← Общие книги

Общие книги · id 38183

التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم

منقذ السقار

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

أرنود قتل جميع سكان القرية، قائلاً: «اقتلوهم جميعاً لأن الرب يعرف جماعته» (١)، فقتل ما يربو على ٢٠ ألفاً، وأوصلته بعض التقديرات إلى مائة ألف. لكن مذبحة سان بارثليمبو عام ١٥٧٢م في باريس كانت أكبر منها، فقد راح ضحيتها سبعون ألف برتستنتي بمباركة من الكنيسة الكاثوليكية (٢). وحتى لا أطيل على قارئي الكريم فإني أختصر بنقل مقالة البابا إنوسنت الثالث، فهي تجسد روح تلك الفترة: «إن أي إنسان سوف يحاول بناء رأي شخصي عن الرب يتعارض مع عقيدة الكنيسة ينبغي حرقه من دون شفقة» (٣). وبالعود إلى المجتمع المسلم وعلاقته بغير المسلمين المقيمين فيه؛ فإن العلماء والخلفاء المسلمون ما زالوا يتواصون بحقوق أهل الذمة، كلٌ يحذر أن تخفر ذمة الله وذمة نبيه ﷺ وهو شاهد، لأجل ذلك حرصوا على تفقد أحوالهم ومعرفة أمورهم، ومن ذلك أن وفداً من أهل الذمة جاء إلى عمر، قال عمر للوفد: (لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم؟) فقالوا: ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة (٤). ويرسل عمر كتاباً إلى عامله أبي عبيدة، فيقول موصياً بأهل الذمة: "وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها، ووفِ لهم بشرطهم الذي شرطت لهم في جميع ما أعطيتهم" (٥). ولما جاءه مال الجباية سأل ﵁ عن مصدره مخافة العنت والمشقة على أهل الذمة، ففي الأثر عنه ﵁ "أنه أتي بمال كثير، أحسبه قال: من الجزية. فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس؟ قالوا: لا، والله ما أخذنا إلا عفواً صفواً. قال: بلا سوط ولا نوط؟ قالوا: نعم. قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني " (٦). ولما جاء عمر ﵁ الشام تلقاه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف والريحان يلعبون بين يديه. فكره عمر لعبهم، وأمر بمنعهم. فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذه سُنتهم، وإنك إن منعتهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم. فقال عمر: دعوهم. وفي رواية ابن زنجويه أنه قال: (دعوهم، عمرُ وآلُ عمر في طاعة أبي عبيدة) (٧) فقد كره ﵁ مساءتهم، وأن يظنوا به النقض، فأذعن لقول أبي عبيدة. ولما تدانى الأجل به ﵁ لم يفُته أن يوصي المسلمين برعاية أهل الذمة الذين قتله واحد منهم (أبو لؤلؤة المجوسي)، فقال: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيراً، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتلوا من ورائهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم) (٨) فكأنهم ﵁ خشي أن يؤدي مقتله على يد واحد منهم إلى إجحاف في حق إخوانه من أهل الذمة. وكتب إلى واليه في مصر: "واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، فإنه قال ﵎ في كتابه: ﴿واجعلنا للمتقين إماماً﴾ (الفرقان: ٧٤) يريد [أي من

стр. 37

المؤمن] أن يُقتدى به، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله ﷺ بهم، وأوصى بالقبط فقال: «استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً»، ورحِمُهم أن أم إسماعيل منهم، وقد قال ﷺ : «من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته؛ فأنا خصمه يوم القيامة» احذر يا عمرو أن يكون رسول الله ﷺ لك خصماً، فإنه من خاصمه خَصَمه" (١). وكتب علي بن أبي طالب ﵁ بلسان الوجِل من ربه إلى عماله على الخراج: "إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة، شتاءً ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضاً في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك" (٢). ولما فتح المسلمون دمشق ولي قسم منازلها بين المسلمين سبرة بن فاتك الأسدي، فكان ينزل الرومي في العلو، وينزل المسلم في السفل؛ لأنْ لا يضر المسلم بالذمي (٣). ويدخل فقيه عصره أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة على الخليفة هارون الرشيد يذكره برعاية أهل الذمة وتفقد أحوالهم، ويستميل قلبه بذكر قرابته من رسول الله ﷺ صاحب ذمتهم، فيقول: "وقد ينبغي يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم بالرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ﷺ ، والتفقد لهم حتى لا يظلموا، ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم" (٤). وقد شهد المؤرخون بسمو حضارتنا في هذا الباب، فقد اعترف بريادتنا له نصارى حمص حين كتبوا إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁: " لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"، ثم أغلقوا أبواب المدينة في وجه الروم إخوانهم في العقيدة (٥). وتنقل المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها الماتع " شمس العرب تسطع على الغرب" شهادة مهمة من بطريك بيت المقدس، فتقول: " فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف" (٦).

