← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38085

من بلاغة القرآن

أحمد أحمد بدوي

Полный текст (299 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الإهداء إلى روح أبى ... أبى: قضيت عمرك الطاهر في خدمة كتاب الله، لا تمل قراءته، تفسره لتلاميذك في معهد الدرس، وتتدارسه مع صحبك في بيتك، وكثيرا ما كنت أشهد طرفا من ذلك منذ حداثتى، وكانت الغبطة تملؤنى كلما فهمت تفسير آية، أو أدركت جمال تعبير، أو أشركتنى في المناقشة، وسألتنى فأجبت، أو سألتك فشرحت ووضحت، ولم يكن عندك في عهدك الأخير ما يشغلك عن تلاوة القرآن وتفهم معانيه، فعساك ترضى عن هذا الجهد الذى أساهم به في الكشف عن بلاغة القرآن وإدراك سر إعجازه. وإلى روحك الطاهرة في جنة الخلد، أهدى هذا الكتاب.

стр. 2

بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين المقدمة الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله النبى الأمىّ الذى يؤمن بالله وكلماته. وبعد: فإن دراسة النص الأدبى دراسة كاملة تتطلب الوقوف عند لبناته الأولى التى هى المفردات، لتبين مدى الإصابة في اختيارها، ومدى تمكنها في موضعها من جملتها، وقوة ربطها بأخواتها، وقديما قال القدماء وأصابوا: إن لكل كلمة مع صاحبتها مقاما. فإذا ما درست المفردات هذه الدراسة الفنية، درست الجملة في النص، لإدراك سر قوتها وجمالها، وهنا المجال فسيح أمام علوم البلاغة الاصطلاحية، التى تدرس أسباب الجمال في تكوين الجملة العربية، فتبحث لم قدّم هذا الجزء من الجملة، ولم أخر ذاك، ولماذا حذف هنا، وأثبت هناك، ولم جاء هنا التعريف، وهناك التنكير، ولم استخدم الخبر في موضع الإنشاء، ولم عبر هنا بالمجاز، وكيف جمل هنا التشبيه، وراق في هذا الموضع الجناس، إلى غير ذلك من أبحاث تتصل بالجملة والجملتين. ونمضى بعدئذ إلى دراسة النص برمته، ننظر إليه وحدة متصلة الأجزاء، فنرى مدى ارتباط بعضه ببعض، ومدى تضافر أجزائه على رسم الصورة التى يريد النص توضيحها، ومدى الإصابة في ترتيب هذه الأجزاء، كى يؤدى سابقها إلى لاحقها، حتى إذا تم النص صارت فكرته واضحة في النفس، جلية مؤثرة. ولا بدّ من دراسة المعانى التى حواها النص، لمعرفة القوى منها والضعيف، وما له دخل في تكوين الصورة وما هو دخيل، وكيف نضّدت هذه المعانى ونسقت، حتى التأمت وحدة تنبض بالحياة. لا نقف إذا من دراسة النص عند حد التأمل فيما أودعه من تناسق لفظى، أو جمال في الأسلوب، ولكن لا بدّ من دراسة ما بين اللفظ والمعنى من تآخ وتناسب، ودراسة ما اختير من المعانى، لمعرفة مدى تأثيرها في الفكر، وإثارتها للوجدان، فإن النفس الإنسانية تنقاد بهما، وتخضع لهما.

стр. 3

والقرآن الكريم أمة وحده في البلاغة العربية، فأردت أن أتبين بعض أسرار سموه، عساى أدرك سبب ما كان له من تأثير في النفوس، وسلطان على القلوب، وقد سرت في دراستى على هذا المنهج الذى تحدثت عنه؛ فقسمت البحث كتابين، خصصت الكتاب الأول منهما بدراسة البلاغة في اللفظ والأسلوب، وخصصت الثانى بدراسة المعانى، فبدأت بمقدمات تمهيدية تحدد معنى الأدب، وتبين ميدان عمله في النفس الإنسانية، وكيف نقرؤه قراءة صحيحة نافعة مؤثرة، وتدرس العلوم التى يحتاج إليها الأديب منتجا أو ناقدا، وتشرح المنهج الأدبى فى القرآن، وتعرض وجوه إعجازه، لبيان الرأى الذى نختاره من بينها، ثم عقدت فصلا لدراسة اللفظة المفردة في القرآن، تناولت فيه كيف تخيرت هذه الألفاظ تخيرا دقيقا، لتدل على معانيها في دقة وإحكام، وكيف تقع الفاصلة من الآية موقع الجزء الذى به تمام المعنى ووفاؤه، وحددت معنى الغريب والزائد وما في استخدامهما واستخدام المعرب من ألوان البلاغة، وفي الفصل الثانى طبقت تطبيقا فنيّا ما وعته علوم البلاغة الثلاثة، متجنبا كل التجنب المناقشات الفلسفية، البعيدة عن روح البلاغة، والتى كانت سببا في وأد الروح الفنى حينا طويلا من الزمن، وتحدثت في الفصل الثالث عن السورة، لتبين منهجها ومدى وحدتها، محللا بعض السور، كى تتضح الفكرة وتنجلى، وختمت الكتاب الأول بفصل عن دراسة أسلوب القرآن، أتبين ما أستطيع أن أتبينه من خصائص هذا الأسلوب، وإنى أقرر أن مثل هذه الدراسة تحتاج إلى المعاودة مرة أخرى، لتعرف ألوان الأساليب القرآنية وتصنيف هذه الألوان، تبعا للمعانى التى تناولتها، لمعرفة خصائص كل لون على حدة، فيدرس مثلا أسلوب السور المدنية، وأسلوب الأحكام، وأسلوب القصص، وأسلوب الوصف، وهكذا، ويوازن بين كل نوع وصاحبه، ومثل هذه الدراسة المجدية تحتاج إلى إنعام نظر، وصبر، وأناة، وطول وقت، مما أرجو أن يوفقنى الله إليه في القريب إن شاء الله. وخصصت الكتاب الثانى بدراسة بعض المعانى القرآنية، فدرست كيف تناول القرآن هذه المعانى؟ وما الذى عنى به من بين عناصرها؟ وكيف تناول هذه العناصر؟ ليؤثر في النفس الإنسانية، ولم كان هذا التأثير خالدا؟. والله المسئول أن يوفقنا إلى الصواب، وأن يهدينا سواء السبيل. حلوان الحمامات في: ٤ صفر سنة ١٣٧٠ ١٤ نوفمبر سنة ١٩٥٠

стр. 4

الكتاب الأول

стр. 5

مقدّمات تمهيدية: العمل الأدبى يقف الأديب عند سرير جندى جريح، عائد من ميدان القتال، فيثير فيه منظره معانى شتى، للبطولة والتضحية، أو يدخل مصنعا، قد انصرف فيه كل عامل إلى آلته، ومضت الآلات في عملها تنتج مسرعة، فيوحى إليه ما يراه، بخواطر عن الدأب، والنظام، والتقدم، ويحاول أن يسجل إحساسه إزاء ما رأى وأن ينقل هذا الإحساس إلى غيره، فينشئ مقالة، أو يقرض قصيدة، أو يؤلف قصة أو رواية، ويغضب الخطيب لأمر، فيحاول نقل غضبه في خطبة إلى سامعيه، ويختار لذلك ألفاظه وأساليبه، بحيث تنقل إحساسه نقلا صادقا غير منقوص. هذه المقالة، أو القصيدة، أو القصة، أو الرواية، أو الخطبة، هى العمل الأدبى فهى الصلة بين الأديب والسامع أو القارئ، وبها انتقل إحساس الأول إلى الثانى. ونستطيع أن نعرّف العمل الأدبى بأنه «التعبير عن تجربة للأديب بألفاظ موحية» والتعبير بالألفاظ، هو الذى يميز الأدب من باقى الفنون الجميلة؛ لأن الأدب يعبّر باللفظ، بينما تعبر الموسيقى بالصوت، والرسم باللون، والنحت بالحجارة. ونعنى بالتجربة كل ما جربه الأديب، ومر بنفسه من شعور، سواء أكان حقيقيّا أم متخيلا، فقد تكون حادثة صادفت المنشئ في حياته، أو صادفت غيره، وقد تكون قصة سمع بها، أو منظرا رآه، أو فكرة عرضت له، أو وهما مر بخياله، ومن هنا كان كل شىء في الحياة صالحا لأن يكون مادة للأديب، يتخذ منها صورا لبيانه، على شريطة أن يكون قد امتزج بشعوره، وملك عليه جوانب نفسه، ودفعه إلى الكلام، ولهذا وجب أن يكون في التجربة أمر غير عادى مألوف، وأن تكون ذات قوة ممتازة، وشدة خاصة؛ حتى تبعث في الأديب القوة الضرورية، لمجهود أدبى، يستطيع به أن يصف التجربة، فى صدق ودقة، وإتقان وبراعة، وبذلك يستطيع أن يبعثها مرة أخرى في نفوس قارئيه، أو سامعيه. هذا، وإن الحقائق العلمية قد يمزج بها الأديب إحساسه، وينقلها بهذه الصورة إلى القارئ، فتصبح عملا أدبيّا رائعا.

стр. 6

إن التجربة لا تكون بسيطة أبدا، بل لا بدّ أن تكون مكونة مما تحمله الحواس إلى الفكر، ومما يأتى به الفكر نفسه من معان، يدعو بعضها بعضا؛ فالواقف أمام نهر النيل مثلا، لا تنقل إليه حواسه لون مائه، وحركة موجه، وما على جانبيه من حقول فحسب، بل تنقل إليه أيضا رقة النسيم، ولون السماء، وما قد يكون فيها من سحاب، وهو يضيف إلى ذلك إحساسات أخرى، ولدها خياله، كموازنة هدوئه بالبحر وثورانه، وقد يطوف هذا الخيال بينابيعه، وبالشعوب التى تعيش على ضفافه، أو يعود متوغلا في القدم، فيذكر ما قام على شاطئيه من حضارة ومدنية، فإذا كانت تلك اللحظة الشعورية قوية، تتطلب التعبير عنها، فإن الأديب يستخلصها من بين ما يمر به من التجارب، ويحتفظ بها في نفسه، وكلما احتفظ بها ازدادت غنى، بما ينضم إليها من ألوان الإحساس، وبتداعى المعانى، فإذا أراد أن ينقل تجربته إلى غيره، وجب أن ينقلها كاملة، فلا نكتفى منه بأن يصور لنا المنظر الذى رآه، أو يذكر الإحساس الذى خالطه عند ما رآه، بل يجب أن يؤدى تجربته كاملة الأجزاء، لما شاهده وما أحسه معا، مرتبطين ارتباطا وثيقا، حتى يحس بها القارئ إحساسا كاملا وتنتقل إلى شعوره، فيتخيلها كما أدركها منشئها، وبمثل هذا التناول يخلد الأديب لحظة من لحظات شعور مرت به في حياته. إن في الإنتاج الأدبى لعملا إراديّا للأديب، ذلك أنه يتناول تجربته، وهى مكونة من أجزاء، فيرتبها ترتيبا منسقا، ثم يأخذ في إيضاح سلسلة خواطره، واحدا واحدا، على أن يكون لكل خاطر منها دخل في تصوير التجربة وإكمالها، فيكون له وجود من أجل نفسه، ووجود من أجل الكل الذى هو جزء منه، وبجمع هذه الأجزاء، تصير التجربة وحدة متسقة، وكلا موحدا، يتصل كل جزء فيها بسائر الأجزاء، أما إذا كان بعض الأجزاء لا دخل له في تكوين الصورة، ولكنه جاء بطريق الاستطراد، أو لم تكن التجربة مسلسلة الخواطر، يرتبط بعضها ببعض، فإنها تنقل إلى السامع مشوهة، لا صلة بين أجزائها ولا اتساق، وهاك تجربة لقتيلة بنت الحارث، وقد أخذت تعاتب الرسول، لقتله أخاها النضر، برغم قرابته له، واتصاله بنسبه: أمحمد يا خير ضنء (١) كريمة ... فى قومها، والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت، وربما ... منّ الفتى، وهو المغيظ، المحنق والنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم، إن كان عتق، يعتق ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك، تشقق

