← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ (١). وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا المُرَادِ مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ ﵁ أَنَّهُ جَرَتْ قِصَّة مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ ﵁ بِالشَّامِ، فَقَالَ عُبَادَةُ ﵁: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالكَسَلِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ الحَقَّ، وَلَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ، فنَمنَعُهُ مِمَّا نَمنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا، وَأَزْوَاجَنَا، وَأَبْنَاءَنَا، وَلَنَا الجَنَّةُ، فَةذ بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التِي بَايَعنَاهُ عَلَيْهَا (٢). فَهَذَا هُوَ الذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ البَيْعَةِ الأوْلَى، ثُمَّ صَدَرَتْ مبايَعَات أُخْرَى، مِنْهَا هَذِهِ البَيْعَةُ التِي فِي حَدِيثِ البَابِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الفَوَاحِشِ المَذْكُورَةِ، وَالذِي يُقَوِّي أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ الآيَةُ التِي فِي المُمتَحِنَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).

стр. 562

وَنُزُولُ هذِهِ الآيَةِ مُتَأَخِّرٌ بَعْدَ قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ ﵁ هَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَايَعَهُم قَرَأَ الآيَةَ كُلَّهَا (١)، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: فتَلَا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ قَالَ: ﴿. . . أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (٢). وَللطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ عُبَادَةُ ﵁: بَايَعنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ولمُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُبَادَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ (٣). فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ هذِهِ البَيْعَةَ إِنَّمَا صَدَرَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، بَلْ بَعْدَ صُدُورِ البَيْعَةِ، بَلْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، . . . وَإِنَّمَا حَصَلَ الِالْتِبَاسُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ ﵁ حَضَرَ البَيْعَتَيْنِ مَعًا: بَيْعَةَ العَقَبَةَ الأُولَى، وَالبَيْعَةَ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبَةِ مِنْ أَجْلِّ مَا يُمتَدَحُ بِهِ، فَكَانَ يَذْكُرُها إِذَا حَدَّثَ تَنْوِيهًا بِسَابِقَتِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ هذِهِ البَيْعَةَ التِي صَدَرَتْ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ عَقِبَ ذَلِكَ تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ الحَالِ أَنَّ البَيْعَةَ الأوْلَى وَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ -بَأَنَّ بَيْعَةَ العَقَبَةِ الأوْلَى كَانَتْ عَلَى بَيْعَةِ

стр. 563

النِّسَاءِ- وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (١). قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهذَا الذِي ذَكَرَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ هُوَ الذِي يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ، فَهُوَ ﵀ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالقُرآنِ وَتَنَزُّلَاتِهِ، وَالسُّنَةِ وَطُرُقِ الجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَاتِها المُخْتَلِفَةِ، وَبِالسِّيرَةِ وَتَوَارِيخِ الصَّحَابَةِ، وله انْتِقَادَاتٌ كَثِيرَةٌ صَائبةٌ عَلَى ابنِ إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِ مِنْ كتَابِ السِّيَرِ وَتَارِيخِ الرِّجَالِ. وَهذه التَّحْقِيقَاتُ وَالتَّنْبِيهُ إِلَى المَغَالِطِ وَالأوْهامِ فِي الرِّوَايَةِ، هِيَ مِنْ أَهمِّ مَا يُعْنَى بِهِ الدَّارِسُونَ لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي ضَوْءَ القُرْآنِ وَالسُّنَةِ، وَهِيَ قَدْ تَخْفَى عَلَى غَيْرِ المُتَخَصِّصِينَ فِي عُلُومِ القرآنِ وَالسُّنَّةِ وَعُلُومِها، فَالحَمْدُ للَّهِ الذِي هدَانَا لِهَذَا (٢). وَالخُلَاصَةُ: أَنَّ المبايَعَةَ فِي العَقَبَةِ الأوْلَى كَانَتْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَاعَةِ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَفي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَالأمرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وَقَولِ الحَقِّ، وَأَنْ لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى الوَلَاءِ وَالنُّصرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ المَدِينَةَ، وَأَنْ يمنَعُوهُ مِمَّا يَمنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهم وَأَزْوَاجَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ (٣)، وَأَمَّا المُبَايَعَةُ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءَ فَقَد كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.

стр. 564

* أَوَّلُ جُمُعَةٍ (١) جُمِعَتْ فِي المَدِينَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ الجُمُعَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ إِلَى المَدِينَةِ هُوَ: أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵁. فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي بَعدَمَا ذَهبَ بَصَرُهُ، وَكَانَ لَا يَسْمَعُ الأذَانَ بِالجُمُعَةِ إِلَّا قَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، إِنَّهُ لتعجِبُنِي صَلَاتُكَ (٢) عَلَى أَبِي أُمَامَةَ (٣) كُلَّمَا سَمِعتَ الأذَانَ بِالجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمّعَ الجُمُعَةَ بِالمَدِينَةِ فِي حَرَّةِ (٤)

стр. 565

بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: الخَضَمَاتُ (١)، قُلْتُ: وَكَم أَنْتم يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا (٢). * * *

стр. 566

بَعْثُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيرٍ ﵁ إِلَى المَدِينَةِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ لَمَّا انْتَهَى المَوْسِمُ وَانْصَرَفَ القَوْمُ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ شَابًّا مِنْ شَبَابِ المُسْلِمِينَ، السَّابِقِينَ الأوَّلينَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَهُوَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُم القُرآنَ، وَيُعَلِّمَهُمْ الإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَكَانَ مُصْعَبٌ ﵁ يُسَمَّى بِالمَدِينَةِ: المُقْرِئَ. وَكَانَ نُزُولُ مُصْعَبٍ ﵁ بِالمَدِينَةِ عَلَى السَّيِّدِ الجَلِيلِ السَّابِقِ إِلَى الخَيْرِ أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ ﵁ (١). * نَجَاحُ مُصْعَبٍ ﵁ فِي مُهِمَّتِهِ: وَقَدْ نَجَحَ مُصْعَبٌ ﵁ أَيَّمَا نَجَاحٍ فِي نَشْرِ الإِسْلَامِ، وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يتخَطَّى الصِّعَابَ التِي تُوجَدُ دَائِمًا فِي طَرِيقِ كُلِّ نَازِحٍ غَرِيبٍ، يُحَاوِلُ أَنْ يَنْقُلَ النَّاسَ مِنْ مَوْرُوثَاتٍ أَلِفُوها إِلَى نِظَامٍ جَدِيدٍ، يَشْمَلُ الحَاضِرَ وَالمُسْتَقْبَلَ، وَيَعُمَّ الإيمَانَ وَالعَمَلَ، وَالخُلُقَ وَالسُّلُوكَ. . . وَمَا كَانَ مُصْعَبٌ ﵁ يَمْلِكُ مِنْ وَسَائِلِ الإِغْرَاءِ مَا يَطْمَعُ طُلَابُ الدُّنْيَا وَنَهازِي الفُرَصِ، كُلُّ مَا لَدَيْهِ