стр. 38

سادساً: التكافل الاجتماعي لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين - الذين يقيمون في المجتمع المسلم - كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي. فإن الله بعث نبيه ﷺ رحمة للعالمين ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، وقد أمر ﷺ المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة، في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان، فقال ﷺ : «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (١)، وكلمة الناس لفظة عامة تشمل كل أحد، دون اعتبار لجنس أو دين. قال ابن بطال: "فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق , فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك" (٢). ومن صور رحمة المسلمين بالحيوان ما يحكيه لنا الأنبا ايسذورس عن رحمة عمرو بن العاص بحمامة بنت عشها على فسطاطه بين المقطم وحصن بابليون، فلما أراد الجند التوجه للإسكندرية وشرعوا في هدم الخيام لحظوا الحمامة وعشها، فقال عمرو: "لقد احتمت بجوارنا، حرام علينا أن نخون بها، وقد استجارت وتحصنت بِحمانا، اتركوا فسطاطي منصوبة لها إلى أن يطير فراخها"، وترك عمرو رجلاً يحرس الحمامة وفراخها، ثم لما رجع من الاسكندرية بنى في محله مدينة الفسطاط (٣). وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال ﵎: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ (البقرة: ١٩٥). وقد جعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركناً من أركان الإسلام، فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ (التوبة: ٦٠) قال القرطبي: " ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة .. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب" (٤). ويقول السرخسي: "لنا أن المقصود سد خلة المحتاج ودفع حاجته بفعل هو قربة من المؤدي، وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة، فإن التصديق عليهم قربة

стр. 39

بدليل التطوعات، لأنّا لم ننه عن المبرة لمن لا يقاتلنا، قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ (الممتحنة: ٨) " (١). ولئن كان الخلاف بين الفقهاء قوياً في بر أهل الذمة من أموال الزكاة المفروضة، فإنهم أجازوا دفع الكفارة الواجبة إلى أهل الذمة، بل قدمهم الكاساني فيها حتى على المسلم، لأنها "وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم، كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى، لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه" (٢). وأمر القرآن الكريم ورغَّب بالصدقة على غير المسلمين، فقد روى أبو عبيد أن بعض المسلمين كان لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، يريدوهم أن يسلموا، فنزلت: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ (البقرة: ٢٧٢) (٣). وقد جاء في مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم " (٤). وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين: كنت مع سفيان بن سلمة، فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ (الإنسان: ٨). يقول أبو عزيز بن عمير: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالأسارى خيراً»، وكنت في نفر من الأنصار، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز، بوصية رسول الله ﷺ إياهم (٥). كما أجاز الفقهاء الوقف لهم، واعتبروه من وجوه البر التي يحبها الله، يقول محمد بن الحسن الشيباني: "ويصح [الوقف] على أهل الذمة؛ لأنهم يملكون ملكاً محترماً، وتجوز الصدقة عليهم .. وإذا جازت الصدقة عليهم جاز الوقف عليهم كالمسلمين، وروي أن صفية زوج النبي ﷺ وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف المسلم عليه كالمسلم، ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين من أهل الذمة وغيرهم؛ صح" (٦). وهذا كما رأينا بعض البر والعدل الذي حثَّ عليه القرآن الكريم، حين ذكر أهل الذمة المسالمين الذين لا يعتدون على المسلمين، فقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب

стр. 40

المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨). ويفصل الإمام القرافي في شرحه للبر والعدل المأمور به في معاملة غير المسلمين، فيقول: "وأما ما أمر به من برِّهم من غيرمودة باطنية، فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم .. وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم ... " (١). ويقول القرشي المالكي في شرحه على مختصر خليل: "دفع الضرر وكشف الأذى عن المسلمين أو ما في حكمهم من أهل الذمة من فروض الكفايات، من إطعام جائع وستر عورة، حيث لم تفِ الصدقات ولا بيت المال بذلك" (٢). ووفق هذا الهدي سلك أصحاب النبي ﷺ من بعده، فكتب خالد بن الوليد ﵁ لنصارى الحيرة: "وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله" (٣). وروى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فقال: (ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير) (٤). وفي رواية أن عمر أخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ (التوبة: ٦٠) والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب)، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه (٥). وكان مما أمر به ﵁: "من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه" (٦). ومر ﵁ في الجابية على مجذومين من أهل الذمة، فأمر أن يعطوا من صدقات المسلمين، وأن يجرى عليهم القوت من بيت المال (٧). وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة: "وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه" (٨). وقد سجل هذه الرعاية الفريدة المستشرق بارتولد في كتابه "الحضارة الإسلامية"،

