← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أسَالِيبُ قُرَيْشٍ في مُحَارَبَةِ النَّبيِّ ﷺ ودَعْوَتِهِ لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَمِرٌّ فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ، لا يَصْرِفُهُ عَنْ دَعْوَتهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ، فَكَّرُوا مَرَّةً أخْرَى، واخْتَارُوا لِقَمْعِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أسَالِيبَ مِنْهَا: ١ - إثَارَةُ الشُّبُهَاتِ حَوْلَ مَصْدَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وبَثُّ الدِّعَاياتِ الكاذِبَةِ، ونَشْرُ الإيرَاداتِ الوَاهِيَةِ حَوْلَ تَعَالِيمِهِ، وحَوْلَ شَخْصِيَّتهِ ﷺ ، والإكثارُ مِنْ ذَلِكَ بِحَيثُ لا يَبْقَى لِلْعَامَّةِ مَجَالٌ في تَدَبُّرِ دَعْوَتِهِ، فكانُوا يَقُولُونَ ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ (١)، وكانُوا يَقُولُونَ عنِ القُرْآن: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ (٣)، وكانُوا يَقُولُونَ عَنْ رسُولِ اللَّه ﷺ : ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٤). قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: كَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي- كَثِيرًا ما يَجْلِسُ عِنْدَ

стр. 247

المَرْوَةِ إلى مَبْيَعَةِ غُلامٍ نَصْرَانِيٍّ يُقالُ لهُ: جَبْرٌ، عَبْدٌ لابنِ الحَضْرَمِيِّ، فكانُوا يقُولُونَ: واللَّهِ ما يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مما يأتِي بهِ إلا جَبْرٌ النَّصْرَانِيُّ، غُلامُ ابنِ الحَضْرَمِيِّ، فأنزلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١). قَالَ ابنُ هِشَامٍ: يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ: أي يَمِيلُونَ إِلَيْهِ، والإلْحَادُ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ (٢). ٢ - من أسَالِيبِهِمْ أَيْضًا: مُعَارَضَةُ القُرْآنِ بأسَاطِيرِ الأوَّلينَ لإِشْغَالِ النَّاسِ بها عَنْهُ، فقدْ ذُكِرَ أَنَّ النَّضْرَ بنَ الحَارِثِ (٣) وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيشٍ، ومِمَّنْ يُؤْذِي رسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ويَنْصُبُ لهُ العَدَاوَةَ، كَانَ قَدِمَ الحِيرَةَ (٤)، وتَعَلَّمَ بها أحادِيثَ مُلُوكِ الفُرْسِ، وأحَادِيثَ رُسْتُمٍ، فَكَانَ إِذَا جَلَسَ رسُولُ اللَّه ﷺ مَجْلِسًا

стр. 248

فَذَكَّرَ فيهِ باللَّهِ، وحَذَّرَ قَوْمَهُ ما أصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الأمَمِ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ، خَلفَهُ في مَجْلِسِهِ إِذَا قَامَ، ثُمَّ قَالَ: أنَا وَاللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ، وما حَدِيثُهُ إِلَّا أسَاطِيرُ الأوَّلينَ اكْتَتَبَهَا، فَهَلُمَّ إلَيَّ، فأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ ورُسْتُمٍ، ثُمَّ يَقُولُ: بِمَاذَا مُحَمَّدٌ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنِّي؟ . قَالَ ابنُ هِشَامٍ: وهُوَ الذِي قَالَ -فِيمَا بَلَغَنِي-: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ (١). رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ في النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ ثَمَانُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢)، وكُلُّ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأسَاطِيرِ (٣) مِنَ القُرْآنِ (٤). ونَزَلَ في النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ -قبَّحَهُ اللَّهُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥).

стр. 249

٣ - ومِنْ أسَالِيبِهِمْ: السُّخْرِيةُ والاسْتِهْزَاءُ والتَّكْذِيبُ، وقدْ لَجَأَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذَا الأُسْلُوبِ لِتَخْذِيلِ المُسْلِمِينَ، وتَوْهِينِ قُوَاهُمُ المَعْنَوِيَّةَ، فَرَمَوْا النَّبِيَّ ﷺ بالجُنُونِ: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (١). ووَصَمُوهُ (٢) بالسِّحْرِ والكَذِبِ وقَوْلِ الشِّعْرِ: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (٣)، ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ (٤). قال ابنُ إسحاقَ: وَكَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ إذا تَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، ودَعَاهُمْ إلى اللَّهِ تَعَالَى، قالُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ (٥) مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ (٦) وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ (٧)، فانزلَ اللَّهُ تَعَالَى عَليهِ في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا

стр. 250

يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾. أيْ كَيْفَ فَهِمُوا تَوْحِيدَكَ ربَّكَ إِنْ كُنْتَ جَعَلْتَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، وفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وبَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ حِجَابًا بِزَعْمِهِمْ، أي: إنِّي لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي ذَلِكَ ما تَوَاصَوْا بِهِ مِنْ تَرْكِ ما بَعَثْتُكَ بهِ إِلَيْهِمْ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أيْ أَخْطَؤُوا المَثَلَ الذِي ضَرَبُوا لكَ، فَلا يُصِيبُونَ بهِ هُدًى، ولا يَعْتَدِلُ لَهُمْ فيهِ قَوْلٌ: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي: قَدْ جِئْتَ تُخْبِرُنَا أنَّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِنَا إِذَا كُنَّا عِظَامًا ورُفَاتًا، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١) أيْ: الذِي خَلَقَكُمْ مِمَّا تَعْرِفُونَ، فَلَيْسَ خَلْقُكُمْ مِنْ تُرَابٍ بِأَعَزَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ (٢). ٤ - مُسَاوَمَاتٌ حَاوَلُوا بِهَا أَنْ يَلْتَقِي الإسْلامُ والجَاهِلِيَّةُ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ بأنْ يَتْرُكَ المُشْرِكُونَ بَعْضَ ما هُمْ عَلَيْهِ، ويَتْرُكَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْضُ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ (٣) فَيُدْهِنُونَ﴾ (٤).

стр. 251

قَالَ الإِمَامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وَدَّ هَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ لَوْ تَلِينُ لَهُمْ في دِينِكَ بِإِجَابَتِكَ إيَّاهُمْ إِلَى الرُّكُونِ إِلَى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبَادَتِكَ إِلَهَكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثنَاؤُهُ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ (١). قَالَ ابنُ إسْحَاقٍ: اعْترَضَ رسُولَ اللَّهِ ﷺ وهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ -فِيمَا بَلَغَنِي- الأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ أسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى، والوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، والعَاصُ بنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ (٢) في قَوْمِهِمْ، فقَالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ، وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، فنَشْتَرِكَ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي الأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ الذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمَّا نَعْبُدُ، كُنَّا قَدْ أَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَا نَعْبُدُ خَيرًا مِمَّا تَعْبُدُ، كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنْهُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٣). أيْ: إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، إِلَّا أَنْ أعْبُدَ مَا تَعْبُدُونَ، فَلا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ مِنْكُمْ، لَكُمْ دِينُكُمْ جَمِيعًا وَليَ دِينِ (٤).