стр. 567

ثَرْوَةٌ مِنَ الكِيَاسَةِ وَالفِطْنَةِ، قَبَسَهَا (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وِإِخْلَاصٌ للَّهِ، جَعَلَهُ يُضَحِّي بِمَالِ أُسْرَتِهِ وَجَاهِها فِي سَبِيلِ عَقِيدَتِهِ، . . . ثُمَّ هَذَا القُرْآنُ الذِي يَتَأَنَّقُ فِي تِلَاوَيهِ، وَيَتَخَيَّرُ مِنْ رَوَائِعِهِ مَا يَغْزُو بِهِ الألْبَابَ، فَإِذَا الأفْئِدَةُ تَرِقُّ لَهُ، وَتَنْفَتِحُ لِلدِّينِ الجَدِيدِ (٢). * إِسْلَامُ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ وَأُسَيد بنِ حُضَيْرٍ ﵄: وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ مُصْعَبٍ ﵁: سَيِّدَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ: سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ (٣)، وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ (٤) ﵄، وَبِإِسْلَامِهِمَا أَسْلَمَ جَمِيعُ بَنِي

стр. 568

عَبْدِ الأشْهَلِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الأُصَيْرِمِ وَهُوَ عَمْرُو بنُ ثَابِتٍ (١)، فَإِنَّهُ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى يَوْمِ أُحُدٍ، فكَانَتْ أَوَّلَ دَارٍ منْ دُورِ الأنْصَارِ أَسْلَمَتْ بِأَسْرِهَا. رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ أَسْعَدَ بنَ زُرَارَةَ ﵁ خَرجَ بِمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ ﵁ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظفَرٍ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا (٢) مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظفَرٍ، عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ، فَجَلَسَا فِي الحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا رِجَال مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَا بِمُصْعَبِ بنِ عُمَيرٍ ﵁، وَنَشَاطِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ، قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بنِ حُضَيرٍ: لَا أَبَالَكَ، انْطَلِقْ إِلَى هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَينِ قَدْ أتيا دَارَيْنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا، وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّه لَوْلَا أَنَّ أَسْعَدَ بنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمتَ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مَقْدَمًا. فَأَخَذَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِمَا، فلَمَّا رَآه أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ

стр. 569

مُصْعَبٌ: إِنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ. فَجَاءَ أُسَيْدٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا (١)، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إِلَيْنَا تُسَفّهانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إِنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ بِلِسَانِ المُؤْمِنِ الهادِئِ الوَاثِقِ مِنْ سَمَاحَةِ دَعْوَتِهِ: أَوَتَجْلِسُ فتَسْمَعُ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، فَقَالَ: أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ﵁: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَربَتَهُ، وَجَلَسَ إِلَيْهِمَا، فكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالإِسلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ. فَقَالَا -أَيْ مُصْعَبٌ وَأَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵄: وَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الإِسلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فِي إِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ أُسَيْدٌ: مَا أَحَسَنَ هذا الكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُم أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتسِلُ فتَطَّهَرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِن اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا الآنَ: سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ. ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ (٢)، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا، قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ

стр. 570

الوَجْهِ الذِي ذَهبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ عَلَى النَّادِي، قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ . فَقَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهيْتُهُمَا فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ خَرَجُوا إِلَى أسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذِلَك أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابنُ خَالَتِكَ لِيُخْفِرُوكَ (١). فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِر لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الحَرْبَةَ مِنْ يَدِ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنِّينَ، عَرَفَ أَنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ إِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ سعدُ بنُ مُعَاذٍ عَلَى أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ وَمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ مُتَشَمِّتًا، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ القَرَابَةِ مَا رُمْتَ (٢) هَذَا مِنِّي، أتَغْشَانَا فِي دَارِنَا بِمَا نَكْرَهُ؟ . وَكَانَ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ قَدْ قَالَ لِمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ: لقَد جَاءَكَ وَاللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءِهِ مِنْ قَوْمِهِ، إِنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُم اثْنَانِ. فَقَالَ مُصْعَبٌ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: أَوَتَقْعُدَ فتَسْمَعَ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمرًا،

стр. 571

وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا مِنْكَ مَا تَكْرَهُ. فَقَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ الحَرْبَةَ وَجَلَسَ فَعَرَضَ مُصْعَبٌ عَلَيْهِ الإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الزُّخْرُفِ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١). قَالَا -أَيْ مُصْعَبٌ وَأَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ-: فَعَرَفْنَا وَاللَّهِ فِي وَجْهِهِ الإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، لِإِشْرَاقِهِ وِتَسَهُّلِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَنْتُم أَسْلَمْتُمْ، وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ، فتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي، فَقَامَ وَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَائِدًا إِلَى نَادِي قَوْمِهِ، وَمَعَهُ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، فَلَمَّا رَآه قَوْمُهُ مُقْبِلًا قَالُوا: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُم سَعْدٌ بِغَيْرِ الوَجْهِ الذِي ذَهبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ! كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً (٢)، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. قَالَا -أَيْ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵁ وَمُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي

стр. 572

دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً إِلَّا الأُصَيْرِمُ عَمْرُو بنُ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى يَوْمِ أُحُدٍ فَأَسْلَمَ، وَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَلَم يُصَلِّ للَّهِ سَجْدَةً قَطُّ، وَأَخْبَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ (١). وَأَقَامَ مُصْعَبٌ ﵁ فِي مَنْزِلِ أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ يَدعُو النَّاسَ إِلَى الإِسْلَامِ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ (٢). * * *

