Полный текст (161 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الإهداء
بسم الله الرحمن الرحيم* قال الله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: ١٢٢].
* وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤].
* وقال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩].
* وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد: ٢٤].
стр. 2
إلى الأساتذة الأفاضل المدرسين فى كلية الشريعة فى الجامعة الأردنية، الذين يقفون على ثغرة هامة من ثغور الإسلام.
إلى الطلبة الأعزاء: طلاب وطالبات كلية الشريعة فى الجامعة الأردنية، الذين رضوا أن يكونوا جنودا مخلصين لهذا الدين، فالتزموه فى إيمان بصير، وعزيمة واثقة، وثبات راشد، وعمل هاد.
إلى دعاة الإسلام فى كل مكان، واحات الإيمان فى صحراء الجاهلية، ونجوم الهداية فى ليلها البهيم.
إلى أهل القرآن هؤلاء أهدى هذه المفاتيح.
стр. 3
مقدّمة الطّبعة الثانية
قدّر الله أن يكون هذا الكتاب، هو الحلقة الأولى من سلسلة «من كنوز القرآن». وقد صدرت طبعته الأولى هام ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٥ م.
وقد وفق الله لإصدار حلقات أخرى من هذه السلسلة، وهى: فى ظلال الإيمان، الشخصية اليهودية من خلال القرآن، تصويبات فى فهم بعض الآيات، مع قصص السابقين فى القرآن: ١، ٢، ٣، ولطائف قرآنية.
وبعد أن نفدت نسخ الطبعة الأولى من هذا الكتاب، فإننى رأيت أن أعهد بنشره إلى الدار الناشرة لكتبى، دار القلم للطباعة والنشر، جزى الله صاحبها الكريم الأستاذ محمد على دولة خير الجزاء، على اهتمامه بنشر العلم، وحرصه على إخراج الكتاب الإسلامى فى أحسن صورة.
وقد فكرت فى إجراء بعض التعديلات على هذا الكتاب، والتوسع فى الشرح والبيان، لكننى عدلت عن ذلك، ورأيت أن أبقى الكتاب كما هو.
стр. 4
على أن أخصص كتابا آخر فى المستقبل، عن مفاتيح أخرى لفهم القرآن، تتضمن قواعد أساسية فى أصول تأويل القرآن. والله المستعان.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الدكتور صلاح عبد الفتّاح الخالدى الاثنين ١٦ شعبان ١٤١٣ هـ ٨ شباط ١٩٩٣ م صويلح. ص. ب: ٦٦٩
стр. 5
هذه السلسلة «من كنوز القرآن»
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه.
أما بعد:
فقد أوجب الله على المسلمين تدبر كتابه، وتكرار النظر فيه، فقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [النساء: ٨٢].
وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد: ٢٤].
وقد بيّنت الآية الثانية السبب الذى يحول بين المسلم وبين تدبر القرآن، وهو الأقفال الكثيرة التى توضع على القلوب، فتدعها فى غفلتها وظلامها وموتها، لا تحيا بالقرآن، ولا تصلها أنواره، ولا تتعامل معه، وهى تدعو أصحاب هذه القلوب إلى تكسير تلك الأقفال وإزالتها، وإلى فتح حنايا قلوبهم لهدى القرآن ونوره وضياءه، لتشرق بالنور وتدب فيها الحياة.
стр. 6
وهذا القرآن الحبيب العجيب المعجز، عجيب فى صفاته وسماته، غنى فى معانيه ودلالاته، ثمين فى كنوزه وحقائقه، حى فى نصوصه وتوجيهاته، قوى فى أهدافه وأغراضه، واقعى فى مهمته ورسالته، فاعل فى أثره ودوره .. معجز فى أسلوبه وهديه .. مستمر فى عطائه .. إنه ذو عطاء دائم متجدد، أقبل عليه المسلمون فى مختلف مراحل التاريخ الإسلامى، فوجدوا عنده ما يريدون وزيادة، قرءوه وتدبروه، وعاشوا به ونظروا فى نصوصه، وفسروا آياته، وبينوا شرائعه، وتحدثوا عن توجيهاته، واستخرجوا من كنوزه، وجنوا من ثماره .. والعلماء والمفسرون والمتدبرون أخذوا هذا فى كل قرن، وسجلوه فى كل عصر.
وبقى القرآن قادرا بحول الله على العطاء، كنوزه ثمينة مذخورة لا تنفد، ولو كثر المغترفون، ومعينه ثرّ كريم غزير لا ينضب، ولو كثر الشاربون، وظلاله ممتدة واسعة لا تزول، ولو توافد عليها المتفيئون .. وأنواره مشعة لا تخبو، ولو طال عليها الزمان وامتدت بها السنون .. ورسالته ومهمته متجددة حتى يدركها القرن العشرون، وما
بعده إلى أن يهلك العالمون أجمعون!!.
وقد صدق فى وصفه أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرّم الله وجهه، عند ما قال عنه: «هو كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخير ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، وهو حب الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه .. وهو الذى لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا
стр. 7
أَحَداً (٢) [الجن: ١، ٢]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم .. ».
وهو فعلا لا تشبع منه العلماء، ولا تنقضى عجائبه .. فالعلماء على كثرتهم وتعدد ثقافاتهم ومدارسهم، أقبلوا عليه وأخذوا منه الكثير، ولم يشبعوا ولم يستقصوا. فكم سجلوا من معانيه، واستخرجوا من كنوزه، ومع ذلك بقى يعطى ويعطى، ويدعو الراغبين إليه، ليقفوا على ما لم يقف عليه السابقون، ويضيفوا إلى ما لاحظه أولئك وسجلوه.
وإن المؤمن عند ما يحسن تدبر القرآن والتعامل معه، يقف على زاد عظيم من معانيه ودلالاته وإيحاءاته. فإذا قارن هذا بما سجله السابقون، سيجد فيه إضافات وإضافات، وعند ما سيصحح مثلا خاطئا، أطلقه بعض الذين أرادوا إغلاق باب تدبر القرآن والحياة معه، فقالوا: «ما ترك الأول للآخر!!» سيصححه- بتحوير يسير فيه وتبديل كلمة بكلمة- فيقول: «كم ترك الأول للآخر» وكم هنا هى التكثيرية لا الاستفهامية! إن باب التفسير لا يمكن أن يغلق، وإن مدد التفسير لا ينفد، وإن أهل كل عصر سيحتاجون إلى تفاسير جديدة للقرآن، تعالج مشكلات عصرهم، وتحل قضايا مجتمعاتهم، وترد على الشبهات الجديدة التى أثارها أعداؤهم، وتوثق صلة المسلمين بقرآنهم، وتحسّن تعاملهم معه وحياتهم به ..