стр. 252

وحَسَمَ اللَّهُ مُفَاوَضَاتهمُ المُضْحِكَةَ بِهَذِهِ المُفَاصَلَةِ الجَازِمَةِ (١) . . . لَعَلَّ اخْتِلاطَ تَصَوُّرَاتِهِمْ، واعْتِرَافِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَعَ عِبَادَةِ آلِهَةٍ أُخْرَى مَعَهُ. . . لَعَلَّ هَذَا كَانَ يُشْعِرُهُمْ أَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَرِيبَةٌ، يُمْكِنُ التَّفاهُمُ عَلَيْهَا، بِقِسْمَةِ البَلَدِ بَلَدَيْنِ، والِالْتِقَاءِ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، مَعَ بَعْضِ التَّرْضِيَاتِ الشَّخْصِيَّةِ! . ولِحَسْمِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى المُحَاوَلَةِ، والمُفَاصَلَةِ الحَاسِمَةِ بينَ عِبَادَةٍ وعِبَادَةٍ، ومَنْهَجٍ ومَنْهَجٍ، وتَصَوُّرٍ وتَصَوُّرٍ، وطَرِيقٍ وطَرِيقٍ. . نَزَلَتْ هذِهِ السُّورَةُ (٢)، بِهَذا الجَزْمِ، وبِهَذَا التَّوْكِيدِ. وبِهَذَا التَّكْرَارِ. لِتُنْهِيَ كُلَّ قَوْلٍ، وتَقْطَعَ كُلَّ مُسَاوَمَةٍ، وتُفَرِّقَ نِهَائِيًّا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، وتُقِيمَ المَعَالِمَ وَاضِحَةً، لا تَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ والجَدَلَ في قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ (٣). قال ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ في المَسْجِدِ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ المُسْتَضعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: خَبَّابٌ، وَعَمَّارٌ، وأَبُو فكَيْهَةَ يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ، وصُهَيْبٌ، وأشْبَاهُهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، هَزَأَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، فقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَؤُلَاءِ أَصْحَاُبهُ كَمَا تَرَوْنَ، أهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالهُدَى الحَقِّ؟ لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ، ومَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بهِ

стр. 253

دُونَنَا، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا معَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطْرُدْ هَؤُلَاءَ لَا يَجْتَرِؤُنَ عَلَيْنَا، قَالَ: وكُنْتُ أَنَا، وابْنُ مَسْعُودٍ، ورَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وبِلَالٌ، ورَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نَفْسِ رسُولِ اللَّه ﷺ ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢). * * *

стр. 254

تَعْذِيبُ قُرَيْشٍ لِلْمُسْلِمِينَ مَضَى رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ويَئِسَتْ قُرَيْشٌ مِنْهُ، وأدْرَكَتْ ألَّا جَدْوَى مِنْ تِلْكَ الأَسَالِيبِ التِي سَلَكَتْهَا مَعَهُ في كَفِّ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ والقَضَاءِ علَيْهَا، فاجْتَمَعَ رُؤُوسُ المُشْرِكِينَ وقَرَّرُوا اللُّجُوءَ إِلَى العُنْفِ، والقُوَّةِ في مُحَارَبَةِ الإِسْلَامِ والمُنْتَمِينَ إِلَيْهِ، وأصْدَرُوا أوَامِرَهُمْ إِلَى القَبَائِلِ لِيَصُبُّوا العَذَابَ والْأَذَى عَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ . قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهُمْ، ويُعَذِّبُونَهُمْ بالضَّرْبِ، والجُوعِ، والعَطَشِ، وبِرَمْضَاءِ مَكَّةَ إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ (١). فكَانَتْ فِتْنَةً شَدِيدَةَ الزِّلْزَالِ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ رسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ، فَافْتُتِنَ مَنِ افْتُتِنَ، وعَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ، ومَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْهُمْ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: . . . فحَمَى اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيفًا مُعَظَّمًا في قُرَيْشٍ، مُطَاعًا في أهْلِهِ، وأَهْلُ مَكَّةَ لا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى

стр. 255

مُكَاشَفَتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأَذَى، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ أحْكَمِ الحَاكِمِينَ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، لِمَا في ذَلِكَ مِنَ المَصَالِحِ التِي تَبْدُو لِمَنْ تَأَمَّلَهَا (١). * المُجَاهِرُونَ بِالظُّلْمِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَكَانَ المُجَاهِرُونَ بِالظُّلْمِ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ: ١ - عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (٢). ٢ - ابنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ (٣). ٣ - عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ (٤). ٤ - شَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ (٥). ٥ - عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ (٦). ٦ - أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ (٧). ٧ - الحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ (٨).

стр. 256

٨ - النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ (١). ٩ - أَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ العَاصِي بنِ هِشَامٍ (٢). ١٠ - أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ (٣). ١١ - الوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ (٤). ١٢ - العَاصُ بنُ وَائِلٍ (٥). ١٣ - أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ (٦). ١٤ - أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ (٧). فَهَؤُلاءَ كَانُوا أشَدَّ عَلَى المُؤْمِنِينَ مُثَابَرَةً بالأذَى، ومَعَهُمْ سَائِرُ قُرَيْشٍ، فَمِنْهُم يُعَذِّبُونَ مَنْ لا مَنَعَةَ لَهُ، ولا جِوَارَ مِنْ قَوْمِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يُؤْذُونَ. قَالَ ابنُ إسْحَاقٍ: وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الفَاسِقُ الذِي يُغْرِي بِهِمْ في رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذَا سَمعَ بالرَّجُلِ قَدْ أسْلَمَ، لهُ شَرَفٌ ومَنَعَةٌ، أنَّبَهُ وأخْزَاهُ، وَقَالَ: ترَكْتَ دِينَ أبِيكَ وهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، لنُسَفِّهَنَّ حِلْمَكَ، ولنُفَيِّلَنَّ (٨) رَأْيَكَ، ولَنَضَعَنَّ

