Полный текст (2 595 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون
«دراسة محققة للسيرة النبوية»
تأليف
موسى بن راشد العازمي
تقريظ
الدكتور محمد رواس قلعه جي
الشيخ عثمان الخميس
[الجزء الأول]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون
[١]
стр. 4
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثْنَاء النشر
٢٣٩ العازمي، مُوسَى بن رَاشد.
اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون: دراسة مُحَققَة للسيرة النَّبَوِيَّة (الْجُزْء الأول)
تأليف مُوسَى بن رَاشد العازمي - ط ١ - الكويت: مُوسَى بن رَاشد العازمي، ٢٠١١
ج ١ (٦١٨ ص)؛ ٢٤ سم.
ردمك: ٦ - ٠١ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
١. السِّيرَة النَّبَوِيَّة ... أ. العنوان
ردمك: ٦ - ٠١ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
رقم الْإِيدَاع: ٢٤٠/ ٢٠١١
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
تمّ طباعة الْكتاب على نَفَقَة عبد اللَّه الْعلي المطوع ﵀
الناشر
المكتبة العامرية
إعلان وطباعة وَنشر وتوزيع
الكويت - حَولي - شَارِع الْمثنى - مجمع البدري - مَحل رقم ١٣
تلِي فاكس: ٠٠٩٦٥٢٢٦٢٣٨٨٠ - جوال: ٠٠٩٦٥٩٩٨٦٢١٩٧
الْبَرِيد الإلكتروني:
al_aamria@hotmail.com
manaar ١@yahoo.com
موقع المكتبة:
www.sites.google.com/site/amriabookstore
стр. 5
دولة الكويت
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
السيد الفاضل / مدير إدارة الثقافة الإسلامية المحترم
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته,, وبعد
بالإشارة إلى الكتاب رقم (٣١٥) بشأن مراجعة: مادة بحث عدد (١)
الوارد بتاريخ: ٣/ ٣/ ٢٠١١
بعنوان: اللؤلو المكنون في سيرة النبي المأمون ج ١
إعداد: موسى بن راشد العازمي
نشر: المؤلف
بعد الإطلاع على النسخة المذكورة أعلاه ومراجعتها تبين أنها لا توجد بها ملاحظات بعد مراعاة الآتي:
صـ ٤٢: خطأ لغوي حيث رفع المفعول به والصواب نصبه (لم يمس نسبه الشريف شيء من سفاح وأدران الجاهلية) برفع نسبه.
صـ ١٧٢: خطأ لغوي في النص الشعرى حيث جر المفعول به بالكسرة والصواب نصبها بالفتح (رمي المشايخ والوالدان باللمم) يجر المشايخ والصحيح (رمى المشايخ) بنصبها.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام,,
رئيس لجنة الكتب والمصنفات الفنية
الأصل بتوقيع
خليف مثيب الأذينة
الوكيل المساعد للشئون الثقافية الحواشي
(١) (*) ملاحظة: تم تصحيح الخطأين الواردين في كتاب وزارة الأوقاف.стр. 6
[تقريظ الأستاذ الدكتور محمد رواس قلعه جي]
هذا عمل رائع فيه جهد مبارك، وتحقيق، واستشهاد جميل، وتوثيق هو محل الإعجاب.
أسأل الله لصانعه الثواب العظيم ورفقة صاحب السيرة في الجنة
أد محمد رواس قلعه جي
стр. 7
تقديم الشيخ عثمان بن محمد الخميس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، أما بعد:
فإن النظر في سيرة النبي الكريم ﷺ يبعث في النفس الرضى، ويؤنس القلب ويريحه، وكم يتمنّى القارئ لسيرة النبي ﷺ أن يجد كتابًا جامعًا، وفي الوقت ذاته حريصًا على صحة ما ينسب إلى النبي ﷺ ، وقد أهداني أخي موسى بن راشد العازمي كتابه الموسوم بـ "اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون" فألفيته ماتِعًا كاسمه، قد أتى فيه جامعه على كل جوانب سيرة النبي ﷺ فيما أعلم، مع حرصه على صحة الروايات، وإن ذكر غيرها نبَّه على ذلك، ولقد أكثر من النقل عن علماء السير، وقد أحسن الانتقاء من دُرَرِهم، ولا أُخفي خبرًا إن قلت إني استفدت منه كثيرًا أثناء قراءتي كتابه فجزاه اللَّه خيرًا، ونفعه اللَّه ونفع به.
وكتبه
عثمان بن محمد الخميس
٢٩/ ١٢/ ١٤٣٠ هـ
стр. 8
المقدمة
الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وإمَامِ المُتَّقِينَ، ورَحْمَةِ اللَّهِ لِلْعَالَمِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى مَنْهَجِهِ، واقْتَفَى أثَرَهُ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، وبَعْدُ:
لَا يَخْفَى عَلَى أَيِّ مُسْلِمٍ مَا لِسِيرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ كُبْرَى فِي حَيَاةِ المُسْلِمِينَ، إنَّهَا اليَنْبُوعُ الصَّافِي لِطَالِبِ الفِقْهِ، والدَّلِيلُ الهَادِي لِبَاغِي الصَّلَاحِ، والمَثَلُ الأَعَلَى لِلْأُسْلُوبِ البَلِيغِ، والدُّسْتُورُ الشَّامِلُ لِكُلِّ شُعَبِ الخَيْرِ.
ولَقَدْ كانَ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ يدْرِكُونَ مَا لِسِيرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ آثارٍ حَسَنَةٍ في تَرْبِيَةِ النَّشْءِ، وتَنْشِئَةِ جِيلٍ صَالِحٍ لِحَمْلِ رِسَالَةِ الإِسْلَامِ، فَمِنْ ثَمَّ كَانُوا يَتَدَارَسُونَ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ ومَغَازِيَهُ ﷺ .
ومَنْ دَرَسَ سِيرَتَهُ ﷺ وأعْطَاهَا حَقَّهَا مِنَ النَّظَرِ والفِكْرِ والتَّحْقِيقِ رَأَى نَسَقًا مِنَ التَّارِيخِ العَجِيبِ، اسْتَعْلَى بِهِ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْفِئَةُ المُؤْمِنَةُ مَعَهُ عَلَى عَنَاصِرِ المَادَّةِ، وعَوَامِلِ الجَذْبِ الأَرْضِيِّ، وارْتَقَوْا بِالْإِنْسَانِيَّةِ إلَى دَرَجَاتٍ لَمْ تَشْهَدْهَا عَلَى امْتِدَادِ عُصُورِهَا وأزْمِنَتِهَا.
стр. 9
وبِمَا أنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ جُزْءٌ مِنَ التَّارِيخِ، والتَّارِيخُ إنَّمَا يتناقَلُهُ النَّاسُ عَنْ طَرِيقِ الأَخْبَارِ والتَّحْدِيثِ والسَّمَاعِ، فَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أنْ تَعْتَرِي هَذِهِ الأَخْبَارَ دَرَجَاتُ الصِّحَّةِ والضَّعْفِ، ومِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أنْ قَيَّضَ لَهَا عُلَمَاءَ حُفَّاظًا أفْذَاذًا يُمَيزونَ بَيْنَ الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ مِنَ الأخْبَارِ، والغَثِّ والسَّمِينِ مِنَ الحَوَادِثِ المُخْتَلِفَةِ.
قالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ (١) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في نَظْمِ السِّيرَةِ:
فَليعلم الطالب أن السِّيرا ... تجمع ما صَحْ وما قد أُنكرا
وقَالَ الحَافِظُ الدِّمْيَاطِيّ (٢) فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ:
وكُنْتُ قَدْ تَبِعْتُهُ -أي ابْنَ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ في السِّيرَةِ (٣) ، الحواشي
(١) هوَ الإمامُ الحَافظُ زَيْنُ الدِّينِ عبدُ الرَّحِيمِ العِرَاقيُّ، وُلد سنة خمس وعشرين وسبعمائة للهجرة، واشتَغَلَ بالعُلُومِ، وأحَبَّ الحديثَ، فأكْثَرَ مِنَ السَّمَاعِ، وتقدَّم في فَنِّ الحدِيثِ بِحَيْثُ كان شُيُوخُ عَصْرِهِ يبالغُونَ في الثَّناء عليه بالمَعْرِفَةِ.
لهُ نَظْمٌ في السِّيرة النَّبوِيَّة في ألْفِ بَيْتٍ.
تُوُفِّي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سنة ست وثمانمائة للهجرة. انظر شذرات الذهب (٩/ ٨٧).(٢) هوَ الإمامُ الحافِظُ الحُجَّةُ عبدُ المُؤْمِنِ بنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِي الشَّافعي، وُلدَ في آخر سنة ثلاث عشرة وستمائة للهجرة، وتَفَقَّهَ بِدِمْياطَ وبَرَع، ثم طلبَ الحديث، وكتب العَالِي والنَّازل، وجمعَ فأوْعَى، وكان صَادقًا حافظًا متقنًا، توفي سنة خمس وسبعمائة للهجرة. له مُصنَّفاتٌ نَفِيسَةٌ، منها: "السِّيرة النَّبوِيَّة"، في مجلدٍ، وغَيرها. انظر تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي (٤/ ١٤٧٧).(٣) الذي ذَكَرَهُ هوَ أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان في غزوَةِ حُنين على بَغْلَته المعروفة باسم: "دُلْدُلْ"، وهو قولُ ابنِ سعدٍ في طبقاته، والصَّحيح أنَّ البَغْلة التي كان رسول اللَّه ﷺ =стр. 10
وكُنْتُ حِينَئِذٍ سِيَرِيًّا مَحْضًا، وكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أنْ نَذْكُرَ الخِلَافَ.
وعَلَّقَ الحَافِظُ في الفَتْحِ عَلَى كَلَامِ الحَافِظِ الدِّمْيَاطِيِّ بِقَوْله:
ودَلَّ قَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ الرُّجُوعَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا وَافَقَ فِيهِ أهْلَ السِّيَرِ، وخَالَفَ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ مِنْهُ قَبْلَ أنْ يتضَلَّعَ (١) مِنَ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ولخُرُوجِ نُسَخٍ مِنْ كِتَابِهِ وانْتِشَاره لَمْ يَتَمَكَنْ مِنْ تَغْيِيرِهِ (٢) .
