← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال السعدي: (قوله: ((وإذا استنصحك فانصح له)) أي: إذا استشارك في عمل من الأعمال: هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحبه لنفسك. فإن كان العمل نافعاً من كل وجه فحثه على فعله، وإن كان مضراً فحذره منه وإن احتوى على نفع وضرر فاشرح له ذلك، ووازن بين المصالح والمفاسد. وكذلك إذا شاورك على معاملة أحد من الناس أو تزويجه أو التزوج منه فابذل له محض نصيحتك، وأعمل له من الرأي ما تعمله لنفس، وإياك أن تغشه في شيء من ذلك. فمن غش المسلمين فليس منهم، وقد ترك واجب النصيحة. وهذه النصيحة واجبة مطلقاً، ولكنها تتأكد إذا استنصحك وطلب منك الرأي النافع. ولهذا قيده في هذه الحالة التي تتأكد) (١). - وعن جرير بن عبد الله، قال:)) بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)) (٢). قال الخطابي: (جعل رسول الله ﷺ النصيحة للمسلمين شرطا في الذي يبايع عليه كالصلاة والزكاة، فلذلك تراه قرنها بهما. فإن قلت: لم اقتصر عليهما ولم يذكر الصوم وغيره؟ قلت: قال القاضي عياض: لدخول ذلك في السمع والطاعة، يعني المذكور، في الرواية الأخرى التي ذكرناها الآن، وقال غيره: إنما اقتصر عليهما لأنهما أهم أركان الدين وأظهرها، وهما العبادات: البدنية والمالية) (٣). - وعن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ قال ((المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه)) (٤). قال المناوي: (أي يبصر من نفسه بما لا يراه بدونه ولا ينظر الإنسان في المرآة إلا وجهه ونفسه ولو أنه جهد كل الجهد أن يرى جرم المرآة لا يراه لأن صورة نفسه حاجبة له وقال الطيبي: إن المؤمن في إراءة عيب أخيه إليه كالمرأة المجلوة التي تحكي كل ما ارتسم فيها من الصور ولو كان أدنى شيء فالمؤمن إذا نظر إلى أخيه يستشف من وراء حاله تعريفات وتلويحات فإذا ظهر له منه عيب قادح كافحه فإن رجع صادقه وقال العامري: معناه كن لأخيك كالمرآة تريه محاسن أحواله وتبعثه على الشكر وتمنعه من الكبر وتريه قبائح أموره بلين في خفية تنصحه ولا تفضحه هذا في العامة أما الخواص فمن اجتمع فيه خلائق الإيمان وتكاملت عنده آداب الإسلام ثم تجوهر باطنه عن أخلاق النفس ترقى قلبه إلى ذروة الإحسان فيصير لصفائه كالمرآة إذا نظر إليه المؤمنون رأوا قبائح أحوالهم في صفاء حاله وسوء آدابهم في حسن شمائله) (٥).

стр. 562

أقوال السلف في النصيحة - سئل ابن عباس ﵄، عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: (إن كنت فاعلا ولابد، ففيما بينك وبينه) (١). - وقال الإمام أحمد ﵀: ليس على المسلم نصح الذمي، وعليه نصح المسلم) (٢). - وقال الفضيل بن عياض: (الحب أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك، والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو غائبا لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخاف، ويغشك إذا غبت ولا ينصحك) (٣). - وقال الحسن: (إنك لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تعجز عنه) (٤). - وسئل ابن المبارك أي الأعمال أفضل؟ قال: (النصح لله، قيل: فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟، قال: جهده إذا نصح أن لا يأمر ولا ينهى) (٥). - وقال عمر بن عبد العزيز: (لو أن المرء، لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه، إذن لتواكل الناس الخير، وإذن يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض) (٦). - وعن معمر، قال: (كان يقال: أنصح الناس إليك من خاف الله فيك) (٧). - وقال الفضيل بن عياض: (ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة. - وسئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله. - وقال معمر كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الله فيك. وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد، وعظوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. - وقال الفضيل: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير. - وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره) (٨).

стр. 563

حكم النصيحة أولاً: اتفق العلماء على أنها واجبة. ثانياً: اختلفوا في فرضيتها؛ فذهب بعضهم إلى أنها فرض عين، وذهب البعض الآخر إلى أنها فرض كفاية (١). والدليل على وجوب النصيحة قوله ﷺ كما في الحديث الذي سبق ذكره ((الدين النصيحة ... )) (٢). وما ورد في حديث جرير ﵁ قال: ((بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة ... )) (٣)، وغيره من الأحاديث. قال ابن مفلح: (وظاهر كلام أحمد والأصحاب وجوب النصح للمسلم، وإن لم يسأله ذلك كما هو ظاهر الأخبار) (٤). وقال ابن بطال: (والنصيحة فرض يجزي فيه من قام به ويسقط عن الباقين. قال: والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة) (٥).

стр. 564

فوائد النصيحة ١ - النصيحة لب الدين وجوهر الإيمان. ٢ - دليل حب الخير للآخرين، وبغض الشر لهم. ٣ - تكثير الأصحاب؛ إذ إنه يؤمن منه الجانب، وتقليل الحساد؛ إذ إنه لا يحب لغيره الشر والفساد. ٤ - صلاح المجتمع؛ إذ تشاع فيه الفضيلة، وتستر فيه الرذيلة. ٥ - إحلال الرحمة والوداد مكان القسوة والشقاق. ٦ - الاشتغال بالنفس لاستكمال الفضائل من تمام النصح. ٧ - بيان خطأ المخطئ في المسألة والمسائل- وإن كرهه- من النصيحة الواجبة لا من الغيبة المحرمة. ٨ - من قام بها على وجهها يستحق الإكرام لا اللوم والتقريع (١).

стр. 565

صور النصيحة أ- النصيحة لله تعالى: من صور النصيحة لله تعالى: ١ - (الإيمان به ونفي الشريك عنه. ٢ - ترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها. ٣ - تنزيهه من جميع النقائص. ٤ - القيام بطاعته واجتناب معصيته. ٥ - الحب فيه والبغض فيه وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه وجهاد من كفر به. ٦ - الاعتراف بنعمته وشكره عليها. ٧ - الإخلاص في جميع الأمور. ٨ - الدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف في جميع الناس أو من أمكن منهم عليها قال الخطابي ﵀ وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فالله تعالى غني عن نصح الناصح) (١). ٩ - (الخضوع له ظاهرا وباطنا والرغبة في محابه بفعل طاعته والرهبة من مساخطه بترك معصيته والجهاد في رد العاصين إليه) (٢). ب- النصيحة لكتابه : وتشمل صور عدة منها: ١ - (الإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق ولا يقدر على مثله أحد من الخلق. ٢ - تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة. ٣ - الذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين. ٤ - التصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله. ٥ - الاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه. ٦ - البحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه ونشر علومه والدعاء إليه) (٣). ج- النصيحة لرسوله ﷺ : ومن صور النصيحة لرسوله ﷺ : (تصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به. ١ - طاعته في أمره ونهيه. ٢ - نصرته حيا وميتا ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه. ٣ - إعظام حقه وتوقيره. ٤ - إحياء طريقته وسنته وبث دعوته ونشر شريعته ونفي التهمة عنها واستثارة علومها والتفقه في معانيها والدعاء إليها. ٥ - التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه. ٦ - محبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك) (٤). د- النصيحة لأئمة المسلمين: ومن صور النصيحة لأئمة المسلمين: ١ - (إعانتهم على ما حملوا القيام به. ٢ - تنبيههم عند الغفلة وسد خلتهم عند الهفوة وجمع الكلمة عليهم ورد القلوب النافرة إليهم. ٣ - دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن) (٥). ٤ - (معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف. ٥ - إعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين. ٦ - ترك الخروج عليهم وتألف قلوب الناس لطاعتهم. ٧ - الصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم. ٨ - أن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم. ٩ - أن يدعى لهم بالصلاح) (٦). هـ- النصيحة لعامة المسلمين: ويندرج تحت النصيحة لعامة المسلمين صور كثيرة منها: ١ - (الشفقة عليهم. ٢ - السعي فيما يعود نفعه عليهم. ٣ - تعليمهم ما ينفعهم وكف وجوه الأذى عنهم. ٤ - أن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه) (٧). ٥ - (إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم. ٦ - ستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم. ٧ - أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص. ٨ - توقير كبيرهم ورحمة صغيرهم. ٩ - تخولهم بالموعظة الحسنة. ١٠ - ترك غشهم وحسدهم. ١١ - الذب عن أموالهم وأعراضهم) (٨).

