← Сира

Сира · id 38185

دلائل النبوة - السقار

منقذ السقار

Полный текст (153 стр.). Показаны 141–153 · переход к 146.

стр. 141

وكيف لا يكون هذا حاله، وهو الأسوة الحسنة الذي أوصى أصحابه بالاقتصاد من الدنيا، فكان أسبقهم إلى ذلك، يقول سلمان: (إن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً أن يكون بُلغَةُ أحدنا من الدنيا كزاد الراكب). (١) وحين غادر ﷺ الدنيا ماذا ترك لأهله منها؟ يجيب عمرو بن الحارث أخو أمِ المؤمنين جويرية فيقول: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمَة ولا شيئاً؛ إلا بغلتَه البيضاء وسلاحَه، وأرضاً جعلها صدقة). (٢) ويروي الإمام أحمد أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير. (٣) وكما زهد النبي ﷺ عن الدنيا زمن حياته، فإنه لم يبتغ جر نفع من منافعها إلى أهله وذويه بعد موته، فإنه ﷺ لا يبتغي أن يجر لأهله شيئاً من زخارفها، لذا قال ﷺ : ((لا نورّث، ما تركناه صدقة)). (٤) وهكذا فإنه يحق لنا أن نتساءل عن الكسب الدنيوي الذي جناه النبي ﷺ من نبوته، فإنه عاش عيشة المساكين التي تمناها ودعا الله بدوامها، فكان طعامه خشنُ الشعير، ورديءُ التمر، إذا ما تيسر له ذلك، وأما وساده وفراشه ﷺ فهما دليلٌ آخرُ على استعلاء النبي ﷺ على الدنيا التي هجرها ﷺ بإرادته واختياره. وصدق فيه قول الشاعر: وراودَته الجبال الشُّمُّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيما شمم

стр. 142

تواضع النبي ﷺ - ولقائل أن يقول: إن كثيرين قد يزهدون بالمال في سبيل الرفعة عند الناس، فما أعظمها من لذة أن يشير الناس إليه ببنانهم، وأن يستبقوا إلى إجلال الزاهد وخدمته، فيكون له في ذلك ما يدعوه على الصبر على الحرمان والفاقة. وهذا كله صحيح، فتلك نفوس رتعت بالكبر، وأحبت من الدنيا العلو فيها. أما النبي ﷺ فقد جمع إلى الزهد التواضع للناس، ولم يمنعه من ذلك جلالة قدره عند الله ورفعة مكانته عند مولاه وعند المسلمين. ولنفتح هذ االسفر الخالد، ونقرأ فيه ما يحكيه لنا أبو رفاعة، فقد دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب، فقال: يا رسول الله، رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. قال أبو رفاعة: فأقبل عليّ رسول الله ﷺ ، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأُتي بكرسي حسِبتُ قوائمَه حديداً قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها. (١) قال النووي: " وفيه تواضع النبي ﷺ ورفقه بالمسلمين, وشفقتُه عليهم, وخَفْضُ جناحِه لهم". (٢) وحين تلاحقه ﷺ نظرات الإعجاب من أصحابه، فتنساب على ألسنتهم عبارات الثناء الممزوجة بالحب، حينها كان ﷺ ينهاهم عن إطرائه والمبالغة في مدحه، فما فتئ لسانه يقول: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه)). (٣) ودخل عليه رجل فقال: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسول الله ﷺ : ((يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ). (٤)

стр. 143

وحين انطلق الصحابة إلى غزوة بدر، كانوا يتعاقبون، كلُّ ثلاثةِ نفرٍ على بعير، وكان صاحبا النبي ﷺ في الركوب عليٌّ وأبو لبابة. قال ابن مسعود: وكان إذا كانت عُقْبَة النبي ﷺ [أي إذا انتهت مرحلة النبي في الركوب] قالا له: اركب حتى نمشي عنك. فيقول لهما ﷺ : ((ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكُما)). (١) وحين شرع الصحابة في حفر الخندق لم يركن النبي ﷺ إلى منزلته بين أصحابه، ولم يترفع النبي ﷺ عن العمل معهم في الحفرِ ونقلِ التراب، يقول البراء بن مالك: كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى الترابُ بياضَ بطنه يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزِلَنْ سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبَينا (٢) وكان ﷺ يمقت كل مظاهر الكِبْر والتميز عن الناس، ومنه كراهيته أن يقوم له أصحابُه، فقد كان يكره ذلك ويمنعهم منه، يقول أنس: (ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِما يعلمون من كراهيته لذلك). (٣) ومن كان هذا نعته فجدير أن يبغض وقوف أحد فوق رأسه كما يُفعل للملوك، وهاهو ﷺ يصلي في مرض وفاته قاعداً، وصلى أصحابه وراءه قياماً .. يقول جابر: فالتفت إلينا، فرآنا قياماً، فأشار إلينا، فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال: ((إن كدتم آنفاً لتفعلون فِعل فارسَ والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا؛ ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)). (٤)