стр. 41

فقال: "إن النصارى كانوا أحسن حالاً تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل" (١).

стр. 42

المبحث الثاني: الجزية ما يزال البعض - ممن حرم التحقيق والإنصاف - يعيب على المسلمين ما قرره القرآن من الجزية على الذين رفضوا الدخول في الإسلام، ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (التوبة: ٢٩) واعتبروا الجزية نوعاً من الإكراه على الإسلام، وأنها جزاء وعقوبة على الكفر، وأن فيها ظلماً لأهل الذمة، وزاد نفورهم من هذه الشرعة حين قرؤوا قوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ فأخطؤوا ثانية في فهمها ومعرفة مراد الله فيها. ولسوف نعرض في هذه الدراسة لمعنى الجزية والصغار، والحكمة منها ومقدارها، بعد أن نلقي إيماءة على تاريخها: أولاً. معنى الجزية في اللغة والاصطلاح الجزية اسم قديم أطلقته الأمم على ما تدفعه الأمم المغلوبة لغالبيها من مال جزاء الخدمات المقدمة إليهم. وقد استعمل المسلمون هذا الاسم في معاملتهم لمواطنيهم غير المسلمين، وذلك لموافقته ودلالته على المعنى المراد به في شرعة المسلمين، فالجزية في لغة العرب مشتقة من مادة (ج ز ي)، والعرب تقول: "جزى، يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه"، والجزية مشتق على وزن فِعلة من المجازاة، بمعنى "أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن"، وقال ابن المطرز: بل هي من الإجزاء "لأنها تجزئ عن الذمي" (١). وعلى كلا المعنيين فهي ليست - كما زعم بعض الفقهاء وتلقفها المتربصون - عقوبة ينالها الكافر على كفره، فإن عقوبة الكفر لن تكون بضعة دنانير. ولو كانت الجزية عقوبة على الكفر لما أسقطت عن النساء والشيوخ والأطفال لاشتراكهم في صفة الكفر، بل لو كان كذلك لزاد مقدارها على الرهبان ورجال الدين، بدلاً من أن يُعفوا منها. قال الباجي: "الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض، لإقامتهم في بلاد المسلمين والذبِّ عنهم والحماية لهم" (٢). وقد تبين لنا قبلُ أن الله هو يتولى حساب من كفر به في الآخرة: ﴿قل الله أعبد مخلصاً له ديني - فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ (الزمر: ١٤ - ١٥). وأما الجزية عند أهل الاصطلاح فعرفها ابن قدامة بقوله: "هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام" (٣).

стр. 43

ثانياً: شِرعة الجزية قبل الإسلام لم يكن الإسلام بدعاً بين الأديان، كما لم يكن المسلمون كذلك بين الأمم؛ حين أخذوا الجزية من الأمم التي دخلت تحت ولايتهم، فإن أخذ الأمم الغالبة للجزية من الأمم المغلوبة أشهر من علم، والتاريخ البشري أصدق شاهد على ذلك. وقد نقل العهد القديم والجديد شيوع هذه الصورة، ففي إنجيل متى أن المسيح ﵇ قال لسمعان: " ماذا تظن يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس من الأجانب. قال له يسوع: فإذاً البنون أحرار" (متى ١٧/ ٢٤ - ٢٥). ويذكر العهد القديم شِرعة الجزية في شرائع التوراة، وأن الأنبياء ﵈ أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة حين غلبوا على بعض الممالك، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلب عليهم "فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر، فسكن الكنعانيون في وسط افرايم إلى هذا اليوم، وكانوا عبيداً تحت الجزية" (يشوع ١٦/ ١٠)، وقد جمع لهم بين العبودية والجزية. وفي المسيحية أمر المسيح أتباعه بدفع الجزية للرومان، وسارع هو إلى دفعها، فقد ذكر إنجيل متى أنه قال لسمعان بطرس: " اذهب إلى البحر وألق صنارة، والسمكة التي تطلع أولاً خذها، ومتى فتحت فاها تجد أستاراً، فخذه وأعطهم عني وعنك" (متى ١٧/ ٢٤ - ٢٧). ويذكر إنجيل متّى أنه في مرة أخرى سئل: "أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ .. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" (متى ٢٢/ ١٧ - ٢١). ويعتبر العهد الجديد أداء الجزية للسلاطين حقاً مشروعاً، بل ويعطيه قداسة، ويجعله أمراً دينياً، إذ يقول بولس: "لتخضع كل نفس للسلاطين، السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ... إذ هو خادم الله، منتقم للغضب من الذي يفعل الشر، لذلك يلزم أن يخضع له ليس بسبب الغضب فقط، بل أيضا بسبب الضمير، فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضاً، إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه، فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام" (رومية ١٣/ ١ - ٧). ثالثاً: شريعة الجزية في الإسلام أ. ممن تؤخذ الجزية ؟ إن أصل شِرعة الجزية في الإسلام قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (التوبة: ٢٩)، وأول ما نلحظه أن الآية خطاب إلى المؤمنين تأمرهم بأخذ الجزية من المقاتلين دون غيرهم.