стр. 7

فقد بدأت حديثها معه تناديه باسمه، نداء القريب، الذى لا كلفة بينك وبينه، مشعرة إياه بشدة الصلة بينهما، حتى لكأنها توحى إليه، بأن هذه القرابة القريبة ما كانت تنتظر على يده هذا المصير، ثم انتبهت إلى مكانة الرسول في قومه، فنادته واصفة بما يتفق مع هذه المكانة، وكأن قلب الأم، الذى في كل أنثى، دفعها إلى أن تصفه بأنه خير ابن، لأم كريمة في قومها، وأب عريق في الشرف، حتى إذا انتهت من استرعاء سمعه، بهذا النداء، أخذت تسأله سؤال الموجع، الموقن بأن حكم القضاء قد تم، ولا سبيل إلى استرجاعه، فاستخدمت لذلك هذا الاستفهام الحزين، الموحى بأنه لم يكن ثمة خطر في إطلاقه، فضلا عما في هذا الإطلاق، من مكرمة المن. وأتت بكلمة «لو» المشعرة بالأسف، لدلالتها على امتناع وجود الفعل، وما كان أدق ذوقها في اختيار كلمة «ربما» الدالة على حسن الأدب، والتماسها العذر للرسول، وتلميحها إلى ما في العفو، برغم الغيظ والحنق، من مثل أعلى، جدير بالاقتداء، حتى إذا انتهت من ذلك، لمست من الرسول ﷺ موضع العطف، فذكّرته بقربه منه، واستحقاقه أن يظفر برعايته، ثم انتقلت من ذلك إلى تصوير هذا القريب، الجدير بالود، أو بالمنّ، والعتق- هدفا لسيوف أقربائه، تتناوله بأطرافها، فتمزق بتمزيق أديمه، القرابة وتقطع أواصرها. وهكذا، كان كل جزء له أثره، فى نقل هذه التجربة التى ملكت نفس قتيلة، ونجحت في إيصال ألمها للسامع، حتى روى أن الرسول بكى، وقال: لو سمعتها قبل اليوم ما قتلته. نستطيع أن نسمى التجربة التى تسيطر على الأديب، وتدفعه إلى التعبير عنها بالإلهام، وكلما عظم هذا الإلهام، احتاج إلى قوة كبيرة، تستطيع التعبير عنه تعبيرا يمثله تمثيلا صادقا، ولذا كان كبار الأدباء ذوى سلطان على اللغة، وقدرة قديرة على التعبير، فاستطاعوا أن ينقلوا إلينا من التجارب أعظمها وأسماها. وإن لدى الأديب إحساسا لغويّا ممتازا، يستطيع به أن يختار من الألفاظ ما هو قوى في تصويره، واضح في دلالته على مراده، ويدرك ما تستطيع الألفاظ أن توحى به إلى القارئ، وإن للألفاظ لوحيا يشع منها، فيملأ النفس شعورا، ويثير الوجدان، ويحرك العاطفة، ذلك أن الألفاظ قد تراكم حولها بمضى الزمن والاستعمال، معان أخرى، أكثر من هذه المعانى التى نجدها لها في القاموس، فليس ما بين يدينا من معانى الألفاظ في المعاجم، سوى هذه المعانى المتبلورة، والأديب البليغ هو من يستنفد ما للألفاظ من معان، أضفاها عليها الزمن، فتثير

стр. 8

فى النفس أعمق الإحساسات، وتملأ الخيال بشتى الصور، وإذا شئت فانظر في القاموس إلى معانى كلمات: أم طفولة، ومدرسة، ووطن، مثلا، فالأم في اللغة هى الوالدة، ولكن هذا اللفظ يثير في النفس، إذا سمع، أسمى معانى الحب وأقدس ألوان العواطف، وأشرف آيات الإيثار، وأعمق معانى الحنان، وليست الطفولة سوى وقت الصبا في القاموس، أما إذا سمعت فإنها تثير تلك الخواطر، التى تحوم حول هذه الأيام النضرة، وعلى هاتيك الملاعب العزيزة، وكم ذكريات تثيرها المدرسة في النفس، حول عهود محبوبة، وآمال مرتقبة، وأصدقاء مختارين، بينما هى في المعجم مكان الدراسة، أما كلمة الوطن، فقد تراكم حولها من المعانى والذكريات ما أشار ابن الرومى إلى بعضه حين قال: وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب، قضّاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصبا فيها، فحنوا لذلكا فلا عجب أن تثير كلمة الوطن في النفس هذه الذكريات العذبة المحبوبة، وإن أردت أن تدرك شدة وحى الألفاظ فاقرأ قوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (الحجرات ١٢). وانظر أى كراهية ونفور، يثيره في النفس، تخيل أكل لحم الأخ ميتا، واقرأ قول الشاعر: وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحة، فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها، ويأذن للنسيم يروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم وانظر ما توحى به إلى النفس «لفحة الرمضاء» فإنها تشعرك بهذا الهواء الساخن، يلفح وجهك، ويرمض عينيك، فتكاد تضع يدك على هذا الوجه، تحجب بها عنه هذه السخونة الممضة، وتحس كما أحس الشاعر بفضل هذا الوادى عليه، فقد حماه من وهج الشمس، وسطوة الحر، فلا غرابة أن يدعو له من كل قلبه، أن يسقيه «مضاعف الغيث». وانظر ما توحى به إلى خيالك كلمة «دوح» من ظل ظليل، ونسيم بليل، تسكن إليه النفس، بعد لفحة الرمضاء، وتخيل «حنو المرضعات» وما يثيره من معانى العطف والحنان، أما «أرشف» فتوحى إليك بهذه المتعة، التى يحس بها الظمآن، لفحه حر الشمس، فأوى إلى ظل ظليل وأخذ يشرب على مهل، يستمتع بالماء الزلال، وكيف يجده حينئذ، ألذّ من المدامة،

стр. 9

وتخيل كذلك ما يثيره عندك «يروع» والصورة التى تركتها. وكلمة «العذارى» وموضع الفاء، التى تدل على هذه الحركة السريعة، الناشئة من الروعة، وهكذا استطاع الأديب بهذه الألفاظ الموحية، السيطرة على خيالنا، وأن ينقل إلينا إحساسه وشعوره. ولعل هذا هو السبب، فى أن علماء البلاغة، قد كرهوا استعمال الكلمات الغريبة؛ لأنها تعجز عن أن تثير في النفس معنى قبل البحث عنها، فضلا عن أن تثير هذه الخواطر، التى تحيط بالكلمة إذا استعملت. على أنه قد يشفع في بعض الأحيان، لاستخدام الكلمة الغريبة، أنها وضعت فى موضع، سهّل الأسلوب فهمها، وكانت هى بجرسها موحية بمعناها، ولعل من ذلك قول شوقى: خلوا الأكاليل للتاريخ، إن له ... يدا تؤلفها درا ومخشلبا (١) فهذا الجمع بين الدر والمخشلب، يوحى بما بينهما من البون الشاسع، وفي حروف الكلمة الغريبة، ما يوحى بأنها تعنى شيئا حقيرا. والإحساس اللغوى عند الأديب هو الذى يختار اللفظ اختيارا دقيقا، بحيث يؤدى المعنى، على وجه لا لبس فيه ولا اضطراب، وهو لذلك يلحظ الفروق الدقيقة بين الكلمات، ويأخذ من بينها أمسها بمعناه، حتى تقوم بواجبها من التوصيل الصادق. سمع ابن هرمة أديبا ينشد قوله: بالله ربك، إن دخلت، فقل لها: ... هذا ابن هرمة، قائما بالباب فقال له: لم أقل: «قائما»، أكنت أتصدق؟. فقال: «قاعدا»، فقال: أكنت أبول؟ قال: فماذا؟ قال: «واقفا» وليتك علمت ما بين هذين، من قدر اللفظ والمعنى (٢). بل إن الإحساس اللغوى، قد يرهف ويدق، فيختار من الكلمات ما يكون بين أصواتها وبين الموضوع ملاءمة، بحيث يكون فيها تقليد للشيء الموصوف، حتى كأنه يوحى به إلى الخاطر، كما تحس بذلك في كلمة «أرشف» من الشعر السابق، وكما اختار المتنبى كلمة «تفاوح» فى قوله:

стр. 10

إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده فهى تدل بصيغتها، على هذه الموجات النسيمية، تحمل في أردانها عبق المسك والرند. وكلمة صليل في قوله: وأمواه، تصلّ بها حصاها ... صليل الحلى في أيدى الغوانى فهى تسمعك وسوسة المياه تداعب حصاها .. وبعض ألفاظ اللغة، أسلس على اللسان، وأجمل وقعا على الأذن من بعض، وهو جمال ظاهرى، يساعد الأديب على إيصال تجربته، وعلماء البلاغة يذكرون من صفات الألفاظ المفردة ما يصح أن تلتمسه هناك. وفضلا عما للكلمات من خصائص يدركها إحساس الأديب، كذلك النظم في العبارة الأدبية، يحمل معنى أكثر مما تؤديه الجملة، بجريها على النحو، فإن هناك قوى يبثها المؤلف فيها، عن غير عمد حينا وعن عمد حينا آخر، فنجده يقدم، ويؤخر، ويذكر، ويحذف، ويصل، ويفصل، ويأتى ببعض ألوان المعارف دون بعض، وحينا يدع المعرفة إلى النكرة، وآنا يستخدم أداة من أدوات الطلب مكان أخرى، أو يأتى بزخرفة في مكانها، وقد وصل علماء البلاغة إلى إدراك كثير من هذه الأسرار، فعقدوا علما يتحدث عن خصائص الجملة ودعوه علم المعانى، وعلما للخيال الذى يعقد الصلة بين الأشياء ودعوه علم البيان، وآخر لبعض ألوان الجمال، وسموه علم البديع. ولكن خصائص النظم، لا تقف عند حد الجملة، بل إن للأساليب خصائص، فمنها ما يناسب الانفعال السريع، والحركة المتوثبة، ومنها ما يناسب العاطفة الهادئة، والحركة البطيئة، وقد يدفع الإحساس الفنى الأديب، إلى انسجام في النظم وموسيقى لفظية، تساعد على الإيحاء، وإن هذا الانسجام وهذه الموسيقى يصلان إلى الذروة في فن الشعر، وبذلك يستطيع الأديب أن يصل إلى أسمى درجات التأثير. ***