стр. 144

وكان ﷺ يجيب دعوة الداعي، كائناً ما كان طعامُه، يقول ﷺ : (لو دعيتُ إلى كُراع لأجبتُ، ولو أهدي إليّ كُراعٌ لقبِلتُ). (١) والكُراع ما دون كعب الدابة. قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على حُسنِ خلُقِه ﷺ ، وتواضُعِه وجبرِه لقلوب الناس". (٢) ورغم ازدحام وقته وشرف منزلته؛ فإنه ﷺ ما كان يأنف من كثير مما يأنف منه دهماء الناس، فضلاً عن أكابرهم، فما كان ﷺ يجد حرجاً أن يمشي في حاجة الضعفاء ويسعى في قضاء أمورهم، يقول عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله ﷺ يكثِر الذكر، ويُقِل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة). (٣) ويحكي خادمه أنس بن مالك أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة فقال: ((يا أم فلان، انظري أيّ السكك شئت حتى أقضيَ لك حاجتَكِ)). قال أنس: فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. (٤) لكن تواضعه ﷺ ما كان ليمنع هيبته في صدور الناس وهم يقفون بين يديه ﷺ ، فقد أتاه رجل، فكلمه، فجعل الرجل ترْعَد فرائصُه، فقال له ﷺ : ((هون عليك، فإني لست بملكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد)) [اللحم المجفف]. (٥) وتواضعه ﷺ ليس خلقاً يتزين به أمام الناس، بل هو خُلَّة شريفة لم تفارقه حتى وهو في بيته وبين أهله، فقد سُئلت عائشة: ما كان ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)، وفي رواية لأحمد: (كان بشراً من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلِب شاته، ويخدِمُ نفسَه). (٦)

стр. 145

ولقد خيره ربه بين أن يكون عبداً رسولاً أو ملِكاً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ حكى عن ملك نزل إليه، فقال: يا محمد، أرسلني إليك ربُك قال: أفملِكاً نبياً يجعلُك أو عبداً رسولاً؟ فقال جبريل: تواضع لربك يا محمد. فقال ﵊: ((بل عبداً رسولاً)). (١) تعبده لربه وخوفه منه وإن من دلائل نبوته وأمارات صدقه ﷺ ما رأينا من تعبده لله تعالى وخشيته منه، ولو كان دعياً لما تعبد لله، ولما أتعب نفسه، ولا ألزمها ضروب العبادة التي قرحت رجليه، بل لكان صنع ما يصنعه سائر الأدعياء من مقارفة الشهوات واستحلال المحرمات، فكل ما اشتهى الدعي أمراً صيره ديناً وشرعة. ومن ذلك ما فعله مسيلمة الكذاب، فقد أحل لأتباعه الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، فتكاليف الشريعة لا يطيقها الأدعياء، لذا سرعان ما يتخلصون منها. أما النبي ﷺ فكان أعبدَ الناس لله وأخوفَهم منه بما عرف من عظمته وقوته، يقول ﵊: ((إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)). (٢) وشواهد خوف النبي ﷺ من الله وتعبده لله كثيرة، منها أن صاحبه أبا بكر رأى شيباً في شعره، فقال: يا رسول الله قد شِبت؟ فقال ﷺ : ((شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت)). (٣) قال الطيبي: "وذلك لما في هذه السور من أهوال يوم القيامة والمَثُلات النوازل بالأمم الماضية: أخذ مني مأخذه، حتى شبتُ قبل أوانه". (٤) فالذي شيب رسول الله ما قرأه في هذه السور من الأهوال التي يرهبها الأتقياء العارفون بربهم، الذين قدروه حق قدره. وتصف أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وجَلَه ﷺ من ربه، فتقول: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواتِه، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف

стр. 146

ذلك في وجهه. فقلت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيتَه عُرف في وجهك الكراهية! فقال ﷺ : ((يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ (الأحقاف: ٢٤))). (١) وذات ليلة يرى النبي ﷺ في منامه أخبار الفتن وهو في بيت أم سلمة، فيأمر أن تستيقظ نساؤه، وأن يقُمن لقيام الليل فزعاً وتعوذاً مما يأتي من الفتن، تقول أم سلمة: فاستيقظ رسول الله ﷺ فزِعاً، يقول: ((سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات، يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة)). (٢) وفي ليلة أخرى رآه بعض أزواجه وهو يتلوى في آخر الليل على فراشه، لا يجد الكرى إلى عينيه سبيلاً، فما الذي أرَّقه ﷺ ؟ يجيبنا عبد الله بن عمرو، فيقول: كان رسول الله ﷺ نائماً، فوجد تمرة تحت جنبه، فأخذها فأكلها، ثم جعل يتضور من آخر الليل، وفزع لذلك بعض أزواجه فقال: ((إني وجدت تمرة تحت جنبي، فأكلتُها، فخشيتُ أن تكون من تمر الصدقة)). (٣) إن الذي أرَّقَ النبي ﷺ خوَّفَه أن تكون التمرة التي أكلها من تمر الصدقة التي لا تحل له. وأما عبادة النبي ﷺ لربه، فهي شاهد لا مراء في صدقه، فهي مما لا يصدر عن دعي يكذب على الله ويضل الناس باسمه، وحاشاه ﷺ أن يكون دعياً، فما من دعي يكذب على ربه ثم يجهد نفسه بالعبادة له. تروي لنا أم المؤمنين عائشة ﵂ حال النبي ﷺ في ليله، فتقول: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. فقلتُ له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ : ((أفلا أكون عبداً شكوراً؟)). (٤)

стр. 147

وتصف عائشة ﵂ صفة صلاته ﷺ ، فتقول: (كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدرَ ما يقرأ أحدُكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة). (١) ويصف عليٌّ ﵁ حاله ﷺ في يوم بدر حين تعب الصحابة وأسلموا أعينهم للنوم، فيقول: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح). (٢) وتكرر بكاؤه ﷺ وهو يتضرع بين يدي ربه ومولاه عارفاً قدرَه وراجياً فضله، يقول عبد الله بن الشِّخِّير ﵁ قال: (أتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المِرْجَل [أي القِدر] من البكاء). (٣) لقد كان ﷺ كما وصفه ربه ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه﴾ (المزمل:٢٠)، فهل سمعت الدنيا عن مدع للنبوة يقوم نصف ليله يتضرع لربه ويبكي بين يديه. وأما صومه ﷺ ، فكان يداوم على صيام يومي الإثنين والخميس تقرباً إلى ربه وابتغاء رضاه، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((تُعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحِبُّ أن يعرض عملي وأنا صائم)). (٤) ولم يكن صيامه هذا فحسب، بل كان ﷺ يصوم الأيام المتتابعة، يقول أنس ﵁: (كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه شيئاً، ويصوم حتى نظن

стр. 148

أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تَشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيتَه). (١) وما كان ﷺ يُفوِّتُ على نفسه أجر الصوم في أيام الصيف الهواجر، يبتغي في ذلك المحبة من ربه والزلفى إليه، يقول صاحبه أبو الدرداء ﵁: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، وإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما منا صائم إلا رسولُ الله ﷺ وعبدُ الله بنُ رواحة). (٢) وبقي هذا حاله، لم يتوانَ عن عبادة ربه، حتى لبى نداء ربه، وهو في كل ذلك يمتثل: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (الحجر: ٩٩)، ولو كان دَعِيّاً لأراح نفسه وأحبابه من جهد القيام في الليل وتفطُرِ الأقدام، ومن الصيام في الهواجر، لكن هيهات، كيف يريح نفسه وربه يأمره: ﴿فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب﴾؟ (الشرح: ٧ - ٨).

стр. 149

خاتمة وبعدُ، فإن أمثال هذه البراهين شهدت لأنبياء الله من قبل بالنبوة، وأقامت للناس أعلاماً على صدقهم في دعواهم الرسالة، فقامت بهم حجة الله على خلقه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى مَن حيّ عن بينة. وما سقناه من دلائل نبوة نبينا ﷺ إنما هو غيض من فيض أنوار النبوة التي حباها الله نبيه ﷺ . أوليس الصادق الأمين بنبي، وهو الذي ساق من الغيوب ما قارب الألف، مما أطلعه عليه ربه؟ أفيكذب في دعواه النبوة، ثم يطلعه الله على الغيوب التي يقيم بها حجته وبرهانه؟! أوليس رسول الله وحبيبه ذاك الذي تفتح لدعواته أبواب السماء، ويجيب الله دعوته ولا يخيب رجاه؟! هل يجادل عاقل في نبوة من خرق الله له نواميس الكون ليؤكد صدقه في دعواه النبوة والرسالة؟ فكثر الله ببركته ﷺ قليل الطعام والشراب، وشق له القمر في كبد السماء، وشفى بنفثه وريقه من شاء! إنه النبي الذي بشر بمقدمه الأنبياء، فهو دعوة أبيه إبراهيم، وبشارة أخيه عيسى، هو النبي المتلألئ من فوق جبل فاران، والذي امتلأت الأرض من تسبيحه، فكان إسلام علماء أهل الكتاب صدى لذلك التسبيح ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (الرعد: ٤٣). إن التبصر بحقيقة النبي ﷺ دفعت المنصفين - من غير المؤمنين به - للاعتراف له ﷺ بسبقه وفضله وعظمة شخصه وروعة مبادئه، ونقتبس من بين عشرات الشهادات المنصفة ما ننقله للقارئ الكريم. يقول غوته في كتابه "الديوان الشرقي للشاعر الغربي": "إننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد ... ولقد بحثتُ في التاريخ عن مثل أعلى لهذه الإنسانية، فوجدته في النبي محمد ... وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد".

