← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 38161

تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران ... للشيخ حمود بن عبد الله التويجري رحمه الله تعالى

стр. 2

بسم لله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي منّ على أوليائه بالتأييد والإسعاد، وقضى على أعدائه بالخذلان والإبعاد، ونهى عباده عن التقرب إليهم بالموالاة والوداد، وشدد في ذلك وأبدى فيه وأعاد، أحمده تعالى على نعمه التي لا يحصى لها تعداد، وأشكره وكلما شكر زاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أَدّخرها ليوم التناد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صفوة العباد، أرسله الله رحمة للعالمين وحجة على أهل الشقاق والعناد، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وبالغ في البيان والإرشاد، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه البررة الأمجاد، الذين جاهدوا في الله حق الجهاد، وصارموا أعداء الله وجالدوهم غاية الجلاد، حتى ملأ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها رباها والوهاد، وعلى من تبعهم بإحسان من حاضر وباد، وسلم تسليما كثيرا،

стр. 3

أما بعد: فهذه نبذة وجيزة في بيان تحريم موالاة أعداء الله من المرتدين والمنافقين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أصناف المشركين، والتحذير من موادتهم وتعظيمهم وبداءتهم بالسلام، وتقديمهم في المجالس وغير ذلك مما فيه تعظيم لهم، بالقول أو بالفعل. دعاني إلى جمعها ما وقع فيه كثير من المسلمين في زماننا من تعظيم أعداء الله تعالى وموادتهم واتباع سننهم حذو النعل بالنعل، والمقصود من ذلك النصيحة للمسلمين وتحذيرهم من سوء عاقبة التذلل لأعداء الله تعالى وموالاتهم وموادتهم. والله المسؤول أن يصلح حالي وأحوال المسلمين، وأن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال، وأن يجنبنا طريق أهل الغي والضلال، إنه قريب مجيب. فصل وقد نهى الله عن موالاة أعدائه في مواضع كثيرة من القرآن، وأخبر أن موالاتهم تنافي الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وأنها سبب للفتنة والفساد في الأرض، وأن من والاهم ووادهم فليس من الله في شيء وأنه من الظالمين الضالين عن سواء السبيل، وأنه مستوجب لسخط الله وأليم عقابه في الآخرة، والآيات في هذا كثيرة. الأولى منها: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من

стр. 4

الحق﴾ إلى قوله تعالى: ﴿تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ ثم حث ﵎ عباده المؤمنين على متابعة خليله إبراهيم والتأسي به وبمن آمن معه في مصارمتهم لأعداء الله تعالى والتبري منهم ومما يعبدون من دون الله تعالى وإظهار العداوة لهم والبغضاء ما داموا على الكفر بالله، فقال الله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ ومن لم يتأسى بإبراهيم الخليل ﵊ في مصارمة أعداء الله تعالى وإظهار العداوة والبغضاء لهم، فله من سفه النفس بقدر ما ترك من ملة إبراهيم الخليل، كما قال تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ ثم حذر ﵎ من موالاتهم بأبلغ التحذير وتوعد على ذلك بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنّه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾

стр. 5

قال بعض المفسرين: فيه زجر شديد عن إظهار صورة الموالاة لهم وإن لم تكن موالاة في الحقيقة. قلت: وأقل الأحوال في هذه الآية أنها تقضي تحريم موالاة أعداء الله تعالى وإن كان ظاهرها يقتضي كفر من تولاهم، ولهذا روي عن حذيفة ﵁ أنه قال: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر وتلا هذه الآية. وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية. وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لعمر ﵁ إن لي كاتبا نصرانيا قال: مالك قاتلك الله أما سمعت الله يقول: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ ألا اتخذت حنيفا. قال: قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله ولا أعزهم إذا أذلهم الله ولا أدنيهم إذا أقصاهم الله. وورد على عمر ﵁ كتاب معاوية بن أبي سفيان ﵁: أما بعد يا أمير المؤمنين فإن في عملي كاتبا نصرانيا لا يتم أمر الخراج إلا به فكرهت أن أقلده دون أمرك. فكتب إليه: عافانا الله وإياك قرأت كتابك في أمر النصراني، أما بعد فإن النصراني قد مات، والسلام.

стр. 6

يعني يقدر موت هذا النصراني فما كان معاوية صانعا بعد موته فليصنعه الآن، وهذا أمر من عمر ﵁ لمعاوية ﵁ بإبعاد النصراني وتولية غيره من المسلمين مكانه من غير مراجعة وإخبار له بأن المسلمين في غنية عن أعداء الله ولو كانوا في الحذق والضبط ما كانوا. وفي قول عمر ﵁ دليل على أنه لا يجوز للمسلمين أن يولوا في أعمالهم أحدا من أعداء الله تعالى لأن في ذلك إكراما لهم وإعزازا وإدناءا وهو خلاف ما شرعه الله من إهانتهم وإذلالهم وإقصائهم. ثم قال تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ أي شك وريب ونفاق ﴿يسارعون فيهم﴾ أي يبادرون في مولاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك عند ذلك، قال الله تعالى: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ وهذا نهي من الله ﵎ عن موالاة أعدائه من أهل

