← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38092

المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره

محمد علي الحسن

Полный текст (299 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقديم الكتاب بسم الله الرّحمن الرّحيم إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، حمل الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدّين. وبعد: فقد سخّر ربّ العالمين بكتابه المبين، خاتمة الكتب السّماويّة سبيل حفظه، والاعتناء به، ونشره وتفسيره ونقله وتعليمه، والغوص على أسراره، والعمل بأحكامه، والتخلّق بآدابه مما لم يعهد التّاريخ لغيره مثل هذه العناية والرعاية. وقد نمت في خدمة القرآن الكريم علوم كثيرة، واتّسعت دوحة علوم القرآن في ظلاله، فلم تدع شاردة أو واردة لها صلة بخدمته أو بيان بعض ما يتعلّق به إلّا أحاطت بها ... من وحيه وكيفيّة نزوله، وحفظه وحفّاظه، وجمعه وتدوينه، وشكله وإعجامه، ورسم كلمه، وترتيب آياته وسوره، ومعرفة مكيّه ومدنيّه، وأسباب نزوله، وما كان منه في قرّ شتاء، أو قيظ صيف، في سلم أو حرب، وليل أو نهار ... بما يدهش العقول، حتّى عدّوا حروفه، وبيّنوا قرّاءه وقراءاته، ووجوه إعجازه ... وغير هذا ممّا يطول عدّه وبيانه ... وقد كثرت المصنّفات في علوم القرآن- قديما وحديثا- وتفاوتت مناهجها وحجومها، وتنوّعت أبحاثها، وكثرت مسائلها، وتعدّدت الأقوال فيها، حتّى بدت كالرّياض النّضرة، يجوب فيها نزيلها، فيحار بين زهورها وورودها، وجمال ألوانها. وكان من أحدث ما اطّلعت عليه من تلك الرّياض أصول كتاب «المنار في علوم القرآن» الطّبعة الثّانية للأخ الأستاذ الدكتور محمد علي الحسن، حفظه الله فكان بعض

стр. 2

باقات منسّقة من ورود وأزاهير تلك الرّياض، وثمرات يانعة من أشجارها، اجتهد فيه المؤلف أن يتّخذ أحوج ما يحتاج إليه الطالب في دراسته، ليحيط بما لا غنى له عنه لمعرفة دستور خاتمة الرّسالات ومنهجها، فيحسن فهمه والانتفاع به، ويوفّق إلى صدق تطبيقه، والعمل بأحكامه وآدابه. وقد ضمّ الكتاب باقات متنوعة من تلك الغياض الوارفة، كلّ باقة تمثل فصلا، وكلّ وردة منها ينتظم رصف وريقاتها بحثا، فكان اختيارا شاملا، لم يدع للمطّلع عليه منبتا دون جذور، فقد أخذ بيده إلى أصوله ومراجعه ليكون البيان سبيله إلى التراث العظيم، يقف على مكنوناته ويغوص على درره، ويتخيّر من كنوزه، فجمع هذا الكتاب بين أصالة البحث وحداثته، بأمانة العزو، وحسن العرض والمناقشة والترجيح، بعبارة جزلة وأسلوب سهل، وتلخيص محكم، وتفصيل مرتّب، يساعد القارئ على حسن الفهم والاستيعاب. جزى الله المؤلف خير الجزاء الأستاذ الدكتور محمد عجاج الخطيب رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الإمارات العربية المتحدة وعميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالشارقة حاليا

стр. 3

تمهيد نقصد بعلوم القرآن- كفنّ مدوّن- المباحث التي تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وإعجازه، وجمعه وترتيبه، وناسخه ومنسوخه، وقراءاته ونحو ذلك من الموضوعات التي كانت معروفة للصحابة وإن لم تكن مدونة مكتوبة إنما مسلكهم في تحصيلها الفهم السديد، أو تذوق بيان القرآن وإعجازه، كل هذا كان سليقة وذكاء في القريحة وبتوجيه وبإرشاد من رسولهم الكريم ﵇. ثم جاء التابعون وبقيت العلوم تؤخذ بالرواية والتلقين لا بالكتابة والتدوين، حتى كانت بداية التدوين لجزء من علوم القرآن، فقام أمثال سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ليدونوا لنا الروايات التفسيرية المروية عن الصحابة وكبار التابعين، وبذلك كانت أول حركة لتدوين علوم التفسير، ثم جاء الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ فدوّن كتابه معاني القرآن، ويحيى بن سلام ومحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وقد دوّن في مقدمة تفسيره أبحاثا في علوم القرآن كبحث الأحرف السبعة، وتوالت بعده كتب التفسير بالمأثور والمعقول والجمع بينها. هذا ما يتعلق بعلوم التفسير أما ما يطلق عليه علوم القرآن، فلم يتناول أحد تدوين هذا العلم ككلّ بل شرحوا أبعاضه وأجزاءه، فعلي ابن المديني شيخ الإمام البخاري (المتوفى في سنة ٢٣٤ هـ) كتب في أسباب نزول القرآن، وأبو عبيد بن سلّام (المتوفى سنة ٢٢٤ هـ) كتب الناسخ والمنسوخ، ومن كتّاب علوم القرآن في القرن الرابع الهجري، أبو بكر السّجستاني الذي ألّف في غريب القرآن، وفي القرن الخامس علي بن سعيد الحوفي الذي ألّف في إعراب القرآن. وفي السادس كتب السهيلي في مبهمات القرآن، ثم انهالت التآليف في كلّ فنّ، كالقراءات، وأسباب النزول، والإعجاز، والأمثال، والقرآن وحججه وجدله. ويرى الشيخ الزرقاني أن أول عهد لظهور هذا الاصطلاح هو القرن الرابع الهجري إذ كتب علي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ كتابه

стр. 4

«البرهان في علوم القرآن»،- وهو بالطبع غير كتاب الزركشي- والموجود منه حاليا خمسة عشر جزءا، ويبدو من طريقته أنه كتاب تفسير، وإن تعرض من خلال تفسيره إلى شذرات في علوم القرآن، التي يظنّ أنه قد تعرض لها بإسهاب في المقدّمة المفقودة من تفسيره مع الأجزاء الخمسة عشر الأولى، ولم يبق بأيدينا إلّا النصف الآخر من الكتاب. وفي القرن السادس كتب ابن الجوزي كتابه «فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن» الذي وصفه السيوطي (بأنه لم يقرأ مثله ولا قريبا منه)، وهو موجود في دار الكتب المصرية وهو كتاب صغير الحجم، فيه مباحث بسيطة كعدّ كلمات القرآن وحروفه، والكتاب قد حققه محمد إبراهيم سليم ونشرته مكتبة السباعي بالرياض. وأرجح أن الذي وصفه لنا السيوطي ما زال مفقودا. وفي القرن السابع ألف علم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤١ هـ كتابه «جمال القراء» وقد حققه زميلنا عبد الكريم الزبيدي ونشر في بيروت. وجاء القرن الثامن فكان كتاب «البرهان في علوم القرآن» للإمام الزركشي ت «٧٩٤ هـ» وهو من خير كتب علوم القرآن، وكتابه يقع في أربعة مجلدات، وتلاه في القرن الثامن محمد بن سليمان الكافيجي المتوفى سنة ٨٧٣ هـ غير أن كتابه كما قال السيوطي: (لم يشف غليلا، ولم يهد إلى المقصود سبيلا). وتلاه جلال الدين البلقيني، وكتابه «مواقع العلوم من مواقع النجوم» وقد ضمنه السيوطي المتوفى ٩١١ هـ في كتابه «التحبير في علوم التفسير». وألف كتابه القيم «الإتقان في علوم القرآن» الذي يعتبر عمدة في بابه. بين البرهان والإتقان في علوم القرآن : هذان كتابان من خير الكتب وأوسعها في علوم القرآن، أما البرهان للزركشي فهو السابق للإتقان. وهذا الكتاب يتناول الموضوعات تناولا موسعا شافيا وافيا. وأفاد منه السيوطي كثيرا، وقد استوفى جميع أبوابه وأنواعه ولكنه أوجزها وأضاف إليها أنواعا أخرى وجعلها ثمانين نوعا. وكتابه يعوزه التحقيق الذي يقوم به

стр. 5

حاليا قسم التفسير بجامعة الأزهر، وقد أشرف الأستاذ الدكتور إبراهيم خليفة رئيس القسم على رسالة في تحقيق جزء منه، وهو مزمع على إكماله إن شاء الله. وأخيرا فإن كتب علوم القرآن في هذا العصر كثيرة جدا فلا تخلو كلية من كليات الشريعة وأصول الدين من كتاب يؤلفه مدرسو المادة منفردين أو مجتمعين، وأشهر الكتب «مناهل العرفان في علوم القرآن» للشيخ الزرقاني وهو أوسع هذه الكتب انتشارا مع ما فيه من إعواز إلى التمحيص في كثير من القضايا، ومن هذه الكتب وأكملها قيمة «كتاب البيان في علوم القرآن» للشيخ عبد الوهاب غزلان ولكنه قاصر على بعض الأبحاث كجمع القرآن الذي نال عنايته. ومن أقدم كتب علوم القرآن في بلاد الشام ما ألفه الشيخ د. صبحي الصالح «مباحث في علوم القرآن»، كما ألف الأستاذ الدكتور عدنان زرزور كتابه القيم «علوم القرآن». كما كتب الدكتور إبراهيم خليفة كتابه «منّة المنان في علوم القرآن» و «الوحي» وما زال يكتب في هذا المجال.