стр. 573

سَبَبُ تَهَيُّؤِ الأَنْصَارِ لِلإِسْلَامْ قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، نَذْكُرُ سبَبَ سُرعَةِ إِسْلَامِ الأنْصَارِ. سَاعَدَتْ عَلَى سُرعَةِ إِسْلَامِ الأنْصَارِ عِدَّةُ عَوَامِلٍ، هِيَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ وَصُنْعِهِ، كَانَتْ فَارِقَة بَيْنَ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ مَكَّةَ، وَقبائِلِ يَثْرِبَ العَرَبِيَّةِ: ١ - مِنْهَا مَا طَبَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّقَّةِ وَاللِّينِ، وَعَدَمِ المُغَالَاةِ فِي الكِبْرِيَاءَ وَجُحُودِ الحَقِّ، وَذَلِكَ يَرجعُ إِلَى الخَصَائِصِ الدَّمَوِيَّةِ وَالسُّلَالِيَّةِ التِي أَشَارَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَفَدَ وَفْدٌ مِنْ اليَمَنِ، بِقَوْلهِ: "أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَلْيَنُ (١) قُلُوبًا" (٢) وَهُمَا -أَيْ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ- تَرْجِعَانِ فِي أَصْلِهِمَا إِلَى اليَمَنِ، نَزَحَ أَجْدَادُهُمَا مِنْهَا فِي الزَّمَنِ القَدِيمِ. ٢ - وَمِنْهَا أَنَّهُمَا -أَيْ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ- قَدْ أَنْهكَتْهُمَا الحُرُوبُ الدَّاخِلِيَّةُ،

стр. 574

وَمَا يَوْمُ بُعَاثٍ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ اكْتَوَوْا بِنَارِهَا، وَذَاقُوا مَرَارَتَهَا، وَعَافُوهَا، وَنَشَأَتْ فِيهِمْ رَغْبَةٌ فِي اجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ، وَانْتِظَامِ الشَّمْلِ، وَالتّفادِي مِنَ الحُرُوبِ، وَذَلِكَ مَا عَبَّرُوا فِيهِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ وَالشَّرِ مَا بَيْنَهُمْ، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَإِنْ يَجْمَعهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَلَا رَجُلَ أَعَزَّ مِنْكَ (١). وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ (٢). ٣ - وَمِنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا، وَسَائِرَ العَرَبِ قَدْ طَالَ عَهْدُهُم بِالنُّبُوَّاتِ وَالأنْبِيَاءِ، وَأَصْبَحُوا يَجْهَلُونَ مَعَانِيهَا بِطُولِ العَهْدِ، وَبِحُكْمِ الأُمِّيَّةِ وَالإِمْعَانِ فِي الوَثَنِيَّةِ، وَالبُعْدِ عَن الأمَمِ التِي تَنْتَسِبُ إِلَى الأَنْبِيَاءِ، وَتَحْمِلُ الكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ -عَلَى مَا دَخَلَ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيفِ وَالعَبَثِ- وَذَلِكَ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ القُرْآنُ بِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (٣). أَمَّا الأوْسُ وَالخَزْرَجُ فكَانُوا يَسْمَعُونَ اليَهُودَ يتَحَدَّثُونَ عَن النُّبُوَّةِ وَالأنْبِيَاءِ، وَيَتْلُونَ صُحُفَ التَّوْرَاةِ وَيُفَسِّرُونَهَا، بَلْ كَانُوا يتَوَعَّدُونَهُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيبعَثُ نَبِيٌّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، وَفِي

стр. 575

ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١). وَبِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ بَيْنَ أَبْنَاءِ الأوْسِ وَالخَزْرَجِ وَسُكَّانِ المَدِينَةِ مِنَ العَرَبِ المُشْرِكِينَ تِلْكَ الفَجْوَةُ العَمِيقَةُ الوَاسِعَةُ مِنَ الجَهْلِ وَالنُّفُورِ مِنَ المَفَاهِيمِ الدِّينِيَّةِ، وَالسُّنَنِ الإلهِيَّة، التِي كَانَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَجِيرَانِهِم مِنْ العَرَبِ، بَلْ قَدْ عَرَفُوهَا وَأَلِفُوهَا عَنْ طَرِيقِ اليَهُودِ وَأَهْلِ الكِتَابِ، الذِينَ كَانُوا يَخْتَلِطُونَ بِهم بِحُكْمِ البَلَدِ وَالجِوَارِ وَالصُّلْحِ وَالحَرْبِ وَالمُحَالفَاتِ، فَلَمَّا تَعَرَّفُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ حَضَرُوا المَوْسِمَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، ارْتَفَعَتْ الغِشَاوَةُ عَنْ عُيُونِهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ هَذِهِ الدَّعوَةِ عَلَى مِيعَادٍ (٢). * * *

стр. 576

بَيْعَةُ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا اقْتربَ مَوْسِمُ الحَجِّ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ لِلْبِعثَةِ اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ وَسَبعُونَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ فَقَالُوا: حَتَّى مَتَى نَذَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ . فتَوَاعَدُوا عَلَى المَسِيرِ إِلَى الحَجِّ، وَمُلَاقَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجُوا مَعَ حُجَّاجِ قَوْمِهِم مِنْ أَهْلِ الشِّركِ، وَهُمْ خَمْسُمِائَةٍ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ مَعَ الحَجِيجِ فِي مَنَازِلِهِمْ مُسْتَخْفِينَ بِإِسْلَامِهْمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ ﵁، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ جَاءَ مَنْزِلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلًا، وَلَمْ يَقْرَبْ مَنْزِلَهُ، فَجَعَلَ يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن الأنْصَارِ، وَسُرعَتِهِمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَيَقُصُّ عَلَيْهِ خَبَرَ قَبَائِلِ يَثْرِبَ، وَمَا لَهَا مِنْ قُوةٍ وَمَنَعَةٍ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَدَعَا لهُ. ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَ الأَنْصَارِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعُونَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتِّصَالَاتٌ سِرِيَّةٌ أَدَّتْ إِلَى اتِّفَاقِ الفَرِيقَيْنِ عَلَى أَنْ يَتَجَمَّعُوا فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (١) فِي الشِّعبِ (٢) الذِي عِنْدَ العَقَبَةِ حَيْثُ الجَمْرَةُ الأولَى مِنْ مِنًى، لِإِبْرَامِ اتِّفَاقٍ هُوَ مِنْ