стр. 7

الكتابين وغيرهم من سائر الكفار وإخبارا منه تعالى بأن موالاتهم تنافي الإيمان، ولهذا قال تعالى: ﴿واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ قال أبو جعفر بن جرير في تفسير هذه الآية: لا تتخذوهم أيها المؤمنون أنصارا وإخوانا وحلفاء فإنهم لا يألونكم خبالا وإن أظهروا لكم مودة وصداقة اهـ. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا﴾ قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم , وقوله: ﴿أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا﴾ أي حجة عليكم في عقوبته إياكم اهـ. وقال أبو جعفر بن جرير يقول: لا تعرّضوا لغضب الله بإيجابكم الحجة على أنفسكم في تقدمكم على ما نهاكم ربكم من موالاة أعدائه وأهل الكفر به اهـ. الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء﴾ وهذا زجر بليغ وتهديد شديد عن موالاة أعداء الله تعالى وموادتهم، فينبغي للمسلم أن يحذر أشد الحذر من أن يكون من الذين يحسبون أنهم على شيء وهو من الخاسرين الذين ليسوا من الله في شيء عياذا بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: الإقبال على عدو الله

стр. 8

وموالاته توجب إعراضه عن الله ومن أعرض عنه تولاه الشيطان ونقله إلى الكفر اهـ. قال الزمخشري: وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان اهـ. ولقد أحسن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى حيث في الكافية الشافية يقول: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حبا له ما ذاك في إمكان وكذا تعادي جاهدا أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان وقال يزيد بن الحكم الثقفي: تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس الفعل منك بمستوي وقال غيره: تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك (١) عنك بعازب ثم قال ﵎: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره معنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما أو يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله تعالى: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ ثم هذه رخصة فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم

стр. 9

اهـ. وروى أبو نعيم في الحلية عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قيل له ما التقاة؟، قال: أن يخاف جبارا عنيدا أن يفرط عليه أو أن يطغى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى معلوم: أن التقاة ليست بموالاة ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم، والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية وليست التقية موالاة لهم اهـ. وقوله: (ويحذركم الله نفسه) أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة أعدائه وارتكاب نهيه ومخالفة أمره. قال أبو جعفر بن جرير يعني بذلك متى صرتم إليه وقد خالفتم ما أمركم به وأتيتم ما نهاكم عنه من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين نالكم من عقاب ربكم مالا قبل لكم به يقول فاتقوه واحذروه أن ينالكم ذلك منه فإنه شديد العقاب اهـ. الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون﴾ وهذا أمر من الله تعالى بمصارمة أعدائه ولو كانوا أقرب قريب كالآباء والأبناء والإخوان والعشيرة، وفي النص على الأقارب دليل على أن مصارمة من سواهم من الكفار مطلوبة بطريق الأولى والأحرى. الآية التاسعة: قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾

стр. 10

قال البغوي رحمه الله تعالى: أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار وأنّ من كان مؤمنا لا يوالي من كفر وإن كان من عشيرته اهـ. وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: أخبر أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرا فمن واد الكفار فليس بمؤمن اهـ. ثم أثنى الله ﵎ على الذين يصارمون أعداءه ويتقربون إليه ببغضهم ومبايبنتهم وأثبت لهم الإيمان والتأييد منه ووعدهم الثواب الجزيل في الدار الآخرة مع الرضى عنهم فقال تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ وقد أورد ابن كثير عند تفسير هذه الآية ما رواه نعيم بن حماد حدثنا محمد بن ثور عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة فيودّه قلبي فإني وجدت فيما أوحيته إليَّ: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله﴾). الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾

стр. 11

وهذا إخبار من الله تبارك تعالى بأن موالاة الكفار تنافي الإيمان بالله ورسوله وكتابه، وتوجب سخط الله وأليم عقابه، وفي هذا أبلغ زجر وتحذير من موالاتهم وموادتهم. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: بيّن أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم اهـ. الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا﴾ وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اعتز بالعبد أذله الله). الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا﴾. الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آوو ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾

стр. 12

قال البغوي: قال ابن اسحاق: جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: ﴿إلا تفعلوه﴾ وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن: ﴿تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ فالفتنة في الأرض قوة الكفر، والفساد الكبير ضعف الإسلام اهـ. وقال ابن كثير: أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلاّ وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل اهـ. الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون﴾ وهذا نهي من الله ﵎ عن الركون إلى الظالمين من الكفار والمنافقين والفساق والفجار، وإخبار منه تعالى بأن الركون إليهم موجب للعذاب في الدار الآخرة. قال الجوهري والهروي وغيرهما من أهل اللغة: الركون السكون إلى الشيء والميل إليه. وقال البغوي: هو المحبة والميل بالقلب. قال ابن عباس ﵄: لا تميلوا إلى الذين ظلموا. وعنه: هو الركون إلى الشرك. وعنه: لا تداهنوا. وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم.