стр. 6

الفصل الأول القرآن الكريم المبحث الأول: معناه. المبحث الثاني: أسماؤه. المبحث الثالث: لغة القرآن. المبحث الرابع: إعجاز القرآن. المبحث الخامس: الترجمة. المبحث السادس: القصة في القرآن.

стр. 7

المبحث الأول تعريف القرآن لغة وشرعا ١ - المعنى اللغوي: أ- يرى بعض علماء اللغة أن كلمة (القرآن) هي مصدر على وزن (فعلان) كالغفران والرجحان والشكران، فهو مهموز اللام من قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، بمعنى تلا يتلو تلاوة، ثم نقل في عرف الشرع من هذا المعنى وجعل علما على مقروء معين، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٨]. وقد روى الشيخان ﵄ في سبب نزولها ما يفيد هذا المعنى، عن ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدّة، فكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه، يريد أن يحفظه فأنزل الله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ .. الآية». فكان النبي ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل ﵇ أطرق، وفي لفظ «استمع» فإذا ذهب قرأه كما وعده الله (١). فهذا الأثر عن ابن عباس يدل بجلاء ووضوح على المعنى المذكور. وقد روعي في تسميته قرآنا كونه متلوّا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابا كونه مدونا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه (٢).

стр. 8

ب- وذهب الشافعي ورجح قوله السيوطي إلى أن (القرآن) علم غير مشتق فهو اسم لكتاب الله مثل سائر الكتب السماوية (١). ٢ - المعنى الشرعي: لقد عرّف علماء الأصول والكلام القرآن بتعريفات كثيرة، وأحسن هذه التعاريف وأقومها قول القائل إنّ القرآن (هو كلام الله المعجز المنزّل على محمد ﷺ المنقول تواترا والمتعبد به تلاوة). فكلام الله المعجز، قد أخرج كلام غير الله، فهو ليس بكلام إنس ولا جنّ ولا ملائكة ولا نبيّ أو رسول، فلا يدخل فيه الحديث القدسيّ ولا الحديث النبويّ. وخرج بقيد- المنزّل على النبي محمد ﷺ الكتب المنزلة على الرسل من قبله كصحف إبراهيم، والتوراة المنزّلة على موسى، والإنجيل المنزّل على عيسى ﵈. أما القيد- المنقول تواترا- فقد أخرج به كلّ ما قيل إنه قرآن ولم يتواتر، مثل القراءات الشاذة غير المتواترة فإنها رويت على أنها من القرآن إلّا أن نقلها آحادا قد جعلها غير معتبرة، فلا يعتبر من القرآن قراءة ابن مسعود: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات (٢)، فقد زاد (متتابعات)، ولا قراءته كذلك: (وآتيتم إحداهنّ قنطارا «من ذهب» فلا تأخذوا منه شيئا) بزيادة (من ذهب) (٣)، أو قراءة ابن عباس: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم «في مواسم الحجّ») (٤) بزيادة (في مواسم الحج) ولا

стр. 9

قراءة من قرأ (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما) (١) بدل أيديهما، فما زيد أو بدّل في هذه القراءات وأمثالها لا يصحّ اعتبارها قرآنا حتى ولا حديثا نبويا لأنّها نسبت إلى قارئها فلا يعدو اعتبارها أكثر من أنها تفسير أو رأي للمثبت لها. أما القيد الأخير- المتعبد به تلاوة- فقد خرج به الحديث القدسي فإنه وإن كان منسوبا إلى الله إلّا أنه غير متعبد بتلاوته كما سنبينه بعد.

стр. 10

المبحث الثاني أسماء القرآن صنف أحد العلماء في أسمائه جزءا وذكر نيفا وتسعين اسما وذكر بعضهم أقل من ذلك، قال القاضي أبو المعالي ﵀: اعلم أن الله تعالى سمّى القرآن بخمسة وخمسين اسما، وقد ذكر صاحبا البرهان والإتقان وجوها للتسمية ومعانيها، أما الطبري فقد اكتفى بذكر أشهرها مبينا معانيها، من هذه الأسماء: ١ - سماه الله تعالى كتابا فقال: حم ١ تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١ - ٢]. والكتاب مصدر كتب يكتب كتابة، وأصلها الجمع، وسمّيت الكتابة لجمعها الحروف فاشتق الكتاب لذلك، لأنه يجمع أنواعا من القصص والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة. ٢ - وسماه ذكرا فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]. وذلك لما فيه من المواعظ والتحذير وأخبار الأمم الماضية، والذكر أيضا يأتي بمعنى الشّرف والفخر لمن آمن بالقرآن وصدّق بآياته، ومنه قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف: ٤٤]، أي: شرف لك ولقومك ٣ - وسمّاه فرقانا فقال: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: ١]. وذلك لأنه يفرّق بين الحقّ والباطل، والمؤمن والمنافق، والمسلم والكافر، وقيل: لأنه مفروق بعضه عن بعض في النّزول (١). أما ابن عباس فكان يقول: الفرقان المخرج. وقال آخرون: الفرقان هو الفرق بين الشيئين والفصل بينهما، وقد يكون ذلك بقضاء واستفتاء وإظهار حجّة وغير ذلك من المعاني المفرقة بين المحق والمبطل،

стр. 11

والقرآن إنما سمي فرقانا لفصله بحجّته وأدلته وحدوده وفرائضه وسائر معاني حكمه بين المحق والمبطل، وفرقانه بينهما تبصرة المحق وتخذيله المبطل حكما وقضاء (١). ٤ - وسماه التنزيل: وقد وردت بذلك آيات كثيرة: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣]. وغيرها من الآيات، والتنزيل مصدر سمي به الكلام المنزل من عند الله على رسوله، وتسميته بذلك من قبيل تسمية المفعول بالمصدر، وهو من الأسماء الشائعة على ألسنة العلماء حيث يقولون: ورد في التنزيل، ويعنون القرآن. ٥ - وأسماء أخرى، بل صفات كثيرة، منها (مبارك) كما ورد في قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ ... [ص: ٢٩]. و (الحكيم) كما في قوله تعالى: يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ١ - ٢]. و (المجيد) كما في قوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١]. وغيرها من الأسماء والصفات ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابي البرهان والإتقان في علوم القرآن. الفرق بين القرآن والحديث القدسي: قد ينسب الحديث تارة إلى النبي ﷺ فيقال: حديث النبي ﷺ ، وقد ينسب إلى القدس فيقال: الحديث القدسي (٢)، والحديث كما عرّفه العلماء: هو ما نقل عن النبيّ ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، فالأقوال التي تصدر عن النبيّ تعتبر من الأحاديث النبوية، فإذا ما نسبت إلى الله سمّاها العلماء أحاديث قدسية، وذلك كقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربّه أنه قال:

стр. 12

«يا عبادي: إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا. يا عبادي: كلّكم ضالّ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي: كلّكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي: كلكم عار إلّا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي: إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي: إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إيّاها فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه» رواه مسلم (١). ومثل قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه» (٢). والمتأمل في نصوص الأحاديث القدسيّة، يلاحظ وحدة الأسلوب بينها وبين الأحاديث النبويّة، فكلها قد وقع بلفظ النبيّ ﷺ ، سواء أكان الحديث نبويّا أم قدسيّا فكلاهما في مرتبة واحدة، وإن كان الحديث القدسيّ منسوبا إلى الذات العلية (٣). وأن هذه النسبة أيضا لا تجعله في مرتبة القرآن، بل إن بينهما فروقا نوجزها فيما يلي: ١ - أن القرآن الكريم- لفظا ومعنى- من الله ، أما الحديث القدسيّ فهو كالحديث النبويّ، حتى أجاز العلماء روايته بالمعنى، بخلاف القرآن، لأن روايته بالمعنى تحريف وتبديل له.

