← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38103

موسوعة علوم القرآن

عبد القادر محمد منصور

Полный текст (270 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة موسوعة علوم القرآن بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم رسل الله. وبعد: فإن القرآن الكريم، كتاب ختم الله به كتبه، وجعله لخاتم أنبيائه، فحوى في تضاعيف آياته دستور أخلاق إصلاحيا، وقانون حكم يحكم به في قضايا البشرية جمعاء. قال الله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ .... ثم أقامه الله حجّة في فم الزمان، يستنبط دلائل صدقه العلماء، على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم، ما من شأنه أن يخلّد في تقاريره، وأحكامه، وتوجيهاته. قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ. ولم يكن كتاب مواعظ وتراتيل، كسابقيه من الكتب المنزلة، وإنّما

стр. 2

جمعت فيه كل مقوّمات الإعجاز العلمي، ليدفع جاحديه، ويؤيّد تابعيه. لذا. فقد عكف علماؤنا من السلف الصالح على استخراج علومه، فألفوا أنها لا تنتهي، فمهما استخرجوا منه، فلسوف يأتي من يثوّر قواعد علوم أخرى. قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً .... وجدير بنا أن ندرك أنّ آياته لا تخلق على كثرة الردّ، فكلّ يوم ترشح بجديد، وكأنها الآن قد نزلت، ويلمس هذا المدبّر لسوره وآياته. قال الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ .... هذا. وإنّ كتبا كثيرة قد ظهرت في هذا المجال، ويغلب عليها طابع التخصص، فكانت عسيرة الوصول إلى الشرائح العامّة من الناس. لذا. كان لي الشرف أن أسهم في هذا الميدان، بسهم متواضع يقرّب البعيد، ويسهّل الحزن، ويفكّ الرمز والمبهم، من شئون علوم القرآن. فكانت هذه الموسوعة القرآنية المبسّطة! وعساها أن تقدّم للقارئ مأدبة من مآدب القرآن، على طبق صغير، يلبّي رغبة من رغبات القرّاء لهذه المناحي الثقافية.

стр. 3

كما وألفت نظر القارئ الكريم، إلى أنّني قد وفّقت من خلال تدبّري لكتاب الله، أن أستخرج عددا من علوم القرآن، لم يتناوله أسلافنا، رحمهم الله تعالى، وكتبت في كلّ منها كتابا. العلم الأوّل الجديد: فنّ الزينة في القرآن. العلم الثاني الجديد: فنّ الضحك والمضاحيك. ثمّ إنّ علم الأجنّة اليوم قد بدا واضحا لدى أهله، أنّ أصوله قد قرّرها القرآن الكريم، ولم يعقّب عليه فيها، وإنّما اعتمدها الباحثون أساسا لتجاربهم وبحوثهم. وكان لي مساهمة في هذا العلم. فقد صنفته تحت بند (الحيوات) لبني الإنسان، فكان علم الأجنة يحكي حياة الإنسان الثانية، التي تسبق الحياة الثالثة له. وهي الدّنيا. أرجو من الله أن يظهره إلى الوجود. ولم يخلق القرآن الكريم- يوما- فهو جديد على الدوام، وكأنّه الآن ينزّل!! وكلّ يوم يقول: إنّه الكتاب المنزل الأوحد، لا كتاب يشاركه في صدقه، ولا في تقاريره، عقيدة وشريعة. فهلمّ أيها الإنسان- إليّ!! لتجد الحياة الطيبة، والسعادة الحقّة،

стр. 4

والمتعة الحلال. وصدق الله العظيم إذ يقول: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ .... وفي الختام أسأل الله الثواب، والتوفيق، والسداد. إنّه وليّي وحسبي. آمين د. عبد القادر منصور «إمام وخطيب جامع سيف الدولة» «حلب»