стр. 11

مجال الأدب بين مظاهر الشعور يرى علماء النفس للشعور مظاهر ثلاثة: فهو تفكير، إذا كان بحثا عن حقائق الوجود، لمعرفة أسبابها، واستنباط قواعدها، وإدراك ما بين بعضها وبعض من صلة أو تنافر. وهو وجدان، إذا صحبه إحساس باللذة والألم، فالحب والبغض، والسرور والحزن، والرجاء واليأس، والخوف والغضب، كلها وجدانات تتصل بالنفس، فتحدث بها لذة أو ألما. وهو إرادة إذا حفز المرء إلى العمل، ودفعه إليه، كالرغبات والنيات. وإن بين هذه المظاهر النفسية اتصالا وثيقا، لا يتأتى معه انفصال واحد عن صاحبيه، وإن كان المظهر الغالب لأحدها. فمن المحال أن نجد ألما في أنفسنا من غير أن نبحث عن سببه، ونبذل طاقتنا في سبيل إبعاده. ويستحيل أن نفكر فى عمل عقلى، من غير أن نشعر بارتياح إذا سهل الأمر وانقاد، وامتعاض إذا اعتاص والتوى. والأعمال الإرادية يصحبها التفكير والوجدان، ولا تستقل بنفسها أبدا. غير أن الصلة التى تربط هذه المظاهر بعضها ببعض، قد تكون طبيعية، إذا كانت التجربة نفسها تستدعى هذا الترابط، بطريق تداعى المعانى؛ كما إذا وصل إليك نبأ نجاحك مثلا، فإن خواطر شتى تفد إلى نفسك من كل صوب، ما بين سرور وابتهاج بما ظفرت به، وتفكير في الوسائل التى انتهجتها، فوصلت بك إلى تلك الغاية السعيدة، إلى رغبات وعزمات تصمم عليها، ويدفعك إليها هذا الظفر المحبوب، وبينما ترى بعض هذه الخواطر واضحا جليا للنفس، ويحتل بؤرة الشعور أو الحواشى القريبة منها، تجد بعضها الآخر غامضا خفيا، لا تكاد تشعر به؛ وتكون الصلة غير طبيعية إذا لم تكن التجربة مستدعية لها بطريق تداعى المعانى، كما إذا كنت تدرس نظريات الهندسة، فسئمت العمل وتركته، فليس بين نظريات الهندسة والسأم من صلة. ليس التفكير الخالص بميدان للأدب، وإنما هو مرتع للعلم وحده، أما الأدب فمجاله الإحساس بالحسن، الذى يثير في النفس لذة، أو بالقبح الذى يبعث فيها

стр. 12

ألما، فالأدب تعبير عن هذا الإحساس، وتصوير له، فهو لسان الوجدان وترجمانه، إذا كان العلم لسان التفكير والمبيّن عنه. تسمع قول قريط بن أنيف يعاتب قومه الذين لم ينجدوه، ويمدح بنى مازن، لأنهم أخذوا بيده ونصروه: لو كنت من مازن لم تستبح إبلى ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصرى معشر خشن ... عند الحفيظة، إن ذو لوثة لانا قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه، زرافات، ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... فى النائبات، على ما قال برهانا لكن قومى، وإن كانوا ذوى عدد ... ليسوا من الشر في شىء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا فليت لى بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا فالشاعر هنا يصور لنا نقمته على قومه، وازدراءه كثرة عددهم، لخورهم، وجبنهم، حتى ليقابلون ظلم ظالمهم بالصفح والغفران، وإساءة المسيئين إليهم بالعفو والإحسان، يلتمسون لضعفهم المعاذير، من الخضوع لتعاليم الدين، فكأن الله لم يخلق غيرهم لخشيته. أما بنو مازن، فهو معجب ببسالتهم وإقدامهم، يمنعون حماهم أن يستباح، ويجد أعداؤهم فيهم خشونة لا تلين، يسرعون إلى نصرة أخيهم، قبل أن يطلبوا منه برهانا على ما قال، فلا عجب أن تمنى استبدال قومه بغيرهم. تحدث الشاعر في تلك القطعة عن إعجابه وسخطه، أى عن إحساسه بالجمال والقبح، ونجح في تصويرهما ونقلهما إلينا، مستعينا على ذلك بألوان من الخيال، تكاد تلمس بها خشونة جانب من نصروه، وترى بها الشر مكشرا لهم عن أنيابه، وتبصرهم طائرين لا يلوون على شىء، وموردا هذه المناقضات التى ما كان يليق أن تكون، ومتهكما بهم تهكما مرّا لاذعا، ويشعر القارئ لهذا الشعر بلذة، أثارها فينا نجاحه في التصوير، وبراعته في التعبير. بينما نحن لا نعد من الأدب هذه المقالات العلمية، التى تخاطب التفكير وحده، من غير أن تشرك الوجدان معه. على أن الأديب قد يستعين بقضايا الفكر، على تصوير هذا الإحساس، كما فعل المتنبى عند ما أراد أن يصور حيرته اليائسة من الوصول إلى أن يدرك كنه الحياة، ومصير الوجود، فقال:

стр. 13

تخالف الناس، حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب، والخلف في الشجب (١) فقيل: تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل: تشرك جسم المرء في العطب ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب وهنا نجد الطريق ممهدا للحديث عن هدف الأدب، والحق أننا نقف بهذا الهدف عند حد الإثارة الوجدانية، فلا نطلب منه أن يمدنا بأفكار صادقة عن الحياة، ولا أن يثير فينا النزوع إلى الأعمال الصالحة، أى أنه ليس مهمته التعليم والإصلاح، وإن كان ذلك لا يمنع من أن يزودنا بالأفكار، أو أن يحرك إرادتنا للعمل، سواء أكان ذلك مقصودا للأديب أم غير مقصود، فقد يقف الأدب عند حد الإثارة الوجدانية فحسب، كما في أدب الطبيعة، وشعر الغزل، وكثير من المرائى، والرسائل، والمقالات العاطفية المحضة، مثل قول حافظ يصف عاصفة مرت بالبحر الأبيض، وهو يركب سفينة فيه: عاصف يرتمى، وبحر يغير ... أنا بالله منهما مستجير وكأن الأمواج، وهى توالى ... محنقات، أشجان نفس تثور أزبدت، ثم جرجرت، ثم ثارت ... ثم فارت، كما تفور القدور ثم أوفت، مثل الجبال على الفلك، ... وللفلك عزمة لا تخور تترامى بجؤجؤ، لا يبالى ... أمياه تحوطه أم صخور أزعج البحر جانبيها من الشدّ، ... فجنب يعلو، وجنب يغور وهو آنا ينحط من علو كالسيل، ... وآنا يحوطها منه سور وهى تزور كالجواد إذا ما ... ساقه للطّعان ندب جسور وعليها نفوسنا خائرات ... جازعات، كادت شعاعا تطير فى ثنايا الأمواج والزبد المندوف، ... لاحت أكفاننا والقبور وقول القشيرى: حننت إلى ريّا، ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا، وشعباكما معا فما حسن أن تأتى الأمر طائعا ... وتجزع أن داعى الصبابة أسمعا قفا ودعا نجدا، ومن حل بالحمى ... وقولا لنجد عندنا أن يودعا بنفسى تلك الأرض، ما أطيب الربا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا! ولما رأيت البشر (٢) أعرض دوننا ... وجالت بنات الشوق يحنن نزّعا بكت عينى اليسرى، فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم، أسبلتا معا

стр. 14

تلفتّ نحو الحى حتى وجدتنى ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا (١) وأذكر أيام الحمى، ثم انثنى ... على كبدى، من خشية أن تصدعا وليست عشيات الحمى برواجع ... إليك، ولكن خل عينيك تدمعا وقول ابن الرومى يرثى ابنه: بكاؤكما يشفى، وإن كان لا يجدى ... فجودا، فقد أودى نظير كما عندى ألا قاتل الله المنايا ورميها ... من القوم حبات القلوب على عمد توخّى حمام الموت أوسط صبيتى ... فلله، كيف اختار واسطة العقد؟! على حين شمت الخير من لمحاته ... وآنست من أفعاله آية الرشد طواه الردى عنى، فأضحى مزاره ... بعيدا على قرب، قريبا على بعد لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها ... وأخلفت الآمال ما كان من وعد لقد قل بين المهد واللحد لبثه ... فلم ينس عهد المهد، إذ ضم في اللحد محمد، ما شىء توهم سلوة ... لقلبى، إلا زاد قلبى من الوجد أرى أخويك الباقيين كليهما ... يكونان للأحزان أورى من الزند إذا لعبا في ملعب لك لذّعا ... فؤادى، بمثل النار، عن غير ما قصد فما فيهما لى سلوة، بل حرارة ... يهيجانها دونى، وأشقى بها وحدى وحينا يمدنا بمعلومات عن الحياة ونظم الكون والمجتمع، على شريطة أن يكون ذلك ممتزجا بشعور الأديب، وناشئا عن تجربة شخصية له، كما ترى ذلك فى ألوان الأدب الاجتماعى والسياسى، وفي شعر الحكمة، كقول زهير: ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب، ويوطأ بمنسم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه، ويذمم ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يعد حمده ذما عليه، ويندم ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه ... يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس، تعلم لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وقول المتنبى: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر، كوضع السيف في موضع الندى

стр. 15

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذى يحفظ اليدا وقيدت نفسى في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا وقوله: إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا من أطاق التماس شىء غلابا ... واقتسارا، لم يلتمسه سؤالا كل غاد لحاجة يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا وقديما عدوا حسن إيراد الحجة من البلاغة، وضربوا لذلك المثل بقوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) (يس ٧٨ - ٨٣). وحينا يثير الأدب فينا الإرادة، ويدفعنا إلى العمل، وأظهر ما يتجلى ذلك في الخطابة، فإنها كثيرا ما ترمى إلى إثارة التفكير المصحوب بالوجدان، المتبوع بالعمل، كخطبة عبد الله بن طاهر في جنده، وقد تجهز لقتال الخوارج: «إنكم فئة الله، والمجاهدون عن حقه، الذابون عن دينه، الذائدون عن محارمه، الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله والطاعة لولاة أمره، الذين جعلهم رعاة الدين، ونظام المسلمين، فاستنجزوا موعود الله ونصره، بمجاهدة عدوه، وأهل معصيته، الذين أشروا وتمردوا، وشقوا عصا الطاعة، وفارقوا الجماعة، ومرقوا من الدين، وسعوا في الأرض فسادا، فإنه يقول ﵎: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (محمد ٧). وليكن الصبر معقلكم الذى إليه تلجئون، وعدتكم التى بها تستظهرون، فإنه الوزر المنيع الذى دلكم الله عليه، والجنة الحصينة التى أمركم الله بلباسها، غضوا أبصاركم، وأخفتوا أصواتكم في مصافكم، وامضوا قدما على بصائركم، فارغين إلى ذكر الله والاستعانة به، كما أمركم الله فإنه يقول: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الأنفال ٤٥). أيدكم الله بعز الصبر، ووليكم بالحيطة والنصر». فأنت تراه قد أثار وجدانهم، بما عرضه عليهم، من الأفكار ليدفعهم إلى الجهاد. وكما في الآيات القرآنية التى ترمى إلى تحريك الإرادة، مثل قوله : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت ٣٤).