ونحن فى عصرنا الحاضر أحوج ما نكون إلى القرآن، نتلوه ونتدبره، ونفهمه ونفسره، ونحيا به ونتعامل معه، ونستخرج المزيد من كنوزه المذخورة، ونتحرك به، ونجاهد الأعداء به، ونصلح أنفسنا ومجتمعاتنا على هديه، ونقيم مناهج حياتنا على أسسه ومبادئه وتوجيهاته .. لأن هذا
стр. 8
العصر هو عصر الهجمة الشرسة، التى شنها الثالوث النجس- اليهودية والصليبية والإلحاد- على الأمة، واخترق خطوط دفاعها الأولى، واحتل مواقع هامة فى عقول وقلوب ومجتمعات وحياة هذه الأمة .. فلا بدّ من اللجوء إلى القرآن، والإقبال عليه، ومواجهة الأعداء به، وجهادهم على هديه ..
ونحن الذين نعيش هذا العصر بمآسيه وآلامه، ونصطلى بوهجه وناره، قد ابتلانا الله بأن جعلنا فى مواجهة أعدائه، وامتحننا بأن أوقفنا فى ميدان المعركة معهم، ووضعنا على ثغرة هامة من الثغور أمامهم، ومن علينا بأن جعلنا من رجاله وجنوده، ومن أهل القرآن وحملته والناظرين فيه .. نرجو الله أن يعيننا فى هذا الابتلاء، وأن يكتب لنا النجاح فى هذا الامتحان، والتوفيق فى العمل فى الميدان، والثبات فى الثغرة، والانتصار فى المواقع، والأجر والثواب فى الحياة الدنيا، والجنة الغالية يوم القيامة ..
منّ الله علينا بفضله بالنظر فى القرآن- وهو نظر عاجز كليل- وبتدبره وفهمه وتفسيره- وهو جهد ناقص قليل- فاستعنا بالله وحده، فى أن نعيش فى ظلال القرآن، وأن نصحبه فى رحلة شيقة ممتعة، نحاول أن نغترف من كنوزه المذخورة، وأن نرتوى من معينه العذب، وأن نستخدم مفاتيح نافعة صالحة إن شاء الله، لحسن التعامل معه، والتلقى عنه، والحياة به ..
وأحببنا أن نقدم ما يفتح الله به علينا من ذلك لقراء القرآن، وأن نضع بين يدى جنوده وحملته وأهله ما نستخرجه من كنوزه، وما نجنيه من ثماره، وما نقف عليه من حقائقه ومعانيه وتقريراته ..
فكانت هذه السلسلة «من كنوز القرآن المذخورة» وسنحرص بإذن الله
стр. 9
أن نأتى بالجديد المفيد، وإن لا نكرر ما قاله السابقون- ما أمكن- ونحاول أن يكون ما نقدمه فى هذه السلسلة، له ارتباط مباشر بالإيمان والعمل، والتربية والتوجيه، والواقع والحركة، والجهاد والدعوة، والمنهجية والعلمية والموضوعية، ولن نلتفت كثيرا إلى كنوز القرآن فى اللغة والبلاغة، والبيان والنحو، والفقه والأحكام، والجدل والخلاف، وغير ذلك لأن هذه الموضوعات تزخر بها الكتب السابقة! ..
وقد بدأنا هذه السلسلة بهذا الكتاب «مفاتيح للتعامل مع القرآن» أساسا لما يليه من كتب قادمة، بعون الله.
ومن الله وحده نستمد العون والتوفيق، وهو الهادى إلى سواء السبيل ..
стр. 10
هذا الكتاب «مفاتيح للتعامل مع القرآن»
مفاتيح التعامل مع القرآن، لا بدّ من الوقوف عليها ومعرفتها، واستخدامها فى استخراج كنوز القرآن المذخورة فيه .. ولهذا بدأنا سلسلتنا بهذا الكتاب، باعتباره أساسا لها، وتمهيدا لما سيليه من حلقاتها، وباعتباره يسجل نظرتنا إلى القرآن، ويبين منهجنا فى التعامل معه، وخطتنا فى استخراج كنوزه، ويدل القارئ الكريم على الوسيلة التى استخدمناها، ليحاول هو استخدامها .. لقد حرصنا أن نضع هذه المفاتيح بين يدى أهل القرآن وجنوده وحملته، ليتعرفوا عليها، ويقفوا عليها، ويستخدموها فى صلتهم بالقرآن، وتعاملهم معه، وأخذهم عنه، واستخراجهم لكنوزه ..
وعندها سيقفون على ما لم نقف عليه، ويلاحظون ما فاتتنا ملاحظته، ويستخرجون منه المزيد من الكنوز واللطائف والمعارف، والدروس والعبر والعظات، والمعانى والحقائق والتقريرات.
وهذه المفاتيح حصّلناها بفضل الله وتوفيقه، من نظراتنا الكليلة القاصرة فى القرآن، ومن اطلاعنا القاصر على التفاسير- وفى طليعتها «فى ظلال القرآن» - ومن قراءتنا الناقصة فى كتب تحدثت عن القرآن، وأشارت إلى مبادئ أساسية لفهمه وكيفية تدبره والحياة به.
لقد كنت حريصا على الحديث عن هذه المفاتيح والإشارة إليها،
стр. 11
أثناء تدريسى لمواد التفسير وعلوم القرآن لطلبة كلية العلوم الإسلامية- التابعة لوزارة الأوقاف- ولطلاب وطالبات كلية الشريعة فى الجامعة الأردنية.
كنت أبدأ محاضرات الفصل الدراسى بالحديث عن هذه المفاتيح، وأشير إلى أهمية وضرورة إدراكهم لها واستخدامهم لها .. وأورد بعض هذه المفاتيح أثناء تفسير آيات سورة الأنعام- فى مادة تفسير «٢» - وتفسير آيات جزء «قد سمع» - فى مادة تفسير «٣» - وكنت ألاحظ الاهتمام والتفاعل عند الطلاب والطالبات، والفرح والسرور بالوقوف على هذه المفاتيح .. وكنت أحرص على أن أضيف إليها ما يهدينى الله إليه، وأن أقدمه لهم فى قاعات التدريس.
ولم أفكر فى أن أكتب كتابا يعرض هذه المفاتيح والقواعد والأسس، بل كنت اكتفى بأن أعيشها، وأحاول استخدامها وإرشاد الآخرين إليها ..
حتى كان الفصل الدراسى الثانى للعام الجامعى ٨٤ - ١٩٨٥، حيث درست طلاب وطالبات كلية الشريعة فى الجامعة الأردنية مادة تفسير «٣» ومادة «دراسات قرآنية» .. وأعدت طالبات الجمعيات العلمية فى الكلية موسما ثقافيا لهذا العام، ورغبن إليّ أن أبدأ هذا الموسم بمحاضرة جعلن عنوانها «كيف نحيا بالقرآن» .. وأخذت أبحث فى المراجع، واستغرق هذا منى أياما اطلعت فيها على طائفة من كتب التفسير وعلوم القرآن والحديث والفضائل والتزكية .. وألقيت المحاضرة فى مدرج كلية الشريعة يوم السبت ٨ رجب ١٤٠٥ هـ (٣٠/ ٣/ ١٩٨٥). كما دعيت إلى إلقائها فى مدارس ومساجد أخرى، والحمد لله على توفيقه وفضله وإنعامه ..
ثم وجدت لديّ الرغبة فى أن أجمع هذه المفاتيح وأتحدث عنها، وأخرجها فى رسالة للناس .. لعلهم يجدون فيها نفعا، ولعلها تقودهم إلى حسن التعامل مع القرآن، واستخراج كنوزه وذخائره ومعانيه ..
