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله ﷺ ، فجميعهم ﵃ عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٧٩٥

стр. 3265

تمهيد يعتقد أهل السنة والجماعة أن للصحبة شرفاً عظيماً، يمنح صاحبها ميزة خاصة، بل يرون أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، لمشاهدة رسول الله ﷺ ، هذا لمن رآه، أما من اتفق له الذب عنه، والسبق إليه بالهجرة، أو النصرة، أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة إلا والذي سبق بها له مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر بذلك فضلهم (١). قال ابن عمر ﵁ وهو يتحدث عن فضائل الصحابة: (فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة) (٢). وعن الإمام أحمد أنه قال: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال) (٣). وقال الإمام النووي: (وفضيلة الصحبة، ولو لحظة، لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بالقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٤). فمذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى حين: أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف: ٩] اختار لصحبته وتلقي الشريعة عنه قوماً هم أفضل هذه الأمة التي هي خير الأمم، فشرفهم بصحبة نبيه ﷺ ، وخصهم في الحياة الدنيا بشرف رؤيته والنظر إليه، وسماع حديثه، وقد بلغوا عن رسول الله ﷺ ما بعثه الله به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها، فكان لهم الأجر العظيم لصحبتهم رسول الله ﷺ ، والجهاد معه في سبيل الله، وأعمالهم الجليلة في نشر الإسلام، ولهم مثل أجور من بعدهم لأنهم الواسطة بينهم وبين رسول الله ﷺ ، ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومعتقدهم في الصحابة (وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وسط بين المفرطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى ما لا يليق إلا بالله أو برسله، وبين المفرطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبونهم، فهم وسط بين الغلاة والجفاة، يحبونهم جميعاً وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، فلا يرفعونهم إلى ما لا يستحقون ولا يقصرون بهم عما يليق بهم، فألسنتهم رطبة بذكرهم الجميل اللائق بهم وقلوبهم عامرة بحبهم، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون، إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا بمعصومين، بل هم بشر يصيبون ويخطئون، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم، إذا نسب إلى خطأ غيرهم، ولهم من الله المغفرة والرضوان) (٥). ولأهمية هذه المسألة فإن أهل السنة والجماعة يذكرون معتقدهم في الصحابة في كتب العقيدة، وكأنهم يجعلون منها علامة فارقة بينهم وبين غيرهم.

стр. 3266

أما كتب مصطلح الحديث والأصول، فقد تكفلت بذكر عدالتهم وأدلة العلماء عليها، في حين ذكرت كتب السنة جملة كبيرة من الأحاديث التي ثبتت في فضلهم والثناء عليهم، ونوهت كتب التفسير بفضلهم عند تفسير الآيات التي تخص الصحابة. لذلك فإن أهل السنة والجماعة يرون أن شرف الصحبة يضيف على صاحبه إطلاق مفهوم العدالة عليه، وهذا قول كل من يعتد به منهم، فإنهم يقولون بتعديل جميع أصحاب النبي ﷺ من أسلم منهم قبل الفتح، ومن أسلم بعده، ومن لابس الفتن أو لم يلابس. قال ابن الصلاح: (الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ولا يعتد بخلاف من خالفهم) (١). وقال الشيخ تقي الدين: (الذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف أن الصحابة ﵃ أجمعين عدول بتعديل الله تعالى لهم) (٢). وحكى ابن عبد البر في (الاستيعاب) إجماع أهل السنة والجماعة على تعديل الصحابة (٣)، وحكاه إمام الحرمين أيضا على ما ذكره الشوكاني في (إرشاد الفحول) (٤). وقال شارح مسلم الثبوت: (إن عدالة الصحابة مقطوعة ولا سيما أصحاب بدر، وبيعة الرضوان، كيف لا وقد أثنى عليهم الله تعالى في مواضع عديد من كتابه، وبين رسول الله ﷺ فضائلهم غير مرة) (٥). وقال الحافظ الذهبي: (فأما الصحابة ﵃ فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى – إلى أن قال – إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل وبه ندين الله تعالى) (٦). وذكر ابن كثير أن (الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة) (٧). وبناء على ذلك، يرى أهل السنة والجماعة أن جهالة الصحابي لا تضر، فإذا قال التابعي عن رجل ممن صحب النبي ﷺ لم يؤثر ذلك في المروي، لأن الجهالة في الصحابة لا تضر. قال الخطيب: (كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن الكريم) (٨). ويعتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة ﵃ اكتسبوا هذا التعديل بتعديل الله تعالى لهم وثنائه عليهم، وثناء رسوله ﷺ وأن الحال التي كانوا عليها شاهدة على ذلك. عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٥٤

стр. 3267

أولا: أدلة أهل السنة والجماعة على عدالة الصحابة من القرآن الكريم من المسلم به لدى المسلمين أن الله أرسل رسوله ونبيه محمداً ﷺ وجعله خاتم الأنبياء، ومن ثم فقد أنزل عليه القرآن الكريم الذي يعد أساساً لدينه، ومصدراً لتعاليمه ودعوته، ووسيلة دائمة لربط الخلق بخالقهم وتوثيق علاقته بهم، وسبباً قوياً لتحقيق الربانية الصادقة في أتباعه. وقد تكفل الله بحفظ هذا الكتاب: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، وصانه من كل تحريف أو تغيير؛ بل تولى الله ﵎ نشره وإذاعته في العالم، وجعله ميسراً جديراً بالفهم: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر: ١٧]، وهيأ الله الجو المناسب والفرص المواتية لقراءته وكثرة تلاوته وحفظه واستظهاره واستحضاره وبذلك كان بعيداً كل البعد عن كل تصرف بشري من حذف، أو زيادة، أو تحريف، أو تبديل. وإذا كانت هذه المسألة من المسلمات عندنا فإنه ثمة مسلمة أخرى لا تقبل الجدل وهي: أن القرآن الكريم الذي أنزل على سيدنا محمد ﷺ إنما نزل ليخاطب بداءة تلك الأمة التي عاصرت الرسول الكريم في أمره ونهيه ومدحه وقدحه وغير ذلك. وإن كانت هذه الخطابات تتعدى إلى الناس أجمعين، حيث إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الأصوليون. إلا أن المخاطب الأول هم القوم الذين عاشوا مع رسول الله ﷺ ونزل الوحي بين ظهرانيهم مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم، وهذا ما فهمه الصحابة الكرام ﵃ حينما كانوا يقرؤون القرآن ويتدبرون آياته ويتفهمون معانيه. ومن خلال هاتين المسلمتين: حفظ القرآن، وصيانته، وأن خطابه موجه ابتداء إلى الأمة المعاصرة للرسول ﷺ فإننا نستطيع أن نحمل بل نجزم أن كل مدح وثناء، وعد لصفات الخير، وذكر لمحاسن الرجال، إنما عني به ربنا ﵎ أولئك الرجال الذين آمنوا برسوله وعزروه ونصروه وهم الصحب الكرام الذين يمثلون الجيل الأول الذي تربى في كنف القرآن وهدي السنة المطهرة. ومقابل ذلك فإن كل قدح وذم وعد للمساوئ وذكر لصفات السوء إنما أراد به ﵎ أولئك القوم الذين وقفوا بوجه دعوة الرسول ﷺ وحاربوه وآذوه، أو أولئك المنافقين الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان ففضح الله سرائرهم وكشف نواياهم. وعليه إن عدالة الصحابة في الكتاب لا تمثلها آيات محددة مخصوصة، إنما القرآن كله شاهد على عدالتهم واستقامتهم من حيث إنهم الأمة التي حملته ورفعت لواءه وجاهدت من أجله؛ فكل الآيات التي أثنت بالخير أو بينت طبيعة المجتمع المسلم وسبل بنائه وتكوينه أو أظهرت صفات المجاهدين وما أعد الله لهم أو بينت سمات المتقين ومآلهم، أو أبرزت محاسن المفلحين الفائزين، يمكننا أن نعدها بجملته أدلة قرآنية على تعديل الصحابة الكرام ﵃. ومع ذلك فإنني سأورد بعض هذه الآيات التي صرحت تصريحاً يفهمه الجميع دون شك أو ريب؛ أثنى الله فيها وعدل أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم مع بيان المعنى المراد منها ليتسنى من خلاله فهم وجه الدلالة وبيانه. فإن قيل هذه الآيات دلت على فضلهم دون التصريح بعدالتهم؟ فالجواب أن يقال: أن من أثنى الله عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلاً؟ فإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس، فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله ، ومن رسوله ﷺ (١)؟