стр. 16

وكقول الشاعر: دببت للمجد، والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس، وألقوا دونه الأزرا وكابدوا المجد، حتى مل أكثرهم ... وعانق المجد من أوفى ومن صبرا لا تحسب المجد تمرا، أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا وأكثر ما يحرك الأدب الإرادة من غير أن يأمرها بذلك، كما في الروايات التمثيلية الخلقية والاجتماعية، وكما في كثير من الشعر، وربما كان هذا هو ما حدا بالأقدمين إلى أن يوصوا أولادهم بحفظه ودراسته، بل ربما كان هو المعنى الذى لاحظوه عند ما وضعوا لهذا اللون من القول الجميل اسم الأدب. قال معاوية لابنه: يا بنى ارو الشعر، وتخلق به، فلقد هممت يوم صفين بالفرار مرات، فما ردنى عن ذلك إلا قول ابن الأطنابة: أبت لى همتى، وأبى بلائى ... وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإقدامى على المكروه نفسى ... وضربى هامة البطل المشيح وقولى كلما جأشت وجاشت ... مكانك، تحمدى، أو تستريحى لأدفع عن مكارم صالحات ... وأحمى بعد عن عرض صحيح وأنت ترى الشعر نفسه لا يطلب إقداما، ولا يحث على ثبات، ولكنه حديث عن هذا النزاع الذى دار بنفس قائله، وهو في ميدان القتال، وكيف استطاع أن يثبت فى هذا الميدان، يحمله على الثبات ماض ملىء بالجهاد، وهمة تأبى النقيصة، وقلب موكل باكتساب المجد، ونفس اعتادت الإقدام على المكارم، وضرب هامات الأبطال؛ دفاعا عن مآثره، وحماية لعرضه، وليس في الشعر سوى هذا. ولكن معاوية رأى في صاحبه بطلا جديرا بالاقتداء. وبما قدمناه يتبين أن الخلاف على أن الإصلاح الاجتماعى من أهداف الأدب خلاف ظاهرى يزيله تحديد معنى الأدب، وتحديد مجاله، أما وقد قلنا: إن كل ما في الحياة يصلح أن يكون موضوعا للأدب، على أن يتناول من ناحية إحساس الأديب، بما فيه من جمال أو قبح، فلا ضير على الأديب إذا أن يتناول مسألة خلقية أو اجتماعية يعالجها، أو أن يدعو إلى فضيلة، أو ينهى عن مأثمة، على شريطة أن يكون ذلك من تجاربه، وأن يثير فينا الوجدان فيرضى فنعمل، أو يكره فنكف. الأديب حر في أن يتناول ما يشاء من تجاربه، من غير أن نضع له خطة ينتهجها، وكل ما نطالبه به أن يرسم لنا شعوره، ولذا نرى من الأدباء من أحس بجمال المشورة فمدحها، كبشار بن برد، إذ قال:

стр. 17

إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن ... برأى نصيح، أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافى قوة للقوادم ومنهم من لم ير فيها جمالا، كعبد الملك بن صالح، حين قال: «ما استشرت أحدا إلا تكبر علىّ وتصاغرت له، ودخلته العزة، ودخلتنى الذلة، فعليك بالاستبداد، فإن صاحبه جليل في العيون، مهيب في الصدور، وإذا افتقرت إلى العقول، حقرتك العيون، فتضعضع شأنك، ورجفت بك أركانك، واستحقرك الصغير، واستخف بك الكبير، وما عز سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصحائه». وكلا القطعتين من الأدب. أما التعبير الإباحى، فليس من الأدب ولا الفن الجميل، لأننا نعنى بالإثارة تلك الإثارة الوجدانية الروحية الخالصة، أما إثارة الغريزة الجنسية فليست من عمل الأدب، ومثل هذا اللون من القول، مثل الصور الخليعة الماجنة، لا يعدان من الفنون الرفيعة. علوم البلاغة والنقد الأدبى اصطلح الباحثون على عد علوم البلاغة ثلاثة: المعانى والبيان والبديع، يريدون بعلم المعانى ذلك العلم الذى يبحث في أسرار تركيب الجملة، والمعانى التى تفهم من تكوينها على نحو مخصوص، وذلك ما عناه عبد القاهر بمعانى النحو (١)، أى معانى نهج العرب في تكوينهم الجملة، ولذلك وقف بحث هذا العلم عند تأمل الفروق بين الجملة الاسمية والفعلية، وتدبر أحوال المسند والمسند إليه، ومتعلقات الفعل، من ذكر، وحذف، وتقديم، وتأخير، وإيثار معرفة على أخرى، أو صيغة من صيغ الفعل على غيرها، إلى ما سوى ذلك من بحث أسرار الجمال فى نظم الجملة العربية. أما علم البيان، فموضوعه ذلك التصوير، الذى يهب الفكرة وضوحا وقوة فيزيد تأثيرها في نفس المخاطب، أو القارئ، بالالتجاء إلى الخيال المصور، ومن أجل هذا كان موضوع درسه التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز، وهى صور توحى بالتجربة الشعورية أتم إيحاء. ويتناول علم البديع تلك المحسنات المعنوية حينا، واللفظية حينا آخر، مما يزيد في جمال اللفظ وقوة تأثيره، ووضوح المعنى.

стр. 18

ولقد باعد بين هذه العلوم وبين ما كان يرجى لها من نهوض، أن كتب دراستها قد امتزجت بدراسات فلسفية، نأت بها عن تقدير الفن الأدبى، وآلت الكتابة فيها إلى عبارات موجزة مركزة، يسودها الغموض، وتحتاج إلى الشروح والحواشى، واعتمد مؤلفوها على أمثلة تطبيقية، بعيدة عن روح الفن، ولا أثر للبلاغة فيها. هذا فضلا عن الحاجة إلى مراجعة ما قرره العلماء من قبل، ووضعوه كأنه قواعد ثابتة، فهو في حاجة إلى التصحيح والتقويم من جديد، لخطئه في بعض الأحيان. ولا أريد أن أطيل في بيان ما عليه علوم البلاغة الحالية، من قصور، وجفاف، مما يحتاج إلى جهود متضافرة في دأب، لإنقاذ هذه العلوم، والأخذ بيدها، حتى تعود دراستها فنية أدبية، فتقوم بدورها في إمداد النقد بالقواعد الصالحة، التى تدرس أسباب الجمال المودع في الجملة، وليس الشعور بالنقص في علوم البلاغة حديثا، بل قد شعر القدماء أنفسهم به، فقالوا إنها علوم لم تنضج بعد. أما صلة هذه العلوم بالنقد الأدبى، فهى من علوم الأدب الاثنى عشر، التى تحدث عنها القدماء، ومن الخير أن نتبسط قليلا في الحديث عن هذه العلوم، لنرى مدى اعتماد النقد الأدبى عليها. فمن تلك العلوم ما يعود إلى دراسة الكلمة المنفردة حينا، من حيث مادتها، وهو ما دعوه علم اللغة، وحينا من حيث انتساب بعض الكلمات إلى بعض بالأصلية والفرعية، وسموا ذلك علم الاشتقاق، وحينا آخر من حيث صورة الكلمة وهيئتها مما يدرس في علم الصرف. ومن تلك العلوم ما يعود إلى الجملة، من حيث أداؤها للمعنى الأصلى، ويعنى بذلك علم النحو، أو من حيث إنها تفيد بنظمها معانى أخرى غير منطوق بها، كالمعانى التى تستفيدها من تقديم الكلمة حينا، أو تعريفها حينا، إلى غير ذلك مما يبحث عنه علم المعانى، أو من حيث إن الجملة تؤدى معناها بطريق الحقيقة، أو مستعينة بالخيال، وهو ما يبحث عنه علم البيان، ويلحقون بهذين العلمين علم البديع، الذى يعمد إلى التأثير في النفس، من حيث الصناعة اللفظية أو المعنوية. ومن تلك العلوم ما يعود إلى الشعر، فيبحث فيه من حيث وزنه، وذلك علم العروض، أو من حيث قوافيه، وما يعتورها من الصحة والسقم، وهو علم القوافى. كل هذه العلوم التى ذكرناها تدرس المفرد، أو الجملة والجملتين، أما النظر

стр. 19

إلى النص النثرى برمته، وإلى القصيدة كلها، فقد وضع له الأقدمون علمين هما علم الشعر، وعلم النثر. وقل من كتب من العلماء في هذين العلمين. ولعلنا نستطيع أن ندخل في علم النثر دراسة الأساليب وألوانها، وما يجب أن يكون هناك من صلة بين الأسلوب والموضوع، وندخل فيه كذلك دراسة خصائص كل فن من فنونه، فندرس المقالة، والقصة، والرواية، والرسالة، والخطبة، مبينين ميزة كل لون من هذه الألوان، لا من الناحية اللفظية فحسب، ولكن من الناحية المعنوية كذلك، فنرسم منهج كل نوع في تناول معانيه. ونستطيع أن ندخل في علم الشعر تنوع بحوره، ومناسبة كل بحر لعاطفة خاصة، وموضوع خاص، وندخل فيه أيضا حديثا عن القافية ووحدتها أو تعددها، وأثرها الموسيقى، وحديثا عن ألوان الشعر، من عاطفى، وروائى، وقصصى، وما يمتاز به كل لون من خصائص وسمات، مع العناية التامة بناحية المعانى وطرق تناولها، كما ندرس كذلك معنى العاطفة وأنواعها، وألوان الخيال، وقيمة الحقائق في النصوص الأدبية. وقد ألم القدماء ببعض هذه النواحى ولكنهم لم يوفوها حقها من البحث والتحليل. ولم ينس القدماء أن الأدب يعتمد على المعرفة، وأن الأديب محتاج إلى أن يلم بخلاصة وافية لمختلف الثقافات، فذكروا من بين علوم الأدب، علم المحاضرات، يريدون ما يعبرون عنه، بأن على الأديب أن يأخذ من كل فن بطرف، وهذه المعارف هى التى يتكئ عليها الأديب في تصوير شعوره بالجمال أو بالقبح، ولذا ترى الأديب في حاجة إلى علم النفس، والتاريخ، والاجتماع، مثلا عند ما يضع رواية تمثيلية، يحلل فيها نفوس الشخصيات، أو يصف عصرا من عصور التاريخ، أو يتناول مشكلة من مشاكل الاجتماع، وهو محتاج إلى تلك العلوم وغيرها، عند ما يضع قصة، أو أقصوصة، أو عند ما يضمن إنتاجه حقيقة من حقائق الحياة. وهنا يجدر بنا أن نبين أن الشاعر أو الكاتب، قد يوحى إليه شعوره تفسيرا لمظهر من مظاهر الكون يخالف تفسير العلم له، فيوزن الأديب حينئذ بمقدار طبيعة هذا الشعور وصدقه، لا بمقدار ما فيه من الحقائق. خذ مثلا لذلك قول شوقى يناجى النيل: من أى عهد في القرى تتدفق ... وبأى كف في المدائن تغدق؟! ومن السماء نزلت، أم فجرت من ... عليا الجنان جداولا تترقرق؟!

стр. 20

فالحقيقة الجغرافية لمنابع النيل معروفة، ولكن عظمة النيل وجلال ما له من أياد، حتى لكأنه يفيض سلسبيلا من عليا الجنان، أوحيا إلى شوقى بهذا التساؤل الشعرى البارع. تلك هى علوم الأدب، أما الأدب نفسه: شعره ونثره، ففن من الفنون الجميلة، وهو لذلك ينبع من الموهبة، ويفيض من الفطرة، ثم تسدده هذه العلوم وتهدى خطاه، وإن نظرة إلى تلك العلوم نفسها، تجعلنا نؤمن بأن الناقد حين ينقد، فى حاجة إلى تلك العلوم نفسها، عند تقدير النص الأدبى وتقويمه، ومن أجل هذا صح لنا القول بأن تلك علوم الأدب: إنتاجا ونقدا، فالناقد، فضلا عن حاجته إلى العلوم اللغوية، فى حاجة- كالأديب- إلى الإلمام بمختلف الثقافات، حتى يستطيع أن يحكم على النص حكما صادقا خالصا. أما النقد نفسه فكالأدب، فن من الفنون، يعتمد على الموهبة والفطرة، ويتكئ على ما قدمنا من العلوم، لبيان وجه جمال الجميل، وقبح القبيح. وقد طال الحديث عن صلة النقد بالذوق، حتى لقد قيل إن النقد يعتمد على الذوق وحده، وهذا صحيح إلى حد كبير، فهذا الذوق هو الملكة الموهوبة، التى يستطاع بها تقدير الأدب الإنشائى، وإننا إذا تدبرنا حقيقة الأمر، رأينا أن كل تعليل بلاغى، هو تفسير لهذا الذوق السليم، وتعليل عقلى له، فليس تعليلك لجمال النص بأن فيه إيجازا، أو إطنابا، أو حذفا، أو تقديما، سوى تفسير عقلى لذوقك الذى أحس بجمال النص. وإذا كانت الملكات في النفوس كالبذور، تحتاج إلى التربة الصالحة، والغذاء والماء فكذلك ملكة الأدب ونقده، فى حاجة إلى الرى، والغذاء، وذلك إنما يكون بدراسة ما أسلفناه من علوم، وبالتملؤ من الأدب القوى، وبالقراءة الأدبية الفاحصة، والمران على تقويم النصوص، والبحث عن أسرار جمالها، ومناحى لونها، وبذلك يقوّم الذوق ويستقيم حكمه. غير أن هذه التربة الصالحة التى يجب أن يغتذى الذوق منها، تحتاج إلى جهد جهيد، وتضافر قوى الباحثين والدارسين، حتى تصبح صالحة، لإنتاج أبرك الثمرات، ذلك أن من علوم النقد ما تم نضجه، فلم يعد في حاجة لغير تنظيمه، حتى يصبح الانتفاع به ميسورا كعلم النحو، والصرف، والعروض، والقافية، ومنها ما لم ينضج بعد، بل هو في حاجة إلى معاودة النظرة، لتخليصه مما علق به مما ليس منه، ولتصحيح أخطاء مضى عليها الزمن، حتى استقرت صحتها في

