← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الفرق بين الموجدة والحقد ذكر ابن القيم فروقا بين الموجدة والحقد فقال: (أن الوجد: الإحساس بالمؤلم والعلم به وتحرك النفس في رفعه فهو كمال. وأما الحقد فهو إضمار الشر وتوقعه كل وقت فيمن وجدت عليه فلا يزايل القلب أثره. وفرق آخر: وهو أن الموجدة لما ينالك منه والحقد لما يناله منك فالموجدة وجد ما نالك من أذاه. والحقد توقع وجود ما يناله من المقابلة، فالموجدة سريعة الزوال والحقد بطيء الزوال والحقد يجيء مع ضيق القلب واستيلاء ظلمة النفس ودخانها عليه بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه) (١).

стр. 737

ذم الحقد في القرآن والسنة ذم الحقد في القرآن الكريم: من الناس من يحمل نفساً مظلمة، وقلبا أسود، لا يعرف للعفو طريقا، ولا للصفح سبيلا، فبمجرد أدنى إساءة تقع في حقه من أحد إخوانه تجده يحقد عليه ولا يكاد ينسى إساءته مهما تقادم العهد عليها، فتجده يتربص بصاحبه الدوائر، وينتظر منه غرة، لينفذ إليه منها، ويصيبه من خلالها، فيشفي غيظه ويروي غليله (١). - قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥]. - وقال سبحانه: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ [الأعراف: ٤٣]. - وقال : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٧ - ٤٨]. قال الطبري: (وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وَصَف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد وغِمْرٍ وعَداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلوها على سُرُر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضًا على شيء خصَّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه، تجري من تحتهم أنهار الجنة) (٢). وقال القرطبي: (ذكر الله فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم. والنزع: الاستخراج والغل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غلال) (٣). وقال السعدي: (وهذا من كرمه وإحسانه على أهل الجنة، أن الغل الذي كان موجودا في قلوبهم، والتنافس الذي بينهم، أن الله يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا متحابين، وأخلاء متصافين ... ويخلق الله لهم من الكرامة ما به يحصل لكل واحد منهم الغبطة والسرور، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم. فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض، لأنه قد فقدت أسبابه) (٤). (ولما كانت الجنة دار سعادة ونعيم عام وشامل كان لا بد لأصحابها من أن يكونوا مبرئين من كل حقد وغل، ومن كل علة خلقية تسبب لهم آلاما وأكداراً، وقد وصف الله أهل دار النعيم يوم القيامة بأنهم مبرؤون من كل غل، وما كان من غل في صدورهم في الدنيا فإن الله ينزعه منها متى دخلوا الجنة) (٥). ذم الحقد في السنة النبوية: إن الحقد حمل ثقيل يتعب حامله، يحمله الجاهل في صدره فيشقي به نفسه ويفسد به فكره، ويشغل به باله، ويقض به مضجعه، ويكثر به همه وغمه، إنه كحمل من أحمال الشوك الملتهب الحار، المحشو بصخور ثقيلة محمية تنفث السموم التي تلتهب منها الصدور، ويظل الجاهل الأحمق يحمل هذا الحمل الخبيث مهما حل أو ارتحل، حتى يشفي حقده بالانتقام ممن يحقد عليه (٦). - فعن جابر ﵁ قال: ((تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فمن مستغفر فيغفر له، ومن تائب فيتاب عليه، ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا)). قال المنذري: الضغائن: هي الأحقاد (٧).

стр. 738

- وعن ابن عباس- ﵄ قال: ((قال رسول الله؟: ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن، فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء: من مات لا يشرك بالله شيئا، ولم يكن ساحرا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه)) (١). - وعن أنس بن مالك- ﵁ قال: ((كنا جلوسا مع رسول الله؟ فقال: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي؟ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي؟ مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول، فلما قام النبي؟ تبعه عبد الله بن عمرو، فقال: إني لا حيت أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم. قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله ، وكبر حتى لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث الليالي، وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله؟ يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك، فأنظر ما عملك، فأقتدي بك، فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك. وفي رواية البزار- سمى الرجل المبهم سعدا- وقال في آخره: فقال سعد: ما هو إلا ما رأيت يا ابن أخي إلا أني لم أبت ضاغنا على مسلم. أو كلمة نحوها)) (٢). - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: ((لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) (٣). - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: ((قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد)) (٤).

стр. 739

أقوال في ذم الحقد - قال: عثمان ﵁: (ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله- على صفحات وجهه وفلتات لسانه) (١). - وقال زيد بن أسلم ﵁: (دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، أما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما) (٢). - وقال ابن حجر الهيتمي: (الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب كانت بمنزلة خصلة واحدة) - وقال أبو حاتم: (الحقد أصل الشر ومن أضمر الشر في قلبه أنبت له نباتا مرا مذاقه نماؤه الغيظ وثمرته الندم) (٣). - و (كان يقال: الحقد داء دوي. ويقال: من كثر حقده، دوي قلبه. ويقال: الحقد مفتاح كل شر. ويقال: حل عقد الحقد، ينتظم لك عقد الود. ويقال: الحقود والحسود لا يسودان) (٤).

стр. 740

حكم الحقد ذكر العلماء أن الحقد من الكبائر وأورد ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر) أن من الكبائر الغضب بالباطل والحقد والحسد وذكر سبب جمعه لهذه الكبائر الثلاث بقوله: (لما كانت هذه الثلاثة بينها تلازم وترتب، إذ الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب كانت بمنزلة خصلة واحدة، وذم كل يستلزم ذم الآخر، لأن ذم الفرع وفرعه يستلزم ذم الأصل وأصله وبالعكس) (١).

