← Акыда

Акыда · id 38058

الموسوعة العقدية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 009 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

ج- استنزال الرحمة من الله تعالى، لأن الطاعة والمعروف سبب للنعمة قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧] وقال: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٤٦ – ١٤٨] وقال: وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل: ٤١ - ٤٢]. ومثل ذا كثير في الكتاب والسنة كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [الأعراف: ٩٦] وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ... [المائدة: ٦٦]. وقال ﵊: ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً)) (١). د- شد ظهر المؤمن وتقويته ورفع عزيمته، وإرغام أنف المنافق .. فإن المؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به، وتضمحل المنكرات على إثر ذلك، بينما يخنس المنافق بذلك، ويكون ذلك سبباً لغمه وضيق صدره وحسرته، لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذيوعه بين الخلق. كيف لو طولب هو بالتطبيق والعمل ومجانبة المنكر .. وألزم بما أظهر من الانتساب إلى الدين؟! لا شك أنه يتألم لذلك أشد الألم ويحزن بسببه أشد الحزن. قال الثوري –﵀: (إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق) (٢). هـ- بقيام المسلمين بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحصل لهم الطموح والترفع عن الدنايا، كما يحصل لهم الشعور بأنهم ربانيون يصلحون الناس، وحينئذ يكونون قدوة حسنة بصلاح أنفسهم وحسن استقامتهم، مما يجعلهم يحاسبون أنفسهم على أصغر زلة، وهذه بحد ذاتها فائدة عظيمة جداً اقتضتها حكمة الله في تهيئة هذه الأمة لقيادة غيرها من الأمم (٣). وابتلاء الخلق بعضهم ببعض .. لأن هذا العمل بجميع مراتبه وأنواعه جهاد، وما قتال الكفار بالسيف والسنان إلا نوع من أنواعه. قال تعالى: وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ [محمد: ٤]. وبمثل هذه الابتلاءات يظهر إيمان المؤمن، وصبره على مكاره النفس في سبيل رضى ربه، ولأجل نشر دينه وشريعته.

стр. 3642

ز- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنصر على الأعداء، فإن الأمة لا تنتصر بعدد ولا عدة، وإنما تنتصر بهذا الدين، ولذا كانت مخالفة أمر رسول الله ﷺ وإرادة الدنيا من البعض سبب لوقوع الهزيمة في أحد، أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥] وقال: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] وقال: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥] وقال: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠ – ٤١]. ح- تحقيق وصف الخيرية في هذه الأمة قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠] وقد تقدم إيراد كلام بعض أهل العلم في هذه الآية، كعمر بن الخطاب –﵁، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير وغيرهم. ط- التجافي عن صفات المنافقين، وظهور الفرقان بين صفاتهم وصفات المؤمنين .. ذلك أن من أخص صفات المؤمنين القيام بهذا العمل الطيب قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... [التوبة: ٧١]. كما أن ترك القيام بهذا العمل يعد من صفات المنافقين البارزة، كما أخبر الله عن ذلك بقوله: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة: ٦٧]. وسيأتي في آخر هذا المبحث – عند ذكر الآثار المترتبة على تركه – كلام الإمام أحمد – ﵀ – (يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع – إلى أن قال – المؤمن إذا رأى أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى .. والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه .. ). ي- استقامة الموازين، واتزان المفاهيم، فيجلو أمر المنكر أمام الناس، ويعلمون أنه منكر، كما يعلمون أن هذا الأمر المعين من المعروف، وبالتالي يقبلون على هذا ويعرضون عن ذاك، بخلاف ما إذا عطل جانب الأمر والنهي، فقد يتوهم كثير من الناس في كثير من المنكرات أنها من المعروف، كما يتوهم كثير منهم كذلك في كثير من أمور المعروف وخصاله أنها من المنكر، فيشنعون على فاعلها، ويقفون في طريقه، كما هو حاصل في هذه الأيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص: ٦٨

стр. 3643

المبحث الثاني: فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر • المطلب الأول: الأدلة على فضله من القرآن الكريم. • المطلب الثاني: الأدلة من السنة على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 3644

المطلب الأول: الأدلة على فضله من القرآن الكريم ١ - قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: ١١٠]. سبب نزولها: قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ﵃ وذلك أن مالك بن الضيف ووهب بن يهوذا قالا: نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعونا إليه. فأنزل الله هذه الآية (١). من المخاطب بهذه الآية؟ قال ابن عباس ﵄ هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة. وقال الضحاك: هم أصحاب محمد ﷺ خاصة الرواة والدعاة الذين أمر الله بطاعتهم (٢). وقال الحسن البصري ومجاهد وجماعة: الخطاب لجميع الأمة (٣). وهذا القول هو الراجح -والله أعلم- فالخطاب يشمل جميع أمة محمد ﷺ وذلك للمرجحات التالية: أ- أن الآية عامة وليس فيها تخصيص صريح يقيدها بالصحابة أو بطائفة منهم. ب- النصوص الواردة في الكتاب والسنة والتي تبين فضل أمة محمد ﷺ على سائر الأمم، منها: ١ - قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]. قال القرطبي ﵀ وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطاً، أي دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط العدل (٤). وقد فسر النبي ﷺ الوسطية بالعدل فقد. ٢ - ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣]. قال (عدلاً) (٥). ٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، ويشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيداً فذلك قوله جل ذكره وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (٦). ٤ - وقوله ﷺ ((نحن الآخرون السابقون)) (٧). ٥ - وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال حين مرت جنازة فأثني عليها خيراً فقال: ((وجبت وجبت وجبت)) ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شراً فقال: ((وجبت وجبت وجبت)) فقال عمر: فدى لك أبي وأمي: مر عليك بجنازة فأثني عليها خيراً فقلت: ((وجبت وجبت وجبت)) ومر بجنازة فأثني عليها شراً. فقلت: ((وجبت وجبت وجبت)) فقال رسول الله ﷺ (( ... من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)) (٨). فهذه النصوص تفيد بمضمونها عموم الأمة، وأن الخطاب ليس مقصوراً على الصحابة ولا على جزء منهم.

стр. 3645

وقال القرطبي: قال علماؤنا أنبأنا ربنا ﵎ في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولاً مكاناً وإن كنا آخراً زماناً كما قال ﵇ ((نحن الآخرون الأولون)). وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ولا ينفذ قول غير العدول على غيرهم إلا أن يكونوا عدولاً (١). وهذا القول يزيد ترجيحنا قوة. وقد اختلف في لفظة كان فقيل هي بمعنى الحدوث والوقوع، والمعنى وجدتم خير أمة وعلى هذا فكان فعل تام، وقيل كان ناقصة وهي عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض ولا تدل على انقطاع طارئ بدليل قوله: إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء: ٢٣]. فعلى هذا التقدير يكون المعنى كنتم خير أمة، وقيل معناه كنتم مذكورين في الأمم الماضية فأنتم خير أمة، وقيل معناه كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة (٢). وقال الرازي في تفسيره: المعنى أنكم (كنتم) في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلها، فاللائق بهذا ألا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال في قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] قال: ((خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام)) (٤). وقال قتادة: (هم أمة محمد- ﷺ لم يؤمر نبي قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة أخرجت للناس) (٥). وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال ((إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)) (٦). فالله يخبر في هذه الآية الكريمة بأن أمة محمد ﷺ خير الأمم التي خلقت من قبل وذلك بسبب فضائل كثيرة منها أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وحري بكل مسلم يتلو هذه الآية أو يسمعها أن يطبق ما تدعو إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل عليه أن يطبقه على نفسه أولاً ثم على إخوانه المسلمين وغيرهم ثانياً، فيفعل الخير ويأمر به ويتجنب الشر ويحذر منه وليعلم أنه متى ترك هذا الجانب المهم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإنه يفقد الفضيلة التي وصف الله بها المؤمنين. لذا ينبغي لكل مسلم ولا سيما الدعاة أن يجعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزءاً من حياتهم. ٢ - ويقول تعالى: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١١٤].

стр. 3646

النجوى السر بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلاناً ونجا، وهم يتناجون، ونجوت فلاناً أنجوه نجوى أي أناجيه، فنجوت مشتقة من نجوت الشيء أنجوه: أي أخلصته وأفردته، والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله. فالنجوى المسارة (١). وقال جماعة من المفسرين: إن النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين سواء كان ذلك سراً أو جهراً (٢). وقيل النجوى: الإسرار في التدبير (٣). معنى الآية: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا فيما كان من أعمال الخير (٤). وقال القشيري: أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبه إلى غيره، ففضيلة الصدقة يتعدى نفعها إلى من تصل إليه، والفتوة أن يكون سعيك لغيرك، وأما المعروف فكل حسن في الشرع معروف، ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله وزلفى عنده، وإعلاء التواصي بالطاعة، ومن تصدق بنفسه على طاعة ربه وتصدق بقلبه على الرضى بحكمه ولم يخرج بالانتقام لنفسه، وحث الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربهم وأصلح بين الناس بصدقه في حاله، فإن لسان فعله أبلغ في الوعظ من لسان نطقه (٥). فالله بين أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس إلا ما كان فيه الحث على الصدقة وفعل المعروف والإصلاح بين الناس. ٣ - قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وينهون عن المنكر وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٧١]. قال أبو السعود في قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض: بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالاً ومالاً إثر بيان قبح حال أضدادهم عاجلاً وآجلاً (٦). وقيل: قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف (٧). وأما قوله: يَأْمُرُونَ بالمعروف وينهون عن المنكر [التوبة: ٧١] أي يأمرون بعبادة الله تعالى وتوحيده وكل ما أتبع ذلك، وينهون عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك (٨). فالآية تفيد أن المؤمنين جميعاً من رجال ونساء ينطلقون من قاعدة واحدة، وهي أنهم يأمرون بالأمور الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة وينهون عن كل ما خالف الشرع من العقائد الفاسدة والأعمال السيئة والأخلاق الرديئة، ومن هذا شأنه أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ [التوبة: ٧١] يدخلهم الله في رحمته ويشملهم بإحسانه (٩). وقال الزمخشري في تفسيره: السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد والوعيد (١٠). إذاً فمن هذه صفته يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإن الله يدخله في رحمته، وذلك فضل منه وتكرم وإحسان وليس من باب الوجوب فالله لا يجب عليه شيء ولو عامل عباده بعدله لم ينج منهم أحد.