стр. 257

شَرَفَكَ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا قَالَ: واللَّهِ لنكْسِدَنَّ تِجَارَتَكَ، ولَنُهْلِكَنَّ مَالَكَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وأَغْرَى بِهِ (١) * صُوَرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والإِيذَاءِ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أوَّلَ مَنْ أظْهَرَ إِسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وأَبُو بَكْرٍ، وعَمَّارٌ، وأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدَادُ، فأمَّا رسُولُ اللَّهِ ﷺ فمَنَعَهُ اللَّه بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وألْبَسُوهُمُ أدْرَاعَ الحَدِيدِ، وصَهَرُوهُمْ في الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أحَدٍ إِلَّا وقَدْ وَاتَاهُمْ (٢) عَلَى ما أرَادُوا إِلَّا بِلالٌ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ، وهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الوِلْدَانَ، فجَعَلُوا يَطُوفُونَ بهِ في شِعَابِ مَكَّةَ، وهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ (٣). * تَعْذِيبُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ -: كَانَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ يأخُذُهُ عَمُّهُ الحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ فيُوثِقُهُ رِبَاطًا ويَقُولُ لهُ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ آبَائِكَ إلى دِينٍ مُحْدَثٍ؟ واللَّهِ لا أَحُلُّكَ أبَدًا حتَّى تَدَعَ ما أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فيَقُولُ

стр. 258

عُثْمَانُ ﵁: واللَّهِ لا أدَعُهُ أبَدًا ولا أُفَارِقُهُ، فَلَمَّا رَأَى الحَكَمُ صَلَابَتَهُ في دِينِهِ ترَكَهُ (١). * تَعْذِيبُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ -: وَكَانَ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ ﵁ يَأْخُذُهُ عَمُّهُ ويَلُفُّهُ في حَصِيرٍ، ويُدَخِّنُ عَلَيْهِ بالنَّارِ، ويَقُولُ لَهُ: ارْجعْ إِلَى الكُفْرِ، فيَقُولُ الزُّبَيْرُ ﵁: لا أكْفُرُ أَبَدًا (٢). * تَعْذِيبُ زِنِّيرَةَ ﵂: مِنَ الذِينَ عُذِّبُوا: امْرَأَةٌ يُقَالُ لهَا: زِنِّيرَةٌ ﵂، أعْتَقَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا حِينَ أعْتَقَهَا، فقَالَتْ قُرَيْشٌ: ما أذْهَبَ بَصَرَهَا إِلَّا اللَّاتُ والعُزَّى، فَقَالَتْ: كَذَبُوا وبَيْتِ اللَّهِ، ما تَضُرُّ اللَّاتُ والعُزَّى ومَا تَنْفَعَانِ، فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرَهَا (٣). * تَعْذِيبُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ ﵁ -: أَمَّا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁ فَقَدْ رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّ مُصْعَبَ بنَ عُميْرٍ كَانَ فتَى مَكَّةَ شَبَابًا وجَمَالًا، وَكَانَ أبَوَاهُ يُحِبَّانِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَليئَةً كَثِيرَةَ المَالِ تَكْسُوهُ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ وأَرَقَّهُ، وَكَانَ أعْطَرَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَانَ

стр. 259

رسُولُ اللَّه ﷺ يَذْكُرُهُ ويَقُولُ: "ما رَأيْتُ بِمَكَّةَ أحَدًا أحْسَنَ لِمَّةً (١)، ولا أرَقَّ حُلَّةً ولا أنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ"، فبَلَغَهُ أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو إِلَى الإِسْلامِ في دَارِ الأَرْقَمِ بنِ أَبِي الأَرْقَمِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فأسْلَمَ وصَدَّقَ بهِ، وخَرَجَ فكَتَمَ إسْلامَهُ خَوْفًا مِنْ أُمِّهِ وقَوْمِهِ، فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى رسُولِ اللَّه ﷺ سِرًّا، فَبَصُرَ بهِ عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ يُصَلِّي فأخْبَرَ أُمَّهُ وقَوْمَهُ، فأخَذُوهُ فَحَبَسُوهُ فلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حتَّى خَرَجَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ في الهِجْرَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَجَعَ مَعَ المُسْلِمِينَ حِينَ رَجَعُوا، فَرَجَعَ مُتَغَيِّرَ الحَالِ قَدْ حَرَجَ -يَعْنِي غَلُظَ- فكفَّتْ أُمُّهُ عَنْهُ (٢). * تَعْذِيبُ النَّهْدِيَّةِ وبِنْتِهَا: مِنَ الذِينَ عُذِّبُوا امْرَأَةٌ يُقالُ لَهَا: النَّهْدِيَّةُ وبِنْتُهَا، وكانتا لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَمَرَّ بِهِمَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، وقَدْ بَعَثَتْهُمَا سَيِّدَتُهُمَا بِطَحِينٍ لَهَا، وهِيَ تَقُولُ: واللَّهِ لا أُعْتِقُكُمَا أبَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: حِلْ يَا أُمَّ فُلانٍ (٣)، فَقالَتْ: حِلْ، أَنْتَ أفْسَدْتَهُمَا فَأعْتِقْهُمَا، قَالَ: قَدِ ابْتَعْتُهُمَا (٤)، وهُمَا حُرَّتَانِ (٥). * تَعْذِيبُ سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ ﵁ -: وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ -يُوثِقُ سَعِيدَ بنَ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ ﵁ ويُعَذِّبُهُ عَلَى إسْلَامِهِ.

стр. 260

رَوى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: واللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي (١) وإنَ عُمَرَ لَمُوثِقِي (٢) عَلَى الإِسْلامِ وقَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ (٣). * تَعْذِيبُ جَارِيَةِ بَنِي مُؤَمَّلٍ: مِنَ الذِينَ عُذِّبُوا جَارِيَةٌ لِبَنِي مُؤَمَّلٍ -وهُمْ حَيٌّ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ- وَكَانَ الذِي يُعَذِّبُهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ وَكَانَ عَلَى الشِّرْكِ، فَيُعَذِّبُهَا حتَّى يَمَلَّ، فيَقُولُ لَهَا: إنِّي اعْتَذِرُ إلَيْكِ، إنِّي لَمْ أتْرُكْكِ إِلَّا مَلَالَةً، فتَقُولُ ﵁: كذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ (٤). * تَعْذِيبُ بِلالِ بنِ رَبَاحٍ ﵁ -: وَكَانَ بِلالُ بنُ رَبَاحٍ ﵁، مَوْلَى لِبَعْضِ بَنِي جُمَحٍ، يُخْرِجُهُ سَيِّدُهُ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ- إِذَا حَمِيَتِ الشَّمْسُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ، فَيَطْرَحُهُ عَلَى ظَهْرِهِ في بَطْحَاءَ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ، فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَزَالُ هَكَذَا حتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، وتَعْبُدَ اللَّاتَ والعُزَّى، فيَقُولُ وهُوَ في ذَلِكَ البَلَاءَ: أَحَدٌ أَحَدٌ (٥).