стр. 741

ما يباح من الحقد الأصل في الحقد أنه حرام ولا يجوز أن يحقد المسلم على أخيه المسلم، ولكنه يجب عليه أن يحقد على اليهودي الذي يقتل أبناء المسلمين في فلسطين، والنصراني الحاقد، والشيوعي الملحد، والهندوسي الذين يحرق مساجد المسلمين ويقتلهم، قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: ١٣ - ١٤]. ولا يزول حقد المسلم على الكافر إلا أن يسلم، فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((والله، لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد)) (١). (قال الأشرف: بهما تذهب الشحناء والتباغض والتحاسد يومئذ ; لأن جميع الخلق يكونون يومئذ على ملة واحدة، وهي الإسلام، وأعلى أسباب التباغض وأكثرها هو اختلاف الأديان) (٢).

стр. 742

آثار ومضار الحقد ١ - (الحقد يثمر الحسد وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه فتغتم بنعمة إن أصابها وتسر بمصيبة إن نزلت به. ٢ - الشماتة بما أصابه من البلاء. ٣ - الهجران والمقاطعة. ٤ - الإعراض عنه استصغارا له. ٥ - التكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وغيره. ٦ - محاكاته استهزاء به وسخرية منه. ٧ - إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه. ٨ - منعه من حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة) (١). ٩ - الحقد من مظاهر دنو الهمة فهو لا يصدر من النبلاء، ولا يليق بالعقلاء (٢). ١٠ - الحقد ينبت سوء الظن، وتتبع العورات، والهمز واللمز، والغيبة والنميمة. ١١ - ومن مضار الحقد أيضاً أنه يقتضي التشفي والانتقام. ١٢ - جحد الحق وعدم اتباعه.

стр. 743

وسائل علاج الحقد ١ - الدعاء: المسلم يدعو الله أن يجعل قلبه طاهرا نقياً من الحقد والغل قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠]. وكان النبي ﷺ يدعو ويقول: ((رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدي لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مطواعا، إليك مخبتاً أو منيباً، تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي)) (١). والسخيمة هي الحقد. ٢ - سلامة الصدر: وسلامة الصدر تكون بعدم الحقد والغل والبغضاء، فعن الزبير بن العوام ﵁، قال: قال ﷺ : ((دب إليكم داء الأُمم قبلكم: إلى ... والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم)) (٢). وعن ابن عباس مرفوعاً قال: ((ثلاثٌ من لم يكن فيه فإن الله يغفر له ما سوى ذلك: من مات لا يُشرك بالله شيئاً، وَلم يكن ساحراً يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه)) (٣). ٣ - رابط الأخوة الإيمانية: إن الأخوة الإيمانية والغل لا يجتمعان في قلب واحد، إن عاطفة المؤمن نحو إخوانه المؤمنين تتدفق بالمحبة، فكيف يجد الغل إلى هذه العاطفة الكريمة سبيلا؟! إنهما أمران لا يجتمعان (٤). قال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٧ - ٩]. ٤ - التواضع: لا شك أن تواضع المسلم لأخيه المسلم يدفع بالأغلال والأحقاد، قال رسول الله ﵌: ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)) (٥). وقال أبو حاتم: (التواضع يكسب السلامة ويورث الألفة ويرفع الحقد ويذهب الصد) (٦). ٥ - ملء القلب بالمحبة وإرادة الخير للآخرين. ٦ - اعتذار المرء لأخيه:

стр. 744

قال أبو حاتم: (الاعتذار يذهب الهموم ويجلي الأحزان ويدفع الحقد ويذهب الصد ... فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفي التعجب عن النفس في الحال لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة) (١). ٧ - تقديم الهدية: قال ﷺ : ((تهادوا تحابوا)) (٢). وقال أيضاً ((تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر)) (٣). (وذلك لأن الهدية خلق من أخلاق الإسلام دلت عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحث عليه خلفاؤهم الأولياء تؤلف القلوب وتنفي سخائم الصدور) (٤). ٨ - ترك الغضب الذي هو سبب للأحقاد: الغضب يعتبر من الأسباب التي تؤدي إلى الحقد، فإذا اختلف شخص مع آخر في أمر ما غضب عليه، ثم الغضب يتحول إلى الحقد وإرادة الانتقام. وقد قال ﷺ : للرجل الذي أمره أن يوصيه: ((لا تغضب فردد مرارا، قال: لا تغضب)) (٥).

стр. 745

أسباب الحقد ١ - المماراة والمنافسة: قال الغزالي: (وأشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمنافسة فإنها عين التدابر والتقاطع فإن التقاطع يقع أولا بالآراء ثم بالأقوال ثم بالأبدان) (١). ٢ - المزاح: المزاح الذي يخرج عن حده يغرس الحقد في القلوب، قال الأبشيهي: (المزاح يخرق الهيبة ويذهب بماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الإيمان والود) (٢). ٣ - الخصومة: قال النووي: (والخصومةُ تُوغرُ الصدورَ، وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما، حتى يفرح كل واحد بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته، ويُطلق اللسانَ في عرضه) (٣). ٤ - الكراهية الشديدة إلى حد البغض العنيف. ٥ - الرغبة بالانتقام وبإنزال السوء بمن يكرهه الحاقد (٤). ٦ - إذا فاته الشخص ما يتمناه لنفسه وحصل عليه غيره: قال محمد الغزالي: (المسلم يجب أن يكون أوسع فكرة، وأكرم عاطفة، فينظر إلى الأمور من خلال الصالح العام، لا من خلال شهواته الخاصة. وجمهور الحاقدين تغلي مراجل الحقد في أنفسهم، لأنهم ينظرون إلى الدنيا فيجدون ما يتمنونه لأنفسهم قد فاتهم، وامتلأت به أكف أخرى، وهذه هي الطامة التي لا تدع لهم قراراً!! وقديماً رأى إبليس أن الحظوة التي يتشهاها قد ذهبت إلى آدم، فآل ألا يترك أحداً يستمتع بها بعد ما حرمها. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٥ - ١٦]. هذا الغليان الشيطاني هو الذي يضطرم في نفوس الحاقدين ويفسد قلوبهم. وقد أهاب الإسلام بالناس أن يبتعدوا عن هذا المنكر، وأن يسلكوا في الحياة نهجاً أرقى وأهدأ) (٥).