стр. 3268

١ - قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]. في الآية بيان أفضلية هذه الأمة، وأن الله جعلها أمة وسطاً، والوسط هو العدل (١)؛ وفي التنزيل قَالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: ٢٨] أي أعدلهم وخيرهم (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال: (عدلاً) (٣). وقال زهير (٤): هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم ووجه الاستدلال بالآية: أنه أخبر أنه جعلهم أمة خياراً عدولاً فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم، وأعمالهم، وإرادتهم، ونياتهم؛ وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهو شهداؤه، ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء فإنه أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، والشاهد المقبول عند الله الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستنداً إلى علمه به. ٢ - قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ٢١٨]. تفيد هذه الآية: إن الذين صدقوا بالله وبرسوله وبما جاء به هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم فاستجابوا لنداء الهجرة وتحولوا عنهم وعن جوارهم فارين بدينهم وإيمانهم كراهة منهم النزول بين أظهر المشركين وفي سلطانهم ومن ثم حاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه وفيما يرضي الله، وقد بذلوا الغالي والنفيس، والأرواح والمهج؛ من أجل ذلك، أولئك يرجون رحمة الله ويطمعون في فضله. وهذا الوصف بلا شك (ينطبق انطباقاً كاملاً على المهاجرين المجاهدين من صحابة رسول الله ﷺ لأنهم آمنوا بالله ورسوله إيماناً راسخاً، وتحملوا الأذى العظيم في سبيل ذلك الإيمان من مشركي مكة ثم أنهم استجابوا لنداء نبيهم بالهجرة من مكة إلى يثرب وتركوا أهليهم وأموالهم ومصالح دنياهم، مع كل ذلك فإخلاصهم العميق لربهم ونبيهم ودينهم لم يدفعهم إلى الاتكال على ما صنعوا، وإنما كانوا يرجون رحمة ربهم أذلاء خاشعين، يحاولون بكل الطرق نصرة دينهم، وتقديم أموالهم ودمائهم في سبيل الله، علهم ينالوا الفوز بالجنة التي وعدهم الله تعالى إياها) (٥). قال قتادة: (أثنى الله على أصحاب نبيه أحسن الثناء فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ٢١٨] هؤلاء خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب) (٦).

стр. 3269

والناظر في سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمكن له البتة أن يصرف المراد منها إلا إلى المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ فقد ثبت عند المفسرين وأهل السير أن رسول الله ﷺ ، أرسل سرية عدتها ثمانية رجال كلهم من المهاجرين يرأسها عبد الله بن جحش وأعطاها كتاباً مختوماً لا يفضه إلا بعد أن يسير يومين ثم ينظر فيه، فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه: (إذا نظرت كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم)، فسار القوم حتى وصلوا إلى نخلة فمرت بهم عير قرشية تريد مكة فيها عمرو بن الحضرمي وآخرون فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا عليهم ويأخذوا ما معهم، فحملوا عليهم في آخر يوم من رجب فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا رجلين واستاقوا العير ورجعوا به إلى المدينة، فلما قدموها قال رسول الله ﷺ : ((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام)) فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً؛ فلما قال ذلك رسول الله ﷺ ، سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: قد استعمل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ٢١٧]. فلما نزل القرآن بهذا وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الخوف وتجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه طمعوا في الأجر – وقد كان المسلمون يقولون لهم إن لم يكن عليكم في ذلك وزر، فليس لكم فيه أجر – فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله ﷻ فيهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ الآية (١). مما تقدم يتبين لنا وجه الدلالة من الآية: وهو أن الله شهد للمهاجرين والمجاهدين من صحابة رسول الله ﷺ بصدق نياتهم، وطهارة بواطنهم، وأنهم كانوا يرجون رحمة الله لأفعالهم وهذا دليل إخلاصهم، ومن شهد له الله بذلك، وأثنى عليه قلنا بعدالته. ٣ - قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠]. تثبت الآية الكريمة صفة الأفضلية والخيرية للأمة المحمدية على العموم، وأصحاب رسول الله ﷺ على الخصوص، وإنما قلنا بشمول الآية أصحاب النبي ﷺ -بل أنهم أول من عني بها- لما يأتي: ١ - إن الصحابة هم الذين شهدوا نزول الوحي، لذلك فإن الخطاب يقع لهم مشافهة (٢). ٢ - أن الآية تتحدث عن خير الأمم، والرسول ﷺ قد قال: ((خير القرون قرني)) (٣)؛ وقرن رسول الله ﷺ إنما هم أصحابه.

стр. 3270

٣ - إذا عنت الآية أمة محمد ﷺ على العموم، فإن الصحابة داخلون في ذلك العموم حيث إنهم جزء من كل. ٤ - أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح. لذلك قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدراً والحديبية (١). وقال الضحاك: هي في أصحاب رسول الله خاصة (٢). وقال الزجاج: هذا الخطاب أصله أنه خوطب به أصحاب النبي ﷺ وهو يعم سائر أمة محمد ﷺ (٣). من ذلك يتبين وجه الدلالة من الآية: وهو أن الله أثبت الخيرية للصحابة الكرام ﵃، ومن كان خير الناس وأفضلهم لابد أن يكون أعدلهم وأوثقهم. ٤ - قال تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٤]. تأتي هذه الآيات لتصف أصحاب رسول الله ﷺ في قمة صبرهم وجلدهم حيث إن النبي ﷺ دعاهم من اليوم التالي لأحد لمواجهة أبي سفيان وأصحابه الذين هموا بالعودة لقتال المسلمين. وقد كان نداء الرسول ﷺ مخصصاً لمن كان قد اشترك معه في القتال قبل يوم إشعاراً لقريش بأنها لم تنل من المسلمين منالاً، وأنه بقي له منهم من يتعقبها ويكر عليها. ولم يتخلف من المسلمين أحد وما منهم إلا من أصابه القرح أو نزل به الضر أو أثخنته الجراح (٤). قال الزمخشري: (ومن في قوله تعالى – للذين أحسنوا منهم - للتبيين مثلها في قوله تعالى -: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً [الفتح: ٢٩]- لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم) (٥). ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله منح المستجيبين للرسول ﷺ بعد غزوة أحد أجراً عظيماً ووصفهم بأنهم يتبعون رضوان الله، وهذا دليل صدقهم وإخلاصهم، ومن كان هذا حاله وجب تعديله. ٥ - قال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧]. المعنى: أي الذين صدقوا بالنبي الأمي، وأقروا بنبوته وعزروه وعظموه وحموه، وأعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم واتبعوا النور الذي أنزل معه وهو القرآن والوحي أولئك هم المفلحون في الدنيا والآخرة، المدركون ما طلبوا (٦). ووجه الاستدلال: إن الله تعالى أثنى على الصحابة الكرام بنصرتهم لنبيه وتوقيرهم له ولاتباعهم القرآن والوحي فكانوا بذلك من المفلحين.

стр. 3271

٦ - قال تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣]. المعنى: فإن حسبك الله، أي: كافيك الله الذي يتولى رعايتك وحياطتك، فهو المتكفل بإظهار دينك على الأديان، ومتضمن أن يجعل كلمته العليا، وكلمة أعدائه السفلى (١). والتأييد من الله على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة. والثاني: ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة. فالأول: هو المراد من قوله: أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ؛ والثاني: هو المراد من قوله: وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٢)؛ فالله ﵎ هو الذي أيدك بنصره أول مرة، وأيدك بالمؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجعل منهم قوة موحدة، بعد أن كانت قلوبهم شتى، وعداواتهم جاهزة وبأسهم بينهم شديد، سواء كان المقصود هم الأوس والخزرج – وهم الأنصار – فقد كان بينهم في الجاهلية من الثارات والدماء والمنازعات ما يستحيل معه الالتئام فضلاً عن هذا الإخاء الذي لم تعرف له الأرض نظيراً ولا شبيهاً .. أم كان المقصود المهاجرين، وهم كانوا كالأنصار في الجاهلية .. أو كان الجميع مقصودين، فقد كانت هذه هي حالة عرب الجزيرة جميعاً. يقول محمد جواد مغنية: (ليس من شك أن الله سبحانه هو الذي ألف بين قلوب الصحابة بعد أن كانت عصية على التأليف بخاصة بين الأوس والخزرج الذين امتدت الحروب بينهم ١٢٠ سنة .. وأيضاً ليس من شك أن الله سبحانه يجري الأمور على سننها، والمسببات على أسبابها؛ وسبب التأليف بين قلوب أصحاب محمد ﷺ هو الإسلام وإيمانهم به نظرياً وعملياً، والإسلام من عند الله، فصحت النسبة إليه تعالى) (٣). ووجه الاستدلال من الآية: إن الله تعالى جعل أحد أسباب تأييد الرسول ﷺ الصحابة الكرام وقد ألف بين قلوبهم وجمع كلمتهم ووحد صفهم ومن كانت هذه صفته فلابد أن يكون عدلاً خياراً. ٧ - قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال: ٧٤ - ٧٥]. المعنى: قسم الله تعالى المؤمنين في هاتين الآيتين إلى قسمين: القسم الأول: المهاجرون الأولون، وقد أثبت لهم تعالى أربع صفات تدل على علو شأنهم ورفعة مكانتهم (٤). أولها: أنهم آمنوا بالله وملائكة وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها النبي ﷺ إليهم. وثانيها: أنهم فارقوا الأوطان، وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله.