стр. 21

الأذهان، وهى غير صحيحة، وتلك هى علوم البلاغة، التى اختلطت بمسائل فلسفية، وملئت كتبها بأبحاث لفظية، ومناقشات جدلية، باعدت بينها، وبين أداء رسالتها، أداء كاملا غير منقوص، وحسبى أن أشير إلى شروح التلخيص وحواشيه، التى تضل البلاغة في ثناياها وشعبها، فلا تهتدى إليها، وحسبى كذلك أن أشير إلى ما في باب التشبيه، من أخطاء في القواعد الموضوعة، من وقوفهم عند حد الحس في التشبيه، وجعلهم البعيد الغريب في التشبيه أبلغ أنواعه، إلى غير ذلك من أحكام تحتاج إلى مراجعة النظر، للوصول فيها إلى حكم صحيح. ومن تلك العلوم ما لم يدرس إلى اليوم، سوى أشتات مبعثرة، ونعنى بذلك علمى الشعر والنثر، وقد أبنّاهما فيما مضى، فلا عجب إذا أن نرى النقد الأدبى متعثرا في خطاه إلى اليوم، فإننا لم نهيئ له التربة الصالحة لنموه وإثماره، وإذا أردنا أن ينهض النقد ليؤدى رسالته، فلنهذب علومه، ولنضع ما نقص منها، جاعلين هدفنا من ذلك كله تربية ذوق صالح سليم. ***

стр. 22

القراءة الأدبية هى تلك التى يحاول القارئ فيها، أن يستحضر في نفسه التجربة، كما مرت بالأديب المنشئ، وإذا كان الأديب يتخذ لنقل تجربته ألفاظا يختارها، توحى إلى قارئه بمشاعره، فالقراءة الأدبية، هى التى يقف القارئ فيها أمام كل كلمة في النص الأدبى، يتبين ما توحى به، ويرى ما يحيط بها من الظلال، ويتأمل سر اختيارها، ليستخلص كل ما فيها، من خواطر ومعان، فيمارس التجربة التى مارسها المنشئ، ويعيش اللحظة التى عاشها ومن هنا قالوا: إن الأدب يضيف عمرا إلى عمر قارئه، بسبب هذه التجارب التى يستحضرها، ويشعر بها نفسه. ويمر القارئ للأدب بثلاث مراحل، فالمرحلة الأولى: هى التى يقرأ فيها النص الأدبى ليعيش في تجربته، والمرحلة الثانية: هى مرحلة النقد، وفيها يدرس القارئ ألفاظ النص، ليرى قدرتها على التعبير عما أراده الأديب، أو عجزها عن ذلك، وفي المرحلة الثالثة: ينقد ما يكون قد اشتمل عليه، من معان وآراء، فيرى خطأه وصوابه، وصدقه أو كذبه، ولن يستطيع القارئ أن يصل إلى المرحلة الثالثة، إلا إذا عاش التجربة كما عاشها منشئها، وتقمص شعوره، وحينئذ يحكم بصواب ما قرأ أو خطئه، فالقراءة الأدبية ألوان ثلاثة: قراءة متذوقة، وقراءة ناقدة، وقراءة حاكمة، ولكى تتبين كيف يقرأ الأدب قراءة متذوقة، نأتى ببعض المثل؛ لنرى تلك الآفاق الواسعة التى يفتحها أمام أنفسنا ذلك النوع من القراءة. قال البحترى في وصف الربيع: أتاك الربيع الطلق، يختال ضاحكا ... من الحسن، حتى كاد أن يتكلما وقد نبه النيروز في غسق الدجى ... أوائل وردكن بالأمس نوّما يفتقها برد الندى، فكأنه ... يبث حديثا، كان قبل مكتما فمن شجر، رد الربيع لباسه ... عليه، كما نشّرت وشيا منمنما ورق نسيم الريح، حتى حسبته ... يجيء بأنفاس الأحبة نعما ترى الشاعر قد جاء بكاف الخطاب في أول حديثه، كأنما ينبه من يخاطبه إلى

стр. 23

أن جمال الطبيعة في هذا الفصل قد جاء إليه، وكأنه يدعوه إلى الابتهاج به، والفرح بمقدمه وفي تعريف الربيع (بأل) العهدية، ما يثير في النفس ما ألفته في هذا الفصل الرائع من جمال وحياة، وفي اختيار كلمة (الطلق) ما يوحى بمعنى الحرية التى يشعر الناس بها في الطبيعة، فليس فيها شذوذ بسحب متراكمة ولا مطر، ولا أوحال في الطرق، تقيد الناس وتحبسهم في بيوتهم، ويشعرون بها في أنفسهم، غير مقيدين بمنازلهم حينا، وبنوع من الملابس حينا آخر، وتأمل كلمة (يختال) فلعلها تصور لك اختيال الأزهار يداعبها مر النسيم، وفي تعبيره (يختال ضاحكا) ما يوحى إليك بأن الشاعر لم يحس بالربيع مظاهر تراها العين فحسب، ولكنه حياة تتدفق في جميع أرجاء الكون، فيهتز عطفه اختيالا، ويبتسم ضاحكا، ويزداد شعور الشاعر بهذه الحياة، ويقوى إحساسه بإفصاح الربيع عن جماله وبهائه، فيخاله يكاد يتكلم ويبين، ويطرد إحساس الشاعر بحياة الربيع، فيرى هذه الأزهار التى تملأ الجو بأريجها مخلوقات، كانت تغط في نوم عميق، فجاءها الربيع ينبهها أن تستيقظ من رقادها، وكأنما زارها في الدجى، يؤكد ألا يسفر وجه الصباح، حتى تكون قد أخذت بهجتها وازينت، كى لا يضيع عليها شىء من جمال النهار، وذلك هو السر في تنبيه الربيع لها، فى غسق الدجى، ثم ألا ترى في استخدام (ورد) هنا ما يحمل إليك أريج أزهار الربيع، وفي استخدام كلمة (أوائل) ما يشير إلى نشاط هذه الزهرات الأولى من أزهار الربيع، وفي اختيار كلمة (نوّم) ما يوحى إليك بما كان فيه الزهر من غفلة عن جمال الحياة، قبل أن ينبهه فصل الجمال، وإن هذه الغفلة والنوم ليحتاجان إلى إيقاظ عنيف، ولذلك استخدم الشاعر كلمة (يفتق) التى تدل على شىء من العنف، ثم ألا ترى أن الدفء مبعث اللجاج في النوم، فمن المعتاد أن البرد يوقظ النائم، وبذلك ترى السر في اختيار (برد الندى) وسيلة لإيقاظ الأزهار، ولما كان شعور الشاعر بتدفق الحياة في الكون قويّا دافقا، أحس كأن هذا الورد يفشى سرّا، كان يخفيه، واختار لتعبيره كلمة (يبث) التى تشعر بأن الحديث الذى يذيعه الورد حديث في خفوت يشبه الهمس، وقال (مكتما) لينقل إلى نفسك ما كان عليه جمال الزهرة قبل تفتحها من سرية محجوبة لا تبين، فكثير من الزهر يتشابه قبل أن تتفتح أكمامه، ويقف المرء أمامه، لا يتبين ما يكون عليه أمره، بعد أن يتفتح، فجماله سر مكتم لا ينم عنه شىء، واختار الشاعر كلمة (حديث) التى توحى بهذا التجاوب النفسى بين الطبيعة والإنسان.

стр. 24

وبهذا استطاع الشاعر، أن يصور لنا إحساسه الروحى بجمال الربيع، ولكنه لم ينس حظ العينين من هذا الجمال، فحدثنا عن الشجر، وقد استعاد خضرته ونضارته، ودبجته الأزاهير، واختار الشاعر كلمة (رد) التى توقظ في نفسك ما كان عليه من تجرد، لا تبهج العين رؤيته، إذ سلب ثيابه، فعاد حاليا بزينته وحليته، واستخدم الشاعر كلمة (نشّر) المضعّفة الدالة على التكثير، ليصور لك هذا المعرض الحى من معارض الطبيعة، وكلمة (منمنما) توحى بدقة الوشى كأنما نسجته يد صناع، (ورق) توقظ في النفس موازنة بين نسيم الربيع وهواء الشتاء الكثيف، وفي كلمة (حتى) ما يدل على عمق الشعور برقة هذا النسيم، والتلذذ به، وفي المجيء بكلمة (أنفاس) جمعا وإيثارها على المفرد، ما يوحى بأن نسيم الربيع يجيء متقطعا، كالأنفاس، حتى لا يمل، ووصف الأحبة بالنعمة يوحى إليك بالهدوء، فليست هى بزفرات حارة، يخرجها صدر يحترق بالحب. وهاك بيتا (١) من الشعر، قال الأصمعى عنه أنه أهجى بيت قالته العرب، وهو: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمو ... قالوا لأمهم: بولى على النار فكل كلمة في هذا البيت تكاد تنطق بالهجاء والذم؛ فتنكير (قوم) لتحقيرهم، والإشارة إلى أنه لولا هذه الصفات التى تسمهم، لكانوا نكرة في الصحراء، لا يأبه بهم أحد، والإيحاء بأن هذه الصفات الدنيئة إذا ذكرت، وسمتهم، فصاروا بها معروفين مميزين، وكلمة (إذا) وهى تفيد الشرط، تدل على أن مقدم الأضياف إليهم إنما هو في أوقات معينة قليلة، وليس ذلك بعادة دائمة (والسين والتاء) فى استنبح للدلالة على أن الأضياف كأنهم يمضون إلى الكلب ويعرضون له، لينبح، أما هو فيغط في نوم عميق، فيلس لديه ما يحرسه، ولم ير من قبل غرباء يطرقون هؤلاء القوم، فلم يجد عملا فنام، وربما كان عدم نباح الكلب، لهزاله وضعفه من الجوع الذى يقاسيه في صحبتهم، وجاء (بالأضياف) جمع قلة، ليؤذن بأن من يقصد هؤلاء القوم عدد محدود قليل، ونسب القول إليهم في (قالوا) وهو قول مزر، للإشارة إلى سوء أدبهم، وامتهانهم لأمهم، والمجيء بلفظة (أم) وهى تستدعى أعظم ألوان التقدير، يوحى بما آلت إليه حال هذه الأم عندهم، ومن هوان وضعة، حتى صارت لديهم في منزلة أقل من منزلة الخادم، وإضافة الأم إليهم، إشارة إلى لؤمهم، ومبالغة في تحقيرهم، وإيذان بأنه ما كان ينبغى أن يعاملوها تلك المعاملة، وهى أمهم، وأنطقهم بلفظ (البول) وهو مما يثير شيئا تتقزز منه