стр. 12
وها هى ذى أقدمها لأهل القرآن وجنوده، راجيا أن يجدوا فيها بعض ما يعينهم على تحقيق هذه الغاية ..
هذا وأحب أن أشير هنا إلى أننى لم أبدأ البحث من فراغ، وإنما استعنت بالله أولا، ثم أقبلت على القرآن، واستخلصت ما يمكن استخلاصه منه، وكنت أقرأ فى كتب عرض أصحابها للقرآن وتفسيره وفضائله ومزاياه، وأشاروا إلى قواعد تدبره وكيفية الحياة به وآداب تلاوته .. وغير ذلك ..
قرأت فى هذه الكتب، وكوّنت منها خلفية علمية وحصيلة ثقافية، كانت ترتدّ إلى ذاكرتى بعض أفكارها وآراء أصحابها والقواعد والأسس التى عرضوا لها فيها ..
فعلى الرغم من أننى لم آخذ من هذه الكتب بالنص- إلّا نادرا وكنت أشير إليه- فإننى أعتقد أن ما قدمته فى هذا الكتاب يتصل بتلك الأفكار والآراء والقواعد بصلة نسب، ويأخذ منها عند ما ارتدت إلى العقل والباطن ومخزن المعلومات فى الذاكرة .. وإن لم تبرز هذه الصلة فى الجمل والعبارات، فقد تبدو فى المعانى والأفكار العامة ..
وأضع بين يدي القراء أهم الكتب التى تحدثت عن القرآن وبينت فضائله وآداب تلاوته وقواعد تدبره وأسس فهمه: فصول فى آداب تلاوة القرآن من كتب: «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالى، «الإتقان فى علوم القرآن» للسيوطى وغير ذلك. وحديث عن فضائل القرآن فى مقدمات تفسير القرطبى والقاسمى- على سبيل المثال- وكتاب «فضائل القرآن» للامام ابن كثير، ملحق فى الجزء الرابع من تفسيره، وقد طبع مستقلا. و «التبيان فى آداب حملة القرآن» للإمام النووى. ومقدمات تفسير القرآن «للإمام الشهيد حسن البنا»، و «مبادئ أساسية لفهم القرآن» لأبى الأعلى المودودى. و «كيف نتأدب مع المصحف» للفرجانى، و «التكميل فى
стр. 13
أصول التأويل» و «دلائل النظام» كلاهما لعالم القرآن العظيم ومفسره صاحب النظرات الفريدة فيه التى لم يقلها أحد قبله ولا بعده «المعلم» عبد الحميد الفراهى الهندى. و «قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله » لعبد الرحمن حبنكة الميدانى. و «كيف نحيا بالقرآن»؟ لنبيه عبد ربه ..
وأقرر هنا أن أغلب ما أخذته وما وقفت عليه من هذه المفاتيح إنما كان من التفسير الرائد «فى ظلال القرآن» للإمام الشهيد سيد قطب.
إننى أدعوا القراء الكرام إلى أن يقبلوا على هذه المفاتيح بنظرات فاحصة، وملكة نقدية، وأرجو أن يصححوا لى فهمى، ويصوبوا لى استنتاجى، ويستدركوا على كلامى .. فنحن ما زلنا نحبو فى ظلال القرآن، ونتطفل على مائدة القرآن، ونتعلم الأساسيات من علوم القرآن، وإن النقص من سمات البشر. وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥).
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدى الخميس فى ١٧ شوال ١٤٠٥ هـ ٤/ تموز/ ١٩٨٥ م
стр. 14
حديث القرآن عن القرآن: أسماؤه وسماته
وردت فى القرآن الكريم صفات وسمات لكتاب الله، وسجلت آياته أوصافا وخصائص واضحة لهذا الكتاب المعجز، ولاحظت آثاره المباركة الخيرة على الأفراد والجماعات، وأبرزت مظاهر النقلة البعيدة التى ينتقل إليها المؤمنون الأحياء المبصرون، من خلال تفاعلهم الحى مع القرآن، وحياتهم الطاهرة فى ظلاله ..
ويجب علينا- ونحن نتلو القرآن ونتدبره- أن نلاحظ هذه الصفات والسمات، وأن نقف طويلا أمام الآيات التى تعرضها، وأن نعيشها بكامل كياننا وكافة مشاعرنا ودقائق حياتنا ..
إن الله سبحانه يريد أن يعرّفنا بكلامه العظيم فى كتابه الكريم، وأن نلاحظ الحياة المباركة فيه، وأن نعيش هذه الحياة فى ظلاله .. ولذلك عرض لنا طائفة من أسماء القرآن وصفاته وخصائصه وسماته .. فلنقبل عليها بوعى وتدبر وتفاعل، لنعرف طبيعة هذا القرآن ومهمته ودوره ورسالته .. لأنه لا أحد أعلم بكلام الله من الله سبحانه .. وإنّ تفضّل الله علينا بتعريفنا على كتابه لهو نعمة سابغة، ورحمة باهرة، علينا أن نقابلها بالتوجه إلى الله سبحانه بالحمد والشكر، والإخلاص، والحب، والإقبال على كتابه الكريم بالتدبر والتذوق والالتزام والتطبيق، لنعرف طعم الحياة، ونتذوق ألوانها ومظاهرها.
стр. 15
ونقدم فيما يلى طائفة من أسماء القرآن وخصائصه، وسماته وصفاته، وفضائله وآثاره، كما وردت فى نصوصه وآياته ..
١ - القرآن
: هو أشهر هذه الأسماء وأبرزها وأظهرها، وقد خص الله كتابه المنزل على رسول الله ﷺ بهذا الاسم، حيث لم يطلق على كتب الله السماوية السابقة. والقرآن مشتق من القراءة (كما هو الراجح عند علماء القرآن). وقد خص بالكتاب المنزل على محمد ﷺ ، فصار علما عليه ..
وأورد الراغب فى مفرداته قول أحد العلماء: «تسمية هذا الكتاب قرآنا من بين كتب الله لكونه جامعا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم» كما أشار إليه بقوله: وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ [يوسف: ١١١] [المفردات: ٤٠٢].
ولعل فى اختيار هذا الاسم الكريم- المتميز المتفرد- إشارة بارزة إلى وجوب تميز وتفرد الأمة الإسلامية- الأمينة على قرآنها وعلى وجودها وعلى البشرية من حولها- بحيث لا تأخذ فى مناهج حياتها من غير هذا القرآن الكريم.
أخبر الله عن بدء نزول القرآن فى شهر رمضان المبارك بقوله تعالى:
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥].
وقال تعالى فى وصف هذا القرآن ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) [ق: ١] وقال: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) [ص: ١] ووصف القرآن بأنه عربى مبين فى قوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) [فصلت: ٣].
стр. 16
وقرر الله أن هذا القرآن ميسر للذكر- لمن أراد أن يذكر ويتذكر، ولمن تعامل معه بقلب حى وتأثر بالغ- فقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)؟ [القمر: ١٧].