стр. 3647

٤ - وقوله تعالى: لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وينهون عن المنكر وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤] سبب نزولها: قال الواحدي: قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سَعْيَة وأسيد بن سَعْيَة وأسعد بن عبيد ومن أسلم من اليهود قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خنتم واستبدلتم بدينكم ديناً غيره فأنزل الله هذه الآية (١). معنى الآية: ليسوا سواء تفرقة بين هاتين الفرقتين من أهل الكتاب اليهود والنصارى وأنهم ليسوا سواء على وضع واحد في موقفهم من الإسلام والمسلمين، وإذا كانت الآية الكريمة قد فرقت بين الفرقتين فإنها لم تحدد أي الفريقين من أهل الكتاب هو المتجه إليه الحكم في قوله من أهل الكتاب. أمة قائمة في إطلاق الحكم هكذا بحيث يدخل فيه الفريقان معاً حكم عظيمة تبين أنه في كلا الفريقين من أهل الكتاب اليهود والنصارى جماعات قائمة على الحق مؤمنة بالله واليوم الآخر تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر (٢). فمعنى الآية ليس أهل الكتاب على حد سواء، بل منهم المجرم ومنهم المسلم القائم على الحق المستقيم على الهدى التالي لآيات الله والساجد له والمؤمن بالبعث بعد الموت الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. ومن كانت هذه حاله فهو من (الصالحين) أي من جملة من صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه (٣). فالله أثنى عليهم لاتصافهم بالصفات المذكورة ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٥ - وقوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢]. أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس ﵄ قال من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله التائبون العابدون (٤) الآية. التائبون الراجعون إلى طاعة الله تعالى عن الحالة المخالفة للطاعة. وهل المراد التوبة من الشرك أو من كل معصية أو الأظهر أنه من كل معصية؟ قال في فتح البيان ( .. ثم قيل المراد بالتوبة عن الشرك والبراءة من النفاق وقيل من كل معصية) (٥). (العابدون) المؤدون لما أوجب الله عليهم من الطاعات القولية والفعلية (٦). (السائحون) الصائمون (٧). (الراكعون الساجدون) المكثرون من الركوع والسجود في صلاة الفرض والنفل (٨). (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر). أي الآمرون بجميع ما أمر الله ورسوله بفعله والناهون عن جميع ما أمر الله ورسوله ﷺ بتركه. قال المراغي: أي الداعون إلى الإيمان وما تبعه من أعمال البر والخير والناهون عن الشرك وما بسبيله من المعاصي والسيئات (٩).

стр. 3648

(والحافظون لحدود الله) أي الحافظون لشرائعه وأحكامه التي بين فيها ما يجب على المؤمنين اتباعه وما يحظر عليهم فعله منها، وكذا ما يجب على أئمة المسلمين وأولي الأمور منهم إقامته وتنفيذه بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم إذا أخلوا بما يجب عليهم حفظه منها (١). (وبشر المؤمنين) أي وبشر المؤمنين المتصفين بالصفات المذكورة في الآية الكريمة. ففي هذه الآية دليل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله أثنى عليهم وبشرهم. وفي الآية إظهار في مقام الإضمار اعتناء بهم وتشريفاً لقدرهم وحذف المبشر به إشارة إلى أنه لا يدخل تحت الحصر بل لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٢). ٦ - وقوله تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [هود: ١١٦]. فهذا دليل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث إنه كان سبباً لنجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وهلاك الآخرين. يقول الشيخ: عبد الرحمن السعدي: (وهذا حث لهذه الأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس قائمون بدين الله يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ويبصرونهم من العمى، وفي هذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون وصاحبها يكون إماماً في الدين إذا جعل عمله خالصاً لرب العالمين) (٣). ٧ - وقوله تعالى: واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٥]. فالله يخبر عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق، فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم قالت لهم المنكرة: مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ أي نفعل ذلك مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ أي فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ولعلهم بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أي فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ ارتكبوا المعصية بِعَذَابٍ بَئِيسٍ فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحاً فيمدحون ولا ارتكبوا عظيماً فيذمون (٤).

стр. 3649

وقد اختلف المفسرون في الفرقة الساكتة هل نجت أم هلكت؟ فقال القرطبي ﵀: إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي قاله ابن عباس وقال أيضاً: ما أدري ما فعل الله بهم. وهو الظاهر من الآية. قال عكرمة: قلت لابن عباس لم قلت ما أدري ما فعل الله بهم؟! ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا فكساني حلة (١). ورجح أيضاً أبو السعود أن الفرقة الساكتة نجت يقول في قوله تعالى: أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وهم الفريقان (٢). والآية الكريمة لم تذكر صراحة إلا الفريقين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والمهلكين. والأولى - عندي -: ترك الخوض في أمرهم ونكل علم ذلك إلى الله تعالى. وإن كنا نجزم أن درجتهم أقل من درجة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. ويكفي في نزول درجتهم سكوت الله تعالى عنهم والله تعالى أعلى وأعلم. والمهم أن نعرف أن الله بين لنا في هذه الآية الكريمة أنه أنجى الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر من العذاب الذي أصاب القوم. وهذا دليل على فضله وعظمته حيث كان سبباً في نجاة أهله .. ٨ - قول الله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] وقد اختلف المفسرون في معنى العدل والإحسان في الآية. فقال ابن عباس ﵄ العدل: لا إله إلا الله. والإحسان أداء الفرائض. وقيل العدل: الفرض، والإحسان: النافلة. وقال سفيان بن عيينة: العدل ههنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وقال علي بن أبي طالب ﵁ العدل الإنصاف والإحسان التفضل (٣). وقيل: العدل هو القيام على طريق الحق في كل أمر، فمن أقام وجوده على العدل استقام على طريق مستقيم فلم ينحرف عنه أبداً ولم تتفرق به السبل. والإحسان إحسان مطلق يتناول كل قول يقوله الإنسان وكل عمل يعمله، بل الإحسان هو الإيمان بالله على أتم صورة وأكملها بحيث لا يبلغ درجة الإحسان إلا من عبد الله على هذا الوجه الذي بينه الرسول ﷺ ((أن تعبد الله كأنك تراه)) (٤). قلت: والعدل والإحسان يشمل كل ما ذكره المفسرون بل أوسع مما ذكروه بكثير والله أعلم. وإيتاء ذي القربى يعني ويأمر بصلة الرحم وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك فيستحب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن (٥). (وينهى عن الفحشاء والمنكر) الفحشاء ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال والأفعال، (والمنكر) ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (والبغي) الكبر والظلم والتطاول على الغير (٦). يعظكم لعلكم تذكرون أي يعظكم بما يأمر وينهى طلباً لأن تتعظوا بذلك (٧). فبين في هذه الآية أنه ينهى عن الفحشاء والمنكر. فيكفي شرفاً للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أنهم ينهون عما ينهى عنه الله فهم في حقيقة الأمر منفذون لأمر الله تعالى داعين إلى تنفيذه.

стр. 3650

٩ - وقوله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠ - ٤١]. يقول الفخر الرازي: ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبغونه من مواضع العبادة ولكنه دفع هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل العبادة وبناء البيوت لها. لهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن كانت لغير أهل الإسلام (١). وقيل لولا هذا الدفع لهدمت في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن محمد ﷺ المساجد (٢). وقيل لولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقيل لولا دفع الله العذاب بدعاء الأخيار (٣). والصوامع: قيل إنها صوامع الرهبان. قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد، وقيل إنها صوامع الصابئين. قاله قتادة. وأما البيع فقيل: هي بيع النصارى. وأما الصلوات فقيل: إنها كنائس اليهود وقيل مساجد الصابئين. وأما المساجد: فقيل مساجد المسلمين قاله ابن عباس (٤). وروي عن الحسن أنها بأسرها أسماء المساجد، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع، وأما البيع فأطلق هذا على المساجد على سبيل التشبيه، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد (٥) ولا يخفى علي أوالقول من بعد. والذي حمله على ذلك هو أنه لا يمكن أن يدافع عن هذه الأماكن والعبادة فيها باطلة ولكن المعنى: أن هذه الأماكن مع أنها مخصصة للعبادة لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها ... (٦). وقوله وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أي ينصر دينه وأولياءه فهو قوي على نصر أوليائه والانتقام من أعدائه. وقوله: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ هذا إخبار عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إن مكنهم الله في الأرض وبسط لهم الدنيا كيف يقومون بأمر الدين. وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين لأن الله تعالى أعطاهم التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ أي مرجعها إلى تقديره وفيه تأكيد لما وعد من إظهار أوليائه وإعلاء كلمته (٧). وقال سيد قطب ﵀:

стр. 3651

الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ فحققنا لهم النصر وثبتنا لهم الأمر أَقَامُوا الصَّلَاةَ فعبدوا الله ووثقوا صلتهم به واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين وآتوا الزكاة فأدوا حق المال وانتصروا على شح النفس، وتطهروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وسدوا خلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج، وحققوا لها صفة الجسم الحي، وأمروا بالمعروف فدعوا إلى الخير والصلاح ودفعوا إليه الناس، ونهوا عن المنكر فقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك الأمة المسلمة التي لا تبقي على منكر وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه. هؤلاء هم الذين ينصرون الله إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة معتزين بالله وحده دون سواه وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين (١). فالله في آخر هذه الآيات وضع الأسس والقواعد للطائفة الحاكمة، وبين أن القيام بهذه القواعد سبب للتثبيت والنصر وأن الإخلال بها أو ببعضها سبب للهزيمة والإبعاد وربما يصحب ذلك عذاب. وهذه القواعد: ١ - أن تقيم الصلاة في نفسها وفي مجتمعها وأن تؤدى كما يؤديها المصطفى ﷺ كاملة الشروط والأركان والواجبات ... ٢ - وأن تؤدي الزكاة من نفسها أولاً ثم هي تأخذها من الأغنياء وتردها على الفقراء والمحتاجين ثانياً. ٣ - وأن تأتمر بالمعروف وتنتهي عن المنكر أولاً ثم هي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتناصر أهله وتحميهم وتعينهم على ذلك ثانياً. فإذا حققت هذه الأسس كتب الله لها البقاء والنصر وإذا خالفت فلترتقب زوالها وخذلانها في أية ساعة من ليل أو نهار. وهذا دليل واضح في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث إنه كان سبباً أساسياً في النصر إن أقيم أو الهزيمة إن ترك. ١٠ - قول الله تعالى: لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ٦٣]. قال في البحر المحيط: لولا تخصيص يتضمن توبيخ العلماء والعباد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله تعالى والأمر بالمعروف (٢). وقال الطبري ﵀: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الربا في الحكم من اليهود من بني إسرائيل ربانيوهم وهم أئمتهم المؤمنون وساستهم العلماء، وأحبارهم وهم علماؤهم وقوادهم عن قولهم الإثم يعني قول الكذب والزور وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير ما أنزل الله. ثم يقولون هذا حكم الله وأكلهم السحت يعني الرشوة (٣). وقال أيضا ﵀: ما في القرآن أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها (٤). فالآية فيها تخصيص يتضمن توبيخاً من جهة، ومن جهة أخرى فإذا كان الله تعالى ذم كبار القوم لعدم قيامهم بالأمر بالمعروف فإنه بالمقابل يحب الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وإذا كان الله رغب في الأمر بالمعروف وبين فضله من خلال النصوص السابقة فإنه رهب الذين يتركونه ولعنهم فقال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨، ٧٩].

стр. 3652

أي لعنهم الله جل وعلا في الإنجيل والزبور على لسان هذين النبيين ﵉ بأن أنزل الله : ملعون من يكفر من بني إسرائيل بالله أو بأحد من رسله ﵈ (١). وقيل: لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد ﷺ على لسان داود وعيسى بن مريم لأنهما أعلما أن محمداً ﷺ نبي مبعوث فلعنا من يكفر به (٢). ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ أي لم يكن اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ إلا لأجل المعصية والاعتداء لا شيء آخر، ثم فسر المعصية بقوله: كانوا لا يتناهون لا ينهى بعضهم بعضاً عن منكر فعلوه للتعجب من سوء فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم. فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبئهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب (٣). وقيل لا ينهى بعضهم بعضاً عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له ولا ينهون عنه (٤). فالله لعن بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام بسبب أمور منها: أنهم لا يتناهون عن المنكرات الموجودة لديهم. وفي ذلك تحذير لأمة محمد ﷺ حتى لا يتهاونوا في هذا الباب. وقد جاءت السنة النبوية المطهرة موضحة هذا الجانب ومحذرة من مشابهة بني إسرائيل في تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إلى قوله فاسقون ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم أو لتأطرنه على الحق أطراً أو لتقصرنه على الحق قصراً)) (٥) وفي رواية ((أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم)) (٦). فهذا الحديث يدل على الحث على القيام بالمعروف والنهي عن المنكر والحذر من تركهما. فقد يصيب الأمة ما أصاب بني إسرائيل من اللعن بسبب تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود - بتصرف - ص ١٠٩

стр. 3653

المطلب الثاني: الأدلة من السنة على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن الأحاديث الواردة في فضله كثيرة جداً ولكننا سوف نقتصر على طرف منها: ١ - ورد في الصحيحين ومسند أحمد وسنن النسائي والدارمي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((على كل مسلم صدقة. قال أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق. قال أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال يمسك عن الشر فإنه له صدقة)) (١). فالرسول ﷺ في هذا الحديث ندب الأمة إلى نفع الخلق بالتصدق عليهم، صدقة حسية أو معنوية. فمن وجد الحسية فهو خير وإلا تصدق بالمعنوية ففيها خير، وإن أمكنه فعل ذلك كله فهو أفضل. قال ابن حجر ﵀: فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق وأن يغيث الملهوف وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويمسك عن الشر فليفعل الجميع (٢). ويؤخذ من هذا الحديث أيضاً أن الرسول ﷺ ندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد يرد سؤال هنا ألا وهو. كيف جعل الأمر بالمعروف من الصدقات. وهو من فروض الكفاية؟ نقول يتعين هذا الأمر إذا حصل من غيره القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإلا لا يكون من باب الصدقات وقد أشار ابن حجر –﵀ إلى هذه المسألة (٣). ٢ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. يجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) (٤). ٣ - وفي رواية أخرى عن عائشة –﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين وثلاثمائة مفصل فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار)) (٥). ٤ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)) (٦). ففي هذه الأحاديث الشريفة ترغيب من المصطفى ﷺ بفعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهما سبب في نجاة العبد من النار.

стр. 3654

٥ - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ((كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت: أنا أحفظه كما هو. قال: هات إنك عليه –أو عليها- لجريء. قلت: فتنة الرجل أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس هذا أريد ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال ليس عليكم منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر قال: إذن لا يغلق أبداً. قلنا أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم كما أن دون الغد الليلة. إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقاً فسأله، فقال: عمر)) (١). فهذا الحديث الشريف الصحيح دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في تكفير الذنوب التي تحصل بسبب الفتنة في الأهل والمال والولد والجار. وقد قرنه ﷺ بالصلاة والصوم والصدقة، وهما من أركان الإسلام، فهذا دليل على فضله وعظمته. ٦ - وعن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري ﵁ أنا ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: ((أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون. إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) (٢). ففي هذا الحديث دليل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه يقوم مقام الصدقات المادية أو الحسية. ٧ - وعن درة بنت أبي لهب –﵂ قالت قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر. فقال يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال: ((خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم)) (٣). فالرسول ﷺ يبين في هذا الحديث أن من أفضل الناس من اتصف بالصفات المذكورة في هذا الحديث ومنها أن يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.

стр. 3655

٨ - وروى الأصبهاني من حديث أبي الدرداء عويمر قال: ((قلت يا نبي الله إن مع الإيمان عملاً؟ قال يرضخ مما رزقه الله. قال: قلت يا نبي الله: أرأيت إن كان فقيراً لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال: قلت يا رسول الله إن كان عيياً لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال يعين صانعاً أو يصنع لأخرق. قال: قلت يا نبي الله إن كان أخرق ولا يستطيع شيئاً؟ قال يعين مغلوباً. قال قلت يا نبي الله أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مغلوباً؟ قال ما تريد أن تترك في صاحبك من خير. قال: يمسك أذاه عن الناس. قلت: يا نبي الله إذا فعل ذلك يدخل الجنة؟ قال: ما من مسلم أو مؤمن يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة)) (١). فبين ﷺ في هذا الحديث أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخصال التي تدخل صاحبها الجنة. ومن المتفق عليه بين الأمة أن العمل الواحد لا ينجي صاحبه من النار ولا يدخله الجنة. ولكن –إذا صح هذا الحديث- فإننا نقول أن يقوم الإنسان بالمفروضات والواجبات ويركز على بعض الخصال المندوبة فحينئذ يرجى له دخول الجنة. والله أعلم. ٩ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((والذي نفسي بيده إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة. فأما المعروف فيبشر أصحابه ويعدهم الخير وأما المنكر فيقول إليكم إليكم وما يستطيعون له إلا لزوماً)) (٢). ١٠ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((ما من رجل ينعش لسانه حقاً يعمل به بعده إلا أجرى الله عليه أجره إلى يوم القيامة ثم وفاه الله ثوابه يوم القيامة)) (٣). فهذان الحديثان يبينان عظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضلهما حيث إن المعروف يبشر صاحبه والنهي عن المنكر يدافع عنه. وأن أجره يجري إلى يوم القيامة طالما أن ذلك العمل ناتج بسبب أمره ونهيه. فهنيئاً للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لما ينالهم من الثواب الكبير والأجر العظيم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعبد العزيز بن أحمد المسعود – بتصرف - ص١٤٠

стр. 3656

المبحث الثالث: الآثار المترتبة على تركه ١ - وقوع الهلاك: وذلك من جهتين: الأولى: أن المعاصي التي تظهر ولا تنكر سبب للعقوبات والمصائب (١). الثانية: أن السكوت ذاته يعد معصية يستحق صاحبه العقوبة (٢)، كما أنه يدل على التهاون في دين الله . هذا إذا كان الساكت عنه فرداً من أفراد المجتمع .. أما حين يسكت المجتمع بأكمله .. فإن العقوبة تعم في هذه الحال. قال الله تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً [الأنفال: ٢٥]. وقال البخاري –﵀: باب ما جاء في قوله تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ... ثم ذكر بعض الأحاديث تحت هذا الباب. قال الحافظ: (وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب) (٣). ولهذا الأثر شاهد من حديث عدي بن عميرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة)) (٤). ا. هـ (٥). وقد ورد في هذا المعنى أحاديث وآثار متنوعة، منها حديث أبي بكر الصديق –﵁ عند بيانه لما أشكل على البعض من قوله تعالى: عليكم أنفسكم وفيه: وإنما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ... )) (٦). وثبت عنه أيضاً. ((وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (٧). قال ابن العربي في شرحه: (وهذا الفقه عظيم، وهو أن الذنوب منها ما يعجل الله عقوبته، ومنها ما يمهل بها إلى الآخرة، والسكوت عن المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات، وركوب الذل من الظلمة للخلق ... ) ا. هـ (٨).

стр. 3657

وقد جاء من حديث جرير –﵁ مرفوعاً: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب)) (١). وعن حذيفة –﵁ مرفوعاً: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) (٢). ولما قالت أم المؤمنين زينب –﵂: ((أنهلك وفينا الصالحون؟)) قال النبي ﷺ : ((نعم إذا كثر الخبث)) (٣). وقال بلال بن سعد –﵀: (إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة) (٤). وقال عمر بن عبد العزيز –﵀: (كان يقال: إن الله تعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً استحقوا كلهم العقوبة) (٥). هذا وإن العقوبات تتنوع وتقع بصور مختلفة، فمنها ما يكون بالتدمير بالزلازل أو الفيضانات أو نقص الأنفس من جراء الحروب أو الأوبئة أو نقص الثمرات، ومنها ما يكون بالريح، أو بإدالة الأعداء، أو بتولي أهل الشر وتسلطهم على رقاب المسلمين (ولا تكون القيادة لأهل الشر إلا إذا تخلى عنها أهل الخير ورضوا من إيمانهم بإيمان صوري، أو إيمان ناقص لا يلحقهم بهذه الخيرية، وإنما يعاقبهم بتسليط أهل الشر عليهم فيحكمونهم بالحكم الدنيوي المرخص لأعراضهم والمهدر لكرامتهم والمصادر لأموالهم .. ) (٦). وبهذا تعلم أن العاصي لا يضر نفسه فحسب، وإنما يضر مجتمعه بأكمله، وقد شبه الرسول – ﷺ حاله مع حالهم بقوله: ((مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها. فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً)) (٧).