стр. 261

قَالَ الشَّيخُ عَلِي الطَّنْطاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وتَشْغَلُهُ لَذَّةُ المُنَاجَاةِ، عَنْ لَذْعَةِ العَذَابِ، ونَشْوَةُ الأمَلِ بالجَنَّةِ، عَنْ شِقْوَةِ الألَمِ فِي الدُّنْيَا (١). * رِوَايَةٌ ضعِيفَةٌ: وَأَمَّا ما رَواهُ ابنُ إسْحَاقَ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ وَرَقَةُ بنُ نَوْفَلٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ -أيْ عَلَى بِلالٍ ﵁ وهُوَ يُعَذَّبُ، وهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، . . . فَقَالَ وَرَقَةُ لِأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ: لَئِنْ قتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا -أيْ عَلَى الإِسْلامِ- لَأتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا (٢). قال الحَافِظُ ابنُ كثِيرٍ بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ: وفِيهِ نَظَرٌ (٣). وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: هذا مُرْسَلٌ، ووَرَقَةُ لَوْ أدْرَكَ هَذَا لَعُدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا مَاتَ الرَّجُلُ في فترَةِ الوَحْي بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وقَبْلَ الرِّسَالَةِ، كَمَا في الصَّحِيحِ (٤). * تَعْذِيبُ آل يَاسِرٍ ﵃: كَانَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ وأُمُّهُ وأبُوهُ ﵃، مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ الذِينَ يُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ لِيَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ، وعَلَى رَأْسِهِمْ أَبُو جَهْلٍ

стр. 262

لَعَنَهُ اللَّهُ يَخْرُجُونَ بِهِمْ إِلَى الأَبْطُحِ إِذَا حَمِيَتِ الرَّمْضَاءُ، فَيُعَذِّبُونَهُمْ بِحَرِّهَا، فَمَرَّ بهم رسُولُ اللَّه ﷺ ، وهُمْ يُعَذَّبُونَ فقال: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فإنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ" (١). فَمَاتَ ياسِرٌ في العَذَابِ، وَأَمَّا سُمَيَّةُ أُمّ عَمَّارٍ فَطَعَنَهَا أَبُو جَهْلٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ- بِحَرْبَةٍ في قُبُلِهَا فَمَاتَتْ، وهِيَ أوَّلُ شَهِيدَةٍ في الإِسْلامِ (٢) وَأَمَّا عَمَّارٌ ﵁ فنَزَلَ عَلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ بالعَذَابِ الشَّدِيدِ بالحَرْقِ تَارَةً، وبالتَغْرِيقِ تَارَةً أُخْرَى، ولَمْ يَزَلِ المُشْرِكُونَ يُعَذِّبُونَهُ حتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ فترَكُوهُ، فأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وهُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ رسُولُ اللَّه ﷺ يَمْسَحُ عَنْ عَيْنَيْهِ، ويَقُولُ له: "مَا وَرَاءَكَ؟ " قال شَرٌّ يا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُرِكْتُ حتَّى نِلْتُ مِنْكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : "كيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ مُطْمَئِنًّا بالإيمَانِ، فقَالَ لَهُ ﷺ : "إِنْ عَادُوا فَعُدْ"، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٣).

стр. 263

قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالِيَ المُكْرَهُ عَلَى الكُفْرِ، إبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ (١)، ويَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلالٌ ﵁ يَأْبى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وهُمْ يَفْعَلُونَ بهِ الأفَاعِيلَ، حتَّى إِنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ باللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ، وهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ أغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، ﵁ وأرْضَاهُ، وكذَلِكَ حَبِيبُ بنُ زَيْدٍ الأنْصَارِيُّ ﵁ (٢) لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ: أتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إِرَبًا إرَبًا (٣) وهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والأَفْضَلُ والأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ المُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، ولَوْ أَفْضَى إِلَى قتلِهِ (٤).

стр. 264

* تَعْذِيبُ أَبِي فكَيْهَةَ ﵁ - (١): وَكَانَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يُخْرِجُونَ أَبَا فكَيْهَةَ ﵁ نِصْفَ النَّهَارِ في حَرٍّ شَدِيدٍ، وهُوَ مُقَيَّدٌ بالحَدِيدِ، فيَبْطَحُونَهُ في الرَّمْضَاءِ، ويَضَعُونَ الصَّخْرَةِ عَلَى ظَهْرِهِ حتَّى لا يَعْقِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حتَّى هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ في الهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ (٢). * تَعْذِيبُ خَالِدِ بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ ﵁ -: مِنَ الذِين عُذِّبُوا خَالِدُ بنُ سَعِيدِ بنِ العَاصِ ﵁، وَكَانَ يَلْزَمُ رسُول اللَّه ﷺ ، ويُصَلِّي في نواحِي مَكَّةَ خَالِيًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَا أُحَيْحَةَ فَدعَاهُ فكلَّمَهُ أَنْ يَدَعَ ما هُوَ عَلَيْهِ، فقال خَالِدٌ: لا أدعُ دِينَ مُحَمَّدٍ حتَّى أمُوتَ عَلَيْهِ، فضَرَبَهُ أَبُو أُحَيْحَةَ بِقَرَّاعَةٍ (٣) في يَدِهِ حتَّى كَسَرَها عَلَى رَأْسِهِ، ثُمّ أمَرَ بهِ إلى الحَبْسِ، وضَيَّقَ عَلَيْهِ، وأجَاعَهُ وأعْطَشَهُ، حتَّى لقَدْ مَكَثَ في حَرِّ مَكَّةَ ثَلاثًا ما يَذُوقُ مَاءً، فَرَأَى خَالِدٌ فُرْجَةً فَخَرَجَ، فتَغَيَّبَ عَنْ أبِيهِ في نَوَاحِي مَكَّةَ حتَّى هَاجَرَ إلى الحَبَشَةِ في الهِجْرَةِ الثَّانِيَة (٤).