стр. 566

ضوابط في النصيحة ١ - الإخلاص في النصيحة: على الناصح أن يرجو بنصيحته وجه الله ﵎ فلا يقصد بنصيحته الأغراض الدنيوية من رياء، وسمعة، وحب شهرة وغيرها. قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣]. وقال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: ٥] وقال ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١). ٢ - العلم بما ينصح به: الذي يقوم بالنصيحة لا ينصح في أمر يجهله، بل لا بد أن يكون عالماً بما ينصح به، ولديه علم شرعي وأدلة من الكتاب والسنة في الجانب الذي يتكلم فيه، قال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]. ٣ - أن لا يجهر بنصيحته: أن يكون مسراً بنصيحته فلا ينصح أمام الملأ جهراً: قال الشافعي: تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه وإن خالفتني وعصيت قولي | ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة (٢) وقال أيضاً: (من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه) (٣). وعن سليمان الخواص قال: (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه) (٤). وقال ابن رجب: (وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد، وعظوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه) (٥). وقال ابن حزم: (إذا نصحت فانصح سراً لا جهراً أو بتعريض لا بتصريح إلا لمن لا يفهم، فلا بد من التصريح له) (٦). ٤ - أن يراعى الوقت والمكان المناسب: قال علي ﵁: (إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان: فابتغوا لها طرائف الحكمة) (٧). وقال عبد الله بن مسعود: (إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها) (٨). ٥ - اللين والرفق في النصيحة: أن تكون النصيحة بالرفق واللين والأسلوب الحسن، مع انتقاء الألفاظ المحببة، وعدم استخدام الأساليب المنفرة، قال تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقال سبحانه: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء: ٥٣]. فعن ثابت، أن صلة بن أشيم، وأصحابه أبصروا رجلا قد أسبل إزاره فأراد أصحابه أن يأخذوه بألسنتهم، فقال صلة: (دعوني أكفيكموه، فقال: يا ابن أخي إن لي إليك حاجة، قال: فما ذاك يا عم؟ قال: ترفع إزارك، قال: نعم، ونعمة عين، فقال لأصحابه: هذا كان مثل لو أخذتموه بشدة؟، قال: لا أفعل، وفعل) (٩). ٦ - أن لا تكون النصيحة على شرط القبول: قال ابن حزم: (ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه، فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة لا مؤدي حق ديانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة، ولكن حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده) (١٠).

стр. 567

وسائل وأساليب النصيحة البدء بقضاء حاجته ثم النصيحة: ومما يدل على ذلك ما روي عن حكيم بن حزام قال: ((سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال لي يا حكيم إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل، ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى قال حكيم، فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا ثم إن عمر دعاه ليعطيه فيأبى أن يقبله فقال يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵀) (١). تقديم الهدية: الهدية لها أثرها في النفس، وبنفس الوقت يمكن أن تحمل معاني تربوية، ووصايا إيمانية. التواصل بالرسائل: وهي وسيلة جيدة للتناصح، وقد استعملها الرسول ﷺ في الدعوة إلى الإسلام، وما زال السلف الصالح يقتفون أثره في هذه السنة المباركة. الزيارة للعلماء والدعاة: أن المنصوح قد يتقبل من شخص دون آخر؛ ولذلك فقد يكون من وسائل قبول بعض الناس للنصيحة زيارة عالم تقي أو داعية مشهور يسوق النصيحة بأسلوبه المؤثر. الصحبة والخلطة: الصحبة من الوسائل التي توثق الصلة بالأشخاص وتقرب الداعية من المدعو، وكلما كانت العلاقة أعمق كان التناصح أكبر وأسرع، فالعلاقات السطحية بالمدعوين قد لا تمكن الداعية من إيصال نصحه إليهم، ولذلك لا بد من اللقاءات الأخوية، والرحلات التربوية، والمخيمات الدعوية (٢).

стр. 568

نماذج من نصائح الرسول ﷺ : كان رسول الله ﷺ يناصح صحابته في جميع الأمور فكان يناصحهم في الأمور التعبدية والقضايا الدعوية، والشؤون الأسرية وغيرها، - فعن معاذ ﵁ قال بعثني رسول الله ﷺ فقال: ((إنك تأتي قوما من أهل الكتاب. فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) (١). - وأيضاً نصح رسول الله ﷺ معاذ وأبا موسى الأشعري حينما بعثهما إلى اليمن فقال: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) (٢). - وتعليمه ﷺ للرجل الصلاة، والمشهور بحديث المسيء صلاته فعن أبي هريرة، ((أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي ﷺ فرد وقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني فقال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها)) (٣). - وعن فاطمة بنت قيس- ﵂ ((أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها البتّة، وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله! ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال لها: ليس لك عليه نفقة، فأمرها أن تعتدّ في بيت أمّ شريك، ثمّ قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي. اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم، فإنّه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني، قالت: فلمّا حللت ذكرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد فكرهته، ثمّ قال: انكحي أسامة، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا كثيرا واغتبطت)) (٤). - وعن أبي هريرة- ﵁ قال: ((كنت عند النّبيّ ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنّه تزوّج امرأة من الأنصار. فقال له رسول الله ﷺ : أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها، فإنّ في أعين الأنصار شيئا)) (٥). - وعن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: ((إنّ عبد الله هلك وترك تسع بنات (أو قال: سبع) فتزوّجت امرأة ثيّبا. فقال لي رسول الله ﷺ : يا جابر، تزوّجت؟ قال: قلت: نعم. قال: فبكر أم ثيّب؟ قال: قلت: بل ثيّب يا رسول الله! قال: فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك (أو قال تضاحكها وتضاحكك) قال: قلت له: إنّ عبد الله هلك وترك تسع بنات (أو سبع) وإنّي كرهت أن آتيهنّ أو أجيئهنّ بمثلهنّ. فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهنّ وتصلحهنّ. قال: فبارك الله لك أو قال لي خيرا)) (٦). - وعن جابر بن عبد الله قال ((أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر فبلغ ذلك رسول الله ﷺ . فقال: ألك مال غيره. فقال لا. فقال: من يشتريه مني. فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك)) (٧).

стр. 569

نماذج في التناصح بين الصحابة: - عن أبي جحيفة، قال ((آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها ما شأنك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال كل قال فإني صائم قال ما أنا بآكل حتى تأكل قال فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال نم فنام ثم ذهب يقوم فقال نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال النبي ﷺ صدق سلمان)) (١). - وعن علقمة قال: (كنا جلوسا مع ابن مسعود فجاء خباب فقال يا أبا عبد الرحمن أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ قال أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك قال أجل قال اقرأ يا علقمة فقال زيد بن حدير أخو زياد بن حدير أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا قال أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي ﷺ في قومك وقومه فقرأت خمسين آية من سورة مريم فقال عبد الله كيف ترى قال قد أحسن قال عبد الله ما أقرأ شيئا إلا وهو يقرؤه ثم التفت إلى خباب، وعليه خاتم من ذهب فقال ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه) (٢). - وعن ابن حرملة، مولى أسامة بن زيد (أن الحجاج بن أيمن ابن أم أيمن، - وكان أيمن أخا أسامة لأمه، وهو رجل من الأنصار - فدخل الحجاج فصلى صلاة لا يتم ركوعه ولا سجوده، فرآه ابن عمر، فدعاه حين فرغ، فقال: يا ابن أخي، أتحسب أنك صليت؟ إنك لم تصل، فعد لصلاتك) (٣).