стр. 13

وعن عكرمة: هو أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم. قال بعض العلماء: معنى تصطنعوهم تولّوهم الأعمال كمن يولي الفساق والفجار. وقال ابن الأثير: الاصطناع افتعال من الصنيعة وهي العطية والكرامة والإحسان. وقال الزمخشري: النهي متناول للإنخراط في هواهم والإنقطاع إليهم ومصاحبتهم والرضى بأعمالهم والنسبة إليهم والتزيي بزيهم. قال بعض العلماء: وكذلك مجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم ومدلين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم﴾ قال الجوهري: بطانة الرجل وليجته. وقال ابن الأثير: بطانة الرجل صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله. وقال البغوي في قوله تعالى ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾: أي أولياء وأصفياء من غير أهل ملّتكم وبطانة الرجل خاصته تشبيها ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطّلعون منه على مالا يطلع عليه غيرهم، ثم بين العلّة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره ﴿لا يألونكم خبالا﴾ أي لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد اهـ. وقال القرطبي في تفسيره: نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكافرين واليهود وأهل الأهواء دخلاء

стр. 14

وولائج يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم. وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إنّ ها هنا غلام من أهل الحيرة حافظا كاتبا فلو اتخذته كاتبا، فقال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب. الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون﴾ قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: وليجة الرجل خاصته وبطانته. وقال البغوي: وليجة بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم، قال: وقال أبو عبيدة كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة، فوليجة الرجل من يختص بدخيلة أمره دون الناس، يقال هو وليجتي وهم وليجتي للواحد والجمع. وقال الراغب الأصفهاني: الوليجة كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه وليس من أهله، من قولهم فلان وليجة في القوم إذا لحق بهم وليس منهم إنسانا كان أو غيره. قال: ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ وذلك مثل قوله: ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾.

стр. 15

فصل إذا علم تحريم موالاة أعداء الله تعالى وموادتهم، فليعلم أيضا أن الأسباب الجالبة لموالاتهم وموادتهم كثيرة جدا، ومن أقربها وسيلة مساكنتهم في الديار، ولاسيما في ديارهم الخاصة بهم، ومخالطتهم في الأعمال ومجالستهم في المجالس ومصاحبتهم وزيارتهم واستزارتهم وتولي أعمالهم وتوليتهم في أعمال المسلمين والتزيي بزيِّهم والتأدب بآدابهم وتعظيمهم بالقول أو بالفعل. وكثير من المسلمين واقعون في بعض هذه الأفعال الذميمة، وبعضهم واقع في كثير منها فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكما أن الله قد كرر النهي لعباده المؤمنين عن موالاة أعدائه وشدد عليهم في ذلك وحذرهم مما يترتب على موالاتهم من الفتنة والفساد في الأرض وسخط الله وأليم عقابه في الدار الآخرة، فقد أمر ﵎ مع ذلك بالغلظة على أعدائه والشدة عليهم ومعاملتهم بما فيه إذلال لهم وتصغير وتحقير لشأنهم وكل ذلك بضد موالاتهم وموادتهم قال الله تعالى: ﴿ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ وقال تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر

стр. 16

ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ وقال تعالى: ﴿ولا يطأُون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلاّ كتب لهم به عمل صالح إن الله لايضيع أجر المحسنين﴾ وقال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾. فصل وقد وردت أحاديث كثيرة بالنهي عما فيه تعظيم لأعداء الله تعالى ولو بأدنى شيء من التعظيم، والمقصود من ذلك والله أعلم سد الذريعة إلى موالاتهم وموادتهم فمن ذلك بداءتهم بالسلام ومصافحتهم والترحيب بهم والقيام لهم وتصديرهم في المجالس والتوسيع لهم في الطريق، لما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده بنحوه.

стр. 17

وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد: (إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقها). ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه. وفي المسند أيضا عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّي راكب غدا إلى يهود فلا تبدءوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم) ورواه ابن ماجة في سننه عن أبي عبد الرحمن الجهني ﵁ عن النبي ﷺ بمثله، وقد قيل أن أبا عبد الرحمن هذا هو عقبة بن عامر. قال الحافظ ابن حجر: قرأت بخط الحافظ عماد الدين ابن كثير أنه قيل هو عقبة بن عامر الصحابي المشهور. وقد يكون غيره فقد ذكر ابن عبد البر في كنية عقبة بن عامر ثمانية أقوال ولم يذكر فيها أبا عبد الرحمن. وذكر النووي فيها تسعة أقوال ولم يذكر فيها أبا عبد الرحمن والله أعلم. وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي والحافظ الضياء في المختارة عن أبي بصرة الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ مثل حديث عقبة. وروى أبو نعيم في الحلية عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تساووهم في المجلس وألجئوهم إلى أضيق الطرق فإن سبّوكم فاضربوهم وإن ضربوكم فاقتلوهم).