стр. 13

٢ - ولأن القرآن بلفظه ومعناه من الله فقد وقع به التحدي والإعجاز، أما الحديث القدسيّ فلم يقع به التحدي، فهو في ذلك كالحديث النبويّ سواء بسواء. ٣ - أن القرآن متعبد بتلاوته فتالي القرآن مثاب على تلاوته عموما، وتلاوته في الصلاة ركن من أركانها فلا تتم الصلاة بغيره: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠]. وهذا بخلاف الحديث القدسي فإنه كالحديث النبويّ لو قرئ في الصلاة بطلت. ٤ - كلّ آي القرآن الكريم- آية آية- متواترة، والأحاديث القدسيّة كالأحاديث النبويّة فيها القطعيّ الثبوت (١) وأكثرها ظنيّ في ثبوته. بعد كلّ هذا لا يخطرنّ على بالك، أو يدور في خلدك أن الحديث القدسي كالقرآن الكريم؛ لقول الراوي: قال ﷺ فيما يرويه عن ربه، أو روى الرسول عن ربه ، فإن هذه الشبهة مردودة وباطلة، وما قول النبي ﷺ هذا إلّا ضرب من ضروب الأساليب العربية الشائعة الذائعة المستعملة في لسان العرب حين يقولون: كقول الشاعر في قصيدته كذا وكذا، ثم لا يذكرون بيت الشعر لفظا بل يوردون معانيه من غير مراعاة لحرفية الألفاظ ولا الأوزان والقوافي الشعرية، بل إن في القرآن الكريم خير شاهد على ما نقول، فقد قصّ الله قصص الأنبياء وجدالهم مع قومهم، ولم يذكر عين ألفاظهم التي استعملوها، بل ذكر مضامينها ومعانيها، مصورا لنا مواقفهم بأفصح الألفاظ وأنصح البيان، قال تعالى في سورة نوح ﵇: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ٥ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ٦ وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ٧ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ٨ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ٩ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ١٠ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً [نوح: ٥ - ١١].

стр. 14

فهل هذه الألفاظ القرآنية هي الألفاظ عينها التي قالها نوح ﵇؟ أم هي مضمون ومعنى ما قاله وقالوه ... ؟ وهل حين قصّ الله عن غيره من الرسل قصصا هي ألفاظهم عينها؟. اللهم لا لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]. لقد حكى الله تعالى عن موسى وفرعون وغيرهما مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم، وأسلوب غير أسلوبهم ونسب ذلك لهم (١).

стр. 15

المبحث الثالث لغة القرآن إن الترابط بين القرآن واللغة ترابط شديد الصّلة، بل ارتباط الصّفة بالموصوف التي لا تنفك عنه بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٦]. فلا غرو إذا قلنا: إن التهجم على اللغة العربية هو تهجم على القرآن، والنيل من اللغة هو نيل من القرآن، والمحاولات والمعاول التي تهدم لغتنا إنما هي معاول هدم لقرآننا وكياننا كلّه. وقد طالعنا طالع سوء من المحدثين يزعم «أن القرآن قد حوى في آياته ألفاظا أعجمية، فهو أعجمي مزيج من لغات شتى ... ». هذا الزعم والادعاء في واقعه ليس بجديد، بل هو دعوى قديمة دحضها القرآن الكريم، واصفا إياها بأنها منطق الذين يلحدن في القرآن، فملحدوا اليوم هم ببغاوات لملحدي الأمس، لذا كان لزاما على من يحمل في جعبته سهاما أن يرميهم بسهمه، وأن يرد كيدهم إلى نحورهم، وسنحاول بعون الله تعالى أن نعرض لهذه القضية القديمة الحديثة في آن واحد، وأن نرد عليهم بأدلة قاطعة، وبراهين ساطعة، وأن نبين زيف هذه الأفكار الغاشمة وأن نتناول فيه جانبا من الجوانب التي تعنينا في علوم القرآن تاركين الجوانب الأخرى لمن هو أهل لها. هذا الجانب يتناول قضية احتواء القرآن لألفاظ معرّبة عن أصول أعجمية، وهي قضية استحوذت على علمائنا الأقدمين والمحدثين على حدّ سواء، وكانت مثار اهتمامهم، فتعددت فيها الآراء وتضاربت فيها المذاهب ما بين مثبت وناف، والمثبتون قد اختلفوا في حصر هذه الكلمات بين مكثر ومقلّ، فقد حصرها الإمام الغزالي في كلمتين أو ثلاث، وحصرها تاج الدين السبكي بسبعة وعشرين لفظا ونظمها شعرا، وزادها الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني أربعة وعشرين لفظا ونظمها شعرا أيضا، كما زادها الإمام السيوطي بضعة وستين لفظا فتمت أكثر من مائة لفظ (١).

стр. 16

وسنرى فيما بعد القول الحقّ في حقيقة هذا الحصر الادعائي. وقبل أن نخوض في مذاهب العلماء في وقوع المعرب في القرآن، هاك بعض هذه الألفاظ: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر: ٥١] قال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية جاد، وبالقبطية أريا، وبالحبشية قسورة، وحين سئل ابن عباس عن معنى قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [النساء: ٢] قال: حوبا بلغة الحبشة، وبالعربية إثما. وعن ابن مسعود أنه فسر لفظ ناشئة في قوله تعالى من سورة المزمل: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: ٦] قال: الناشئة هي بالحبشية، وبالعربية قيام الليل، وبما روي عن مجاهد أنه فسر القسط في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] قال: إن القسط بالرومية وبالعربية العدل. وقد أورد السيوطي ما في القرآن عن بعض الألسن، فمما ورد بلسان الحبشة، الأرائك بمعنى السّرر، وأوّاه: المؤمن بمعنى الرحيم، وطوبى اسم للجنة. وبلسان العبرية: مرقوم بمعنى مكتوب، وراعنا وهي كلمة سبّ عند اليهود. وبلسان الروم: فصرهنّ، أي: قطعهن، وطفقا، أي: قصدا، والفردوس بمعنى البستان. وبلسان الفرس: سجيل عن مجاهد: سجيل أولها حجارة وآخرها طين، وسرادق بمعنى الدهليز، والسندس بمعنى دقيق الديباج. وبالنبطية: بأيدي سفرة، أي: بأيدي القراء. وبالسريانية: أسفار بمعنى الكتب، وكلمة شهر ذكر بعض أهل اللغة أنها سريانية كذلك (١). وبعد: فهذه كلمات وألفاظ قرآنية قلّت أو كثرت جرى فيها خلاف في ثلاثة آراء نسوقها إليك مع المناقشة والترجيح في نهاية المطاف.

стр. 17

الفريق الأول: وعلى رأسهم الإمام الشافعي الذي شدد النكير على القائلين إن في هذا القرآن غير لغة العرب فأخذ يقيم الحجة بأن القرآن كله عربي، لقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]. وقوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٣]. وقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ١٩٣ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ١٩٤ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. يقول الشافعي في رسالته: ومن جماع علم كتاب الله العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب .. فالواجب على العالمين ألا يقولوا إلا من حيث علموا، وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب إلى السلامة له إن شاء الله. فقال قائل منهم: إن في القرآن عربيا وأعجميا، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدا له، وتركا للمسألة عن حجّته ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم، ولعلّ من قال: إن في القرآن غير لسان العرب وقبل ذلك منه، ذهب إلى أن من القرآن خاصّا يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبيّ، ولكنه لا يذهب منه شيء، على عامتها حتى يكون موجودا فيها من يعرفه، والعلم به عند العرب، كالعلم بالسّنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلا جمع السّنن فلم يذهب منها شيء، فإذا جمع علم عامّة أهل العلم بها أتى على السّنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم، ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودا عند غيره (١). وأما الطبري فقد قال: إن الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا، من أجل أنهم لم يقولوا: هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلاما، ولا كان ذاك