стр. 746

سلامة القلب من الأحقاد القلب السليم سبب من أسباب النجاة يوم القيامة قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩] والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والنفاق، ومن الغل والحقد والحسد. ووصف أهل الجنة بسلامة القلب فقال: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧] و (ليس أروح للمرء، ولا أطرد لهمومه، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب، مبرأ من وساوس الضغينة، وثوران الأحقاد، إذا رأى نعمة تنساق لأحد رضي بها، وأحس فضل الله فيها، وفقر عباده إليها، وذكر قول رسول الله ﷺ : ((اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر)) (١). وإذا رأى أذى يلحق أحدا من خلق الله رثى له، ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه ... وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة، راضيا عن الله وعن الحياة، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى، فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب المغشوش، كما يتسرب السائل من الإناء المثلوم! ... والإسلام يحارب الأحقاد ويقتل جرثومتها في المهد، ويرتقي بالمجتمع المؤمن إلى مستوى رفيع من الصداقات المتبادلة أو المعاملات العادلة، وقد اعتبر الإسلام من دلائل الصغار وخسة الطبيعة، أن يرسب الغل في أعماق النفس فلا يخرج منه، بل يظل يموج في جوانبها كما يموج البركان المكتوم، وكثير من أولئك الذين يحتبس الغل في أفئدتهم، يتلمسون متنفساً له في وجوه من يقع معهم، فلا يستريحون إلا إذا أرغوا وأزبدوا، وآذوا وأفسدوا.) (٢).

стр. 747

نماذج في سلامة القلب من الحقد النبي ﷺ القدوة في الأخلاق الحسنة ومنها سلامة الصدر من الحقد والضغائن، وقد ذكر ابن القيم سلامة الصَّدر، من منازل إياك نعبد وإياك نستعين فقال: (ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظرْ إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس يجدها بعينها) (١). وقد قال ﷺ ((لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) (٢). وهكذا كان أصحاب رسول لله قلوبهم سليمة من الأحقاد والضغائن ومن تلك النماذج ما رواه أبو الدرداء ﵁، قال: ((كنت جالسا عند النبي ﷺ ، إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا فأتى إلى النبي ﷺ فسلم، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين، فما أوذي بعدها)) (٣). وقال علي بن أبي طالب ﵁: لعمران بن طلحة بن عبيد الله بعد وقعة الجمل - وقد استشهد أبوه طلحة ﵁ قال له: (إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممن قال فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧]) (٤). وعن عائذ بن عمرو، ((أن أبا سفيان، أتى على سلمان، وصهيب، وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، قال فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي)) (٥). وقد تأسى العلماء الربانيون بالنبي ﷺ فتخلقوا بأخلاقه فأصبحت قلوبهم سليمة لا تحمل حقداً على أحد حتى على من آذاهم ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول ابن القيم: (وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال منه) (٦).

стр. 748

أحوال المحقود قال الغزالي: (للمحقود ثلاثة أحوال عند القدرة: أحدها: أن يستوفي حقه الذي يستحقه من غير زيادة أو نقصان وهو العدل. الثاني: أن يحسن إليه بالعفو والصلة وذلك هو الفضل. الثالث: أن يظلمه بما لا يستحقه وذلك هو الجور وهو اختيار الأراذل، والثاني هو اختيار الصديقين، والأول هو منتهى درجات الصالحين) (١).

стр. 749

حكم وأمثال في الحقد ١ - أحقد من جمل العرب تصف الْبَعِير بالحقد وغلظة الكبد (١). ٢ - ظاهر العتاب خير من باطن الحقد (٢). ٣ - ويقال: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش. الحقد والحسد وسوء الخلق (٣).

стр. 750

الشعر في ذم الحقد .. الحقد داء دفين ليس يحمله ... إلا جهول مليء النفس بالعلل مالي وللحقد يشقيني وأحمله ... إني إذن لغبي فاقد الحيل سلامة الصدر أهنأ لي وأرحب لي ... ومركب المجد أحلى لي من الزلل إن نمت نمت قرير العين ناعمها ... وإن صحوت فوجه السعد يبسم لي وأمتطي لمراقي المجد مركبتي ... لا حقد يوهن من سعيي ومن عملي مبرَأ القلب من حقد يبطئني ... أما الحقود ففي بؤس وفي خطل وقال محمد بن مقيس الأزدي: فإن الذي بيني وبين عشيرتي ... وبين بني عمي لمختلف جدا إذا قدحوا لي نار حرب بزندهم ... قدحت لهم في كل مكرمة زندا وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا وأعطيهم مالي إذا كنت واجدا ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا (١) وقال هلال بن العلاء: (جعلت على نفسي ألا أكافئ أحدا بشر ولا عقوق اقتداء بهذه الأبيات: لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من غم العداوات إني أحيي عدوي حين رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنه قد حشى قلبي مسرات وأنشد أحمد بن عبيد عن المدائني: ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب) (٢) وقال عنترة: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ... ولا ينال العلا من طبعه الغضب وقال ابن الرومي: (وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينسبن إلى بعض فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض) (٣) ...