стр. 25

النفوس، إيماء إلى جفوتهم، وأنهم لم يهذبوا ويصقلوا، وتوجيه هذا الأمر إلى أمهم فيه ما فيه من التشنيع عليهم، وفيه كذلك أنهم يبخلون بالماء، فيستعيضون عنه بالبول، وأن نارهم ضعيفة خافتة، وتكفى بولة عجوز لإطفائها، وأتى الشاعر بحرف الجر «على» الدال على الاستعلاء؛ ليرسم صورة منفرة، وهى صورة الأم، وقد علت النار تبول عليها، وتعريف النار إشارة إلى تلك النار المعهودة التى يستطاع اعتلاؤها والبول عليها، ولم ينسبهم الشاعر إلى البخل صراحة، وإنما أخبر عنهم بما يدل على أقبح ألوان هذا البخل. وهذه آيات من القرآن الكريم نقف عندها، لنقرأها تلك القراءة الأدبية المتذوّقة، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) (البقرة ٨ - ٢٠). ألا ترى في اختيار كلمة النَّاسِ وعمومها، عدم مجابهة المنافقين بتعيينهم، وفي ذلك ستر عليهم، وإغراء لهم بالإقلاع عن نفاقهم، ذلك أنه، ما داموا لم يعينوا، من المتوقع أن يصغوا إلى القرآن، فربما انصرفوا عن غيهم، إذا استمعوا إلى تصوير حال ضلالهم، وما هم فيه من حيرة واضطراب، ولو أنه جبههم بكشف الستار عنهم، لانصرفوا معرضين عن الإصغاء، فلا يكون ثمة أمل فى هدايتهم، وكلمة يَقُولُ، توحى بأن إيمانهم لم يتعد أفواههم، وأجرى على ألسنتهم الإيمان بصيغة الماضى، ليوهموا سامعيهم أنهم قد دخلوا في الإيمان منذ زمن بعيد، زيادة منهم في التمويه والخداع، وخص الإيمان بالله وباليوم الآخر؛ لأن الإيمان بهما يجمع كل ما يجب الإيمان به، من كل ما يصل الإنسان

стр. 26

بربه، أو يصله بالناس، واختار في الرد عليهم الجملة الاسمية في النفى؛ ليدل بها على استقرار هذا النفى وثباته. هؤلاء المنافقون إنما يخدعون بعملهم هذا الذين آمنوا، ولكن القرآن جعل الخداع لله، سخرية منهم، واستهزاء بعقولهم، واستخدم الفعل المضارع هنا، يصور به حالهم، ويحضر هذه الصورة أمام أعين السامعين، واستخدم أداة القصر وهى (ما) و (إلا)، ليردّ عليهم ردّا حاسما، يبين أن خداعهم لن يضرّ أحدا غيرهم، ولكن يصيبهم وحدهم أذاه، وأوقع الخداع على أنفسهم ليكون ذلك مثار العجب أن يفعل ذلك من لديه مسكة من عقل، وفي وَما يَشْعُرُونَ تصوير صادق لهؤلاء المنافقين، الذين لا يدركون مغبة خداعهم، واستخدام كلمة مَرَضٌ، لما أصابهم من تغليب الهوى على العقل، يوحى إلينا بأن عقولهم، وقد تغلب عليها سلطان الهوى، صارت غير مستطيعة أن تفكر تفكيرا سليما، وأن تقوم بوظيفتها التى خلقت لها، كالجسم يصاب بالمرض فلا يستطيع أداء وظيفته، وفي الدعاء عليهم بزيادة المرض، إيذان بغضب الله وسخطه عليهم، واستخدام فِي فى هذه الجملة، يؤذن بتمكن المرض من قلوبهم، فكأنما انطوت قلوبهم عليه، وفي كلمة أَلِيمٌ- والعذاب لا يكون إلا مؤلما، إبراز لأهمّ خصائص العذاب، واختيار كانَ والمجيء بخبرها فعلا مضارعا، يؤذن باعتيادهم الكذب ولجاجتهم فيه، وجاء بالواو في قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، إشارة إلى مأثمة جديدة من آثامهم، وأتى بالفعل: قِيلَ مبنيّا للمجهول، مؤذنا بأن من الواجب عليهم أن ينظروا إلى القول من حيث هو، بقطع النظر عن قائله، وألا يجعلوا للقائل دخلا في تقديرهم ووزنهم، واختار كلمة الْفَسادَ ليصور بها ما يقوم به هؤلاء المنافقون، من تشكيك المؤمنين وتخذيلهم عن نصرة الرسول، وبثّ الفتن في الأرض، ونسب القول إليهم في قالُوا؛ ليبين مدى تبجحهم، وأنهم لا يبالون أن يقلبوا الحقائق، ويطمسوا معالمها، أما ردهم، فقد استخدموا له أداة من أدوات القصر، يريدون بذلك نفى الإفساد عنهم نفيا باتا، وأن عملهم لا يعدو الخير والصلاح وبالغوا في ذلك حتى أوهموا أن نفوسهم قد قصرت على الإصلاح قصرا، فهى لا يمكن أن تلم بفساد، واختاروا من أدوات القصر إِنَّما التى تدل على أن الأمر من الوضوح، بحيث لا يحتاج إلى دليل ولا برهان، مبالغة منهم في التمويه والخداع، واستفتح الرد عليهم بألا؛ ليسترعى الأذهان إليه، حتى تتنبه إلى الرد ولا يفوتها منه شىء، وبدأ

стр. 27

الجملة بالتأكيد؛ لأنه في مقام يريد أن يقتلع من الأذهان دعواهم العريضة في الإصلاح، و (هم) الثانية ضمير فصل يؤكد الإسناد في الجملة، وتعريف الطرفين يفيد قصر المسند على المسند إليه، فكأن الإفساد مقصور عليهم، لا يبرحهم إلى سواهم، وجاء بلكن، يريد أن يخبرنا بخبر جديد عن هذه الطائفة التى انحصر الإفساد في بنيها، وأنه كان خليقا بهم أن يدركوا هذه الحقيقة، لو كان عندهم قدر من شعور، أما وهم قوم لا يشعرون، فذاك هو السر في خفاء هذه الحقيقة البينة عنهم، وفرق في التعبير بين وَما يَشْعُرُونَ فى الآية السالفة، وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ فى تلك الآية، فالجملة الأولى في مكانها تنبئ بأن حركة خداع النفس تمر بهم، من غير أن يتنبهوا إليها، فهو لا ينفى الشعور عنهم مطلقا بل ينفى شعورهم بخداع أنفسهم؛ أما في هذه الآية فليس إفسادهم مما يقع منهم بلا شعور، بل هم يفعلون عن رغبة وإصرار، ولكنهم قد فقدوا التفكير، الذى يزنون به الأمور بميزانها الصحيح. وتستطيع أن تمضى في قراءة الآية التالية، كما مضيت في هذه الآية، وقف فيها وقفة عند كلمتى النَّاسِ والسُّفَهاءُ تتبين في الكلمة الأولى مدى الأدب، الذى استخدمه الداعى في دعوة هؤلاء القوم إلى الإيمان، فهو لم يقل لهم آمنوا كما آمن العقلاء مثلا، فيكون في ذلك جرح لشعورهم، بما قد يكون فيه من تلميح بضعف عقولهم، بل لم يزد في دعوته على أن دعاهم إلى الدخول فيما دخل فيه عامة الناس، وفي ذلك منتهى الرفق واللين، أما ردهم ففيه تبجح وعنف، فقد ادعوا سفاهة هؤلاء الذين آمنوا. وقف كذلك عند كلمة يَعْلَمُونَ وتأمل سر اختيارها، تر أن السفاهة إنما ترجع إلى العقل والتفكير، فناسب ذلك نفى العلم عنهم، وأما الآية السابقة فإفساد بأعمال يشعر بها، فناسب هناك نفى الشعور. وامض كذلك في قراءة الآية التى ترسم ما عليه المنافقون من الخداع، وما لهم من وجهين يقابلون المسلمين بأحدهما، ويقابلون رؤساءهم بوجه آخر، وقف عند كلمة خَلَوْا لترى ما توحى به إلى نفسك من جبن هؤلاء المنافقين، الذين لا يستطيعون أن يظهروا ما تكنه قلوبهم، إلا في خلوة لا يراهم فيها أحد، وقف كذلك عند كلمة شياطين، يراد بها رؤساء النفاق، وتأمل ما توحى به من ضروب المكر والدهاء والفساد والضلال، وانظر كيف كشف المنافقون أنفسهم أمام رؤسائهم، فى جملتين اثنتين، دلتا على حقيقتهم، ففي الجملة الأولى: قالوا إنا

стр. 28

معكم، أكدوا لرؤسائهم شدة إخلاصهم لهم، حتى لا يدعوا لهؤلاء الرؤساء سبيلا إلى الشك في إخلاصهم، بسبب ما يظهرونه بألسنتهم للمؤمنين من الإيمان، وفي مَعَكُمْ ما يشعر بهذا الرباط القلبى، الذى يربط المنافقين برؤسائهم، وفي اختيار القصر وأداته في الجملة الثانية: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، ما سبق أن ذكرنا فكأنهم يقولون لشياطينهم: إن استهزاءنا بالمؤمنين عند ما نقول لهم: آمنا، واضح، لا يمكن أن يكون سببا لشككم في إخلاصنا لكم، وأن قلوبنا معكم، واختاروا الجملة الاسمية يدلون بها على ثبوت هذا الخبر واستقراره. واختار الله في الرد عليهم أن يأتى باسمه دون صفة من صفاته، ليوحى إلينا بهذا الجلال، الذى يحيط بذلك الاسم المقدس، وأنه هو الذى سيتولى الاستهزاء بهم، وكلمة يستهزئ تصور هذا الجزاء الساخط، الذى يقابل به الله استهزاءهم، ليصور بأمر محسوس، أمرا معنويّا، هو تركهم في ضلالهم لا يهتدون، واختيار كلمة الطغيان، توحى بالخروج في قوة عن الطاقة المألوفة في العصيان والفجور، والعمه في الآية، يصور لنا مدى تردد هؤلاء القوم في غوايتهم، وأنهم لا يهتدون إلى الحق والصواب، فهم في حيرة من أمرهم كالأعمى، يسير على غير هدى ولا اطمئنان. وامض في قراءة الآية التالية، وتأمل وجه استخدام اسم الإشارة، يشير به إلى طائفة قد اتصفت بتلك الصفات الخادعة، وكان لها أثرها في الحكم عليهم، وفي كلمة اشترى، ما يدل على إيثار هؤلاء القوم للضلالة على الهدى، واختار كلمة الضلالة هنا، وآثرها على الكفر والنفاق مثلا، ليتسنى بيان حال ما اختاروه في إيجاز، ووضع الهدى بجوار الضلالة، ليتأتى في يسر معرفة مدى خسران هؤلاء القوم، وضعف عقولهم، ونفى الربح عن التجارة، ولم ينفه عن المتجرين، للإشارة إلى أن هذه التجارة بطبيعتها تجارة خاسرة، بقطع النظر عن المتجرين بها، وفي ما كانُوا مُهْتَدِينَ إشارة إلى جهلهم، باختيار هذه التجارة الخاسرة. وفي الآية التالية تستوقفنا كلمة استوقد نارا، فنتبين فيها حال رجل، قد أحاطت به حلكة الظلام، فهو يطلب جاهدا نارا تضيء له مسالك السبيل، والسين والتاء يدلان على هذا البحث القوى، والطلب الجاد، وفي كلمة أضاءت ما يدل على أنه قد أوتى أكثر مما كان يطمح إليه، فلقد كان يبحث عن نار، أيّا ما كانت، فأوتى نارا قوية أضاءت ما حوله، غير أن ذلك لم يلبث أن مضى وزال، واستخدام ذهب بالنور أقوى من ذهب النور؛ لأن في التعبير الأول دلالة على أن آخذا أخذ