وقَدْ تَتَبَّعْتُ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ قُرَابَةَ العَشْرِ سَنَوَاتٍ، وقَرَأْتُ خِلَالَهَا كَثِيرًا مِنْ كتبِ السِّيَرِ والمَغَازِي، وكُتُبِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، حتَّى مَيَّزْتُ كَثِيرًا مِنَ الحَوَادِثِ الصَّحِيحَةِ والحَسَنَةِ عَنِ الضَّعِيفَةِ، وحَرِصْتُ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى بَيَانِ مَعْنَى الكَلِمَاتِ التِي قَدْ يَصْعُبُ فَهْمُهَا مِنْ كتبِ اللُّغَةِ المُعْتَمَدَةِ، كَلِسَانِ العَرَبِ، والقَامُوسِ المُحِيطِ، وأمَّا الأحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ، وكَذَلِكَ الحَوَادِثُ التَّارِيخِيَّةُ التِي ذُكِرَتْ في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ كانَ حُكْمِي عَلَيْهَا مِنْ نَاحِيَةِ الصِّحَّةِ والضَّعْفِ هُوَ مِنْ خِلَالِ حُكْمِ العُلَمَاءِ عَلَى هَذه الأحَادِيثِ والحَوَادِثِ، وبَعْضُهَا لَمْ أَجِدْ مَنْ حَكَمَ عَلَيْهَا فترَكْتُهَا عَلَى حَالِهَا، وعَزَوْتُهَا إلَى مَصْدَرِهَا. الحواشي
(٧٦) ، وسيأتي تفصيل ذلك في غَزْوَة حُنَين إن شاء اللَّه.(١) يُقال: فُلان مُضْطَلِعٌ بهذَا الأمْرِ: أي قَوِيٌ عَليه. انظر لسان العرب (٨/ ٨٧).(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٣٤٨).стр. 11
ولَا يَسَعُنِي في هَذَا المَقَامِ إلَّا أنْ أشْكُرَ كُلًا مِنْ:
١ - الدُّكْتُور مُحَمَّد الشَّطِّي.
٢ - الدُّكْتُور خَالِد الصَّافِي.
٣ - الشَّيْخ سَالِم خَلِيفَة الهَوَّاش.
٤ - الأُسْتَاذ مُحَمَّد كُوهية.
٥ - الأَخ يَزِيد القَطَّان.
٦ - الأَخ مُهَنَّد الخَارْجِي.
عَلَى مَا قَدَّمُوهُ لِي مِنْ مُلَاحَظَاتٍ هَامَّةٍ، وأسْأَلُ اللَّه تَعَالَى أنْ يَجْعَلَ عَمَلِي هَذَا خَالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وأنْ لَا يَحْرِمَنِي الأَجْرَ، وأنْ يَنْفَعَ بِهِ عَامَّةَ المُسْلِمِينَ، إنَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرٌ، وبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وآخِرُ دَعْوَانَا أنِ الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصَلَّى اللَّهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ عَلَى نَبِينا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
وكتبه
موسى بن راشد العازمي
١٢ ربيع الآخر ١٤٣١ هـ
٢٨/ ٣/ ٢٠١٠
الكويت
стр. 12
قَالُوا في أَهَمِّيَّةِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
قالَ زَيْنُ العَابِدِينَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ ﵃ أجْمَعِينَ: كُنَّا نُعَلَّمُ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَرَايَاهُ، كَمَا نُعَلَّمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ (١) .
وقَالَ الإمَامُ الزُّهْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: في عِلْمِ المَغَازِي عِلْمُ الدُّنْيَا والآخِرَة (١) .
وقَالَ إسْمَاعِيلُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدِ بنِ أبِي وَقَّاصٍ ﵃ أجْمَعِينَ: كانَ أبِي يُعَلِّمُنَا مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ويَقُولُ: يَا بَنِيَّ هَذِهِ مَآثِرُ آبَائِكُمْ، فَلَا تُضَيِّعُوا ذِكْرَهَا (١) .
وقَالَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ ﵀: تَتَعَلَّقُ بِمَغَازِي رسُولِ اللَّهِ ﷺ أحْكَامٌ كَثِيرَةٌ، فَيَجِبُ كَتْبُهَا والحِفْظُ لَهَا (١) .
وقَالَ الإِمَامُ ابْنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وأصْلُ الأُصُولِ العِلْمُ، وأنْفَعُ العُلُومِ النَّظَرُ في سِيَرِ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحَابِهِ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢) . الحواشي
(١) انظر الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨) للخطيب البغدادي.(٢) سورة الأنعام آية(٩٠) -وانظر كلام ابن الجوزي في صيد الخاطر ص ١٢٧.стр. 13
وقالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ عَلَى كُلِّ رَبِّ أُسْرَةٍ أَنْ يَكُونَ في بَيْتهِ كِتَابٌ جَامِعٌ مِنْ كتبِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وأنْ يَقْرَأَ فِيهِ دَائِمًا، وأَنْ يتلُوَ مِنْهُ عَلَى أهْلِهِ وأوْلَادِهِ، وأنْ يَجْعَلَ لِذَلِكَ سَاعَةً كُلَّ يَوْمٍ، لَيَنْشَؤُوا عَلَى مَعْرِفَةِ سِيرَةِ الرَّسُولِ الأعْظَمِ ﷺ ، فَإِنَّ سِيرَتَهُ اليَنْبُوعُ الصَّافِي لِطَالِبِ الفِقْهِ، والدَّلِيلُ الهَادِي لِبَاغِي الصَّلَاحِ، والمَثَلُ الأعَلَى لِلْأُسْلُوبِ البَلِيغِ، والدُّسْتُورُ الشَّامِلِ لِكُلِّ شُعَبِ الخَيْرِ (١) .
وقالَ أيْضًا الشَّيْخُ عَلِي ﵀: إنَّ في السِّيرَةِ يَا أيُّهَا الإخْوَانُ قِصَصًا كَامِلَةً، فِيهَا كُلُّ مَا يَشْتَرِطُ أهْلُ القَصَصِ مِنَ العَنَاصِرِ الفَنِّيَّةِ، وفِيهَا فَوْقَ ذَلِكَ الصِّدْقُ، وفِيهَا العِبْرَةُ (٢) .
وقالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ النَّدْوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ وسِيَرَ الصَّحَابَةِ وتَارِيخَهُمْ ﵃ مِنْ أقْوَى مَصَادِرِ القُوَّةِ الإيمَانِيَّةِ والعَاطِفَةِ الدِّينيَّةِ، التِي لا تَزَالُ هَذهِ الأمَّةُ والدَّعَوَاتُ الدِّينِيَّةُ تَقْتَبِسُ مِنْهَا شُعْلَةَ الإيمَانِ وتَشْتَعِلُ بهَا مَجَامِرُ القُلُوبِ، التِي يُسْرعُ انْطِفَاؤُهَا وخُمُودُهَا في مَهَبِّ الرِّيَاحِ والعَوَاصِفِ المَادِيَّةِ، والتِي إذَا انْطَفَأَتْ فَقَدَتْ هَذ الأمَّةُ قُوَّتَهَا ومِيزَتَهَا وتَأثِيرَهَا وأصْبَحَتْ جُثَّةً هَامِدَةً تَحْمِلُهَا الحَيَاةُ عَلَى أكْتَافِهَا (٣) . الحواشي
(١) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي ص ٢١.(٢) انظر ذكريات الشيخ علي الطنطاوي ﵀ (٦/ ١٢٧).(٣) انظر كتاب حياة الصحابة للشيخ الإِمام العلامة محمد يوسف الكاندهلوي (١/ ١٥).стр. 14
وقَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أبُو شَهْبَه رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ خَيْرَ مَا يَتَدَارَسُهُ المُسْلِمُونَ، ولَا سِيَّمَا النَّاشِئُونَ والمُتَعَلِّمُونَ، ويُعْنَى بِهِ البَاحِثُونَ والكاتِبُونَ دِرَاسَةُ السِّيرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، إذْ هِيَ خَيْرُ مُعَلِّمٍ وَمُثَقِّفٍ، ومُهَذِّبٍ، ومُؤَدِّبٍ، وآصَلُ مَدْرَسَةٍ تَخَرَّجَ فِيهَا الرَّعِيلُ الأوَّلُ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُسْلِمَاتِ، الذِينَ قَلَّمَا تَجُودُ الدُّنْيَا بِأَمْثَالِهِمْ، فَفِيهَا ما يَنْشُدُهُ المُسْلِمُ، وطَالِبُ الكَمَالِ مِنْ دِينٍ، ودُنْيَا، وإيمَانٍ واعْتِقَادٍ، وعِلْمٍ، وعَمَلٍ، وآدَابٍ وأخْلَاقٍ، وسِيَاسَةٍ وكَيَاسَةٍ (١) ، وإمَامَةٍ وقِيَادَةٍ، وعَدْلٍ، ورَحْمَةٍ، وبُطُولَةٍ وكِفَاحٍ، وجِهَادٍ واسْتِشْهَادٍ في سَبِيلِ العَقِيدَةِ والشَّرِيعَةِ، والمُثُلِ الإنْسَانِيَّةِ الرَّفِيعَةِ، والقِيَمِ الخُلُقِيَّةِ الفَاضِلَةِ.
ولقدْ كَانَتِ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ مَدْرَسَةً تَخَرَّجَ فِيهَا أمْثَلُ النَّمَاذِجِ البَشَرِيَّةِ، وهُمُ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ ﵃ أجْمَعِينَ، فكَانَ مِنْهُمُ: الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ، والقَائِدُ المُحَنَّكُ، والبَطَلُ المِغْوَارُ، والسِّيَاسِيُّ الدَّاهِيَةُ، والعَبْقَرِيُّ المُلْهَمُ، والعَالِمُ العَامِلُ، والفَقِيهُ البَارعُ، والعَاقِلُ الحَازِمُ، والحَكِيمُ الذِي تَتَفَجَّرُ مِنْ قَلْبِهِ يَنَابِيعُ العِلْمِ والحِكْمَةِ، والتَّاجِرُ الذِي يُحَوِّلُ رِمَالَ الصَّحْرَاءِ ذَهَبًا، والزَّارعُ والصَّانِعُ اللَّذَانِ يَرَيَانِ في العَمَلِ عِبَادَةً، والكَادِحُ الذِي يَرَى في الاحْتِطَابِ عَمَلًا شَرِيفًا يرَفَّعُ بِهِ عَنِ التَّكَفُّفِ والتَّسَوُّلِ، والغَنِيُّ الشَّاكِرُ الذِي يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَخْلَفًا في هَذَا المَالِ يُنْفِقُهُ في الخَيْرِ والمَصْلَحَةِ العَامَّةِ، والفَقِيرُ الصَّابِرُ الذِي يَحْسَبُهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ حَالهُ غَنِيًّا مِنَ التَّعَفُّفِ، وكُلُّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ ثَمَرَاتِ الإيمَانِ باللَّهِ، وبِرَسُولهِ ﷺ ، الحواشي
(١) الكَيْسُ: بفتح الكاف وسكون الياء: هو العَقْلُ. انظر النهاية (٤/ ١٨٨).стр. 15
وبهَذَا كَانُوا الأمَّةَ الوَسَطَ، وكانُوا خَيْرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (١) .
وقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ حَيَاةَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ مَسْلَاةَ شَخْصٍ فَارغٍ، أوْ دِرَاسَةَ نَاقِدٍ مُحَايِدٍ، كَلَّا كَلَّا إنَّهَا مَصْدَرُ الأُسْوَةِ الحَسَنِة التِي يَقْتَفِيهَا، ومَنْبَعُ الشَّرِيعَةِ العَظِيمَةِ التِي يَدِينُ بِهَا، فَأَيُّ حَيْفٍ في عَرْضِ هذِهِ السِّيرَةِ، وأَيُّ خَلْطٍ في سَرْدِ أحْدَاثِهَا إسَاءَةٌ بَالِغَةٌ إلَى حَقِيقَةِ الإيمَانِ نَفْسِهِ. . . إنَّنِي أكْتُبُ في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ كمَا يَكْتُبُ جُنْدِيٌّ عنْ قَائِدِهِ، أوْ تَابعٌ عَنْ سَيِّدِهِ، وتلْمِيذٌ عَنْ أُسْتَاذِهِ. . إنَّ المُسْلِمَ الذِي لا يَعِيشُ الرَّسُولُ ﷺ في ضَمِيرِهِ، ولا تَتْبَعُهُ بَصِيرَتُهُ في عَمَلِهِ وتَفْكِيرِهِ لا يُغْنِي عَنْهُ أبَدًا أنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ بِأَلْفِ صَلَاةٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ (٢) .
* * * الحواشي
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء الكتاب والسنة للدكتور محمد أبو شهبة ﵀ (١/ ٧ - ٨).(٢) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٥.стр. 16
مَزَايَا السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
تَجْمَعُ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ عِدَّةَ مزَايَا تَجْعَلُ دِرَاسَتَهَا مُتْعَةً رُوحِيَّةً وعَقْلِيَّةً وتَارِيخِيَّةً، كمَا تَجْعَلُ هَذ الدِّرَاسَةَ ضَرُورِيَّةً لِعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، والدُّعَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، والمُهْتَمِّينَ بالإِصْلَاحِ الاجْتِمَاعِيِّ، لِيَضْمَنُوا إبْلَاغَ الشَّرِيعَةِ إلَى النَّاسِ بأُسْلُوب يَجْعَلُهُمْ يَرَوْنَ فِيهَا المَثَلَ الأَعْلَى عِنْدَ اضْطِرَابِ السُّبُلِ واشْتِدَادِ العَوَاصِفِ، ولتَتَفَتَّحَ أمَامَ الدُّعَاةِ قُلُوبَ النَّاسِ وأفْئِدَتَهُمْ، ويَكُونَ الإصْلَاحُ الذِي يَدْعُو إلَيْهِ المُصْلِحُونَ، أقْرَبَ نَجَاحًا وأكْثَرَ سَدَادًا.
* ونُجْمِلُ فِيمَا يَلِي أبْرَزَ مَزَايَا السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ:
أوَّلًا: إنَّها أصَحُّ سِيرَةٍ لِتَارِيخِ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، أوْ عَظِيمٍ مُصْلحٍ فَقَدْ وَصَلَتْ إلَيْنَا سِيرَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أصَحِّ الطُّرُقِ العِلْمِيَّةِ وأقْوَاهَا ثُبُوتًا، مِمَّا لا يَتْرُكُ مَجَالًا لِلشَّكِّ في وَقَائِعِهَا البَارِزَةِ وأحْدَاثِهَا الكُبْرَى، ومِمَّا يُيَسِّرُ لَنَا مَعْرِفَةَ مَا أُضِيفَ إلَيْهَا في العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ مِنْ أحْدَاثٍ أوْ مُعْجِزَاتٍ أوْ وَقَائِعَ أَوْحَى بِهَا العَقْلُ الجَاهِلُ الرَّاغِبُ في زِيَادَةِ إضْفَاءِ الصِّفَةِ المُدْهِشَةِ عَلَى رسُولِ اللَّه ﷺ أكْثَرَ مِمَّا أرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولهِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ جَلَالِ المَقَامِ وقُدْسِيَّةِ الرِّسَالَةِ، وعَظَمَةِ السِّيرَةِ.
стр. 17
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: . . . فَبِاللَّهِ عَلَيْكَ، إِذَا كَانَ الإِكْثَارُ مِنَ الحَدِيثِ في دَوْلَةِ عُمَرَ ﵁، كَانُوا يُمْنَعُونَ مِنْهُ (١) ، مَعَ صِدْقِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ وَعَدَمِ الأَسَانِيدِ، بَلْ هُوَ غَضٌّ لَمْ يُشَبْ، فَمَا ظَنُّكَ بِالإِكْثَارِ مِنْ رِوَايَةِ الغَرَائِبِ وَالمَنَاكِيرِ فِي زَمَانِنَا مَعَ طُولِ الأَسَانِيدِ، وَكَثْرَةِ الوَهْمْ وَالغَلَطِ، فَبِالحَرِيِّ أَنْ نَزْجُرَ القَوْمَ عَنْهُ، فَيَا لَيْتَهُمْ يَقْتَصِرُونَ عَنْ رِوَايَةِ الغَرِيبِ وَالضَّعِيفِ، بَلْ يَرْوُونَ -وَاللَّهِ- المَوْضُوعَاتِ وَالأَبَاطِيلَ، وَالمُسْتَحِيلَ في الأُصُولِ وَالفُرُوعِ، وَالمَلَاحِمِ وَالزُّهْدِ، نَسْأَلُ اللَّه العَافِيَةَ.
فَمَنْ رَوَى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِهِ، وَغَرَّ المُؤْمِنِينَ، فَهَذَا ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، جَانٍ عَلَى السُّنَنِ وَالآثارِ، يُسْتَتَابُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أنابَ وَأَقْصَرَ، وَإِلَّا فَهُوَ فَاسِقٌ، كَفَى بِهِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمعَ، وَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَيَتَوَرَع، وَلْيَسْتَعِنْ بِمَنْ يُعِينُهُ عَلَى تَنْقِيَةِ مَرْوِيَّاتِهِ، نَسْأَلُ اللَّه العَافِيَةَ (٢) .
ثَانِيًا: إنَّ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واضِحَةٌ كُلَّ الوُضُوحِ في جَمِيعِ مَرَاحِلِهَا، مُنْذُ زَوَاجِ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِأُمِّهِ آمِنَةَ إلَى وَفَاتِهِ ﷺ ، فنَحْنُ نَعْرِفُ الشَّيْءَ الكَثِيرَ عَنْ وِلَادَتِهِ، وطُفُولَتِهِ، وشَبَابِهِ، ومَكْسَبِهِ قَبْلَ النُبوَّةِ، ورَحَلَاتِهِ خَارج مَكَّةَ، الحواشي
(١) كانوا يمنعون من رواية الحديث في خلافة عمر ﵁ لسببين:
١ - السبب الأول: اتساع الدولة الإِسلامية في زمن عمر ﵁، فحتى لا ينشغل أهل البلاد المفتوحة بالحديث دون القرآن.
٢ - السبب الثاني: أنهم كانوا يمنعون من رواية الرقائق والمواعظ، دون أحاديث الأحكام والعبادات.
وأخرج نهي عمر بن الخطاب ﵁ عن الإقلال في رواية الحديث: ابن ماجه في سننه -رقم الحديث(٢٨) -والحاكم في المستدرك -رقم الحديث(٣٥٣) - وإسناده صحيح.(٢) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٦٠١ - ٦٠٢).стр. 18
إلَى أنْ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا كَرِيمًا، ثُمَّ نَعْرِفُ بِشَكْلٍ أدَقَّ وَأوْضَحَ وأكْمَلَ كُلَّ أحْوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةً فَسَنَةً، مِمَّا يَجْعَلُ سِيرَتَهُ ﷺ وَاضِحَةً وُضُوحَ الشَّمْسِ، كمَا قَالَ بَعْضُ النُّقَّادِ الغَرْبِيِّينِ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ الوَحِيدُ الذِي وُلدَ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ.
وهَذَا مَا لَمْ يَتيَسَّرْ مِثْلُهُ ولا قَرِيبٌ مِنْهُ لِرَسُولٍ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ السَّابِقِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، فَمُوسَى ﵇ لا نَعْرِفُ شَيْئًا قَطُّ عَنْ طفولَتِهِ وشَبَابِهِ وطُرُقِ مَعِيشَتِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، ونَعْرِفُ الشَّيءَ القَلِيلَ عَنْ حَيَاتِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، مِمَّا لا يُعْطِينَا صُورَةً مُكْتَمِلَةً لِشَخْصِيَّتهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ في عِيسَى ﵇، وغَيْرِهِمْ مِنَ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا تَذْكُرُهُ مَصَادِرُ السِّيرَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أدَقِّ التَّفَاصِيلِ في حَيَاةِ رَسُولنَا ﷺ الشَّخْصِيَّةِ، كَأَكْلِهِ (١) ، وقِيَامِهِ وقعودِهِ (٢) ، ولبَاسِهِ (٣) ، وشكلِهِ (٤) ، . . . الحواشي
(١) روى الإِمام مسلم في صحيحه -رقم الحديث(٢٠٣٢) عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يَلْعَقُ -أي يلحسُ- أصابعَهُ الثَّلاث من الطعام.
وروى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(٥٣٩٨) عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إنِّي لا آكُلُ مُتَّكِئًا".(٢) روى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(٤٧٥) - ومسلم في صحيحه -رقم الحديث(٢١٠٠) - عن عبّاد بن تميم، عن عمه: أنه رأى رسول اللَّه ﷺ مُسْتَلْقِيًا في المسجد وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ على الأخرى.(٣) روى الإِمام أحمد في مسنده -رقم الحديث(٧١١٧) - بسند صحيح عن أبي رِمثة قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وعليه بُرْدَانِ أخْضَرَانِ.(٤) روى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(٣٥٤٨) - ومسلم في صحيحه -رقم =стр. 19
وهَيْئَتِهِ، ومَنْطِقِهِ (١) ومُعَامَلَتِهِ لأُسْرَتِهِ (٢) , وتَعَبُّدهِ، وصَلَاتِهِ (٣) ، ومُعَاشَرَتِهِ لِأَصْحَابِهِ (٤) ، بَلْ بَلَغَتِ الدِّقَّةُ في رُوَاةِ سِيرَتِهِ ﷺ أنْ يَذْكُرُوا لنَا عَدَدَ الشَّعَرَاتِ الحواشي
(٢٣٤٧) - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ لَيْسَ بالطَّوِيلِ البَائِنِ، ولا بالقصيرِ، ولا بالأبيض الأمْهَقِ، ولا بالآدَمِ، ولا بالجَعْدِ القَطَطِ، ولا بالسَّبْطِ.(١) المَنْطِقُ: هو الكَلَامُ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٨٨).