стр. 150

ويقول الشاعر الفرنسي لامارتين في كتابه "السفر إلى الشرق": "أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة واعية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود، ومن ذا الذي يجرؤ على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟! ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه عند النظر إلى جميع المقاييس التي تُقاس بها عظمة الإنسان؟! إن سلوكه عند النصر وطموحه الذي كان مكرساً لتبليغ الرسالة وصلواته الطويلة وحواره السماوي، هذه كلها تدل على إيمان كامل مكّنه من إرساء أركان العقيدة. إن الرسول والخطيب والمشرع والفاتح ومصلح العقائد الأخرى الذي أسس عبادة غير قائمة على تقديس الصور هو محمد، لقد هدم الرسول المعتقدات التي تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق". وأما المؤرخ ول ديورانت فيقول في موسوعته "قصة الحضارة": "إذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس، قلنا: إن محمداً رسول المسلمين أعظم عظماء التاريخ، فقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم ديناً واضحاً قوياً، استطاع أن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم". وينبه الكونت كاتياني في كتابه "تاريخ الإسلام" إلى خصلتين من خصال النبي ﷺ يحاول البعض طمسهما، وهما المحبة والسلام، فيقول: "أليس الرسول جديراً بأن تقدَّم للعالم سيرته حتى لا يطمسها الحاقدون عليه وعلى دعوته التي جاء بها لينشر في العالم الحب والسلام ". ويقول المستشرق هيل في كتابه "حضارة العرب": "لقد أخرج محمد للوجود أمة، ومكن لعبادة الله في الأرض، ووضع أسس العدالة والمساواة الاجتماعية، وأحل النظام والتناسق والطاعة والعزة في أقوام لا تعرف غير الفوضى". ويقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتابه "العرب": "لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ كان محمد رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق". وآخر تلك الشهادات بتوقيع المؤرخ غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب"، حيث يقول: "إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم؛ كان محمد من أعظم من عرفهم

стр. 151

التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمداً مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله .. ". (١) نسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن آمن به ﷺ ، وأن يثبتنا على دينه، وأن يجعلنا ممن اقتفى أثر نبيه ﷺ ، وأن يوردنا يوم القيامة حوضه، وأن يلحقنا به في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

стр. 152

قائمة المصادر والمراجع - أعلام النبوة، أبو الحسن علي الماوردي، ط١، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧هـ. - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط٢، دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٥هـ. - إنه الحق، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في رابطة العالم الإسلامي، ط٣، ١٤٢٠هـ. - البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي، مكتبة المعارف، بيروت. - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت. - الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، محمد بن سورة الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة. - دلائل النبوة، سعيد عبد القادر باشنفر، ط١، دار ابن حزم، ١٤٢٤هـ. - ربحت محمداً ولم أخسر المسيح، عبد المعطي الدلالاتي، ط١، مؤسسة الرسالة ٢٠٠٣م. - السلسلة الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض. - سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، بيت الأفكار الدولية، عمان. - سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط٢، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ١٤٠٦هـ. - شرح النووي على صحيح مسلم، يحيى بن شرف النووي، ط١، عالم الكتب، الرياض، ١٤٢٤هـ. - شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٠هـ.

стр. 153

- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، أبو الفضل عياض اليحصبي، دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٤٠٩هـ. - صحيح الترغيب والترهيب، محمد ناصر الدين الألباني، ط٥، مكتبة المعارف، الرياض. - الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين في القرن الرابع عشر الهجري، د. عبد المحسن بن زبن المطيري (رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية العلوم جامعة القاهرة). - عمدة القاري، بدر الدين العيني، دار الفكر. - عون المعبود شرح سنن أبي داود، أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، ط٢، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ. - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط٢، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٧هـ. - قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل، طبع الندوة العالمية للشباب الإسلامي. - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الفكر، بيروت،١٤١٢ هـ. - المستدرك على الصحيحين، أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١هـ. - المسند، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، دار إحياء التراث العربي، ١٩٩١م. - مشكاة المصابيح، محمد الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الألباني، ط٣، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥هـ. - المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ط٢، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ. - المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، ط٢، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٤٠٤هـ.