стр. 3272

وثالثها: أنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، فأما جهادهم بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم، كما أنهم احتاجوا إلى الإنفاق على تلك الغزوات، وأما المجاهدة بالنفس، فلما أقدموا عليه من مباشرة القتال واقتحام المعارك، والخوض في المهالك، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله. ورابع هذه الصفات: أنهم كانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الأحوال؛ ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين. وإنما كان السبق موجباً للفضيلة، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم، فيصير ذلك سبباً للقوة أو الكمال. القسم الثاني: الأنصار، ونعتهم سبحانه بأنهم آووا النبي ﷺ ومن هاجر معه في مساكنهم، وآثروهم على أنفسهم وأولادهم، وبأنهم سالموا من سالمهم، وعادوا من عاداهم، ولهذا شرفهم الله بهذا الوصف، حتى أصبح اسم الأنصار علماً عليهم مدى الدهر (١). ثم إن الله بين أن هذين القسمين (هم المؤمنون حقاً) وقال هم (وهو ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، يفيد قصر المبتدأ على الخبر، أي كأنهم هم وحدهم المؤمنون لا غيرهم، وهذا هو من باب المدح العظيم، أولئك جميعاً لهم مغفرة من الله ورزق كريم في الدنيا والآخرة؛ وقدم الجار والمجرور لمزيد اختصاصهم بهذه المنزلة العظيمة، أي كأن المغفرة والرحمة وجدت لهم، فهم يستحقونها على الوجه الأكمل) (٢). ثم ألحق ﵎ بهذين القسمين قسماً ثالثاً وهم المؤمنون المهاجرون المجاهدون الذين جاؤوا من بعدهم وساروا على نهجهم، وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ [الأنفال: ٧٥]. مما تقدم يتبين لنا وجه الاستدلال من الآية: وهو أن الله أثنى على المهاجرين والأنصار، وصدق عليهم وصف الإيمان، ثم مدح بقية الصحابة ممن هاجر وجاهد، فيكون هذا الثناء العاطر والمدح الجزيل والشهادة الإلهية شاملة لجميع أصحاب رسول الله ﷺ ولا ينال هذا الثناء والمدح إلا من كان عدلاً. ٨ - قال تعالى: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التوبة: ٨٨ - ٨٩ [.] ووجه الاستدلال: هو أن الله يثني على الصحابة بمعاونتهم لرسوله ﷺ ونصرتهم لدينه ببذل الأموال والأنفس، وأخبر عن نيلهم الخيرات وحسن العاقبة والفوز الجليل الأبدي (٣). وهذا يستلزم عدالتهم ﵃. ٩ - قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠].

стр. 3273

في الآية ثناء عظيم ومدح كامل للمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ واختلف المفسرون في الهجرة والنصرة وعلى هذا فالمدح لا يتناول إلا قدماء الصحابة، لأن كلمة (من) تفيد التبعيض، ومنهم من قال: بل يتناول جميع الصحابة، لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة (من) في قوله: (المهاجرين والأنصار) ليست للتبعيض بل للتبيين، أي: والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصار كما في قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]. روي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله فيما كان بينهم –وأردت الفتن– فقال لي: إن الله قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم؛ قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ إلى آخر الآية؟ فأوجب الله لجميع الصحابة الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً. قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل، وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول، وهو أن لا يقولوا فيهم سوء، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه. قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط (١). ووجه الاستدلال: هو أن الله بين أنه رضي عن المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان وكان جزاء ذلك الرضى الجنة والفوز العظيم في الآخرة وهذا مستلزم لعدالتهم ﵃. ١٠ - قال تعالى: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١١٧]. وفي هذه الآية الكريمة مدح لأصحاب النبي ﷺ الذين غزوا معه غزوة تبوك واتبعوه بلا تردد في ساعة العسرة، وكان عددهم يزيد على الثلاثين ألفاً (٢). ولهذه الغزوة خصائص تميزها عن سائر الغزوات، منها ذلك الجهد المبذول والعسرة العظيمة التي مر بها أفراد الجيش الإسلامي والتي تكمن في ما يأتي: أولاً: بعد المسافة بين المدينة وتبوك وهي تقدر بـ (٧٧٨) كم حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر (٣). ثانياً: شدة الحر: قال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد. وقال قتادة: خرجوا في لهبان الحر (٤). ثالثاً: عسرة الظهر: فكان العشرة من جيش المسلمين يتعقبون بعيراً واحداً، يركب الرجل ساعة ثم ينزل، فيركب صاحبه (٥). رابعاً: عسرة الماء: فقد أصابهم العطش الشديد فكانوا ينحرون البعير على قلة الراحلة، ويعتصرون الفرث الذي في كرشه ويبلون به ألسنتهم (٦). خامساً: عسرة الزاد: فكان زادهم الشعير المسوس، والتمر المدود، وكان الواحد منهم يلوك التمر، حتى إذا وجد طعمها أعطاها صاحبه (٧).

стр. 3274

سادساً: أنهم أمروا بالنفير حين جني التمر وطيب الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم فشق عليهم المخرج (١). ووجه دلالة الآية على عدالة الصحابة ﵃ وبيان فضلهم فيما يأتي: أولاً: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة (لقد تاب) وبعد أن بين حالة الصحابة أردف مرة أخرى ذكر التوبة والمقصود من ذلك تعظيم شأنهم والمبالغة في تأكيد ذلك (٢). ثانياً: أن الآية فيها إخبار بصحة بواطنهم وطهارتهم، لأنه تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم، ورضي أفعالهم؛ وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم والناسبين بهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر (٣). ثالثاً: قد يراد من توبة الله على الإنسان رحمته تعالى ورضوانه مع القرينة الدالة على ذلك، وهذا المعنى هو المراد بتوبته تعالى على النبي ﷺ وصحابته ﵃ فهي طبيعة الحال، ونعني بها عصمة النبي ﷺ عن الذنوب، وطاعة من تابعه في ساعة العسرة (٤). ١١ - قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨]. والمؤمنون المقصودون هنا، الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة في الحديبية من المهاجرين والأنصار؛ فقد أرسل رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ مبعوثاً من عنده إلى قريش ليتفاوض معهم بشأن عمرة النبي ﷺ وصحبه، فاحتبس عثمان في مكة وطال حبسه حتى شاع بين المسلمين أن عثمان قتل (٥)؛ فقال ﵊: لا نبرح حتى نناجز القوم ثم دعا أصحابه إلى البيعة تحت شجرة سمرة فبايعوه جميعاً سوى الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره (٦)؛ وكان عددهم بين الألف وأربعمائة والألف وخمسمائة. قال جابر: (كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده الشجرة) (٧). وفي رواية (كنا ألفاً وخمسمائة) (٨) وكانت البيعة على مناجزة قريش الحرب وأن لا يفروا (٩) أو يموتوا دون ذلك. والآية قد دلت على عدالة الصحابة من وجوه. الأول: قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ومن المعلوم بداهة أن من ﵁ لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة في حصول الرضى إنما هو بالموت على الإسلام، ولا يمكن أن يقع الرضى منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام؛ وأما من علم موته على الكفر والردة فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه قد رضي عنه، فبرئوا بذلك عن وصمة الردة (١٠).

стр. 3275

ولأن قوله تعالى: رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ يتناول جميع الأحوال والأوقات ولا يمكن أن يقال أنه خاص بوقت دون آخر أو بحال دون غيره؛ وقد تبين أن الله تعالى وصفهم بكونهم سابقين في الهجرة والنصرة ثم لما وصفهم بهذا الوصف أتى لهم بما يوجب التعظيم وهو قوله: رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ معلل بكونهم سابقين في الهجرة والنصرة، والعلة ما دامت موجودة، وجب ترتيب المعلول عليها، وكونهم سابقين في الهجرة والنصرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلاً في جميع مدة وجودهم. ولأنه تعالى قال: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ، وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان، لأنا نقول: هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر، وأيضاً فعلى ذلك التقدير: لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح، وبين سائر الفرق فرق، لأنه تعالى قال: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ولفرعون وهامان وأبي جهل لو صاروا مؤمنين، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء، فسقط هذا السؤال وظهر أن هذه الآية دالة على فضل الصحابة الكرام (١). الثاني: أنه تعالى قد أخبر عن صدق بواطن الصحابة وسلامة ضمائرهم بقوله: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، أي من الصدق والوفاء والإخلاص والسمع والطاعة فبرئوا بذلك من وصمة النفاق. الثالث: أنه تعالى كافأهم على صدقهم جائزة هي إنزال السكينة عليهم ومن ثم أثابهم فتحاً قريباً جزاء من عنده عطاء حساباً. ١٢ - قال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٩]. وفي هذه الآية يأتي الثناء على أصحاب رسول الله ﷺ بعد الثناء على سيدنا محمد ﷺ وإثبات رسالته؛ وقد رسم لهم القرآن الكريم بأسلوبه المعجز صورة رائعة (مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة، حالاتها الظاهرة والمضمرة، فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ، ولقطة تصور هيأتهم في عبادتهم: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلهم ويجيش بها: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسماتهم: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وهذه صفتهم فيها، ولقطات متتابعة تصور كمالهم في الإنجيل: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (٢).