стр. 751

معنى الخيانة لغة واصطلاحاً معنى الخيانة لغة: من خانه خَوْناً وخيانة ومَخَانة، واختانه، فهو خائن وخائنة وخؤون وخَوَّان والجمع خانة وخَوَنَةً وخُوَّان (١). وقال الراغب: (الخيانة مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ. ونقيض الخيانة: الأمانة، يقال: خُنْتُ فلانا، وخنت أمانة فلان) (٢). معنى الخيانة اصطلاحاً: قال الطيبي (هي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، والأظهر أنها شاملة لجميع التكاليف الشرعية) (٣). وقال الجاحظ: هي (الاستبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم وتملك ما يستودع، ومجاحدة مودعه) (٤). وقال ابن عاشور: (وحقيقة الخيانة عمل من اؤتمن على شيء بضد ما اؤتمن لأجله بدون علم صاحب الأمانة) (٥).

стр. 752

الفرق بين الخيانة وبعض الصفات الفرق بين الخيانة والسرقة: قال ابن قتيبة: (لا يكاد الناس يفرقون بين الخائن والسارق. والخائن الذي ائتمن فأخذ، قال النمر بن تولب: وإن بني ربيعة بعد وهب [كراعي البيت يحفظه فخانا!] والسارق من سرقك سرا بأي وجه كان، يقال: كل خائن سارق، وليس كل سارق خائنا. والغاصب: الذي جاهرك ولم يستتر، والقطع في السرقة دون الخيانة والغصب) (١). الفرق بين الخيانة والنفاق: (الخيانة والنفاق واحد، إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارا بالدين) (٢).

стр. 753

ذم الخيانة والتحذير منها في القرىن والسنة ذم الخيانة والتحذير منها في القرآن الكريم: حذر الإسلام من الخيانة لأنها خصلة مذمومة ومقيتة تقطع أواصر المجتمع الإسلامي ولقد وردت الآيات التي تحذر من الخيانة بعدة سياق فمنها قوله تعالى: - إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج: ٣٨]. قال ابن كثير: (وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال. والكفر: الجحد للنعم، فلا يعترف بها) (١). - وقال سبحانه: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ [الأنفال: ٥٨]. (يقول تعالى ذكره: وإما تخافن يا محمد من عدو لك بينك وبينه عهد وعقد أن ينكث عهده وينقض عقده ويغدر بك، وذلك هو الخيانة والغدر. فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء يقول: فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم بما كان منهم من ظهور آثار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر. ِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر، فيحاربه قبل إعلامه إياه أنه له حرب وأنه قد فاسخه العقد). (٢). - وقال عز من قائل: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [النساء: ١٠٥ - ١٠٨]. قال السعدي: (قوله: وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا أي: لا تخاصم عن من عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكر حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية) (٣). - وقال : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم: ١٠]

стр. 754

قال ابن كثير في قوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا (أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أن ذلك لا يجدي عنهم شيئًا ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتها ليلا ونهارًا يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط فَخَانَتَاهُمَا أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يُجْد ذلك كلَه شيئًا، ولا دفع عنهما محذورا؛ ولهذا قال: فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أي: لكفرهما، وَقِيلَ أي: للمرأتين: ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وليس المراد: فَخَانَتَاهُمَا في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء) (١). - وقال سبحانه: قال مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف: ٥١ - ٥٢]. قال السعدي في قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ (يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أني حين أقررت أني راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي: لم يجر مني إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الذي راودته، وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني. وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ فإن كل خائن، لا بد أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بد أن يتبين أمره) (٢). ذم الخيانة والتحذير منها في السنة النبوية: - عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٣).

стр. 755

قال ابن عثيمين في قوله: ((إذا اؤتمن خان)): (إذا ائتمنه إنسان على شيء خانه فمثلا إذا أعطي وديعة وقيل له خذها احفظها، دراهم أو ساعة أو قلم أو متاع أو غير ذلك يكون فيها يستعملها لنفسه أو يتركها فلا يحفظها في مكانها أو يظفر بها من يتسلط عليه ويأخذها، المهم أنه لا يؤدي الأمانة فيها، كذلك إذا اؤتمن على حديث سري وقيل له: لا تخبر أحدا ذهب يخبر، قال لي فلان قال لي فلان، وبعض الناس والعياذ بالله يبتلى بحب الظهور والشهرة، إذا ائتمنه أحد من ولاة الأمور أو من كبراء القوم ووجهائهم ذهب يتحدث؛ قال لي الأمير كذا؛ قال لي الوزير كذا؛ قال لي الشيخ كذا؛ يتجمل عند الناس بأنه ممن يحادثه الكبراء والشرفاء وهذه من خيانة الأمانة والعياذ بالله، ومن ذلك أيضا الأمانات في الولايات يكون الإنسان وليا على يتيم على ماله وحضانته وتربيته فلا يقوم بالواجب؛ يهمل ماله وربما يستقرضه لنفسه ولا يدري هل يستطيع الوفاء فيما بعد أم لا؟ ولا يقربه بالتي هي أحسن، هذا أيضًا من خيانة الأمانة، ومن ذلك أيضًا أن الإنسان لا يقوم بواجب التربية في أهله وأولاده وقد ائتمنه الله) (١). - وعن أبي هريرة- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)) (٢). - وعن عمران بن حصين- ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) - قال عمران: لا أدري أذكر النبي ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة- قال النبي ﷺ : ((إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن)) (٣). قال النووي: (معنى الجمع في قوله يخونون ولا يؤتمنون أنهم يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها ثقة بخلاف من خان حقيرا مرة فإنه لا يخرج به عن أن يكون مؤتمنا في بعض المواطن) (٤). - وعن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: ((من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن أفتى بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على من أفتاه، ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه)) (٥). - وعن جابر- ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يلتمس عثراتهم)) (٦). قال ابن بطال: (فبين النبي ﵇، بهذا اللفظ المعنى الذي من أجله نهى عن أن يطرق أهله ليلا. فإن قيل: وكيف يكون طروقه أهله ليلا سببا لتخونهم؟ قيل: معنى ذلك، والله أعلم، أن طروقه إياهم ليلا هو وقت خلوة وانقطاع مراقبة الناس بعضهم بعضا، فكان ذلك سببا لسوء ظن أهله به، وكأنه إنما قصدهم ليلا ليجدهم على ريبة حين توخى وقت غرتهم وغفلتهم. ومعنى الحديث النهي عن التجسس على أهله، ولا تحمله غيرته على تهمتها إذا لم يأنس منها إلا الخير) (٧).