стр. 570

نماذج من نصائح السلف: - دخل عطاء بن أبي رباح على هشام بن عبد الملك، فقال له هشام: (مرحباً مرحباً هاهنا، هاهنا، فرفعه حتى مسّت ركبته ركبته، وعنده أشراف الناس يتحدثون فسكتوا. فقال هشام: ما حاجتك يا أبا محمد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين أهل الله، وجيران رسول الله ﷺ تقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم؛ قال: نعم، يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاءين وأرزاقهم لسنة. ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز وأهل نجد أصل العرب وقادة الإسلام ترد فيهم فضول صدقاتهم. قال: نعم، اكتب يا غلام بأن ترد فيهم صدقاتهم. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. أهل الثغور يرمون من وراء بيضتكم، ويقاتلون عدوّكم قد أجريتم لهم أرزاقاً تدرّها عليهم، فإنهم إن يهلكوا غزيتم، قال: نعم، اكتب بحمل أرزاقهم إليهم يا غلام. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم لا تجبى صغارهم ولا تتعتع كبارهم، ولا يكلفون ما لا يطيقون، فإن ما تجبونه معونة لكم على عدوكم. قال: نعم، اكتب يا غلام بأن لا يحملوا ما لا يطيقون. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، لا والله ما معك ممن ترى أحد. قال: وأكبّ هشام، وقام عطاء. فلما كنا عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس ما أدري ما فيه أدراهم أم دنانير! وقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا، قال: لا أسألكم عليه أجراً، إن أجري إلا عند ربّ العالمين. ثم خرج عطاء، ولا والله ما شرب عندهم حسوة من ماء فما فوقه) (١). - وعن هارون بن عبد الله الحمَّال قال: (جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق علي الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت أن خرجت إليه، فمسَّاني ومسَّيته، قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، شغلت اليوم قلبي، قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزت عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس) (٢).

стр. 571

الأمثال في النصيحة ١ - أّخُوكَ مَنْ صَدَقَكَ النَّصِيحَة. يعني النصيحة في أمر الدين والدنيا: أي صدقك في النصيحة (١). ٢ - اسْمَعْ مِمَّنْ لاَ يَجِدُ مِنْكَ بُدّاً. يضرب في قبول النصيحة أي اقْبَلْ نصيحة من يطلب نفعك يعني الأبوين ومن لا يستجلب بنصحك نفعا إلى نفسه بل إلى نفسك (٢). ٣ - إنَّ كَثِيرَ النّصِيحَةِ يَهجُمُ عَلَى كَثِيرِ الظِّنَّةِ أي إذا بالَغْتَ في النصيحة اتَّهمك من تنصحه (٣).

стр. 572

النصيحة في واحة الشعر .. قال علي بن مقرب: وما كُلُّ من يبدي المودة ناصحٌ ... كما ليس كُلُّ البرقِ يصدقُ خائلهْ وقد يظهرُ المقهورُ أقصى مودةٍ ... وحبالُ مبثوثةٌ ومناجلهْ (١) وقال عبد الله السابوري: من كانَ ذا نصيحةٍ نَهاكا ... ومن يكنْ ذا بُغْضةٍ أغراكا (٢) وقال التَّوزي: تَنَخَّلْتُ آرائي وسُقْتُ نصيحتي ... إِلى غيرِ طَلْقٍ للنصحِ ولا هشِّ فلما أبى نُصْحي سَلَكْتُ سبيلهُ ... وأوسعتهُ من قولِ زُورٍ ومن غِشِّ (٣) وقال المعري: متى يولكَ المرءُ الغريبُ نصيحةً ... فلا تُقْصهِ واجبُ الرفيقَ وإِنَ ذَّما ولا تكُ ممن قَرَّبَ العبدَ شارخاً ... وضَيَّعَه إِذا صار من كِبَرٍ هَمَّاً (٤) وقال الأصمعي: النصحُ أرخصً ماباع الرجالُ فلا ... ترددْ على ناصحٍ نُصْحاً ولا تَلُمِ إِن النصائحَ لا تخفى مَناهِجُها ... على الرجالِ ذوي الألبابِ والفهمِ (٥) وقال الصاحب شرف الدين الأنصاري: واصبِرْ على مُرِّ النصيحةِ واغْتَبطْ ... بودادِ من لا قالَ بالإِحفاظِ إِن تنسَ ما أجرمْتَ فهو مسطرٌ ... بأكفِّ أملاكٍ له حُفاظِ (٦) وقال شوقي: آفةُ النصحِ أن يكون لجاجاً ... وأذى النُّصحِ أن يكون جِهارا وقال: لكَ نُصْحي وما عليكَ جِدالي ... آفةُ النصحِ أن يكون جِدالا (٧) وقال عبد الله بن معاوية الجعفري: لا تبخلنْ بالنصحِ إِن ضؤولةٍ ... بالمرءِ غشِ المستشير المجهد وأجبْ أخاكَ إِذا استشارَكَ ناصحاً ... وعلى أخيكَ نصيحةً لاتردُدِ (٨) وقال الأرجاني: فما كُلُّ ذي نُصْحٍ بمؤتيكَ نُصْحَهُ ... ولا كل مؤتٍ نُصْحَهُ بلبيبِ ولكن إِذا ما استجمعا عند واحدٍ ... فحُقَّ له من طاعةٍ بنَصيبِ (٩) ...

стр. 573

معنى الورع لغة واصطلاحاً معنى الورع لغة: الورع: التَّحرُّجُ. توَرَّع عن كذا أَي تحرَّج. والورِع، بكسر الرَّاءِ: الرجلُ التَّقِي المُتَحَرِّج، وَهُوَ وَرِعٌ بيِّن الورَعِ، ... ويقال: فلان سيئ الرِّعةِ أَي قليل الورع ... والورَعُ في الأَصل: الكَف عن المحارِمِ والتحَرُّجُ مِنْهُ وتورَّع من كذا، ثُمَّ اسْتعِير لِلْكفِّ عَنِ الْمباح والْحَلَالِ (١). معنى الورع اصطلاحاً: الورع: هو اجتناب الشبهات خوفًا من الوقوع في المحرمات (٢). وعرفه القرافي بقوله: (ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس) (٣). وقال الكفوي: (الورع: الاجتناب عن الشبهات سواء كان تحصيلا أو غير تحصيل، إذ قد يفعل المرء فعلا تورعا وقد يتركه تورعا أيضا ويستعمل بمعنى التقوى وهو الكف عن المحرمات القطعية) (٤).

стр. 574

الفرق بين الزهد والورع قال ابن القيم: (والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك مالا ينفع في الآخرة. والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة) (١).

стр. 575

فضل الورع والحث عليه: - قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: ٥١]. قال السعدي: (هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة. ويخبرهم أنه بما يعملون عليم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها) (١). - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: عن النبي ﷺ قال: ((فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع)) (٢). قال المناوي: (لأن الورع دائم المراقبة للحق مستديم الحذر أن يمزج باطلا بحق كما قال الحبر كان عمر كالطير الحذر والمراقبة توزن بالمشاهدة ودوام الحذر يعقب النجاة والظفر) (٣). - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا هريرة كن ورعاً تكن أعبد الناس)) (٤). (أي داوم عليه في جميع الحالات حتى يصير طبعا لك فتكون أعبد الناس لدوام مراقبتك واشتغالك بأفضل العبادات بظاهرك وباطنك بإيثار حقك على حظك وهذا كمال العبودية ولهذا قال الحسن: ملاك الدين الورع وقد رجع ابن المبارك من خراسان إلى الشام في رد قلم استعاره منها وأبو يزيد إلى همدان لرد نملة وجدها في قرطم اشتراه وقال: غريبة عن وطنها وابن أدهم من القدس للبصرة لرد تمرة فانظر إلى قوة ورع هؤلاء وتشبه بهم إن أردت السعادة) (٥). - وعن الحسن بن علي- ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)) (٦). قال ابن حجر: (قوله يريبك بفتح أوله ويجوز الضم يقال رابه يريبه بالفتح وأرابه يريبه بالضم ريبة وهي الشك والتردد والمعنى إذا شككت في شيء فدعه، وترك ما يشك فيه أصل عظيم في الورع ... قال الخطابي كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه) (٧). - وعن أبي هريرة- ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : ((اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب. فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب. وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال: أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدقا)) (٨).

