← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بُيَوتِهِمْ، وَقَدْ صَمَّمُوا عَلَى تَنْفِيذِ هَذَا القَرَارِ فَوْرًا (١). * إِخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِمَكْرِ المُشْرِكينَ لَهُ: وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِهَذِهِ المُؤَامَرَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قال فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢). قَالَ ﵁: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ، فَأَثْبِتُوهُ بَالوَثَاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةِ (٣). وَقَالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

стр. 632

قَالَ: أَيْ فَمَكَرْتُ بِهِمْ بِكَيْدِي المَتِينِ، حَتَّى خَلَّصْتُكَ مِنْهُمْ (١). قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اتَّفَقَ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ عَلَى ارْتِكَابِ أَكْبَرِ جَرِيمَةٍ فِي تَارِيخِ الجِنْسِ البَشَرِيِّ، وَهِيَ قَتْلُ الرَّسُولِ ﷺ . جَرِيمَةٌ لَوْ تَمَّتْ، لَمَا كَانَتْ فِي التَّارِيخِ دِمَشْقُ، وَلَا بَغْدَادُ، وَلَا القَاهِرَةُ، وَلَا قُرْطُبَةُ، وَلَا كَانَتْ لِلرَّاشِدِينَ دَوْلَةٌ، وَلَا لِلْأُمَوِيِّينَ، وَلَا لِلْعَبَّاسِيِّينَ، وَلَا فتَحَ بَنُو عُثْمَانَ القَسْطَنْطِينِيَّةَ، وَلَا بُنِي الأُمَوِيُّ، وَلَا النِّظَامِيَّةُ وَلَا الحَمْرَاءُ، وَلَمَا قَامَتِ الحَضَارَةُ التِي قَبَسَتْ مِنْهَا أَورُبَّا حَضَارَتَهَا مِنَ الشَّامِ فِي الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ، وَمِنَ الأَنْدَلُسِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَبَدَّلَ التَّارِيخُ طَرِيقَهُ، وَلَكِنَّا اليَوْمَ عَلَى حَالٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ (٢). * * *

стр. 633

هِجْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ - ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُمِر بِالهِجْرَةِ، وَأُنِزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١). قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَاجَرَ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا، وَلَمْ يَبْقَ فِي مَكَّةَ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ وَرَجُلَانِ اثْنَانِ، مُرَافِقُهُ فِي السَّفَرِ، وَوَكِيلُهُ فِي مَكَّةَ، رَجُلَانِ كَانَا أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، وَآخِرَ مَنْ هَاجَرَ: سَيِّدُ الكُهُولِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ (٢)،

стр. 634

وَسَيِّدُ الشَّبَابِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. تَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا يَتَأَخَّرُ الرُّبَّانُ الشَّرِيفُ عَلَى ظَهْرِ البَاخِرَةِ المَيْئُوسِ مِنْهَا فَلَا يَنْزِلُ حَتَّى يَنْزِلَ الرّكَّابُ جَمِيعًا، وَكَمَا يَتَأَخَّرُ الرَّاعِي الأَمِينُ، عِنْدَ المَفَازَةِ (١) فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَجُوزَ القَطِيعُ كلُّهُ، تَأَخَّرَ ﷺ يَحْمِي أَتْبَاعَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ بِصَدْرِهِ الخَطَرَ (٢). * اطْلَاعُ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَمْرِ قُرَيْشٍ: وَقَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى تَبْيِيتِ المُشْرِكِينَ قَتْلَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ قَلِيلٍ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٣)، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنْ يَبِيتَ فِي فِرَاشِهِ ﷺ . وَلَمَّا أُذِنَ لَهُ ﷺ بِالهِجْرَةِ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: "مَنْ يُهَاجِرُ مَعِي؟ ". قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ (٤). فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِيُخْبِرَهُ بِذَلِكَ، وَليُرَتِّبَ مَعَهُ أَمْرَ الهِجْرَةِ.