روى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(٣٥٦٨) - ومسلم في صحيحه -رقم الحديث(٢٤٩٣) عن عائشة ﵂ قالت: . . . إن رسول اللَّه ﷺ لم يَكُنْ يَسْرُدُ الحديثَ كَسَرْدِكُمْ.
وروى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(٩٥) عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانَ رسُولُ اللَّه ﷺ إذا تَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثلاثًا حتى تُفْهَمَ عَنْهُ.
قال ابن المُنيّر فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١/ ٢٥٥): والحقُّ أنَّ هذا يختلِفُ باختِلافِ القَرَائِحِ، فلا عَيْبَ على المُسْتَفِيدِ الذِي لا يَحْفَظُ مِنْ مرَّةٍ إذا اسْتَعَادَ، ولا عُذْرَ للمُفِيدِ إذا لَمْ يُعِدْ بلِ الإعَادَةُ عليه آكَدُ منَ الابْتِدَاءِ؛ لأنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ.(٢) روى الإِمام أحمد في المسند بسند جيدٍ -رقم الحديث(٢٦٢٧٧) - عن عائشة ﵂ قالت: خرجتُ مع النبي ﷺ في بعضِ أسْفَاره وأنا جَاريةٌ لم أحْمِلِ اللَّحْمَ ولم أبْدُنْ، فقال ﷺ للناس: "تَقَدَّمُوا"، فتقدَّموا، ثم قال لي: "تَعَالَي حتَّى أُسَابِقَكِ". فسَابَقْتُهُ فسَبَقْتُهُ، فسَكَتَ عَنِّي، حتى إذا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وبَدُنْتُ ونَسِيتُ، خرجتُ معهُ في بَعْضِ أسْفَاره، فقال ﷺ للناسِ: "تقَدَّمُوا" فتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قال: "تَعَاليْ حتى أُسَابِقَكِ"، فسَابَقْتُهُ، فسَبَقَنِي، فجعَلَ يَضْحَكُ، وهُوَ يَقُولُ: "هذِهِ بِتلْكَ".(٣) روى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(١١٣٠) - ومسلم في صحيحه -رقم الحديث(٢٨١٩) - عن المغيرة بن شعبة زقوله قال: أن النبي ﷺ صلَّى حتى انتفَخَتْ قدَمَاهُ، فقِيلَ لهُ: أتكَلَّفُ هذا؟ وقَدْ غفرَ اللَّه لك ما تَقَدَّم من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ. قال: "أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".(٤) روى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(٦١٢٩) - ومسلم في صحيحه -رقم =стр. 20
البِيضِ في رَأْسِهِ ولحْيَيهِ (١) ﷺ .
ثَالِثًا: إنَّ سِيرَةَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْكِي سِيرَةَ إنْسَانٍ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بالرِّسَالَةِ، فَلَمْ تُخْرِجْهُ عَنْ إنْسَانِيَّتهِ، فَقَدْ تَزَوَّجَ وطَلَّقَ، ورَضِيَ وغَضِبَ، وبَاعَ واشْترَى، هُوَ إنْسَانٌ بِكُلِّ ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنْ مَعْنًى يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قُدْوَةً لِمَنْ أرَادَ ذَلِكَ، ولَمْ تَلْحَقْ حَيَاتَهُ ﷺ بِالأسَاطِيرِ، ولَمْ تُضِفْ عَليْهِ الألوهِيَّةَ قَلِيلا ولا كَثِيرًا، وإذَا قَارَنَّا هَذَا بِمَا يَرْوِيهِ المَسِيحِيُّونَ عنْ سِيرَةِ عِيسَى ﵇، ومَا يَرْوِيهِ البُوذِيُّونَ عَنْ بُوذَا، والوَثَنِيُّونَ عنْ آلِهَتِهِمْ المَعْبُودَةِ، اتَّضَحَ لنَا الفَرْقُ جَلِيًّا بَيْنَ سِيرَتِهِ ﷺ وسِيرَةِ هَؤُلَاءِ، ولذَلِكَ أَثَرٌ بَعِيدُ المَدَى في السُّلُوكِ الإنْسَانِيِّ والاجْتِمَاعِيِّ لِأَتباعِهِمْ، فَادِّعَاءُ الألُوهِيَّةِ لِعِيسَى ﵇، ولبُوذَا جَعَلَهُمَا أبْعَدَ مَنَالًا مِنْ أنْ يَكُونَا قُدْوَةً نَمُوذَجِيَّةً للإنْسَانِ في حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ والاجْتِمَاعِيَّةِ، بَيْنَمَا ظَلَّ وسَيَظَلُّ مُحَمَّدٌ ﷺ المَثَلَ النَّمُوذَجِيَّ الإنْسَانِيَّ الكَامِلَ لِكُلِّ مَنْ أرَادَ أنْ يَعِيشَ سَعِيدًا كَرِيمًا في نَفْسِهِ وأُسْرَتِهِ وبِيئَتِهِ، ومِنْ هُنَا يقُولُ اللَّهُ الحواشي
(٢١٥٠) - عن أنس بن مالك ﵁ قال: إنْ كانَ النبيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حتى يَقُولَ لأَخٍ لي صَغِيرٍ: "يا أبات عُمَيْر ما فَعَل النُّغَيْر".
وروى الإِمام أحمد في المسند -رقم الحديث(٨٤٨١) - والترمذي في جامعه -رقم الحديث(٢١٠٨) بسند قوي- عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّك تُدَاعِبُنَا، قال: "إنِّي لا أقُولُ إلَّا حَقًّا".(١) روى الإِمام أحمد في المسند -رقم الحديث(١٢٦٩٠) - وابن حبان في صحيحه -رقم الحديث(٦٢٩٣) بسند صحيح- عنٍ أنس بن مالك ﵁ قال: ما عَدَدْتُ في رأسِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ولحْيَتهِ، إلَّا أرْبَع عَشْرَةَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ.стр. 21
تَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) .
رَابِعًا: إنَّ سِيرَةَ الرَّسُولِ ﷺ شَامِلَةٌ لِكُلِّ النَّوَاحِي الإنْسَانِيَّةِ في الإنْسَانِ، فَهِيَ تَحْكِي لنَا سِيرَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ الشَّابِّ الأمِينِ المُسْتَقِيمِ قَبْلَ أنْ يُكْرِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالرِّسَالِةِ، كمَا تَحْكِي لَنَا سِيرَةَ رسُولِ اللَّه ﷺ الدَّاعِيَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى المُتَلَمِّسِ أجْدَى الوَسَائِلِ لِقَبُولِ دَعْوتهِ، البَاذِلِ مُنْتَهَى طَاقَتِهِ وجُهْده في إبْلَاغِ رِسَالَتِهِ، كمَا تَحْكِي لنَا سِيرَتَهُ ﷺ كَرَئِيسِ دَوْلَةٍ يَضَعُ لِدَوْلَتِهِ أقْوَمَ النُّظُمِ وأصَحَّهَا، ويَحْمِيَهَا بِيَقْظَتِهِ وإخْلَاصِهِ وصِدْقِهِ بمَا يَكْفُلُ لَهَا النَّجَاحَ، كمَا تَحْكِي لنَا سِيرَةَ الرَّسُولِ الزَّوْجِ والأَبِ في حُنُوِّ العَاطِفَةِ، وحُسْنِ المُعَامَلَةِ، والتَّمْيِيزِ الوَاضِحِ بَيْنَ الحُقُوقِ والوَاجِبَاتِ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ والأوْلَادِ، كمَا تَحْكِي لَنَا سِيرَةَ الرَّسُولِ المُرَبِّي المُرْشِدِ الذِي يُشْرِفُ عَلَى تَرْبِيَةِ أصْحَابِهِ تَرْبِيَةً مِثَالِيَّةً يَنْقُلُ مِنْ رُوحِهِ إلَى أرْوَاحِهِمْ، ومِنْ نَفْسِهِ إلَى نُفُوسِهِمْ، ما يَجْعَلُهُمْ يُحَاوِلُونَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ في دَقِيقِ الأُمُورِ وكَبِيرِهَا، كمَا تَحْكِي لنَا سِيرَةَ الرَّسُول ﷺ الصَّدِيقِ الذِي يَقُومُ بِوَاجِبَاتِ الصُّحْبَةِ، ويَفِي بِالْتِزَامَاتِهَا وآدابِهَا، مِمَّا يَجْعَلُ أصْحَابَهُ يُحِبُّونَهُ كَحُبِّهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ (٢) وأكْثَرَ مِنْ حُبِّهِمْ لِأَهْلِيهِمْ وأقْرِبَائِهِمْ، وسِيرَتُهُ ﷺ تَحْكِي لنَا الحواشي
(١) سورة الأحزاب آية(٢١) .(٢) روى الإِمام البخاري في صحيحه -رقم الحديث(٦٣٣٢) - عن عبد اللَّه بن هشام قال: كنّا مع النبي ﷺ وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، فقال له عُمَرُ ﵁: يا رسولَ اللَّه لأنْتَ أحَبُّ إليّ منْ كُلِّ شَيءٍ، إلا نَفْسِي، فقال له النبي ﷺ : "لا والذِي =стр. 22
سِيرَةَ المُحَارِبِ الشُّجَاعِ، والقَائِدِ المُنْتَصِرِ، والسِّيَاسِيِّ النَّاجِحِ، والجَارِ الأمِينِ، والمُعَاهِدِ الصَّادِقِ.
وخُلَاصَةُ القَوْلِ: إِنَّ سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ النَّوَاحِي الإنْسَانِيَّةِ في المُجْتَمَعِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ القُدْوَةَ الصَّالِحَةَ لِكُلِّ دَاعِيَةٍ، وكُلِّ قَائِدٍ، وكُلِّ أبٍ، وكُلِّ زَوْجٍ، وكُلِّ صَدِيقٍ، وكُلِّ مُرَبِّي، وكُلِّ سِيَاسِيٍّ، وكُلِّ رئيسِ دَوْلَةٍ، وهَكَذَا. . .