стр. 5

الوحي القرآنيّ نقطة البداية في الموسوعة القرآنية هذه، تكون من فنّ الوحي من السماء. فهو الأساس، وعليه تبنى لبنات الموسوعة من فنون أخرى ولسوف نأتي عليها تباعا. فما حقيقة الوحي إذا؟. قبل أن نحدّد له حقيقة، علينا أن نعلم أنّه غيب من غيوب الله تعالى يطلع عليه من يشاء من رسله، أمّا ما سواهم: فهم محجوبون عنه وهو عنهم في حجاب. وقد حدّ له في لسان الشرع حدّا، حتى لا يدّعيه المدّعون، ويلتبس عن النّاس هويّته. فقيل فيه: [إنّه فنّ إعلام الله تعالى من اصطفاه من عباده، عمّا يريده لهم من ألوان الهداية، وفنون العلوم، بطريقة سريّة خفيّة، وغير معتادة للبشر، بيد أنّ لها مؤشرات تدلّ على صاحبه]. والدين كلّه لن يقبل، ولن يسلّم إليه، إلّا لمن صدّق بالوحي وأساليبه، وما هو من لوازمه، وإلّا فلا فائدة من حلّ ما سنعرضه من فنون القرآن، وخصائصه.

стр. 6

أنواع الوحي والوحي- كما تقدّم- إعلام الله رسله بما يريده منهم، وما يطالبهم به من أوامر ونواه، أن يبثوها بين أقوامهم، هداية وإرشادا. فهل له نمط واحد أم هو ذو أنماط؟. أجل. إنّه ذو أنماط شتّى، في النهاية تؤدي وظيفة واحدة، ولله فيها حكم وأسرار، فما تلك الأنماط الوحييّة؟. هي- كما دوّنت في مصادرها- أربعة أساسية: ١ - ما يكون كفاحا بين الله وعبده . وذلك كما كلّم الله سيدنا موسى ﵇، وكما كلّم الله سيدنا محمدا ليلة الإسراء. قال الله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً النساء/ ١٦٤/. ٢ - ما يكون إلهاما يقذفه الله في قلب مصطفاه، على وجه اليقين. ٣ - ما يكون مناما صادقا ، يجيء في تحققه، ووقوعه مثل فلق الصبح في تبلّجه وسطوعه، وهو أوّل ما يبدأ به الموحى إليه، من الأنبياء. فقد أخرج البخاري (٣). عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: [أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح].

стр. 7

٤ - ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ ، وهو ملك كريم، ذو قوّة عند ذي العرش مكين، مطاع ثمّ أمين. وهذا النوع هو الأشهر، والأكثر في إرساليات. الوحي للأنبياء. والقرآن الكريم كلّه من هذا القبيل، واصطلح عليه باسم: (الوحي الجليّ). قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء/ ١٩٣ - ١٩٤ - ١٩٥ - /. وهذا النوع أيضا هو المحدّد في هوية النّبيّ، المرسل من ربّه. أمّا الأنواع الأخرى، فقد يشاركه فيها من سواه من البشر، لكنّها باقية في دائرة الأنواع أو الأنماط.

стр. 8

الوحي الجليّ وإذا علمنا أنّ الوحي الجليّ هو العلامة الفارقة ما بين النبي والبشر يتحتّم علينا، أنّ نلمّ بأحوال هذا النوع حتى لا تختلط المسائل علينا ويمكن أن نطلق عليها هيئات الوحي. فما تلك الهيئات .. لم يهبط جبريل ﵇ على النبي ﷺ بهيئة واحدة، وإنّما تعدّدت الهيئات. فتارة يظهر في صورته الحقيقة، فيوحي إلى الرسول، وتارة في صورة إنسان يراه الحاضرون، ويصغون إليه. وتارة يهبط خفية فلا يرى، إلّا أنّه يظهر على النبي ﷺ أثر التغير والانفعال، فيغط غطيط النائم، ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء، وما هي من هذه، ولا تلك. وإنّما هي استغراق في لقاء الملك الروحاني، فينخلع عن حالته البشرية المعتادة، فيتأثّر الجسم، فيغط، ويثقل ثقلا غريبا، فينجم عنه تصبب عرق في الجوّ البارد، بل الشديد البرد.