стр. 18

لها منطقا قبل نزول القرآن، ولا كانت بها العرب عارفة قبل مجيء الفرقان، فيكون ذلك قولا لقولنا خلافا، وإنما قال بعضهم: حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا، وحرف كذا بلسان العجم معناه كذا. ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما قد وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم، والدينار والدواة، والقلم والقرطاس، وغير ذلك مما يتعب إحصاؤه ويملّ تعداده، لذا كرهنا إطالة الكتابة بذكره، مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى، ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها. فلو أن قائلا قال- فيما ذكرنا من الأشياء التي عددنا وأخبرنا اتفاقه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية وما أشبه ذلك، مما سكتنا عن ذكره-: كلّه فارسي لا عربي، أو ذلك كلّه عربي لا فارسي، أو قال: بعضه عربي وبعضه فارسي، أو قال: كان مخرج أصله من عند العرب، فوقع إلى العجم فنطقوا به، أو قال: كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته، كان مستجهلا، لأن العرب ليست بأولى أن تقول: كان مخرج أصل ذلك منها إلى العجم. ولا العجم بأحق أن تقول: كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب، إذا كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودا في الجنسين .. ثم قال: وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك هو معنى قول من قال: في القرآن من كل لسان، عندنا بمعنى: أن فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرهم من الأمم التي تنطق به نظير ما وضعنا من القول فيما مضى، وذلك أنه غير جائز أن يتوهّم على ذي فطرة صحيحة، مقرّ بكتاب الله، ممن قرأ القرآن وعرف حدود الله، أن يعتقد أنّ بعض القرآن فارسيّ لا عربيّ، وبعضه حبشيّ لا عربيّ بعد ما أخبر الله تعالى أنه جعله قرآنا عربيا (١). وقد ذهب فخر الدين الرازيّ المفسّر، والعالم اللغويّ ابن فارس إلى هذا الرأي وأطال الاستشهاد على صحة هذا القول، ومما قاله: «لو كان في القرآن الكريم من

стр. 19

غير لغة العرب شيء لتوهّم متوهّم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان مثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها (١). هذه أدلة الإمام الشافعي ومن معه، ويجدر بالذكر أن هذا الفريق وإن كان يقول: إن جميع ألفاظ القرآن عربية إلا أنه لا ينكر موافقة لسان العرب للسان العجم كما يقول الشافعي، ولا ينكر إذا كان اللفظ قيل تعلما أو نطق به موضوعا، أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلا من لسان العرب، كما يتفق القليل من ألسنة الأعاجم المتباينة في أكثر كلامها مع تنائي ديارها، واختلاف لسانها، وبعد الأواصر بينها وبين من وافقت بعض لسانه (٢). ويمثل أبو عبيد على ذلك بالمثال التطبيقي فيقول: «وقد يوافق اللفظ اللفظ ويفارقه ومعناهما واحد، أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو غيرها، فمن ذلك الإستبرق بالعربية، وهو الغليظ من الديباج، وهو استبره بالفارسية» ثم ختم أبو عبيد كلامه بقوله: «من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم القول» (٣). يقول أبو بكر الباقلاني: القرآن عربي لا عجمة فيه، فكل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة أخرى فيكون أصلها عربيا إنما غيّرها غيرهم تغييرا ما، كما غيّر العبرانيون فقالوا: للإله، لاهوت، وللناسك: ناسوت. أما الفريق الثاني فهو فريق المتساهلين، الذين حكموا بأن القرآن شامل لجميع لغات العالم في زمنهم، استنادا لقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] فالآية حسب زعمهم شاملة وعامّة، لذا قالوا: إن القرآن فيه من كلّ لهجة عربية بل باللغات الشائعة في زمن نزوله ... كالفارسية والرومية والعبرية، لذا فقد تساهلوا وتوسعوا في الألفاظ الوافدة التي استعملها القرآن الكريم ظنّا منهم أنها مزية من مزاياه في عدم التفريط بشموليته لسائر اللهجات واللغات. قال الثعلبي: إنه ليس لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن.

стр. 20

ويرى أن وقوع هذه الألفاظ في القرآن إنما يدل على حكمة احتوائه لعلوم الأولين والآخرين، ومن ضمن ذلك إحاطته بجميع اللغات والألسن. مما تقدم يتبين لنا أن هناك خلافا بين الفريقين، هو خلاف حقيقيّ شكليّ، وعلي الرغم من وضوح حقيقة الخلاف إلا أبا عبيد القاسم بن سلّام قد صبغ الخلاف وفاقا. (قال أبو عبيد القاسم بن سلام: (إنّ القرآن كلّه عربيّ، وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم في أحرف كثيرة من غير لسان العرب مثل: سجّيل ومشكاة واليم والطور وأباريق وإستبرق وغير ذلك، فهؤلاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب، وذهب هذا إلى غيره، وكلاهما مصيب إن شاء الله تعالى، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعرّبته فصار عربيا بتعريبها إياه، فهي عربية في هذه الحال أعجمية الأصل) (١). وعلق الشيخ الزفزاف فقال: (وهذا الرأي الذي ذكره أبو عبيد، إنما أراد به أن يجعل الخلاف بين الفريقين السابقين لفظيا. والذي يظهر لي أنه ليس كذلك، لأن الإمام الشافعي ومن معه لم يكونوا يجهلون أن العرب إذا تكملت اللفظ الأعجمي يصبح عربيا، ولكنهم كانوا يرون أن القطع بأن هذه الألفاظ أعجمية الأصل لا سبيل إليه. كما يفهم ذلك من القرآن وكما يفهم من كلام القاضي أبي بكر الباقلاني، وهم يرون غلق هذا الباب) (٢). ثم استدل هذا الفريق أولا: بالآية القرآنية وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤]. ووجه الدلالة في الآية أنّ كلّ رسول مرسل إلى قومه، فيتحدّث بلسانهم والنبيّ ﷺ مرسل إلى كلّ الأمم فلا بد أن يكون في الكتاب المبعوث إليهم من لسان كلّ قوم إن كان أصله بلغة قومه هو.

стр. 21

ثانيا: ورد في القرآن الكريم أعلام أعجمية وهي كما يقول علماء النحو ممنوعة من الصرف، وعلة ذلك العلمية والعجمة، وإذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس. ثالثا: أما الدليل الأخير فهو القياس كما ذكره ابن جني «إن ما قيس على كلام العرب. فهو من كلام العرب» (١). الفريق الثالث: وهو الوسط بين الفريقين فليس بمبالغ ولا متساهل، ذلك أنه أثبت وجود كلمة أعجمية، ولكنها لما عرّبت، أصبحت عربية، فوصف القرآن بأنه عربيّ صحيح، لأن المعرب كالعربي سواء بسواء، وبهذا القول يكون قد وافق فريق المتساهلين، ولكنه يخالفه في الإفراط بالكم من هذه الكلمات إلى درجة إثبات أن القرآن فيه كل اللغات واللهجات، أو على حد تعبيرهم في القرآن من كلّ لسان عربي. أما وجه مخالفة الفريق الثالث للفريق الأول: فإن العرب في جاهليتهم قد استعملوا كلمات أعجمية، ولكنه لاكوها بألسنتهم وأخضعوها لتفعيلاتهم، فأصبحت معربة، فامرؤ القيس استعمل لفظة السجنجل في معلقته المشهورة: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسّجنجل والسجنجل بمعنى المرآة وهي لفظة معربة (٢) لم يستعملها العرب من قبل، والتعريب في هذه الألفاظ لا يكون بأخذها كما وردت عن الأعاجم، بل لا بدّ من صياغتها على تفعيلة من التفعيلات العربية، كأفعل وفعل وفاعل وافتعل واستفعل وغيرها، فإن وافقتها أخذ بها. وإلا أنقص أو بدّل حرف منها حتى توافق أوزان التفعيلات، فالتعريب هو صوغ الكلمة الأعجمية صياغة جديدة بالوزن والحروف العربية، وبهذا دخلت الألفاظ الأعجمية إلى اللغة العربية، ولكنها أصبحت عربية حين لاكتها العرب بألسنتها، نعم إننا لا نستطيع أن نجزم أن جميع الألفاظ التي

стр. 22

أوردها بعض العلماء هي ألفاظ أعجمية في الأصل، لأن القطع بهذا يحتاج إلى تتبع اللفظ والتنقلات التي اعتورته حتى نصل إلى منشئه الأصلي. هذا أولا. ثانيا: إن الفريق الأول الذي استدل على عربية القرآن، وأنه ليس فيه كلمة معربة بمعنى أن أصلها أعجمي، ثم نقلت إلى العربية، قد خالفوا سنة التأثير والتأثر بين اللغات، وحكموا أن اللغة العربية قد أثرت في اللغات الأخرى على الدوام والاستمرار، فقد أثرت ولم تتأثر، وأقرضت ولم تستقرض، ويعللون هذه الظاهرة بأحد أمرين كما يقول الشيخ أحمد شاكر (١): أولهما: أن العرب من أقدم الأمم، ولغتها من أقدم اللغات وجودا، كانت قبل إبراهيم وإسماعيل، وقبل الكلدانية (٢) والعبرية (٣) والسريانية (٤)، وغيرها، بله الفارسية. وقد ذهب منها الشيء الكثير بذهاب مدنيتهم الأولى قبل التاريخ، فلعل الألفاظ القرآنية، التي يظنّ أن أصلها ليس من لسان العرب، لا يعرف مصدر اشتقاقها، لعلها من بعض ما فقد أصله وبقي الحرف وحده. ثانيهما: اتساع اللغة العربية: يقول الإمام الشافعي: ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي (٥). ولذا وجدنا ابن عباس، مع علمه الواسع، يخفى عليه معنى «فاطر» فروي عنه أنه قال: «كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أي: بدأتها» (٦).