стр. 18

وفي رواية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (صغروا بهم كما صغر الله بهم). قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: تكره أن يقال للرجل الذمي كيف أصبحت أو كيف حالك أو كيف أنت أو نحو هذا؟ قال: نعم، هذا عندي أكثر من السلام. وقال أبو عبد الله: إذا لقيته في الطريق فلا توسع له. وقال أبو داود أيضا سمعت أحمد سئل: أيبتدأ الذمي بالسلام إذا كانت له إليه حاجة؟ قال: لا يعجبني. وذكر غير أبي داود أن أحمد رحمه الله تعالى سئل عن مصافحة أهل الذمة، فكرهه. وروى أبو نعيم في الحلية من طريق اسحاق ابن راهويه حدثنا بقية حدثني محمد القشيري عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصافح المشركون أو يكنّوا أو يرحب بهم. ومما يجب النهي عنه ما يفعله كثير من الجهال في زماننا إذا لقي أحدهم عدوّ الله سلم عليه ووضع يده على صدره إشارة إلى أنه يحبه محبة ثابتة في قلبه أو يشير بيده إلى رأسه إشارة إلى أن منزلته عنده على الرأس. وهذا الفعل المحرم يخشى على فاعله أن يكون مرتدا عن الإسلام لأن هذا من أبلغ الموالاة والموادة والتعظيم لأعداء الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾.

стр. 19

فصل قال ابن مفلح في الفروع: وتحرم العيادة والتهنئة والتعزية لهم كالتصدير والقيام والبداءة بالسلام وكمبتدع يجب هجره. وعنه: يجوز وفاقا لأبي حنيفة والشافعي. وعنه: لمصلحة راجحة كرجاء الإسلام اختاره شيخنا. ومعناه قول الآجري وأنه قول العلماء أنه يعاد ويعرض عليه الإسلام وقد نقل عنه أبو داود أنه كان يريد أن يدعوه للإسلام فنعم اهـ. قلت: أمّا عيادة المشرك والكتابي لعرض الإسلام عليه إذا رجى إسلامه فالصحيح جواز ذلك، والدليل عليه ما في الصحيحين وغيرهما عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: (يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة. الحديث. وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي عن أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم. فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار).

стр. 20

وأما تهنأتهم وتعزيتهم فالأصح تحريم ذلك كما جزم به كثير من العلماء وعللوا ذلك بأنه يحصل الموالاة ويثبت المودّة ولما فيه من تعظيم أعداء الله تعالى فيحرم لذلك كما تحرم بداءتهم بالسلام والتوسيع لهم في الطريق. ومما لا ريب فيه أنه من موالاة أعداء الله وموادتهم ما يفعله بعض الناس من الذهاب إلى أعداء الله تعالى في أيام عيدهم فيدخلون عليهم في بيوتهم وكنائسهم ويهنئونهم بأعيادهم الباطلة وما هم فيه من السرور بها، ولقد ذكر لنا أن هذا يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم فضلا عن العامة. وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ أن المراد به أعياد المشركين حكاه البغوي عن مجاهد، وحكاه ابن كثير عن أبي العالية وطاووس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم. وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن عطاء بن يسار قال: قال عمر ﵁: إياكم ورطانة الأعاجم وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم. وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عطاء بن دينار قال: قال عمر ﵁: لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم. وروى أيضا بإسناده عن البخاري صاحب الصحيح قال: قال لي إبن أبي مريم: أنبأنا نافع بن يزيد سمع سليمان بن أبي زينب وعمرو بن الحارث سمع سعيد بن سلمة سمع أباه سمع عمر بن الخطاب ﵁ قال: اجتنبوا أعداء الله في عيدهم.

стр. 21

قال عبد الملك بن حبيب: سئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه. قال: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي للنصراني شيئا في عيدهم مكافأة له ورآه من تعظيم عيده وعونا له على كفره ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا إداما ولا ثوبا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من عيدهم لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن عونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم أعلم اختلف فيه. وأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع على كراهته بل هو عندي أشد. هذا كله كلام ابن حبيب المالكي نقله عنه شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ونقل كلاما كثيرا لأئمة السلف في هذا المعنى فليراجع فإنه مهم مفيد لكل من كان الحق ضالته. وإذا كان الخليفة الراشد الذي أمر رسول الله ﷺ بالاقتداء به قد نهى عن مجرد الدخول على أعداء الله تعالى في يوم عيدهم فكيف يقال في العصاة الذين يدخلون عليهم ويهنئونهم بأعيادهم الباطلة ولعلهم مع ذلك يتطلقون في وجوه أعداء الله تعالى ويظهرون الفرح والسرور بما فرح به أعداء الله وسروا به من أعيادهم الباطلة.

стр. 22

الجواب أن يقال: لا يشك مسلم عاقل شم أدنى رائحة من العلم أن هذا من الموالاة والموادة لأعداء الله تعالى ومن المحادة لله ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونصله جهنَّم وساءت مصيرا﴾ ومن هذا الباب ما أحدثه بعض المنتسبين إلى الإسلام في زماننا من الأعياد الباطلة كعيد الثورة، وعيد الجلاء، وعيد الاستقلال وغير ذلك من أعيادهم الباطلة فلا يجوز للمسلم حضور شيء من هذه الأعياد المبتدعة ولا التهنئة بها فضلا عن السرور بها. وكذلك عيد الجلوس الذي أحدثه بعض المسلمين فلا تجوز التهنئة به ولا السرور به. وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في أحكام الذمة: (فصل في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك) وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد فأباحها مرة ومنعها أخرى والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهّال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه كما يقول: أحدهم متّعك الله بدينك أو يقول: له أعزك الله أو أكرمك، إلاّ أن يقول: أكرمك الله بالإسلام وأعزّك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأقوال المشتركة.