стр. 576

- وعن النعمان بن بشير ﵄: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (١). قال ابن رجب: (هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها وقد قيل: إنه ثلث العلم أو ربعه ... ومعنى الحديث: أن الله أنزل كتابه وبين فيه حلاله وحرامه وبين النبي ﷺ لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل والتحريم، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه فصار الحلال والحرام على قسمين: أحدهما: ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ولا يكاد إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام؛ فهذا هو الحلال البين والحرام البين. ومنه: ما تحليله وتحريمه لعينه كالطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والخبائث من ذلك كله ومنه: ما تحليله وتحريمه من جهة كسبه كالبيع والنكاح والهبة والهدية وكالربا والقمار والزنا والسرقة والغصب والخيانة وغير ذلك. القسم الثاني: ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة؛ لخفاء دلالة النص عليه ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال أو من الحرام؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم؛ بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم. أما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه فهو مشتبه عليه؛ فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حله وحرمه واجتنبه فقد استبرأ لدينه وعرضه، بمعنى أنه طلب لهما البراءة مما يشينهما، وهذا معنى الحديث الآخر: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (٢). وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى) (٣).

стр. 577

أقوال السلف والعلماء في الورع - قال أبو الدرداء: (تمام التقوى أن يتقي الله العبد، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما، حجابا بينه وبين الحرام (١). - وقال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام. - وقال الثوري: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا مالا يتقى وروي عن ابن عمر قال: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها. - وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال. - وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه) (٢). - (وقال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك مالا يعنيك هو ترك الفضلات. - وقال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله. وقال إسحاق بن خلف: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنهما يبذلان في طلب الرياسة. - وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا. - وقال يحيى بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل. وقال: الورع على وجهين. ورع في الظاهر، وورع في الباطن، فورع الظاهر أن لا يتحرك إلا لله، وورع الباطن هو أن لا تدخل قلبك سواه. وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء. - وقيل: الورع الخروج من الشهوات، وترك السيئات. - وقيل: من دق في الدنيا ورعه - أو نظره - جل في القيامة خطره. - وقال يونس بن عبيد: الورع الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين. - وقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه. - وقال سهل: الحلال هو الذي لا يعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا ينسى الله فيه، وسأل الحسن غلاما. فقال له: ما ملاك الدين؟ قال: الورع. قال: فما آفته؟ قال: الطمع. فعجب الحسن منه. - وقال الحسن: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة. - وقال أبو هريرة: جلساء الله غدا أهل الورع والزهد (٣). - وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس. - وقال بعض الصحابة: كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام) (٤). - وقال الهروي: (الورع توق مستقصى على حذر. وتحرج على تعظيم) (٥). - وقال ابن مسكويه: (وأما الورع فهو لزوم الأعمال الجميلة التي فيها كمال النفس) (٦). - وقال سفيان: (عليك بالورع يخفف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك) (٧). - وقال إبراهيم بن داود المرء يزري بلبه طمعه ... والدهر قدر كثيرة خدعه والناس إخوان كل ذي نشد ... قد خاب عبد إليهم ضرعه والمرء إن كان عاقلا ورعا ... أخرسه عن عيوبهم ورعه كما المريض السقيم يشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه (٨) ...

стр. 578

أقسام الورع ١ - الورع المشروع: قال ابن تيمية: (فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمدا ﷺ فهو: اتقاء من يخاف أن يكون سببا للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح. ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام وإن أدخلت فيها المكروهات قلت: نخاف أن يكون سببا للنقص والعذاب.) (١). ٢ - الورع الواجب: (وأما الورع الواجب: فهو اتقاء ما يكون سببا للذم والعذاب وهو فعل الواجب وترك المحرم والفرق بينهما فيما اشتبه أمن الواجب هو أم ليس منه؟ وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه؛ فأما ما لا ريب في حله فليس تركه من الورع وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع. وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثما من تركه مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه. والأصل في الورع المشتبه قول النبي ﷺ ((الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه)) (٢) وهذا في الصحيحين. وفي السنن قوله: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) (٣) وقوله: ((البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب)) (٤) وقوله في صحيح مسلم في رواية: ((البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس)) (٥) ((وإنه رأى على فراشه تمرة فقال: لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها)) (٦).

стр. 579

وأما في الواجبات ... لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات: أحدها: اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام لا في أداء الواجب وهذا يبتلى به كثير من المتدينة المتورعة ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة وعن الدرهم فيه شبهة؛ لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين وذوي الفجور في الدنيا ومع هذا يترك أمورا واجبة عليه إما عينا وإما كفاية وقد تعينت عليه من صلة رحم؛ وحق جار ومسكين؛ وصاحب ويتيم وابن سبيل؛ وحق مسلم وذي سلطان؛ وذي علم. وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر؛ وعن الجهاد في سبيل الله؛ إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى بل من جهة التكليف ونحو ذلك. وهذا الورع قد يوقع صاحبه في البدع الكبار؛ فإن ورع الخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم من هذا الجنس تورعوا عن الظلم وعن ما اعتقدوه ظلما من مخالطة الظلمة في زعمهم حتى تركوا الواجبات الكبار من الجمعة والجماعة؛ والحج والجهاد؛ ونصيحة المسلمين والرحمة لهم وأهل هذا الورع ممن أنكر عليهم الأئمة كالأئمة الأربعة وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة. الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة وبالعلم لا بالهوى) (١). ١ - الورع الفاسد: قال ابن تيمية: (كثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ [النجم: ٢٣] وهذه حال أهل الوسوسة في النجاسات؛ فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين وضعف عقل وعلم وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة أو مشتبهة أو كلها وآل الأمر ببعضهم إلى إحلالها لذي سلطان؛ لأنه مستحق لها وإلى أنه لا يقطع بها يد السارق ولا يحكم فيها بالأموال المغصوبة. وقد أنكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وذم المتنطعين في الورع. وقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: ((قال رسول الله ﷺ هلك المتنطعون قالها ثلاثا)) (٢). وورع أهل البدع كثير منه من هذا الباب. بل ورع اليهود والنصارى والكفار عن واجبات دين الإسلام من هذا الباب وكذلك ما ذمه الله تعالى في القرآن من ورعهم عما حرموه ولم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ومن هذا الباب الورع الذي ذمه الرسول ﷺ في الحديث الذي في الصحيح لما ترخص في أشياء فبلغه أن أقواما تنزهوا عنها فقال: ((ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخص فيها والله إني لأرجو أن أكون أعلمهم بالله وأخشاهم وفي رواية: أخشاهم وأعلمهم بحدوده له)) (٣) وكذلك حديث صاحب القبلة. ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه في الدين وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه كما فعله الكفار وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم. الثالثة: جهة المعارض الراجح. هذا أصعب من الذي قبله؛ فإن الشيء قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه المتورع؛ ولا لحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح؛ وبالعكس فهذا هذا. وقد تبين أن من جعل الورع الترك فقط؛ وأدخل في هذا الورع أفعال قوم ذوي مقاصد صالحة بلا بصيرة من دينهم وأعرض عما فوتوه بورعهم من الحسنات الراجحة فإن الذي فاته من دين الإسلام أعظم مما أدركه فإنه قد يعيب أقواما هم إلى النجاة والسعادة أقرب) (٤). وقسم الراغب الأصفهاني الورع إلى ثلاث أنواع: فقال: ١ - (واجب: وهو الإحجام عن المحارم، وذلك للناس كافة. ٢ - وندب: وهو الوقوف عن الشبهات، وذلك للأواسط. ٣ - وفضيلة: وهو الكف عن كثير من المباحات والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين) (٥).

стр. 580

فوائد وآثار الورع ١ - من فوائده أنه يجلب محبة الله . ٢ - فيه الاقتداء بهدي النبي ﷺ . ٣ - فيه ترك الشبهات والبعد عنها. ٤ - به يطيب المطعم والمشرب. ٥ - أنه سبب لاستجابة الدعاء. ٦ - أنه خير خصال الدين كما أخبر بذلك النبي ﷺ . ٧ - فيه الاستبراء للدين والعرض. ٨ - أنه سمة من سمات العُبَّاد. ٩ - الورع سبب من أسباب كمال التقوى.