خَامِسًا: إِنَّ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ تُعْطِينَا الدَّلِيلَ الذي لَا رَيْبَ فِيهِ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ ونُبُوَّتِهِ، إنَّهَا سِيرَةُ إنْسَانٍ كَامِل سَارَ بِدَعْوَتِهِ مِنْ نَصْرٍ إلَى نَصْرٍ، لَا عَلَى طَرِيقِ الخَوَارِقِ والمُعْجِزَاتِ، بلْ عَنْ طَرِيقٍ طَبِيعِيٍّ بَحْتٍ، فَلَقَدْ دَعَا فَأُوذِيَ، وبَلَّغَ فَأَصْبَحَ لَهُ الأنْصَارُ، واضْطر إلَى الحَرْبِ فَحَارَبَ، وكَانَ حَكِيمًا، مُوَفَّقًا في قِيَادَتِهِ، فَمَا أزِفَتْ سَاعَةُ وَفَاتِهِ ﷺ ، إلَّا كَانَتْ دَعْوَتُهُ تَلُفُّ الجَزِيرَةَ العَرَبِيَّةَ كُلَّهَا عَنْ طَرِيقِ الإِيمَانِ، لا عَنْ طَرِيقِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ومَنْ عَرَفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ العَرَبُ مِنْ عَادَاتٍ وعَقَائِدَ ومَا قَاوَمُوا بِهِ دَعْوَتَهُ مِنْ شَتَّى أنْوَاعِ المُقَاوَمَةِ حَتَّى تَدْبِيرِ اغْتِيَالِهِ، ومَنْ عَرَفَ عَدَمَ التَّكَافُؤِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُحَارِبِيهِ في كُلِّ مَعْرَكَةٍ انْتَصَرَ فِيهَا، ومَنْ عَرَفَ قِصَرَ المُدَّةِ التِي اسْتَغْرَقتهَا رِسَالتهُ حتَّى وَفَاتِهِ، وهِيَ ثَلَاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، أيْقَنَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ ما كَانَ يَمْنَحُهُ اللَّهُ تَعَالَى
الحواشي
(١) = نَفْسِي بِيَدِهِ حتَّى أكُونَ أحبُّ إليكَ مِنْ نَفْسِكَ"، فقال عمر ﵁: فأنَّه الآنَ واللَّهِ لَأَنْتَ أحَبُّ إليّ مِنْ نَفْسِي، فقال لهُ النبي ﷺ : "الآنَ يا عُمَرُ".стр. 23
مِنْ ثَبَاتٍ وَقُوَّةٍ وتَأْثِيم ونَصْرٍ لَيْسَ إلَّا لأنَّهُ نَبِيٌّ حَقًّا، ومَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أنْ يُؤَيِّدَ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيْهِ هذَا التَّأيِيدَ الفَرِيدَ في التَّارِيخِ، فَسِيرَةُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ تُثْبِتُ لَنَا صِدْقَ رِسَالَتِهِ عنْ طَرِيقٍ عَقْلِيٍّ بَحْتٍ، وما وَقَعَ لَهُ ﷺ مِنَ المُعْجِزَاتِ لمْ يَكُنْ الأسَاسَ الأوَّلَ في إيمَانِ العَرَبِ بِدَعْوَتِهِ، بلْ إنَّا لا نَجِدُ لهُ مُعْجِزَةً آمَنَ مَعَهَا الكُفَّارُ المُعَانِدُونَ، عَلَى أنَّ المُعْجِزَاتِ المَادِيَّةِ إنَّمَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ شَاهَدَهَا، ومِنَ المُؤَكَّدِ أنَّ المُسْلِمِينَ الذِينَ لَمْ يَرَوا الرَّسُولَ ﷺ ، ولَمْ يُشَاهِدُوا مُعْجِزَاتِهِ، إنَّمَا آمَنُوا بِصِدْقِ رِسَالَتهِ لِلْأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ القَاطِعَةِ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ، ومِنْ هَذِهِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ: القُرْآنُ الكَرِيمُ، فإنَّهُ مُعْجِزَةٌ عَقْلِيَّةٌ، تُلْزِمُ كُلَّ عَاقِلٍ مُنْصِفٍ أنْ يُؤْمِنَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في دَعْوَى الرِّسَالَةِ. . .
ومِنْ هُنَا نرى هَذِهِ المِيزَةَ الوَاضِحَةَ في سِيرَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، أنَّهُ مَا آمَنَ بِهِ واحِدٌ عنْ طَرِيقِ مُشَاهَدَتِهِ لِمُعْجِزَةٍ خَارِقَةٍ، بَلْ عَنِ اقْتِنَاع عَقْلِيِّ وُجْدَانِيٍّ، وإذَا كانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أكْرَمَ رَسُولَهُ ﷺ بِالمُعْجِزَاتِ الخَارِقَةِ، فمَا ذَلِكَ إلَّا إكْرَامٌ له ﷺ وإفْحَامٌ لِمُعَانِدِيهِ المُكَابِرِينَ، ومَنْ تتبَّعَ القُرْآنَ الكَرِيمَ وجَدَ أنَّهُ اعْتَمَدَ في الإِقْنَاعِ عَلَى المُحَاكَمَةِ العَقْلِيَّةِ، والمُشَاهَدَةِ المَحْسُوسَةِ لِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى، والمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ أُمِّيَّةٍ تَجْعَلُ إتْيَانَهُ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ ﷺ (١) .
* * * الحواشي
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة دروس وعبر للدكتور مصطفى السباعي ص ١٥ - ٢٣.стр. 24
الجَزِيرَةُ العَرَبيَّةُ في العَصرِ الجَاهِلِيِّ
أمَّا العَرَبُ قَبْلَ الإِسْلَامِ فَسَاءَتْ أخْلَاقُهُمْ، فأوْغَلُوا بالخَمْرِ والقِمَارِ، وبَلَغَتْ بِهِمُ القَسَاوَةُ والحَمِيَّةُ المَزْعُومَةُ إلَى وَأْدِ (١) البَنَاتِ، وشَاعَتْ فِيهِمُ الغَارَاتُ، وقَطْعُ الطُّرُقِ عَلَى القَوَافِلِ، وسَقَطَتْ مَنْزِلَةُ المَرْأَةِ، فكَانَتْ تُورَثُ كَمَا يُورَثُ المَتَاعُ أوِ الدَّابَّةُ، ومِنَ المَأْكُولَاتِ مَا هُوَ خَاصٌّ بِالذُّكُورِ، مُحَرَّمٌ عَلَى الإِنَاثِ، وكانَ يَسُوَّغُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ ما يَشَاءُ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ.
وكَانَتِ العَصَبِيَّةُ القَبَلِيَّةُ، والدَّمَوِيَّةُ شَدِيدَةً جَامِحَةً، وأُغْرِمُوا بالحَرْبِ، حتَّى صَارَتْ مَسْلَاةً لَهُمْ، ومَلْهًى وهِوَايَةً، يَنتهِزُونَ لِلتَّسْلِيَةِ، وقَضَاءَ هَوَى النَّفْسِ نُشُوبَ حَرْبٍ لَهَا مُسَوِّغٌ، أوَ لَا مُسَوِّغَ لَهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ما قَالَهُ الشَّاعِرُ الجَاهِلِيُّ (الرُّقَّادُ بنُ المُنْذِرِ بنِ ضِرَارٍ الضَّبِّيُّ):
إذَا المُهْرَةُ الشَّقْرَاءُ أَدْرَكَ ظَهْرُهَا ... فَشَبَّ الإِلَهُ الحَرْبَ بَيْنَ القَبَائِلِ
وأَوْقَدَ نَارًا بَيْنَهُمْ بِضِرَامِهَا ... لَهَا وَهْجٌ لِلْمُصْطَلِي غَيْرُ طَائِلِ
وهَانَتْ عَلَيْهِمْ إِرَاقَةُ الدِّمَاءِ، فتثِيرُهَا حَادِثَةٌ تَافِهَةٌ، وتَدُومُ الحَرْبُ أرْبَعِينَ الحواشي
(١) وَأْدُ البَنَاتِ: قَتْلُهُنَّ: كانَ إذا وُلدَ لِأَحَدِهم في الجاهلية بِنْتٌ دَفنَهَا في التُّرَاب وهي حيَّة خَشْيَة العَارِ. انظر النهاية (٥/ ١٢٥).стр. 25
سَنَةً يُقْتَل فِيهَا أُلُوفٌ مِنَ النَّاسِ.
أمَّا مِنْ جِهَةِ الأَخْلَاقِ، فكَانَتْ فِيهِمْ أدْوَاءٌ وأمْرَاضٌ مُتَأَصِّلَةٌ، وأسْبَابُهَا فَاشِيَةٌ (١) .
* شُرْبُ الخَمْرِ:
وَكَانَ شُرْبُ الخَمْرِ واسِعَ الشُّيُوعِ، شَدِيدَ الرُّسُوخِ فِيهِمْ، تَحَدَّثَ عَنْ مُعَاقَرَتِهَا والِاجْتِمَاعِ عَلَى شُرْبِهَا الشُّعَرَاءُ، وشَغَلَتْ جَانِبًا كَبِيرًا مِنْ شِعْرِهِمْ وتَارِيخِهِمْ وأدَبِهِمْ، وكَثُرَتْ أسْمَاؤُهَا وصِفَاتُهَا فِي لُغَتِهِمْ، وكثُرَ فِيهَا التَّدْقِيقُ والتَّفْصِيلُ كَثْرَةً تَدْعُو إلَى العَجَبِ، وكَانَتْ حَوَانِيتُ الخَمَّارِينَ مَفْتُوحَةً دَائِمًا يُرَفْرِفُ عَلَيْهَا عَلَمٌ يُسَمَّى (غَايَةً).
قَالَ لَبِيدُ (٢) بنُ رَبِيعَةَ العَامِرِيُّ ﵁:
قَدْ بِتُّ سَامِرَهَا وغَايَةَ تَاجِرٍ ... وَافَيْتُ إِذْ رُفِعَتْ وَعَزَّ مُدَامُهَا
وكَانَ مِنْ شُيُوعِ تِجَارَةِ الخَمْرِ أنْ أصْبَحَتْ كَلِمَةُ التِّجَارَةِ مُرَادِفَةً لِبَيْعِ الخَمْرِ (٣) . الحواشي
(١) انظر السيرة النبوية ص ٣٩ لأبي الحسن الندوي ﵀.(٢) هُوَ لَبِيدُ بنُ رَبِيعَةَ بنِ صَعْصعَةَ العَامِرِيُّ الشَّاعر المَشْهُورُ، كان ﵁ شاعرًا مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءَ، وكان فَارِسًا شُجَاعًا سَخِيًّا، وهو صاحِبُ إحدى المُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ، وَفَدَ على النبي ﷺ سنةَ وَفَدَ قَوْمُهُ بنُو جَعْفر، فأسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُهُ. انظر الإصابة (٥/ ٥٠٠).(٣) انظر السيرة النبوية ص ٣٩ لأبي الحسن الندوي ﵀.стр. 26
* القِمَارُ:
وكَانَ القِمَارُ مِنْ مَفَاخِرِ الحَيَاةِ الجَاهِلِيَّةِ، قالَ الشَّاعِرُ الجَاهِلِيُّ:
أعَيَّرْتَنَا أَلْبَانَهَا ولُحُومَهَا ... وذَلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطَةَ ظَاهِرُ
نُحَابِي بِهَا أكْفَاءَنَا ونُهِينُهَا ... ونَشْرَبُ في أثْمَانِهَا ونُقَامِرُ
وكَانَ عَدَمُ المُشَارَكَةِ في مَجَالِسِ القِمَارِ عَارًا.