стр. 635

رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ (١) قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ (٢)، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ: بُكْرَةً وَعَشِيَّةً (٣)، . . . فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةْ (٤)، قَالَ قَائِلٌ (٥) لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا (٦) فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا أَنَا وَأُخْتِى أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 636

لِأَبِي بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ" (١)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ (٢) بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوج وَالهِجْرَةِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةُ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصُّحْبَةُ" (٤). قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي، وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي مِنَ الفَرَح (٥).

стр. 637

ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي نَاقَتَانِ، قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ اِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِالثَّمَنِ" (١)، فَأَعْطَى النَّبِيَّ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ: الجَدْعَاءُ (٢). * اسْتِئْجَارُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُرَيْقِطَ (٣) دَلِيلًا: وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُرَيْقِطَ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيْلِ بنِ بَكْرٍ، هَادِيًا خِرِّيتًا -وَالخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ -أَيْ هِدَايةِ الطَّرِيقِ-،

стр. 638

وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ (١)، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا، اللَّتَيْنِ أَعَدَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ لِلْهِجْرَةِ (٢). * تَنَاقُضٌ غَرِيبٌ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ رُغْمَ عَدَائِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَمْيِهِ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، عَظِيمَةَ الثِّقَةِ بِأَمَانَتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَفتوته، فَلَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَخْشَى عَلَيْهِ إِلَّا وَضَعَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لثِقَتِهِ بِهِ، فَكَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشَّيْءُ الكَثِيرُ مِنْ هَذِهِ الوَدَائِعِ، فَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ بِأَنْ يَتَخَلَّفَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَؤَدِّيَهَا عَنْهُ. وَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣). * تَطْوِيقُ المُشْرِكِينَ مَنْزِلَ الرَّسُولِ ﷺ -: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْزِلي يَنْتَظِرُ مَجِيءَ اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلَى عِلْمٍ بِمَا ائْتَمَرَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ المَكْرِ، فَلَمَّا كَانَتْ عَتَمَةُ (٤) اللَّيْلِ اجْتَمَعَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَلَى

стр. 639

بَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثبُونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ: أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ - الحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ - عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ - أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ - زَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ - طُعَيْمَةُ بنُ عَدِيٍّ - أَبُو لَهَبٍ - أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ - نُبَيْهُ بنُ الحَجَّاجِ. وَكَانُوا عَلَى ثِقَةٍ وَيَقِينٍ جَازِمٍ مِنْ نَجَاحِ هَذِهِ المُؤَامَرَةِ الدَّنِيَّةِ، حَتَّى وَقَفَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقْفَةَ الخُيَلَاءِ، وَقَالَ: مُخَاطِبًا لِأَصْحَابِهِ المُطَوِّقِينَ فِي سُخْرِيَةٍ وَاسْتِهْزَاءٍ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إِنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ العَرَبِ وَالعَجَمِ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الأُرْدُنِ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ قَالَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: "نَمْ عَلَى فِرَاشِي، وَتَسَجَّ (١) بِبُرْدِي (٢) هَذَا الحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ" (٣). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ فِي برْدِهِ ذَلِكَ إِذَا نَامَ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا بِخُرُوجِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (٤).

стр. 640

* خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: وَمَعَ غَايَةِ اسْتِعْدَادِ قُرَيْشٍ لِتَنْفِيذِ خُطَّتِهِمْ، وَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ (١)، وَيَخْتَرِقُ صُفُوفَهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ عَنْهُ فَلَا يَرَوْنَهُ، وَأَخَذَ ﷺ حَفْنَةً (٢) مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْثُرُهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَهُوَ يَتْلُو قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٣). حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، مَضَى إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. وَبَقِيَ المُشْرِكُونَ يَنتظِرُونَ خُرُوجَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَدْ خَرَجَ، وَأَعْمَى اللَّهُ أَعْيُنَهُمْ عَنْهُ (٤).