стр. 577

أَعْظَمِ، وَأَهَمِّ الِاتِّفَاقِيَّاتِ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ، وَأَنْ يَتِمَّ هَذَا الِاجْتِمَاعُ فِيِ سِرِيَّةٍ تَامَّةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ (١). * سِيَاقُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ: وَلْنَتْرُكْ أَحَدَ قَادَةِ الأنْصَارِ يَصِفُ لَنَا هَذَا الِاجْتِمَاعَ التَّارِيْخِيَّ، الذِي حَوَّلَ مَجْرَى الأيَّامِ فِي صِرَاعِ الوَثَنِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ ﵁: خَرَجْنَا إِلَى الحَجِّ مَعَ حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنْ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنَ المَدِينَةِ. . . قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ، لَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ؟ قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: فَهَلْ تَعرِفَانِ العَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبِ، عَمَّهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَكُنَّا نَعْرِفُ العَبَّاسَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَقْدُمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا. قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا المَسْجِدَ، فَهُوَ الرَّجُلُ الجَالِسُ مَعَ العَبَّاسِ، تَرَكْتُهُ مَعَهُ الآنَ جَالِسًا. قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ ﵁: فَدَخَلْنَا المَسْجِدَ، فَإِذَا العَبَّاسُ جَالِسٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ جَالِسٌ، فَسَلَّمنَا عَلَيْهِمَا، ثُمَّ جَلَسْنَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: "هَلْ تَعرِفُ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يا عَبَّاسُ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، هذَانِ الرَّجُلَانِ مِنَ الخَزْرَجِ -وَكَانَتِ الأنْصَارُ إِنَّمَا تُدْعَى فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْسَهَا وَخْزَرَجَها- هَذَا البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ رِجَالِ

стр. 578

قَوْمِهِ، وَهذَا كَعْبُ بنُ مَالِكٍ. قَالَ كَعْبٌ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "الشَّاعِرُ؟ " (١). قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ. قَالَ كَعْبٌ: . . . وَخَرَجْنَا إِلِى الحَجِّ، فَوَاعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَمَّا فَرعْنَا مِنَ الحَجِّ، وَكَانَت اللَّيْلَةُ التِي وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ حَرَامٍ، أَبُو جَابِرٍ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنَ المُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، ثُمَّ دَعَوْتُهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبَرتُهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَنَا العَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا. قَالَ كَعْبٌ: فَنِمنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا (٢)، حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَهدَأَت الرِّجْلُ (٣)، خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَسَلَّلُ (٤) مُسْتَخْفِينَ تَسَلُّلَ القَطَا (٥)، حَتَّى اجْتَمَعنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ العَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ

стр. 579

وَسَبْعُونَ، فِيهِمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِم وَأَشْرَافِهِم، وَثَلَاثُونَ شَابًّا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا: نُسَيبةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ (١)، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بنِ النَّجَارِ، وَأَسْمَاءُ (٢) بِنْتُ عَمرٍو أُمُّ مَنِيعٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ. * اسْتِيثَاقُ العَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ وَعَزْمُ الأَنْصَارِ عَلَى البَيْعَةِ: وَاجْتَمَعَت الأَنْصَارُ بِالشِّعبِ يَنتظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابنَ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقَ لَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ المَوْضعِ وَمَعَهُ عَمُّهُ العَبَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَافِعُ بنُ مَالِكٍ ﵁، فَلَمَّا نَظَرَ العَبَّاسُ فِي وُجُوهِهِم قَالَ: هؤُلَاءَ قَوْمٌ لَا أَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحدَاثٌ (٣). وَبَعْدَ أَنْ تَكَامَلَ المَجْلِسُ بَدَأَتْ المُحَادَثَاتُ لِإِبْرَامِ التَّحَالُفِ الدِّيِنِّي وَالعَسْكَرِيِّ، وَكَانَ أَوَّلَ المُتَكَلِّمِينَ هُوَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، تَكَلَّمَ لِيَشْرَحَ لَهُمْ -بِكُلِّ صَرَاحَةٍ- خُطُورَةَ المَسْؤُوليَّةِ التِي سَتُلْقَى عَلَى

стр. 580

كَوَاهِلِهِمْ (١) نَتِيجَةَ هَذَا التَّحَالُفِ. فَقَالَ العَبَّاسُ؛ يَا مَعشَرَ الخَزْرَجِ -وَكَانَتِ العَرَبُ يُسَمُّونَ هَذَا الحَيَّ مِنْ الأنْصَارِ خَزْرَجَها وَأَوْسَهَا- إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فهُوَ في عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنَعَةٍ (٢) فِي بَلَدِهِ، وإنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْحِيَازَ إِلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ له بِمَا دَعَوتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الخُرُوجِ بِهِ إِلَيْكُمْ، فَمِنَ الآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ ﵁ فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ (٣). فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فتَلَا عَلَيْنَا القُرْآنَ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ ، وَرَغَّبَ فِي الإِسْلَامِ، فَأَجَبْنَاهُ، وَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَرَضِينَا بِمَا قَالَ، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَعَلَى الأمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا يَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ يَثْرِبَ، فتَمْنَعُونِي

стр. 581

مِمَا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الجَنَّةُ". فأَخَذَ البَرَاءُ بنُ مَغرُورٍ ﵁ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَنَمْنَعَكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا (١)، فبايِعنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الحُرُوبِ، وَأَهْلُ الحَلْقَةِ (٢)، وَرِثْنَاها كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَاعْتَرَضَ القَوْلَ -وَالبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبُو الهَيْثَمِ بنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ -يَعنِي اليَهُودَ- حِبَالًا (٣)، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهرَكَ اللَّهُ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ . فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "بَلِ الدَّمُ الدَّمُ، وَالهَدْمُ الهَدْمُ (٤)، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ". فَقَالَ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ابْسُطْ يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعْكَ.