стр. 265

* تَعْذِيبُ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ ﵁ -: مِنَ الصَّحَابَةِ المُسْتَضْعَفِينَ الذِينَ عُذِّبُوا في مَكَّةَ صُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ ﵁. رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَالَ: كَانَ صُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الذِينَ كَانُوا يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ بِمَكَّةَ (١). * مِحْنَةُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ مَعَ أُمِّهِ: أَمَّا سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، فإنَّ أُمَّهُ (٢) حَلفَتْ أَنْ لا تُكَلِّمَهُ أبَدًا حتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وقالَتْ لَهُ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أوْصَاكَ بِوَالِدَيْكَ، وأنَا أُمُّكَ وأنَا آمُرُكَ بِهَذَا، لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذَا أَوْ لا آكُلُ ولا أَشْرَبُ حتَّى أمُوتَ، فتعَيَّرُ بِي فيُقَالُ: يا قَاتِلَ أُمِّهِ. فَقَالَ سَعْدٌ ﵁: لا تَفْعَلِي يَا أُمَّهْ! فإنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، فمَكَثَتْ ثَلاثًا لَمْ تَأْكُلْ حتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الجَهْدِ، فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ سَعْدٌ ﵁، قَالَ: يَا أُمَّهْ! واللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا، ما ترَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي. فَلَمَّا رَأَتْ مِنْهُ الجِدَّ أكَلَتْ. فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ

стр. 266

بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢). * تَعْذِيبُ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ ﵁ -: أَمَّا أشَدُّ مَنْ عُذِّبَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ ﵁، وَكَانَ ﵁ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، قال عَنْ نَفْسِهِ ﵁: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا أخَذُونِي فَأَوْقَدُوا لِي نَارًا ثُمَّ سَلَقُونِي (٣) فِيهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي، فمَا اتَّقَيْتُ الأرْضَ إِلَّا بِظَهْرِي، قَالَ: ثُمَّ كُشِفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرَصَ (٤). وفي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُوقِدُونَ لَهُ نَارًا فَمَا يُطْفِئُهَا إِلَّا وَدَكُ (٥) ظَهْرِهِ (٦). وَرَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَارِثَةَ بنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ، وقَدِ اكْتَوَى في بَطْنِهِ، فَقَالَ: ما أَعْلَمُ أحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ مِنَ البَلاءِ مَا لَقِيتُ (٧).

стр. 267

ولَمَّا مَرَّ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى قَبْرِهِ، وهُوَ مُنْصَرِفٌ مِنْ صِفِّينَ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ خَبَّابًا أسْلَمَ رَاغِبًا، وهَاجَرَ طَائِعًا، وعَاشَ مُجَاهِدًا، وابْتُلِيَ في جِسْمِهِ أحْوَالًا، ولَنْ يُضِيعَ اللَّهُ أَجْرَهُ (١). وقَائِمَةُ المُعَذَّبِينَ في اللَّهِ طَوِيلَةٌ ومُؤْلمَةٌ جِدًّا، فَمَا مِنْ أحَدٍ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ إِلَّا تَصَدَّوْا لَهُ وآذَوْهُ. قَالَ الشَّيْخُ عَلِيّ الطَّنْطَاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: احْتَمَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ الضَّرْبَ، والجَرْحَ، والحَرْقَ، والجُوعَ، والسَّهَرَ، واسْتَحْلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ المَرَائِرَ، واسْتَحَبُّوا بَعْضَ المَكَارِهِ إلى النُّفُوسِ إِنْ كَانَ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى (٢). فَلَمْ تَلْقَ قُرَيْشٌ نَجَاحًا في صَرْفِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنْ دِينِهِمْ. قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد سَعِيد رَمَضَان البُوطِي: أوَّلُ ما قَدْ يَخْطُرُ في بَالِ المُتَأَمِّلِ، حِينَمَا يَرَى قِصَّةَ ما لَقِيَهُ رسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحَابُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِنْ صُنُوفِ الإيذَاءِ والعَذَابِ، هُوَ أَنْ يَتَسَاءَلَ: فِيمَ هَذَا العَذَابُ الذِي لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُهُ وهُمْ عَلَى حَقٍّ؟ ولِمَاذَا لَمْ يَعْصِمْهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، وهُمْ جُنُودُهُ

стр. 268

وفيهِمْ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَ إلى دِينِهِ، ويُجَاهِدُونَ في سَبِيلِهِ؟ . والجَوَابُ: مِنْ أجْلِ إظْهَارِ صِدْقِ الصَّادِقِينَ، وَكَذِبِ الكَاذِبِينَ، فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ لِدَعْوَى الإِسْلامِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، لاسْتَوَى الصَّادِقُ والكَاذِبُ، ولَكِنَّ الفِتْنَةَ والِابْتِلَاءَ، هُمَا المِيزَانُ الذِي يُمَيِّزُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ (١). * * *

стр. 269

إِعْتَاقُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أَمَّا وَاهِبُ الحُرِّيَّاتِ ومُحَرِّرُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهُوَ الذِي عُرِفَ بَيْنَ قَوْمِهِ بأنَّهُ يَكْسِبُ المَعْدُومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (١)، لَمْ يَنْغَمِسْ في إثْمٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِ، مَأْلُوفٌ في قَوْمِهِ، يَسِيلُ قَلْبُهُ رِقَّةً ورَحْمَةً عَلَى الضُّعَفَاءَ والأرِقَّاءَ، أنْفَقَ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ مَالِهِ في شِرَاءَ العَبِيدِ، وعِتْقِهِمْ للَّهِ، وفي اللَّهِ، ذَلِكُمُ المُحَرِّرُ لِلْعَبِيدِ هُوَ صِدِّيقُ هَذِهِ الأمَّةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ (٢). * ومِنْ هَؤُلاءِ الكِرَامِ الذِينَ أَعْتَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ -: ١ - بِلالُ بنُ رَبَاحٍ ﵁: فَقَدْ رَوى ابنُ إسْحَاقٍ أَنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ مَرَّ عَلَى أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وهُوَ يُعَذِّبُ بِلَالًا ﵁، فَقَالَ لهُ أَبُو بَكْرٍ: ألَا تَتَّقِي اللَّهَ في هَذَا المِسْكِينِ؟ حتَّى مَتَى؟ قال: أَنْتَ الذِي أفْسَدْتَهُ فأنْقِذْهُ مِمَّا تَرَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أفْعَلُ،

стр. 270

عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ (١) منهُ وأقْوَى، عَلَى دِينِكَ، أُعْطِيكَهُ بِهِ. قَالَ أُمَيَّةُ: قَدْ قَبِلْتُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: هُوَ لَكَ، فأعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ غُلَامَهُ ذَلِكَ، وأخَذَ بِلالًا ﵁، فَأَعْتَقَهُ (٢). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ (٣) عَنْ مَعْمَرِ بنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: كَانَ بِلالٌ ﵁ لِأَيْتَامِ أَبِي جَهْلٍ، فَعَذَّبَهُ، فَبعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا، فقَالَ له: اشْتَرِ بِلالًا، فَأَعْتِقْهُ (٤) وفي رِوَايَةِ ابنِ أَبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ، قال: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا بِخَمْسِ أوَاقٍ، قالُوا: لَوْ أَبَيْتَ إِلَّا أُوقِيَّةً لَبِعْنَاكَهُ، فَقَالَ ﵁: لَوْ أبَيْتُمْ إِلَّا مِائَةَ أُوقِيَّةٍ لَأَخَذْتُهُ (٥). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ بأنَّ كُلًّا مِنْ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ،