стр. 641

* خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ: غَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلَهُ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَتَرَقَّبُ وُصُولَ الرَّسُولِ ﷺ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ بَعْدَ أَنْ اتَّفَقَا عَلَى الصُّحْبَةِ فِي الهِجْرَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَإِلَّا أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَدْ أَعَدَّ لِلسَّفَرِ عُدَّتَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ (١) الجَهَازِ (٢). وَفِي اللَّيْلِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ خَوْخَةٍ (٣) لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ حَتَّى لَا يَرَاهُمَا أَحَدٌ، وَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ مَعْهُودَةٍ (٤)، فَبَدَلًا مِنْ

стр. 642

أَنْ يَسِيرَا نَحْوَ الشِّمَالِ ذَهَبَا إِلَى الجَنُوبِ حَيْثُ يُوجَدُ غَارُ ثَوْرٍ، وَهُوَ جَبَلٌ (١) وَفِيهِ الغَارُ، اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَأْوِي إِلَيْهِ لِتَضْلِيلِ المُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ قُرَيْشًا سَتَجِدُّ (٢) فِي طَلَبِهِ، وَأَنَّ الطَّرِيقَ الذِي سَتَتَّجِهُ إِلَيْهِ الأَنْظَارُ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ (٣) هُوَ طَرِيقُ المَدِينَةِ الرَّئِيسِيُّ المُتَّجِهُ شَمَالًا، فَقَدْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الذِي يُضَادُّهُ تَمَامًا، وَهُوَ الطَّرِيقُ الوَاقِعُ جَنُوبَ مَكَّةَ (٤). * آخِرُ نَظْرَةٍ لِمَكَّةَ: وَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ منْ مَكَّةَ أَخَذَ يَنْظُرُ إِلَى مَكَّةَ نَظْرَةَ الوَدَاعِ، وَهُوَ يَقُولُ: "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" (٥).

стр. 643

وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلْدَةٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوبي مِنْكِ، مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ" (١). قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: . . . وَلقدْ شَرَّقْتُ مِنْ بَعْدُ وَغَرَّبْتُ، وَرَأَيْتُ بِلَادًا لَا أُحْصِيهَا عَدَدًا، فَمَا رَأَيْتُ فِيهَا أَجْمَلَ مِنْ دِمَشْقَ، أَفَهِيَ كَذَلِكَ، أَمْ تَجْمُلُ فِي عَيْنِي لِانَّهَا بَلَدِي، وَكُلُّ إِنْسَانٍ يُؤثِرُ بَلَدَهُ عَلَى سَائِرِ البُلْدَانِ؟ . لَقَدْ عَرَفْتُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَمْرِيكَا وَعَاشَ فِي أَكبرِ مُدُنِهَا، وَاسْتَمْتَعَ بِمُنتجَاتِ حَضَارَتِهَا، وَوَسَائِلِ التَّرَفِ فِيهَا، فَمَا أَنْسَتْهُ نُيُوُيورْكُ وَنَاطِحَاتُ السَّحَابِ فِيهَا، مَا أَنْسَتْهُ إِلَّا قَريتَهُ وَبَيْتَهُ المَبْنِيَ مِنَ الخَشَبِ وَاللَّبِنِ، وَكَانَ يُحِسُّ أنّهُ فِي أَمْرِيْكَا غَرِيبٌ، نَزِيلٌ فِي فُنْدُقٍ، مَا شَعَرَ بِالِاسْتِقْرَارِ إِلَّا لَمَّا وَصَلَ القَريَةَ وَوَلَجَ (٢) الدَّارَ، وَهَذِي لَعَمْرِي مِنْ حَكِيمِ مَا قَدَّرَ اللَّهُ، وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي كُلِّ مَا قَدَّرَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاجْتَمَعَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي مَوَاضِعِ المَالِ وَالجَمَالِ، وَخَرَبَتِ البِلَادُ الفَقِيرَةُ، وَأَقْفَرَتْ (٣).

стр. 644

* تَبْشِيرُ الرَّسُولِ ﷺ بِرَدِّهِ إِلَى مَكَّةَ: وَلقدْ بَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأنَّهُ سَيُرْجِعُهُ إِلَى مَكَّةَ مُنْتَصِرًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١). رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قَالَ: إِلَى مَكَّةَ (٢). وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةَ: خَتَمَ اللَّهُ السُّورَةَ (٣) ببشَارَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِرَدِّهِ إِلَى مَكَّةَ قَاهِرًا لِأَعْدَائِهِ (٤). * إِذْ هُمَا فِي الغَارِ: رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ -حَدِيثِ الهِجْرِةِ-: . . . ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فكَمَنَا (٥). . . . .