стр. 582

* انْتِخَابُ النُّقَبَاءِ (١) وَعَقْدُ البَيْعَةِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ". فتَمَّ انْتِخَابُهُم فِي الحَالِ، وَكَانُوا تِسْعَةً مِنَ الخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةً مِنَ الأوْسِ، وَهاكَ أَسْمَاءَهُم: * نُقَبَاءُ الخَزْرَجِ: • نَقِيبُ بَنِي النَّجَارِ: ١ - أَسْعَدُ بن زُرَارَةَ ﵁. • نَقِيبُ بَنِي سَلِمَةَ: ٢ - البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ ﵁ ٣ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ ﵁ • نَقِيبُ بَنِي سَاعِدَةَ: ٤ - سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ ٥ - المُنْذِرُ بنُ عَمرٍو ﵁. • نَقِيبُ بَنِي زُرَيْقٍ: ٦ - رَافِعُ بنُ مَالِكِ بنِ العَجْلَانِ ﵁.

стр. 583

• نَقِيبُ بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ: ٧ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ ﵁ ٨ - سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ ﵁. • نَقِيبُ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفِ بنِ الخَزْرَجِ: ٩ - عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ ﵁. * نُقَبَاءُ الأوْسِ: • نَقِيبُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ: ١٠ - أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ﵁. • نَقِيبُ بَنِي عَمرِو بنِ عَوْفٍ: ١١ - سَعْدُ بنُ خَيْثَمَةَ ﵁ ١٢ - رِفَاعَةُ بنُ عَبْدِ المُنْذِر ﵁ (١). * التَّأْكِيدُ مِنْ خُطُورَةِ البَيْعَةِ: وَبَعْدَ أَنْ تَمَّت المُحَادَثَةُ حَوْلَ شُرُوطِ البَيْعَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الشُّرُوعِ فِي عَقْدِهَا، قَامَ رَجُلَانِ مِنَ الرَّعِيلِ الأوَّلِ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي مَوَاسِمِ سَنَتَيْ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ، وَالثَّانِيَةِ عَشْرَةَ مِنَ البِعْثَةِ، قَامَ أَحَدُهُمَا تِلْوَ الآخَرِ، لِيُؤَكِّدَا لِلْقَوْمِ خُطُورَةَ المَسْؤُوليَّةِ، حَتَّى لَا ويبايِعُوهُ إِلَّا عَلَى وُضُوحٍ مِنَ الأمْرِ، وَليَعْرِفَا مَدَى اسْتِعْدَادِ القَوْمِ لِلتَّضْحِيَةِ (٢).

стр. 584

قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا اجْتَمُعوا لِلْبَيْعَةِ، قَالَ العَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ ﵁: يَا مَعْشَرَ الخَزْرَجِ! هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تبايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكُمُ تبايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نُهِكَتْ (١) أَموَالَكُمْ مُصِيبَةٌ، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمتُمُوهُ، فَمِنَ الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُم خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ عَلَى نُهِكَةِ الأمْوَالِ، وَقَتْلِ الأشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الأمْوَالِ، وَقَتْلِ الأشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ . قَالَ ﷺ : "الجَنَّةُ"، قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ. وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ ابنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: فَأَخَذَ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵁ بِيَدِ رِسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَصغَرُ السَّبْعِينَ- وَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ المَطِيِّ (٢) إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ اليَوْمَ مُفَارَقَةُ العَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُم، وَأَنْ

стр. 585

تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ (١)، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصبِرُونَ عَلَى السُّيُوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَعَلَى مُفَارَقَةِ العَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ! أَمِطْ (٢) عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هذه البَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقِيلُهَا (٣). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنُّقَبَاءِ: "أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كفَلَاءُ، كَكَفَالَةِ الحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ﵇، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي" -يَعنِي المُسْلِمِينَ-، قَالُوا: نَعَمْ. فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا رَجُلًا، يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ بِشَرطِهِ -أَيْ بِشَرْطِ الرَّسُولِ ﷺ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁، وَيُعْطِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ الجَنَّةَ (٤). * أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايعَ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ ﵁، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي

стр. 586

مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسن عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ ﵁، ثُمَّ تَتَابَعَ القَوْمُ (١). وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتدرَكِ بِسَندٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي البِيْعَةِ لَهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ (٢). وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ لَيْلَتَئِذٍ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ ﵁، وَكَانَتْ لَهُ اليَدُ البَيْضَاءُ، إِذْ أَكَّدَ العَهْدَ، وَبَادَرَ إِلَيْهِ (٣). * بَيْعَةُ المَرْأَتيْنِ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْعَةِ الرِّجَالِ بَايَعَ المَرأَتيْنِ قَوْلًا مِنْ غَيْرِ مُصَافَحَةٍ، لأنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ (٤)، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ قَالَ: "اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايَعتُكُنَّ" (٥).

стр. 587

* شَيْطَانٌ يَكْتَشِفُ المُعَاهَدَةَ: قَالَ كعبُ بنُ مَالِكٍ ﵁: فَلَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ العَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سَمِعتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الجَبَاجِبِ -وَالجَبَاجِبُ: المَنَازِلُ- هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ (١) وَالصُّبَاةُ (٢) مَعَهُ؟ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا أَزَبُّ (٣) العَقَبَةِ، هَذَا ابنُ أَزْيَبَ، اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرَغَنَّ لَكَ". * صِدْقُ الأَنْصَارِ ﵃ فِي بَيْعَتِهِمْ: فَقَالَ العَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنَ نَضْلَةَ ﵁ لَلرَّسُولِ ﷺ : وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ".