стр. 271

وأبِي جَهْلٍ كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا، ولَهُمَا نَصِيبٌ فِيهِ (١). رَوى الإمامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وأعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا (٢). ٢ - أَبُو فكَيْهَةَ ﵁ اشْتَرَاهُ، وأَعْتَقَهُ. ٣ - عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁ اشْترَاهُ، وأعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ، وقَدْ شَهِدَ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ غَزْوَةَ بَدْرٍ، وأُحُدٍ، وقُتِل في فَاجِعَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا سنة أَرْبَعٍ لِلْهِجْرَةِ. ٤ - زَنِّيرَةُ اشْتراهَا، وأعْتَقَهَا. ٥ - جَارِيَةُ بَنِي مُؤَمَّلٍ، وَكَانَ الذِي يُعَذِّبُهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فاشْترَاهَا، وأعْتَقَهَا. ٦ - النَّهْدِيَّةُ وابْنَتُهَا، وكانَتَا لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَمَرَّ بِهِمَا، فاشْتَرَاهُمَا، وأعْتَقَهُمَا (٣). * إِنَّمَا أُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ: ولَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ مَحْمَدَةً، ولا جَاهًا، وَلا

стр. 272

دُنْيَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ذِي الجَلَالِ والإكْرَامِ. رَوى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قال: قَالَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ: يا بُنَيَّ إنِّي أرَاكَ تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أنَّكَ إذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ، ويَقُومُونَ دُونَكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يا أبَتِ إنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ، للَّهِ ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فيه ﵁: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ نَزَلَتْ في أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، حتَّى إِنَّ بَعْضَهُم حَكَى الإجْمَاعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ، ولا شَكَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهَا، وأَوْلَى الأمَّةِ بِعُمُومِهَا، فإنَّ لفظَهَا لفظُ العُمُومِ، وهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)

стр. 273

الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾، ولَكنَّهُ مُقَدَّمُ الأمَّةِ، وسَابِقُهُمْ في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصَافِ، وسَائِرِ الأوْصَافِ الحَمِيدَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوَادًا بَذَّالًا لِأَمْوَالِهِ فِي طَاعَةِ مَوْلاهُ، ونُصْرَةِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَمْ مِنْ دَرَاهِمَ ودَنَانِيرَ بَذَلَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ ربِّهِ الكَرِيمِ، ولَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُكَافِئَهُ بِهَا، ولَكِنْ كَانَ فَضْلُهُ وإحْسَانُهُ عَلَى السَّادَاتِ والرُّؤَسَاءِ مِنْ سَائِرِ القَبَائِلِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيُّ ﵁ (١) وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ، يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ عَلَى الكُفْرِ مَا أَسْلَمَ بَعْدُ-: أمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ كَانَتْ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ (٢)، وَكَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ قَدْ أغْلَظَ لَهُ فِي المَقَالَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ مَعَ سَادَاتِ العَرَبِ ورُؤَسَاءِ القَبَائِلِ، فكَيْفَ بِمَنْ عَدَاهُمْ؟ . وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٣).

стр. 274

* أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالقُرْآنِ: ومَعَ كُلِّ هَذِهِ الابْتِلَاءَاتِ التِي تَعَرَّضَ لَهَا الصَّحَابَةُ ﵃، إِلَّا أَنَّ الحَمَاسَ فِيهِمْ كَانَ عَظِيمًا لِدَعْوَةِ اللَّهِ ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُوُنوا يَجْرُؤُونَ عَلَى الجَهْرِ بالقُرْآنِ أَمَامَ قُرَيْشٍ، وأَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بالقُرْآنِ بِمَكَّةَ بَعْدَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁، وَكَانَ رَجُلًا ضَعِيفًا رَقِيقًا، ولَكِنَّهُ فِي المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ أثْقَلُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ (١). وَكَانَ ﵁ مِنْ أوَائِلِ مَنْ أسْلَمَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ سِتَّةٍ مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُنَا (٢). رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مُرْسَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ اجْتَمَعَ يومًا أصْحَابُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالُوا: واللَّهِ ما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا القُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ؟ .

стр. 275

فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ: أنَا، قَالُوا: إنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ مِنَ القَوْمِ إِنْ أرَادُوهُ، قَالَ: دَعُونِي فإنَّ اللَّهَ سَيَمْنَعُنِي، قَالَ: فَغَدَا ابنُ مَسْعُودٍ حتَّى أَتَى المَقَامَ في الضُّحَى، وقُرَيْشٌ في أنْدِيَتِهَا، فَقَامَ عِنْدَ المَقَامِ، ثُمَّ قَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَافِعًا صَوْتَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ قَالَ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا يَقْرَأُ فِيهَا، قَالَ: وتَأَمَّلُوهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَا يَقُولُ ابنُ أُمِّ عَبْدٍ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: إنَّهُ لَيَتْلُو بَعْضَ ما جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ في وَجْهِهِ، وجَعَلَ يَقْرَأُ حتَّى بلَغَ ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وقَدْ أثَّرُوا في وَجْهِهِ، فقَالُوا لَهُ: هَذَا الذِي خَشِينَا عَلَيْكَ، فقَالَ: ما كَانَ أعْدَاءُ اللَّهِ أهْوَنَ عَلَيَّ مِنْهُمْ الآنَ، ولَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنَّهُمْ بِمِثْلِهَا، قَالُوا: حَسْبُكَ فَقَدْ أسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ (١). ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ ﵁ قَالَ: مَا أعْرِفُ أحَدًا أقْرَبَ سَمْتًا (٢) وَهَدْيًا (٣) وَدَلًّا (٤) بِالنَّبِيِّ ﵁ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ (٥).