стр. 645

فِيهِ (١) ثَلَاثَ ليَالٍ (٢). فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الغَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِيَ (٣) لَكَ الغَارَ، فَدَخَلَ وَاسْتَبْرَاهُ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِي الجُحْرَ الذِي فِيهِ، فَقَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِيَ، فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَى، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فنَزَلَ الرَّسُولُ ﷺ فِي الغَارِ (٤).

стр. 646

قَالَ ابنُ هِشَامٍ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَسَ الغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبْعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ (١). * مَوَاقِفُ مُشَرِّفَةٌ لِآلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثقِفٌ (٢) لَقِنٌ (٣)، فَيُدلِجُ (٤) مِنِ عْنِدِهَما بِسَحَرٍ، فيصْبِحُ مَع قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ (٥) بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ (٦). * دَوْرُ عَامِرِ بنِ فُهَيْرَةَ ﵁ -: وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِنْحَةً (٧) مِنْ

стр. 647

غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَيَبِيتَانِ -أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ- فِي رِسِلٍ (١). ثُمَّ يَسْرَحُ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁ فَيُصْبِحُ فيِ رِعْيَانِ النَّاسِ كَبَائِتٍ، فَلَا يُفْطَنُ بِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ فِي الغَارِ (٢). وَكَانَ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁ يَتْبَعُ بِغَنَمِهِ أَثَرَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بَعْدَ ذَهَابِهِ إِلَى مَكَّةَ لِيُعْفِي (٣) عَلَيْهِ (٤). * دَوْرُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂: وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ (٥) تَأْتيهِمَا بِالطَّعَامِ.

стр. 648

رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صحِيحِهِ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةً (١) لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَا المَدِينَةَ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُهُ (٢) إِلَّا نِطَاقِي (٣)، قَالَ: فَشُقِّيهِ (٤)، فَفَعَلْتُ، فَسُمِّيَتْ "ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ" وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَسْمَاءُ ذَاتُ النِّطَاقِ (٥). فَنَرى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ سَخَّرَ كُلَّ مَا يَمْلِكُ مِنْ أَهْلٍ، وَمِنْ مَالٍ، وَمَوْلًى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ، فَأَيُّ فَضْلٍ هَذَا، وَأَيُّ شَرَفٍ هَذَا الذِي حَازَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁. * أَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كُلَّ أَمْوَالِهِ فِي الهِجْرَةِ: رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَالحَاكِمُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ مَعَهُ: خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَوْ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَتْ: وَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ.

стр. 649

قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ (١) وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَّا يَا أَبَتِ، إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا، فَوَضَعْتُهَا فِي كُوَّةِ (٢) البَيْتِ، كَانَ أَبِي يَضَعُ فِيهَا مَالَهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا المَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: وَلَا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا، وَلَكِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ (٣) الشَّيْخَ بِذَلِكَ (٤). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ".

стр. 650

فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (١). وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ أَلْفًا (٢). * خُرُوجُ قُرَيْشٍ فِي طَلَبِ الرَّسُولِ ﷺ وصَاحِبِهِ: أَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ بَقَوا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ بَيْتِهِ، وَقَدْ خَرَجَ، وَأَعْمَى اللَّهُ أَعْيُنَهُمْ عَنْهُ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ هَهُنَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، قَالَ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ! قَدْ وَاللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِشَأْنِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ؟ فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ، فكَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا، فَجَعَلُوا يَتَطَلَّعُونَ مِنْ شِقِّ البَابِ فَيَرَوْنَ النَّائِمَ عَلَى فِرَاشِهِ مُسَجَّيًا بِبُرْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمُحَمَّدٌ نَائِمًا، عَلَيْهِ بُرْدُهُ. فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا (٣)، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَكَشَفُوا البُرْدَ، فَإِذَا بِهِ