стр. 756

أقوال السلف والعلماء في الخيانة - عن أنس بن مالك قال: (إذا كانت في البيت خيانة ذهبت منه البركة) (١). - (وكان شريح يقضي في المضارب بقضائين: كان ربّما قال للمضارب: بيّنتك على مصيبة تعذر بها. وربّما قال لصاحب المال: بيّنتك أنّ أمينك خائن وإلّا فيمينه بالله ما خانك) (٢). - وعن خالد الربعي قال كان يقال: (إن من أجدر الأعمال أن لا تؤخر عقوبته أو يعجل عقوبته الأمانة تخان والرحم تقطع والإحسان يكفر) (٣). - وعن مجاهد، قال: (المكر والخديعة والخيانة في النار، وليس من أخلاق المؤمن المكر ولا الخيانة) (٤). - وعن ميمون بن مهران قال: (ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء: من عاهدته وف بعهده مسلما كان أو كافرا، فإنما العهد لله ، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها، مسلما كان أو كافرا ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلما كان أو كافرا). - وقال الفضيل بن عياض: (أصل الإيمان عندنا وفرعه وداخله وخارجه بعد الشهادة بالتوحيد وبعد الشهادة للنبي ﷺ بالبلاغ وبعد أداء الفرائض صدق الحديث وحفظ الأمانة وترك الخيانة ووفاء بالعهد وصلة الرحم والنصيحة لجميع المسلمين) (٥). - وذكر أعرابي رجلاً خائناً فقال: (إن الناس يأكلون أماناتهم لقما، وإن فلاناً يحسوها حسواً) (٦). - وقال الماوردي: (وأما الاستسرار بالخيانة فضعة لأنه بذل الخيانة مهين، ولقلة الثقة به مستكين. وقد قيل في منثور الحكم: من يخن يهن. وقال خالد الربعي: قرأت في بعض الكتب السالفة أن مما تعجل عقوبة ولا تؤخر الأمانة تخان والإحسان يكفر والرحم تقطع والبغي على الناس. ولو لم يكن من ذم الخيانة إلا ما يجده الخائن في نفسه من المذلة لكفاه زاجرا، ولو تصور عقبى أمانته وجدوى ثقته لعلم أن ذلك من أربح بضائع جاهه وأقوى شفعاء تقدمه مع ما يجده في نفسه من العز ويقابل عليه من الإعظام) (٧). - وقال أيضاً: (والداعي إلى الخيانة شيئان: المهانة وقلة الأمانة، فإذا حسمهما عن نفسه بما وصفت ظهرت مروءته) (٨). - وقال العارف المحاسبي: (ثلاثة عزيزة أو معدومة حسن وجه مع صيانة وحسن خلق مع ديانة وحسن إخاء مع أمانة) (٩). - وقال حكيم: (لو علم مضيّع الأمانة، ما في النّكث والخيانة، لقصّر عنهما عنانه. - وقالوا: من خان مان، ومن مان هان، وتبرّأ من الإحسان) (١٠). - وقال ابن حزم: (الخيانة في الحرم أشد من الخيانة في الدماء، العرض أعز على الكريم من المال، ينبغي للكريم أن يصون جسمه بماله ويصون نفسه بجسمه ويصون عرضه بنفسه ويصون دينه بعرضه ولا يصون بدينه شيئا) (١١).

стр. 757

حكم الخيانة ذكر العلماء أن الخيانة من الكبائر فقد عد الذهبي الخيانة بأنها من الكبائر وكذلك ابن حجر الهيتمي (١). قال الذهبي: (قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧]. قال الواحدي رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة لما حاصرهم وكان أهله وولده فيهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا إن نزلنا على حكم سعد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه أي أنه الذبح فلا تفعلوا فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله قال أبو لبابة: فما زالت قدماي من مكاني حتى عرفت أني خنت الله ورسوله وقوله: وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ عطف على النهي أي ولا تخونوا أماناتكم قال ابن عباس: الأمانات الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد (٢). يعني الفرائض يقول: لا تنقضوها قال الكلبي: أما خيانة الله ورسوله فمعصيتهما. وأما خيانة الأمانة: فكل واحد مؤتمن على ما افترضه الله عليه إن شاء خانها وإن شاء أداها لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى وقوله وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ أنها أمانة من غير شبهة وقال تعالى: وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف: ٥٢]: أي لا يرشد كيد من خان أمانته يعني أنه يفتضح في العاقبة بحرمان الهداية وقال ﵊: ((آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان)) (٣)) (٤). ثم سرد الذهبي الأحاديث التي تحث على الأمانة وتنهى عن الخيانة.

стр. 758

آثار ومضار الخيانة ١ - تسخط الله على العبد. ٢ - داء وبيل إذا استشرى بالإنسان جرده من إنسانيته وجعله وحشا يهيم وراء ملذاته. ٣ - من علامات النفاق. ٤ - طريق موصل إلى العار في الدنيا والنار في الآخرة. ٥ - أسوأ ما يبطن الإنسان. ٦ - انتشار الخيانة في المجتمع من علامات اضمحلاله. ٧ - انتشار الغلول والرشوة والمطل والغش لأنها كلها من الخيانة (١). ٨ - فقدان الثقة بين أفراد المجتمع. ٩ - تفكك أواصر المحبة والتعاون بين أفراد المجتمع. ١٠ - أنها تسبب المهانة والذل لصاحبها.