стр. 9

١ - هيئة الوحي بصورته الحقيقية وهذه نادرة لو قيست بلداتها، وقد سجّلت عدّتها، فلم تتجاوز المرتين بل حصرت بهما، مرة بأجياد، وأخرى في سدرة المنتهى. فعن عائشة ﵂ قالت: [إنّ النّبي ﷺ كان أول شأنه- يرى في المنام، وكان أول ما رأى جبريل بأجياد، صرخ جبريل: يا محمد!!. فنظر يمينا وشمالا، فلم ير شيئا، فرفع بصره، فإذا هو على أفق السماء، فقال: يا محمّد! ... جبريل، جبريل. فهرب، فدخل في الناس، فلم ير شيئا، ثم خرج عنهم، فناداه، فهرب. ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، فذكر قصة إقرائه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... العلق/ ١/. ورأى حينئذ جبريل، له جناحان من ياقوت يخطفان البصر] (١). وفي صحيح مسلم عن عائشة مرفوعا:

стр. 10

[لم أره- يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها إلّا مرتين]. ثم إنّ الإمام أحمد قد بين في حديث ابن مسعود: أنّ الأولى: كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها. والثانية: عند المعراج. وللترمذي عن عائشة: [لم ير محمد جبريل في صورته إلّا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرّة في أجياد]. ورواية الترمذي تتوافق مع الأولى، وتقوّيها. وجاء في سيرة التيمي: [أنّ جبريل أتى النبي ﷺ في حراء، وأقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. ثم انصرف، فبقي مترددا، فأتاه من أمامه في صورته، فرأى أمرا عظيما]. ٢ - هيئة الوحي بصورة إنسان وقد اشتهر أنّ جبريل كان يتمثل صورة صحابي، واسمه (دحية

стр. 11

الكلبي) فقد أخرج البخاري عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ أنّ الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: [- يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟. فقال رسول الله ﷺ : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا، فيكلّمني فأعي ما يقول]. قالت عائشة ﵂: [ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا]. ولم يقتصر تمثّل جبريل بصورة دحية فقط، وإنّما تمثّل بصورة أعرابي أيضا، كما جاء في حديث سيدنا عمر ﵁ في الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان ثمّ الساعة. ولما غادر قال عنه ﷺ : [إنّه جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم]. ويمكن أن نحمل قوله ﷺ [إنّ روح القدس نفث في روعي]. على هيئة، لمجيء الملك إليه بالوحي، ويكون نوعا من أنواع الجليّ.

стр. 12

وقع الوحي على رسول الله ﷺ وحديث عائشة هذا، ليصوّر لنا وقع الوحي على النبي ﷺ فقد كان شديدا، وأشدّه كصلصلة الجرس. وقد أوضح القرآن حقيقة ذلك فقال إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا المزمل/ ٥/. فالوحي إذا، كلّه شديد، وأشدّه مثل صلصلة الجرس، وذلك لعظمة التنزيل، وفي حديث ابن عباس [كان يعالج من التنزيل شدّة]. وعند البيهقي في الدلائل [وإن كان ليوحى إليه، وهو على ناقته فيضرب حزامها من ثقل ما يوحى إليه]. وحسبه شدّة ما وصفته به أم المؤمنين عائشة ﵂ بقولها الآنف الذّكر. أوّل ما نزل من الوحي القرآني وكان أول ما نزل من القرآن، صدر سورة (اقرأ) وهي قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. فقد أخرج البخاري ومسلم. [عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم.

стр. 13

فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبّد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله. ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء. فجاءه الملك. فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. (ما أحسن القراءة). فأخذني فغطّني، حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثانية، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثالثة، ثمّ أرسلني. فقال: - اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥).

стр. 14

فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: - زمّلوني. زمّلوني. فزمّلوه، حتى ذهب عنه الرّوع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: - لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلّا، والله- ما يخزيك الله أبدا!!. إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى- ابن عم خديجة- وكان امرأ نصرانيا في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا، قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟. فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى. يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟!.