стр. 3276

هكذا يصف القرآن الصحابة ذلك الجيل المثالي الذي حقق مستوى سامياً في الارتقاء الروحي والخلقي، فصقلته العبادة وكساه الركوع والسجود نوراً وبهاء، وحددت العقيدة مفاهيمه وقيمه وولاءه وبراءه، يوالون بعضهم ويحادون من سواهم، فكان أحدهم شديداً عنيفاً على الكفار رحيماً براً بالأخيار، شديداً في وجه الأعداء، ضحوكاً بشوشاً في وجه أخيه المؤمن. ومن تصفح سير الصحابة وتراحمهم وجد على ذلك الوصف دليلاً صادقاً فلم يثبت عنهم مفارقة الأهل والأوطان فحسب، بل ثبت أن بعضهم قتل ابنه أو أباه من أجل دينه وعقيدته على ما كان عليه من الألفة والمودة والمحبة لإخوانه المسلمين؛ ذلك الجيل الذي خلدته كتب السماء فوصفته التوراة والإنجيل والقرآن بهذا الوصف الرائع، ممثلة امتداد قيمه وانتشار عقيدته وكثرة أنصاره وقوة وجوده واستمساك أمره بالزرع الذي أخرج شطأه وتفرعت أغصانه فقوى الزرع ذلك الشطأ وشده فصار غليظاً بعد ما كان دقيقاً واستوى على ساقه وشب وطال حتى أعجب الزراع وسرهم بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره وطول قامته، فسر أهله الذين غرسوه أغاظ الأعداء. ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه في هذه الآية هو أنه تعالى أخبر بصدق الصحابة وصحة أعمالهم وإخلاص قلوبهم ونقائها وطهارة بواطنهم وصفائها وهم إنما يعملون الطاعات ويؤدون العبادات رجاء نيل رضاه وفضله فقال: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وذلك لتميز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم، وركوع المرائي وسجوده فإنه لا يبتغي به ذلك. ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمه الله تعالى في رواية عنه تكفير من أبغض الصحابة واغتاظ منهم، فقد ذكر في مجلسه أن رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ فقرأ مالك: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ الآية حتى بلغ: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، فقال: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية (١). ومن الجدير بالذكر أن (من) في قوله تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ليست مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم (ولكنها عامة مجنسة، مثل قوله تعالى: الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]. لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس، أي فاجتنبوا الرجس من الأوثان، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب فادخل (من) يفيد بها الجنس وكذلك منهم، أي من هذا الجنس، يعني جنس الصحابة؛ ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم، أي اجعل نفقتك هذا الجنس) (٢). قال النحاس في (إعراب القرآن): (تكون – منهم – لبيان الجنس أولى لأنها إذا جعلت للتبعيض كان معنى آمنوا: ثبتوا، وذلك مجاز ولا يحمل الشيء على المجاز ومعناه صحيح على الحقيقة) (٣)؛ وقال العكبري: (منهم – لبيان الجنس تفضيلاً لهم بتخصيصهم بالذكر) (٤). ومن بيان معنى الآية الكريمة يظهر لنا وجه الاستدلال بها على عدالة الصحابة ﵃ وهو أن الله ﷻ مدح الصحابة بأنهم رحماء بينهم، أشداء على أعدائهم، وقد أخبر عن صدق بواطنهم وإخلاصهم، وهذا كله يستلزم عدالتهم ﵃.

стр. 3277

١٣ - قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ١٠]. في هذه الآية بيان لتفاوت درجات المنفقين والمجاهدين حسب تفاوت أحوالهم في الإنفاق والقتال والسبق بعد بيان أن لهم أجراً كبيراً على الإطلاق حثاً لهم على تحري الأفضل، فمن قاتل من الصحابة أو أنفق قبل فتح مكة أعلى درجة وأعظم شأناً من الذي قاتل وأنفق بعد الفتح ومع هذا فإن كلا من الفريقين قد وعدهم الله الحسنى والدرجات العليا في الجنة. وقد قال تعالى في القرآن في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] أي عن النار، فوجب أن يقال إن الله كتب لأصحاب محمد ﷺ الذين قاتلوا معه ونصروه والذين أيدوه وعزروه وأعانوه بالمال والأنفس الجنة إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩]. ووجه الاستدلال: هو أنه من كتب الله له الجنة وأبعده عن النار لابد أن يكون عدلاً مستقيماً. ١٤ - قال تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٨ - ٩]. إن أهم ما شهد الله به لأولئك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله ورضوانه، ونصر الله ورسوله، الصدق؛ فقال: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي مستمرون على الصدق وهذا دليل قاطع أن المهاجرين جميعاً كانوا صادقين، وماتوا صادقين بشهادة ربهم، وأنهم عدول في كل ما ينقلونه عن نبيهم ﵊ قرآناً وسنة؛ وأما الأنصار فقد مدحهم مدحاً عظيماً، ووصفهم بأنهم يحبون من هاجر إليهم، لأنهم ساكنوهم وأشركوهم في أموالهم، وأسبغوا عليهم من حبهم، ولم يجدوا في أنفسهم من الحسد على ما خصهم النبي ﷺ من فيء وكانوا يقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل ما يتعلق بالدنيا من الحظوظ، مع فقرهم وحاجتهم، ولكونهم كذلك كانوا من الفائزين الناجحين، واستحقوا رضوان الله (١). ثم يبين الله ﵎ واجب من يأتي بعد الصحابة تجاههم فيقول: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠]. فواجب من جاء من بعدهم هو الدعاء لهم وتصفية القلوب من بغض أحد منهم؛ وقد قالت عائشة ﵂: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم ثم قرأت هذه الآية (٢).

стр. 3278

وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرين فمنهم أنت؟ قال: لا؛ ثم قرأ عليه: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم. قال: لا. ثم قرأ عليه: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو. قال: لا ليس من هؤلاء، من يسب هؤلاء. وفي رواية: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم (١). وقال سعد بن أبي وقاص ﵁ الناس على ثلاث مراتب قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه التي بقيت، ثم قرأ: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: ٨]؛ ثم قال: هؤلاء المهاجرين وهذه منزلة وقد مضت؛ ثم قرأ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت؛ ثم قرأ: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة (٢) (٣). ووجه الاستدلال من الآية الكريمة: هو أن الله وصف المهاجرين بالصدق والأنصار بالفلاح، وأمر من يأتي بعدهم باتباعهم بإحسان، والدعاء لهم، وهذا دليل على عدالتهم ﵃. أعتقد أن في ذكر هذا القدر من الآيات كفاية للتدليل على تعديل الله تعالى لأصحاب نبيه ﷺ . عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٥٨

стр. 3279

ثانيا: أدلة أهل السنة على عدالة الصحابة من السنة النبوية اشتملت السنة النبوية على أحاديث كثيرة تنوه بفضل الصحابة رضوان الله عليهم، وتنص على توقيرهم واحترامهم، وتشييد بمكانتهم ومنزلتهم. هذه الأحاديث بمجموعها يمكن أن تكون دليلاً عظيماً على عدالة أصحاب رسول الله ﷺ ، ونزاهتهم. وما قلناه في المبحث السابق حول آيات القرآن الكريم، يمكن أن يقال هنا أيضاً، فمن أثنى عليه رسول الله ﷺ ، وامتدحه وأوجب على الأمة محبته واحترامه وتوقيره، فإنه لا ريب أن يكون ذلك المديح والثناء تعديلاً له. وإذا كانت أحاديث رسول الله ﷺ في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ على قسمين: القسم الأول: ما تناول ذكر آحاد الصحابة بالتخصيص. والقسم الثاني: ما ذكر مجموعهم بالفضل والثناء دون تخصيص واحد منهم. فإني في هذا المبحث سأسوق الأحاديث التي دلت على فضل مجموع الصحابة، والثناء عليهم وتعديلهم: ١ - عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه: قرنين أو ثلاثة؟ ... )) (١). أثبت حديث عمران هذا الخيرية للصحابة ﵃ حيث إنهم يمثلون قرن النبي ﷺ وأنهم أفضل من بقية القرون التي ستأتي بعدهم وقد فصلت القول في الخيرية في المبحث الثالث من هذا الفصل في أدلة أهل السنة من القرآن عند قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]. ومن ثبتت له الخيرية ثبتت عدالته. ٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((لا تسبوا أصحابي فلو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ أحدهم ولا نصيفه)) (٢). في هذا الحديث نهي صريح عن سب أصحاب الرسول ﷺ وفي هذا الفضل والثناء لهم والتكريم والتبجيل تنويه لمكانتهم وتشريف لمنزلتهم ثم إن السب تجريح ومن نهي عن تجريحه قلنا بتعديله. ٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((يأتي على الناس زمان، يغزو فيه فئام من الناس، فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزوا فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم)) (٣). وفي رواية: ((هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ ) (٤) وفي الثانية: من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ في هذا الحديث: (إثبات الفضيلة للصحابة ﵃، حيث إن البلاد تفتح أمام الجماعة الغازية التي فيها بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، كرامة لهم، وبياناً لفضلهم، وذلك لما لهم من حسن قصد، وسلامة نية، وصدق في نشر الدعوة الإسلامية) (٥)، مما يدل على عدالتهم ﵃ وإنما نالوا ذلك الفضل لصحبتهم رسول الله ورؤيته ثم نال من بعدهم الفضل أيضاً لرؤيتهم أصحاب الرسول ﷺ .