стр. 759

صور الخيانة (الخيانة من صفات المنافقين البارزة، فالمنافق إذا سنحت له فرصة الخيانة لم يضيعها أو يدعها تفوق، جرياً وراء المغنم، وأصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام واستعماله ضد الأمانة لأن الخون النقص والضياع، وما أبشع الخيانة بقدر ما يعظم قدر الأمانة، يقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً [الأحزاب: ٧٢]. وقد نهى الله تعالى عن الخيانة بأصنافها وأنواعها) (١). وصورها كالتالي: ١ - خيانة الله ورسوله: قال تعالى: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٨]. قال ابن حجر الهيتمي: (وقوله : وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ عطف على النهي أي ولا تخونوا أماناتكم. قال ابن عباس: الأمانات الأعمال التي ائتمن الله تعالى عليها العباد (٢). أما خيانة الله ورسوله فمعصيتهما. وأما خيانة الأمانات فكل أحد مؤتمن على ما كلفه الله به، فهو سبحانه موقفه بين يديه ليس بينه وبينه ترجمان وسائله عن ذلك هل حفظ أمانة الله فيه أو ضيعها؟ فليستعد الإنسان بماذا يجب الله تعالى به إذا سأله عن ذلك فإنه لا مساغ للجحد ولا للإنكار في ذلك اليوم، وليتأمل قوله تعالى: وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف: ٥٢] أي لا يرشد كيد من خان أمانته بل يحرمه هدايته في الدنيا، ويفضحه على رءوس الأشهاد في العقبى، فالخيانة قبيحة في كل شيء) (٣). ٢ - (خيانة النفس: وهي أن يفعل المرء من الذنوب ما لا يطلع عليه إلا الله ويخون به أمر الله تعالى بألا يفعل، مثلما وقع من بعض المسلمين من الرفث إلى النساء ليلة الصيام فعن ابن عباس قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ [البقرة: ١٧٨] وقوله تعالى: تختانون من الاختيان وهو أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب. ٣ - خيانة الناس وهي أنواع: - في المال: وتتمثل في أكل المال الذي يؤتمن عليه الإنسان سواء كان ذلك المال وديعة أو مالا عاماً أو مال شركة أمينها ذلك الخائن أو مال اليتامى الذين يتولى الوصاية عليهم خائن يأكل في بطنه ناراً من الأوصياء والأولياء المنافقين. - إفشاء السر: وقد تكون خيانة الناس بإفشاء السر الذي يؤتمن عليه الإنسان إلا إذا كان في ذلك الإفشاء مصلحة أقوى مثل إظهار الحق ونصرة المظلوم وإعانة أهل العدل وصيانة مصلحة الأمة. ولكن أكثر ما تكون الخيانة في إفشاء الأسرار الخاصة التي لا تهم غير صاحبها مثل عورات البيوت وأسرار العائلات والأزواج .. فليتق الله من يطلع على شيء من ذلك إذا ائتمنه عليه أصحاب الشأن لاستشارة أو لقيام بينهم بصلح.

стр. 760

كما يكون ذلك الإفشاء وخيانة الأمانة ممن يطلعون بحكم علمهم على أسرار الناس، كالأطباء والممرضات فهؤلاء يعلمون من أسرار المرضى ما لا ينبغي أن يذاع وكذلك من يقومون بغسل الموتى وتكفينهم ودفنهم فقد وجب عليهم ألا يخونوا أماناتهم وأن يحفظوا ما علموا سراً) (١) (وقال الحسن إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك. ويروى أن معاوية ﵁ أسر إلى الوليد بن عتبة حديثه فقال لأبيه يا أبت إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك قال فلا تحدثني به فإن من كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه قال فقلت يا أبت وإن هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه فقال لا والله يا بني ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السر قال فأتيت معاوية فأخبرته فقال يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ) (٢). - الخيانة في النصيحة: (ومن صور خيانة الناس كذلك الخيانة في النصيحة، كمن يزكي فاسقاً أو يخفي مالا مسروقاً أو يؤوي مجرماً أو يعين قاطع طريق. أو من ينصح غيره بما يؤذيه في الدنيا أو الآخرة من الإفساد وقطيعة الرحم. - الخيانة الزوجية: ومن أبشع صور الخيانة: خيانة الزوجة لزوجها في ماله وعرضه، بالسرقة والزنا، وخيانة الرجل لزوجته بالسرقة والزنا كذلك ... ) (٣).

стр. 761

أوجه ورود الخيانة في القرآن الكريم وردت الخيانة في القرآن الكريم على خمسة أوجه ذكرها الفيروز آبادي فقال: (وقد وردت في القرآن على خمسة أَوجه: الأَوّل في الدّين والدّيانة: وتخونوا أَمَانَاتِكُمْ [الأنفال: ٢٧]. الثاني في المال والنّعمة: وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً [النساء: ١٠٥]. الثالث: في الشرع والسنَّة: وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ [الأنفال: ٧١] أي إِن تركوا الأَمانة في السُّنَّة فقد تركوها فى الفريضة. الرّابع: الخيانة: بمعنى الزّنى وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين [يوسف: ٥٢] أَي الزَّانين. الخامس: بمعنى نَقْض العهد والبَيْعَة: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً [الأنفال: ٥٨] أي نقضَ عهد) (١).