стр. 15

قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلّا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفّي، وفتر الوحي (١)]. مفردات الحديث اللغوية هذا. وإنّ حديث عائشة السالف الذكر، قد تضمّن مفردات لغوية هي بحاجة إلى توضيح، وبيان، حتى يستطيع القارئ استيعاب ما جاء فيه من الأفكار. ولنبدأ ب (مثل فلق الصبح): وفلق الصبح: ضياؤه الصادق. فقد شبهت الرؤيا الصادقة بضياء الصبح وسطوع نوره. وخصّ التشبيه بهذا، لعلاقة الظهور الواضح الذي لا لبس فيه ولا ريب. ونثني ب (ثم حبّب إليه الخلاء):

стр. 16

جيء ب (حبّب) بصيغة المجهول، لإسقاط الباعث له، وإظهار الفاعل الحقيقي للحبّ وهو الله جلّ وعزّ، ففيه إشارة: إلى أنّ باعث البشر عليه منعدم، وأنّ ذلك بوحي الإلهام قد تحقق. والخلاء: الخلوة. وكان محببا له لأنّه يفرّغ القلب عما يشغله عن التوجّه إلى ربه سبحانه. وحراء: جبل معروف بمكة، أطلق عليه بعد الوحي اسم جبل (النور). والغار: نقب في الجبل. وجمعه: غيران. ونثلث ب (فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد). والتحنث: التحنّف. أي: يتبع الحنيفية دين إبراهيم. والفاء تبدل ثاء في كثير من كلام العرب. ويقوي ذلك رواية ابن هشام في السيرة (يتحنف). وإما أن نفسّرها ب: إلقاء الحنث. وهو الإثم- كما قيل- يتأثّم أو يتحرّج. وذوات العدد: إبهام لها، لاختلاف المدد التي كانت يتخللها مجيئه إلى أهله ﷺ . أمّا أصل الخلوة: فقد عرفت مدتها، وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان كما جاء في رواية ابن إسحاق.

стр. 17

وينزع: يرجع. والتزود: استصحاب الزاد. ونربّع ب (حتى جاءه الحق): أي: جاءه الأمر الحق. وفي رواية (حتى فجئه الحقّ). أي: بغته. ونخمّس ب (ما أنا بقارئ ثلاثا): لماذا كررها ثلاثا؟ وما معناها في كلّ مرة؟. كرّرت ثلاثا للتقوية والتأكيد. ففي المرة الأولى: أفادت الامتناع. ف (ما) هنا: نافية. والباء: زيادة في التأكيد. أي: ما أحسن القراءة. وفي المرة الثانية: أفادت النفي المحض. وفي المرة الثالثة: أفادت الاستفهام. ويؤيّد هذا، رواية عروة في مغازي أبي الأسود أنه قال: كيف أقرأ؟. وعند ابن إسحاق: ماذا أقرأ؟. وفي مرسل الزهري عند البيهقي في الدلائل:

стр. 18

- كيف أقرأ؟. فهذه الروايات جميعا تقرّر الاستفهام (١). ونسدّس ب (فغطّني .. حتى بلغ مني الجهد): فغطني: وفي رواية: فغتني. ويراد منها: ضمني، وعصرني. والغطّ: حبس النفس، ومنه غطه في الماء. أو أراد: غمني. ومنه الحنق. ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن [فأخذ بحلقي]. الجهد: غاية وسعي. زمّلوه: لفّوه. الرّوع: الفزع. خشيت على نفسي: الخشية هنا اختلف فيها كثيرا، وأقربها للصواب أنه ﷺ خشي على نفسه الموت من شدّة الرعب، أو المرض، أو دوامه. ونسبّع ب (كلّا، والله ما يخزيك الله أبدا ..... نوائب الحق. ف (كلّا): تعني النفي والإبعاد. و (يخزيك) من الخزي. وفي رواية (يحزنك). من الحزن. و (الكلّ): من لا يستقلّ بأمره.