стр. 29

النور، ومضى به، فكيف إذا كان الذاهب به هو الله، وفي إضافة النور إليهم، ما يشعر بأنهم كانوا قد اطمأنوا إلى النور، وفرحوا به، فيكون الذهاب به أشد إيلاما وأنكى، وجمع ظلمة، ليشير إلى هذا الظلام المتكاثف، والحلكة المتراكم بعضها فوق بعض، وتأمل بعدئذ هذه الصفات التى خرجوا بها عن أن يكونوا من البشر، بل عن أن يكونوا من الحيوان، ما داموا قد عطلوا مواهبهم ولم ينتفعوا بها، وكان لنسق هذه الصفات على وزن واحد أثر موسيقى مؤثر. والآيتان التاليتان استمرار في وصف حيرة هؤلاء المنافقين، فمثّلهم القرآن بحال من حصرتهم السماء بصيب، وفي هذه الكلمة ما يوحى بقوة المطر وشدة بطشه، فهو ليس بغيث ينقذ الأرض من ظمئها، ولكنه مطر يصيبها ويؤثر فيها، وفي النص على أنه من السماء، ما يوحى بهذا العلو الشاهق، ينزل منه هذا المطر الدافق، فأى رعب ينبعث في القلب من جرائه، وفي المجيء بكلمة فِيهِ ما يدل على أن هذه الظلمات، والرعد، والبرق، كأنما سكنت هذا الصيب، وكأنما تنزل معه من السماء، وفي إيثار الظلمات جمعا، على المفرد ما سبق أن أشرنا إليه، وفي تنكيرها، وتنكير الرعد، والبرق ما يشير إلى أنها من القوة والإزعاج، إلى درجة لا يستطاع تحديدها، وفي كلمة الأصابع ما يوحى بهذا الذعر، الذى استولى عليهم من شدة الأصوات الرعدية المرعبة، فهم يحاولون إبعاد صوتها عنهم، وكلما زادت شدة الصوت، زادوا من إدخال هذه الأصابع، علها تسد أذانهم، واختيار كلمة يجعلون، وإيثارها على يضعون مثلا، للإشارة إلى أن أصابعهم لطول ما صارت في آذانهم، أصبحت كأنها مركبة معها، أما الوضع فلا يستفاد منه هذا الثبات والاستمرار، وبرغم أن المعنى على أن كل فرد منهم يضع إصبعا في أذن، لا نستطيع أن نبعد عن أنفسنا هذا الجو الذى خلقه حولنا استخدام الجمع، الموحى بمقدار الهلع الذى أصاب أفئدتهم، لهذا الصوت المنكر، حتى لكأنهم يريدون إبعاده، بوضع كل ما يملكون من أصابع في آذانهم. وجمع الصواعق إيذان بما اصطلح على إزعاجهم من صواعق رهيبة، لا صاعقة فحسب. وكلمة حذر تدل على شدة شعورهم بقرب الموت منهم، وإسناد الإحاطة إلى الله فيه من الجلال والرهبة ما فيه، واختيار كلمة مُحِيطٌ يدل على شمول العذاب لهم، وإحاطته بهم من كافة الأرجاء، فهم لا يستطيعون الإفلات منه أينما ساروا، وفي إيثار كلمة الكافرين على المنافقين، بيان لحقيقة حالهم، وأن النطق باللسان لا يغنى عن الحق شيئا. تحدثت الآية الكريمة عن هذا الصيب، وأن فيه ظلمات ورعدا وبرقا، وذكرت أن حال المنافقين في خوفهم وهلعهم، كحال السائر في هذا الصيب؛ لاضطراب

стр. 30

حياتهم، وخوفهم أن ينكشف أمرهم، فهم في اضطراب نفسى شديد، وشرحت الآية ما يصيب السائر من الفزع، من جراء الرعد يصم أذنيه، وتحدثت الآية الثانية عما أضمره لهم البرق والظلمات، من إخافة وإرهاب، فقال سبحانه يكاد البرق يخطف أبصارهم، وفي استخدام يَخْطَفُ تصوير بأمر محسوس، يبعث فى النفس خوفا. فكأن يدا تمتد نحو السائر تسلب منه نور عينه، والمجيء بكلما يوحى بهذه اللهفة التى تملأ قلوبهم، والرغبة في الخروج من هذه الظلمات المتكاثفة، فلا يكاد النور يبدد هذه الظلمة قليلا، حتى ينتهزوا الفرصة فيمشوا، وإذا أظلم عليهم قاموا، وفي كلمة عَلى ما يدل على شدة وطأة الظلام عليهم، وفي قامُوا ما يوحى إليك بتكاثف الظلمات حولهم، فلا يكادون يحركون أقدامهم، عند ما تطبق عليهم هذه الظلمات. وهكذا تستطيع بالقراءة الأدبية أن تصل إلى تصور ما يراد من النص أكمل تصور وأوفاه. وبعد هذه القراءة المتذوقة، تقف لترى مقدار ما في هذا النص، من تلاؤم بين ألفاظه ومعانيه، وتلك هى القراءة الناقدة كما ذكرنا، فنرى الآيات تصف هذا الاضطراب في نفسية هؤلاء المنافقين، وما يظنون أنهم يقومون به من خداعهم لله والمؤمنين، وعنيت الآيات بوصف ضلالهم وخسرانهم، برغم ما في عصرهم من نور، لا يكاد يضيء أمامهم الطريق قليلا، حتى يطبق الظلام مرة ثانية عليهم، لأنهم لم يستعملوا آذانهم، فيما خلقت له، من الاستماع إلى صوت الحق، ولا ألسنتهم في التعبير عنه تعبيرا ينبعث عن قلوبهم، ولا أعينهم في الاهتداء بما ترى، إلى الحق والصواب. ذلك موقفهم من دعوة الحق، أما أنفسهم المضطربة الخائفة، فقد ضربت الآيات لها مثلا: هذا الذى يحيط به الصيب، فيه ظلمات ورعد وبرق، وبهذا كله صورت الآيات من هؤلاء المنافقين، صلتهم بالمجتمع الذى يعيشون فيه، بين مسلمين وكافرين، وموقفهم من النور الذى أضاء عصرهم، وتغلغلت إلى أعماق نفوسهم، فصورت خوفها واضطرابها، وكل جزء من هذه الآيات له قيمته في هذا التصوير، بحيث تستطيع أن تتخيل هؤلاء القوم، وأن تستمع إليهم، وقد التقوا بالمؤمنين، فقالوا لهم: آمنا، ومضوا إلى شياطينهم، فقالوا لهم: إنا معكم، وتتخيلهم وهم يعملون جهدهم، على أن يوقدوا نيران الفتنة، ويسعون في الأرض فسادا، فإذا قيل لهم: لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، قالوا: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ، وتستطيع أن تتبين هذا المرض الذى أحاط قلوبهم بأكنة، وخيل إليهم أنهم يستطيعون خداع المؤمنين، بإظهار كلمة الإيمان لهم،

стр. 31

مع أنهم يضمرون لهم أشد ألوان الاحتقار والاستهزاء، وأن تتصور موقفهم من الهدى الذى سطعت شمسه أمامهم، فكانوا صمّا بكما عميا، فإذا تغلغلت في أعماق قلوبهم رأيت الذعر، قد استبد بها، كما يستبد بمن أحاط به صيب، فيه ظلمات ورعد وبرق. ثم نحكم بعدئذ على ما في هذه المعانى من خطأ أو صواب، وتناسق أو اضطراب، وهى القراءة الثالثة الحاكمة، وبما ذكرناه تتبين الدقة في التصوير، وهنا نشير إلى ما قد يتراءى في تصوير المنافق في تلك الآيات، من وصفه بالإفصاح عن معتقده، كما تدل على ذلك الآية: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ. وبإخفاء معتقده، كما تدل على ذلك آية: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. وليس بين الآيتين خلاف في التصوير، فالآية الأولى تبين نفسيتهم الحقيقية. عند ما يعرض عليهم الإيمان، فإنهم يقولون في أنفسهم: أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ، وكأنهم لشدة شعورهم يجهرون بذلك، أما الآية الثانية فتصف صلتهم الخارجية، بالمؤمنين، وأنهم يظهرون لهم الإيمان، ويبطنون الكفر والنفاق، فإحدى الآيتين تشرح نفسيتهم، والثانية تتحدث عن اضطرابهم بين ما يظهرون وما يضمرون. وبهذه القراءات الثلاث تستطيع أن تقول: إن النص الأدبى أصبح واضحا في نفسك تمام الوضوح. ***

стр. 32

المنهج الأدبى في القرآن وأعنى بالمنهج الأدبى، هذا المنهج الذى يتجه إلى إثارة وجدان القارئ، إثارة روحية رفيعة، تحدث السرور في النفس فتقبل، أو تحدث فيها الألم فتأبى وترفض، والقرآن غنى بذلك؛ لأنه لا يعتمد على التفكير وحده ليقنع، ولكنه يتكئ عليه وعلى الوجدان ليستميل، فهو في وعده ووعيده، وأوامره ونواهيه، وقصصه، ووصفه، وابتهاله وتسبيحه، بل وفي أحكامه وبراهينه، لا يغفل هذه الناحية من نواحى النفس الإنسانية؛ لأن العمل غالبا يرتبط بها ويقترن، فالقرآن يهاجم ببلاغته جميع القوى البشرية، ليصل إلى هدفه: من تهذيب النفس، وحب العمل الصالح، والإيمان بالله واليوم الآخر. خذ مثلا قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠) (النساء ٦٩، ٧٠). ألا تراه قد أثار فينا شعور الغبطة والابتهاج، حينما نخيل لأنفسنا أننا إن أطعنا الله والرسول، فسنكون رفقاء للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين. أو لا ترى أن هذا الشعور بالفرح جدير بأن يدفع المرء إلى الانقياد والطاعة: وخذ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (النساء ٤٧). تراه قد اتكأ على إثارة الخوف في النفس من أن تشوه الوجوه أو تطمس، أو أن تحل اللعنة بأصحابها، كما حلت بأصحاب السبت، وهذا الخوف، بما يحدثه في النفس من ألم، جدير أن يدفع الناس إلى التفكير العميق للتخلص من أسبابه، والخلوص من مأزقه، ولا يكون ذلك إلا بالإيمان بما أنزل الله. وقل مثل ذلك في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (النساء ٥٦). فأى رعب ينبعث في النفس، عند ما تتخيل أصحاب النار، وقد نضجت جلودهم، فبدلوا

стр. 33

بها جلودا غيرها، لا تلبث أن تنضج كرة أخرى، فتتبدل، وهكذا دواليك. وأى خوف شديد يملك المرء من هذا المصير المؤلم. وخذ مثلا هذا الجزء من قصة إبراهيم، وهو قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) (الأنعام ٧٤ - ٨٢). ألا يملأ نفسك إعجابا هذا الحوار بين إبراهيم وأبيه وقومه، وهذا التأمل من إبراهيم فيما يحيط به، ويسترعى نظره في الكون، أو لا تحس بالقلق الذى استبد بإبراهيم وهو ينشد الله، وبالراحة التى غمرته عند ما اهتدى إليه، أو لا تشعر بالغبطة كما شعر بها إبراهيم، وهو يتجه إلى الذى فطر السموات والأرض، أو لا يثور في نفسك الرغبة في هذا الأمن، الذى يناله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم؟! كل أولئك إثارات وجدانية تحركها في نفسك هذه القصة، فتحب إبراهيم وتعجب به، ويدفعك ذلك إلى الاقتناع بما اقتنع به إبراهيم. وخذ قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) (ق ٦ - ١١). فهو بتلك الآيات يثير في النفس شعور الإجلال لعظمة الخالق، الذى بنى السماء بناء محكما، وزينها نهارا وليلا، ومد الأرض، ورفع الجبال في أرجائها، وأنبت فيها بهيج النبات، وشعور الإعجاب بهذا المطر، ينزل من السماء فيحيى الأرض بعد موتها، وينشئ الجنات ويرفع النخل باسقات، ألا ترى أن شعور الإجلال والإعجاب يدفع إلى الإيمان بقدرة الله على البعث والنشور.