وبيّن أنه ضرب فى هذا القرآن للناس من كل مثل لعلهم يتفكرون أو يتذكرون، ولكنهم غفلوا عن هذه الأمثال وأعرضوا عنها، واختاروا أن يعيشوا فى ريبهم وكفرهم يترددون. فقال: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (٨٩) [الإسراء: ٨٩].
وأعلمنا الله أن الكفار لا يحبون سماع هذا القرآن، وأن الرسول ﵊ إذا قرأ القرآن فإن الحاجز السميك، والحجاب الساتر، يرتفع بينه وبين أولئك الكفار، وأن هذا الحجاب الحاجز يتمثل فى الأغطية على القلوب، وفى الصمم فى الآذان، فلا تعى ولا تتدبر كلام الله، ولذلك يعرضون عن القارئ لكلام الله، ويولون مدبرين نافرين، فقال تعالى:
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) [الإسراء: ٤٥، ٤٦].
ودعانا الله إلى أن نتهيأ لتلاوة القرآن، وأن نستعد لها استعدادا خاصا، بأن نتوجه إلى الله قبلها، نستعيذ به من الشيطان، لتكون هذه الاستعاذة وسيلة لتدبر كلام الله، فقال: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) [النحل: ٩٨].
وطالبنا الله بالأدب الجم مع القرآن، عند ما نسمع آياته تتلى علينا، فلا بد من الاستماع لها بكامل كياننا الإنسانى، وفتح كل منافذ القلب لتصل إليه وتتفاعل معه. وفرق بين السماع والاستماع، إذ أن السماع هو وصول
стр. 17
الأصوات إلى الأذن، ولكنه قد يكون سماعا عرضيا غير مقصود .. أما الاستماع فهو مشاركة الحواس والأجهزة المختلفة فى المسلم للأذن، فى التفاعل والتدبر والتلقى والانفعال. قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) [الأعراف: ٢٠٤].
وبيّن أثر القرآن على الجبال الجوامد- لو خاطبها به- وتفاعلها معه، وأبرز مظاهر التأثير والانفعال عليها فقال: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) [الحشر: ٢١] وقال: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد: ٣١].
ولقد أمرنا الله بتدبر القرآن، والوقوف طويلا أمام آياته، وملاحظة إيحاءاتها وتوجيهاتها ومعانيها وحقائقها، ووضع أيدينا على العلة التى تحول بيننا وبين هذا التدبر، والداء الذى يعوقنا عن القيام به، وذلك حتى نقضى على تلك العلة، ونزيل ذلك الداء، وهو الأقفال على القلوب، التى توصدها أمام النور والهدى والخير والحياة، وهذه الأقفال هى الشهوات والمعاصى والإقبال على الدنيا، وملء القلب من كل ذلك، بحيث لا يبقى فيه متسعا لتدبر أو هدى أو إيمان .. فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد: ٢٤].
وأرشد الله إلى أن نجعل التدبر وسيلة لا غاية، ولا نقعد عنده ونتشاغل به عن الهدف المنشود، وهو زيادة الإيمان والثقة واليقين بكلام الله، وملاحظة تناسقه وتناسبه وإدراك مهمته وأغراضه، وتلقّى حقائقه ومقرراته .. فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [النساء: ٨٢].
стр. 18
ومن الله علينا بأن أخبرنا أننا إن راعينا ما سبق فى التعامل مع القرآن وتلاوته وتدبره، فإننا سنحصل على الهدى الراشد، والنور الهادى، والشفاء الناجع، فالقرآن هدى للأفراد والمجتمعات، ونور لكل مرافق الحياة الفردية والجماعية، وشفاء لكافة أمراض وعلل الأمة فقال: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) [الإسراء: ٩] وقال أيضا: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء: ٨٢].
وصدق الله إذ وصف كتابه بصفة الحكمة، وهى صفة عجيبة لا يوصف بها إلّا العقلاء!! ولعلنا عند ما نعيش مع القرآن كما يريد الله، ونحيا به على منهج الله، نلاحظ بعض جوانب الحكمة فى قرآننا العجيب الحكيم! قال تعالى: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: ١ - ٢].
وقد ذم الله الكفار الّذين قسموا القرآن، وأطلقوا عليه صفات باطلة- ليصدوا الناس عن الإيمان به- فقالوا عنه: سحر وشعر وكهانة، وهذا الذم ينصرف على اليهود والنصارى الّذين قسموا كتبهم السماوية أقساما، وجزّءوها أجزاء، فآمنوا ببعض منها وكفروا ببعض، اتباعا لشهواتهم وأهوائهم، وأرى أن هذا ينصرف إلى المسلمين الّذين يجزئون القرآن ويقسمونه، ويأخذون منه جزءا ويتركون أجزاء، ويظهرون منه قسما ويخفون أقساما، ويؤمنون بموضوع منه ويكفرون بموضوعات!!. وقال تعالى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) [الحجر:
٩٠ - ٩١] وعضين أى مفرقا، حيث قالوا كهانة وقالوا أساطير الأولين إلى غير ذلك مما وصفوه به (المفردات: ٢٣٨).
وسجل القرآن الكريم شكوى رسول الله ﷺ إلى ربه، من الكفار
стр. 19
وإعراضهم عن القرآن وهجرهم له. فقال: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) [الفرقان: ٣٠].
بل سجل القرآن أسلوبا من أساليب الكفار فى مواجهتهم لهذا القرآن، ومحاربتهم له، وبذلهم كل ما فى وسعهم من طاقة لطمس نوره والقضاء عليه .. وهيهات هيهات!! إنهم يلجئون إلى وسيلة خسيسة تنبئ عن هزيمتهم الداخلية أمام القرآن، واضطرابهم النفسى أمام حقائقه، واعترافهم- الضمنى الملحوظ- بعجزهم عن مواجهته، وفشلهم فى محاربته .. إنهم يطلبون من الجماهير المخدوعة المستغفلة أن لا تسمع لهذا القرآن- لأنها إن استمعت بكيانها كله آمنت به- وأن تستعيض عن ذلك باللغو والصياح والضجيج، والتظاهرة الإعلامية ورفع الأصوات اللاغية، والمكاء والصفير، والتصدية والتصفيق .. لعلهم يغلبون هذا الحق ويطمسون هذا النور، ويغطون نور الشمس برقعة منديل! .. قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصّلت: ٢٦].
٢ - الكتاب
: وهو الاسم الثانى للقرآن الكريم، وقد ذكر كثيرا فى آياته، وتردد كثيرا فى سوره، وهو يلى القرآن فى الشهرة وكثرة الذكر، والقرآن كتاب باعتباره مكتوبا، مضمومة حروفه وكلماته وآياته عن طريق الخط والكتابة ..
ومن تسمية كلام الله بهذين الاسمين القرآن والكتاب. يلاحظ معنى الضم والجمع، فإن القرآن مشتق من القراءة والقراءة- كما يقول الإمام الراغب فى مفرداته- «هى ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض فى الترتيل» (المفردات: ٤٠٢) والكتاب مشتق من الكتابة، وهى- كما يقول الراغب أيضا- «ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وقد يقال ذلك
стр. 20
للمضموم بعضها إلى بعض باللفظ، فالأصل فى الكتابة النظم بالخط، لكن يستعار كل واحد للآخر، ولهذا سمى كلام الله- وإن لم يكتب- كتابا (المفردات: ٤٢٣).