стр. 588

فَرَجَعُوا إِلَى رِحَالهم وَنَامُوا حَتَّى أصبَحُوا (١). * قُرَيْشٌ تَبْحَثُ عَنِ الأخْبَارِ عِنْدَ رُؤَسَاءِ يَثْرِبَ: وَلَمَّا قَرَعَ هَذَا الخَبَرُ آذَانَ قُرَيْشٍ وَقَعَتْ فِيهِمْ ضَجَّة أثَارَتِ القَلَاقِلَ وَالأحْزَانَ، لأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَعرِفَةٍ تَامَّةٍ مِنْ عَوَاقِبِ مِثْلِ هَذِهِ البَيْعَةِ وَنتائِجِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَمَا إِنْ أَصْبَحُوا حَتَّى تَوَجَّة وَفْدٌ كَبِيرٌ مِنْ زُعَمَاءَ مَكَّةَ وَأَكَابِرِ مُجْرِمِيهَا إِلَى مَنَازِلِ أَهْلِ يَثْرِبَ فِي مِنًى، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الخَزْرَجِ! إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إِلَى صَاحِبِنَا (٢) هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنَ العَرَبِ أَبْغَضُ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشُبَ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْكُمْ (٣). فَانْبَعَثَ مِنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي الخَزْرَجِ يِحْلِفُونَ بِاللَّهِ: مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْنَاهُ، حَتَّى إِنَّهُم -أَيْ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ- أَتوْا عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، وَمَا كَانَ هَذَا، وَمَا كَانَ قَوْمِي لِيَفْتَاتُوا (٤) عَلَيَّ مِثْلَ هَذَا، لَوْ كُنْتُ بِيَثْرِبَ مَا صَنَعَ قَوْمِي هَذَا حَتَّى يُؤَامِرُوني.

стр. 589

أَمَّا المُسْلِمُونَ فنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَاذُوا بِالصَّمْتِ، فَلَمْ يَتَحَدَّثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ. وَصَدَّقَ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ المُشْرِكِينَ مِنْ يَثْرِبَ، فَرَجَعُوا خَائِبِينَ (١) * تَأَكُّدُ قُرَيْشٍ مِنْ صِحَةِ الخَبرِ وَمُلَاحَقَتُهَا المُبَايِعِينَ: وَنَفَرَ (٢) النَّاسُ مِنْ مِنًى، فتَنَطَّسَتْ (٣) قُرَيْشٌ الخَبَرَ، فَوَجَدُوا أَنَّ الخَبَرَ صَحِيحٌ، وَالبَيْعَةُ قَدْ تَمَّتْ فِعلًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ القَوْمِ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ، وَالمُنْذِرَ بنَ عَمرٍو ﵄، وَكِلَاهُمَا كَانَ نَقِيبًا، فَأَمَّا المُنْذِرُ بنُ عَمرٍو فَأَعْجَزَ القَوْمَ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَفِرَّ، وَأَمَّا سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ فَأَخَذُوهُ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ يَضْرِبُونَهُ، وَيَجْذِبُونَهُ بِشَعْرِهِ، وَكَانَ ذَا شَعْرٍ كَثِيرٍ. قَالَ سَعْدٌ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي أَيْدِيهِمْ إِذْ طَلَعَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ رَجُلٌ وَضِيءٌ أَبْيَضُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنْ يَكُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ القَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ هَذَا، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَفَعَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُم بَعْدَ هَذَا مِنْ خَيْرٍ، قَالَ سَعدٌ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي أَيْدِيهِم يَسْحَبُونَنِي إِذْ

стр. 590

آوَى (١) لِي رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُم، فَقَالَ: وَيْحَكَ! ! أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ جِوَارٌ وَلَا عَهْدٌ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: بَلَى وَاللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أُجِيرُ لِحُبَيْرِ بنِ مُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ تُجَّارَهُ، وَأَمْنَعُهُم مِمَّنْ أَرَادَ ظُلْمَهُم بِبلَادِي، وَلِلْحَارِثِ بنِ حَرْبِ بنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! ! فَاهْتِفْ بِاسْمِ الرَّجُلَيْنِ، وَاذْكُر مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمَا، قَالَ: فَفَعَلْتُ، وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي المَسْجِدِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ رَجُلًا مَنَ الخَزْرَجِ الآنَ يُضْرَبُ بِالأَبْطَحِ (٢) يَهْتِفُ بِكُمَا، وَيَذْكُرُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمَا جِوَارًا، قَالَا: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، قَالَا: صَدَقَ وَاللَّهِ، إِنْ كَانَ لَيُجِيرُ لَنَا تُجَّارَنَا، وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يُظْلَمُوا بِبَلَدِهِ، قَالَ: فَجَاءَا فَخَلَّصَا سَعدًا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم، فَانْطَلَقَ، وَكَانَ الذِي لَكَمَ سعْدًا، سُهيْلُ بنُ عَمرٍو (٣)، وَالرَّجُلُ الذِي آوَى لَهُ أَبَا البَخْتَرِيِّ بنَ هِشَامٍ (٤). وَكَانَتِ الأَنْصَارُ ائْتَمَرَتْ حِينَ فَقَدُوا سَعْدًا ﵁، أَنْ يَكُرُّوا (٥) إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ، فَرَحَلَ القَوْمُ جَمِيعًا إِلَى المَدِينَةِ (٦).

стр. 591

* وَهْمُ ابنِ إِسْحَاقَ: ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَايَعَ الأنْصَارَ فِي العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ بَيْعَةَ الحَربِ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي القِتَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَايَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي العَقَبَةِ الأخِيرَةِ عَلَى حَربِ الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْترَطَ عَلَى القَوْمِ لِرَبِّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الوَفَاءَ بِذَلِكَ الجَنَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي القِتَالِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (١). وَهذَا مِنْ أَوْهامِ ابنِ إِسْحَاقَ عَلَى جَلَالَتِهِ، فَالجِهادُ لَمْ يُشْرَع إِلَّا فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الوَهْمِ ابنُ هِشَامٍ أَيْضًا. وَلَيْسَ أَدَلُّ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ الجِهَادِ قَبْلَ العَقَبَةِ مِنْ أَنَّ العَبَّاسَ بنَ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ ﵁ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ" (٢).