стр. 3280

٤ - عن أبي بردة عن أبيه ﵁ قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء. قال: فجلسنا فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما زلتم هاهنا؟ قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: أحسنتم أو أصبتم. قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: ((النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)) (١). قال الإمام النووي: (ومعنى الحديث أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وهنت السماء، فانفطرت وانشقت، وذهبت. وقوله ﷺ وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، أي من الفتن والحروب وارتداد من الأعراب واختلاف القلوب نحو ذلك مما أنذر به صريحاً وقوله ﷺ وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون. معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم وانتهاك مكة والمدينة وغير ذلك) (٢). فإذا كان وجود الصحابة أماناً لهذه الأمة كما أن رسول الله ﷺ أمان لهم، كان هذا دليلاً على عدالتهم ﵃. ٥ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبة الوداع ((ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ... )) (٣). وجه الاستدلال: من هذا الحديث على عدالة الصحابة ﵃ (إن النبي ﷺ قال ذلك في حجة الوداع وقد اجتمع فيها أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أو جلهم: وفي قوله ﵊ هذا لهم أعظم دليل – كما يقول ابن حبان في صحيحه (٤) – على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله ﷺ وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما جمعهم في الذكر بالأمر بتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفاً) (٥). ٦ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)) (٦). في الحديث بيان فضل أهل بيعة الرضوان وأنه لا يدخل النار منهم أحد قطعاً (٧). ومن لا يدخل النار يقع عليه حتماً وصف العدالة وقد فصلت القول في ذلك عند قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح: ١٨] الآية في المبحث السابق.

стр. 3281

٧ - ما قاله النبي ﷺ بشأن حاطب بن أبي بلتعة وإرساله كتاباً إلى المشركين في مكة وقول عمر ﵁: ((يا رسول الله: قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه. فقال ﵊: أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة – أو قد غفرت لكم – فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم)) (١). حديث حاطب هذا يدل على فضل أصحاب بدر وأن الله غفر لهم ذنوبهم. قال صاحب بذل المجهود: (كأنه تعالى علم منهم أنه لا يجيء منهم ما ينافي المغفرة، فقال لهم: اعملوا ما شئتم، إظهاراً لكمال الرضا عنهم وأنه لا يتوقع منهم من الأعمال بحسب الأعم الأغلب إلا الخير، فهذا كناية عن كمال الرضا وصلاح الحال وتوفيقهم غالباً للخير) (٢)، وهذا كله مستلزم لعدالتهم ﵃. ٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار)) فقال أبو هريرة: ما ظلم – بأبي وأمي – آووه ونصروه أو كلمة أخرى (٣). في الحديث بيان فضل الأنصار بل وعدالتهم إذ كيف يسلك الرسول ﷺ مسلك الأنصار لو لم يكونوا عدولاً ولذلك عد الرسول ﷺ في حديث آخر حبهم إيماناً وبغضهم نفاقاً فقال: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله)) (٤). وإن في حديث أبي هريرة بيان فضل الهجرة والمهاجرين إذ جعلها الرسول ﷺ مانعاً عن دخوله في شعب الأنصار وما ذلك إلا لما فيها من الفضل وما لها من المكانة. هذه الأحاديث تدل على عدالة الصحابة دون شك أو ريب إذ فيها الثناء الجميل على أصحاب محمد ﷺ والفضل الكبير لهم الدال على عدالتهم، ونزاهتهم ولذلك قال ابن عبد البر: (ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله ، وثناء رسوله ﷺ ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه) (٥). عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٨١

стр. 3282

ثالثا: الأدلة العقلية على عدالة الصحابة بعد أن ذكرت أدلة عدالة الصحابة من الكتاب والسنة، أذكر هنا الدليل العقلي على عدالة الصحابة، وهذا ما سأوضحه فيما يأتي: أولاً: يتفق المسلمون على حقيقة قاطعة، هي أن الله ﵎، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وكان هذا الدين خاتم الأديان، وكان رسوله خاتم الأنبياء. وأنه ﵊ أدى الأمانة على أحسن وجه وأتمه، وبلغ الرسالة فما قصر، ونصح الأمة دون أن يبخل بنصح أو إرشاد، فبين لها الشريعة وأوضح لها الحجة، فنال بذلك رضي الله ﵎. ومما لا شك فيه، ولا ريب أن مهمة الرسول ﷺ إبلاغ الرسالة، ونشر الدين وتعاليمه، وتعبيد الناس لربهم، وتحكيم القرآن الكريم، وإرشادهم إلى العمل بالإسلام كله دون تجزئته، أو تغليب جانب على آخر، بل لابد من الإحاطة به من جميع جوانبه. وأن من مهام الرسول ﷺ التي بعث من أجلها هي ما حكاه الله في القرآن الكريم في قوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الجمعة: ٢]، وقال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]. فقوله تعالى: وَيُزَكِّيهِمْ حدد جزءاً من مهام النبي العظيم وهو التزكية وأحد مدلولات هذه اللفظة هو التربية والتطهير، أعني تربية من بعث فيهم على الفضيلة ومحاسن الأخلاق وتوجيههم إلى سلوك أحسن السبل وأقومها، وإرشادهم إلى الصالحات وتطهيرهم من الذنوب والرذائل وتنقيتهم من الأرجاس والأدناس ومما يشين عند الناس. وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ جعل من الرسول ﷺ معلماً لقومه كتاب الله تعالى وسنته ﵊ وإرساء دعائمهما، وتوضيح سبيلهما، وبيان منهجهما، وشرح عقيدتهما. ومن البديهي أنه لا فائدة أن يسمع الرجل الآية من القرآن الكريم فيهتز طرباً لبلاغتها، وتعجبه فصاحتها، فيأخذ سحر كلماتها، وينتهي الأمر عند هذا الحد، بل المراد هو أن يجني السماع ثمرة القرآن فيعمل بأحكامه ويقيم حدوده، ويأخذ تعاليمه. فإذا وجد مثل هؤلاء القوم المدعوين فهذا يعني أن الداعي قد نجح في مهمته، وفاز في سعيه، وهذا ما يقول به القائلون بعدالة الصحابة ﵃ فأنهم بقولهم بالعدالة يصرحون بنجاح دعوة الرسول ﷺ ، وأن تربيته أثمرت فقد ظهرت معجزة التأثير والهداية في حياته ﵊ من خلال بروز نماذج إنسانية عملية تتحلى بالأخلاق وتتزين بالفضائل، وتبتعد ما أمكنها عن الرذائل وتتخلى عن المفاسد وتتصف بالمحاسن، على استقامة في دينهم، وإخلاص في عقيدتهم، يبلغون رسالات ربهم ولا يخافون لومة لائم، باذلين ما بوسعهم من أجل الإسلام. أما الطاعنون بعدالة الصحابة القائلون بارتدادهم بعد وفاته إلا قليلاً، أو أنهم في حياته كانوا يظهرون ما لا يضمرون، فهذا يعني بلا شك فشل تلك الجهود العظيمة التي بذلها الرسول ﷺ في وظائفه التربوية والتعليمية والتبليغية والدعوية.

стр. 3283

وهذا ما يدعونا إلى التساؤل: (هل يعقل في حكم المنطق النظري القديم والحديث، والعقل الفطري المحسوس المركوز في بني الإنسان، ألا يستطيع الرسول ﷺ – وهو بهذا المقام الكريم، من العبودية الخالصة لخالقه الحكيم، وخلقه العظيم المتمثل لأوامر الله تعالى، ونواهيه في عالم الإمكان، أن يربي أقرب أصحابه الذين آمنوا به ونصروه، وأعزوا دينه، على الإخلاص لدين الله، ويركز فيهم خوف الله وحبه، لكي يبلغوا دينه إلى الأجيال الآتية من بعدهم، بأمانة وعدالة وصدق وإخلاص؟) (١). فالعقل والمنطق، والبصيرة كل ذلك يقضي أن يتحقق هذا النجاح في التربية والدعوة في حياة الرسول ﷺ وعلى أثر وفاته، (حيث إن الدين الذي لا يستطيع أن يقدم أمام العالم عدداً وجيهاً من نماذج عملية ناجحة بناءة، ومجتمعاً مثالياً في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، لا يعتبر ناجحاً، كما أن الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها (وهو عهد النبوة) لا تعتبر شجرة مثمرة سليمة، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدين وممثليها الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوة زمن طويل، أن يوجهوا إلى الجيل المعاصر والعامل الحاضر، دعوة إلى الإيمان والعمل والدخول في السلم كافة والتغيير الكامل في الحياة، وهم عاجزون عن تقديم نتائج حية باهرة للألباب، مسلمة عند المؤرخين، للمجهودات التي بذلت في العهد الأول وفي فجر تاريخه، في سبيل إبراز أمة جديدة، وإنشاء جيل مثالي، يمثل التعاليم النبوية أصدق تمثيل ويبرهن على تأثيرها ونجاحها) (٢). ثانياً: من المسلمات عندنا أن اليهود حرفوا توراتهم من بعد موسى ﵇ فكانت بعثة الرسل بعد موسى تصحيحاً لمسيرة اليهود الدينية والدنيوية، ولما بعث عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل وأنزل عليه الإنجيل سرعان ما حرفه الأحبار والرهبان وغيروه وبدلوه أيضاً فحتم هذا بعثة نبي جديد لأن المنهج الرباني حرف وبدل ولابد للبشرية من منهج رباني تسير على ضوئه وتعمل بشريعته وتهتدي بهديه فكانت بعثة النبي محمد ﷺ وكان القرآن الكريم هو الكتاب المنزل عليه وقد اقتضت حكمة الله أن يكون النبي هو الخاتم وكتابه هو آخر الكتب وهذا يعني أن المنهج الرباني والدستور الإلهي سيبقى من بعثة النبي محمد ﷺ إلى نهاية البشرية متمثلاً بما جاء به النبي محمد ﷺ إذ لا نبي بعده. فاقتضى هذا أن يبقى الكتاب من غير تحريف ولا تشويه ولا تبديل كي يتسنى لآخر هذه الأمة الإطلاع عليه والإيمان به والعمل بأحكامه كما أطلع عليه أول هذه الأمة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا من الذي سيحفظ القرآن من الضياع والتحريف. ومن الذي سيقوم بنقله؟ الجواب على التساؤل الأول: إن الله هو الذي حفظ القرآن فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. وهذا أمر مقطوع به. أما التساؤل الثاني فجوابه أن الأمة التي أحاطت بالرسول ﷺ هي التي قامت بهذه المهمة العظيمة وهي نقل الكتاب إلى من بعدهم بكل أمانة ونزاهة كما أنزله الله تعالى وهذا ما يقتضيه العقل والمنطق إذ ليس من الحكمة أن يرسل الله تعالى آخر الأنبياء، وينزل معه آخر الكتب، ويتعهد له بأنه سيتولى بنفسه حفظ كتابه، بقطعية حاسمة، وتأكيدات متتابعة ثم لا يهيء أمة مؤمنة صادقة عادلة حريصة ذات مروءة شاملة، كي تحافظ على كتابه الكريم، ودستوره الخالد العظيم.