стр. 23

وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة التهنئة بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدْر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدرك قبح ما فعل، فمن هنّأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه. وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنّبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والافتاء تجنبا لمقت الله وسقوطهم من عينه اهـ. فانظر إلى حكايته الاتفاق على تحريم تهنئة أعداء الله تعالى بأعيادهم الباطلة وانظر إلى ما وقع فيه كثير من المسلمين في زماننا لتعرف غربة الدين والله المستعان. فصل ومما ورد النهي عنه أيضا مصاحبة أعداء الله تعالى ودعوتهم إلى طعام كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني والترمذي والدارمي وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 24

قال الخطابي: إنما جاء هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة وذلك أن الله سبحانه قال: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾ ومعلوم أن أسراهم كانوا كفارا غير مؤمنين ولا أتقياء. وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته لأن المطاعمة توقع الألفة والمودّة في القلوب، يقول لا تؤالف من ليس من أهل التقوى والورع ولا تتخذه جليسا تطاعمه وتنادمه اهـ. وروى الإمام أحمد أيضا وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني والترمذي والحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). وفي رواية لأحمد: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالط). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح إن شاء الله تعالى ووافقه الذهبي في تلخيصه وصححه أيضا النووي. فصل ومما ورد النهي عنه أيضا مكاتبة أعداء الله تعالى وتكنيتهم بكنى المسلمين كأبي عبد الله وأبي القاسم، وكذلك تلقيبهم بألقاب المسلمين كعز الدين ونحوه. وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده أن عمر ﵁ كتب: ألاّ تكاتبوا أهل الذمة فتجري بينكم وبينهم المودة ولا تكنّوهم وأذلوهم ولا تظلموهم، وفي الشروط التي التزم بها أهل الذمة وأمضاها عليهم عمر ﵁ فمن بعده أنهم لا يكتنون بكنى المسلمين. وقد تقدم قريبا حديث جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ -

стр. 25

أن يصافح المشركون أو يكنّوا ويرحب بهم. رواه أبو نعيم في الحلية. فصل و لا يجوز مدح أعداء الله تعالى لما رواه ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز لذلك العرش). فصل ولا يجوز وصف أعداء الله تعالى بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد، والعبقري، والسامي ونحو ذلك، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم ورواه الحاكم في مستدركه وصححه، ورواه البيهقي في شعب الإيمان بنحوه. ولفظ الحاكم: (إذا قال الرجل للمنافق يا سيد فقد أغضب ربه ﵎. ولفظ البيهقي: (إذا قال الرجل للمنافق ياسيد فقد باء بغضب ربه). قال الطيبي: ومولانا داخل في هذا الوعيد بل أشد وكذا قوله أستاذي اهـ. وقد قلت المبالاة بشأن هذا الحديث الشريف حتى صار إطلاق إسم السيد ونحوه على كبراء الكفار والمنافقين مألوفا عند كثير من المسلمين في هذه الأزمان،

стр. 26

ومثل السيد (المستر) باللغة الإفرنجية. وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث أهل الإذاعات، لأنهم يجعلون كل من يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار والمنافقين سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير والصغير والشريف والوضيع والذكر والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافا لما شرعه الله من تأخيرهن. وبعض أهل الأمصار يسمون جميع نسائهم سيدات، وسواء عندهم في ذلك المسلمة والكافرة والمنافقة والصالحة والطالحة. ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة ﵁ أهل الجرائد والمجلات وما شابهها من الكتب العصرية لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله وموادتهم وتعظيمهم بأسا، ولا يرون للحب في الله والبغض في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه قدرا وشأنا. فصل وقد ورد النهي عن مجامعة المشركين ومساكنتهم في ديارهم والتغليظ في ذلك لأن مجامعتهم ومساكنتهم من أعظم الأسباب الجالبة لموالاتهم وموادتهم، والأحاديث في ذلك كثيرة: الحديث الأول: منها عن سمرة بن جندب ﵁ قال: أما بعد قال رسول الله ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) رواه أبو داود، ورواه الترمذي معلقا بصيغة الجزم فقال: وروى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم).

стр. 27

ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا) قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الذهبي في تلخيصه على شرط الشيخين: وظاهر هذا الحديث العموم لكل من جامع المشركين وساكنهم اختيارا منه لذلك لا اضطرارا وعجزا اهـ. الحديث الثاني: عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قالوا يا رسول الله: ِلم؟ قال: (لا تراءى ناراهما) رواه أبو داود والترمذي بهذا اللفظ، ورواه الطبراني في الكبير والبيهقي في سننه ولفظهما: (من أقام مع المشركين فقد برأت منه الذمة). قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد رحمه الله تعالى يُسأل عن معنى لا تراءى ناراهما فقال: لا تنزل من المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم ولكن تباعد عنهم اهـ. وقال ابن الأثير في النهاية: أي يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان وحث المسلمين على الهجرة. وإسناد الترائي إلى النارين مجاز من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان. أي تقابلها يقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان اهـ.