قَالَ قتَادَةُ: كانَ الرَّجُلُ في الجَاهِلِيَّةِ يُقَامِرُ عَلَى أَهْلِهِ ومَالِهِ، فَيَقْعُدُ حَرِيبًا (١) سَلِيبًا، يَنْظُرُ إلى مَالِهِ في يَدِ غَيْرِهِ، فكانَتْ تُورِثُ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً وبُغْضًا (٢) .
* تَعَاطِيهِمُ الرِّبَا:
وكَانَ أهْلُ الحِجَازِ: العَرَبُ واليَهُودُ، يَتَعَاطَوْنَ الرِّبَا، وكانَ فَاشِيًا (٣) فِيهِمْ، وكانُوا يُجْحِفُونَ (٤) فيهِ، ويَبْلُغُونَ إلَى حَدِّ الغُلُوِّ والقَسْوَةِ.
قالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كانَ الرِّبَا في الجَاهِلِيَّةِ في التَّضْعِيفِ وفي السِّنِينَ، يكُونُ لِلرَّجُلِ فَضْلُ دَيْنٍ، فَيَأْتِيهِ إِذَا حَلَّ الأَجَلُ، فَيَقُولُ له: تَقْضِيني أوْ تَزِيدُنِي؟ فإنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَقْضِيهِ قَضَى، وإلَّا حَوَّلهُ إلَى السِّنِّ التِي فَوْقَ ذَلِكَ، إنْ كَانَتْ ابْنَةَ مَخَاضٍ (٥) يَجْعَلُهَا. . . . الحواشي
(١) الحريب: الذي سُلِبَ ماله. انظر لسان العرب (٣/ ١٠١).(٢) انظر تفسير الإِمام الطبري (٥/ ٣٦) - آية(٩١) من سورة المائدة.(٣) فَشَا: أي انتشَرَ. انظر النهاية (٣/ ٤٠٣).(٤) المُجَاحَفَةُ: أخْذُ الشّيء واجْتِرَافُهُ. انظر لسان العرب (٢/ ١٨٦).(٥) المَخَاضُ: اسمٌ للنُّوقِ الحَوَامِلِ، وبِنْتُ المَخَاضِ وابنُ المَخَاضِ: ما دخلَ في السُّنةِ =стр. 27
ابْنَةَ لَبُونٍ (١) في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ حِقَّةً (٢) ، ثُمَّ جَذْعَةً (٣) ، ثُمَّ رُبَاعِيًّا (٤) هَكَذا إلَى فَوْقٍ.
وفي العَيْنِ (٥) يَأْتيهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أضْعَفَهُ في العَامِ القَابِلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أضْعَفَهُ أَيْضًا، فتَكُونُ مِئَةً، فَيَجْعَلُهَا إلَى القَابِلِ مِئتَيْنِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَعَلَهَا أرْبَعَمِئَةٍ يُضْعِفُهَا له كُلَّ سَنَةٍ أوْ يَقْضِيهِ (٦) .
وقَدْ رَسَخَ الرِّبَا فِيهِمْ، وجَرَى مِنْهُمْ مَجْرَى الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ التِي صَارُوا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التِّجَارةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وقَالُوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾.
قالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ كانُوا يَأْكُلُونَ الرِّبَا مِنْ أهْلِ الحواشي
(١) بنتُ لَبُونٍ، وابنُ لَبُونٍ: وهُمَا مِنَ الإبلِ ما أَتَى عليهِ سَنَتَانِ ودخَلَ في الثَّالِثَةِ، فصَارَتْ أمُّهُ لَبُونًا، أي ذَاتَ لَبَنٍ؛ لأنَّهَا تكُونُ قدْ حَمَلَتْ حَمْلًا آخَرَ ووضَعَتْهُ. انظر النهاية (٤/ ١٩٨).(٢) الحِقَّةُ: بكسر الحاء وهو منَ الإبِلِ ما دخلَ في السنة الرابعة إلى آخرها، وسُمّى بذلك لأنه استَحَقَّ الرُّكُوبَ والتَّحْمِيلَ، ويُجمعُ على حِقاقٍ وحَقَائِقَ. انظر النهاية (١/ ٣٩٩).(٣) الجَذْعَةُ: هو ما كان منها شَابًّا فَتِيًّا، فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمَعْز ما دخل في السنة الثانية، وقيل البقر في الثالثة، ومن الضَّأْنِ ما تمَّتْ له سنة، وقيل أقل منها. انظر النهاية (١/ ٢٤٣).(٤) يُقالُ للذَّكر من الإبل إذا طلَعَتْ رَبَاعِيتهُ -أي أسنانه الأمامية- رَبَاعٌ، والأنثى رَبَاعِيَةٌ بالتخفيف، وذلك إذا دخَلَا في السَّنَةِ السابعة. انظر النهاية (٢/ ١٧٣).(٥) العَيْنُ: هوَ الذَّهَبُ. انظر لسان العرب (٩/ ٥٠٧).(٦) انظر تفسير الطبري (٣/ ١٠٤).стр. 28
الجَاهِلِيَّةِ، كانَ إذا حَلَّ مَالُ أحَدِهِمْ عَلَى غَرِيمِهِ، يَقُولُ الغَرِيمُ لِغَرِيمِ الحَقِّ: زِدْنِي في الأَجَلِ وأزِيدُكَ في مَالِكَ، كَانَ يُقَالُ لَهُمَا إذا فَعَلَا ذَلِكَ: هذَا رِبًا لا يَحِلُّ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمَا ذَلِكَ، قالُوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا زِدْنَا في أوَّلِ البَيْعِ، أوْ عِنْدَ مَحَلِّ المَالِ (١) .
* انْتِشَارُ الزِّنَى:
ولَمْ يَكُنْ الزِّنَى نَادِرًا، وَكَانَ غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ، فَكَانَ مِنَ العَادَاتِ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ خَلِيلَاتٍ، وتَتَّخِذَ النِّسَاءُ أخِلَّاءَ بِدُونِ عَقْدٍ، وقَدْ كَانُوا يُكْرِهُونَ بَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى الزِّنَى، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ (٢) مِنْكُمْ طَوْلًا (٣) أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ (٤) الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ (٥) وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٦) .
ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ الحواشي
(١) انظر تفسير الطبري (٣/ ١٠٤).(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦٠): أي ومنْ لَمْ يَجِدْ.(٣) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦٠): أي سَعَةً وقُدْرةً.(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٦١): أي الحَرَائِر.(٥) قال القرطبي في تفسيره (٦/ ٢٣٦): أي غير زَوَانٍ، أي مُعْلِنَاتٍ بالزِّنى؛ لأنَّ أهل الجاهلية كان فيهم الزَّوَاني في العَلَانيَةِ، ولهُنَّ رايات مَنْصُوباتٌ.(٦) قال القرطبي في تفسيره (٦/ ٢٣٦): أي أصدقاءُ على الفاحشةِ، والآية الكريمة في سورة النساء رقم(٢٥) .стр. 29
النِّكَاحَ في الجَاهِلِيَّةِ كانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أنْحَاءَ. . . والنِّكَاحُ الرَّابع: يَجْتَمعُ النَّاسُ الكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ لا تَمْنَعُ مَنْ جَاءَهَا، وهُنَّ البَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا (١) ، فمَنْ أرَادَهُّنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ (٢) .
وقالَ : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣) .
ورَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ في المُوَطَّأِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ أنَّهُ قالَ: لَا تُكَلِّفُوا الأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الكَسْبَ، فَإنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا (٤) .
وقَدْ نَهَى رسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ البَغِيِّ، فقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَده بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: نَهَى رسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ، وكَسْبِ البَغِيِّ، وثَمَنِ الكَلْبِ (٥) .
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قالَ: أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةٌ، وأخُرْى يُقَالُ لَهَا: الحواشي
(١) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٣٢): عَلَمًا بفتح اللام أي عَلامَةً.(٢) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب النكاح- باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ - رقم الحديث(٥١٢٧) .(٣) سورة النور آية(٣٣) .(٤) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ -كتاب الاستئذان- باب الأمر بالرِّفق بالمَمْلوك - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (١٠/ ٥٨٩).(٥) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٧٩٧٦) .стр. 30
أُمَيْمَةٌ، فكانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .
وَكَانَتِ المَرْأَةُ في المُجتَمَعِ الجَاهِلِيِّ عُرْضَةَ غَبْنٍ (٢) وحَيْفٍ (٣) ، تُؤْكَلُ حُقُوقُهَا، وتُبْتَزُّ (٤) أَمْوَالُهَا، وتُحْرَمُ إرْثَهَا، وتُعْضَلُ (٥) بَعْدَ الطَّلَاقِ، أَوْ وَفَاةِ الزَّوْجِ مِنْ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا تَرْضَاهُ، وتُورَثُ كَمَا يُورَثُ المَتَاعُ أَوِ الدَّابَّةُ.