стр. 3284

إذ لا يعقل أن يكون حفظ الله للكتاب الكريم بأن ينزل ملائكة من السماء واجبها حراسة الكتاب العزيز من التحريف، أو أن يودع سبحانه في القرآن قوة بين أسطره تنبعث من كلماته تفتك بمن يريد تغييره وتحريفه. إن مثل هذا الكلام يعد في منطق العقل تخريفاً مقبول فلم يبلق لدينا إلا القول بأن الله هيأ أمة كريمة أحاطت بنبيه هم الصحابة الأنجاب كانوا سبب حفظ الكتاب وهذا ما يستلزم القول بعدالتهم ﵃ أجمعين. ثالثاً: إن القول بعدم عدالة الصحابة يدعو عقلاً إلى الشك بكون الإسلام ديناً واقعياً صالحاً لكل زمان ومكان. فإذا كان الدين قد فشل في أن يطبق في عصره الأول، ولم يزل غضاً طرياً، فما أن سمع الصحابة نبأ وفاته ﷺ -على زعم القائلين بردة الصحابة- حتى خلعوا ثوب الإسلام، وتهافتوا على الدنيا، وتغالبوا على السلطة وتسابقوا إلى الرئاسة، وتقاتلوا عليها وخالفوا الكتاب، فتحول زهدهم إلى طمع، وسخاؤهم إلى جشع، وعزوفهم عن الدنيا إلى صراع على ملذاتها، وتفانيهم من أجل الدين إلى تفان من أجل السلطة. فكيف يمكن تطبيقه فيما بعد ذلك. أليس هذا يستدعي عقلاً تصديق الفرية القائلة أن الإسلام دين مثالي لا يتلاءم مع الواقع فهو خيالي في أفكاره ومبادئه؟ بل ألا يؤدي ذلك إلى التنفير عن النبي ﷺ ذاته لأنه إذا كان ذلك حال من يختص به الاختصاص الشديد ويلازمه الملازمة الطويلة، كان ذلك حتماً منفراً عن الرسول ﷺ (١). رابعاً: العقل يصدق بالتواتر ويحكم بوجوده فلا يجوز للعقلاء تكذيب ما تواتر نقله، أو تواتر إثباته وإلا لما كانوا عقلاء. فلا يمكن تكذيب التواتر التاريخي القاطع والحاصل بأن أمة الإسلام الأولى من الصحابة الكرام كانوا خير العباد لله تعالى، وخير الأصحاب لمحمد ﷺ ، وخير المبلغين الصادقين الحريصين على حفظ كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، ومن كانت هذه صفته فلابد أن يحكم العقل بعدالته. قال الخطيب البغدادي: (على أنه لو لم يرد من الله ورسوله ﷺ فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين) (٢). (فإن من تتبع تاريخ الصحابة، وسوابقهم في الإسلام بعد اعتناقهم له، وعرف سيرهم من حين إسلامهم إلى وقت وفاتهم، وأنهم لا يرتكبون من الإثم والفواحش والكبائر، ولا يصرون على اللمم والصغائر، ولا يفعلون ما يخرم مروءتهم، أو يسيء إلى سمعتهم، وأن من وقع في ذلك منهم، سارع إلى التوبة، وبادر إلى الأوبة، لا يسعه إلا الجزم بعدالتهم، ذلك أن المقدمات ترشد دائماً إلى النتائج، فإذا كانت المقدمات واقعية محققة، وصحيحة مسلمة، لا تحوم حولها الشكوك، ولا تنزل بساحتها الريب، فإنها لابد أن تسوقك إلى النتائج المسلمة عقلاً، والصحيحة منطقاً وفكراً، الواقعية تعتريه الظنون والشبه، وإنما تؤخذ مسلمة عند كل عاقل، بمقتضى ما تقوله قواعد المنطق، وما تقره قوانين الفكر والنظر) (٣). بعد كل هذا لا يسع المنصف العاقل إلا أن يقول: إن القرآن الكريم والسنة النبوية المروية، قولاً وعملاً، ومنطق الأمور، وحقائق الأشياء، والتاريخ المتواتر وقرائن الأحوال كل ذلك يتضافر على إثبات عدالة الصحب الكرام وإنكار ذلك الإسفاف القائل بعدمها. عدالة الصحابة ﵃ عند المسلمين لمحمد محمود لطيف الفهداوي – ص: ٨٨

стр. 3285

تمهيد فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قول لا يليق بهم. فقلوبهم سالمة من ذلك، مملوءة بالحب والتقدير والتعظيم لأصحاب رسول الله ﷺ على ما يليق بهم. فهم يحبون أصحاب النبي ﷺ ، ويفضلونهم على جميع الخلق، لأن محبتهم من محبة رسول الله ﷺ ، ومحبة رسول الله ﷺ ، من محبة الله، وألسنتهم أيضاً سالمة من السب والشتم واللعن والتفسيق والتكفير وما أشبه ذلك مما يأتي به أهل البدع، فإذا سلمت من هذا، ملئت من الثناء عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار وغير ذلك. شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين – ص ٢/ ٢٤٧

стр. 3286

أولا: الأدلة على تحريم سبهم من القرآن إن سب أصحاب رسول الله ﷺ محرم بنص الكتاب العزيز وهو ما تعتقده وتدين به الفرقة الناجية من هذه الأمة، وقد جاءت الإشارة إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله – جل وعلا – من ذلك: (١) قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] الآية. ووجه دلالة الآية على تحريم سبهم أن الله تعالى رضي عنهم رضى مطلقاً، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبداً، وقد بين تعالى في آخر هذه الآية أن هؤلاء الذين ﵃ هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك حيث قال: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] ولذا لما كان هؤلاء الأخيار بهذه المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة أمر الله من جاء بعدهم أن يستغفروا لهم ويدعوا الله ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، ومن هنا علم أن الاستغفار وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه، ويثني على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسوله ﷺ في قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩]. وقال تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩]، ومحبة الشيء كراهية لضده، فيكون الله يكره السب لهم، الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة، وهذا معنى قول عائشة ﵂: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم) (١) (٢). (٢) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [الأحزاب: ٥٧]. هذه الآية تضمنت التهديد والوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله والعذاب المهين لمن آذاه – جل وعلا – بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك (٣) وإيذاء رسوله (يشمل كل أذيّة قولية أو فعلية من سب وشتم أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى) (٤). ومما يؤذيه ﷺ سب أصحابه وقد أخبر ﷺ أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله (٥) وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم فالآية فيها إشارة قوية ظاهرة إلى أنه يحرم سبهم ﵃. (٣) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٥٨]. وهذه الآية فيها التحذير من إيذاء المؤمنين والمؤمنات بما ينسب إليهم مما هم منه براء لم يعملوه، ولم يفعلوه، والبهتان الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم (٦).