стр. 28

وفي هذين الحديثين وعيد شديد لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارا، فليحذر المسلمون المقيمون بين الوثنين والمرتدين والنصارى والمجوس وغيرهم من أعداء الله تعالى أن يلحقهم هذا الوعيد الشديد. الحديث الثالث: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تستضيئوا بنار المشركين) رواه الإمام أحمد والنسائي والبخاري في تاريخه وابن جرير وأبو يعلى. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: معناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم واختار هذا القول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى اهـ. قال ابن الأثير: معناه لا تستشيروهم ولا تأخذوا بآرائهم، جعل الضوء مثلا للرأي عند الحيرة اهـ. قلت: وهذا القول مروي عن الحسن البصري رواه عنه أبو يعلى وابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا﴾ قال الحسن: وأما قوله ولا تستضيئوا بنار المشركين فإنه يقول لا تستشيروهم في شيء من أموركم قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾. قال ابن كثير: وهذا التفسير فيه نظر. قلت: والظاهر أن النهي شامل للأمرين كليهما فلا يجوز لمسلم

стр. 29

مساكنة المشركين اختيارا ولا مشاورتهم وأخذ آرائهم، والقول الأول أظهر يدل ذلك قوله ﷺ : (لا تراءى ناراهما). وقوله في حديث الزهري الذي سيأتي ذكره قريبا: (وأنك لا ترى نار مشرك إلاّ وأنت له حرب) والله أعلم. الحديث الرابع: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقبل الله من مشرك بعدما يسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين) رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه. الحديث الخامس: عن يزيد بن الشخّير قال: بينا أنا مع مطرف بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أدم، قال: كتب لي هذه رسول الله ﷺ ، فهل أحد منكم يقرأ؟ قال: قلت أنا أقرأ، فإذا فيها: (من محمد النبي ﷺ لبني زهير بن أُقَيْش أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفارقوا المشركين وأقروا بالخمس في غنائمهم وسهم النبي وصَفيِّه أنهم آمنون بأمان الله ورسوله) رواه النسائي. الحديث السادس: عن جرير ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وعلى فراق المشركين. رواه النسائي. وفي رواية له قال جرير: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم، قال: (أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين).

стр. 30

الحديث السابع: عن أبي اليسر كعب بن عمرو ﵁ قال: أتينا النبي ﷺ وهو يبايع الناس فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم بالشرط، قال: (أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلم وتفارق المشرك) رواه الحاكم في مستدركه. الحديث الثامن: عن الزهري مرسلا أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال: (تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب) رواه ابن جرير. فليتأمل المسلمون الساكنون مع أعداء الله تعالى هذه الأحاديث وليعطوها حقّها من العمل فقد قال الله تعالى: ﴿فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب﴾. فصل والحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله من أهم أمور الدين وأوثق عرى الإيمان كما قيل: وما الدين إلا الحب والبغض والولا كذاك البرا من كل غاو ومعتد وروى الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: كنّا جلوسا عند النبي ﷺ فقال: (أيّ عرى الإسلام أوثق؟) قالوا: الصلاة. قال: (حسنة وما هي بها) قالوا: صيام رمضان، قال: (حسن وما هو

стр. 31

به) قالوا: الجهاد. قال: (حسن وما هو به) قال: (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله). ورواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإيمان بنحوه. وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أوثق عرى الإيمان، الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله). وروى أبو داود الطيالسي في مسنده والطبراني في الصغير والحاكم في مستدركه وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ فقال: (يابن مسعود، أي عرى الإيمان أوثق؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أوثق عرى الإسلام الولاية في الله والحب في الله والبغض في الله). وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله). وروى الإمام أحمد والطبراني في الكبير عن معاذ بن أنس ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن أفضل الإيمان قال: (أن تحب لله وتبغض لله وتُعمل لسانك في ذكر الله) قال: وماذا يا رسول الله؟، قال: (وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك). وروى الإمام أحمد والطبراني أيضا عن عمرو بن الجموح ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله فإذا أحب لله ﵎ وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله).

стр. 32

وروى أبو داود في سننه والبيهقي في شعب الإيمان والحافظ الضياء المقدسي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان). وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن معاذ بن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل الإيمان) قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو داود الطيالسي والنسائي واللفظ له عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وطعمه، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله وأن يبغض في الله وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بغير هذا اللفظ. وروى الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن عائشة ﵂ مرفوعا: (الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور أو تبغض على شيء من العدل، وهل الدّين إلاّ الحب في الله والبغض في الله، قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾). وروى أبو نعيم أيضا من طرق عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ : أحب في الله