стр. 651

عَلِيٌّ ﵁، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ صَدَقنَا الذِي كَانَ حَدَّثنَا، فَسَأَلُوهُ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي (١). فَجُنَّ جُنُونُ قُرَيْشٍ حِينَمَا تَبَيَّنَ لَهَا خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبِهِ، وَصَارُوا يَهِيمُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ طَلَبًا لَهُ، وَجَعَلُوا لِمَنْ يَأْتِي بِالنَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبِهِ مُكَافَأَةً ضَخْمَةً قَدْرُهَا مِائَةُ نَاقَةٍ (٢) لِمَنْ يَأْتِي بِهِمَا إِلَى قُرَيْشٍ حَيَّيْنِ أَوْ مَيْتَيْنِ (٣). * أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ يَلْطِمُ أَسْمَاءَ ﵂: قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ ابنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟

стр. 652

قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي، فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً (١) طَرَحَ مِنْهَا قُرْطِي (٢)، قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا (٣). * لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا: عِنْدَ ذَلِكَ رَكِبَ الفُرْسَانُ وَقُصَّاصُ (٤) الأَثَرِ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَانْتَشَرُوا فِي الجِبَالِ وَالوُدْيَانِ يَطْلَبُونَهُمَا -أَيْ الرَّسُولُ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ وَاشْتَدَّ الطَّلَبُ، لَكِنْ مِنْ دُونِ جَدْوَى. حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الجَبَلِ الذِي فِيهِ الغَارُ، وَصَعَدُوا الجَبَلَ، وَوَصَلُوا إِلَى فَمِ الغَارِ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العُثُورِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَصَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى تَحْتِ قَدَمَيْهِ. وَكَانَتْ أَدَقَّ لَحْظَةٍ مَرَّتْ بِهَا الإِنْسَانِيَّةُ فِي رِحْلَتِهَا الطَّوِيلَةِ، وَكَانَتْ لَحْظَةً حَاسِمَةً، فَإِمَّا امْتِدَادُ شَقَاءٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَإِمَّا افْتِتَاحُ سَعَادَةٍ لَا آخِرَ لَهَا، وَقَدْ حَبَسَتِ الإِنْسَانِيَّةُ أَنْفَاسَهَا، وَوَقَفَتْ خَاشِعَةً حِينَ وَصَلَ البَاحِثُونَ إِلَى فَمِ الغَارِ،

стр. 653

وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العُثُورِ عَلَى مَنْشُودِهِمْ إِلَّا أَنْ يَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى تَحْتِ قَدَمَيْهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ (١). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبا بَكْرٍ! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" (٢). وَفي رِوَايَةِ عُرْوَةِ بنِ الزُّبَيْرِ فِي مَغَازِيهِ، قَالَ: وَأَتَى المُشْرِكُونَ عَلَى الجَبَلِ الذِي فِيهِ الغَارِ، الذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْوَاتَهُمْ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ وَالخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا". وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ (٣).

стр. 654

وَفِي هَذَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). فَلَمَّا انْتَهَى هَؤُلَاءَ الكُفَّارُ إِلَى بَابِ الغَارِ، قَالُوا: هَاهُنَا انْقَطَعَ الأَثَرُ، وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمُ الأَمْرُ، فَلَمَّا رَأَوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِ الغَارِ قَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ (٢)، فَانْصَرَفُوا. قُلْتُ: كَانَتْ مُعْجِزَةً، أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نَبِيَّهُ ﷺ ، وَتَتَجَلَّى هَذِهِ المُعْجِزَةُ فِي أَنَّ هَؤُلَاءَ الكُفَّارِ لَمْ يَتَكَلَّفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَنْظُرَ دَاخِلَ الغَارِ، وَإِنَّمَا وَقَفُوا عَلَى بَابِ الغَارِ، فَلَمَّا رَأَوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ، قَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا.