ونحن نرى كلمات وآيات القرآن مضمومة إلى بعضها ضما متناسقا متماسكا معجزا، وكل من قرأ فى القرآن وسمع آيات منه، أو كتب ألفاظا وكلمات منه يلحظ معنى الضم فى كل ذلك ..
وتبدو هناك حكمة أخرى من تسمية كلام الله بهذين الاسمين: القرآن والكتاب، وقد أورد هذه الحكمة العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز فى كتابه القيم «النبأ العظيم»، وخلاصتها: أن الله أراد من هذين الاسمين أن يتحقق الجمع الوثيق لكلامه، وأن يوجد الحفظ التام المطلق لكل سوره وآياته وكلماته وحروفه، وأن لا يرد على النفس المسلمة احتمال ولو يسيرا عن تعرض شيء منها للتحريف أو الضياع أو النقصان .. ولذلك تم حفظ القرآن بوسيلتين عمليتين، هما القمة فى وسائل الحفظ والتوثيق:
وسيلة القراءة، ووسيلة الكتابة: «فلا يقبل القرآن المقروء ما لم يعرض على المصحف العثمانى المكتوب ويتفق معه، ولا يقبل المكتوب ما لم يتفق مع تعليم الرسول ﵊ أصحابه للقرآن، وإقرائهم له وقراءته له أمامهم» .. [انظر النبأ العظيم: ٧ - ٩].
هذا الكتاب الذى أنزله الله هو حق لا ريب فيه، وهو هدى للمتقين.
قال تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) [البقرة:
١ - ٢].
وهو كتاب حكيم كما أنه قرآن حكيم .. الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) [يونس: ١٠]، وقد أحكمت آياته ثم فصلت ووضحت
стр. 21
وبينت، وقدمت للناس ليؤمنوا بها الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [هود: ١].
وخاطب الله رسوله ﷺ بأنه أنزل عليه القرآن، وذلك ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وكتاب الله هو الوسيلة الوحيدة لهذا الإخراج، وأية وسيلة أخرى غيره إنما هى أوهام وظنون وتخرصات، ولا تنتج إلّا مزيدا من الظلمات. قال تعالى: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) [إبراهيم: ١].
وأعلمه أنه أنزل إليه الذكر والكتاب تبيانا لكل شيء وتفصيلا له، وهو بهذا التبيان هدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فقال: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) [النحل: ٨٩]، وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) [النحل: ٤٤].
بل قصر الله مهمة الكتاب الكريم على هذا البيان، وحصرها به، وطالب رسوله ﵊ بالقيام بذلك وتبليغه وأدائه .. وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) [النحل: ٦٤].
وورود ثلاث آيات كريمة فى سورة واحدة- هى سورة النحل- تحدد مهمة هذا الكتاب وتقصرها على البيان والتبيان، وتطالب الرسول ﵇ بذلك، ذو دلالة خاصة على هذا، ويشير إلى تفرد سورة النحل بذلك- وهى سورة النعم، وأية نعمة أعظم من نعمة التبيان والبيان من خلال القرآن- .. كما نشير إلى صياغة الآيات الكريمة، حيث جعلت
стр. 22
التبيان القرآنى عاما للناس جميعا، وخصصت ما فيه من رحمة وهدى وبشرى للمسلمين فقط، لأن هذه الثلاثة مرتبطة بالإيمان الإسلامى ومبنية عليه، ولا توجد عند فقده.
ويطالب الله رسوله ﷺ بأن يقوم بهذا التبيان والبلاغ والإنذار للناس، وأن لا يدع للحرج أو الضيق مجالا ينفذ منه إلى صدره، لأنه يعوقه عن أداء هذا الواجب، فلا حرج فيه وإن خالف ما عليه الناس، وإن فاجأهم بما لا يتوقعونه!! ولماذا يتحرج الرسول ﵊، وهو لا يتلقى الحقائق والقيم والأعراف والموازين والمبادئ والتوجيهات من الناس، إنما يتلقى كل ذلك من رب الناس، ويكفيه أن الله يشهد له، ويكون معه، وينصره ويثبته، ويأجره على فعله .. قال تعالى: المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) [الأعراف: ١ - ٢].
ويخبر الله سبحانه رسوله ﵊، بوظيفة هذا الكتاب المنزل عليه، الوظيفة التى تجعل له وجودا ومهمة، والتى تبرز من خلالها الحياة فيه، وتظهر آثاره، وتجنى ثماره، تلك هى الحكم بين الناس بالحق .. قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [النساء: ١٠٥].
هذا وبيّن لنا الله الوسيلة التى تضمن لهذا الكتاب الحق أن يحقق وجوده عمليا، وأن يحق الحق ويبطل الباطل، وأن يقود الناس إلى الحق، تلك الوسيلة هى القوة المادية التى تحرسه وتحميه، والتى تهيّئ له الناصر البشرى الذى يطبقه وينفذ أحكامه، وبدون هذه القوة يبقى حقا نظريا مقيدا عن العمل فى الواقع، ويتحول إلى حق مضيع، يعدو عليه كل جبان، وينتقصه كل ضعيف، ويعوى عليه كل نابح!!. قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
стр. 23
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) [الحديد: ٢٥].
وقد أشار القرآن إلى وظيفة الرسول ﵊ فى تعليم الأمة كتاب الله، فسجل دعوة إبراهيم وإسماعيل ﵉ بذلك منذ زمن بعيد، حيث دعوا الله أن يبعث للبشرية خيرا وطهرا ونورا وهداية ..
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) [البقرة: ١٢٩].
وأخبرنا الله أنه استجاب دعوة النبيين الصالحين عليهما الصلاة والسلام فقال تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) [البقرة: ١٥١].
وقال تعالى مظهرا المنة الربانية العظمى علينا ببعثة النبى ﵊، وإخراجه هذه الأمة بإذن ربها من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الموت إلى الحياة لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران: ١٦٤].
وتتحدث آية من سورة الجمعة عن نفس الموضوع، حديثا يتناسق مع موضوع السورة وشخصيتها المستقلة، فتقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) [الجمعة: ٢].
ونلاحظ فى صياغة الآيات الثلاث أمرا لافتا للنظر، وذا دلالة تربوية عميقة، وكأنى بهذه الآيات الثلاث تشير إلى منهج تربوى راشد ناجح،
стр. 24
وتدعو المخططين والموجهين والمربين فى عالمنا اليوم، وواضعى الخطط والمناهج التربوية والكتب التعليمية إلى ملاحظة هذه الإشارة القرآنية واللفتة التعليمية فيها .. تلك هى ترتيب المهمة التربوية التعليمية لرسول الله ﵊، والعطف على وسائلها بالواو، وتقديم الأساس على البناء، والتمهيد على الموضوع، والبذرة والشجرة على الثمرة والجنى، والمقدمة على النتيجة، نأخذ كل هذا من عطف الأفعال المضارعة فى قوله: «يتلو عليهم آياته .. ويزكيهم .. ويعلمهم الكتاب والحكمة» إنها مراحل ثلاث متدرجة متتابعة مرتبة: تلاوة القرآن كتمهيد وتخلية واستعداد وتهيئة، ثم تزكية النفوس وتطهيرها من أمراضها وأدرانها ونقائصها ورذائلها .. وأخيرا تأتى عملية التعليم لهذه النفوس بعد ما استعدت وتهيأت، وبعد ما تطهرت وزكت .. وبعد ما أشرقت واستنارت، تأتى عملية التعليم ثمرة مباركة لشجرة الإيمان والتزكية، ونتيجة معطاءة لمقدمات مدروسة صحيحة، وهدى ورحمة وخيرا وسعادة للمتعلمين، ولأمتهم وللإنسانية من حولهم ..