стр. 33

وأبغض في الله ووال في الله وعاد في الله فإنك لن تنال ولاية الله إلاّ بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك. وصارت موالاة الناس في أمر الدنيا وأن ذلك لا يجزئ عن أهله شيئا. وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعاد في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: فإذا كانت البلوى قد عمت بهذا في زمن ابن عباس ﵄ خير القرون فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان اهـ. قلت: والأمر بعد زمن الشيخ عبد الرحمن أعظم وأعظم، ولا سيما في زماننا هذا الذي قد اشتدت فيه غربة الدين وانعكست فيه الحقائق عند الأكثرين حتى عاد المعروف عندهم منكرا والمنكر معروفا، ومن ذلك موالاة الكفار والمنافقين وموادتهم ومصاحبتهم ومجالستهم ومواكلتهم ومشاربتهم والأنس بهم والإنبساط معهم وكذلك موادة أهل البدع والفسوق والعصيان ومصاحبتهم ومجالستهم ومواكلتهم ومشاربتهم والأنس بهم والإنبساط معهم كل ذلك قد صار من قبيل المعروف عند أكثر الناس بل عند كثير ممن ينتسب إلى العلم والدين.

стр. 34

وأما الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله وهجر أهل المعاصي لله والإكفهرار في وجوههم من أجل ما ارتكبوه من المعاصي فكل ذلك قد صار عند كثير من الناس من قبيل المنكرات. حتى أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم قد صاروا يدندنون حول انكار هذه الأعمال الفاضلة المحبوبة إلى الله تعالى ويعدونها من مساوئ الأخلاق، ويعيبون على من يعمل بها ويذمونهم ويعدونهم لذلك أهل تجبر وتكبر وتعنت وشذوذ وتشديد وغلو في الدين، وقد سمعت هذا أو بعضه من بعض الخطباء والقصاص الثرثارين المتشدقين الذين يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون، ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون. وسمعت بعضهم يصرح على رؤوس الأشهاد بانكار الحب في الله والبغض في الله، وسمعتهم أيضا يحثون الناس في خطبهم وقصصهم على حسن السلوك مع الناس كلهم واستجلاب مودتهم ومحبتهم ويرغبونهم في إظهار البشاشة لكل أحد وسواء على ظاهر كلامهم الصالح والطالح من الناس , وربما صرح بعضهم أن هذه الأفعال الذميمة من حسن الخلق ومن مقتضيات العقل. فيقال لهؤلاء الحيارى المغرورين، العقل في باب الحب والبغض

стр. 35

والموالاة والمعاداة عقلان: أحدهما: عقل مسدد موفق قاهر للهوى والنفس الأمارة بالسوء قد استنار بنور الإيمان وصار الحاكم عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهذا العقل يقتضي من أصحابه أن لا يقدموا على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ شيئا أبدا ويقتضي من أصحابه أن يحبوا في الله ويبغضوا في الله ويوالوا في الله ويعادوا في الله ويعطوا لله ويمنعوا لله ويسارعوا إلى كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال سواء رضي الناس أو سخطوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وما أقل أهل هذا العقل في هذه الأزمان المظلمة. والعقل الآخر: عقل معيشي نفاقي مخذول قد قهرته النفس الأمارة بالسوء وأسرته الحظوظ الدنيوية والشهوات النفسية وصار الحاكم عليه الهوى فمحبته لهواه وبغضه لهواه وموالاته لهواه ومعاداته لهواه وبذله لهواه ومنعه لهواه. فهذا العقل يقتضي من أربابه أن يتملقوا لسائر أصناف الناس بألسنتهم ويحسنوا السلوك مع الصالح والطالح، وهذا العقل هو الغالب على أكثر الناس في زماننا عامتهم وخاصتهم وما أكثره في المنتسبين إلى العلم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله أبي تغترون أم علي تجترئون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا).

стр. 36

وروى الترمذي أيضا عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن الله ﵎ قال: لقد خلقت خلقا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا فبي يغترون أم علي يجترئون) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وفي هذين الحديثين إشارة إلى أهل العقل المعيشي النفاقي وما هم عليه من المنافقة باللسان والتكلف والتصنع في الظاهر يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في وصف أهل هذا العقل: يظن أربابه أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون، فإنهم يرون العقل أن يرضوا الناس على طبقاتهم ويسالموهم ويستجلبوا مودتهم ومحبتهم وهذا مع أنه لا سبيل إليه فهو إيثار للراحة والدعة على مؤنة الأذى في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه وهو وإن كان أسلم عاجلة فهو الهلك في الآجلة فإنه ما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه فالعقل كل العقل ما أوصل إلى رضا الله ورسوله والله الموفق اهـ. وفي حديث مرفوع ذكره ابن عبد البر وغيره: (أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا، فقد تعجلت به الراحة، وأما انقطاعك إلي، فقد اكتسبت به العز فما عملت فيما لي عليك، قال: وما لك علي، قال هل واليت في وليا، أو عاديت في عدوا). قلت: وقد رواه أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن محمد بن أبي الورد قال: حدثني سعيد بن منصور حدثنا خلف بن خليفة عن