стр. 44

قال القرطبي: "قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين ... وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني" (١). وقال مالك: "مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة" (٢). قال ابن حجر: " لا تؤخذ من شيخ فانٍ ولا زمِن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قولٍ, والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخراً [أي أصحاب الصوامع] " (٣). وقد كتب عمر بذلك إلى أمراء الأجناد: (لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي) (٤) أي ناهز الاحتلام، وهو من يقدر عادة على حمل السلاح. والتزم بذلك أمراء الإسلام، ومنهم عمرو بن العاص والي مصر، فقد اصطلح مع المقوقس (على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران، عن كل نفس، شريفهم ووضيعهم، من بلغ الحلم منهم، ليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا النساء شيء) (٥). ويشهد آدم متز بالتزام المسلمين بذلك في البلاد التي تحت سلطانهم، فيقول: "فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار" (٦). وبمثله شهد ول ديورانت: "ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص، وأداء ضريبة عن كل شخص تختلف باختلاف دخله، وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير .. ويعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأَرِقَّاء، والشيوخ، والعَجَزة، والعُمي، والشديدو الفقر" (٧). ب. مقدار الجزية ومن النص السابق والشهادتين اللتين بعده يبين لنا أن المبلغ المدفوع للجزية لم يكن كبيراً يعجز عن دفعه الرجال، بل كان ميسوراً يطيقه كل أحد. ففي زمن النبي ﷺ لم تجاوز جزية الفرد الدينار الواحد في كل سنة، فحين أرسل النبي معاذاً إلى اليمن أخذ من كل حالم منهم ديناراً، يقول معاذ: (بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً، أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة [هذه

стр. 45

زكاة على المسلمين منهم]، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله مَعافر [للجزية]) (١). والمعافري: الثياب. وعلى عهد عمر بن الخطاب ﷺ كانت الجزية على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورِق: أربعين درهماً؛ مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام (٢). وقد تفاوت مقدار الجزية في عصور الإسلام، وقد مر معنا أن عمرو بن العاص أوجب على أهل مصر دينارين فقط في كل سنة، تدفع عن الرجال دون النساء والأطفال والشيوخ، فيما لم تتجاوز جزية الشخص الواحد الأربعة دنانير زمن الدولة الأموية. والذي يظهر من هذا التفاوت أن مقدار الجزية متروك للإمام، قال ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار (٣). لكنه على كل حال لن يجاوز هذه المبالغ البسيطة التي تراعي حالة الناس ويسارهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، وهو ما نفهمه من وصية عمر للخليفة بعده بأهل الذمة، إذ يقول: (وألا يكلفوا فوق طاقتهم) (٤). قال ابن حجر: "ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه " (٥). وفي هذا الصدد ينقل آدم متز عن المؤرخ بنيامين قوله: "إن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون ديناراً واحداً" (٦). ويقول دربير في كتابه "المنازعة بين العلم والدين": "إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئاً ضئيلاً من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية" (٧). ويقول مونتسكيو في كتابه "روح الشرائع": "إن هذه الأتاوات المفروضة كانت سبباً لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت - بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة - أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك" (٨). وأما من عجز عن دفع هذا المبلغ الزهيد، فإن الفقهاء أسقطوها عنه، يقول ابن القيم: " تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء " (٩). قال القاضي أبو يعلى: "وتسقط الجزية عن الفقير وعن الشيخ وعن الزَمِن [أي صاحب العاهة] " (١٠).