стр. 23

ونظرا لاتساع اللغة العربية فقد رأوا أنها المصدر لتلك اللغات، أو المؤثر والمقرض لتلك اللغات، فقد أعطت ولم تأخذ، وأثّرت ولم تتأثر، وأقرضت ولم تقترض .. إلخ. المناقشة والرد والنقض لهذه الأدلة: ١ - إن قضية أقدمية اللغة العربية غير مسلم بها، والنظريات في الأقدميات لم تستقر على حال، وهي أدلة ظنية، وهناك كلام طويل في لغة آدم ﵇، وكلام طويل في توقيفية اللغة ووضعها من البشر، والخلاف في هذه القضية طويل وعريض. ولكن من المسلم به أن اللغات قد عايش بعضها بعضها، واحتك البشر بالبشر فجريا على سنة التأثير والتأثر، جرى الإقراض والاقتراض، واللغة العربية لم تخرج عن هذه السنة، وليست لغة بأولى من لغة في هذه السنة. ٢ - أما القول بأن اللغة العربية من أوسع اللغات فلا يحتم ذلك أن تكون دوما هي المؤثر الذي لا يتأثر، والمقرض الذي لا يقترض. مجمل القول أن أقدمية اللغة وسعتها لا تمنعان شيئا مما قلناه، وأقصى ما يمكن قوله: إنها اللغة الأكثر تأثيرا وإقراضا، وهذا الأمر هو الصواب. ٣ - أما القول: بأن ابن عباس قد خفي عليه معنى فاطر، فلا ينهض دليلا على ما يقولون؛ لأن خفاء المعاني على العلماء لا يدلّ على سلب أو إيجاب في هذا المقام. وبعد: فيظهر مما تقدم أن القول الراجح هو رأي الفريق الثالث، وهو قول ترجمان القرآن ابن عباس الذي دعا له النبي ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ووافقه تلميذه مجاهد وعكرمة، فهم أعلم بالتأويل كما يقول أبو عبيد مخالفا شيخه أبا عبيدة. «فهؤلاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة» (١) وقد رويت عنهم أقوال في بيان الأصل الأعجمي لبعض الألفاظ القرآنية، وهذا غير مانع من وضعها بالعربية لأن تعريب

стр. 24

العرب لها جعلها عربية، فهي أعجمية في الابتداء، عربية في الانتهاء، وكما يقول ابن جني: فما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم. قال ابن عطية: فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية. لكن استعملتها العرب وعربتها، فهي عربية بهذا الوجه، فقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات، وبرحلتي قريش، كسفر «مسافر ابن أبي عمرو» إلى الشام، وكسفر «عمر بن الخطاب» وكسفر «عمرو بن العاص» و «عمارة بن الوليد» إلى أرض الحبشة، وكسفر «الأعشى» إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن، ثم تابع ابن عطية حديثه فقال ردّا على الطبري: «وما ذهب إليه الطبري ﵀ من أن اللغتين اتفقتا لفظة لفظة بذلك بعيد، بل إحداهما أصل والأخرى فرع، وليس بأولى من العكس .. » (١). إن هذا القول لا يقلل من شأن عربية القرآن لا من قريب ولا من بعيد، بل يدل على مرونتها واتساعها لما هو مستحدث وجديد، وكما قيل، ولنا أن نضيف إليها كلمات لم تكن مستعملة من قبل، ولقد أضاف لها العرب في جاهليتهم وإسلامهم، وصبوا ذلك في قوالبهم، وأصبحت الألفاظ المعرّبة عربية فصيحة. يقول السيوطي: وقد رأيت الجويني ذكر لوقوع المعرّب في القرآن فائدة أخرى فقال: إن قيل: إنّ (إستبرق) ليس بعربي، وغير العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة، فنقول: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظة تقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك. فمثلا كلمة (إستبرق) إن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه، لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، ولا يجد العربي لفظا واحدا يدلّ عليه، لأن الثياب من

стр. 25

الحرير عرفها العرب من الفرس، ولم يكن لهم بها عهد، ولا وضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم، وإنما عرّبوا ما سمعوا من العجم، واستغنوا عن الوضع؛ لقلة وجوده عندهم وندرة تلفظهم به. أما إن ذكره بلفظين فأكثر، فإنه يكون قد أخلّ بالبلاغة، لأن ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ، هو تطويل، فعلم بهذا أن لفظ (إستبرق) يجب على كلّ فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه، وأيّ فصاحة أبلغ من ألا يوجد غيره مثله؟ (١). ويؤكد الرافعيّ هذه الحقيقة إذ يقول: ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن: إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني عنها في مواقعها من نظم الآيات، لا إفرادا ولا تركيبا (٢). وهو قول يحسن ذكره بعد الذي بيناه.

стр. 26

المبحث الرابع إعجاز القرآن لكلّ رسول معجزة كدليل على نبوّته ورسالته، وأنه مرسل من قبل ربّه، إذ دون ذلك لا تقع حجة الله على الخلق بالإيمان برسله، فمهما سمت أخلاق الرسول وعلت همته، وجادت قريحته، وتوقد ذهنه، وإن اقتعد المكانة الأولى في قومه، فإن كلّ هذا لا يكفي دليلا على أنه مرسل من قبل الله، فلا يمكن للعقل أن يصدّق ويذعن ويعترف بأن هذا رسول إلّا بما يظهره الله على يديه من معجزات، فيخرق له السّنن الكونية، أسبابا ومسببات، إذ المعجزة هي الأمر الخارق للعادة، وهي خارجة عن الأسباب المعروفة، هادمة للنتائج المبتناة على المقدمات، فالنار مثلا حارقة عادة، ولكنها أصبحت بردا وسلاما على سيدنا إبراهيم، فالذي جعلها حارقة على وفق السّنن والقوانين التي نعرفها هو الذي جعلها تكون بردا وسلاما، فكانت بذلك معجزة لإبراهيم ﵇ ودليلا على نبوته. والمقصود من المعجزة: ليس هو إعجاز الناس لذات الإعجاز، أي لمجرد إيقاعهم في العجز عن الإتيان بمثل المعجزة، بل المقصود: هو الإذعان والإيمان بصاحبها أنه رسول من قبل خالق هذه السنن وهو الله تعالى. لذا فإن الله تعالى قد بعث كلّ رسول إلى قومه، وأظهر على يديه المعجزات التي من شأنها أن تجعل قومه يدركون إدراكا يرفع عنهم كلّ لبس وغموض، أن هذا رسول من عند الله، وليس بمدّع عليه، لذا كانت معجزات كلّ نبيّ ورسول نابعة من بيئته، ومتناسبة مع أحوال قومه، فتأتيهم على وفق ما برعوا فيه حتى يكون ذلك أدعى لإيمانهم، ولإقامة الحجة عليهم، لأن المعجزة لا تحقق الغاية منها إلّا إذا حصل التحدي بها، ولا يتحقق التحدي لأمة من الأمم وهي لا تعرف شيئا عن المتحدّى به. وإن المتتبع لآيات القرآن الكريم، والمتدبر لآياته التي تتحدث عن المعجزات بوجه عامّ لتبرز له كل هذه المعاني التي أشرنا إليها.