стр. 37

حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فذكره بنحوه. وذكر ابن عبد البر أيضا: (أن الله تعالى أوحى إلى جبريل أن اخسف بقرية كذا وكذا قال: يارب إن فيهم فلانا العابد، قال: به فابدأ، إنه لم يتمعر وجهه فيّ يوما قط) وقد رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ فذكره بنحوه. وروى أبو نعيم في الحلية من حديث مكحول عن واثلة بن الأسقع ﵁ مرفوعا، قال: (يؤتى بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له ذنبا فيقول له: هل كنت توالي أوليائي، قال: كنت من الناس سلما، قال: فهل كنت تعادي أعدائي، قال: رب لم يكن بيني وبين أحد شيء، فيقول الله : لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي). إذا علم هذا فأهل العقل المعيشي لا يرون بمداهنة البدع والفسوق والعصيان بأسا، وكثير منهم لا يرون بمداهنة الكفار والمنافقين بأسا. وبعض أهل الجهل المركب منهم ينكرون على من يهجر أهل البدع والفسوق والعصيان ويكفهر في وجوههم ويعدون ذلك من الهجر الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: (لا تهاجروا) وقوله: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث). وقد سمعت هذا من بعض الخطباء والقصاص منهم والحامل لهم على التسوية بين الهجر الديني وهو ما كان لله وبين الهجر الدنيوي وهو ما كان لحظ النفس لا يخلو من أحد أمرين:

стр. 38

إما الجهل بالفرق بين هذا وهذا. وإما قصد لبس الحق بالباطل عنادا ومكابرة وتمويها على الأغبياء الذين لا علم لهم بمدارك الأحكام، وهذا الأخير هو الظاهر من حال المتلبسين منهم ببعض المعاصي ليدفعوا عن أنفسهم الشنعة وليوهموا الجهال أن هجرهم إياهم من أجل المعصية لا يجوز وأن الذين يهجرونهم من طلبة العلم وغيرهم ليسوا مصيبين. فيقال لهؤلاء المذبذبين المدلسين: أن الذي جاءت الأحاديث بالنهي عنه فيما زاد على الثلاث هو التهاجر الدنيوي كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقد جاءت السنة بهجر أهل المعاصي حتى يتوبوا كما هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه خمسين يوما ولم يكلمهم حتى تاب الله عليهم. وهجر زينب بنت جحش ﵂ قريبا من شهرين لما قالت: أنا أعطي تلك اليهودية ـ تعني صفية ـ. وهجر الذي بنى فوق الحاجة حتى هدم بناءه وسواه بالأرض وهجر رجلا رآه متخلقا بزعفران حتى غسله وأزال عنه أثره. وهجر رجلا رأى عليه جبة من حرير حتى طرحها. وهجر رجلا رأى في يده خاتما من ذهب حتى طرحه. وفي سنن أبي داود وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم أنه ﷺ هجر رجلا رأى عليه ثوبين أحمرين. وكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يهجرون من أظهر المعصية حتى يتوب وتظهر توبته وقد قال ابن عبد القوي:

стр. 39

وهجران من أبدى المعاصي سنة ... وقيل إذا يردعه أوجب وأوكد وقيل على الإطلاق ما دام معلنا ... ولاقه بوجه مكفهر معربد فلم يذكر خلافا في سنية هجر العاصي المجاهر بالمعصية سواء ارتدع بالهجر أو لم يرتدع، وإنما الخلاف في الوجوب هل هو على الإطلاق أم إذا كان العاصي يرتدع به فأين هذا مما يراه المتهوكون من إبطال الهجر الديني بالكلية ومعاملة الناس كلهم صالحهم وطالحهم باللطف واللين والمودة. قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع. قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يُسلِّم سَلَّم. وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام إسم من أسماء الله تعالى فكأنَّه قال: الله رقيب عليكم. وقال المهلب: ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطى خوارم المروءة ككثرة المزاح واللهو وفحش القول والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء ونحو ذلك اهـ. وحكى ابن رشد قال: قال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء. قال ابن دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم والتبري منهم. وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه

стр. 40

(باب الهجر)، وقول النبي ﷺ : (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث) ثم ساق في الباب ثلاثة أحاديث في تحريم الهجر فوق ثلاث ثم قال: (باب ما يجوز من الهجران لمن عصى) وقال كعب حين تخلف عن النبي ﷺ : ونهى النبي ﷺ المسلمين عن كلامنا وذكر خمسين ليلة. ثم قال بعد ذلك في كتاب الإستئذان: (باب من لم يسلم على من اقترف ذنبا ومن لم يرد سلامه حتى تتبين توبته وإلى متى تتبين توبة العاصي) وقال عبد الله بن عمرو ﵄: لا تسلموا على شربة الخمر. ثم ذكر طرفا من حديث كعب بن مالك قال: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا حتى كملت خمسون ليلة. قال الطبري: قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي. قلت: وقد أجاد البخاري رحمه الله تعالى وأفاد فيما سلكه من التفريق بين الهجر الدنيوي والهجر الديني فإنه ذكر في الترجمة الأولى حكم الهجر الدنيوي وأنه يحرم فوق ثلاث ثم ذكر في الترجمة الثانية والترجمة الثالثة حكم الهجر الديني وهو هجر أهل المعاصي لله وأبان أنه لا حد له إلا بالتوبة الصادقة. وقد سلك أبو داود رحمه الله تعالى نحو هذا المسلك فقال في كتاب الأدب من سننه:
следующие страницы →