стр. 581

درجات الورع قال الهروي ﵀: (الورع على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: تجنب القبائح لصون النفس، وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان. الدرجة الثانية: حفظ الحدود عند ما لا بأس به، إبقاء على الصيانة والتقوى، وصعودا عن الدناءة، وتخلصا عن اقتحام الحدود. الدرجة الثالثة: التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت والتعلق بالتفرق وعارض يعارض حال الجميع) (١). درجات الورع عن الحرام عند الغزالي: قال الغزالي ﵀: (الورع عن الحرام على أربع درجات: الأولى: ورع العدول وهو الذي يجب الفسق باقتحامه وتسقط العدالة به ويثبت اسم العصيان والتعرض للنار بسببه وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء. الثانية: ورع الصالحين وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ولكن المفتى يرخص في التناول بناء على الظاهر فهو من مواقع الشبهة على الجملة. الثالثة: مالا تحرمه الفتوى ولا شبهة في حله ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم وهو ترك ما لا بأس به مخافة مما به بأس وهذا ورع المتقين. الرابعة: ما لا بأس به أصلا ولا يخاف منه أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يتناول لغير الله وعلى غير نية التقوِّي به على عبادة الله أو تتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية والامتناع منه ورع الصديقين) (٢).

стр. 582

صور ومظاهر الورع لا شك أن الورع مهم في حياتنا الاجتماعية وحريُّ بنا أن نترك كل أمر مشكوك فيه وعليه شبهة، والورع له صور ومظاهر عدة فقد ذكر ابن أبي الدنيا مظاهر للورع منها: ١ - الورع في النظر: قال رسول الله ﷺ لعلي: ((لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة)) (١). عن أنس قال: ((إذا مرت بك امرأة، فغمض عينيك حتى تجاوزك)) (٢). عن داود الطائي قال: ((كانوا يكرهون فضول النظر)) (٣). قال عمرو بن مرة: ((ما أحب أني بصير كنت نظرت نظرة، وأنا شاب)) (٤). وقال وكيع خرجنا مع سفيان الثوري في يوم عيد فقال: (إن أول ما نبدأ به في يومنا غض أبصارنا) (٥). ٢ - الورع في السمع: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((من استمع إلى حديث قوم لا يحبون أن يستمع حديثهم، أذيب في أذنه الآنك)) (٦). عن نافع قال: (كنت مع ابن عمر في طريق فسمع زمارة راع، فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، ثم قال: يا نافع أتسمع؟ قلت: نعم. فأخرج إصبعيه من أذنيه، ثم عدل عن الطريق، ثم قال: يا نافع أتسمع؟ قلت: لا. فأخرج إصبعيه من أذنيه، ثم عدل إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع) (٧). ٣ - الورع في الشم: فعن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال قدم على عمر ﵁ مسك وعنبر من البحرين فقال عمر والله لوددت أني أجد امرأة حسنة تزن لي هذا الطيب حتى أفرقه بين المسلمين فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك قال لا قالت ولم قال إني أخشى أن تأخذيه هكذا وأدخل أصابعه في صدغيه وتمسحين عنقك فأصيب فضلا عن المسلمين (٨). وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه أتي بغنائم مسك، فأخذ بأنفه، فقالوا يا أمير المؤمنين: تأخذ بأنفك لهذا؟ قال: إنما ينتفع من هذا بريحه؛ فأكره أن أجد ريحه دون المسلمين (٩). ٤ - الورع في اللسان: أن عمر بن الخطاب اطلع على أبي بكر رحمهما الله وهو يمد لسانه، فقال: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ قال: هذا أوردني الموارد إن رسول الله ﷺ قال: ((ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان على حدته)) (١٠). وعن الحسن بن حي قال: (فتشت عن الورع، فلم أجده في شيء أقل منه في اللسان) (١١). وعن الفضيل بن عياض قال: (أشد الورع في اللسان) (١٢). وعن يونس بن عبيد قال: (إنك لتعرف ورع الرجل في كلامه) (١٣). وسئل عبد الله المبارك أي الورع أشد؟ قال: (اللسان) (١٤). ٥ - الورع في البطن:

стр. 583

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: ٥١] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر العبد يطيل السفر أشعث أغبر رافعا يديه يا رب يا رب. مطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لهذا)) (١). عن القاسم قال: كان لأبي بكر ﵀ غلام يأتيه بكسبه كل ليلة ويسأله من أين أصبت؟ فيقول: أصبت من كذا فأتاه ذات ليلة بكسبه، وأبو بكر قد ظل صائما، فنسي أن يسأله، فوضع يده فأكل، فقال الغلام: يا أبا بكر كنت تسألني كل ليلة عن كسبي إذا جئتك فلم أرك سألتني عنه الليلة؟ قال: فأخبرني من أين هو؟ قال: تكهنت لقوم في الجاهلية، فلم يعطوني أجري حتى كان اليوم فأعطوني، وإنما كانت كذبة، فأدخل أبو بكر يده في حلقه، فجعل يتقيأ فذهب الغلام فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: إني كذبت أبا بكر فضحك النبي ﷺ ، أحسبه قال ضحكا شديدا، وقال: ((إن أبا بكر يكره أن يدخل بطنه إلا طيبا)) (٢). وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع منكم ألا يجعل في بطنه إلا طيبا فليفعل؛ فإن أول ما ينتن من الإنسان بطنه)) (٣). وعن أبي صالح الحنفي قال: (دخلت على أم كلثوم فقالت: ائتوا أبا صالح بطعام فأتوني بمرقة فيها جنوب، فقلت أتطعموني هذا وأنتم أمراء؟ قالت: كيف لو رأيت أمير المؤمنين عليا، وأتي بأترج، فأخذ الحسن أو الحسين منها أترجة لصبي لهم، فانتزعها من يده، وقسمها بين المسلمين) (٤). ٦ - الورع في الفرج: قال سفيان بن عيينة: (لو أن رجلا لعب بغلام بين أصبعين من أصابع رجله يريد بذلك الشهوة، لكان لواطا) (٥). ٧ - الورع في الفتوى: كان الصحابة ومن بعدهم من التابعين ﵃ يتورعون أشد الورع عن الفتوى فكانوا يدفعون الفتوى عن أنفسهم ولا يُقدمون عليها فعن البراء ﵁ قال: (لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبُه الفتوى) (٦). وقال ابن أبي ليلى: (أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ يُسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يُسأل عن شيء إلا ودّ أنّ أخاه كفاه) (٧). وقال عطاء بن السائب: (أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن الشيء فيتكلم وإنه ليرعد) (٨). ويقول نفيس بن الأشعث: (كان محمد بن سيرين إذا سئل عن شيء من فقه الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان) (٩). وقال أبو حصين عثمان بن عاصم التابعي الجليل: (إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر) (١٠).

стр. 584

وسائل اكتساب الورع ذكر الحكيم الترمذي بعض الوسائل في اكتساب الورع فقال: (فالورع من التورع يكون بخمسة أشياء: أحدهما: بالعلم. الثاني: بتذكره منه لما عليه ورغبته فيما له. والثالث: بتذكره عظمة الله، وجلاله وقدرته وسلطانه، والرابع: بتذكره استحيائه من الملك الجبار. والخامس: بتذكره خوفه من غضب الله عليه، وبقائه له على الشبه) (١).

стр. 585

نماذج من ورع النبي ﷺ : كان رسول الله ﷺ القدوة في الورع فكان زاهدا ورعاً، وقد ضرب لنا نموذجاً أعلى في الورع فهذا أنس ﵁ يحكي لنا مشهد من مشاهد الورع فيقول: - ((مر النبي ﷺ بتمرة مسقوطة فقال: لولا أن تكون صدقة لأكلتها)) (١). - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها)) (٢). قال ابن حجر: (والنكتة في ذكره هنا ما فيه من تعيين المحل الذي رأى فيه التمرة وهو فراشه ﷺ ومع ذلك لم يأكلها وذلك أبلغ في الورع) (٣). وقال المهلب (إنما تركها ﷺ تورعا وليس بواجب لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على التحريم) (٤). - وعن أبي هريرة ﵁ ((أنّ الحسن بن عليّ ﵄ أخذ تمرة من تمر الصّدقة فجعلها في فيه، فقال له النّبيّ ﷺ بالفارسيّة: كخ، كخ أما تعرف أنّا لا نأكل الصّدقة)) (٥). - وعن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر ((أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها فأرسلت المرأة قالت يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها. فقال رسول الله ﷺ أطعميه الأسارى)) (٦).