* وَأْدُهُمُ البَنَاتِ:
وقَدْ بَلَغَتْ كَرَاهَةُ البَنَاتِ إِلَى حَدِّ الوَأْدِ (٦) ، ذَكَرَ الهَيْثَمُ بنُ عَدِي، عَلَى مَا حَكَاهُ عَنْهُ المَيْدَانِيُّ أنَّ الوَأْدَ كَانَ مُسْتَعْمَلًا في قَبائِلِ العَرَبِ قَاطِبَةً، فكَانَ يَسْتَعْمِلُهُ وَاحِدٌ ويَتْرُكُهُ عَشَرَةٌ، فجَاءَ الإِسْلَامُ، وكَانَتْ مَذَاهِبُ العَرَبِ مُخْتَلِفَةً في وَأْدِ البَنَاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَئِدُ البَنَاتِ لِمَزِيدِ الغَيْرَةِ، ومَخَافَةِ لُحُوقِ العَارِ بِهِمْ مِنْ أجْلِهِنَّ، ومِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَئِدُ مِنَ البَنَاتِ مَنْ كَانَتْ زَرْقَاءَ، أَوْ شَيْمَاء (٧) ، الحواشي
(١) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه -كتاب التفسير- باب في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ - رقم الحديث(٢٧) .(٢) الغَبْنُ: النسيان. انظر لسان العرب (١٠/ ١٥).(٣) الحَيْف: الميل في الحكم، والجور والظلم. انظر لسان العرب (٣/ ٤٢٠).(٤) تُبْتَزُّ أمْوَالهَا: أي تُسْلَبُ أمْوَالها. انظر لسان العرب (١/ ٣٩٩).(٥) تُعْضَلُ: أي تُمْنَعُ. انظر النهاية (٣/ ٢٣٠).(٦) وَأْدُ البناتِ: قتلُهُنَّ: كان إذا وُلد لأحدهم في الجاهلية بنت دفنَهَا في التُّراب وهي حَيَّة، خشية العارِ. انظر النهاية (٥/ ١٢٥).(٧) شَيْمَاءُ: أي سَوْداءُ. انظر لسان العرب (٧/ ٢٦٢).стр. 31
أَوْ بَرْشَاءَ (١) ، أو كَسْحَاءَ (٢) تَشَاؤُمًا مِنْهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
وكانُوا يَقْتُلُونَ البَنَاتِ، ويَئِدُونَهُنَّ بِقَسْوَةٍ نَادِرَةٍ في بَعْضِ الأَحْيَانِ، فَقَدْ يتأَخَّرُ وَأْدُ المَوْءُودَةِ لِسَفَرِ الوَالِدِ وشُغْلِهِ فَلَا يَئِدُهَا إلَّا وقَدْ كَبِرَتْ، وصَارَتْ تَعْقِلُ، وقَدْ حَكَوْا في ذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مُبْكِيَاتٍ، وقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُلْقِي الأُنْثَى مِنْ شَاهِقٍ (٣) .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا (٤) وَهُوَ كَظِيمٌ (٥) (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ (٦) فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٧) .
* قَتْلُ الأَوْلَادِ خَشْيَةَ الفَقْرِ:
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقْتُلُ أوْلَادَهُ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وخَوْفَ الفَقْرِ، وهُمُ الفُقَرَاءُ مِنْ بَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ، فكَانَ يَشْتَرِيهِمْ بَعْضُ سُرَاةِ (٨) العَرَبِ وأشْرَافِهِمْ، الحواشي
(١) الأبرَشُ: الأبْرَصُ. انظر لسان العرب (١/ ٣٧٧).(٢) الأكْسَحُ: الأعْرَجُ، والمُقْعَدُ أيضًا. انظر لسان العرب (١٢/ ٨٩).(٣) الشَّاهقُ: الجَبَلُ المُرْتَفِعُ. انظر لسان العرب (٧/ ٢٢٩).(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٧٨): أي كئيبا مِنَ الهَمِّ.(٥) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٧٨): أي ساكتٌ مِنْ شِدَّةِ ما هُوَ فيه مِنَ الحُزْنِ.(٦) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٧٨): أي يَئِدَهَا، وهو أن يدفِنَهَا في التراب وهِيَ حَيَّة.(٧) سورة النمل آية(٥٩) .(٨) سُرَاةُ: أي أشْرَافٌ. انظر النهاية (٢/ ٣٢٧).стр. 32
فَصَعْصَعَةُ بنُ نَاجِيَةَ يقُولُ: جَاءَ الإِسْلَامُ وقَدْ فَدَيْتُ ثَلَاثَ مِائَةِ مَوْءُودَةٍ (١)
ومِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَنْذُرُ إِذَا بَلَغَ بَنُوهُ عَشَرَةً نَحَرَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، كمَا فَعَلَ عَبْدُ المُطَّلِبِ جَدُّ الرَّسُولِ ﷺ .
فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الفِعْلِ، فقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ (٢) نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. . .﴾ (٣) .
وَقَالَ : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٤) .
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ ، قَالَ ﷺ : "أَنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا (٥) ، وَهُوَ خَلقَكَ".
قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ .
قَالَ ﷺ : "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ".
قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ . الحواشي
(١) انظر الإصابة (٣/ ٣٤٧).(٢) الإِمْلَاقُ: الفَقْرُ. انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٦٢).(٣) سورة الأنعام آية(١٥١) .(٤) سورة الإسراء آية(٣١) .(٥) النِدُّ: بكسر النون وتشديد الدال، هو مِثْلُ الشَّيء الذي يُضَادُّهُ في أمُوره، ويريد بها ما كانوا يَتَّخِذُونَهُ آلهةً مِنْ دُونِ اللَّه تَعَالَى. انظر النهاية (٥/ ٣٠).стр. 33
قَالَ ﷺ : "أَنْ تزانِيَ حَلِيلةَ (١) جَارِكَ" (٢) .
ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ -تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا- فَأَلحَقُوا البَنَاتِ بِهِ (٣) .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٤) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ (٥) .
* ظَلَام مُطْبِقٌ ويَأْسٌ قَاتِلٌ:
وقُصَارَى القَوْلِ: إِنَّ القَرْنَ السَّادِسَ المَسِيحِيَّ الذِي كَانَتْ فِيهِ البِعْثَةُ المُحَمَّدِيَّةُ ومَا يَلِيهِ مِنْ فترَةٍ زَمَنِيَّةٍ، كَانَ مِنْ أحَطِّ أدْوَارِ التَّارِيخِ، ومِنْ أشَدِّهَا ظَلَامًا ويَأْسًا مِنْ مُسْتَقْبَلِ الإِنْسَانِيَّةِ وصَلَاحِيَّتهَا لِلبَقَاءَ والازْدِهَارِ (٦) . الحواشي
(١) قال الحافظ في الفتح (١٤/ ٧٥): الحَلِيلَةُ بفتح الحاء وزن عَظِيمَة أي التي يَحِلُّ له وَطْؤُهَا.(٢) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الحدود- باب إثم الزناة - رقم الحديث(٦٨١١) - وأخرجه في كتاب التوحيد - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ - رقم الحديث(٧٥٢٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإحصان - باب كون الشرك أقبح الذنوب - رقم الحديث(١٤١) .(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي ص ٣٩.(٤) سورة النحل(٥٧) .(٥) سورة الصافات الآيتان (١٤٩، ١٥٠).(٦) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي ص ٤٣.стр. 34
لِمَاذَا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ في جَزِيرَةِ العَرَبِ ؟
اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَطْلُعَ هذِهِ الشَّمْسُ التِي تُبَدِّدُ الظَّلَامَ، وَتَمْلَأُ الدُّنْيَا نُورًا وهِدَايَةً، مِنْ أُفُقِ جَزِيرَةِ العَرَبِ الذِي كَانَ أَشدَّ ظَلَامًا، وكَانَ أشَدَّ حَاجَةً إِلَى هَذَا النُّورِ السَّاطِعِ.
وقَدِ اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى العَرَبَ، لِيَتَلَقَّوْا هَذِهِ الدَّعْوَةَ أوَّلًا، ثُمَّ يبهلِّغُوهَا إِلَى أبْعَدِ أنْحَاءَ العَالَمِ، لِعِدَّةِ أسْبَابٍ مِنْهَا:
١ - أَنَّهُمْ كانُوا عَلَى الفِطْرَةِ، وأصْحَابُ إرَادَةٍ قَوِيَّةٍ، إذَا الْتَوَى عَلَيْهِمْ فَهْمُ الحَقِّ حَارَبُوهُ، وَإِذَا انْكَشَفَ الغِطَاءُ عَنْ عُيُونِهِمْ، أحَبُّوهُ واحْتَضَنُوهُ، واسْتَمَاتُوا في سَبِيلِهِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً مَا قَاله سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو ﵁ (١) ، حِينَ سَمعَ مَا جَاءَ في كِتَابِ الصُّلْحِ في الحُدَيْبِيَةِ: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ ﷺ "، فقالَ سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو ﵁: واللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسولُ اللَّهِ، مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ ولَا قَاتلْنَاكَ (٢) . الحواشي
(١) هو سُهَيْلُ بن عَمْرٍو العَامِرِيُّ خَطيبُ قُرَيشٍ، وفَصِيحُهُم، ومن أشْرَافِهِمْ، يُكنى أبو زَيد، وكان من أشراف قريش وعُقَلَائِهِمْ وخُطَبَائِهِمْ وسَادَاتِهِمْ.
أسلم ﵁ يومَ فتحِ مَكَّةَ، وحَسُنَ إسلامُهُ.
مات ﵁ في طاعُونِ عَمَوَاسٍ سنة ثمَان عشرة للهجرة. انظر الإصابة (٣/ ١٧٧).(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم =стр. 35
ولمَّا أسْلَمَ ﵁ كَانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والصَّدَقَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ البُكَاءَ إذَا سَمعَ القُرْآنَ ﵁ وأرْضَاهُ، وَكَانَ يَقُولُ: واللَّهِ لا أدَعُ مَوْقِفًا مَعَ المُشْرِكِينَ إلَّا وَقَفْتُ مَعَ المُسْلِمِينَ مِثْلَهُ، ولا نَفَقَةً أنْفَقْتُهَا مَعَ المُشْرِكِينَ إلَّا أنْفَقْتُ عَلَى المُسْلِمِينَ مِثْلَهَا، لَعَلَّ أمْرِي أَنْ يَتْلُوَ بَعْضُهُ بَعْضًا (١) .
٢ - ومِنْهَا أنَّ ألْوَاحَ قُلُوبِهِمْ كَانَتْ صَافِيَةً، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهَا كِتَابَاتٌ دَقِيقَةٌ عَمِيقَةٌ يَصْعُبُ مَحْوُهَا وإزَالتهَا، شَأْنَ الرُّومِ والفُرْسِ، وأهْلِ الهِنْدِ، الذِينَ كانُوا يَتِيهُونَ ويَزْهَوْنَ بِعُلُومِهِمْ وآدَابِهِمْ الرَّاقِيَةِ، ومَدَنِيَّاتِهِمُ الزَّاهِيَةِ، وبِفَلْسَفَاتهمُ الوَاسِعَةِ، فكَانَتْ عِنْدَهُمْ عُقَدٌ نَفْسِيَّةٌ وفكْرِيَّةٌ، لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ حَلُّهَا.
أمَّا العَرَبُ فَلَمْ تَكُنْ عَلَى ألْوَاحِ قُلُوبِهِمْ إلَّا كِتَابَات بَسِيطَة خَطَّتْهَا يَدُ الجَهْلِ والبَدَاوة، ومِنَ السَّهْلِ المَيْسُورِ مَحْوُهَا وغَسْلُهَا، ورَسْمُ نُقُوشٍ جَدِيدَةٍ مَكَانَهَا، وبِالتَّعْبِيرِ العِلْمِيِّ المُتَأَخِّرِ كانُوا أصْحَابَ الجَهْلِ البَسِيطِ، الذِي تَسْهُلُ مُدَاوَاتُهُ، بَيْنَمَا كَانَتِ الأُمَمُ المُتَمَدِّنَةُ الرَّاقِيةُ في هَذَا العَصْرِ مُصَابَةً بالجَهْلِ المُرَكَّبِ، الذِي تَصْعُبُ مُدَاوَاتُهُ وإزَالَتُهُ.