стр. 19

كما قال الله تعالى وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ النحل/ ٧٦/. (المعدوم): الفقير. لأنّ المعدوم لا يكسب، والكسب: هو الاستفادة. (نوائب الحق): كلمة جامعة لأفراد ما تقدّم، ولما لم يتقدّم. ونثمّن (بنبذة عن ورقة بن نوفل) كان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل، حين كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها، يسألان عن الدين. فورقة بن نوفل: أعجبته النصرانية فتنصّر، وكان قد لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى، ولم يبدّل. لذا. فقد أخبر بشأن النبي ﷺ والبشارة به، وغير ذلك مما أفسده أهل التبديل. إشكال وحله ويبقى سؤال: لماذا ورقة يدين بالنصرانية ثم يذكر موسى بنزول الناموس (١) عليه؟ أما أولى أن يذكر عيسى؟.

стр. 20

وأجيب بإجابات متنوعة: ١ - لأنّ كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى. والنبيّ كتابه كتاب موسى ﵇. ٢ - لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى، وكذلك وقعت النقمة على يد النبي ﷺ بفرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام، ومن معه ببدر. ٣ - أو لأنه قاله تحقيقا للرسالة، فنزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى، فكثير من اليهود ينكرون نبوّته. ابن حجر يحلّ المشكلة وفي الفتح (١): «نعم. في دلائل النبوّة لأبي نعيم- بإسناد حسن، إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة: [أنّ خديجة- أولا- أتت ابن عمّها ورقة، فأخبرته الخبر. فقال: لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم]. فعلى هذا: فكان ورقة يقول تارة (ناموس عيسى) وتارة (ناموس موسى) فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموسى عيسى. بحسب

стр. 21

ما هو فيه من النصرانية. وعند إخبار النبي ﷺ له. قال له: (ناموس موسى). للمناسبة التي قدمناها. وكلّ صحيح».

стр. 22

علم تنزّلات القرآن «القرآن الكريم، هو كلام الله المنزل من السماء على سيدنا محمد ﷺ خاتم الأنبياء، المتعبد بتلاوته، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر، الناسخ للشرائع السالفة». وحتى نتعرف على ماهية النزول القرآني، وما يشتمل عليه من أنواع، فنحن مضطرون إلى أن نعرّف معناه أوّلا: معنى النزول في القرآن لقد جاء التعبير بمادة (نزول القرآن) بتصاريف عدّة منها: قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (١). وفي السنة قوله ﷺ : [إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف]. ولكن لا بدّ من العودة إلى معاجم لغتنا العربية، فهي الأساس في

стр. 23

تحديد المعاني، فاللغة تقول: إنّ لهذه الكلمة إطلاقات عدة: ١ - الحلول في مكان. قال تعالى وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (١). ٢ - انحدار الشيء من علو إلى سفل قال تعالى وأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً (٢). ولا ريب أنّ كلا هذين المعنيين لا يليق إطلاقه على إنزال القرآن، ولا إنزال الله، لأنّه يستلزم الجسمية والمكانية، والله منزّه عن ذلك. إذا. لا بدّ من الصيرورة إلى المجاز، فبابه واسع، وميدانه فسيح وليكن اختيارنا لتحديد معنى (النزول القرآني) بالإعلام به، إمّا بواسطة جبريل وإمّا، بواسطة ما يدلّ عليه من ألفاظ حقيقية- كإنزاله على قلب النبي ﷺ . ويكون بين الحقيقة والمجاز علامة لازمة، وهي الإعلام بالشيء.

стр. 24

ثانيا: تنزلات القرآن ولم يكن نزول القرآن بنمط واحد، وإنّما كان له أنماط ثلاثة: التنزل الأول: تنزّل إلى اللوح المحفوظ وهذا التنزل له، لم يطّلع على حقيقته أحد، فهو غيب من غيوبه سبحانه، إلّا من أطلعه عليه، وتميّز هذا التنزل بأنه: نزل جملة واحدة. ولم يتنزل مفرقا. ودليله قوله تعالى بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (١). حكمة هذا النزول وليس في أفعال الله، ما يوحي بالعبث، وإنّما فعله سبحانه، وفق الحكمة، وما يصلح شأن الخلق، فاللوح المحفوظ، هو السجلّ الجامع لكلّ ما قضى الله وقدّر، وما هو كائن، وما كان، وما سيكون. فالإيمان به يبعث الطمأنينة في النفس، والثقة بكل ما يصدر عن الربّ سبحانه كما يحمل الناس على الرضا والسكون، تحت سلطان القدر والقضاء.