стр. 655

قَالَ أَحْمَدُ شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: سَلْ عُصَبَة الشِّركِ حَولَ الغارِ سَائِمَةً ... لَوْلَا مُطَارَدَةُ المُختَارِ لَمْ تَسُمِ هَلْ أَبْصَرُوا الأَثَرَ الوَضَّاءَ أَمْ سَمِعُوا ... هَمْسَ التّسَابِيحِ وَالقُرْآنَ مِنْ أَمَمِ (١) وَهَلَ تَمَثَّلَ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ لَهُمْ ... كَالغَابِ (٢)، وَالحَائِمَاتُ الزُّغْبُ (٣) كَالرُّخُمِ (٤) فَأَدْبَرُوا وَوُجُوهُ الأَرْضِ تَلْعَنُهُمْ ... كَبَاطِلٍ مِنْ جَلَالِ الحَقِّ مُنهَزِمِ * مُغَادَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبِهِ الغَارَ: أَقَامَ الرَّسُولُ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فِي الغَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، حَتَّى إِذَا خَمَدَتْ عَنْهُمَا نَارُ الطَّلَبِ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النَّاسُ، جَاءَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ بِالرَّاحِلَتَيْنِ، فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ يَخْدِمُهُمَا (٥).

стр. 656

وَكَانَ خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ وَصَاحِبِهِ مِنَ الغَارِ فِي آخِرِ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ فِي السَّحَرِ لِأَرْبَعِ لَيِالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ (١). قَالَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ: تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ أَنَّ خُرُوجَهُ ﷺ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدُخُولَهُ المَدِينَةَ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مُوسَى الخَوَارِزْمِيَّ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الخَمِيسِ (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ خُرُوجَهُ ﷺ مِنْ مَكَّةَ كَانَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَخُرُوجَهُ مِنَ الغَارِ كَانَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَهِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ، وَلَيْلَةُ السَّبْتِ، وَلَيْلَةُ الأَحَدِ، وَخَرَجَ فِي أَثْنَاءَ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ (٣). * الطَّرِيقُ إِلَى المَدِينَةِ: ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، وَارْتَحَلَ مَعَهُمَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁ أَرْدَفه أَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، لِيَخْدِمَهُمَا فِي الطَّرِيقِ، لَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرَهُ، وَغَيْرَ الدَّلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُرَيْقِطٍ، فَانْطَلَقَ الأَرْبَعَةُ إِلَى المَدِينَةِ (٤). قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقُ أَسْفَلَ مِنْ

стр. 657

عُسْفَانَ (١)، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أَمَجٍ (٢)، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقُ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ (٣) قُدَيْدًا (٤)، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الخَرَّارَ (٥)، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ (٦) المُرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفًا (٧)، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ لِقْفٍ، ثُمَّ اسْتَبْطَنَ (٨) بِهِمَا مَدْلَجَةَ مَحَاجٍ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِح مجاج، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِح مِنْ ذِي الغَضْوَيْنِ، ثُمَّ بَطْنَ ذِي كَشْرٍ (٩)، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الجَدَاجِدِ (١٠)، ثُمَّ عَلَى الأَجْرَدِ (١١)، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَمٍ، مِنْ بَطْنِ أَعْدَا مَدْلِجَةً تِعْهن، ثُمَّ عَلَى العَبَابِيدِ، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الفَاجَةَ، ثُمَّ هَبَطَ بِهِمَا العَرْجَ (١٢)، ثُمَّ سَلَكَ

стр. 658

بِهِمَا ثَنِيَّةَ العَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةِ، حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا قُبَاءَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ (١). * أَحْدَاثٌ جَرَتْ فِي الطَّرِيقِ إِلَى المَدِينَةِ: رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ (٢)، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ (٣) يُعْرَفُ وَنَبِيُّ اللَّهِ ﷺ شَابٌّ (٤) لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ

стр. 659

فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الخَيْرِ (١). * شَأْنُ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ ﵁ -: رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً (٢) بِالسَّاحِلِ أَرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ (٣)، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَعَلَّ، وَسَكَتَ. قَالَ سُرَاقَةُ: ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تُخْرِجَ لِي فَرَسِي، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ أَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 660

وَصَاحِبَهُ أَبَا بَكْرٍ ﵁. قَالَ سُرَاقَةُ: فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُمْ حَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الصَّوْتُ، عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الذِي أَكْرَهُ: أَنْ لَا أَضُرَّهُمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ، وَرَكِبْتُ فَرَسِي، حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، وَسَمِعْتُ قِرَاءَةً رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُوَ لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّلَبُ (١) قَدْ لَحِقَنَا، فَقَال ﷺ : "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا". حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا، وَبَكَى، فَقَالَ ﷺ : "لِمَ تَبْكِي؟ ". قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُرَاقَةَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ" (٢). قَالَ سُرَاقَةُ: فَسَاخَتْ (٣) يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ حَتَّى بَلَغتا الرُّكْبَتَيْنِ (٤)،