стр. 46

ج. الجزية في مقابل الحماية والخدمات الحكومية وفي مقابل هذه الدنانير المعدودات فإن المسلمين يلتزمون بالدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم، ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواحهم في سبيل حماية أهل ذمتهم. فقد ضمنه كتاب النبي ﷺ لربيعة الحضرمي، إذ يقول: "وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين، وأن أرضهم بريئة من الجور" (١). وبمثله ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط، حين قال: "نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا ... " (٢). وكتب خالد لأهل بعض النواحي في العراق: "فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم" (٣). قال أبو الوليد الباجي: "وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم" (٤). وأكد فقهاء الإسلام على حق أهل الذمة بالحماية، واعتبروا قيام المسلمين به من الوفاء بالعهود الذي تحرسه الشريعة وتأمر به. قال الماورديّ: "ويلتزم ـ أي الإمام ـ لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين" (٥). وقال النوويّ: "ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالاً، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم" (٦). قال ابن قدامة: "الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدل عن النصرة" (٧). وينقل القرافي عن ابن حزم إجماعاً للمسلمين لا تجد له نظيراً عند أمة من الأمم، فيقول: "من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة"، ويعلق القرافي فيقول: "فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صوناً لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم" (٨). ولا يسقط واجب المسلمين بحماية أهل الذمة وهم في ديار الإسلام، بل يمتد إلى إطلاق أسراهم الذين غُلبنا عليهم، يقول ابن النجار الحنبلي: "يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفكُّ أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى" (٩).

стр. 47

ولما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عدداً، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وطلبوا فك الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام: "بل جميع من معك من اليهود والنصارى، الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم، ولا ندع أسيراً، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة"، فأطلقهم الأمير التتري جميعاً (١). وهذه الأحكام الشرعية لا تختص بأهل الذمة، بل تسري على كل من كان ببلاد المسلمين من المعاهدين والمستأمنين، فإنهم جميعاً أهل ذمة كما سبق بيانه، يقول السرخسي: "قد بيَّنا أنّ المستأمنين فينا إذا لم يكونوا أهل منعة؛ فحالهم كحالِ أهل الذمّة في وجوب نصرتِهم على أمير المسلمين، ودفع الظلم عنهم؛ لأنّهم تحت ولايته. ألا ترى أنّه كان يجب على الإمام والمسلمين اتّباعهم لاستنقاذهم من أيدي المشركين الذين قهروهم ما لم يدخلوا حصونَهم ومدائنهم، كما يجب عليهم ذلك إذا وقع الظهور على المسلمين، أو على أهل الذمّة؟ وكذلك لو أنّ هؤلاء المستأمنين كانوا من أهل دار الموادعة، دخلوا إلينا بتلك الموادعة" (٢). وليست الحماية السبب الوحيد الذي لأجله شرعت الجزية، بل ذكر العلماء أموراً، منها أن الجزية والصغار وسيلة ضغط محدودة تدفع الذمي إلى التفكر في الإسلام والاطلاع على محاسنه والاهتداء إليه والفوز بالجنة. قال ابن حجر: "قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم ويحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام" (٣). د. متى تسقط الجزية عن أهل الذمة ؟ وحين عجز المسلمون عن حماية أهل الذمة ردوا إليهم ما أخذوه من الجزية لفوات شرطها، وهو الحماية، فقد روى القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج وغيره من أصحاب السير عن مكحول أن الأخبار تتابعت على أبي عبيدة بجموع الروم، فاشتد ذلك عليه وعلى المسلمين، فكتب أبو عبيدة لكل والٍ ممن خلَّفه في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما جُبي منهم من الجزية والخراج، كتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كان بيننا وبينكم؛ إن نصرنا الله عليهم" (٤). وحين قام أهل الذمة بالمشاركة بالذود عن بلادهم أسقط عنهم المسلمون الجزية، كما صنع معاوية ﵁ مع الأرمن، يقول لوران المؤرخ الفرنسي في كتابه "أرمينية بين بيزنطة والإسلام": "إن الأرمن أحسنوا استقبال المسلمين ليتحرروا من ربقة بيزنطة، وتحالفوا معهم ليستعينوا بهم على مقاتلة الخزر، وترك العرب لهم أوضاعهم التي