стр. 3658

٢ - انتفاء وصف الخيرية عن هذه الأمة: وذلك أن الحكم المقرون بالوصف المناسب له يدل على أنه معلل بذلك الوصف، فيدور الحكم مع الوصف وجوداً وعدماً، كما قال في المراقي: دلالة الإيماء والتنبيه ... في الفن تقصد لدى ذويه أن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن (١) ٣ - أنه يجرئ العصاة والفساق على أهل الحق والخير: فينالون منهم ويتطاولون عليهم (٢) وهذا مشاهد ملموس في هذه الأيام – والله المستعان -. ٤ - أنه سبب لظهور الجهل واندراس العلم (٣): وذلك أنه إذا ظهر المنكر ولم يوجد من ينكره نشأ عليه الصغير وألفه وظن أنه من الحق، كما هي الحال في كثير من المنكرات اليوم. ٥ - أن في هذا الأمر تزييناً للمعاصي عند الناس وفي نفوسهم (٤)؛ لأن صاحب المنكر كالبعير الأجرب يختلط بالإبل فتجرب جميعاً بإذن الله .. !! والناس كأسراب القطا قد جبل بعضهم على التشبه ببعض .. !! فإذا أضفت إلى ذلك ما يوجد داخل النفس من الأمر بالسوء، وحب الشهوة، فإذا وجد المنكر عند الناس في الخارج قوي الباعث الذي في النفس!! فإذا كان الفاعل له في الخارج من نظراء هذا ازداد طلبه له، ويشتد الدافع له إذا وجد من يأمره به ويرغبه بارتكابه .. ويعظم الدافع إلى ارتكابه إذا أوذي بسبب تركه ونيل منه بسبب مجانبته .. !! هذا وإن أهل الفساد لا يرضون إلا بموافقته لهم ويكرهون من تنزه عن ذلك. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ إلى أن المرأة الزانية تود أن النساء كلهن يزنين .. ونقله عن بعض السلف. علماً أنه لو وقع فيه معهم لانتقصوه وصغر في أعينهم .. واتخذوا من فعله هذا حجة عليه يطعنون بها متى شاؤوا!! (٥). ٦ - عدم إجابة الدعاء: جاء هذا في حديث عائشة –﵂ مرفوعاً: ((مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم)) (٦) وقد تقدم حديث حذيفة قريباً وفيه: ((ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) (٧). ٧ - سبب ظهور غربة الدين: واختفاء معالمه، وتفشي المنكرات والكفر والظلم .. وهذا هو الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)) (٨) فكلما انتشر الفساد والظلم كلما ازدادت الغربة .. حتى يصبح المتمسك بدينه غريباً بينهم .. وحتى تصبح السنن والهدى من الأمور المرفوضة والمستهجنة عند هذا الجنس السيئ من الخلق .. قال الخلال: (أخبرني عمر بن صالح بطرسوس، قال: قال لي أبو عبد الله: يا أبا حفص: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع.

стр. 3659

فقلت: يا أبا عبد الله، وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟! فقال: يا أبا حفص صيروا أمر الله فضولاً. وقال: المؤمن إذا رأى أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى، يعني قالوا: هذا فضول. قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه. فقالوا: نعم الرجل، وليس بينه وبين الفضول عمل!) (١). وقال جامع بن شداد: كنت عند عبد الرحمن بن يزيد بفارس، فأتاه نعي الأسود بن يزيد، فأتيناه نعزيه. فقال: مات أخي الأسود. ثم قال: قال عبد الله: يذهب الصالحون أسلافاً ويبقى أصحاب الريب. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، وما أصحاب الريب؟! قال: (قوم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر) (٢). ٨ - إلف المسلم لهذه المنكرات: المتفشية لكثرة مشاهدته لها، والأمر كما قيل: (كثرة المساس تبلد الإحساس)، فما تعود للقلب تلك الشفافية والحساسية عند رؤية المنكر. وقد حكي عن بعضهم: أنه مر يوماً في السوق فرأى بدعة فبال الدم من شدة إنكاره لها بقلبه، وتغير مزاجه لرؤيتها، فلما كان في اليوم الثاني مر فرآها فبال دماً صافياً، فلما كان في اليوم الثالث مر فرآها فبال بوله المعتاد لأنه قد ألف رؤيتها (٣). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص٦٨

стр. 3660

المطلب الأول: الحكم العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، وأجلها وأفضلها. ولقد دل على وجوبه الكتاب والسنة (١)، كما نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم كابن عطية (٢) والنووي وأبي المعالي الجويني (٣). وإذا تأملت نصوص الكتاب والسنة في طلب هذا الأمر العظيم ألفيت ذلك قد ورد باستفاضة كبيرة جداً مع تنوع في الأساليب التي يمكن أن نوجز لك بعضها ثم نمثل عليها بعد ذلك: ١ - الأمر به. ٢ - جعله من الصفات اللازمة للمؤمنين. ٣ - اعتبار فعل ما يضاده من الصفات اللازمة للمنافقين. ٤ - جعله سبباً للخيرية في هذه الأمة. ٥ - بيان أن تركه سبب لوقوع اللعن والإبعاد. ٦ - بيان أن فعله سبب للنجاة. ٧ - بيان أن تركه سبب للهلاك. ٨ - اعتباره سبباً للنصر. ٩ - اعتبار تركه سبباً للذم والتوبيخ. ١٠ - وصف من تركه وقعد عنه بالظلم. ١١ - نفي الإيمان عمن قعد عنه حتى بالقلب. ١٢ - الشهادة بالإيمان لفاعله، وتارة يجعله من أفضل أعمال المؤمنين. ١٣ - تارة يقرنه بعدد من الحقوق والواجبات، ويجعلها معه في سياق واحد. وبعد هذا العرض الموجز إليك ذكر بعض النماذج من الكتاب أو السنة على ما سبق فنقول: من الأول: قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... [آل عمران: ١٠٤] وقوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥] ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري –﵁ مرفوعاً: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... )) (٤)، ومنه حديث ابن مسعود –﵁ مرفوعاً: ((إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح عليكم، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (٥). ومن الثاني: قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة: ٧١]. ومن الثالث: قوله تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة: ٦٧] قال البيهقي –﵀: (ثم إن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرق ما بين المؤمنين والمؤمنات لأنه قال: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ وقال وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ فثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمنين وأقواها دلالة على صحة عقدهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.) (٦) ا. هـ

стр. 3661

ومن الرابع: قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... [آل عمران: ١١٠] وقد تقدم قول عمر –﵁ (من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله في هذه الآية) (١). ومن الخامس: قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. ومن السادس: قوله تعالى: فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ... [هود: ١١٦]. ومن السابع: حديث أبي بكر ﵁ في تقويم مفهوم أخطأ فيه البعض: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (٢)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (٣) (٤). ومن الثامن: قوله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ... [الحج: ٤٠ - ٤١]. ومن التاسع: قوله تعالى: لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ٦٣] قال ابن جرير –﵀: (وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها). ا. هـ. وأخرج في تفسيره بإسناد صحيح عن الضحاك أنه قال في هذه الآية: (ما في القرآن آية أخوف عندي منها: أنا لا ننهى) (٥). ومن العاشر: قوله تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [هود: ١١٦]. ومن الأقوال للمفسرين في هذه الآية قول بعضهم: (أراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات، أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتبعوا طلب الشهوات واللذات، واشتغلوا بتحصيل الرياسات) (٦) ا. هـ. ومن الحادي عشر: حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((ما من نبي يبعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) (٧). ومنه حديث أبي سعيد المتقدم وفيه: ((وذلك أضعف الإيمان)) (٨). ومن الثاني عشر: قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ... [فصلت: ٣٣]. ومن الثالث عشر: قوله – ﷺ في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ ((إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ... )) (٩) فقد اعتبره من جملة الأمور التي بها يباح الجلوس في الطرقات .. وإلا فيحرم، وهذا يدل على أنه حق واجب له؛ ثم إنه عده في جملة أمور واجبة، وهي غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وهذه كلها من الواجبات كما هو معلوم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ٩٠

стр. 3662

الفرع الأول: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا تبين ... أن أصل هذا العمل واجب قطعاً .. لكن هذا الوجوب لا يكون لازماً في كل مطلوب شرعاً ولا على كل فرد كل حال (فيما زاد على القلب). إذا عرفت هذا وتبينته فاعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون محرماً، وقد يكون مكروهاً .. أما حال كونه واجباً: فهذا يحصل إذا كان العمل المأمور به من الواجبات، أو الفعل المرتكب –الذي يراد النهي عنه- معدوداً من المحرمات (١) .. فهنا يجب الأمر أو النهي ما لم يكن هناك عذر في تركه. متى يسقط الوجوب (٢): لا شك أن الإنكار بالقلب لا يسقط بحال من الأحوال، لكن الإنكار باليد واللسان قد يسقط وجوبه وذلك في واحد من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إذا تكاثرت الفتن والمنكرات (٣): وهذا يكون على نوعين: النوع الأول: ما يكون في آخر الزمان؛ وهذا النوع هو الذي تحمل عليه كثير من الأحاديث الواردة في العزلة والتي منها حديث أبي سعيد –﵁ مرفوعاً ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)) (٤). ومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص –﵄: ((شبك النبي ﷺ أصابعه وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة قد مرجت عهودهم وأمانتهم واختلفوا فصاروا هكذا، قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟! قال: تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم)) (٥). وفي لفظ آخر: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ ذكرت الفتنة فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم وخفت أمانتهم وكانوا هكذا –وشبك بين أصابعه- قال ابن عمرو: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، وأملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة)) (٦).

стр. 3663

ومن ذلك أيضاً حديث حذيفة –﵁ المشهور: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: نعم، من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. فقلت: يا رسول الله فما ترى –وفي رواية- فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) (١) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة لا تحصى (٢). هذا وقد حمل جماعة من السلف والخلف قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ... [المائدة: ١٠٥] على هذا المعنى، ومن ذلك ما ورد عن أبي مازن أنه قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم (٣). وفي لفظ عند ابن جرير: كنت في خلافة عثمان بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي ﷺ ، فإذا فيهم شيخ يسندون إليه، فقرأ رجل عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ فقال الشيخ إنما تأويلها آخر الزمان (٤). النوع الثاني: ما يقع من الفتن في بعض الأوقات دون التي تقع آخر الزمان: وهذا كالفتن التي وقعت بعد مقتل عثمان ﵁ بين أصحاب النبي ﷺ . وقد اعتزل جماعة من أصحاب النبي ﷺ حينما وقعت الفتن، ومن هؤلاء سعد بن أبي وقاص (٥)، ومحمد بن مسلمة، وسلمة بن الأكوع، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وعروة بن الزبير من التابعين (٦). عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص ﵁ في إبله فجاءه ابن عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فجاء فنزل فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون في الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره وقال: اسكت. سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)) (٧). وقال البخاري: (باب التعرب في الفتنة) وذكر حديثين: الأول: وفيه تعرب سلمة بن الأكوع بعد مقتل عثمان .. (٨) والثاني: حديث أبي سعيد مرفوعاً ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم ... )) (٩) وقد تقدم ذكره قال الحافظ: والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة (١٠) فقال الجمهور: الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك، وقال قوم: العزلة أولى لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين .. وقال النووي: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى.