٣ - ومِنْهَا أنَّهُمْ -أي العَرَبُ- كانُوا واقِعِيِّينَ جَادِّينَ، أصْحَابَ صَرَاحَةٍ وصَرَامَةٍ، لا يَخْدَعُونَ غَيْرَهُمْ ولا أنْفُسَهُمْ، اعْتَادُوا القَوْلَ السَّدِيدَ، والعَزْمَ الحواشي
(١٧٨٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(١٨٩٠٩) .(١) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ١٩٤) - الإصابة (٣/ ١٧٧) - أسد الغابة (٢/ ٣٩٦).стр. 36
الأَكِيدَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً ما رُوِيَ في قِصَّةِ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ ابنُ إسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: لمَّا اجْتَمَعَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ في العَقَبَةِ، لِيبايِعُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ العَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ الخَزْرَجِيُّ ﵁: يا مَعْشَرَ الخَزْرَجِ، هلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبايِعُونَ هذَا الرَّجُلَ؟
قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: إنَّكُمْ تُبايُعَونَهُ عَلَى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ مِنَ النَّاسِ.
. . . قَالُوا: فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نَحْنُ وَفَيْنَا؟
قَالَ ﷺ : "الجَنَّةُ".
قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَط يَدَهُ ﷺ فبَايَعُوهُ (١) .
وقَدْ صَدَقُوا ﵃ ما عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ، وبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وقَدْ قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى لِسَانِ الأَنْصَارِ يَوْمَ بَدْرٍ:
فَوَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ (٢) .
فكَانُوا ﵃ صَادِقِينَ مِنَ اللَّحْظَةِ الأوُلَى، وقَدْ تَجَلَّى هَذَا الصِّدْقُ في العَزْمِ، والجِدِّ في العَمَلِ، ورُوحِ الامْتِثَالِ لِلْحَقِّ.
٤ - وَمِنْهَا أنَّ العَرَبَ كَانُوا بِمَعْزِلٍ عَنْ أدْوَاءِ المَدَنِيَّةِ والتَّرَفِ، التِي يَصْعُبُ عِلَاجُهَا، والتِي تَحُولُ دُونَ التَّحَمُّسِ لِلْعَقِيدَةِ والتَّفَانِي في سَبِيلِهَا. الحواشي
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٥٩).(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٧).стр. 37
٥ - ومِنْهَا أَنَّ العَرَبَ كَانُوا أَصْحَابَ صِدْقٍ وأمَانَةٍ وشَجَاعَةٍ، لَيْسَ النِّفَاقُ والمُؤَامَرَةُ مِنْ طَبِيعَتِهِمْ، وهَذَا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ فَقَدْ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ وبَذَلُوا الغَالِيَ والنَّفِيسَ في سَبِيلِ اللَّهِ .
٦ - وَمِنْهَا أَنَّهُمْ كَانُوا مَغَاوِيرَ حَرْبٍ، وأَحْلَاسَ (١) خَيْلٍ، وأصْحَابَ جَلَادَةٍ وتَقَشُّفٍ في الحَيَاةِ، وَكَانَتِ الفُرُوسِيَّةُ هِيَ الخُلُقَ البَارِزَ الذِي لابُدَّ أَنْ تَتَّصِفَ بِهِ أمَّة تَضْطَلعُ بِعَمَلٍ جَلِيلٍ، لِأَنَّ العَصْرَ كَانَ عَصْرَ حُرُوبٍ ومُغَامَرَاتٍ.
٧ - وَمِنْهَا أَنَّ العَرَبَ كَانُوا أمَّةً نَشَأَتْ عَلَى الهُيَامِ (٢) بالحُرِّيَّةِ، والمُسَاوَاةِ وحُبِّ الطَّبِيعَةِ، وعِزَّةِ النَّفْسِ، وبَعْضِ الآدَابِ التِي أقَرَّهَا الإِسْلَامُ.
٨ - وَمِنْهَا أَنَّ قِوَاهُمُ العَمَلِيةَ والفِكْرِيَّةَ، ومَوَاهِبَهُمُ الفِطْرِيَّةَ مَذْخُورَةٌ فِيهِمْ، لَمْ تُسْتَهْلَكْ، فَكَانَتْ أمَّةً بِكْرًا، دَافِقَةً بالحَيَاةِ والنَّشَاطِ، والعَزْمِ والحَمَاسِ (٣) .
روَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في المُسْنَدِ وابْنُ حِبَّانَ والتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ، وأشَدُّهَا (٤) في دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وأصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وأعْلَمُهَا الحواشي
(١) أحْلاسُ خَيْلٍ: أي مُلَازِمِينَ رُكُوب الخَيْلِ. انظر لسان العرب (٣/ ٢٨٣).(٢) الهُيَامُ: هو الحُبُّ الشَّدِيدُ كالمَجْنُونِ على حصُولِ الحُرِّيَّةِ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٨٢).(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي ص ٤٥.(٤) قال السندي في شرح المسند (٧/ ٣٥٥): أي أصلبهم في مراعاة الدين، بحيث لا يراعي أحدًا فيه.стр. 38
بالحَلَالِ والحَرَامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وأقْرؤُهَا لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وأعْلَمُهَا بِالفَرَائِضِ (١) زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، ولِكُلِّ أمَّةٍ أمِينٌ، وأمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ" (٢) .
وكانَتْ هَذِهِ الفَتْرَةُ التِي بُعِثَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ أَشَدِّ الفَترَاتِ التِي مرَّتْ بِهَا الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ ظُلْمَةً وانْحِطَاطًا، وأبْعَدِ مِنْ كُلِّ أَمَلٍ في الإصْلَاحِ، وأصْعَبِ مرحَلَةٍ واجَهَهَا نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءَ، وأدَقِّهَا (٣) .
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالبُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ المِقْدَادِ بنِ عَمْرٍو ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . وَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ علَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهَا فِيهِ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءَ في فترَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الوَالِدِ وَوَلَدِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فتَحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ بِالإِيمَانِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ دَخَلَ النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ حَبِيبَهُ الحواشي
(١) قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٨٦): الفرائض جمع فريضة، وهي المواريث، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى في سورة النساء آية(٧) : ﴿. . نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. أي مقدرًا أو معلومًا أو مقطوعًا عن غيرهم.(٢) أخرجه الإِمام أحمد في المسند - رقم الحديث(١٢٩٠٤) ،(١٣٩٩٠) ، وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره ﷺ عن مناقبِ الصحابة - باب ذكر البيان بأن معاذ بن جبل كان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام - رقم الحديث(٧١٣١) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب فضل معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي عبيدة بن الجراح - رقم الحديث(٤١٢٤) .(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي ص ٥٦.стр. 39
في النَّارِ، وَإِنَّهَا لَلَّتِي قَالَ اللَّهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ " (١) .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) .
وقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣) .
* * * الحواشي
(١) سورة الفرقان آية(٧٤) - والخبر أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث(٢٣٨١٠) ، والإمام البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث(٦٤) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/ ١٣٣) وقال: وهذا إسناد صحيح.(٢) سورة آل عمران آية(١٦٤) .(٣) سورة الجمعة آية(٢) .стр. 40
مِنْ قَبْلِ مَوْلِدِهِ ﷺ إِلَى مَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ ﷺ -
النَّسَبُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ
أمَّا نَسَبُهُ ﷺ فَهُوَ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ عَلَى الإطْلَاقِ، فَلِنَسَبِهِ مِنَ الشَّرَفِ أعَلَى ذُرْوَةٍ، وأعْدَاؤُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا شَهِدَ بهِ عَدُوُّهُ إذْ ذَاكَ أبُو سفْيَانَ (١) بَيْنَ يَدَيْ هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، فأشْرَفُ القَوْمِ قَوْمُهُ، وأشْرَفُ القَبَائِلِ قَبِيلتهُ، وأشْرَفُ الأفْخَاذِ فَخِذُهُ ﷺ .
فهُوَ: مُحَمَّدُ (٢) ﷺ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، بنِ عَبْدِ المطلبِ، بنِ هَاشِمِ، بنِ عَبْدِ مَنَافِ، بنِ قُصَيِّ، بنِ كِلابِ، بنِ مُرَّةَ، بنِ كَعْبِ، بنِ لُؤَيِّ، بنِ غَالِبِ، بنِ فِهْرِ، بنِ مَالِكِ، بنِ النَّضْرِ، بنِ كِنَانَةَ، بنِ خُزَيْمَةَ، بنِ مدْرِكَةَ، بنِ إلْيَاسَ، بنِ مُضَرَ، بنِ نِزَارِ، بنِ مَعْدِ، بنِ عَدْنَانَ (٣) . الحواشي
(١) جاء في حديث هِرَقْلَ مع أبي سُفْيَان أنَّهُ سأله كيفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ فقال أبو سفيان: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. رواه البخاري في صحيحه - باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول ﷺ -رقم الحديث(٧) - ومسلم في صحيحه -رقم الحديث(١٧٧٣) .(٢) قال القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٧/ ٢٤٦): وتسمِيَتُهُ مُحَمَّدًا وقعتْ في القُرآنِ العَظِيمِ، وذلك أنَّهُ حَمِدَ ربَّهُ قبلَ أن يَحْمَدَهُ الناسُ، وكذلك في الآخرةِ يَحْمِدُ ربَّهُ فيُشَفِّعُهُ، فيَحْمَدُهُ الناسُ، وقد خُصَّ بسورة الحَمْدِ، وبِلِوَاءَ الحَمْدِ، وبالمَقَامِ المَحْمُودِ، وشُرعَ له الحَمْدُ بعدَ الأكل، وبعدَ الشُّربِ، وبعدَ الدُّعاءِ، وبعدَ القُدُومِ من السَّفرِ، وسُمِيَتْ أُمّتهُ الحَمَّادُونَ، فجُمِعَتْ لهُ مَعَانِي الحَمْدِ وأنْوَاعُهُ ﷺ .(٣) أخرج هذا القدر من نسبه الشريف ﷺ : البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مبعث النبي ﷺ وانظر طبقات ابن سعد (١/ ٢٣ - ٢٤) - زاد المعاد (١/ ٧٠) - =следующие страницы →