стр. 586

نماذج من ورع الصحابة: ١ - ورع أبي بكر ﵁: - عن عائشة ﵂، قالت: كان لأبي بكرٍ الصديق ﵁، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ (١). ٢ - ورع عمر بن الخطاب ﵁: - عن عاصم بن عمر، عن عمر قال: (إنه لا أجده يحل لي أن آكل من مالكم هذا، إلا كما كنت آكل من صلب مالي: الخبز والزيت والخبز والسمن) قال: فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت، ومما يليه منها سمن، فيعتذر إلى القوم ويقول: (إني رجل عربي، ولست أستمرئ الزيت) (٢). - وعن نافع أن عمرَ بن الخطاب ﵁، كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمس مائة، فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف، فقال: " إنما هاجر به أبواه يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه" (٣). قال ابن عثيمين: (وهذا يدل دلالة عظيمة على شدة ورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وهكذا يجب على من تولى شيئاً من أمور المسلمين ألا يحابي قريباً لقربه، ولا غنياً لغناه، ولا فقيراً لفقره، بل ينزل كل أحد منزلته، فهذا من الورع والعدل، ولم يقل عبد الله بن عمر: يا أبت، أنا مهاجر ولو شئت لبقيت في مكة؛ بل وافق على ما فرضه له أبوه) (٤). ٣ - ورع عبد الله بن عمر ﵄: - عن قزعة، قال: رأيت على ابن عمر ثيابا خشنة أو جشبة فقلت له: إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك. قال: أرنيه. فلمسه، وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا، إنه من قطن. قال: إني أخاف أن ألبسه، أخاف أكون مختالا فخورا، والله لا يحب كل مختال فخور (٥). - وعن طاووس قال: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس (٦).

стр. 587

نماذج من ورع السلف ١ - ورع عمر بن عبد العزيز: - عن ابن السماك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاحا بين الناس، فجاء ابن له وأخذ تفاحة من ذلك التفاح، فوثب إليه ففك يده فأخذ تلك التفاحة فطرحها في التفاح، فذهب إلى أمه مستغيثا فقالت له: مالك أي بني؟ فأخبرها، فأرسلت بدرهمين فاشترت تفاحا، فأكلت وأطعمته، ورفعت لعمر، فلما فرغ مما بين يديه دخل إليها، فأخرجت له طبقا من تفاح، فقال: (من أين هذا يا فاطمة؟) فأخبرته فقال: (رحمك الله، والله إن كنت لأشتهيه) (١). - وعن فاطمة بنت عبد الملك قالت: اشتهى عمر بن عبد العزيز يوما عسلا فلم يكن عندنا، فوجهنا رجلا على دابة من دواب البريد إلى بعلبك، فأتى بعسل، فقلنا يوما: إنك ذكرت عسلا وعندنا عسل، فهل لك فيه؟ قال: (نعم). فأتيناه به فشرب، ثم قال: (من أين لكم هذا العسل؟) قالت: قلت وجهنا رجلا على دابة من دواب البريد بدينارين إلى بعلبك فاشترى لنا عسلا. قالت: فأرسل إلى الرجل فجاء، فقال: (انطلق بهذا العسل إلى السوق، فبعه، فاردد إلينا رأس مالنا، وانظر الفضل، فاجعله في علف دواب البريد، ولو كان ينفع المسلمين قيء لتقيأت) (٢). ٢ - ورع محمد بن سيرين: - عن العلاء بن زياد أنه كان يقول (لو كنت متمنيا لتمنيت فقه الحسن وورع ابن سيرين وصواب مطرف وصلاة مسلم بن يسار) (٣). - وعن عاصم قال: (سمعت مورقا العجلي يقول: ما رأيت أحدا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. وقال عاصم: وذكر محمد عند أبي قلابة، فقال: اصرفوه كيف شئتم، فلتجدنه أشدكم ورعا، وأملككم لنفسه) (٤). - وقال بكر بن عبد الله المزني: (من أراد أن ينظر إلى أورع من أدركنا، فلينظر إلى محمد بن سيرين. وقال هشام بن حسان: كان محمد يتجر، فإذا ارتاب في شيء، تركه) (٥). - وعن هشام بن حسان: (أن ابن سيرين اشترى بيعا من منونيا (٦)، فأشرف فيه على ربح ثمانين ألفا، فعرض في قلبه شيء، فتركه. قال هشام: ما هو – والله - بربا. - وقال: محمد بن سعد: سألت الأنصاري عن سبب الدين الذي ركب محمد بن سيرين حتى حبس؟ قال: اشترى طعاما بأربعين ألفا، فأخبر عن أصل الطعام بشيء، فكرهه، فتركه، أو تصدق به، فحبس على المال، حبسته امرأة، وكان الذي حبسه مالك بن المنذر. وقال هشام: ترك محمد أربعين ألفا في شيء ما يرون به اليوم بأسا) (٧). ٣ - ورع امرأة من الصالحات: عن العباس بن سهم قال: (أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهي تعجن، فرفعت يديها من العجين، وقالت هذا طعام قد صار لنا فيه شريك) (٨).

стр. 588

نماذج من ورع العلماء المتقدمين ١ - ورع عبد الله بن المبارك: - عن الحسن بن عرفة قال: (قال لي ابن المبارك: استعرت قلما بأرض الشام، فذهبت على أن أرده، فلما قدمت مرو، نظرت، فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه) (١). - وقال الحسن بن الربيع: (لما احتضر ابن المبارك في السفر، قال: أشتهي سويقا. فلم نجده إلا عند رجل كان يعمل للسلطان، وكان معنا في السفينة، فذكرنا ذلك لعبد الله، فقال: دعوه. فمات ولم يشربه) (٢). ٢ - ورع أبي وائل شقيق بن سلمة: (كان أبو وائل يقول لجاريته، إذا جاء يحيى – يعني ابنه – بشيء فلا تقبليه، وإذا جاء أصحابي بشيء، فخذيه. وكان ابنه قاضيا على الكناسة. قال: وكان لأبي وائل ﵀ خص من قصب، يكون فيه هو وفرسه، فإذا غزا نقضه، وتصدق به، فإذا رجع أنشأ بناءه. قلت:- القائل الذهبي - قد كان هذا السيد رأسا في العلم والعمل) (٣).

стр. 589

نماذج من ورع العلماء المعاصرين ١ - ورع الشيخ ابن باز: كان الشيخ ابن باز ﵀ ورعاً وكان من ورعه (أنه لا يقبل هدية من أحد؛ لأنه في عمل حكومي، وإذا قبلها كافأ عليها، وكان يقول: إذا تساوي مائة فأعطوه مائتين، وإذا كانت تساوي مائتين فأعطوه أربعمائة، وأخبروه بألا يقدم لنا شيئاً مرة أخرى. وإذا أعطي شيئاً على سبيل الهدية من طيب أو سواك، أو بشت أو نحو ذلك، وكان بجانبه أحد أعطاه إياه، وقال: هدية مني إليك) (١). وفي يوم من الأيام جاء الملك فيصل إلى المدينة النبوية فأراد الشيخ ابن باز أن يزوره (ولم يكن لديه سيارة؛ إذ كانت سيارته تحتاج إلى بعض الإصلاح فأخبروا سماحته بذلك فقال: خذوا سيارة أجرة، فاستأجروا له، وذهبوا إلى الملك. ولما عاد سماحة الشيخ إلى منزله أُخبر الملك فيصل بأن الشيخ جاء بسيارة أجرة، فتكدر الملك كثيراً وأرسل إلى سماحة الشيخ سيارة، وأخبره بتكدره. ولما أُخبر سماحة الشيخ بذلك قال: ردوها، لا حاجة لنا بها، سيارتنا تكفينا. يقول الشيخ إبراهيم: فقلت يا سماحة الشيخ هذه من الملك، وأنت تستحقها، فأنت تقوم بعمل عظيم، ومصلحة عامة، والذي أرسلها ولي الأمر، وإذا رددتها ستكون في نفسه، والذي أراه أن تقبلها. فقال سماحة الشيخ: دعني أصلي الاستخارة، فصلى، وبعد الصلاة قال: لا بأس نأخذها، وكتب للملك ودعا له) (٢). ٢ - ورع الشيخ ابن عثيمين: - كان الشيخ ابن عثيمين ﵀ ورعاً زاهداً عن الدنيا، وإليك نماذج من ورعه ﵀ فهذا موقف (يذكره الدكتور عبد الله بن إبراهيم المطلق، يدل على الورع الذي طالما تحلى به الشيخ، ففي شهر شوال ١٤١٧ هجرية استضافته جامعة الإمام في دورة المبتعثين إلى الخارج وقد تزامن ذلك مع اجتماع هيئة كبار العلماء عبد العزيز بن عبد الله بن باز فأذن له سماحة العلامة رئيس هيئة كبار العلماء عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فأذن له فحضر، وفي نهاية المحاضرة طلب منه الدكتور المطلق أن يوقع على ورقة يستلم بموجبها مكافأة مالية مقابل إلقاء المحاضرة، فأخذ الشيخ الورقة ومزقها أمام الدكتور المطلق وقال له: نحن محسوبون الآن على هيئة كبار العلماء) (٣). - ومن ورعه أيضاً (عندما يتغيب عن إمامة الجامع الكبير في عنيزة حيث كان يتقاضى راتباً شهرياً مقابل إمامته للجامع فإنه يدفع ما يقابل تغيبه ولو كان يوما واحداً لمن استخلفه في الإمامة وكذلك إذا تأخر عن العمل - عندما كان يدرس في المعهد العلمي في عنيزة – ولو لبضع دقائق أثبت ذلك في سجل الحضور وكتب أمامه بغير عذر) (٤). - ومما يدل على ورعه أيضاً (كان ﵀ إذا احتاج إلى أن يملأ قلمه بالحبر من الدواة من مكتبة الجامعة ليقوم باستعماله فيما يخص عمل الجامعة فإنه قبل أن ينصرف يفرغ ما تبقى في قلمه من الحبر في الدواة لأنه يخص الجامعة) (٥).