стр. 661

فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرتُهَا (١)، فنَهَضَتْ (٢) فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ (٣) سَاطِعٌ فِي السَّمَاءَ مِثْلُ الدُّخَانِ. قَالَ سُرَاقَةُ: فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلَامِ (٤)، فَخَرَجَ الذِي أَكْرَهُ، فنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ (٥)، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الزَّادَ

стр. 662

وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي (١)، وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ: "أَخْفِ عَنَّا" (٢). قَالَ سُرَاقَةُ: فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمَانٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ فكَتَبَ لِي فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ بَيْضَاءَ (٣)، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَجَعَلَ سُرَاقَةُ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَّى لَنَا. فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً (٤) لَهُ (٥). * رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ مَشْهُورَةٌ: وَأَمَّا الرِّوَايَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ سُرَاقَةُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "كَيْفَ

стр. 663

بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟ ". فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، وَفُتِحَتِ المَدَائِنُ جِيئَ بِسِوَارَيْ كِسْرَى إِلَى عُمَرَ ﵁، فَدَعَا سُرَاقَةَ بنَ مَالِكٍ فَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُمَا، وَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ يَدَيْكَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الحَمْدُ للَّهِ الذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَى بنَ هُرْمُزٍ، الذِي كَانَ يَقُولُ: أَنَا رَبُّ النَّاسِ، وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بنَ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ، أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِيُ مدْلِجٍ. فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَوْرَدَهَا الحَافِظُ فِي الإِصَابَةِ (١)، وَابنُ عَبْدِ البَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ (٢)، بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ. قُلْتُ: مَجِيءُ كُنُوزِ كِسْرَى إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ ثَابِتٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ عُمَرُ ﵁ بِكُنُوزِ كِسْرَى، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيُّ: أَلَا تَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ المَالِ حَتَّى تَقْسِمَهَا؟ قَالَ: لَا يُظِلُّهَا سَقْفٌ حَتَّى أُمْضِيَهَا، فَأَمَرَ بِهَا، فَوُضِعَتْ فِي صُوحِ المَسْجِدِ، وَبَاتُوا يَحْرُسُونَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، أَمَرَ بِهَا، فَكُشِفَ عَنْهَا، فَرَأَى فِيهَا مِنَ

стр. 664

الحَمْرَاءَ (١) وَالبَيْضَاءِ (٢) مَا يَكَادُ يَتَلَأْلَأُ مِنْهُ البَصرُ، قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ هَذَا لَيَوْمُ شُكْرٍ، وَيَوْمُ سُرُورٍ، وَيَوْمُ فَرَحٍ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَلَّا إِنَّ هَذَا لَمْ يُعْطَهُ قَوْمٌ إِلَّا أُلْقِيَ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ. . . (٣). * سُقْيَا اللَّبَنِ: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَأَحْيَيْنَا (٤) أَوْ سَرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا (٥) وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (٦)، فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِي إِلَيْهِ، فَإِذَا صَخْرَةٌ (٧) أَتَيْتُهَا، فنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ، ثُمَّ فَرَشْتُ (٨) لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، ثُمَّ قُلْتُ

стр. 665

لَهُ: اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي: هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا؟ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي (١) غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الذِي أَرَدْنَا (٢). فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَنَا (٣)؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرْتُهُ. . . .

стр. 666

فَاعْتَقَلَ (١) شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا (٢) مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرتُهُ أَنْ يَنْفِضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا، ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى، فَحَلَبَ لِي (٣) كُثْبَةً (٤) مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِدَاوَةً (٥) عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ (٦) حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ (٧). ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ (٨) يَا رَسُولَ اللَّهِ.