стр. 27

فهناك معجزة موسى ﵇ التي كانت في عصاه، وهي تتلاءم مع قوم برعوا في السّحر، إذ احترفوا السحر حرفة، ويدلنا على معرفة قومه بالسحر، تلك الآيات القرآنية التي تحدثت عن فرعون ودعوته للسحرة في زمنه: وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ [يونس: ٧٩]. وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ١١١ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ [الأعراف: ١١١ - ١١٢]. وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الشعراء: ٣٦ - ٣٧]. واستجاب له السحرة وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ [الأعراف: ١١٣]. لقد وردت مشتقات كلمة سحر، فوردت كلمة ساحر (إفرادا)، والسحرة (جمعا)، ووردت بصيغة اسم الفاعل (ساحر)، واسم الفاعل الموصوف (ساحر عليم)، ووردت بصيغة المبالغة على وزن فعّال (سحّار)، كلّ هذا يشعرنا بما عليه القوم من علم بالسّحر وفنونه، وقوم هذا شأنهم أهل للتحدي الكبير في هذا المجال، وجعلت لهم المكافأة العظمى إن كانوا غالبين. وأيّة مكافأة أعظم من أن يكونوا من المقربين ... من الطاغوت العظيم إلههم فرعون ... لقد استجمعت جميع عناصر التحدي: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ١١٥ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ١١٦ وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ١١٧ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ١١٨ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ١١٩ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ١٢٠ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ١٢١ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ١٢٢ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ١٢٣ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ١٢٤ قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ [الأعراف: ١١٥ - ١٢٥]. وهكذا وقع التحدي، وانتهى بإيمان السّحرة أجمعين بالله رب العالمين. وقل مثل ذلك في معجزة عيسى ﵇، حين برع قومه في الطب، فجعل المعجزة من جنس ما عرفوا وبرعوا فيه، جعل الله على يد عيسى إحياء الموتى قبل

стр. 28

دفنهم أو بعده، وجعل مسحة من يديه تردّ الأعمى بصيرا، وتبرئ الأكمه والأبرص ويكون سليما، وأية معجزة أعظم من إحياء الموتى، وأعلم الناس إدراكا لهذه المعجزة هم أولئك الذين يعرفون الطّبّ وعلومه، وهم أقدر الناس على التمييز بين إحياء حقيقي أو إحياء مزعوم موهوم، قادرون على معرفة الفارق بين حياة حقيقية بعد موت محقق، أو إغفاءة نتيجة سكرات المرض ثم صحوة منه. وقل مثل ذلك في معجزة النبي ﷺ ، فلقد بعث الله تعالى محمدا ﷺ في قوم كان الكلام بضاعتهم، فرسان البلاغة والفصاحة والبيان، الشعر والخطابة البليغة زادهم وشرابهم، قصيدة تجذبهم فتكون وكأنها معبود لهم، فتعلق في الكعبة في أعزّ مكان وتكون من المعلقات، كانت أسواقهم تبادلا وتداولا، يتبادلون بضائعهم ويتداولون أشعارهم. فجاءتهم معجزة من جنس ما عرفوا وألفوا، فتحداهم بالمعروف عندهم والمألوف لديهم. بعد كلّ هذا قد يدور في خلدنا حيرة وتساؤل، كيف ولم لم تؤمن الشعوب والأمم برسالات الرسل ﵈؟ لم بادروهم بالتكذيب والجحود بعد مشاهدة المعجزات البينات؟! أقول إن الإنكار والجحود والكفر قديم قدم الرسالات السماوية، والكافرون هم الأكثر عددا، والذين خلقوا لجهنم هم الكثير من الناس: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: ١٧٩]. وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣]. فهذا نوح ﵇، يمكث في قومه ألف عام إلّا قليلا، وهو يدعوهم ليلا ونهارا، سرا وجهارا، ومع ذلك لم يلق إلّا عنادا وجحودا وإصرارا: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ٥ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ٦ وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً [نوح: ٥ - ٧]. وكذلك موسى ﵇ قد أتى قومه بالمعجزات العظام، فعصاه يلقيها فتنقلب ثعبانا، ويضرب بها الصخر فتنفجر منه العيون، ولقد عاينوا ذلك بأعينهم،

стр. 29

ولكن العناد والإصرار هو الدافع لهم للجحود والإنكار، حتى قالوا قولتهم الآثمة: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة: ٥٥]. وهذا عيسى قد لاقى من قومه صدودا، حتى الحواريين طلبوا منه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، فقالوا لعيسى ﵇: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ١١٢]. وأجابهم الله بما سألوا: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [المائدة: ١١٥]. وهكذا الشأن مع رسول الله ﷺ ، فقد جاءهم بالمعجزة التي تذعن لها العقول، ولكن لم يؤمن بها إلّا من هداه الله للإيمان، أما أكثر العرب فقد جحدوا بها، واستيقنتها قلوبهم وأبوا إلّا الضلال، فراحوا يقولون كما تحدث عنهم القرآن: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ٩٠ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ٩١ أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ٩٢ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ٩٣ وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٠ - ٩٤]. وقال الله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام: ٧]. وما هذه المواقف وهذا الكفر والإلحاد إلّا نتيجة إدبار واستكبار: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ٢٣ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: ٢٣ - ٢٥]. وجه الإعجاز القرآني: يحلو لبعض العلماء أن يرى وجوها كثيرة في إعجاز القرآن، فبعضهم يرى من وجوه الإعجاز إخبار القرآن بالغيب، أو في نظامه التشريعي، أو الاجتماعي، أو علم الجناية، أو علم الاقتصاد، أو الفلك، أو الطب، وغير ذلك من العلوم التي لا تعد

стр. 30

ولا تحصى، ويذهب للتدليل على رأيه بقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]. وقد ذهب بعضهم إلى كثير من المبالغة فيما يسمى بالإعجاز العلمي، حتى حملوا النصوص القرآنية ما لا تحتمله، وما لا يقبله العقل، في تأويل النصوص تأويلا متعسفا في كثير من الأحيان. ونحن لا ننكر أن القرآن الكريم يتسع للكثير مما هدي إليه البشر، في بعض المجالات كالطب وعلم الفلك وغيرها، وقد توسعت فيه مدارك علماء التفسير فأبرزوا لنا هذه المعاني، ومدى مطابقتها للواقع، ومدى احتمال الآيات القرآنية لمعانيها العلمية، فهذه العلوم تصدق القرآن، ولكنها ليست وجوها في الإعجاز. لهذا فإننا نحصر وجه الإعجاز القرآن في الوجه الذي تحدى به القرآن سائر العرب، نحصره في وجه واحد، ألا وهو لفظ القرآن ونظمه وبيانه، فهو الوجه الذي تحدى الله به العرب قاطبة، منذ نزول القرآن وحتى هذا الزمن، وسيبقى هذا الوجه هو الشاهد على القرآن، بنظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحدّ بالإخبار بالغيب المكنون ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء مما لا يتصل بالنظم والبيان. إن ما في القرآن من مكنونات الغيب، ومن دقائق التشريع، ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المقضي إلى الإعجاز، وإن كل ما فيه يعد دليلا على أنه من عند الله، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وإنه بهذه المباينة كلام رب العالمين لا كلام بشر مثلهم (١). نعم لقد تحداهم القرآن بداية بالإتيان بمثل هذا القرآن: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨]. وتحداهم أن يأتوا بعشر سور ولو كانت هذه السور مفتريات حسب زعمهم: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣].

стр. 31

بل تحداهم بسورة واحدة: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨]. هذه الآيات القرآنية المتحدية للبشرية، بل للإنس والجن معا، إنما تحدتهم، وما زالت تتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن نظما وبيانا، وهذا هو الوجه الذي أعجز العرب سابقا ولا حقا، وهم إذ عجزوا عن الإتيان بمثله فقد انتفى أن يكون القرآن من كلامهم، أو من كلام محمد، لأنه واحد منهم، علاوة على أنه ثبت لنا أحاديث شريفة قالها الرسول ﷺ والقرآن ينزل عليه، وبالمقارنة بين الكلامين نجد البون شاسعا، والفرق بعيدا بعد الفارق بين الخالق والمخلوق. ويجدر بنا أن ننقل إليك كلمة الجاحظ في تجلية هذه الحقيقة إذ يقول: (بعث الله محمدا ﷺ أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشدّ ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله، وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجّة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة حمله على حضهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه- إن كان كاذبا- بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، وتقريعا لعجزهم عنها، تكشف عن نقصهم ما كان مستورا، وظهر منه ما كان خفيا!). «فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة، قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات!! فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر ... ولو تكلّفه (أي لو استطاعه) لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده، ويحامي عليه، ويكايد فيه، ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض» (١). (فدلّ ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، واستقامة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه

стр. 32

وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه، من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال. وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب، في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع، والمزدوج، واللفظ المنصور، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم، فمحال- أكرمك الله- أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر، وهم أشدّ الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه. والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة!! وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه، ويجدون السبيل إليه، وهم يبذلون أكثر منه) (١). الإعجاز العلمي: لقد أوجد المسلمون هذا اللون المعاصر من ألوان التفسير تأكيدا لإعجاز القرآن، أو بابا جديدا من أبوابه، وتأكيدا على عدم معارضة القرآن والإسلام للعلم، حتى قام بعض المفسرين من أمثال طنطاوي جوهري بتفسير آيات الطبيعة في القرآن بحقائق العلم التجريبي ونظرياته، وذهب إلى حشو تفسيره الجواهر- بإجراء المطابقة بين كشوف الغرب العلمية وآيات القرآن الكريم- وتعسف كثيرا في إجراء هذه المطابقة في معظم الأحيان، ووصف كتابه قائلا: «بهذا الكتاب في التفسير وأمثاله سيستيقظ المسلمون سريعا، سيجيء جيل لم تشهد الأرض مثله ... أيها المسلمون هذا هو علم التوحيد في الحقل والجبل والزرع والشجر والثمر والشمس والقمر، لا في الكتب المصنفة المشهورة، هي والله مبعدة عن حكمة الله، ومبعدة عن معرفة آياته» (٢).