وقد وصف الله كتابه بصفة البركة، ووسمه بهذه السمة، ودعانا إلى تلمس مظاهر هذه الصفة، والوقوف على ألوان البركة القرآنية الشاملة العامة، ولا أعنى بها البركة بمفهومها المنتشر عند المسلمين اليوم من الخير والعطاء والزيادة فى الأجر والثواب، لا أعنى هذا فقط- كما أننى لا أنفيه من القرآن، فهو مبارك بهذا المفهوم- وإنما أعنى بها البركة فى المفهوم القرآنى، وهى- كما قال العلامة الراغب الأصفهانى فى كتابه الفريد المفردات- «والبركة ثبوت الخير الإلهى فى الشيء، وسمى بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء فى البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، ومن ذلك وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) [الأنبياء: ٥٠].
стр. 25
تنبيها على ما يفيض عليه من الخيرات الالهية .. » إلى أن يقول:
«ولما كان الخير الإلهى يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة .. » (المفردات: ٤٤).
فكتاب الله الكريم مبارك بكل صور البركة وألوانها، وتتجلى فيه كل مظاهر البركة وآفاقها، وأصولها وفروعها .. قال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الأنعام: ٩٢]، وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) [الأنعام: ١٥٥]. وقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص: ٢٩].
ونلاحظ فى القرآن آية كريمة قسمت المسلمين فى تعاملهم مع كتاب الله أقساما ثلاثة، فهم قد ورثوا كتاب الله، ولكنهم ليسوا على مستوى واحد فى هذه الوراثة، ولا على درجة واحدة فى الاعتناء بهذا الموروث الكريم، والكنز العتيق، والبركة الغامرة، فمنهم من ظلم نفسه فى التعامل مع كتاب الله وتطبيقه، فقصر فى الواجبات وارتكب المحرمات، ومنهم من هو مقتصد لا يريد أن تزيد طاعاته على معاصيه ولا العكس، والصنف الثالث هو الفائز الناجح، وهو السابق بالخيرات، والمستزيد من الطاعات، والمكثر من الحسنات ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) [فاطر: ٣٢].
٣ - الذكر
: قال تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) [ص: ١]، وقال تعالى:
стр. 26
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) [النحل: ٤٤].
وفى القرآن الذكر المجيد لهذه الأمة، فقد كانت قبل هذا القرآن نكرة من النكرات، تعيش وتموت ولا يحس بها أحد إن عاشت أو ماتت .. ثم أعلى القرآن ذكرها، وبوأها مكانتها، وأسلمها قيادة البشرية، وجعلها قائدة ورائدة، وفى مركز الأستاذية والوصاية والرعاية .. ولا ذكر لهذه الأمة إلّا بالتزام الذكر الربانى، والانطلاق به والظهور من خلاله. هذا أو العودة إلى زوايا النسيان وعالم النكرات، وذيل القافلة وسقط المتاع .. قال تعالى:
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) [الأنبياء: ١٠]، وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) [الزخرف: ٤٤].
وهذا الذكر المبارك لا يستفيد منه إلّا من كان صاحب قلب حى متفاعل، فيمتزج الذكر الربانى مع القلب الإيمانى، وتسرى الحياة مع القرآن إلى القلب فتحييه .. وتظهر سمات الحياة القرآنية على الجوارح، وتلحظ على السلوك، وتكون ثمارا يانعة خيرة فى الواقع المعاش .. قال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) [يس: ٦٩ - ٧٠].
٤ - الروح
: قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) [الشورى: ٥٢]. ونأخذ هذه الآية على حقيقتها، ونأخذ هذه السمة القرآنية على ظاهرها، فإنه روح وإنه حى وإنه حياة، والإنسان يكون ميتا بين الأموات، يكون ميت القلب
والإحساس والشعور، ثم يتفاعل مع الروح
стр. 27
القرآنى المحيى، ويفتح لهذه الروح قلبه وأحاسيسه وكيانه فتدب فى هذا القلب الحياة، وتنعكس على الظاهر فى الحياة .. وصدق الله القائل: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) [الأنعام: ١٢٢].
٥ - النور
: القرآن نور يشرق فى قلب المؤمن فيزهر بالإيمان، ويشرق فى حياته فينيرها له، ويشرق فى سماء الأمة فيكون ضياء وسعادة وهدى وخيرا، ويشرق فى البشرية فتعرف مواقعها وتهتدى إلى طريقها- إن أرادت سواء السبيل- قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) [التغابن: ٨].
٦ - الفرقان
: به يفرق بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين النور والظلمات، ففيه وحده الحق والهدى والنور، ونقيضه وضده هو باطل وضلال وظلام .. قال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ .. [آل عمران: ٣ - ٤]، وقال: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) [الفرقان: ١].
стр. 28
٧ - البرهان
: فهو برهان من الله لعباده، أقام به الحجة عليهم، وأظهر من خلاله أوضح الدلالات وأقواها، على موضوعاته ومعانيه وحقائقه، فى العقيدة والحياة .. وكل من تعامل مع أدلة القرآن فى يسرها ووضوحها وتفاعل القلب والعقل معها، وقارنها بالأدلة والبراهين والأقيسة التى أوجدتها العقول البشرية وقررتها وبينتها، كل من فعل ذلك يدرك طرفا من البرهان القرآنى ويسره ووضوحه .. قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].
٨ - والقرآن موعظة وشفاء وهدى ورحمة للمؤمنين
: قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) [يونس: ٥٧].
إنه موعظة من الله، وهل هناك أبلغ من الموعظة الربانية؟ وأيسر منها؟
وأكثر منها نفاذا إلى القلب والضمير؟ .. إن مواعظ البشر مهما سمت فى البلاغة والتأثير، عاجزة عن أن تقارب الموعظة القرآنية أو تدانيها، ولو أقبل الدعاة والوعاظ على الموعظة القرآنية وخاطبوا المسلمين بها، لتغلغل الكلام فى قلوبهم، وتأثرت به أعمالهم، وصلحت به حياتهم .. وأى قلب لم تنفعه الموعظة القرآنية فهو ميت لا ينفعه شيء آخر ..