стр. 3664

وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه، إما عيناً وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح: من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي: من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالباً من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها، كما قال تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ... [الأنفال: ٢٥]. ويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضاً: ((خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب ... )) (١) وقد تقدم في باب العزلة من كتاب الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا فإن أوله عند مسلم: ((خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله)) الحديث (٢) وفيه: ((ورجل في غنيمة)) .. فإن أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة لمن لا يتأتى له الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون قيد بزمان وقوع الفتن والله أعلم (٣) ا. هـ. قال البخاري ﵀: (باب العزلة راحة من خلاط السوء) وذكر حديثين: الأول: حديث أبي سعيد ((جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أي الناس خير؟ قال: رجل .. )) (٤) وذكر نحو الحديث السابق. والثاني حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((يأتي على الناس زمان خير مال المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)) (٥) قال الحافظ: (ووقع في رواية مالك: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم .. )) (٦) ولفظه هنا صريح في أن المراد بخيرية العزلة أن تقع في آخر الزمان .. ) (٧). ا. هـ. والذي يظهر من استقراء النصوص أن الفتن من حيث التعلق بالزمان على قسمين: ١ - قسم مضى. ٢ - قسم سيأتي. وأما من حيث التعلق بإمكانية ظهور الحق ومعرفته لكثير من الناس فهي أيضاً على قسمين وهما: ١ - قسم يمكن معرفة الحق فيه وتمييزه، وإن أشكل على البعض. ٢ - قسم يوقع الناس في الحيرة .. فلا يكاد يعرف فيه الحق من الباطل لاختلاط المعروف بالمنكر والمحق بالمبطل. فالفتن التي يمكن معرفة الحق فيها، وإن أشكلت على بعض الناس، فيقال فيها: إن من أشكلت عليه الأمور تعينت عليه العزلة، وعليه يحمل اعتزال من ذكر من الصحابة. والله أعلم. أما من أمكنه معرفة الحق، ولم يتمكن من العمل به، أو أدت مخالطته للناس إلى تكثير سواد أهل الفتنة، أو حملهم له على المشاركة، فيلزمه أن يعتزل أيضاً. ومن عرف الحق ولم يخش تفويت العمل به ولا حملهم إياه في فتنتهم .. ولا إعانتهم عليها، ولم يكثر لهم سواداً .. لكنه لو أمر ونهى لم يكن ذلك مؤثراً في حالهم ولا مغيراً لها .. فالأفضل في حقه العزلة وقد يكون هذا الحال أيضاً من أسباب اعتزال بعض الصحابة فمن بعدهم (٨).

стр. 3665

قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب قول النبي ﷺ هلاك أمتي على أيدي أُغيلمة سفهاء) وذكر حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: ((هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش)) (١) قال الحافظ: وأما قوله: ((لو أن الناس اعتزلوهم)) محذوف الجواب وتقديره لكان أولى بهم .. ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك. قال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً. وقد صنع ذلك جماعة من السلف. ا. هـ (٢). أما إن كان لا يخشى من المخالطة وقوع محذور مما سبق، وبقاؤه ينفع الناس، فهذا قد يتعين عليه البقاء وترك العزلة، وقد دل على ذلك قوله ﷺ : ((إن المسلم إن كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) (٣). وهذا يشبه زماننا هذا والله المستعان. وأما القسم الثاني من الفتن، وهي التي لا يعرف الحق فيها من الباطل، حيث تلتبس فيها الأمور، وهذا الالتباس ناتج عن طبيعة الفتنة وتلونها .. أو ناتج عن عدم قدرة المعاصر لها من تمييز الحق فيها من الباطل .. وأكثر ما يكون هذا في آخر الزمان .. وعلى ذلك تنزل كثير من الأحاديث السابقة في أول الكلام .. كحديث حذيفة، وحديث أبي سعيد، وحديث ابن عمرو بن العاص، وغيرها .. والله أعلم بالصواب. الحال الثانية: من الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي: العجز الحسي وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان، فإن من عجز عن القيام بعمل (طولب به) عجزاً حسياً لم يكلف به، كمن عجز عن الجهاد لمرضه أو عرجه أو لذهاب بصره أو غير ذلك، وهذا معروف لا يحتاج إلى تعريف.

стр. 3666

الحال الثالثة: ما كان في معنى العجز الحسي، وذلك إذا كان يلحقه من جرائه مكروه معتبر في إسقاط الوجوب عنه (١). دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري –﵁ مرفوعاً: ((إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟! فإن لقن الله عبداً حجته قال: يا رب! رجوتك وفرقت من الناس)) (٢) فقد اعتبر النبي ﷺ ذلك حجته. ومما يدل على هذا المعنى أيضاً حديث حذيفة ﵁ مرفوعاً: ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه)) (٣). حد المكروه المعتبر شرعاً (٤) من المعلوم أن الإنسان قد يكره كلمة، كما يكره الضرب، أو طول اللسان، أو الغيبة (٥)، وما من شخص يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا ويتوقع منه نوع من الأذى. لذلك كان لابد من معرفة حد المكروه الذي يسقط بسببه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. اعلم أن مطالب الناس في هذه الدار ترجع إلى أربعة أمور (يطلبها الإنسان لنفسه ومن أحب كالقرابة ونحوهم) وهي: الأول: مطلوب في النفس وهو العلم. الثاني: مطلوب في البدن وهو الصحة. الثالث: مطلوب في المال وهو الثروة. الرابع: مطلوب في قلوب الناس وهو الجاه. والمكروه في هذه الأمور الأربعة أمران: الأول: زوال الموجود منها. الثاني: امتناع المرتقب. وكل واحد من هذين الأمرين يحصل بفواته الضرر. ولكي تجلى لك صورة الأمر نمثل لك على تعرض كل واحد من تلك المطالب الأربعة للزوال باعتبار ما هو حاصل وموجود منها، لا ما كان مرتقباً. فأما العلم: فلا يمكن لأحد رفعه من قلب صاحبه، وهذا من مزايا العلم وشرفه على غيره كما هو معلوم .. فانتفى المحذور من هذا الوجه. وأما البدن: فقد يقصد بالعطب الكامل وذلك بالقتل .. فهذا يسقط الوجوب ولا ريب، وقد يقصد بأذى دونه كالضرب أو قطع شيء من الأعضاء ونحو ذلك، وهذا على قسمين وهما: ١ - القسم الأول: ما كان الأذى فيه غير معتبر .. كالضربة الخفيفة ونحوها. فهي غير مؤثرة ولا معتبرة في إسقاط الوجوب. ٢ - القسم الثاني: ما كان الأذى فيه معتبراً كالضرب المؤثر، وقطع شيء من الأعضاء وما جرى مجرى ذلك .. فإن هذا يسقط الوجوب. وأما المال .. فهذا على قسمين أيضاً وهما: الأول: ما كان زواله غير مؤثر ولا منظور .. كنقص حبيبات من بر، أو درهم من ممتلكات المحتسب .. وهذا على سبيل التغليب، وإلا فلا شك أن ذلك يختلف باختلاف الناس.

стр. 3667

الثاني: ما كان زواله مؤثراً على صاحبه، كإتلاف المال، أو جزء له قيمة معتبرة منه، وهذا مسقط للوجوب (١). وأما الجاه فهو على قسمين أيضاً وهما: الأول: ما كان غير معتبر (٢)، وهو ما كان بنحو غيبة تقال فيه، أو لمز أمام أحد من الخلق، أو تجهيل .. أو نحو ذلك كأن يخرج من داره حاسر الرأس مثلا – وإن كان هذا يتفاوت ويختلف باختلاف الأعراف وتفاوتها – أو كأن يمنع من ركوب المراكب الفاخرة التي اعتاد ركوبها .. ونحو ذلك .. فهذا كله غير معتبر. وهذا هو الذي يعبر عنه بالجاه المحض. الثاني: ما كان معتبراً، كأن يسود وجهه ويطاف به على حمار في السوق .. أو نحو ذا، فإن هذا يسقط الوجوب عنه .. وهو ما يعبر عنه بخوارم المروءة وليس كلها مسقطاً للوجوب (٣). وأما التمثيل لما يخاف امتناع ما هو منتظر منها فكما يلي: ففي جانب العلم: كأن يخشى الإنكار على معلمه أو من لو أنكر عليه لحال بينه وبين التعلم .. فيقال في هذا إن له ثلاثة أحوال. الأولى: أن يجد غيره .. فهذا لا يسقط عنه الأمر والنهي .. فينكر عليه أو يأمره فإن امتنع من تعليمه ذهب وتعلم من غيره. الثاني: أن لا يجد غيره لكن العلم الذي يتلقاه منه فرضاً في حقه فإن هذا أيضاً لا يسقط الوجوب عنه. الثالثة: أن لا يجد غيره .. والعلم الذي يتعلمه منه فرض في حقه، كتعلم الوضوء والصلاة ونحو ذلك، فإن القول بسقوط الإنكار عنه متجه والله أعلم. وأما في البدن: فكأن يترك الإنكار على الطبيب خوفاً من أن لا يداويه إذا اعتل .. أو خاف أن يتأخر عنه فتمتنع بسببه صحته المرتقبة .. وأما في المال: فكتركه الحسبة على السلطان وأصحابه، وعلى من يواسيه من ماله خوفاً من أن يقطع إدراره في المستقبل ويترك مواساته. وأما الجاه: فكتركه الحسبة على من يتوقع منه نصرة .. أو جاهاً في المستقبل .. فيخشى أن لا يحصل له ذلك الجاه .. أو كأن يخاف أن يقبح حاله عند السلطان الذي يتوقع منه ولاية. فإن هذا واللذين قبله لا يسقطان شيئاً من وجوب الحسبة لأن هذه زيادات امتنعت. والذي يمكن أن يستثنى من ذلك هو ما تدعو إليه الحاجة ويكون في فواته محذور يزيد على محذور السكوت على المنكر. كما إذا كان محتاجاً إلى الطبيب لمرض ناجز والصحة منتظرة من معالجة الطبيب .. ويعلم أن في تأخره عنه شدة الضنا به وطول المرض .. وقد يفضي إلى الهلاك .. فإذا انتهى إلى هذا الحد لم يبعد أن يرخص له في ترك الحسبة. مسألة: هل للإنسان أن يسكت عن الإنكار بيده أو بلسانه خوفاً على منصبه؟! الجواب: أن صاحب هذا المنصب إن كان بقاؤه فيه لا يقدم نفعاً للمسلمين ولا لدعوتهم إما لطبيعته وإما لحال صاحبه أو غير ذلك، فإن هذا لا يجوز له أن يسكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل بقاء هذا المنصب. أما إن كان بقاؤه فيه ينتج منه مصالح للأمة .. وخدمات للدعوة إلى الله تعالى كالخطيب في منبره أو المعلم أو نحو ذلك .. فقد يسوغ له أن يسكت عن بعض الأمور إذا غلب على ظنه أن إنكاره لها يكون سبباً في إبعاده عن هذا المنصب. أما إن كان يؤدي إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلية فهذا لا يظهر وجهه والله أعلم. وبالجملة فإن الأمور تقدر بقدرها ولكل حالة حكم والله المستعان. لكن ينبغي الحذر من مداخل الهوى في هذا الباب، فقد يصور المرء لنفسه أن منصبه مهم لخدمة الدعوة ومصلحتها وإنما الذي يحركه في ذلك هواه.