стр. 25

ومن ثمّ تهون المصيبة، ويقوى صاحبها، ويزداد ثباتا، فيتفانى في الطاعة- مع الرضا- لأوامر ربّه. قال الله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١). وإذا صدّق الإنسان بهذه العقيدة، فإنّه سيستقيم على الجادّة، ويؤثّر في مجالات الحياة، ما من شأنه إسعاد البشر.

стр. 26

التنزّل الثاني: تنزّل إلى بيت العزّة ثم التنزل الثاني إلى بيت العزّة في السماء الدنيا، وفي ليلة واحدة، قد وصفت بالليلة المباركة، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (١). كما وصفت بليلة القدر. قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (٢). وهي من ليالي شهر رمضان. كما قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ... (٣). وجاءت السنة لتؤكّد على ما ألمحت إليه الآيات السالفة، في تحديد معنى التنزّل الثاني، وهي سنّة صحيحة. ١ - فقد أخرج الحاكم بسنده .. عن ابن عباس. قال: [فصل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزّة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي ﷺ ].

стр. 27

٢ - وأخرج النسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس أنه قال: [أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة]. ثم قرأ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (١). ووَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (٢). ٣ - وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما، عن ابن عباس قال: [أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسول الله ﷺ بعضه في إثر بعض]. ٤ - وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود. فقال: - أوقع في قلبي الشكّ، قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ البقرة/ ١٨٥/. وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ القدر/ ١/. وهذا أنزل في شوال وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم وصفر، وشهر ربيع؟!

стр. 28

فقال ابن عباس: [إنّه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ أنزل على مواقع النجوم (١) رسلا (٢) في الشهور والأيام]. ويقول السيوطي عن هذه النصوص: «وهي أحاديث موقوفة على ابن عباس، غير أنّ لها حكم المرفوع إلى النبي ﷺ لما هو مقرّر، من أنّ قول الصحابي ما لا مجال للرأي فيه، ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، حكمه حكم المرفوع» (٣)

стр. 29

التنزّل الثالث: تنزّل على قلب النبي ﷺ منجّما وهو التنزّل الأخير، وكان من بيت العزّة إلى قلب النبي ﷺ بواسطة جبريل ﵇، فشعّ النور على العالم، واهتدى به من اهتدى وضلّ من ضلّ. ودليله: قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١). كيف أخذ جبريل القرآن إذا ؟ وهذا الأمر غيّب عنا، ولم يتعلّق به كبير غرض، وإن أدلى به أحد بدلو، فإنه لن يصل إلى حدّ اليقين والاطمئنان، ومع هذا. فإنّ العلماء قد وقّعوا آراء حول هذا، أختار منها واحدا، ونرجع الأمر إلى الله سبحانه. وهذا الرأي للبيهقي، ولعلّه أمثل الآراء من جهة أخذ جبريل عن الله تعالى.

стр. 30

يقول في معنى قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١): [- يريد- والله أعلم- إنّا أسمعنا الملك، وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع]. ويقويه ما أخرجه الطبراني عن النواس بن سمعان مرفوعا: [إذا تكلّم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع أهل السماء صعقوا، وخرّوا سجدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلّمه الله بوحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، فكلّما مرّ بسماء، سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق. فينتهي به حيث أمر]. ودعي ما نزل به جبريل على سيدنا محمد، ب (قرآن. وسنة) ولكل منهما سماته، ووظائفه. ما الذي نزل به جبريل ؟ فقد نزل جبريل بالقرآن وبالسنّة. أمّا القرآن: فحكاه بلفظه لرسول الله ﷺ ، ورسول الله وعاه، وحفظه، ثمّ حكاه، وبلّغه، ثم بينه وفسّره، ثم أمر بتطبيقه وتنفيذه.