стр. 592

* فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ: رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَد بَدْرٍ (١)، وَإِنْ كَانَتْ بَدرٌ أَذْكَرَ (٢) فِي النَّاسِ مِنْهَا (٣). قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبَارَكْفُورِي: هَذِهِ هِيَ بَيْعَةُ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ -التِي تُعْرَفُ بِبَيْعَةِ العَقَبَةِ الكُبْرَى- وَقَدْ تَمَّتْ فِي جَوٍّ تَعلُوهُ عَوَاطْفُ الحُبِّ وَالوَلَاءِ وَالتَّنَاصُرِ بَيْنَ أَشْتَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَالثِّقَةَ وَالشَّجَاعَةِ وَالِاسْتِبْسَالِ فِي هَذَا السَّبِيلِ، فَمُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ يَحْنُو عَلَى أَخِيهِ المُسْتَضْعَفِ فِي مَكَّةَ، وَيَتَعَصَّبُ لَهُ، وَيَغْضَبُ مِنْ ظَالِمِهِ، وَتَجِيشُ (٤) فِي حَنَايَاهُ مَشَاعِرُ الوُدِّ لِهذَا الأَخِ الذِي أَحَبَّهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَشَاعِرُ وَالعَوَاطِفُ نَتِيجَةَ نَزْعَةٍ عَابِرَةٍ تَزُولُ عَلَى مَرِّ الأيَّامِ، بَلْ كَانَ مَصْدَرُهَا هُوَ الإيمَانَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ﷺ وِبِكِتَابِهِ، إِيمَانٌ لَا يَزُولُ أَمَامَ أَيِّ

стр. 593

قُوَّةٍ مِنْ قُوَّاتِ الظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ، إِيمَانٌ إِذَا هَبَّتْ رِيحُهُ جَاءَتْ بِالعَجَائِبِ فِي العَقِيدَةِ وَالعَمَلِ، وَبِهَذَا الإِيمَانِ اسْتَطَاعَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُسَجِّلُوا عَلَى أَوْرَاقِ الدَّهْرِ أَعمَالًا، وَيتْرُكُوا عَلَيْهَا آثارًا، خَلَا عَنْ نَظَائِرهَا، الغَابِرُ وَالحَاضِرُ، وَسَوْفَ يَخْلُو المُسْتَقْبَلُ (١). وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: تِلْكم بَيْعَةُ العَقَبَةِ، وَمَا أُبْرِمَ (٢) فِيهَا مِنْ مَوَاثِيقَ، وَمَا دَارَ فِيهَا مِنْ مُحَاوَرَاتٍ. . . إِنَّ رُوحَ اليَقِينِ وَالفِدَاءِ وَالِاسْتِبْسَالِ سَادَتْ هَذَا الجَمْعَ وَتَمَشَّتْ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ قِيلَتْ، وَبَدَا أَنَّ العَوَاطِفَ الفَائِرَةَ لَيْسَتْ وَحدها التِي توجِّهُ الحَدِيثَ أَوْ تُمْلِي العُهُودَ كَلَّا، فَإِنَّ حِسَابَ المُسْتَقْبَلِ رُوجعَ مَعَ حِسَابِ اليَوْمِ، وَالمَغَارِمُ (٣) المُتَوَقَّعَةُ نُظِرَ إِلَيْها قَبْلَ المَغَانِمِ المَوْهُومَةِ. مَغَانِمُ؟ أَيْنَ مَوْضُوعُ المَغَانِمِ فِي هذه البَيْعَةِ؟ لقد قَامَ الأَمْرُ كُلُّهُ عَلَى التَّجَرُّدِ المَحْضِ وَالبَذْلِ الخَالِصِ. هؤُلَاءَ السَّبْعُونَ مُثَلٌ لِانْتِشَارِ الإِسْلَامِ، عَنْ طَرِيقِ الفِكْرِ الحُرِّ وَالِاقْتِنَاعِ الخَالِصِ. فَقَدْ جَاءُوا مِنْ يَثْرِبَ مُؤْمِنِينَ أَشَدَّ الإيمَانِ، وَمُلَبِّينَ دَاعِيَ التَّضْحِيَةِ، مَعَ أَنَّ مَعرِفتَهُم بِالنَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَمحَةً عَابِرَةً، غَبَرَتْ عَلَيْهَا الأيَّامُ، وَكَانَ الظَّنُّ بِهَا

стр. 594

أَنْ تَزُولَ، لَكِنَّنَا لَا يَجُوزُ أَنْ نَنْسَى مَصْدَرَ هَذِهِ الطَّاقةِ المُتَأَجِّجَةِ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالثِّقَةِ، إِنَّهُ القُرْآنُ! ! لَئِنْ كَانَ الأَنْصَارُ قَبلَ بَيْعَتِهِمْ الكُبْرَى لَمْ يَصْحَبُوا الرَّسُولَ ﷺ إِلَّا لِمَامًا (١) فَإِنَّ الوَحْيَ المُشِّعَ مِنَ السَّمَاءِ أَضَاءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ، وَأَوْضَحَ الغَايَةَ (٢). * إِسْلَامُ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ ﵁ - (٣): لَمَّا رَجَعَ الأَنْصَارُ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ليْلَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى المَدِينَةِ أَظْهرُوا الإِسْلَامَ بِهَا، وَدَعَوْا أَهْلِيهِم إِلَيْهِ، وَكَانَ فِي قَوْمِهِم بَقَايَا مِنْ شُيُوخٍ لَهُمْ عَلَى دِينهِم مِنَ الشِّرْكِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ ﵁ مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلِمَةَ وَأَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذٌ شَهِدَ العَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا. وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مَنْ خَشَبٍ، يُقَالُ له (مَنَاةٌ)، كَمَا كَانَ الأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلِمَةَ: مُعْاذُ بنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعَاذُ بنُ عَمْرٍو، فِي فِتْيَان مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ العَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ (٤) بِاللَّيْلِ عَلَى

стр. 595

صَنَمِ عَمرِو بنِ الجَمُوحِ، فَيَحْمِلُونَهُ، فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ (١) النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أصبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! ! مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إِذَا وَجَدَهُ غَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلصَّنَمِ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعلَمُ مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا لَأُخْزِيَنَّهُ، فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو عَدَوْا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الأَذَى، فَيُغَسِّلُهُ وَيُطَهِّرُهُ وَيُطَيِّبُهُ، ثُمَّ يَعْدُونَ عَلَيْهِ إِذَا أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَكْثروا عَلَيْهِ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ يَوْمًا، فَغَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِلصَّنَمِ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا أَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ، فَلَمَّا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّيْفَ فِي عُنقهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيْتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلٍ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلِمَةَ فِيهَا عِذَرُ النَّاسِ، وَغَدَا عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ الذِي كَانَ بِهِ، فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ البِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبٍ مَيْتٍ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شَأْنَهُ، وَبَانَ له صَوَابُهُ، وَرَجَعَ إِلَيْه عَقْلُهُ، وَعَلِمَ أَنَّهَا أَصْنَامٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَمَا إِنْ كَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ﵁، وَقَالَ حِينَ اسْتَبَانَ له الرُّشْدُ، يَذْكُرُ صَنَمَهُ هَذَا، وَمَا كَانَ