стр. 3668

فائدة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ... [الأنفال: ٦٥] ثم نزل قوله: الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ... [الأنفال: ٦٦] قال ابن عباس: (فكتب أن لا يفر مائة من مائتين .. )، قال سفيان: وقال ابن شبرمة: (وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا) (١) ا. هـ. مسألة (٢): هل يشترط في الخوف من لحوق المكروه غلبة الظن، أو يكفي في ذلك تجويز الوقوع؟ وما ضابط ذلك: قال الغزالي –﵀: (فإن قيل: فالمكروه الذي تتوقع إصابته إن لم يكن متيقناً ولا معلوماً بغالب الظن ولكن كان مشكوكاً فيه، أو كان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه (٣)، ولكن احتمل أن يصاب بمكروه، فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين بأنه لا يصيبه مكروه، أم يجب في كل حال، إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه؟! قلنا: إن غلب على الظن أنه يصاب بمكروه لم يجب، وإن غلب على الظن أنه لا يصاب وجب. ومجرد التجويز لا يسقط الوجوب فإن ذلك ممكن في كل حسبة. وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر، فيحتمل أن يقال: الأصل الوجوب بحكم العمومات، وإنما يسقط بمكروه، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعاً. وهذا هو الأظهر. ويحتمل أن يقال: إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه، أو ظن أنه لا ضرر عليه. والأول أصح، نظراً إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف. فإن قيل: فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجراءة فالجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريباً حتى كأنه يشاهده ويرتاع منه. والمتهور الشجاع يبعد وقوع المكروه به بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى إنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه، فعلى ماذا التعويل؟! قلنا: التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل .. ) (٤) ا. هـ. وإنما تؤتى الدعوات من أحد هذين الصنفين الذين ذكرهما .. فالمتهور يوقع نفسه ومن معه في مهالك تجهز عليهم وعلى دعوتهم .. وتفتح الباب على مصراعيه لعدوهم المتربص لضربهم ونسف جهودهم في الدعوة .. وهذا النوع يفسد في الغالب أكثر مما يصلح، ولا حيلة معه إلا بأن يروض نفسه ولو تكلفاً، كما ينبغي له أن يستشير من هو أعقل وأعلم منه، وعليه أن يقبل المشورة. أما ضعيف القلب والذي يخاف ظله .. ويتوهمه عدواً يطارده .. فعليه أن يعود نفسه على الإقدام .. حتى في حال خوفه لعل هذا الخوف أن يزول عنه .. وهذا النوع من الخلق لا يقل خطراً على الدعوات من الأول، ولذا فلا ينبغي أن يولى هذان على رجلين أبداً. فهذا الضعيف كم من جهاد عطل بسببه، وكم من عمل بر أو حلقة علم جمدت نتيجة لأوهامه، وبالجملة فإن مجالسة هذا الصنف –أعني الأخير- تفسد قوى النفس وتجلب الوهن والوهم والخوف من النسمات .. ومثل هذا والذي قبله لا يصلح أن يحمل دعوة ولا أن يوجه أمة .. فمن أراد السلامة فعليه اجتنابهما ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) (٥) بل إن مجالسة المجاذيم أهون من مجالسة صاحب الوهن إن كان وهنه متعدياً كما سبق، لأن الجذام إذا أصيب به الإنسان –بإذن الله- تآكلت أطرافه وتعطلت قواها. أما هذا الواهن الموهن فإن مجالسته سبب لتآكل قوى القلب وتلاشيها .. حتى يصير صاحبها لا يقدر على تحريك ساكن.

стр. 3669

وغالباً ما يكون الأول –أعني المتهور- أكثر صدقاً من الثاني، لكنه لقلة علمه أو عقله وتجربته يتسرع فيوقع نفسه فيما هو في غنى عن الوقوع فيه. أما الثاني فغالباً ما يكون سبب ضعفه إنما هو خوفه على نفسه أو منصبه، وهذا قد يوقعه في المداهنة كثيراً. والله المستعان. ومما يدل على أن مجرد هيبة الناس لا تكفي في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث أبي سعيد الخدري –﵁ أن رسول الله ﷺ قام خطيباً فكان فيما قال: ((ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه. قال: فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا فهبنا)) (١). قال أبو المنذر إسماعيل بن عمر: سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله، بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر ولا تنهى خوفاً من المخلوق. من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لاستخف به (٢). والحاصل أن هذه الأمور التي بها يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المكلف باليد واللسان. لكن إذا سقط عنه الوجوب فليس معنى ذلك أن ينتفي في حقه ويمنع منه بل قد يكون مستحباً .. كما أنه يكون محرماً أو مكروهاً في بعض الأحيان. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص٩٦

стр. 3670

الفرع الثاني: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحبا وأما حال كونه مستحباً فإن هذا يكون في أحد حالين وهما: الحالة الأولى: أن يكون المأمور به مستحباً ولم يتواطأ أهل بلد على تركه، أو يكون الفعل المرتكب مكروهاً (١) فيكون النهي عنه مستحباً. الحالة الثانية: وهي كون المأمور به أمراً واجباً أو الفعل المرتكب أمراً محرماً .. لكنه يخشى إذا أنكر أن يلحقه الضرر (٢) أو الهلاك، فيسقط عنه الوجوب (٣) ويبقى مستحباً في حقه (٤) إن كان يرجو النفع من جراء أمره ونهيه – على قول- ولذا قال الإمام أحمد –﵀: (إن عرضت على السيف لا أجيب. -وقال- إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟!) (٥). وإن مما يدل على استحبابه في هذه الحالة: ما قصه الله تعالى عن الأنبياء وأتباعهم مع أقوامهم وما لاقوه من صنوف الأذى منهم .. وقد قال النبي ﷺ لخباب حينما شكى إليه ما يجد وأصحابه من المشركين، والنبي ﷺ متوسد بردة له في ظل الكعبة: ((كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه .. )) (٦). قال القرطبي عند قوله تعالى في وصية لقمان: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان: ١٧] (يقتضي حضاً على تغيير المنكر وإن نالك ضرر فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحياناً وهذا القدر على جهة الندب والقوة في ذات الله. أما على اللزوم فلا) ا. هـ (٧). وقال الجصاص في كلامه على قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ... [آل عمران: ٢١] (وفي هذه الآية جواز إنكار المنكر مع خوف القتل، وأنه منزلة شريفة يستحق بها الثواب الجزيل لأن الله مدح هؤلاء الذين قتلوا حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .. ) (٨) هذا واعلم أن الذي يأمر وينهى في مثل هذه الحال أفضل وأكمل حالاً من غيره. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)) (٩). قال ابن طاهر: سمعته – يعني شيخ الإسلام الهروي – يقول: عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي: ارجع عن مذهبك. لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك فأقول: لا أسكت (١٠).

стр. 3671

الفرع الثالث: حالة كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محرما وأما الحال التي يكون فيها محرماً (١): فإن ذلك يحصل إذا ترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زوال مصلحة أعظم من المأمور بها .. أو ترتب مفسدة أعظم من المنهي عنها. وذلك كأن ينهى من يشرب الخمر عن شربها، ويعلم أنه لو أفاق لقتل رجلاً من المسلمين، فهذا يترك في سكره. وكمن يأمر إنساناً بالطمأنينة في الصلاة .. وهو يعلم أن ذلك يؤدي إلى تركه الصلاة بالكلية. وكأن يأتي إنسان إلى بعض المنكرات الظاهرة في الأسواق ونحوها مما ليس له عليه ولاية ولا سلطة .. فيفسدها بنفسه .. وليس هو والياً للحسبة، ولا منصوباً لذلك ويكون تغييره هذا جالباً لفتنة تقع بين الناس .. فيغير بالرغم من ذلك كله .. ! وكمن يحدث الناس ويأمرهم ببعض المعروف الذي لم تتهيأ نفوسهم لقبوله .. فيحدث ذلك من الفتن ما الله به عليم. ولذا فقد ورد في الأثر عن علي ﵁ ((حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)) (٢). قال الحافظ: وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. (٣) ا. هـ. وأخرج مسلم عن ابن مسعود: ((ما أنت بمحدث قوماً حديثاً تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)) (٤) ولذا قال النبي –صلوات الله وسلامه عليه- لعائشة –﵂ ((لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض)) (٥) وفي لفظ: ((مخافة أن تنفر قلوبهم)) (٦). قال الحافظ: (ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرماً) (٧) ا. هـ. ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه كسر شيئاً من الأصنام بمكة قبل الهجرة .. مع أنها أعظم المنكرات، وهو يمر بها وهي معلقة على جدار الكعبة. فكان يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى ونبذ الشرك قدر طاقته .. هذا هو الأصل ما لم توجد القدرة عند الإنسان على إزالة المنكر بحيث لا يفوت ذلك مصلحة أعظم، أو يوقع بمفسدة أشد وأطم. ولذا نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين فقال: وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... [الأنعام: ١٠٨]. ومما يلحق بهذا القسم – أعني المحرم – ما ترتب عليه لحوق الضرر المعتبر بغيره، كتعريض قرابته أو غيرهم للقتل أو الحبس أو مصادرة الممتلكات أو الضرب أو نحو ذلك مما يسقط الوجوب عنه إن لحق به، ويبقى الأمر والنهي مستحباً في حقه .. أما إن لحق بغيره فلا. فلو كان الإنكار على أحد من الولاة يؤدي إلى منع صلاة الجماعة في المساجد، أو منع التعليم الشرعي، أو قتل المصلين المستقيمين على دينهم .. فإن الإنكار في هذه الحال يكون منكراً وقد يأثم صاحبه.