стр. 48

ألفوها وساروا عليها، والعهد أعطاه معاوية سنة ٦٥٣م، إلى القائد تيودور رختوني ولجميع أبناء جنسه ماداموا راغبين فيه، وفي جملته: (أن لا يأخذ منهم جزية ثلاث سنين، ثم يبذلون بعدها ما شاؤوا، كما عاهدوه وأوثقوه على أن يقوموا بحاجة خمسة عشر ألف مقاتل من الفرسان منهم بدلاً من الجزية، وأن لا يرسل الخليفة إلى معاقل أرمينيا أمراء ولا قادة ولا خيلاً ولا قضاة ... وإذا أغار عليهم الروم أمدهم بكل ما يريدونه من نجدات. وأشهد معاويةُ الله على ذلك) (١). ولما تعهد الجراجمة (قريباً من أنطاكيا) بالقيام بالدفاع عن ثغرهم مع المسلمين، وأن يكونوا عيوناً للمسلمين وأعواناً لهم؛ أسقط عنهم أبو عبيدة ﵁ الجزية، بل صالحهم على أن ينفلوا مع المسلمين إذا غنموا في حربهم إلى جانب المسلمين (٢). وبمثله صالح ﵁ أهل السامرة فأسقط عنهم الجزية، يقول البلاذري: "كانوا عيوناً وأدلاء للمسلمين على جزية رؤوسهم" (٣). وأما أهل جرجان، فقد نقل الطبري أن سويد بن مقرن رفع الجزية عمن يقوم بحمايتها منهم، وكتب لهم بذلك كتاباً جاء فيه: " إن لكم الذمة، وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء (أي الجزية) في كل سنة على قدر طاقتكم، على كل حالم، ومن استعنا به منكم فله جزاؤه (جزيته) في معونته عوضاً من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، ولا يغير شيء من ذلك هو إليهم؛ ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين، ولم يبد منهم سل ولا غل " (٤). ومثله ما كتبه عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب لأهل أذربيجان، فقد أعطاهم "كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية، على قدر طاقتهم ليس على صبي ولا امرأة، ولا زمِن ليس في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء ... ومن حشر منهم في سنة (أي دعي للمشاركة في الدفاع) وضع عنه جزاء تلك السنة". ثم يضيف الطبري بأن عتبة قدم بالكتاب على الخليفة عمر " وذلك أن عمر كان يأخذ عماله بموافاة الموسم في كل سنة، يحجر عليهم بذلك الظلم، ويحجزهم به عنه" (٥). ومثله أيضاً كتب سراقة بن عمرو لأهل أرمينيا، فقد تضمن عهدهم: " أن ينفروا لكل غارة، وينفذوا لكل أمر ناب أو لم ينب؛ رآه الوالي صلاحاً؛ على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلى ذلك .. والحشر عوض من جزائهم، ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء .. فإن حشروا وضع ذلك عنهم " (٦).

стр. 49

لذا حُقَّ لآدم ميتز أن يرى الجزية أشبهت ما نسميه اليوم بالخدمة العسكرية، إذ يقول: "وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح" (١). ويوافقه المؤرخ توماس أرنولد، فيقول: "ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين - كما يريدنا بعض الباحثين على الظن - لوناً من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين" (٢). ويقول ول ديورانت: "ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح .. وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية .. وكان لهم على الحكومة أن تحميهم" (٣). وينقل الدكتور علي الخربوطلي عن فان فلوتن قوله بأن "الضرائب ليست فادحة بالنسبة لما كانت تقوم به الحكومة العربية من بناء الطرق وحفر الترع وتوطيد الأمن وما إلى ذلك من ضروب الإصلاح، والحقيقة أن الجزية لم تكن عقاباً لأهل الذمة، فهي نظير إعفائهم من الجندية وفي مقابل حماية المسلمين لهم" (٤). وحين يعجز دافع الجزية عنها فإنها تسقط عنه، لا بل يدفع له من بيت مال المسلمين ما يكفيه ويقوته - كما سبق بيانه -، ويقول أبو الوليد الباجي: " إذا اجتمعت على الذمي جزية سنتين أو أكثر لم تتداخل في قول الشافعي، وتتداخل في قول أبي حنيفة، وتجب عليه جزية سنةٍ واحدةٍ، والظاهر من مذهب مالكٍ أنه إن كان فر منها أخذ منه للسنين الماضية، وإن كان ذلك لعجزٍ لم تتداخل، ولم يبق في ذمته ما يعجز عنه من السنين .. وهذا القول مبني على أن الفقير لا جزية عليه ولا تبقى في ذمته" (٥). قال القرطبي: "وأما عقوبتهم إذا امتنعوا عن أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم، لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه، ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء" (٦). هـ. كيفية أخذ الجزية ولمز الطاعنون في القرآن ما جاء في آية الجزية من حث على أخذها من أهلها ﴿عن يد وهم صاغرون﴾، واستشنعوا بعض صور أدائها التي نص عليها الفقهاء في كتبهم. ولتبيان الحق وكشف الباطل نقرأ ما نقله المفسرون في شرح هذه الآية، بعد أن نذكِّر القارئ الكريم بضرورة الاطلاع على أول الآية، حيث جاء فيها ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق

стр. 50

من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (التوبة: ٢٩)، فالجزية تؤخذ من المقاتلين ومن في حكمهم - كما تقدم -، عن قهر لهم وغلبة للمسلمين عليهم، إذ ليس من شأن المقاتل أن يدفع جزية عن عزة وغلبة. وقد فسر بعض العلماء قوله: ﴿عن يدٍ﴾ "أي عن طيب نفس , وكل من أطاع لقاهرٍ وأعطاه عن طيب نفس من يد فقد أعطاه عن يد. وقيل معنى قوله: ﴿عن يد﴾ أي نعمة منكم عليهم , وقيل: يعطيها من يده ولا يبعث بها" (١). وأما الأمر بالصغار الوارد في قوله: ﴿وهم صاغرون﴾، فهو معنى واضح في سياقه الذي ذكرنا، فالمقاتل لن يدفع الجزية في حال العز والغلبة. ولا يمكن أن يتنافى معنى الآية مع ما رأيناه في أقوال النبي ﷺ من وجوب البر والعدل، وحرمة الظلم والعنت، وهو ما فهمه علماء الإسلام، ففسر الشافعي الصغار بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة. وفسره التابعي عكرمة مولى ابن عباس بصورة دفع الجزية للمسلمين، فقال: "أن يكونوا قياماً، والآخذ لها جلوساً"؛ إذ لما كانت اليد المعطية على العادة هي العالية، طلب منهم أن يشعروا العاطي للجزية بتفضلهم عليه، لا بفضله عليهم، يقول القرطبي في تفسيره: "فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى، ويد الآخذ عليا" (٢). وقال ابن القيم: "لما كانت يد المعطي العليا، ويد الآخذ السفلة؛ احترز الأئمة أن يكون الأمر كذلك في الجزية، وأخذوها على وجه تكون يد المعطي السفلى، ويد الآخذ العليا" (٣). وأما ما نقل عن بعض الفقهاء من صور مستقبحة في معنى الصغار فهي مما استقبحه العلماء وأنكروه، ومنه ما نقله تقي الدين الحصني الشافعي عن بعضهم بقولهم: "وتؤخذ على وجه الصغار والإهانة؛ بأن يكون الذمي قائماً، والمسلم جالساً، ويأمره أن يخرج يده من جيبه، ويحني ظهره، ويطأطئ رأسه، ويصب ما معه في كفة الميزان، ويأخذ المستوفي بلحيته، ويضرب في لهزمته، وفي مجمع اللحم بين الماضغ والأذن". وتعقبها النووي بقوله: "هذه الهيئة باطلة، ولا نعلم لها أصلاً معتمداً، وإنما ذكرها بعضهم .. فالصواب الجزم ببطلانها، وردها على من اخترعها، ولم ينقل أنه ﵊ ولا أحد من الخلفاء الراشدين فعل شيئاً منها" (٤). ولما نقل ابن القيم صوراً شبيهة ذكرها الفقهاء عقّب بقوله: "وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك،

стр. 51

والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصغار" (١). ونقل النووي عن جمهور العلماء قولهم: "تؤخذ برفق كأخذ الديون" (٢).