стр. 667

قَالَ: "بَلَى"، فَارْتَحَلْنَا وَالقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا (١). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - خِدْمَةُ التَّابِعِ الحُرِّ لِلْمَتْبُوعِ فِي يَقَظَتِهِ، وَالذَّبُّ عَنْهُ عِنْدَ نَوْمِهِ. ٢ - وَفِيهِ شِدَّةُ مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَدَبُهُ مَعَهُ، وَإِيثَارُهُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ. ٣ - وَفيهِ أَدَبُ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاسْتِحْبَابُ التَّنْظِيفِ لِمَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ. ٤ - وَفِيهِ اسْتِصْحَابُ آلَةِ السَّفَرِ، كَالإِدَاوَةِ وَالسُّفْرَةِ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّوَكُّلِ (٢). * إِسْلَامُ الرَّاعِى: رَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَالبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ قَيْسِ بنِ النُّعْمَانِ قَالَ: لَمَّا انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ

стр. 668

مُسْتَخْفِيَيْنِ مَرَّا بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا فَاسْتَسْقَيَاهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَاةٌ تُحْلَبُ غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا عَنَاقًا (١) حَمَلَتْ أَوَّلَ الشِّتَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَتْ، وَمَا بَقِيَ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالَ: "ادْعُ بِهَا"، فَدَعَا بِهَا فَاعْتَقَلَهَا (٢) النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ ضَرْعَهَا (٣) وَدَعَا حَتَّى أَنْزَلَتْ، قَالَ: وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمِحْجَنٍ (٤)، فَحَلَبَ فَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ حَلَبَ فَسَقَى الرَّاعِي، ثُمَّ حَلَبَ فَشَرِبَ، فَقَالَ الرَّاعِي: بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ، فَقَالَ ﷺ : "أَوَتُرَاكَ تَكْتُمُ عَلَيَّ حَتَّى أَخْبِرُكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، فَقَالَ الرَّاعِي: أَنْتَ الذِي تَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّهُ صَابِئٌ (٥)، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ ذَلِكَ"، فَقَالَ الرَّاعِي: فَأَشْهَدُ إِنَّكَ نَبِيٌّ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ إِلَّا نَبِيٌّ وَأَنَا مُتَّبِعُكَ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنَا" (٦).

стр. 669

* قِصَّةُ أُمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةُ: أَكْمَلَ الرَّسُولُ ﷺ طَرِيقَهُ إِلَى المَدِينَةِ وَمَعَهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ ﵁، وَالدَّلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ، وَفِي الطَّرِيقِ مَرُّوا عَلَى خَيْمَةِ أَمٍّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَ مَنْزِلُهَا بِقُدَيْدٍ (١)، وَكَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً (٢) جَلْدَةً (٣) تَحْتَبِي (٤) بِفِنَاءِ (٥) الخَيْمَةِ، ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ مَنْ مَرَّ بِهَا، فَسَأَلَاهَا: لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يَجْدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ القَوْمُ مُرْمِلِينَ (٦) مُسْنِتِينَ (٧)، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَاةٍ فِي جَانِبِ الخَيْمَةِ، فَقَالَ ﷺ : "مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ "، قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الجَهْدُ (٨) عَنِ الغَنَمِ، قَالَ ﷺ : "هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ "، قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ ﷺ : "أَتأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟ "، قَالَتْ: إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا، فَاحْلِبْهَا، فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَسَحَ بِيَدِهِ

стр. 670

ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فتَفَاجَّتْ (١) عَلَيْهِ، وَدَرَّتْ فَاجْتَرَّتْ (٢)، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِنَاءٍ يُرْبِضُ الرَّهْطَ (٣)، فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا (٤) حَتَّى عَلَاهُ البَهَاءُ (٥)، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، وَشَرِبَ آخِرَهُمْ حَتَّى أَرَاضُوا (٦)، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيَةً عَلَى هَدَّةٍ (٧) حَتَّى مَلأَ الإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا. فَقَلَّ مَا لَبِثَتْ حَتَّى جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ، يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا (٨)، يَتَسَاوَكْنَ (٩) هِزَالًا، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عَجِبَ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ وَالشَّاءُ عَازِبٌ (١٠) حَائِلٌ (١١)، وَلَا حَلُوبَ (١٢) فِي البَيْتِ؟
следующие страницы →