стр. 596

مِنْ أَمرِهِ، وَيَشْكُرُ اللَّهَ الذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ العَمَى وَالضَّلَالَةِ: وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَهًا لَمْ تَكُنْ ... أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ (١) أُفٍ لِمَلْقَاكَ إِلَهًا مُسْتَدَنْ (٢) ... الآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الغَبَنْ (٣) الحَمْدُ للَّهِ العَلِيِّ ذِي المِنَنْ ... الوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ هُوَ الذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ ... أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ بِأَحْمَدَ المَهْدِيِّ النَّبِيِّ المُؤْتَمَنْ (٤) * * *

стр. 597

خَصَائِصَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ قَبْلَ أَنْ نَدخُلَ فِي أَمرِ الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، نتكَلَّمُ عَنْ خَصَائِصِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ أَوَّلًا. كَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اخْتِيَارِ المَدِينَةِ دَارًا لِلْهِجْرَةِ، وَمَرْكَزًا لِلدَّعوَةِ، عَدَا مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِكْرَامِ أَهْلها، وَأَسْرَار لَا يَعلَمُها إِلَّا اللَّهُ أُمُورٌ، مِنْهَا: ١ - أَنَّهَا امْتَازَتْ بِتَحَصُّنٍ طَبِيعِيٍّ حَربِيٍّ، لَا تُزَاحِمُها فِي ذَلِكَ مَدِينَةٌ قَرِيبَةٌ فِي الجَزِيرَةِ، فكَانَتْ حَرَّةُ (١) الوَبْرَةِ مُطْبِقَةً عَلَى المَدِينَةِ مِنَ النَّاحِيَةِ الغَرْبِيَّةِ، وَحَرُّة وَاقِمٍ مُطْبِقَةً عَلَى المَدِينَةِ مَنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَكَانَتِ المَنْطِقَةُ الشَّمَالِيَّةُ مِنَ المَدِينَةِ، هِيَ النَّاحِيَةَ الوَحِيدَةُ المَكْشُوفَةُ (٢). ٢ - كَانَتِ الجِهاتُ الأُخْرَى مِنْ أَطْرَافِ المَدِينَةِ مُحَاطَةً بِأَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَالزُّرُوعِ الكَثِيفَةِ، لَا يَمُرُّ مِنْهَا الجَيْشُ إِلَّا فِي طُرُقٍ ضَيِّقَةٍ، لَا يَتَّفِقُ فِيهَا النِّظَامُ

стр. 598

العَسْكَرِيُّ وَتَرْتِيبُ الصُّفُوفِ. ٣ - كَانَتْ خَفَارَاتٌ عَسْكَرِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، كَافِيَةً لإِفْسَادِ النِّظَامِ العَسْكَرِيِّ، وَمَنْعِهِ مِنَ التَّقَدُّمِ، يَقُولُ ابنُ إِسْحَاقَ: كَانَ أَحَدُ جَانِبَيِ المَدِينَةِ عَوْرَةً وَسَائِرُ جَوَانِبِهَا مُشَكَّكَةً بِالبُنْيَانِ وَالنَّخِيلِ، لَا يَتَمَكَّنُ العَدُوُّ مِنْهَا. وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحِكْمَةِ الإِلهِيَّةِ في اخْتِيَارِ المَدِينَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ: "إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابتَيْنِ (١) " -وَهُمَا الحَرَّتَانِ- فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَل المَدِينَةِ. ٤ - كَانَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الأوْسِ وَالخَزْرَجِ أَصْحَابَ نَخْوَةٍ (٢) وَإِبَاءٍ (٣) وَفُرُوسِيَّةٍ، وَقُوَّةٍ، وَشَكِيمَةٍ (٤)، ألِفوا الحُرِّيَّةَ، وَلمْ يَخْضَعُوا لِأَحَدٍ، وَلمْ يَدْفعُوا إِلَى قَبِيلَةٍ أَوْ حُكُومَةٍ إِتَاوَةً (٥) أَوْ جِبَايَةً (٦)، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في الكَلِمَةِ التِي قَالَهَا سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ ﵁ سَيِّدُ الْأَوْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: قَدْ

стр. 599

كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ القَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إِلَّا قِرًى (١) أَوْ بَيْعًا (٢). وَجَاءَ في العِقْدِ الفَرِيدِ: وَمِنَ الأَزْدِ الأَنْصَارُ، وَهُمُ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ، وَهُمَا ابْنَا حَارِثَةَ بنِ عَمْرِو بنِ عَامِرٍ، وَهُمْ أَعزُّ النَّاسِ أَنْفُسًا، وَأَشْرَفُهُمْ هِمَمًا، وَلَمْ يُؤَدُّوا إِتَاوَةً قَطُّ إِلَى أَحَدِ المُلُوكِ (٣). فكَانَتِ المَدِينَةُ -لِكُلِّ ذَلِكَ- أَصْلَحَ مَكَانٍ لهِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَاتِّخَاذِهِمْ لَهَا دَارًا وَقَرَارًا، حَتَّى يَقْوَى الإِسْلَامُ، وَيَشُقَّ طَرِيقَهُ إِلَى الأَمَامِ، وَيَفْتَحَ الجَزِيرَةَ، ثُمَّ يَفْتَحَ العَالَق المُتَمَدِّنَ (٤). * * *

стр. 600

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون «دراسة محققة للسيرة النبوية» تأليف موسى بن راشد العازمي تقريظ الدكتور محمد رواس قلعه جي الشيخ عثمان الخميس [الجزء الثاني]
следующие страницы →