стр. 3672

ومما يلحق بذلك أيضاً أن يتعرض المرء للإنكار الذي يفتن بسببه وهو لا يطيق الفتنة. وقد تكون سبباً في انحرافه فهو رجل ضعيف! ولمثله يقال: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] وقد ألحق بعض أهل العلم في الأحوال التي يكون فيها محرماً ما كان يلحقه الضرر من جرائه مع علمه أنه لا يفيد (١)، لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث حذيفة –﵁ ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه: قالوا: وكيف يذل نفسه؟! قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه)) (٢). وذهب آخرون منهم ابن العربي (٣) إلى أنه يقدم حتى في هذه الحال. وقد رد عليه القرطبي (٤) ذلك ومنعه. وأقبح من هذا كله أن يأتي من يفسد بعض المنكرات – والتي يترتب على تغييرها مفاسد أعظم- بكسر أو طلاء على الصور التي في أسواق الناس وسبلهم .. ثم يختفي بحيث لا يعرف من قام بهذا العمل .. فينقم الناس على كل المتمسكين بدينهم حتى من تناءت دياره عن ديارهم آلاف الأميال .. بل إن ذلك قد يؤدي بكثير منهم إلى كراهية الدين والنفرة منه .. وهذا مشاهد. فما قيمة زوال صورة من الصور إزاء هذه المفاسد العظيمة –إن كانت تقع- المترتبة عليه!! ولا ينبغي الاحتجاج –والحال هذه- بتحطيم إبراهيم – ﷺ الأصنام فإن الجواب عن ذلك من وجوه متعددة وهي: الأول: أنه نبي يوحى إليه فيؤمن عليه الزلل في مثل هذا .. الثاني: أنه كان معروفاً بينهم يشار إليه بالبنان .. بأنه داعية التوحيد والمنفر من عبادة الأوثان ولذلك أحضروه لما رأوا ما حصل بأصنامهم حيث قال بعضهم: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء: ٦٠]. الثالث: أنه دعاهم بشتى الطرق والوسائل مع اختلاف الأحوال .. فلم يستجيبوا لدعوته فكان آخر الدواء الكي. الرابع: أن هذا الفعل من إبراهيم – ﷺ هو عين الحكمة والصواب حيث زعزع يقينهم في تلك الآلهة المزعومة. الخامس: لم يكن يترتب على فعل إبراهيم هذا ضرر على غيره من الموحدين – إن وجدوا معه في ذلك الوقت- والله أعلم. هذا ويمكن أن نلخص الحالات التي يكون فيها محرماً فنجعلها أربعاً: الأولى: أن يؤدي إنكار المنكر إلى فوات معروف أكبر منه .. كمن ينهي إنساناً عن التدخين ويفوت صلاة الجماعة، أو يؤدي ذلك إلى خروج الوقت وهو لم يصل. الثانية: أن يؤدي إنكار المنكر إلى حصول منكر أكبر منه كما سيأتي في خبر شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ مع التتار الذين رآهم يشربون الخمر. الثالثة: أن يكون الأمر بالمعروف يؤدي إلى فوات معروف أكبر منه. كمن يحث أخاً له على الصدقة على بعض الفقراء من غير الأقارب وهو يعلم أن هذا التصدق على حساب نفقته الواجبة على أهله وعياله! وكمن يكون في بلد خربتها الحروب – ولا زال العدو جاثماً على أرضها- فينادي بالتعمير مثلاً وهو يعلم أن هذا الأمر سيكون على حساب الجهاد ومواصلته. الرابعة: أن يكون الأمر بالمعروف مؤدياً إلى حصول منكر أكبر منه. كمن يأمر غيره بالتبكير في الحضور إلى المسجد ويؤدي ذلك إلى امتناعه عن الصلاة بالكلية. وكمن يأمر حديث العهد بالإسلام بالختان ويغلب على ظنه ارتداده عن الإسلام. هذا ومن الجدير بالذكر أن الذي يميز هذه الأمور ويفاضل بينها إنما هو من كان على قدر لا بأس به من العلم والفقه والبصيرة .. والناس يتفاوتون في هذا تفاوتاً كبيراً .. كما أن المسائل في هذا تتفاوت من حيث الوضوح للمحتسب وعدمه كما هو معلوم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص ١١٥

стр. 3673

المطلب الثالث: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر إلى المطالب به (١) يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية (٢) (٣) إذا قام به البعض سقط الحرج والإثم عن الباقين. وإن لم يقم به أحد أثم القادرون جميعاً .. وفي المنكر المعين يأثم كل من علم به وكانت لديه القدرة على إنكاره فلم ينكر ولم يكن له عذر في سكوته (٤). ويبغي هنا التفطن إلى أمرين هما: الأول: أن الإنكار بالقلب لا ينفك عن أحد أبداً (٥) كما تقدم، وكما سيأتي أيضاً عند الكلام على مراتب الإنكار. الثاني: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يتحول إلى فرض عين .. وذلك إذا كان المنكر المراد رفعه أو المعروف المراد إيجاده وفعله لا يتمكن من القيام به -أي الأمر والنهي- إلا فلان بعينه، فإنه يتعين عليه .. كذلك يقال إذا لم يعلم به غيره. وهذا يكثر وقوعه في البيوت، فإن الناس غالباً لا يطلعون على ما يدور فيها .. فـ ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) (٦) (٧). هذا وقد دار خلاف طويل حول قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران: ١٠٤] ومحور الخلاف هو قوله مِّنكُمْ هل (من) هنا بيانية أو تبعيضية؟! فذهب جماعة منهم الزجاج والرازي (٨) والبغوي إلى أنها بيانية، ورجحه من المعاصرين صاحب صفوة الآثار والمفاهيم (٩). قال الزجاج: ومعنى (ولتكن منكم أمة) –والله أعلم- ولتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير وتأمرون بالمعروف، ولكن (من) تدخل ههنا لتخص المخاطبين من سائر الأجناس وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين، ومثل هذا من كتاب الله فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠] ليس يأمرهم باجتناب بعض الأوثان، ولكن المعنى: اجتنبوا الأوثان فإنها رجس. ومثله من الشعر قول الشاعر: أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر أي: هو النوفل الزفر. لأنه قد وصفه بإعطاء الرغائب والنوفل: الكثير الإعطاء للنوافل والزفر: الذي يحمل الأثقال. والدليل على أنهم أمروا كلهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله جل وعلا: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠] (١٠) ا. هـ.

стр. 3674

وقال الرازي بعد نقله حجة أصحاب القول الأول –وهو هذا- (إذا ثبت هذا فنقول معنى هذه الآية: كونوا أمة دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة (من) فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠] ويقال: لفلان من أولاده جند .. يريد بذلك جميع أولاده .. لا بعضهم .. ) (١) ا. هـ. وقال أبو السعود: وقيل (من) بيانية كما في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم ... [الفتح: ٢٩] الآية، والأمر من كان الناقصة والمعنى (كونوا أمة تدعون ... ) كقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ... [آل عمران: ١١٠] ولا يقتضي ذلك كون الدعوة فرض عين، فإن الجهاد من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطابات العامة (٢) ا. هـ. ويمكننا تلخيص ما يمكن أن يستدل به أصحاب هذا القول فيما يلي (٣): ١ - إيجاب الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ ... . ٢ - أنه ليس أحد من المكلفين إلا وجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو اللسان أو القلب. ومما ينبغي التنبه له أن أصحاب هذا القول يقولون: إنه وإن كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً على الكل إلا أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً [التوبة: ٤١] وقوله: إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ... [التوبة: ٣٩] فالأمر عام وكذا الوعيد، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين (٤). وذهب آخرون كمقاتل بن حيان (٥) وابن جرير (٦) وابن كثير (٧) وابن العربي (٨) والقرطبي (٩) والشوكاني (١٠) إلى أنها تبعيضية. أخرج ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن مقاتل بن حيان في قوله: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ ... [آل عمران: ١٠٤] يقول: (ليكن منكم قوم يعني: واحد أو اثنين أو ثلاثة نفر فما فوق ذلك) (١١). وقد جوز الزجاج هذا المعنى مع ميله إلى الأول كما هو ظاهر كلامه حيث قال: (ويجوز أن تكون أمرت منهم فرقة لأن قوله وَلْتَكُن مِّنكُمْ .. ذكر الدعاة إلى الإيمان، والدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه، وليس الخلق كلهم علماء، والعلم ينوب فيه بعض الناس عن بعض، وكذلك الجهاد) (١٢) ا. هـ. وقال أبو السعود: (ومن تبعيضية متعلقة بالأمر، أو بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وهو أمة أو يدعون صفتها أي: لتوجد منكم أمة داعية إلى الخير، والأمة هي الجماعة التي يؤمها فرق الناس، أي يقصدونها ويقتدون بها، أو من الناقصة وأمة اسمها. ويدعون خبرها، أي: ولتكن منكم أمة داعين إلى الخير. وأياً كان فتوجيه الخطاب إلى الكل مع إسناد الدعوة إلى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية وأنها واجبة على الكل بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين، ولو أخل بها الكل أثموا جميعاً) (١٣) ا. هـ.

стр. 3675

وقال الحافظ ابن كثير: يقول الله تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأولئك هم المفلحون .. والمقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة منصوبة لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ((من رأى منكم منكراً .. )) الحديث (١) (٢) ا. هـ. ثم إن أصحاب هذا القول اختلفوا في التبعيض في الآية على قولين هما: الأول: أن فائدة كلمة من هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى والعاجزين. الثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان: ١) أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، فثبت بهذا أن التكليف متوجه إلى العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ ... [التوبة: ١٢٢]. ٢ - أنا أجمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية، بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى: ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة إيجاباً على البعض لا على الكل والله أعلم (٣). إشكال ودفعه (٤): قد يتوهم البعض من قوله تعالى عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥] أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يلزمه .. وهذا غير صحيح بل هو لازم له، والآية حجة عليه لا له!! (٥). ذلك أن الهداية لا تتحقق إلا بفعل المأمور وترك المحظور، ومن المعلوم أن أعظم المأمورات القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الذي يدع العمل بذلك لا يكون مهتدياً!! بل كيف يكون مهتدياً والرسول – ﷺ جعل الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، وقال عن الإنكار والمجاهدة للخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون: ((فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) (٦). وإن مما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير مهتد: إقسام الله تعالى أن الإنسان لفي خسر ولم يستثن سوى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣] (٧).

стр. 3676

وقد قال بنحو ما سبق جماعة من المفسرين منهم ابن جرير حيث قال حينما ذكر الأقوال في الآية السابقة: وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات، ما روي عن أبي بكر –﵁ فيها وهو يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة: ١٠٥] الزموا العمل بطاعة الله وبما أمركم به وانتهوا عما نهاكم الله عنه لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأديتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي يركبه، أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلماً لمسلم أو معاهد، ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه، وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب لأن الله تعالى ذكره، أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى، ومن القيام بالقسط الأخذ على يدي الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف، وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان للناس ترك ذلك لم يكن للأمر به معنى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله ﷺ ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخصاً له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه، وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبين أنه قد دخل في معنى قوله: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك (إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ... ) (١). وقال الزجاج: (وليس يوجب لفظ هذه الآية ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعلم أنه لا يضر المؤمن كفر الكافر، فإذا ترك المؤمن الأمر بالمعروف وهو مستطيع ذلك فهو ضال، وليس بمهتد) (٢) ا. هـ. وقال النووي: (المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨] وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب، فلا ضرر على الآمر الناهي لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول والله أعلم) (٣) ا. هـ. ولقد وقع الخطأ في فهمها عند بعض أهل العصر الأول .. فقام أبو بكر –﵁ وبين المراد وأزال الشبهة. روى ذلك قيس بن حازم حيث قال: قال أبو بكر الصديق بعد أن حمد الله وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ وإنما سمعنا رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) (٤). وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)). وقال شعبة فيه ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أكثر ممن يعمل بها .. )) (٥). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخالد بن عثمان السبت – ص٩٠

стр. 3677

المطلب الأول: الشروط المعتبرة التي لابد من توافرها (١) الأول: التكليف (٢): وهذا الشرط يخرج غير المكلف كالمجنون والصبي .. والمكلف في اصطلاح الفقهاء: هو البالغ العاقل. وهذا الشرط يعد من شروط الوجوب، لكن لا يعني هذا الاشتراط للتكليف أن غير البالغ لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر بل يكون ذلك مندوباً في حقه. كما هو الحال في الصلاة والصوم والحج ونحوها مما هو معلوم (٣). الثاني: الإسلام (٤): الحسبة فيها نوع ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم؛ ثم إن الكافر لو قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا يقبل منه مع انتفاء شرط الإسلام، بقطع النظر عن كونه مخاطباً بفروع الشريعة أم لا. ولأن الحسبة نصرة للدين ورفع له فلا يرجى أن يكون ناصره من هو جاحد لأصله (٥). لكن لو قام الكافر بالإنكار للمنكر .. فهل يبقى على المسلم إنكار له؟! والجواب عن هذا أن يقال: إن زال المنكر فليس على المسلم إنكار بعده، لأنه لا وجود للمنكر .. لكن إن كان المسلم عالماً بالمنكر قبل إنكار الكافر له كان إنكاره متعيناً على المسلم فيلام على الترك. أما في حال بقاء المنكر بعد إنكار الكافر له فلا شك أن هذا لا يعفى المسلم من إنكاره أبداً. الثالث: الإخلاص وإحضار النية (٦): لابد للمحتسب من أن يطلب بعمله وجه الله تعالى ورضاه .. دون أن يقصد بعمله وحسبته رياء ولا سمعة .. ولا منزلة في قلوب الخلق أو شيئا من دنياهم. وهذا الأمر –أعني الإخلاص- شرط في قبول سائر الأعمال الصالحة كما تقدم قال الله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]. ويتأكد الإخلاص في حال كون العمل بارزاً ظاهراً يراه الناس ويشاهدونه. وننبه في هذا الموضع إلى مدخل شيطاني يوسوس به إبليس في نفوس بعض الغيورين فيشككهم في إخلاصهم وبالتالي يقعدهم عن القيام بمثل هذا العمل العظيم .. أو يقعدهم عنه ابتداء تحاشياً للشهرة أو الانزلاق بالعجب أو الرياء والسمعة .. كما نسمع من بعض القاعدين عنه!! فلا ينبغي الالتفات إلى شيء من هذه الوساوس ولا الركون إلى تلك الهواجس .. !! وسيأتي المزيد من بيان هذا عند الكلام على أحوال الناس بالنسبة إلى القيام به وعدمه. وقد يكون للرجل جهاد وعمل ضخم في مجالات الدعوة والإصلاح والتوجيه وليس له عند الله تعالى نصيب، لأنه إنما دعا إلى تجميع الناس حول نفسه .. فدعوته وجهاده لرفع تلك النفس. الرابع: المتابعة: إن الغرض من الاحتساب هو إيجاد المعروف وإزالة المنكر والمعروف هو ما جاء به محمد – ﷺ .. فعلى المحتسب أن يجعل هذا نصب عينيه، وعليه أن يعلم جيداً أن المتابعة شرط في قبول عمله لقوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف: ١١٠] والعمل الصالح هو العمل الصائب الموافق لهديه –صلوات الله وسلامه عليه-.

стр. 3678

وقد أخبر النبي ﷺ في حديث حذيفة المتقدم – عن مداخلة الدخن للخير الذي يكون بعد الشر لما ذكر الفتن .. وفسره بقوله ((قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي)). فيجب أن يكون منهجنا في التغيير للانحرافات الواقعة في الأمة .. وإيجاد الفضيلة والخير في المجتمع سائراً على المنهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رسول الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١]. ولقد بدأ –صلوات الله وسلامه عليه- كغيره من الأنبياء قبله –بإصلاح عقائد الناس أولاً وجمعهم على عقيدة التوحيد؛ كما ربى أصحابه –رضوان الله عليهم أجمعين- على وحدة مصدر التلقي .. وعلى أن كل قول غير قول الله وقوله رسوله – ﷺ فإنه هو قول قابل للخطأ والصواب فلا ينظر إليه باعتبار قائله (اعرف الحق تعرف أهله، فإنما الحق لا يعرف بالرجال). فإذا بدأ المحتسب أو (الداعي) بعكس ما بدأ به رسول الله ﷺ كما لو بدأ بالجهاد أو إقامة الدولة مثلاً فإنه لا يفلح في دعوته، وهذا ولا شك من ذلك الدخن الذي أخبرنا عنه – ﷺ قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀: (ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم، والصراط المستقيم أقرب الطرق. وهو الموصل إلى حصول القصد) (١) ا. هـ. فكل دعوة إلى الإصلاح وكل أمر بمعروف أو نهي عن منكر لا ينتهجان ذلك المنهج السوي فلهما من المفارقة لمنهج رسول الله ﷺ والذي هو منهج أهل السنة والجماعة بقدر المخالفة له. فإن منهج أهل السنة وطريقهم لا يقتصر على مسائل الصفات فقط، أو قضايا العلم والاعتقاد، بل ذلك يكون في تلك القضايا وغيرها من الأمور العملية وإنما كثر التدوين في مسائل الصفات خاصة ومسائل الاعتقاد عامة لكثرة المخالفين فيها أولاً ثم لخطورة الخلاف في تلك المسائل ثانياً. ونحن ندعو كل مسلم إلى التمسك بذلك المنهج فهو طريق الخلاص من هذا الواقع المرير. الخامس: العلم (٢): تبين لك فيما سبق أنه لابد من بلوغ المطالبة بالتكليف إلى المكلف في العمل المعين .. وإلا فإنه لا يؤاخذ على تركه. وهذا ظاهر وهو الذي مر معك عند الكلام في شرطية العلم بالتكليف وأنه من شروط الوجوب، لكن العلم الذي نريد الحديث عنه هو العلم بما يأمر والعلم بما ينهى. فلابد للآمر أن يعلم أن ما يأمر به هو من المعروف، كما لابد للناهي أن يعلم أن ما نهى عنه يعد من المنكر .. فلابد إذاً أن يكون فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه. فحاله كحال الطبيب لا يمكنه العلاج حتى يفهم المرض والدواء معاً.

стр. 3679

قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: ١٠٨] فدلت الآية على لزوم البصيرة وهي الدليل الواضح (١). قال ابن القيم –﵀: (وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد أقصى ما يصل إليه السعي. ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء) ا. هـ (٢). وإن مما يدخل في هذا العلم المطلوب: علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها (٣). قال عمر بن عبد العزيز ﵀: (من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح) (٤). قال النووي –﵀: (إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء) (٥) ا. هـ. بل لا يكون عمل المحتسب أو الداعي صالحاً ما لم يكن بعلم وفقه كما قال عمر بن عبد العزيز –﵀ .. لأن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى .. وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام. فلابد إذاً من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، كما لابد من العلم بحال المأمور وحال المنهي (٦). ولا تفهم مما سبق أن المطلوب منك عند قيامك بمهمة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تكون عالماً فقيهاً!! بل يكفي في ذلك أن تعلم أن هذا من المنكر فتنكره أو من المعروف فتأمر به وتدعو الناس إليه. أما إذا اقتحم الجهال الدعوة، وترأسوا فيها، وأخذوا بالأمر والنهي بلا علم في ذلك كله، فإنهم يفسدون في هذه الحال أكثر مما يصلحون كما تقدم؛ فقد يأمر أحدهم بالمنكر وينهى عن المعروف جهلاً منه (٧) .. قال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ... [النحل: ١١٦]. وإن من أمارات الساعة ومن أسباب تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رفع العلم كما قال – ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) (٨).

стр. 3680

قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) ثم أورد حديث الزبير بن عدي قال: ((أتينا أنس ابن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج. فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه. حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم – ﷺ )) (١). وقد ذكر الحافظ في شرحه أقوالاً متعددة ثم قال: ثم وجدت عند عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع. فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: (سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالاً يفيده، لكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون). ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إلى قوله (شر منه). قال: فأصابتنا سنة خصب. فقال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء). ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: (لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله، أما إني لا أعني أميراً خيراً من أمير ولا عاماً خيراً من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجد منهم خلفاً، ويجيء قوم يفتون برأيهم) (٢) وفي لفظ عنه من هذا الوجه: (ما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها، ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه) (٣) (٤). والله المستعان. هذا وقد يحمل الإقدام على الإنكار بغير علم ذوي النفوذ على الوقوف في وجه الحسبة وتعطيلها قال عبد الصمد بن المهتدي: لما دخل المأمون بغداد، نادى بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لأن الشيوخ بقوا يضربون ويحبسون، فنهاهم المأمون وقال: قد اجتمع الناس على إمام، فمر أبو نعيم، فرأى جندياً وقد أدخل يديه بين فخذي امرأة، فنهاه بعنف، فحمله إلى الوالي، فحمله الوالي إلى المأمون. قال: فأدخلت عليه بكرة وهو يسبح، فقال توضأ. فتوضأت ثلاثاً ثلاثاً على ما رواه عبد خير، عن علي، فصليت ركعتين، فقال: ما تقول في رجل مات عن أبوين؟ فقلت: للأم الثالث، وما بقى للأب، قال فإن خلف أبويه وأخاه؟ قلت: المسألة بحالها، وسقط الأخ، قال: فإن خلف أبوين وأخوين؟ قلت: للأم السدس وما بقى للأب. قال: في قول الناس كلهم؟ قلت: لا، إن جدك ابن عباس يا أمير المؤمنين ما حجب الأم عن الثلث إلا بثلاثة إخوة. فقال: يا هذا، من نهى مثلك عن الأمر بالمعروف؟! إنما نهينا أقواماً يجعلون المعروف منكراً. ثم خرجت (٥). السادس القدرة (٦): يقول الله : لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] فمن كان بوسعه القيام بالأمر والنهي لزمه ذلك ومن لا فلا. هذا واعلم أن الناس يتفاوتون في القدرة تفاوتاً كبيراً .. فالسلطان أقدر من غيره على القيام بذلك .. كم أن المتطوع أقل اقتداراً في الغالب من المنصوب للاحتساب .. وهكذا.
следующие страницы →