والموعظة القرآنية تولد الشفاء للصدور، والقضاء على ما فى هذه الصدور من أمراض وأدناس وأرجاس، ليعود لها نورها، وتعمل فيها فطرتها المؤمنة التى فطر الله الناس عليها، والقرآن قادر بإذن الله على أن يشفى الصدور والقلوب من مختلف أمراضها المادية والنفسية، أمراض
стр. 29
الشبهات والشهوات، وأمراض الهوى والانحراف، وأمراض الشك والشرك، وأمراض القلوب والنفوس والجوارح والحواس، وأمراض السياسة والاقتصاد والأخلاق والاجتماع والحياة والحضارة .. بهذا المفهوم الموسع الشامل يجب أن ننظر للشفاء القرآنى، وأن نتناوله بهذه السعة والإحاطة، لا أن نقصره على آلام الرأس والسن والبطن، أو نحوله إلى تعاويذ وتمائم ورقى وحجب، فنمسخه ونقزمه ونفرغه من هذا المعنى الشامل الواسع، وصدق الله وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ٨٢].
ومما يلفت النظر فى الآية أنها جعلت الموعظة القرآنية والشفاء القرآنى للناس جميعا، بينما خصصت الهدى والرحمة بالمؤمنين، وقصرتهما عليهم، مما يجعل الإيمان شرطا للهدى والرحمة.
٩ - والقرآن بصائر تهدى
: قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) [الأنعام: ١٠٤]، وقال تعالى: هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) [الأعراف: ٢٠٣] وقال تعالى: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) [الجاثية: ٢٠]. وهذه البصائر القرآنية الربانية الهادية موجهة للناس جميعا، ولكن هذه البصائر لا تدركها إلّا القلوب الحية، حيث تعيها وتتفاعل معها وترشد بها، وتهتدى على أساسها. إن الأجسام لها العيون التى تبصر بها، وإن القلوب
لها البصائر التى تهتدى بها، فالأبصار للأجساد والبصائر للقلوب، وإذا ما تعطلت أبصار الأبدان فقد يعيش الإنسان بدونها، ولكن إذا تعطلت بصائر القلوب فإنها تموت، ولا يبقى فيها نفع أو خير، وصدق الله القائل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) [الحج: ٤٦].
стр. 30
وهذه البصائر القرآنية الهادية، تستقبلها القلوب المؤمنة، وتفتح لها منافذها وأصداءها، فتزداد أيمانا وهدى واستقامة ويقينا، بينما القلوب القاسية الكافرة الغليظة توصد منافذها أمام هذه البصائر، وتحكم إقفالها دونها، وتبالغ فى وضع الأقفال عليها، وأنى لها أن تهتدى بها، إنها تزيد هذه القلوب الكافرة كفرا ورجسا وظلاما وعمى. قال تعالى: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
ونختم هذه السمات والأسماء والأوصاف والآثار والنتائج بهذه الآيات التى توضح طبيعة القرآن أولا، والحياة الناتجة عنه ثانيا، وتفاعل المؤمنين به عند ما يسمعونه، وانفعال قلوبهم المؤمنة المبصرة الهينة اللينة به، والآثار المترتبة على ذلك، والتى تبرز على الجوارح والجلود، ثم النتيجة لهذا كله وهى الهدى الربانى، الذى يعتبر ثمرة مباركة يانعة للشجرة القرآنية الخالدة. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزمر:
٢١ - ٢٣].
стр. 31
وصف رسول الله ﵊ للقرآن
وصف رسول الله ﷺ القرآن الكريم بصفات صادقة، وأشار فى أحاديثه إلى بعض سمات القرآن وفضائله ومزاياه، وتحدث عن بعض آثاره ومهمته فى الحياة، وبيّن منزلة أصحابه وحملته والمطبقين له والداعين إليه فى الدنيا والآخرة. وكلام الرسول ﵊ عن القرآن كلام العارف به، والمحب له، المطلع على علومه، المدرك لمزاياه وسماته ودوره ومهمته، لأنه نزل على قلبه الشريف، فهو أدرى البشر بكلام الله، وأكثرهم خبرة به، ولذلك تنعكس هذه الصفات على كلامه وحديثه، ومن أجل هذا كان لحديثه عن القرآن لون خاص، ودلالة مميزة، وإيحاء فريد.
ونقدم فيما يلى طائفة مما صحّ من حديث رسول الله ﷺ عن القرآن لنضيف مزيدا من سمات القرآن وصفاته ومزاياه وفضائله ومهمته وآثاره ..
١ - روى البخارى والترمذى وأبو داود عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
٢ - روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وأبو داود عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: لا ريح لها وطعمها مر .. ».
стр. 32
٣ - روى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «تعاهدوا هذا القرآن، فو الّذي نفس محمد بيده لهو أشد تلفتا من الإبل فى عقلها».
٤ - روى البخارى ومسلم والنسائى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت .. » وزاد مسلم: «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإن لم يقم به نسيه».
٥ - روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذى يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذى يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران».
٦ - روى مسلم عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعا لأصحابه».
٧ - روى مسلم عن النواس بن سمعان رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به فى الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما».
٨ - روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين .. ».
٩ - روى أبو داود والترمذى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما عن النبى ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق» ورتل كم كنت ترتل فى الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها .. ».
١٠ - روى الترمذى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال
стр. 33
رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف. ولكن: ألف حرف ولام حرف وميم حرف .. ».
١١ - روى الترمذى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن الذى ليس فى جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب .. ».
١٢ - روى البخارى ومسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: «لا حسد إلّا فى اثنتين: رجل آتاه القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار .. ».
١٣ - روى مسلم وأبو داود عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « .. وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة. وذكرهم الله فيمن عنده».
١٤ - روى الترمذى عن عمران بن حصين رضى الله عنه أنه مر على قارئ يقرأ القرآن ثم يسأل الناس، فاسترجع عمران (أى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون)، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن، ويسألون به الناس .. ».
١٥ - روى أبو داود عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال:
خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابى والعجمى.
فقال اقرءوا فكل حسن. وسيجىء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه .. ».
стр. 34
والقدح هو السهم قبل أن يراش. أى لا عليكم ألا تقيموا ألسنتكم أثناء القراءة إقامة السهم عند إعداده للرمى، فإنه سيأتى أقوام يقيمون حروف القرآن وألفاظه، يمططون أصواتهم فى القراءة، ويجودونها بتفخيم المخارج، ومع ذلك يطلبون بهذا كله العاجلة وليس الآجلة.
١٦ - روى البخارى ومسلم عن جندب بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال النبى ﷺ : «اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه».
стр. 35
القرآن فى عبارات لأهل القرآن
ننتقل الآن إلى كلام أهل القرآن حول القرآن، من الصحابة والتابعين والعلماء اللاحقين، لنورد طائفة من أقوالهم وعباراتهم التى يتحدثون بها عنه، ويعرضون ما يلاحظونه من سماته وأوصافه، وما يعيشون من حقائقه ولطائفه وظلاله، وما يجدون من آثاره وأغراضه ومهمته.
ونبدأ هذه الأقوال بعرض طائفة من أقوال الصحابة الكرام، الذين هم الجيل القرآنى الفريد، وأكثر الناس دراية بالقرآن وحياة به، وعلما بموضوعاته، وإدراكا لسماته وصفاته.