стр. 31

قال الله تعالى وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (١). قال الله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي (٢). قال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣). قال الله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤).

стр. 32

(السّنّة) ولا ننسى أنه قد نزل عليه غير القرآن، لكنّه ليس لفظيا، وإنّما بالمعنى الموحى، ويدعى ب (السنّة). والسنة نوعان: ١ - حديث قدسيّ. ٢ - حديث نبوي. ثم إنّ الحديث القدسيّ عدّ من كلام الله- لكنه من فهم جبريل لأمر الحق سبحانه، فعبّر عن فهمه للأمر، دون التقيّد بالألفاظ، بينما الحديث النبويّ أوحيت معانيه إلى رسول الله ﷺ دون نسبتها إلى الربّ جلّ وعزّ، فعبّر رسول الله ﷺ بألفاظه وأسلوبه. ولدى الدراسة للتنزيل بأنواعه الثلاثة، نجد الفارق بينها واضحا فالقرآن له أسلوب، والحديث القدسي له أسلوب، والحديث النبويّ له أسلوب. نقاط التمايز وهناك نقاط للتمايز بين الأنواع الثلاثة، من الضروري معرفتها، أوجز هنا أهمّها: ١ - القرآن معجز كله، بسائر ألفاظه، بينما السنّة خالية منه، خلا

стр. 33

بعضها ممّا يخصّ النّبوءات. ٢ - القرآن أوحي بألفاظه اتفاقا، بينما السنة بالمعاني التنزيلية. ٣ - القرآن متعبّد بتلاوته، بينما السنة خلاف ذلك. ٤ - القرآن يمنع مسّه إلّا بالطهارة، أما السنة: فلا القرآن نزل منجما وتميّز القرآن عن غيره من الكتب السماوية، أنه لم ينزل جملة واحدة على قلب رسول الله ﷺ ، وإنّما نزل منجّما على مدار ثلاث وعشرين سنة تقريبا. وما ذاك إلّا لأسباب، وحكم، وأسرار، ترشح بخلوده، وعموميّته على أهل البسيطة. وأصل نزوله منجّما، آيات بينات: ١ - قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١). ٢ - وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ

стр. 34

فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً الفرقان/ ٣٢ - ٣٣/. وكانت الآيات هذه ردا على مقولة الكفار من يهود ومشركين حين عابوا عليه ذلك، وقالوا: لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى. ودلّ الردّ هذا، على أمرين اثنين: ١ - أن القرآن نزل مفرّقا على رسول الله ﷺ . ٢ - أنّ الكتب السماوية من قبله نزلت جملة واحدة. أسرار التنزيل منجّما وكما تقدم لم ينزل الله قرآنه منجّما دونما حكم وأسرار وراء ذلك، وإنما هناك حكم وأسرار أشير إلى بعضها في قرآنه، واستخرج بعضها الآخر، من تضاعيف، ومرامي آية. وإليك جملة من الحكم التنزيلية:

стр. 35

الحكمة الأولى أنزل منجّما، ليثبّت فؤاد رسول الله ﷺ ويقوّيه، فتجدد الوحي عليه، وتكرار النزول، ليشرح صدره، ويضفي عليه عناية، وتجليات دائمة. وبالتالي ييسّر حفظه وفهمه، ومعرفة أحكامه. وهذه بمجموعها، تسهم في تقوية القلب وتمكينه. قال الله تعالى وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ (١). وفيه تسلية له، وانشراح لصدره ﷺ . قال تعالى ... كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ... الفرقان/ ٣٢/. الحكمة الثانية التدرّج في تربية الأمّة ، حتى تتأسس على قواعد متينة من الإيمان، والأخلاق، والتعامل الحسن، وتنطلق للعمل الصالح من خلالها بعد ما رسخت في العقل، والقلب.