стр. 3287

ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنهم في صدارة المؤمنين فإنهم المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ [البقرة: ١٠٤]، ومثل قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف: ١٠٧] في جميع القرآن فالآية دلت على تحريم سب الصحابة لأن لفظ المؤمنين أول ما ينطلق عليهم لأن الصدارة في المؤمنين لهم ﵃ وسبهم والنيل منهم من أعظم الأذى، وأن من نال منهم بذلك فقد آذى خيار المؤمنين بما لم يكتسبوا وأن من اتخذ شتمهم والنيل منهم ديناً له فإن الوعيد المذكور في الآية يصيبه. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله – – قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبداً فهم في الحقيقة منكسوا القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين) (١) اهـ. وكما هو معلوم (أن سب آحاد المؤمنين موجب للتعزير بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم) (٢). (٤) قوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩] الآية. ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم. قال أبو عبد الله القرطبي: (روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ حتى بلغ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية) – ثم قال -: (لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين، ثم ذكر طائفة من الآيات القرآنية التي تضمنت الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والفلاح، ثم قال عقبها: "وهذا كله مع علمه ﵎ بحالهم ومآل أمرهم) (٣) اهـ. فهذه الآية اشتملت على تحريم سب الصحابة، لأن سبهم إنما يصدر ممن امتلأ قلبه غيظاً عليهم، لا محل فيه للإيمان (٤) نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 3288

(٥) قوله تعالى: وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: ١٢]. وهذه الآية الكريمة تضمنت النهي لجميع العباد عن أن يقول بعضهم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه، ذلك أن يقال له في وجهه والغيبة قد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، قال: ((قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال ﷺ : ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)) (١). وبتفسير الشارع للغيبة في هذا الحديث يتبين وجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة وذلك أن سبهم وازدراءهم والتنقص من مكانتهم الرفيعة التي أنزلهم الله فيها إنما هو من البهت لهم بما ليس فيهم، فكل من عابهم وطعن فيهم أو في أحد منهم كل ذلك من البهتان المبين ومن الوقوع في أعراضهم الذي يعد من أربى الربا عند الله – جل وعلا -، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ((أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٥٨])) (٢). فإذا كان الكلام في عرض أي مسلم كان من أربى الربا عند الله فما الشأن بالاستطالة والسب على أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم في مقدمة عباد الله المتقين وعباده الصالحين، ولا يشك مسلم في أن النيل منهم بقول الشيء من سب وغيره أنه انتهاك لحرمة أمر الله باحترام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. (٦) قوله تعالى: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ [الهمزة: ١]. ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة يتضح بما قاله السلف في تفسير هذه الآية، فقد قال عبد الله بن عباس ﵁ بعد أن سئل عن قوله: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ، قال: (طعان، لمزة، قال: مغتاب) (٣). وقال مجاهد: (الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس) (٤). وقال قتادة: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه ... ) (٥)، فهذه التفاسير لهذه الآية عن هؤلاء الأئمة ن السلف تدل على تحريم اغتياب عموم المؤمنين وهي تنطبق على من أطلقوا ألسنتهم بالوقوع في الصحابة من الرافضة وغيرهم فهم الهمازون لهم بالقول بحيث يزدرونهم وينتقصونهم بالسب والشتم وينسبون إليهم ما لم يقولوه وما لم يفعلوه، ولا شك أن العذاب الذي توعد الله به في هذه الآية سيصيب كل من اتخذ الطعن فيهم ديدنه إن لم يتب ويقلع عن ذلك ويجعل لسانه رطباً بذكرهم بالجميل والترضي عنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما جاء الأمر به لكل من جاء بعدهم من أهل الإيمان، والحاصل مما تقدم ذكره أن تحريم سب الصحابة جاءت الإشارة إليه في القرآن الكريم وأن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى حرم سبهم وازدراءهم وعيبهم بما جرى بينهم وأن يحذر طريقة الروافض الذين لم يراعوا لهم حرمة ولم يقدروهم حق قدرهم وأن من سلك طريقهم ألقى نفسه في المهالك التي لا نجاة منها إلا بالرجوع إلى طريقة أهل الحق من أهل السنة والجماعة والتوبة مما أسلفه من جناية في حق الصحابة الكرام ﵃ أجمعين. عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٨٣١

стр. 3289

ثانيا: الأدلة من السنة على تحريم سب الصحابة لقد دلت السنة النبوية المطهرة على تحريم سب الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص وحذر النبي ﷺ من الوقوع في ذلك لأن الله – تعالى – اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، وبلغوا الذروة في محبة النبي ﷺ ، فكانوا له وزراء وأنصاراً يذبون عنه وسعوا جاهدين منافحين لتمكين الدين في أرض الله حتى بلغ الأقطار المختلفة ووصل إلى الأجيال المتتابعة كاملاً غير منقوص، ولمقامهم الشريف ولما لهم من القيام التام بأنواع العبادات، وصنوف الطاعات والقربات جاءت النصوص النبوية القطعية بتحريم سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحط من قدرهم ومن تلك النصوص: (١) ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) (١). وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً بلفظ: ((كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ : لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) (٢). (٢) وعند الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ قال: ((كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن بن عوف تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغ النبي ﷺ ذلك، فقال: دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهباً أو مثل الجبال ذهباً لما بلغتم أعمالهم)) (٣). هذان الحديثان اشتملا على النهي والتحذير من سب الصحابة ﵃، وفيهما التصريح بتحريم سبهم، وقد عد بعض أهل العلم سبهم (من المعاصي الكبائر) (٤). قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون) (٥). والنهي في هذين الحديثين المتقدمين كان موجهاً من النبي ﷺ لمن كانت له صحبة متأخرة، أن يسب من كانت له صحبة متقدمة (لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃ (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن قيل: فلم نهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذ كان من أصحابه أيضاً؟ وقال: ((لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (٧).

стр. 3290

قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى، فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد. وقوله: ((لا تسبوا أصحابي)) خطاب لكل أحد أن لا يسب من انفرد عنه بصحبته ﵊، وهذا كقوله ﵊ في حديث آخر: ((أيها الناس إني أتيتكم، فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟)) (١) .. أو كما قال بأبي هو وأمي ﷺ ، قال ذلك لما عاير بعض الصحابة أبا بكر، وذلك الرجل من فضلاء أصحابه ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبته وانفرد بها عنه) (٢) اهـ. فالنهي عن سبهم عام لكل من وجد على ظهر الأرض أيا كان عن أن يسب أي واحد من الصحابة. قال المناوي بعد قوله ﷺ في الحديث: ((دعوا لي أصحابي)): (الإضافة للتشريف تؤذن باحترامهم وزجر سابهم ... ((أنفقتم مثل أحد ذهباً ما بلغتم أعمالهم)) أي: ما بلغتم من إنفاقكم بعض أعمالهم لما قارنها من مزيد إخلاص وصدق نية وكمال يقين، وقوله: ((أصحابي)) مفرد مضاف فيعم كل صاحب له لكنه عموم مراد به الخصوص ... يدل على أن الخطاب لخالد وأمثاله ممن تأخر إسلامه وأن المراد هنا متقدموا الإسلام منهم الذي كانت له الآثار الجميلة والمناقب الجليلة في نصرة الدين من الإنفاق في سبيل الله واحتمال الأذى في سبيل الله ومجاهدة أعدائه، ويصح أن يكون من بعد الصحابة مخاطباً بذلك حكماً إما بالقياس أو بالتبعية) (٣). (٤) روى الحافظ الطبراني بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي)) (٤). (٥) وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) (٥). (٦) وروى أيضاً: بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لعن الله من سب أصحابي)) (٦).

стр. 3291

هذه الأحاديث الثلاثة مشتملة على لعن من سب الصحابة ودلت على أن سبهم من الكبائر، وقد جمع الإمام الذهبي الذنوب التي هي كبائر وعد سب الصحابة منها (١)، فعلى المسلم أن يحذر من بهم أو يتعرض لهم بما يشينهم ﵃ (وسبهم معناه: شتمهم ومعنى قوله ﷺ ((فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) الطرد والإبعاد عن مواطن الأبرار، ومنازل الأخيار، والسب والدعاء من الخلق وتحريم سبهم يشمل من لابس الفتن ومن لم يلابسها، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون فسبهم كبيرة ونسبتهم إلى الضلال أو الكفر كفر) (٢). (٧) روى الإمام أحمد وغيره من حديث سعيد بن زيد عن النبي ﷺ ، قال: ((إن من أربى الربا الاستطالة على عرض المسلم بغير حق)) (٣). فكل من أطلق لسانه بالسب لهم فهو مستطيل عليهم بغير حق وهو أفاك أثيم إذ لفظ المسلم في الحديث أول ما ينطلق عليهم إذ هم مقدمة المسلمين الذين انقادوا لله تعالى بالطاعة وأخلصوا العبادة له وحده لا شريك له (وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتاباً) (٤). (٨) روى الشيخان من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (٥). فإذا كان هذا الوعيد يلحق من سب أي مسلم كان فما الشأن بمن يسب خيار المسلمين والأبرار من عباده المتقين وهم الصحابة الكرام ﵃. قال النووي رحمه الله تعالى: (السب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه والفسق في اللغة الخروج والمراد به في الشرع الخروج عن الطاعة، وأما معنى الحديث فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر به النبي ﷺ (٦)، وعلى هذا فالرافضة والخوارج ومن سلك طريقهم من أهل البدع الذين يشتمون الصحابة ويتكلمون فيهم بما يعيبهم بغير حق فهم أكثر من يدخل في وصف الفسق كما أخبر بذلك النبي ﷺ . قال المناوي مبيناً معنى قوله ﷺ : ((سباب المسلم فسوق)) (أي: مسقط للعدالة والمرتبة، وفيه تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بالفسق وأن الإيمان ينقص ويزيد لأن الساب إذا فسق نقص إيمانه وخرج عن الطاعة فضره ذنبه لا كما زعم المرجئة، أنه لا يضر مع التوحيد ذنب) (٧). فكل من سب الصحابة ﵃ أو واحداً منهم أسقط نفسه من العدالة وفسق بذلك وأدى إلى نقصان إيمانه بخروجه عن الطاعة. (٩) روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: ((ساب الموتى كالمشرف على الهلكة)) (٨). (أراد: الموتى المؤمنين وإيذاء المؤمن الميت أغلظ من الحي لأن الحي ممكن استحلاله، والميت لا يمكن استحلاله، فلذا توعد عليه بالوقوع في الهلاك) (٩).