стр. 34

وخذ قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) (البقرة ٤٠ - ٤٤). ألا تراه يثير فيهم شعور العرفان بالجميل، عند ذكر نعمه التى أنعم بها عليهم، وهذا العرفان بالجميل يدفعهم إلى الوفاء بالعهد، والإيمان بما أنزل، لا أن يقابل منهم بالجحود، والنكران، وإلباس الحق ثوب الباطل، كما أثار فيهم غريزة حب النفس، عند ما أنكر عليهم دعوتهم الناس إلى الخير، ونسيانهم أنفسهم، وهكذا اتصل الأمر والنهى بتلك الإثارات الوجدانية، التى تحمل النفس على قبول الأمر والنهى. وخذ فاتحة الكتاب، وهى من آيات الابتهال والتسبيح، تر فيها الإثارات الوجدانية واضحة جلية، فاتل قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) (سورة الفاتحة ٢ - ٧). ترى الحمد قد قرن بما يثير في النفس الحب والإجلال معا، فالله المنعم بجليل النعم ودقيقها، مالك يوم الدين، يبعث في النفس الفرح عند انتهاجها الصراط المستقيم، بأنها ستكون مع الذين أنعم الله عليهم. ويقرن الله أوامره بإثارات عاطفية، تدعو إلى قبولها والعمل بها، وها هو ذا، كما رأينا، يذكر بنى إسرائيل بنعمه عليهم، هذا التذكير الذى يدفعهم إلى عرفان الجميل، فيوفون بعهده، ويرهبونه، ويؤمنون بما أنزل مصدقا لما معهم. ويذكرنا برقابته لنا حتى نخافه إذ يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (النساء ٥٨). ويثير فينا النخوة التى تدفعنا إلى الدفاع عن الضعاف والنساء والأطفال، ويصور لنا لهفة هؤلاء على من ينصرهم، فيبعث في نفوسنا إحساس الرفق، وعامل الشفقة، ويرسم لنا من يقاتل ذيادا عن أولئك مقاتلا في سبيل الله، واستمع إليه سبحانه يقول: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ

стр. 35

وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) (النساء ٧٥، ٧٦). واقرأ قوله سبحانه: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت ٣٤). فإنه عند ما أمرنا أن ندفع بالحسنى، أثار فينا تلك الرغبة في أن نجد بجوارنا الناصر والمعين نستكثر منهما، حتى لينقلب العدو بتلك المعاملة، كأنه صديق حميم. وعند ما حثنا على الصدقة، اتكأ على غريزة حب النفس، تلك الغريزة التى تستكثر بمقدار ما تستطيع من الخير، فأبان القرآن أن ما سنبذله من صدقة سوف يعود خيره علينا أضعافا مضاعفة، قال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة ٢٦١). واستمع إليه ينهى عن نسيان الله: فيذكرنا بعاقبة ذلك، وأن الله سوف يصرف هؤلاء الناسين عن خيرهم فيفسقون، ويصور لنا الفرق الشاسع بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، ويذكرنا بالفوز الذى يظفر به من لا ينسى الله، قال سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) (الحشر ١٩، ٢٠). واقرأ هذه الابتهالات الرائعة التى يمزج فيها الخوف بالرجاء، والتى انبعثت من قلوب آمنت وتأملت خلق السماء والأرض، واختلاف الليل والنهار، إذ يقول سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى (١٩٥) (آل عمران ١٩٠ - ١٩٥). أو لا ترى هذا الابتهال المؤثر جديرا بهذه الخاتمة السعيدة، فقد استجاب لهم ربهم. والأحكام في القرآن تقترن بما يثير الوجدان، حتى تقبل النفس على العمل بها راضية مغتبطة، وخذ أشد الآيات توغلا في بيان هذه الأحكام، مثل آية

стр. 36

الدّين، ألا تراه فيها يدعو الكاتب إلى أن يكون عادلا فيما يكتب، مذكرا إياه بأن معرفته الكتابة منة من الله عليه، يجب أن تقابل بالشكر، ومن شكرها أن يكتب كما يجب، قال تعالى: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ (البقرة ٢٨٢). ويذكّر من عليه الحق بأن يتقى الله، وهو يملى ما عليه من دين وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً (البقرة ٢٨٢). ويتكئ على غريزة التملك، عند ما تحدث عن الحكمة في كتابة الدّين، إذ كتابته تحفظ المال، وتبعد الريب عن النفس في قيمته، قال سبحانه: ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا (البقرة ٢٨٢). وعند ما حذرنا أن نضر الكاتب والشهيد، ذكرنا بأن الإضرار بهما فسوق، لا يرضاه الله. وانتهت آية الدّين بتذكيرنا بأن الله عليم بكل شىء، يعلم ما فيه الخير لنا فيأمرنا به، ويكون النجح في القيام به. وختم القرآن حديثه عن أحكام الميراث بقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) (النساء ١٣ - ١٤)، وفي ذلك كما ترى إثارة عامل الخوف والرجاء. وفي استدلالات القرآن تجد فيها تلك الإثارات الوجدانية أيضا، واقرأ قوله تعالى مبرهنا على وحدانيته: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) (الأنبياء ٢١ - ٢٩). فهو يثير في النفس إجلال الله بتلك الصفات التى سيقت له، وانفرد بها، فهو رب العرش، لا يسأل عما يفعل ولا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم من خشيته مشفقون، وذلك كله مما يسند الإيمان بوحدانيته. وقبل أن أختم هذا الفصل، أريد أن أقف قليلا عند تلك الآيات التى قد يبدو فيها أنها تبعث إثارات جسمية، من مثل قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ

стр. 37

آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (محمد ١٥). وقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) (الرحمن ٤٦ - ٧٨). وقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) (الطور ١٧ - ٢٤). وقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٢٦) (الواقعة ١٠ - ٢٦). ونحو ذلك مما عنى به القرآن من ذكر لذائذ الجسد، من طعام وشراب ونساء، مما يمكن أن يقال فيه: إنه يثير لذّات

стр. 38

جسدية، لا يعنى الأدب بإثارتها، وهنا يصح أن نشير إلى أن القرآن، وقد نزل للناس جميعا، عنى بأن يستميلهم إليه، وفيهم المثالى ذو اللذة الروحية السامية، والواقعى الذى لا يسمو روحه عن واقع الحياة، فنزل القرآن وفيه هذان الاتجاهان، حتى يجد فيه كلا الفريقين بغيته. ومما هو جدير بالذكر أن اللذائذ إنما وصفت في معرض الحديث عن الجنة، وأن القرآن يجمع فيها بين الواقعية والمثالية، فتراه يقول: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ (محمد ١٥). ويختم حديثه عن الجنة في سورة الرحمن بقوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) (الرحمن ٧٨). كما أنه يتحدث عن الأمن وضمان الخلود في جنة الخلد، وهى لذائذ روحية، ويضم إلى وصف الجنة ونعيمها أنه لا لغو فيها ولا تأثيم، إلا قيلا سلاما سلاما، وهكذا يجد الواقعى في وصف الجنة طلبته، ويجد المثالى أمنيته، على أن كثيرا من هذه اللذائذ الجسدية يبعث الراحة في النفس، والاطمئنان إلى بهجة الخلود، أفلا تطمئن النفس إلى هذه الأنهار الجارية، والعيون المتفجرة، والأشجار ذات الغصون الوارفة، والثمار الدانية، والزوجات الحسان المقصورات في الخيام، وهل يثير ذلك لذة جسدية فحسب، ولا يثير فيها معنى الأنس والحنان؟! وفي الحق أن هناك مبالغة كبيرة في ادعاء أن تلك الصفات خالصة لإثارات جسمية محضة. ***

стр. 39

إعجاز القرآن جاء محمد بدينه الجديد، يدعوهم إلى ترك ما ألفوه، من عبادة الأوثان، وما اعتادوه في حياتهم الاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، ويفرض عليهم فروضا، تتعب أبدانهم: من صوم، وصلاة، وتنقص أموالهم: من صدقة، وزكاة، ويحرم عليهم الخمر والميسر، وألوانا من الزواج كانت مألوفة عندهم، وغير ذلك من فروض وتكاليف، وجدوا حمل أعبائها ثقيلا عليهم، وتعرض محمد لهم، فسب آلهتهم، وسفه أحلامهم، وأثار ثائرتهم، فهبوا يدفعون محمدا بكل قوتهم، وقدم لهم القرآن دليلا على صدق دعوته، وبرهانا على أنه رسول، وتحداهم، إذا كانوا فى مرية من أمره، أن يأتوا بقرآن مثله، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الإسراء ٨٨). قرأ محمد ذلك على ملأ من قومه، والمعارضين منهم، فأبلسوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (هود ١٣)، فعجزوا فتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة قل: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (البقرة ٢٣، ٢٤). وقد كان العرب عند مبعث محمد ﷺ فى نهضة لغوية شاملة، فيهم نوابغ الشعراء، ومصاقع الخطباء، ولهم- كما يقول الجاحظ- «القصيد العجيب والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج، واللفظ المنثور»، وكانوا يتنافسون على الفصاحة والبلاغة والذلاقة، ويتبجحون بذلك ويتفاخرون بينهم (١) والقرآن نفسه يعترف بلددهم، وشدة خصومتهم، فقال عنهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (الزخرف ٥٨). وقال لمحمد: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) (مريم ٩٧). ولكنهم وقفوا في حيرة من أمر هذا الكتاب، فقد وجدوا له في أنفسهم تأثيرا بالغا، لا يجدونه لغيره من ألوان الكلام، فنسبوه حينا إلى السحر، وحينا إلى الشعر: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (المدثر ٢٤). بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ

стр. 40

هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (الأنبياء ٥). ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (القصص ٣٦). وحينا مضوا بعد أن سمعوا القرآن، يقولون قول العاجز المحنق، يخفى عن الناس عجزا لا يستطيع هذا القول أن يستره: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الأنفال ٣١). ولم لم يشاءوا القول، والقرآن يدعوهم في كل آونة إلى القول؟ وحينا أخذوا يوهمون الناس أن ليس في هذا القرآن ما يستحق المعارضة؛ لأن من جاء به مجنون لا يؤبه لقوله: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (الحجر ٦). وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (الصافات ٣٦). وتلك حيلة لم تجز على أحد، والقرآن صباح مساء، يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن معارضته، ويتحداهم بأن يأتوا بآيات قليلة من مثله، ويذكر فيما يذكر تعظيم شأنه وتفخيم أمره، فيقول: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ (الزمر ٢٣). وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (الحجر ٨٧). إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ (الإسراء ٩). وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الإسراء ٨٢). لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (الحشر ٢١). وذلك كله مما يدفعهم إلى مباراته، ليضعوا من شأنه، وينزلوه عن تلك المنزلة التى يدعيها لنفسه، ولكنهم لم يفعلوا، مع إيمانهم في صميم قلوبهم، بما له من سلطان على نفوسهم، وأثر عميق فيها، وانتهى الأمر بهم إلى أن فكروا في حيلة صبيانية، تحول بينه وبين التأثير في نفوس سامعيه، تلك هى أن يمنعوا أنفسهم من الإصغاء إليه، ويمنعوا غيرهم من ذلك، ظنا منهم أنهم ربما انتصروا بهذه الوسيلة الخاسرة: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت ٢٦). غير أنهم لم يستطيعوا أن يبطلوا تأثيره، ولا أن يوقفوا تيار تدفقه في القلوب، فلجئوا إلى السيف يحكم بينهم، وبين محمد، ولو أنهم استطاعوا إلى المعارضة سبيلا، ما ركبوا هذا المركب الخشن، وعرضوا أنفسهم وأهليهم للقتل حينا، وللأسر حينا آخر، فكان التجاؤهم إلى السيف الحجة القاطعة على عجزهم عن معارضة القرآن ومجاراته. أما السبب الذى من أجله عجز العرب عن المجيء بمثل القرآن، فللعلماء فيه مذاهب:
следующие страницы →