١ - روى الترمذى عن الحارث بن عبد الله الهمدانى- الأعور- قال: مررت فى المسجد، فإذا الناس يخوضون فى الأحاديث، فدخلت فأخبرته، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال أما إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه، وهو الذى لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى
стр. 36
الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) [الجن: ١ - ٢] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم».
وقد ضعف العلماء هذا الحديث لأن فى سنده مجهول، والحارث الأعور ضعيف، وقال الترمذى: هذا حديث لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفى الحارث مقال .. ».
ويبدو أنه من كلام أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ولذلك أوردناه هنا .. علما بأنه أورد طائفة من سمات القرآن وأوصافه، ذات دلالة صادقة عليه، ويمكن أن يلاحظ البعد الواقعى لهذه الصفات والسمات (جامع الأصول لابن الأثير ٨: ٤٦١ - ٤٦٢) وقد قال عنه الإمام المحدث ابن كثير فى فضائل القرآن: «والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده .. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، وقد وهم بعضهم فى رفعه، وهو كلام حسن صحيح .. » [فضائل القرآن: ٥].
٢ - قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: «جمع الله فى هذا الكتاب علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وعلم ما يكون، والعلم بالخالق ﷻ ، وأمره وخلقه .. » [جامع الأصول: ٨/ ٤٦٤ - ٤٦٥].
٣ - روى عامر بن واثلة ﵀ أن نافع بن عبد الحارث لقى عمر بعسفان- وكان عمر استعمله على أهل مكة- فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى .. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا! قال فاستخلفت عليهم مولى! قال: إنه قارئ لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إنّ نبيكم ﷺ قد
قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين .. » [جامع الأصول: ٨/ ٥٠٧].
стр. 37
٤ - روى أبو الأسود الدؤلى قال: «بعث أبو موسى الأشعرى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن. فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد، فتقسوا قلوبكم، كما قست قلوب من كان قبلكم .. » [جامع الأصول: ٢/ ٤٥٢].
٥ - قالت عائشة رضى الله عنها: كان أبو بكر إذا قرأ القرآن كثير البكاء، فى صلاة وغيرها. وقالت أيضا: «القرآن أكرم من أن يزيل عقول الرجال .. » [جامع الأصول: ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧].
٦ - وقالت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها: ما كان أحد من السلف يغشى عليه ولا يصعق عند قراءة القرآن، وإنما يبكون ويقشعرون، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله .. » [جامع الأصول: ٢/ ٤٦٧].
٧ - وأورد الإمام مالك فى الموطأ قول محمد بن سيرين ﵀: أن عمر بن الخطاب كان فى قوم يقرءون القرآن، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: من أفتاك بهذا؟ أمسيلمة؟ [جامع الأصول: ٢/ ٤٦٩].
٨ - قال حذيفة بن اليمان رضى الله عنهما: «يا معشر القراء، استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا .. » [جامع الأصول: ٢/ ٤٧١].
٩ - قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان القراء أصحاب مجلس عمر رضى الله عنه ومشاورته، كهولا وشبابا». [التبيان فى آداب حملة القرآن للنووى: ١١].
١٠ - قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: «يا حملة القرآن
стр. 38
- أو يا حملة العلم-: اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله .. وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقا يباهى بعضهم بعضا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه ..
أولئك لا تصعد أعمالهم فى مجالسهم تلك إلى الله تعالى .. » [التبيان للنووى: ١٧].
١١ - قال عمر بن الخطاب مخاطبا حفظة القرآن وأهله: «يا معشر القراء: ارفعوا رءوسكم، فقد وضح لكم الطريق، فاستبقوا الخيرات، لا تكونوا عيالا على الناس» [التبيان: ٢٨].
١٢ - قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «ينبغى لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون .. » [التبيان: ٢٨].
١٣ - قال الحسن بن على رضى الله عنهما: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها فى النهار .. » [التبيان: ٢٨].
١٤ - «قدم ناس من اليمن على أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فجعلوا يقرءون ويبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنا .. » [التبيان: ٤٨].
١٥ - قال رجل لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «إنى أقرأ المفصل فى ركعة واحدة (والمفصل هو سور القرآن من الحجرات حتى سورة الناس وسمى المفصل لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة)، فقال ابن مسعود: هذّا، كهذّ الشعر، إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع فى القلب فرسخ فيه نفع» [التبيان: ٤٩].
стр. 39
١٦ - قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «لا يسأل عبد عن نفسه إلّا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله .. » [فضائل القرآن للإمام ابن كثير: ٦].
١٧ - قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن بعض سور القرآن واعتزازه بها وغناه بها وهى سور: الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء «إنهن من العتاق الأول، وإنهن من تلادى» [فضائل القرآن لابن كثير: ٢٥].
١٨ - قال ابن عباس رضى الله عنهما: «لو أن حملة القرآن أخذوه بحقه وما ينبغى له لأحبهم الله، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس» [تفسير القرطبى: ١/ ٢٠].
١٩ - قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: لا ينبغى لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض، ولا يجهل مع من يجهل، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن، لأن فى جوفه كلام الله» [القرطبى: ١/ ٢١].
٢٠ - عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: إنّا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به [القرطبى: ١/ ٤٠].
٢١ - قال عبد الله بن مسعود: «إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين» [إحياء علوم الدين مجلد: ١/ ٤٩٨].
٢٢ - قال أنس بن مالك: «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه» [الإحياء: ١/ ٤٩٩].
٢٣ - قال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما: لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها، وما ينبغى أن يقف عنده منها، ثم
стр. 40
لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، لا يدرى ما آمره ولا زاجره، وما ينبغى أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدقل؟ [الإحياء: ١/ ٥٠٠].
٢٤ - قال عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان رضى الله عنهما:
«لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن .. » [الإحياء: ١/ ٥٢٢].
٢٥ - قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «إن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن» [الزهد لابن المبارك: ٢٧٢].
٢٦ - قال أبو هريرة رضى الله عنه: «البيت الذى يتلى فيه كتاب الله كثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين. والبيت الذى لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقل خيره، وحضرته الشياطين، وخرجت منه الملائكة .. » [الزهد لابن المبارك: ٢٧٣].
٢٧ - عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال: (من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلّا أنه لا يوحى إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أحدا من خلق الله أعطى أفضل مما أعطى فقد حقر ما عظم الله، وعظم ما حقر الله، وليس ينبغى لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل، ولا يحد فيمن يحد، ولكن يعفو ويصفح [الزهد لابن المبارك: ٢٧٥ - ٢٧٦].
وهذه طائفة من أقوال التابعين وتابعيهم الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية يتحدثون فيها عن القرآن الكريم:
١ - قال الفضيل بن عياض ﵀: ينبغى لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء، فمن دونهم، وينبغى أن تكون حوائج الخلق إليه» وعنه قال: «حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغى أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيما لحق القرآن .. » [التبيان: ٢٨ - ٢٩؛ وإحياء علوم الدين: ١/ ٤٩٩].
следующие страницы →