стр. 3292

(١٠) وروى أبو القاسم الطبراني أيضاً: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: ((ساب المؤمن كالمشرف على الهلكة)) (١). ومعنى الحديث: (أي: يكاد أن يقع في الهلاك الأخروي، وأراد في ذلك المؤمن المعصوم والقصد به التحذير من السب) (٢). وهذا الحديث والذي قبله تضمنا العقوبة الشديدة التي تلحق ساب أي ميت من المسلمين وأي مؤمن كان فما الشأن بمن سب أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خيار موتى المؤمنين وأفضل المؤمنين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكل من سبهم يعد من أهلك الهالكين وأخسر الخاسرين بنص هذين الحديثين، فلا يجوز سب أحد من أصحاب رسول الله ﷺ بأي وجه، وقد كان ﷺ ينهى عن أي كلام يصدر من بعض الصحابة لآخرين منهم يتضمن الأذى وكان يحذر من ذلك أشد التحذير. (١١) فقد روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: ((شكا عبد الرحمن بن عوف خالداً إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا خالد لا تؤذ رجلاً من أهل بدر فلو أنفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله، قال: يقعون في فأرد عليهم، فقال: لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار)) (٣). فإذا كان النبي ﷺ لم يقبل أي كلام يتضمن الأذى من بعض الصحابة لآخرين منهم، فما الشأن بحال من ليس من الصحابة ويطلق لسانه عليهم بالسب القبيح الذي يستحي المؤمن من حكايته عنهم، لا شك أن من كان هذا شأنه فإنه أنزل نفسه أقبح المنازل وتجرأ على خيار المؤمنين، وعصى سيد المرسلين في أمره بوجوب الإمساك عن الكلام في شأنهم إذا ذكروا. (١٢) فقد روى الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا)) (٤). فمعنى قوله ﷺ : ((إذا ذكر أصحابي)) بما شجر بينهم من الحروب والمنازعات (فأمسكوا) وجوباً عن الطعن فيهم والخوض في ذكرهم بما لا يليق فإنهم خير الأمة وخير القرون، ولما جرى بينهم محامل (٥)، فالذي يشغل نفسه بما حصل بينهم من الوقائع ويتخذ ذلك ذريعة لسبهم والطعن فيهم فقد عصى أبا القاسم ﷺ في أمره بالإمساك عن الكلام فيهم إذا ذكر ما شجر بينهم وعصاه أيضاً في أمره بالإحسان إليهم وأمره بحفظه فيهم.

стр. 3293

(١٣) فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى جابر بن سمرة، قال: ((خطب عمر الناس بالجابية، فقال: إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (١). فقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بالإحسان إلى جميع الصحابة والإحسان يكون بالقول كما يكون بالفعل، فيجب على جميع الناس بعدهم أن يحسنوا إليهم بكف ألسنتهم (عن غمطهم أو الوقيعة فيهم بلوم أو تعنيف لبذلهم نفوسهم وإطراحها بين يدي الله تعالى في الحروب وقتالهم القريب والبعيد في ذات الله، وبذلهم أموالهم وخروجهم من ديارهم وصبرهم على البلاء والجهد الذي لا يطيقه غيرهم، وليس ذلك إلا عن أمر عظيم ملك البواطن وصرفها على حكم محبة الله ومحبة رسوله ﷺ فاستوجبوا بذلك الرعاية وكمال العناية) (٢). فالذي يسبهم ويطعن فيهم لم يحسن إليهم ولم يمتثل أمر الرسول ﷺ بذلك، وإنما أتى بعكس ما أمر به الرسول ﷺ وهو أنه فعل ضد ما أمر به وهو الإساءة إليهم بالقول السيئ نعوذ بالله من ذلك. والأحاديث التي اشتملت على تحريم سب الصحابة والنهي عنه كثيرة فالواجب على كل مسلم أن يحذر من الوقوع في ذلك ويعتقد حرمة ذلك وأنه من أعظم الذنوب التي لا يقع فيها إلا رافضي غال جعل للشيطان على نفسه سبيلاً يتبعه في كل شيء يأمره به مما فيه معصية لله – . والحاصل مما تقدم أن السنة دلت على أن سب الصحابة من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، وأن من ابتلي بذلك فهو من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاحترامهم ومعرفة حقهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم، وحفظوا رسول الله ﷺ فيهم حيث اعتقدوا ما دل عليه الكتاب والسنة من حرمة سبهم فهم العاملون بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ فيما يجب لهم من الحق على الخلق بعدهم حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم ... عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ – لناصر بن علي عائض –٢/ ٨٣٧

стр. 3294

ثالثا: الأدلة من كلام السلف على تحريم سب الصحابة إن النصوص الواردة عن سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان التي تقضي بتحريم سب الصحابة والدفاع عنهم كثيرة جداً ومتنوعة في ذم وعقوبة من أطلق لسانه على أولئك البررة الأخيار وأقوال السلف التي كانوا يواجهون بها الذين ابتلوا بالنيل من أصحاب رسول الله ﷺ ، كانت في غاية الإنكار على من وقع في ذلك وبيان الخسارة الكبيرة التي يكسبها من أراد الله فتنته بالوقوع والنيل من خير القرون. (١) فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى يوسف بن سعد عن محمد بن حاطب قال: (ونزل في داري حيث ظهر علي ﵁ على أهل البصرة، فقال لي يوماً: لقد شهدت أمير المؤمنين علياً ﵁ وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﵃، فذكروا عثمان ﵁ فنالوا منه، فكان علي ﵁ على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم فسألوه، فقال علي ﵁ كان عثمان ﵁ من الذين قال الله تعالى فيهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف: ١٦]، قال: والله عثمان وأصحاب عثمان ﵃ قالها ثلاثاً: قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب الله لسمعت هذا من علي ﵁، قال: آلله لسمعت هذا من علي ﵁ (١). (٢) وكان ﵁ يعاقب بالجلد الموجع على الكلام الذي فيه إيماء أو إشارة إلى النيل من أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد ذكر ابن الأثير (أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أم المؤمنين بالبصرة، فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقاً. وقال الآخر: يا أمي توبي فقد أخطأت – فبلغ ذلك علياً – فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما: عجلان، وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما) (٢). (٣) روى أبو داود بإسناده إلى رباح بن الحارث قال: ((كنت قاعداً عند فلان في مسجد الكوفة، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة، فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب علياً، فقال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير؟ أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول – وإني لغني أن أقول عنه ما لم يقل فيسألني عنه غداً إذا لقيته –: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، وسكت عن العاشر، قالوا: من هو العاشر؟ فقال: سعيد بن زيد –يعني نفسه-، ثم قال: والله لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح)) (٣). زاد رزين: ثم قال: ((لا جرم لما انقطعت أعمارهم، أراد الله أن لا يقطع الأجر عنهم إلى يوم القيامة، والشقي من أبغضهم، والسعيد من أحبهم)) (٤).

стр. 3295

(٤) وذكر ابن الأثير عن رزين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قيل لعائشة: إن ناساً يتناولون أصحاب النبي ﷺ حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر) (١). (٥) روى ابن بطة بإسناد صحيح إلى ابن عباس ﵁ قال: ((لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فلمقام أحدهم ساعة – يعني مع النبي ﷺ – خير من عمل أحدكم أربعين سنة)) (٢). وفي رواية وكيع: ((خير من عبادة أحدكم عمره)) (٣). (٦) وروى أبو نعيم بإسناده (أن مزيد بن هزاري أنه لقي سعيد بن جبير بأصبهان، فقال له: إن رأيت أن تفيدني مما عندك؟ فحبس دابته وقال: قال لي ابن عباس: احفظ عني ثلاثاً: إياك والنظر في النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك والنظر في القدر، فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أصحاب رسول الله ﷺ ، فيكبك الله في النار على وجهك يوم القيامة) (٤). (٧) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي إلى عريب بن حميد قال: (قام رجل فنال من عائشة ﵂، فقام عمار ﵁ يتخطى الناس فقال: اجلس مقبوحاً منبوحاً أنت تقع في حبيبة رسول الله ﷺ ؟ فوالله إنها لزوجته في الدنيا والآخرة) (٥). (٨) وروى أبو يعلى والطبراني عن أم سلمة ﵂ أنها قالت لأبي عبد الله الجدلي: (يا أبا عبد الله أيسب رسول الله ﷺ فيكم، قلت: أنى يسب رسول ﷺ ؟ قالت: أليس يسب علي ومن يحبه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه) (٦). (٩) وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي ﵀ بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، قال: (قلت لأبي: ما تقول في رجل سب أبا بكر؟ قال: يقتل، قلت: سب عمر؟ قال: يقتل) (٧).
следующие страницы →