стр. 590

الورع يكون عن المحرمات والمكروهات قال ابن تيمية: (الورع من باب وجود النفرة والكراهة للمتورع عنه وانتفاء الإرادة إنما يصلح فيما ليس فيه منفعة خالصة أو راجحة. وأما وجود الكراهة فإنما يصلح فيما فيه مضرة خالصة أو راجحة فأما إذا فرض ما لا منفعة فيه ولا مضرة أو منفعته ومضرته سواء من كل وجه؛ فهذا لا يصلح أن يراد ولا يصلح أن يكره فيصلح فيه الزهد ولا يصلح فيه الورع فظهر بذلك أن كل ما يصلح فيه الورع يصلح فيه الزهد من غير عكس وهذا بين. فإن ما صلح أن يكره وينفر عنه صلح ألا يراد ولا يرغب فيه فإن عدم الإرادة أولى من وجود الكراهة؛ ووجود الكراهة مستلزم عدم الإرادة من غير عكس. وليس كل ما صلح ألا يراد يصلح أن يكره؛ بل قد يعرض من الأمور ما لا تصلح إرادته ولا كراهته ولا حبه ولا بغضه ولا الأمر به ولا النهي عنه. وبهذا يتبين: أن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع؛ وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد والورع. وأما المباحات فيصلح فيها الزهد دون الورع وهذا القدر ظاهر تعرفه بأدنى تأمل) (١).

стр. 591

الورع في واحة الشعر .. قال سفيان الثوري: إني وجدت فلا تظنوا غيره ... هذا التورع عند هذا الدرهم (١). وقال الشاعر: لا تطل الشكوى ففيه التلف ... والشكر لله الغني شرف لا يفسد دين الورى إلا الطمع ... حقا ولا يصلحه إلا الورع (٢). وقال آخر: هل لكم بالله في بدعتكم ... من فقيه أو إمام يتبع مثل سفيان أخي الثوري الذي ... علم الناس خفيات الورع (٣). وقال علي بن محمد العلوي الجمال: وذي حسد يغتابني حيث لا يرى ... مكاني ويثني صالحا حيث أسمع تورعت أن أغتابه من ورائه ... وها هو ذا يغتابني متورع (٤). وقال آخر: تورع ودع ما قد يريبك كله ... جميعا إلى ما لا يريبك تسلم وحافظ على أعضائك السبع جملة ... وراع حقوق الله في كل مسلم وكن راضيا بالله ربا وحاكما ... وفوض إليه في الأمور وسلم (٥). وقال أبو عبد الله الواسطي: ليس الظريف بكامل في ظرفه ... حتى يكون عن الحرام عفيفا فإذا تورع عن محارم ربه ... فهناك يدعى في الأنام ظريفا (٦). وقال آخر: جليل العطايا في دقيق التورع ... فدقق تنل عالي المقام المرفع وتسلم من المحظور في كل حالة ... وتغنم من الخيرات في كل موضع وتحمد جميل السعي بالفوز في غد ... فسارع إليه اليوم مع كل مسرع ولا تك مثلي وابناً متخلقاً ... لجوهر عمر عن شر مضيع (٧). ...

стр. 592

معنى الوفاء لغة واصطلاحاً: معنى الوفاء لغة: الوفاءُ ضد الغَدْر يقال وَفَى بعهده وأَوْفَى بمعنى. قال ابن بري وقد جمعهما طُفَيْل الغَنَوِيُّ في بيت واحد في قوله: أَمَّا ابن طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كما وَفَى بِقلاصِ النَّجْمِ حادِيها (١) ووفى بعهده يفي وفاءً، وأوفى: إذا تمم العهد ولم ينقض حفظه (٢). معنى الوفاء اصطلاحا: الوفاء هو: (ملازمة طريق المواساة ومحافظة عهود الخلطاء) (٣). وقيل: (هو الصبر على ما يبذله الإنسان من نفسه ويرهن به لسانه، والخروج مما يضمنه وإن كان مجحفاً به) (٤).

стр. 593

الفرق بين الوفاء والصدق: (قيل: هما أعم وأخص، فكل وفاء صدق، وليس كل صدق وفاء. فإن الوفاء قد يكون بالفعل دون القول، ولا يكون الصدق إلا في القول، لأنه نوع من أنواع الخبر، والخبر قول) (١).

стр. 594

أهمية الوفاء بالعهد: (الوفاء أخو الصدق والعدل، والغدر أخو الكذب والجور وذلك أن الوفاء صدق اللسان والفعل معاً، والغدر كذب بهما لأن فيه مع الكذب نقض العهد. والوفاء يختص بالإنسان فمن فقد فيه فقد انسلخ من الإنسانية كالصدق، وقد جعل الله تعالى العهد من الإيمان وصيره قواماً لأمور الناس، فالناس مضطرون إلى التعاون ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء، ولولا ذلك لتنافرت القلوب وارتفع التعايش، ولذلك عظم الله تعالى أمره فقال تعالى: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:٤٠] وقال تعالى: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ [النحل: ٩١]) (١). (والصدق في الوعد وفي العهد من الفضائل الخلقية التي يتحلى بها المؤمنون، والكذب في الوعد وفي العهد من الرزائل الخلقية التي يجتنبها المؤمنون ... ويشترك الوعد والعهد بأن كلا منهما إخبار بأمر جزم المخبر بأن يفعله، ويفترقان بأن العهد يزيد على الوعد بالتوثيق الذي يقدمه صاحب العهد، من أيمان مؤكدة. والمواعدة مشاركة في الوعد بين فريقين، والمعاهدة مشاركة في العهد بين فريقين، فيعد كل من الفريقين المتواعدين صاحبه بما سيفعل، ويعاهد كل من الفريقين المتعاهدين صاحبه بما سيفعل) (٢). (وقد وصف القرآن الذين يوفون بالعهد بأحسن الصفات فقال: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧] وقال: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٧١] ونقض الميثاق يؤدي إلى سوء السلوك والأخلاق، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ [المائدة: ١٣] ومع هذه الأخلاق المتراكمة كظلمات بعضها فوق بعض يأمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يقابل ذلك بحسن الخلق والصبر والتحمل: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] ما أروع هذا القرآن كيف يربي الرجال. واستمراراً لورود العهد والميثاق في مجال بناء الأمة على الأخلاق السامية يأمر الله عباده على لسان نبيه ﷺ بعدد من الوصايا التي تكون جيلا ذا خلق رفيع، ثم يختم تلك الوصايا الخالدة بقوله سبحانه وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢] فالوفاء بالعهد ضمانة لأداء تلك الأوامر واجتناب ما ورد من نواهي ومن ثم يكون الانقياد والطاعة وحسن الخلق، وإخلاف العهد نقض للعهد، ينحط بصاحبه إلى أسوأ البشر أخلاقا – وبخاصة إذا كان العهد مع الله – فإن المتصف بتلك الصفة ينتقل من مجتمع الصادقين المتقين إلى تجمع المخادعين الكاذبين من المنافقين فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ [التوبة:٧٧]) (٣).