стр. 276

* اشْتِدَادُ أَذَى قُرَيْشٍ: واشْتَدَّتْ ضَرَاوَةُ المُشْرِكِينَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، حتَّى سَامُوهُمْ أَلْوَانًا مِنَ العَذَابِ فكانُوا يَأْخُذُونَهُمْ، ويُلْبِسُونَهُمْ أدْرَاعَ الحَدِيدِ، ثُمَّ يَصْهَرُونَهُمْ في الشَّمْسِ (١). رَوَى ابنُ إسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ: أكَانَ المُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أصْحَابِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ في تَرْكِ دِينِهِمْ؟ قال: نَعَمْ واللَّهِ، إِنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أحَدَهُمْ، ويُجِيعُونَهُ، ويُعَطِّشُونَهُ حتَّى ما يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الذِي نَزَلَ بِهِ، حَتَّى يُعْطِيَهُمْ ما سَأَلُوهُ مِنَ الفِتْنَةِ، حتَّى يَقُولُوا له: اللَّاتُ والعُزَّى إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، حتَّى إِنَّ الجُعْلَ (٢) لَيَمُرُّ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَهَذَا الجُعْلَ إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، افْتِدَاءً مِنْهُمْ مِمَّا يَبْلُغُونَ مِنْ جَهْدِهِ (٣). * شَكْوَى الصَّحَابَة ﵃ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: فلَمَّا طَالَ العَذَابُ عَلَى المُسْلِمِينَ ذَهَبَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ ﵁ إِلَى رسُولِ

стр. 277

اللَّهِ ﷺ يَسْتَنْجِدُ بِهِ مِنْ هَذَا العَذَابِ، فَيَضْرِبُ لَهُمْ الرَّسُولُ ﷺ الأمْثَالَ، ويَعِظُهُمْ ويُذَكِّرُهُمْ، فَيَرْجِعُونَ رَاضِينَ مُطْمَئِنِّينَ صَابِرِينَ عَلَى البَلَاءِ. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ ﷺ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: ألَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ ألَا تَدْعُو لَنَا (١)؟ . فَقَالَ ﷺ : "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ (٢) يُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ، فيجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فيشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، ومَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، ومَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ (٣) حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صنْعَاءَ (٤) إِلَى حَضْرَمَوْتٍ لا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (٥).

стр. 278

قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ رسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجْمَعْ أصْحَابَهُ عَلَى مَغْنَمٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ، إنَّهُ أزَاحَ الغِشَاوَةَ عَنِ الأعْيُنِ، فأبْصَرَتِ الحَقَّ الذِي حُجِبَتْ عَنْهُ دَهْرًا، ومَسَحَ الرَّانَ عَنِ القُلُوبِ، فَعَرَفَتِ اليَقِينَ الذِي فُطِرَتْ عَلَيْهِ، وحَرَمَتْهَا الجَاهِلِيَّةُ مِنْهُ. إنَّهُ وصَلَ البَشَرَ بِرَبِّهِمْ، فرَبَطَهُمْ بِنَسَبِهِمُ العَرِيقِ، وسَبَبِهِمُ الوَثِيقِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ حَيَارَى مَحْسُورِينَ، إنَّهُ وازَنَ للنَّاسِ بَيْنَ الخُلُودِ والفَنَاءِ، فآثَرُوا الدَّارَ الآخِرَةَ عَلَى الدَّارِ الزَّائِلَةِ، وخَيَّرَهُمْ بَيْنَ أصْنَامٍ حَقِيرَةٍ وإِلَهٍ عَظِيمٍ، فازْدَرَوا الأوْثَانَ المَنْحُوتَةَ، وتَوَجَّهُوا لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ. وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُثُّ عَنَاصِرَ الثِّقَةِ في قُلُوبِ رِجَالِهِ، ويُفِيضُ عَلَيْهِمْ ما أفَاضَهُ اللَّهُ عَلَى فؤادِهِ مِنْ أمَلٍ رَحِيبٍ في انْتِصَارِ الإِسْلَامِ، وانْتِشَارِ مَبَادِئِهِ وزَوَالِ سُلْطَانِ الطُّغَاةِ أَمَامَ طَلَائِعِهِ المُظَفَّرَةِ في المَشَارِقِ والمَغَارِبِ (١). * * *

стр. 279

اسْتِهْزَاءُ المُشْرِكِينَ بالنَّبيِّ ﷺ - كَانَتْ تِلْكَ الاعْتِدَاءَاتُ بالنِّسْبَةِ للمُسْلِمِينَ ولا سِيَّمَا المُسْتَضْعَفِينَ مِنْهُمْ، أَمَّا بالنِّسْبَةِ إِلَى رسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا شَهْمًا وَقُورًا، ذَا شَخْصِيَّةٍ فَذَّةٍ تَتَعَاظَمُهُ نُفُوسُ الأعْدَاءِ والأصْدِقَاءِ بِحَيْثُ لا يُقَابَلُ مِثْلُهَا إِلَّا بالإِجْلالِ والتَّشْرِيفِ مِنْ قِبَلِ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ، وكان مَعَ ذَلِكَ في مَنَعَةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. لِذَلِكَ لَمْ تَسْتَطِعْ قُرَيْشٌ -بَادِئَ الأمْرِ- أَنْ تَبْطِشَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وتَعْتَدِيَ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَتْ بِالمُسْلِمِينَ، فجَعَلُوا يَهْمِزُونَهُ ويَسْتَهْرئُونَ بهِ ويُخَاصِمُونَهُ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِ المُسْتَهْزِئِينَ: أَبُو لَهَبٍ عَمُّهُ، وعُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، والحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ، والأسْوَدُ بنُ المُطَّلِبِ أَبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ، والعَاصُ بنُ وَائِلٍ، وأَبُو جَهْلِ بنِ هِشَامٍ (١). * عَدَاوَةُ أُمِّ جَمِيلٍ زَوْجَةِ أَبِي لَهَبٍ: رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، أَقْبَلَتِ

стр. 280

الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ (١)، وَهِيَ تَقُولُ: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا ... ودِينَهُ قَلَيْنَا (٢) وأمْرَهُ عَصَينَا وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَالَ: يَا رسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَقْبَلَتْ وأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فقَالَ ﷺ : "إنَّهَا لَنْ تَرَانِي"، وقَرَأَ قُرآنا فَاعْتَصَمَ بِهِ كَمَا قَالَ، وقَرَأَ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٣). فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَي أُخْبِرْتُ أَنَ صَاحِبَكَ هَجَانِي، فَقَالَ ﵁: وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ "مَا هَجَاكِ، فَوَلَّتْ، وَهِيَ تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا (٤) وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِشَوَاهِدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، جَاءَتَ امْرَأَةُ أَبِي

стр. 281

لَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا امْرَأَةٌ بَذِيئَةٌ (١)، وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَكَ، فَلَوْ قُمْتَ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي" فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، قَالَ: لَا، وَمَا يَقُولُ الشِّعْرَ، قَالَتْ: أَنْتَ عِنْدِي مُصَدَّقٌ، وَانْصَرَفَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ تَرَكَ؟ قَالَ ﷺ : "لَا، لَمْ يَزَلْ مَلَكٌ يَسْترنِي عَنْهَا بِجَنَاحِهِ" (٢). وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رسُولَ اللَّه ﷺ مذَمَّمًا ثُمَّ يَسُبُّونَهُ، فكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ألَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهُمْ، يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا، ويَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وأنَا مُحَمَّدٌ" (٣). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ الكُفَّارُ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ شِدَّةِ كَرَاهِيَتَهِمْ فِي النَّبِيِّ ﷺ لا يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ الدَّالِّ عَلَى المَدْحِ فَيَعْدِلُونَ إِلَى ضِدِّهِ، فَيَقُولُونَ مُذَمَّمٌ، وَإِذَا ذَكَرُوهُ بِسُوءٌ قَالُوا: فَعَلَ اللَّهُ بِمُذَمَّمٍ، وُمذَمَّمٌ لَيْسَ هُوَ اسْمُهُ، ولا يُعْرفُ بِهِ فكَانَ الذِي يَقَعُ مِنْهُمْ في ذَلِكَ مَصْرُوفًا إِلَى غَيْرِهِ (٤). * شِدَّةُ عَدَاوَةِ أَبِي لَهَبٍ لِلرَّسُولِ ﷺ -: أَمَّا زَوْجُهَا أَبُو لَهَبٍ فَقَدْ بَلَغَ مِنْ أمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتْبَعُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي

стр. 282

الأسْوَاقِ، والمَجَامِعِ، ومَوَاسِمِ الحَجِّ، ويُكَذِّبُهُ، فَقَدْ روَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ عِبَادٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي المَجَازِ يَقُولُ: "يا أيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا"، وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا (١)، والنَّاسُ مُقْتَصُّونَ (٢) عَلَيْهِ، وورَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الوَجْهِ ذَا غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ إنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الذِي يُكَذِّبُهُ؟ قَالُوا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (٣). وفِي رِوَايَةِ ابنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، قَالَ: ورَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بالحِجَارَةِ، وقَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ (٤) وكَعْبَيْهِ (٥). * شِدَّةُ عَدَاوَةِ عُتَيْبَةَ (٦) بنِ أَبِي لَهَبٍ: وتَسَلَّطَ عُتَيْبَةُ بنُ أَبِي لَهَبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأَذَى، وشَقَّ قَمِيصَهُ،

стр. 283

فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا (١) مِنْ كِلَابِكَ". فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ رسُولهِ ﷺ ، فَخَرَجَ عُتَيْبَةُ فِي قَافِلَةٍ إِلَى الشَّامِ، فنَزَلَ مَنْزِلًا، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إنِّي أخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ، قَالُوا لَهُ: كَلَّا، فَحَطُّوا مَتَاعَهُمْ حَوْلَهُ، وقَعَدُوا يَحْرُسُونَهُ، فجَاءَ الأسَدُ وهَجَمَ عَلَيْهِ، فَقتَلَهُ (٢). * أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ وهَمْزُهُ لِلرَّسُولِ ﷺ -: وَكَانَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ إِذَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَمَزَهُ (٣) ولَمَزَهُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٤). تَعْكِسُ هَذِهِ السُّورَةُ صُورَةً مِنَ الصُّوَرِ الوَاقِعِيَّةِ في حَيَاةِ الدَّعْوَةِ فِي عَهْدِهَا الأَوَّلِ، وهِيَ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ نَمُوذَجٌ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ بِيئَةٍ. . . صورَةُ اللَّئِيمِ الصَّغِيرِ

стр. 284

النَّفْسِ، الذِي يُؤْتَى المَالَ فَتُسَيْطِرُ نَفْسُهُ بِهِ، حَتَّى مَا يُطِيقُ نَفْسَهُ! ويَرُوحُ يَشْعُرُ أَنَّ المَالَ هُوَ القِيمَةُ العُلْيَا فِي الحَيَاةِ. القِيمَةُ التِي تَهُونُ أمَامَهَا جَمِيعُ القِيَمِ وجَمِيعُ الأقْدَارِ. أقْدَارُ النَّاسِ، وأقْدَارُ المَعَانِي. وأقْدَارُ الحَقَائِقِ. وأنَّهُ وقَدْ مَلَكَ المَالَ فَقَدْ مَلَكَ كَرَامَاتِ النَّاسِ وأقْدَارَهُمْ بِلَا حِسَابٍ. ومِنْ ثَمَّ يَنْطَلِقُ في هَوَسٍ (١) بِهَذَا المَالِ يَعُدُّهُ ويَسْتَلِذُّ تَعْدَادَهُ، وتَنْطَلِقُ فِي كَيَانِهِ نَفْخَةٌ فَاجِرَةٌ، تَدْفَعُهُ إلى الاسْتِهَانَةِ بأقْدَارِ النَّاسِ وكَرَامَتِهِمْ، ولَمْزِهِمْ وهَمْزِهِمْ. . . يَعِيبُهُمْ بِلِسَانِهِ ويَسْخَرُ مِنْهُمْ بِحَرَكَاتِهِ. سَوَاءً بِحِكَايَةِ حَرَكَاتِهِمْ وأصْوَاتِهِمْ، أَوْ بِتَحْقِيرِ صِفَاتِهِمْ وسِمَاتِهِمْ. . . وبالقَوْلِ والإشَارَةِ، بالغَمْزِ واللَّمْزِ، باللَّفْتَةِ السَّاخِرَةِ والحَرَكَةِ الهَازِئَةِ! . وهِيَ صُورَةٌ لَئِيمَةٌ حَقِيرَةٌ مِنْ صُوَرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ حِينَ تَخْلُو مِنَ المُرُوءَةِ وتَعْرَى مِنَ الإيمَانِ. والإسْلَامُ يَكْرَهُ هَذِهِ الصُّورَةَ الهَابِطَةَ مِنْ صُوَرِ النُّفُوسِ بِحُكْمِ تَرَفُّعِهِ الأخْلَاقِيِّ، وقَدْ نَهَى عَنِ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والعَيْبِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى. إِلَّا أَنَّ ذِكْرَهَا هُنَا بِهَذَا التَّشْنِيعِ والتَّقْبِيحِ مَعَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، يُوحِي بأنَّهُ كَانَ يُوَاجِهُ حَالَةً وَاقِعِيَّةً مِنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ تِجَاهَ الرَّسُولِ ﷺ وتِجَاهَ المُؤْمِنِينَ. . فَجَاءَ الرَّدُّ عَلَيْهَا في صُورَةِ الرَّدْعِ الشَّدِيدِ، والتَّهْدِيدِ الرَّعِيبِ (٢).

стр. 285

* مُجَادَلةُ أُبِيِّ بنِ خَلَفٍ: أَمَّا أَخُوهُ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ (١) فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَظْمٍ بَالٍ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرِمَ (٢)، ثُمَّ فتَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ نَفَخَهُ نَحْوَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ أنَا أقُولُ ذَلِكَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ وإِيَّاكَ بَعْدَمَا تَكُونَانِ هَكَذَا، ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ. فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣). رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ يَوْمًا، فَقَالَ: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وبُرْهَانًا ونَجَاةً يَوْمَ
следующие страницы →