стр. 762

في أي شيء كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط ؟ قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم: ١٠]. فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط لم تكن في العرض وإنما كانت في الدين. قال ابن كثير: (وليس المراد: فَخَانَتَاهُمَا في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء) (١). وقال الشيخ الفوزان: (هذه الآية الكريمة مثل ضربه الله لمخالطة الكافر للمسلم، وأن الكافر لا ينفعه مخالطة المسلم، ما دام أنه لم يدخل في الإسلام، فإنه في يوم القيامة يكون في النار، ولا تنفعه معاشرته للمسلم ومخالطته للمسلم، وإن توثقت الصداقة والعلاقة؛ لأنه ليس بمسلم. أما الخيانة التي حصلت من امرأة نوح وامرأة لوط، فهي خيانة الملة؛ لأن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين فخانتاهما في الدين، حيث لم تدخلا في دين زوجيهما، فهذا يعتبر خيانة، وليس خيانة عرض؛ لأن فرش الأنبياء معصومة عليهم الصلاة والسلام، لا يمكن أن يتزوج نبي بامرأة خائنة في عرضها؛ لأنهم معصومون عليهم الصلاة والسلام من ذلك، وفرشهم معصومة. فالمراد هنا بالخيانة خيانة الدين. وقيل: إن خيانتهما أن امرأة نوح كانت تخبر الكفار بأسرار نوح ﵊، تصفه بأنه مجنون، وخيانة امرأة لوط أنها كانت تدل قومها على أضياف لوط، ليفعلوا بهم الفاحشة. فهما خائنتان للأمانة التي بينهما وبين زوجيهما من ناحية حفظ السر وعدم الدلالة على ما عندهما من الأسرار، ومن الأضياف وغير ذلك، فهذا هو نوع الخيانة الواقع. والحاصل: أن هذه الخيانة ليست خيانة في العرض، بل هي إما في الدين، وإما خيانة في عدم حفظ الأسرار) (٢).

стр. 763

الخيانة من صفات اليهود (وصف الله اليهود إلا قليلا منهم بأنهم أهل خيانة فقال تعالى لرسوله: وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ... [المائدة: ١٣]. فهذه الآية تدل على أن الخيانة من الصفات التي تبرز في اليهود بين حين وآخر، فالخيانة شأنهم وديدنهم، وطريقتهم في معاملة الناس. فمن خيانتهم محاولتهم اغتيال الرسول وقد كان بينه وبينهم عهد أمان. ومن خيانتهم تواطؤهم مع الأحزاب، وقد كان بينهم وبين الرسول عهد وأمان) (١).

стр. 764

من قصص الخيانة قصة وقعت في عهد رسول الله ﷺ وقد أنزل الله فيها قرآنا يجلي أمرها، عن قتادة بن النعمان قال: ((كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله بعض العرب ثم يقول قال فلان كذا وكذا قال فلان كذا وكذا فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث أو كما قال الرجل وقالوا ابن الأبيرق قالها قال وكان أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح ودرع وسيف فعدي عليه من تحت البيت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال يا ابن أخي إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه ونقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم قال وكان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل منا له صلاح وإسلام فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال أنا أسرق؟ فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا إليك عنها أيها الرجل فما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها فقال لي عمي يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له قال قتادة فأتيت رسول الله ﷺ فقلت إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه فقال النبي ﷺ سآمر في ذلك فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار فقالوا يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته فقال عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة قال فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ فقال الله المستعان فلم يلبث أن نزل القرآن إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا [النساء: ١٠٥] بني أبيرق وَاسْتَغْفِرِ اللهِ [النساء: ١٠٦] أي مما قلت لقتادة إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ١٠٦] وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [النساء: ١٠٧] يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ [النساء: ١٠٨] إلى قوله غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ١١٠] أي لو استغفروا الله لغفر لهم وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ [النساء: ١١١] إلى قوله وَإِثْمًا مُّبِينًا [النساء: ١١٢] قولهم للبيد وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ [النساء: ١١٣] إلى قوله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١١٤] فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة ... )) (١).

стр. 765

الخيانة في واحة الشعر .. قال علي بن أبي طالب ﵁: أدّ الأمانة والخيانة فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطيب المكسب فأنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليا ... فخنت، وإمّا قلت قولا بلا علم وإنك في الأمر الذي قد أتيته ... لفي منزل بين الخيانة والإثم (١) وقال الشاعر: أخلقْ بمن رضي الخيانةَ شيمةً ... أن لا يُرى إِلا صريعَ حوادثِ ما زالت الأرزاءُ تُلحقُ بؤسها ... أبداً يغادرِ ذمةٍ أو ناكثِ (٢) وقال آخر: تولتْ بهجةُ الدنيا ... فكُلُّ جديدِها خَلَقُ وخانَ الناسُ كُلُّهمُ ... فما أدري بمن أثقُ رأيتُ معالِمَ الخيرات ... سدتْ دونَها الطرقُ فلا حسبٌ ولا أدبٌ ... ولا دينٌ ولا خُلقُ (٣) وقال آخر: من خانَهُ الدهرُ خانته صنائعُهُ ... وعادَ ذنباً له ما كانَ إِحسانا ولا ترى الدهرَ إِلا حربَ مضطهدٍ ... وجالبين على المخذولِ خِذْلانا والحظُّ يبني لك الدنيا بلا عمدٍ ... ويهدمُ الدِّعمَ الطولى إِذا خانا لا تأمنَنَّ امرأً خانَ امرأً أبداً ... إِن من الناسِ ذا وجهين خوَّانا (٤) وقال آخر: شرُ المصائبِ ما جنَتْهُ يدٌ ... لم يَثْنِها عن ظلمِها رحمُ والعارُ حيٌ لا يموتُ إِذا ... قدُمَ الزمانُ وبادتِ الأممُ إِن الخيانةَ ليس يغسِلُها ... من خاطئٍ دمعٌ ولا ندمُ (٥) ...