стр. 52

خاتمة - الإسلام دين الله الخاتم الذي أرسل به الله تعالى محمداً ﷺ رحمة للعالمين، وارتضى دينه من بين سائر الأديان ديناً. - الإسلام سبق إلى رعاية حرية الإنسان في البقاء على دينه، وأن لا يكره على تركه، كما ضمن حرية العبادة وسلامة دورها. - أهل الذمة والأمان والعهد مصطلحات أطلقها الفقهاء المسلمون على غير المسلمين المقيمين أو الوافدين إلى بلاد الإسلام، وتفيد أن هؤلاء في عهد المسلمين وذمتهم وحمايتهم. - اعترف الإسلام بوجود الأديان تجانساً مع اعترافه بحتمية الخلاف وبقدرة الإنسان على التمييز والاختيار. - الإكراه على الإسلام سوءة لم يصنعها المسلمون طوال تاريخهم بسبب قطعية النصوص المحرمة لذلك، وقد شهد لهذا المؤرخون الغربيون وغيرهم. - حرص فقهاء الإسلام وملوكهم على رعاية أهل الذمة وحراسة حقوقهم فرقاً من وعيد النبي ﷺ لمن ظلمهم واعتدى عليهم. - الله يحب المسلم الذي يعدل ويبر أهل الذمة بصور البر المختلفة من صلة وهدية وعيادة وضيافة وإكرام. - أدركت الأمم عظمة الإسلام وسماحة دين الفاتحين، فأحسنت استقبالهم وكانت عوناً لهم على حفظ الثغور ورد العدوان. - شمل الإسلام بتعاليمه أهل الذمة في نظامه التكافلي، فتحول الذمي من دافع للجزية إلى مكفول من قبل المجتمع المسلم. - الجزية نظام عرفته الأمم قديماً كما شرعته الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، بيد أن الإسلام سما بهذه الشريعة، وأضاف إليها ضمانات فريدة في مقابل دنانير معدودة سارع المغلوبون إلى دفعها.

стр. 53

فهرس المصادر والمراجع - الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء الحنبلي، دار الفكر، ١٤٠٦هـ. - أحكام أهل الذمة، ابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف أحمد البكري وشاكر العاروري، دار ابن حزم، الدمام، ١٤٠٨هـ. - الإسلام وأهل الذمة، علي حسن الخربوطلي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٣٨٩ هـ. - الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: محمد خليل هراس، ط٢، دار الفكر للطباعة والنشر، ١٣٩٥هـ. - الأموال، حميد بن زنجويه، تحقيق: د. شاكر ذيب فياض، مركز الملك فيصل لبحوث والدراسات الإسلامية، ١٤٠٦هـ. - أهل الذمة في الإسلام، د. أ. س. ترتون، ترجمة وتعليق: حسن حبشي، ط٣، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٤م. - تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧هـ. - تاريخ العرب، فيليب حتّي، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩٩١. - تاريخ عمر، أبو الفرج ابن الجوزي، تحقيق: علي محمد عمر، دار البيان العربي. - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١هـ. - جامع البيان، محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ. - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، ط٢، دار الشعب، القاهرة، ١٣٧٢هـ. - الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، آدم متز، تعريب: محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط٤، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٨٧هـ. - حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة: عادل زعيتر، مطبعة عيسى البابي الحلبي. - حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام، صالح حسين العايد، دار أشبيليا، ١٤٢٢هـ. - الخراج، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٤٦هـ. - الدعوة إلى الإسلام، السير توماس أرنولد، تعريب: الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور إسماعيل النحراوي والدكتور عبد المجيد عابدين، ط١، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٧٤م. - روح الدين الإسلامي، عفيف طبارة، ط١٧، دار العلم للملايين، ١٩٧٨م. - سماحة الإسلام، أحمد الحوفي، إصدارات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ١٣٩١م. - شرح السير الكبير، محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق: صلاح الدين المنجد، [بدون معلومات نشر].

стр. 54

- شرح النووي على صحيح مسلم، النووي، ط٢، دار إحياء التراث، بيروت، ١٣٩٢هـ. - شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه، ترجمة: فاروق بيضون وكمال دسوقي، ط ١٠، دار صادر، بيروت، ١٤٢٣هـ. - الطبقات الكبرى، ابن سعد، دار صادر، بيروت. - غير المسلمين في المجتمع المسلم، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، ١٣٩٧هـ. - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ. - فتوح البلدان، أحمد بن يحيى البلاذري، مؤسسة المعارف، بيروت، ١٤٠٧هـ. - فتوح مصر وأخبارها، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم، طبع في مدينة ليدن. - الفروق، أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي [بدون معلومات نشر]. - فن الحكم في الإسلام، مصطفى أبو زيد فهمي، المكتب المصري الحديث. - قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل، الندوة العالمية للشباب الإسلامي،١٤١٢هـ. - قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة محمد بدران، ط٢، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٩٦٤م. - المنتقى شرح موطأ إمام دار الهجرة، أبو الوليد الباجي، مطبعة دار السعادة، ١٣٣١هـ.