стр. 595

فضل الوفاء بالعهد: إن من حميد الغرائز وكريم الشيم وفاضل الأخلاق ... الوفاء؛ وإنه لمن أقوى الدلائل وأوضح البراهين على طيب الأصل وشرف العنصر، وهو يتفاضل بالتفاضل اللازم للمخلوقات ... وأول مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له، وهذا فرض لازم وحق واجب ... لا يحول عنه إلا خبيث المحتد لا خلاق له ولا خير عنده (١). فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن خيار عباد الله الموفون المطيبون)) (٢). وعن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة عن أبيه عن جده قال: استقرض مني النبي ﷺ أربعين ألفا فجاءه مال فدفعه إلي وقال: ((بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الحمد والأداء)) (٣).

стр. 596

الأمر بالوفاء بالعهد والوعد في القرآن والسنة الأمر بالوفاء بالعهد والوعد من القرآن الكريم: وردت آيات في كتاب الله تحث على الوفاء بالعهد والوعد بسياق مختلف، منها: - قوله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [يس:٦٠]. - وقوله سبحانه: وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء: ١٧]. قال الطبري في تفسير هذه الآية: (وأوفوا بالعقد الذي تعاقدون الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضا، والبيوع والأشربة والإجارات، وغير ذلك من العقود إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا [الإسراء: ١٧] يقول: إن الله جلّ ثناؤه سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، يقول: فلا تنقضوا العهود الجائزة بينكم، وبين من عاهدتموه أيها الناس فتخفروه، وتغدروا بمن أعطيتموه ذلك. وإنما عنى بذلك أن العهد كان مطلوبا) (١). - وقال عزّ من قائل: أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ ينقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد: ١٩]. قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: (أي بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق [الرعد:٢٠] الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالإيمان ونحوها، وهذا تعميم بعد التخصيص، لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه كالنذور ونحوها، ويحتمل أن يكون الأمر بالعكس فيكون من التخصيص بعد التعميم على أن يراد بالعهد جميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه، ويراد بالميثاق: ما أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذرّ المذكور في قوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ [الأعراف:١٧٢]) (٢). - وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:١٠]. - وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١]. قال السعدي: (هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:١٠] بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع.

стр. 597

فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها) (١). الأمر بالوفاء بالعهد والوعد من السنة النبوية: فقد وردت أحاديث تأمر بالوفاء بالعهد وتبين حقيقة الغدر وتنهى عنه وهي كثيرة فمنها: - ما رواه عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)) (٢). - وعن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية، وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة، ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء)) فرجع معاوية (٣). (ومعنى قوله ينبذ إليهم على سواء أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع فيكون الفريقان في ذلك على السواء. وفيه دليل على أن العهد الذي يقع بين المسلمين وبين العدو ليس بعقد لازم لا يجوز القتال قبل انقضاء مدته، ولكن لا يجوز أن يفعل ذلك إلاّ بعد الإعلام به والإنذار فيه) (٤). - وعن أبي بكر الصديق- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الصبح، فهو في ذمة الله. فلا تخفروا الله في عهده. فمن قتله، طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه)) (٥). (أي في عهده وأمانه في الدنيا والآخرة وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد ((فلا تخفروا الله في ذمته)) (٦) قال في النهاية: خفرت الرجل أجرته وحفظته وأخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه) (٧). - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٨).

стр. 598

قال ابن عثيمين ﵀: (وأما إخلاف الوعد فحرام يجب الوفاء بالوعد سواء وعدته مالا أو وعدته إعانة تعينه في شيء أو أي أمر من الأمور إذا وعدت فيجب عليك أن تفي بالوعد وفي هذا ينبغي للإنسان أن يحدد المواعيد ويضبطها فإذا قال لأحد إخوانه أواعدك في المكان الفلاني فليحدد الساعة الفلانية حتى إذا تأخر الموعود وانصرف الواعد يكون له عذر حتى لا يربطه في المكان كثيرا وقد اشتهر عند بعض السفهاء أنهم يقولون أنا واعدك ولا أخلفك وعدي إنجليزي يظنون أن الذين يوفون بالوعد هم الإنجليز ولكن الوعد الذي يوفى به هو وعد المؤمن ولهذا ينبغي لك أن تقول إذا وعدت أحدا وأردت أن تؤكد إنه وعد مؤمن حتى لا يخلفه لأنه لا يخلف الوعد إلا المنافق) (١). - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) (٢). قوله ((لكل غادر لواء)) قال النووي: (معناه لكل غادر علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له، وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك) (٣). وقال القرطبي: (هذا خطاب منه للعرب بنحو ما كانت تفعل، لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء ليلوموا الغادر ويذموه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمه أهل الموقف) (٤).

стр. 599

ما قيل في الوفاء - قال الأحنف: (لا صديق لملولٍ ولا وفاء لكذوبٍ ولا راحة لحسودٍ ولا مروءة لبخيلٍ ولا سؤدد لسيئ الخلق) (١). - وقيل لبعض الحكماء: (بأي شيء يعرف وفاء الرجل دون تجربة واختبار؟ قال بحنينه إلى أوطانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه - وعن الأصمعي قال: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ووفاء عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه) (٢). - وقال ابن مفلح: (كان يقال كما يتوخى للوديعة أهل الأمانة والثقة كذلك ينبغي أن يتوخى بالمعروف أهل الوفاء والشكر) (٣). - وقال الحريري: (تعامل القرن الأول فيما بينهم بالدين زمانا طويلا حتى رق الدين ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة) (٤). - وقال بعض الحكماء: (من لم يف للإخوان كان مغموز النسب) (٥). - وقال ابن حزم: (الوفاء مركب من العدل والجود والنجدة لأن الوفي رأى من الجور أن لا يقارض من وثق به أو من أحسن إليه فعدل في ذلك ورأى أن يسمح بعاجل يقتضيه له عدم الوفاء من الحظ فجاد في ذلك ورأى أن يتجلد لما يتوقع من عاقبة الوفاء فشجع في ذلك) (٦). - وعن عوف بن النعمان الشيباني أنّه قال في الجاهلية الجهلاء: (لأن أموت عطشاً أحب إليَّ من أكون مخلاف الموعدة) (٧). - وعن عوف الكلبي أنّه قال: (آفة المروءة خلف الموعد) (٨). - وقال الحارث بن عمرو بن حجر الكندي: (أنجز حر ما وعد) (٩). - (وقالت الحكماء: لا شيءَ أضيع من مَوَدَةِ من لا وَفاء له: واصطناع مَن لا شكر عِنده، والكريمُ يَوَد الكريم عن لُقْية واحدة، واللّئيم لا يَصِل أحداً إلا عن رَغْبة أو رَهْبة) (١٠). - (وأوصت أعرابية ابناً لها فقالت: يا بني، اعلم أنه من اعتقد الوفاء والسخاء فقد استجاد الحلة بربطتها وسربالها، وإياك والنمائم فإنها تنبت السخائم، وتفرق بين المحبين، وتحسي أهلها الأمرين) (١١).

стр. 600

أقسام العهد العهد: ما يعاهد الإنسان به غيره وهو نوعان: - (عهد مع الله فإن الله قال في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: ١٧٢] فقد أخذ الله العهد على عباده جميعا أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا لأنه ربهم وخالقهم. - وعهد مع عباد الله ومنه العهود التي تقع بين الناس بين الإنسان وبين أخيه المسلم بين المسلمين وبين الكفار وغير ذلك من العهود المعروفة فقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد فقال : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٤] يعني أن الوفاء بالعهد مسئول عنه الإنسان يوم القيامة يسأل عن عهده هل وفَّى به أم لا قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ [النحل:٩١] يعني ولا تخلفوا العهد) (١).
следующие страницы →