стр. 33

لقد أبعد الشيخ طنطاوي جوهري- رحمة الله- النجعة، ولم يتحقق له ما أمل أو أراد! لقد أصبح التفسير العلمي والإعجاز العلمي، قرينين أو شيئا واحدا في عرف كثير من الدارسين والباحثين، ورأوا فيه ميدانا ملائما للدعوة إلى الإسلام، وإقامة الدليل على أن القرآن وحي يوحى، وأنه تنزيل من حكيم حميد، في الوقت الذي ضعفت سليقة العرب اللغوية، وأضحوا غير قادرين على «تذوق الإعجاز البياني للقرآن الكريم» ... في الوقت الذي عدّ فيه هذا «الإعجاز الجديد» قادرا على مخاطبة العرب وغير العرب، كما يقوى على إدراكه المسلمون وغير المسلمين، بل إن غير المسلمين من الأوروبيين المكتشفين للسنن، وأصحاب التقدم العلمي، يأتون في مقدمة من يعقل عن القرآن هذا الإعجاز، أو بعبارة أدق: هذا السبق العلمي الباهر الذي جاء به القرآن الكريم قبل مئات السنين. والواقع- والقول الحق- أن الإعجاز الحقيقي في هذا الجانب، أعني جانب الحقائق العلمية عن الكون والإنسان التي أشار إليها القرآن الكريم، يكمن في طريقة القرآن في التعبير عن هذه الحقائق، لا فيما سميناه تفسيرا علميا قد نخطئ فيه أو نصيب! لقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقائق على نحو يفهم خلال العصور! بمعنى أن أسلوب القرآن ونظمه وبيانه- الذي جعلناه مناط الإعجاز فيما سبق- اتسع للتعبير عن هذه الحقائق العلمية على نحو لا يعجز عن خطاب الإنسان في أيّ عصر، ولا يحمله كذلك أكثر مما يطيق، هذا هو وجه الإعجاز الحقيقي في هذه المسألة. وغني عن البيان أنه ليس في مقدور أحد من الثقلين، أن يكتب بهذه الطريقة، أو يجيء بمثل ما جاء به القرآن، وهذا هو السبب في أن القرآن الكريم فهم وفسّر خلال هذه العصور. أما انفراد العصر الحديث- عصر الكشوف العلمية- بهذا اللون من ألوان الفهم، أو ألوان الشرح والتفسير، فيعود إلى أن إدراك المدلول (العلمي) أو الحقيقي للإشارات القرآنية المتعلقة بالطبيعة والإنسان، يتوقف على التجربة والعمل الإنساني، وعلى تطبيق المنهج القرآني في التعامل مع هذه الإشارات والظواهر، أو على الامتثال للأمر القرآني بالنظر والملاحظة والتجربة، وقد قصر المسلمون في الامتثال للمنهج العلمي الذي تضمنه القرآن الكريم ودعا إليه، بوصفه الطريق الصحيح للاكتشاف.

стр. 34

هذا والحديث طويل ودقيق في هذا اللون من ألوان التفسير وبيان الإعجاز، ولكن لن ننهي الحديث قبل أن نلقي الضوء- بإيجاز شديد- على شروط التفسير العلمي: ١ - أقول أول هذه الشروط أن لا يفسّر القرآن إلا باليقينيات العلمية، أو بالحقائق الثابتة التي ارتقت مندرجة الفروض والنظريات العلمية إلى مقام اليقينيات أو «الفعل الواقع القائم» حسب عبارة موريس بوكاي، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه التغيير والتبديل (١). مثال تطبيقي على ما سبق: قال تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [لقمان: ٢٩]. وقال تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥]. إن العلم الحديث يجعلنا ندرك بسهولة كيف يتداخل كلّ من الليل والنهار في حركة الأرض حول محورها وحول الشمس الثابتة نسبيا. وربط بهذا تعدد المشارق والمغارب (٢). قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ [المعارج: ٤٠]. فلا خلاف على جواز تفسير هذه الآيات بما يدل على كروية الأرض، والتي تمثل حقيقة علمية واقعة .. إلخ. ٢ - إن حقائق العلم لا تفسير بها المعجزات والأمور الخارقة للعادة التي نصّت عليها الآيات الكريمة نظرا لافتراق «موضوع» هذه الآيات عن آيات الكون والطبيعة وأطوار الخلق، وسائر الآيات التي يمكن الانتفاع بحقائق العلم وثوابته في تفسيرها وشرح معانيها، بل نقول أبعد من ذلك: إن الآيات القرآنية التي تحدثت عن المعجزات والخوارق لا يمكن إقحامها من باب العلم التجريبي أصلا، لأنها إنما ثبتت بمقدار مخالفة السنن والقوانين، فكيف يتأتى تفسيرها من خلال هذه السنن والقوانين.

стр. 35

فمثلا معجزة حمل مريم بعيسى ﵇ ليس لها تفسير علمي، بناء على سنن الحمل والولادة، ولكن هناك من تعسف في تفسير هذه المعجزة، وراح يفسرها تفسيرا علميا حسب زعمه، فقال: إن مريم خنثى، والخنثى له مبيض في جهة، وخصية في الجهة الثانية!! (١). ولا يدري القارئ مع هذا التفسير العجيب، كيف تكون مريم وابنها آية للعالمين؟ وما معنى قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] الآيات الدالة على المعجزة و «الاستثناء» في حمله وولادته. ومثل هذا، أو قريب منه من تحدث عن الكهرباء، وكيف يصعق التيار الكهربائي الأحياء ... في سياق شرحه لقوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً .. [الأعراف: ١٤٣]. ويضيف طنطاوي جوهري حديثا عن معجزة موسى التي نصّت عليها الآية الكريمة وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة: ٦٠]. قال: إن الله اختار الحجر ليضربه موسى بعصاه دون غيره ليلفت العقول إلى بدائع خلقه ومعجزاته في الكون، فالحرارة تحول الماء بخارا، والبرد يجمّده وهو بين الصخور فيصدعها. ثم يمضي في تفسيره للآية ١٢ من سورة سبأ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ: ١٢]. يقول طنطاوي في تفسيرها: إن سليمان- ﵇ كان له سفر هوائي منظم!! ومن ذلك يتضح أن اختراع الطائرات في هذا العصر قد سبق إليه العصر السليماني، وهذا من معجزات القرآن (٢).

стр. 36

ومن العجيب حقا هذا القلب للحقائق تحت عنوان التفسير العلمي، أو في سبيل حض المسلمين على الأخذ بأسباب التقدم العلمي. ٣ - ومن أصول التفسير المسلّمة أنه لا يجوز تفسير القرآن باصطلاح حادث بعد نزوله؛ لأننا لو فعلنا ذلك لعدنا على معاني القرآن بالتحوير والتبديل، أو بالإبطال والإلغاء؛ فالملائكة المسوّمون الذين قاتلوا مع النبي ﷺ يوم بدر لا صلة لهم «بالجنود الذين يهبطون بوساطة الطائرات في الحروب الحالية»، والغواصات التي عمّ استعمالها في جميع البحار لم تكن مستعملة في عصر سليمان ﵇، على خلاف (١) من استنتج ذلك من قوله تعالى: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ [الأنبياء: ٨٢] الآية. فلا تكفي كلمة «غواص» أو «يغوصون» في سياق الحديث عن الشياطين!! للزعم بأن الغواصات التي عرفتها الحروب الحديثة كانت معروفة في عصر سليمان! وكأن عالم الشياطين- بوصفه من عالم الغيب- لا معنى له أو لا وجود له في القرآن! وكأن عصر سليمان- على عكس ما يدل عليه التاريخ- عرف هذا التقدم العلمي والسبق في ميدان الاختراع. وأخيرا تحسن الإشارة إلى أن من أبرز الباحثين المعاصرين الذين يسارعون إلى أخذ الآية القرآنية شاهدا على صحة «نظرية» من النظريات العلمية، أو يحاولون تفسير الآية بنظرية من النظريات: عبد الرزاق نوفل، الذي كتب كثيرا من الأعاجيب، ومصطفى محمود في كتابه السقيم: «القرآن محاولة لفهم عصري»، والدكتور جمال الدين الفندي في كتابه «الله والكون» الذي ردّ فيه كثيرا من الأحاديث! ووقع في كثير من المجاز وضروب التأويل. والله تعالى أعلم (٢).