стр. 36

ويندرج تحت هذه الحكمة أمور. ١ - يتيسّر حفظ القرآن على الأمّة العربية، نظرا لأنها أمة أميّة ولم تتوفّر أدوات الكتابة لدى كاتبيها بعد، وهم نادرون فلو نزل القرآن دفعة واحدة لعجزوا عن حفظه. فاقتضت الحكمة العليا أن ينزل منجّما. ٢ - يسهّل فهمه على العرب. ٣ - يمهّد التنجيم لتخليتهم عن عقائدهم الباطلة، وعبادتهم الفاسدة، وعاداتهم المرذولة، ولن يتمّ هذا إلّا بسبيل التدرج وتلك سياسة رشيدة. ٤ - يمهّد لتحليهم بالعقائد الفطرية، والعبادات الصحيحة، والأخلاق الكريمة. ٥ - تثبيت قلوب المؤمنين، وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين. وصدق الله العظيم إذ يقول: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ الإسراء/ ١٠٦/. وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا الفرقان/ ٣٢/.

стр. 37

الحكمة الثالثة مسايرة الحوادث والطوارئ وتنتظم الحكمة هذه أمورا أربعة، تتجسّد من خلالها الحكمة من النزول منجّما، وأنّه الحسم في أي مسألة شائكة قد وقعت، أو سؤال محرج قد طرح. ١ - كان ينزل القرآن ليجيب السائلين لرسول الله ﷺ امتحانا وإحراجا، فيكبت الممتحنين له، ويثبته على رسالته. مثال ذلك. قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ ٨٥/. أو ليجيب على سؤال بغرض التنوّر، ومعرفة حكم الله، وهؤلاء هم المؤمنون، ومريدو الحقّ. مثاله. قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ البقرة/ ٢٢٠/. ونوعية هذا التنزّل، تساهم بفاعلية كبيرة، لتأسيس هذا الدين في القلوب، ورسم الخطوط العريضة لنهجه، حتى يسير الناس عليه- علما وعملا. ٢ - كان نزوله مفرّقا ليجاري الأقضية، والوقائع. مثاله قوله تعالى

стр. 38

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ المجادلة/ ١ - ٣/. ثلاث آيات لحلّ قضية امرأة، ظاهر منها زوجها، كادت أن تضيع فنزل حل إسلامي قد حفظها، وأدّب زوجها. ٣ - إيقاظ المسلمين إلى أخطائهم، وتصحيحها، وإرشادهم إلى شاكلة الصواب. مثال. قوله تعالى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ... التوبة/ ٢٥/. لقّنت الآية هذه المسلمين درسا لا ينسى، وأثابتهم إلى جادة العقيدة الصحيحة. ٤ - مطاردة الأعداء، وكشف مؤامراتهم، خطوة بخطوة، مما ساعد على تثبيت أركان الإسلام، وتمتين بنائه. مثاله. قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ

стр. 39

بِمُؤْمِنِينَ البقرة/ ٢٠٧/. وهنا كانت فضيحة المنافقين. وهناك حكم أخرى لم يتسع المكان لها فتركتها، وأثبتّ ما يهمنا، وما يسهم في تنشئة جيل واعد مؤمن.

стр. 40

علم أزمنة النزول وعلم أزمنة النزول القرآني يرتبط ارتباطا لصيقا بعلم أمكنته وتحديد مواقعه، لكنّهما ينفصلان لاعتبارات فنية أخرى، فالزمن له اعتبار، والمكان له اعتبار، ولكلّ منهما اهتمامات لدى الناس. وهذان العلمان ممّا خصّ بهما القرآن الكريم، عن سابقه من كتب إلهية، بل ويعدّان أيضا من نقاط التمايز التنزيلي الإلهي على الأنبياء والمرسلين. فماذا- بعد- عن هويّة هذين العلمين البديعين في هذا المضمار؟ أمّا علم أزمنة النزول: فقد أطلق عليه ب (علم المكي والمدني). أو (العهد المكي والمدني). فما حدّ هذين العهدين- إذا- حتّى نتعرّف على وظائفه، ومهماته التشريعية؟! حدّ المكي والمدني ولم يعرّف بحدّ معين في أثناء التنزيل، وإنّما الحاجة العلمية هي التي دفعت العلماء إلى البحث عن السّبل التي تعرّف عليه، وتمنحه هوية
следующие страницы →