стр. 37

وجوه فاسدة في إعجاز القرآن (القول بالصّرفة) بعد أن بيّنا وجه الإعجاز الذي تحدّى الله به البشر، نذكر وجها من الوجوه الفاسدة، بل هو من أفسد الأقوال، وهو القول بالصّرفة، والمنسوب إلى أبي إسحاق النّظّام من المعتزلة، والإمام المرتضى من الشيعة، ثم إلى أبي إسحاق الإسفرائيني من أهل السنة، وخلاصة هذا القول أن وجه الإعجاز في القرآن هو الصرفة، أي: أن الله صرف قلوب العرب عن معارضة القرآن فزهّدهم في معارضته، فلم تتعلق إرادتهم ولم تنبعث إليها عزائمهم، فكسلوا وقعدوا رغم توافر البواعث والدواعي. بل زعموا أن عارضا مفاجئا عطّل مواهبهم البيانية وعاق قدرتهم البلاغية. لم يظهر هذا القول إلّا في القرن الثالث الهجري، وكان النّظّام هو أول القائلين به، ولعله استمد مقولته من الفلسفة الهندية عند البرهمية في كتابهم الفيدا، إذ يعتقدون أن ما ورد فيه لا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثله، لأن براهما صرفهم عن أن يأتوا بمثله، ولكن خاصتهم يقولون: إن في مقدرتهم أن يأتوا بمثله، ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما له. هذا القول ظاهر العوار لكل ذي عينين، لذا وجدنا الأمة بقضّها وقضيضها، بفرقها ومذاهبها، مجمعة على خلاف هذا، فالمعتزلة وعلى رأسهم الزمخشري قد أبطل مثل هذا القول، والطبرسي الشيعي قد فنّده، وأهل السنة كذلك، فهو مذهب باطل، وإن قال به آحاد من المعتزلة والشيعة وأهل السنة، وقد جوبه بالرفض، ذلك أن تحدّي القرآن وإثبات العجز للناس ليس مقتصرا على عهد النبوة فقط، بل إن هذا التحدّي قائم، وهذا العجز من البشر ثابت إلى قيام الساعة. فمن قال بالصرفة فليحاول هو، وهل يحسّ بشيء من الصرف أو السلب في نفسه؟ إن استعظام العرب لفصاحة القرآن وبلاغته وتعجبهم من ذلك لهو دليل على بطلان الصرفة، فلو كانوا مصروفين عن المعارضة بنوع من الصرف، لكان تعجبهم

стр. 38

للصرف لا للبيان المعجز. ولو كان هناك سلب لعلومهم لكان الفرق بين كلامهم بعد التحدّي وكلامهم قبله كالفرق بين كلامهم بعد التحدّي وبين القرآن، ولما لم يكن كذلك بطل القول بالصرفة (١). والعرب لم تفقد عقولها بعد بالتحدي، فإن سلب العلوم ونسيانها في هذه المدة اليسيرة دليل على زوال العقل، ومعلوم بقاء العقول بعد التحدّي كما كانت، بل من تغلّب على نزغات الشيطان، وترك اتباع الهوى في نفسه، وترفع عن الحسد والبغضاء، وآمن بدعوة الحق، ازداد عقله رجاحة وصفاء. وما أحسن ما قاله السيوطي في إبطال القول بالصرفة حيث يقول: «وهذا فاسد بدليل قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨]. فإنها تدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره» (٢). والإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله تعالى حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله. ثم قال السيوطي: «ولو كانت المعارضة ممكنة. وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون بالمنع معجزا، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه» (٣). ومن الوجوه الفاسدة تلك الأقوال المستحدثة والمبالغة المفرطة في إعجاز القرآن العلمي، في كل كلمة وحرف ورد فيه. فجعلوا من القرآن كتابا في التشريح وكتابا في الفضاء وكتابا في كل فن.

стр. 39

المبحث الخامس ترجمة القرآن يقودنا الحديث عن لغة القرآن وإعجازه إلى حديث عن ترجمة القرآن بلغة غير لغته، إذ مفهوم الترجمة- كما يقول لسان لعرب- هي نقل الكلام بلغة غير لغته، فترجمه وترجم عنه: إذا فسّر كلامه بلسان آخر، كما أن التّرجمان- بالضم والفتح- هو الذي يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى أخرى. ويجدر بنا أن ننوه إلى أن الترجمة ضرورة لنا من أجل إبلاغ ديننا الذي لا يتأتى بدونها، وقد مارسها أجدادنا الأوائل بحال من الأحوال، وإن قلّ اعتمادهم عليها في صدر الإسلام الأول، نظرا لإقبال الشعوب غير العربية على تعلّم اللغة العربية التي هي عماد دينهم، فجعل القرآن منهم لسانا عربيا أنساهم في كثير من الأحيان لغاتهم الأصلية، بل نصّب الأعاجم أنفسهم لخدمة العربية، فكان منهم من وضع القواعد والأسس للغة القرآن، وما أفضل ما قاله الإمام ابن حجر: «إن العربيّ هو من تكلّم العربية وإن كان من العجم، والأعجمي هو من تكلّم غير العربية وإن كان من العرب». أقول: إن الأهمية للترجمة قد بدأت تأخذ طريقها، وأحرى بنا أن نعتني بها، لأن البعثات التبشيرية والاستشراقية أصبحت المصدر الوحيد للمعرفة الإسلامية لأولئك الذي يسلمون من غير العرب، أو لأولئك الذين يرغبون في معرفة الإسلام. بعد هذه اللمحة نتحدث عن حكم الترجمة للقرآن، ولا يفوتنا أن ننبه إلى نوعين من الترجمة: ترجمة حرفية وترجمة تفسيرية. ولا خفاء أن الترجمة الحرفية مستحيلة، إذ إبدال حرف أو كلمة منه يخلّ بإعجازه الذي هو سمته، والتي بدونها لا يكون قرآنا، فكيف بإبدال لغته، وعلاوة على ذلك، فإن الألفاظ العربية لها معنيان: معنى أصلي هو المعنى الذي لا اختلاف فيه في كل الألسنة واللغات، ومعنى ثانوي وهو المعنى

стр. 40

الذي يختلف باختلاف اللغات ويتفاوت الناس في فهمه، ويتفاوت المتكلمون في درجة الإجادة فيه. وهاك مثالا يوضح المقصود والمراد من قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء: ٢٩]. فلو ترجمتها ترجمة حرفية ما بلغت المراد منها، لأن المراد: النهي عن البخل والإسراف، ولست ببالغه من ظاهر الألفاظ، أي من الترجمة الحرفية، وإن أردت المعنى والتفسير وترجمته ونقله إلى لغة أخرى لم يستعص عليك ذلك، إذا فهمت- وكان فهمك صوابا- في تعيين المعنى، ولكن عندها لن يكون كلامك قرآنا، ولو كان بلغة القرآن نفسها فأنى يكون للغة غيرها أن نسميها قرآنا؟ لذا قرر العلماء- قديما وحديثا- أن الترجمة الحرفية مستحيلة، ولا يجوز أن تسمى الترجمة قرآنا، ولا أن يسند شيء منها إليه تعالى، فيقال: قال الله: كذا، فإسنادها إليه تعالى كذب وافتراء. أما ترجمة معاني القرآن أو الترجمة التفسيرية، فلا ريب بجوازها، بل قل وجوبها إذا كان لا يتم التبليغ للقرآن إلّا بها، وما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب. يقول شيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوي وذلك بصدد تفسيره للآية: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨]. وما أنزل إليه ﵊ بلسان العرب بخاصة، فكيف يخرج به جميع الناس من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان فأجاب عنه بقوله: (وما أرسلنا من رسول إلى الأمم التي اختلفت ألسنتهم إلّا بلغة قومه الذين هو منهم، إذ لا حاجة إلى أن ينزل إلى كلّ قوم كتاب ملتبس بلغة أولئك القوم، لأن ذلك ينوب ويكفي عن التطويل اللازم من ذلك، فإذا أنزل بلسان واحد من الأقوام كان أولى الألسنة لسان قوم الرسول، لأن قومه أقرب الناس إليه، فكان حقّهم عليه أقدم، وكان الأولى أن يدعوهم إلى الحقّ أولا، وينذرهم عن المخالفة والعصيان، حتى إذا فهموا منه، يبينون ما أرسل إليهم، ويترجمون لغيرهم ما فهموه، فتنتشر دعوته بذلك إلى أطراف العالم) (١).
следующие страницы →