стр. 766

تعريف الذل لغة واصطلاحاً: تعريف الذل لغة: قال ابن مالك الطائي: (الذل: - من - ذل وخشع واستكان وخضع واستخذى وضرع واتقى واتضع وبخع وخنع وامتهن واستسلم وعنا وقنب) (١). وقال ابن منظور: (الذل: نقيض العز، ذل يذل ذلا وذلة وذلالة ومذلة، فهو ذليل بين الذل والمذلة من قوم أذلاء وأذلة وذلال .. وأذله هو وأذل الرجل: صار أصحابه أذلاء. وأذله: وجده ذليلا. واستذلوه: رأوه ذليلا، ويجمع الذليل من الناس أذلة وذلانا. والذل: الخسة. وأذله واستذله كله بمعنى واحد. وتذلل له أي خضع) (٢). تعريف الذل اصطلاحاً: قال ابن عاشور: (الذلة: خضوع في النفس واستكانة من جراء العجز عن الدفع) (٣). وقال العسكري: (الذلة الضعف عن المقاومة) (٤). الفرق بين الذل وبعض الصفات الفرق بين الذل والضعة: الذل: بسبب خارجي عن الإنسان بأن يقهره غيره. الضعة: إنما هي بفعل المرء بنفسه وقد يسمى ذليلاً لأنه يستحق الذل (٥). الفرق بين الذل والصغار: قال أبو هلال العسكري: (الصغار هو الاعتراف بالذل والإقرار به وإظهار صغر وخلافه الكبر وهو إظهار عظم الشأن وفي القرآن سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ [الأنعام: ١٢٤] وذلك أن العصاة بالآخرة مقرون بالذل معترفون به ويجوز أن يكون ذليل لا يعترف بالذل) (٦). الفرق بين الذل والخزي: قال أبو هلال العسكري: (الخزي ذل مع افتضاح وقيل هو الانقماع لقبح الفعل والخزاية الاستحياء لأنه انقماع عن الشيء لما فيه من العيب قال بان درستويه الخزي الإقامة على السوء خزي يخزى خزيا وإذا استحيا من سوء فعله أو فعل به قيل خزي يخزى خزاية لأنهما في معنى واحد وليس ذلك بشيء لأن الإقامة على السوء والاستحياء من السوء ليسا بمعنى واحد) (٧). الفرق بين الخضوع والذل: قال أبو هلال العسكري:- الخضوع - (هو التطامن والتطأطؤ ولا يقتضي أن يكون معه خوف .. والخاضع المطأطئ رأسه وعنقه .. وقد يجوز أن يخضع الإنسان تكلفا من غير أن يعتقد أن المخضوع له فوقه .. الخضوع في البدن والإقرار بالاستجداء .. الذل الانقياد كرها ونقيضه العز وهو الإباء والامتناع والانقياد على كره وفاعله ذليل والذل والانقياد طوعا وفاعله ذلول) (٨). الفرق بين التذلل والذل: قال أبو هلال العسكري: (التذلل فعل الموصوف به وهو إدخال النفس في الذل كالتحلم إدخال النفس في الحلم والذليل الفعول به الذل من قبل غيره في الحقيقة وإن كان من جهة اللفظ فاعلا ولهذا يمدح الرجل بأنه متذلل ولا يمدح بأنه ذليل لأن تذلله لغيره اعترافه له والاعتراف حسن ويقال العلماء متذللون لله تعالى ولا يقال أذلاء له سبحانه) (٩). الفرق بين الإذلال والإهانة: الإذلال: - الرجل للرجل هنا أن يجعله منقادا على الكره أو في حكم المنقاد. - الإذال لا يكون إلا من الأعلى للأدنى. - نقيض الإذلال الإعزاز. الإهانة: - الهوان مأخوذ من تهوين القدر وأن يجعل هذا المرء صغير الأمر لا يبالى به. - والاستهانة تكون من النظير للنظير. - نقيض الإهانة الإكرام (١٠).

стр. 767

ذم الذل في القرآن والسنة ذم الذل والنهي عنه في القرآن الكريم: - قال تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة: ٦١]. قال ابن كثير: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعا وقدرا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون .. وقال الضحاك: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ قال: الذل ... وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية) (١). - وقال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦]. قال الشوكاني: (قوله: وتذل من تشاء أي: في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما) (٢). وقال أبو حيان الأندلسي: (تعز من تشاء وتذل من تشاء قيل: محمد ﷺ وأصحابه، حين دخلوا مكة في اثني عشر ألفا ظاهرين عليها، وأذل أبا جهل وصناديد قريش حتى حزت رؤوسهم وألقوا في القليب. وقيل: بالتوفيق والعرفان، وتذل بالخذلان. وقال عطاء: المهاجرين والأنصار وتذل فارس والروم. وقيل: بالطاعة وتذل بالمعصية. وقيل: بالظفر والغنيمة وتذل بالقتل والجزية. وقيل: بالإخلاص وتذل بالرياء. وقيل بالغنى وتذل بالفقر. وقيل: بالجنة والرؤية وتذل بالحجاب والنار، قاله الحسن بن الفضل. وقيل: بقهر النفس وتذل باتباع الخزي، قاله الوراق. وقيل: بقهر الشيطان وتذل بقهر الشيطان إياه، قاله الكتاني. وقيل: بالقناعة والرضا وتذل بالحرص والطمع، وينبغي حمل هذه الأقاويل على التمثيل لأنه لا مخصص في الآية، بل الذي يقع به العز والذل مسكوت عنه) (٣). - وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف: ١٥٢]. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلهًا سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ، بتعجيل الله لهم ذلك وذلة وهي الهوان، لعقوبة الله إياهم على كفرهم بربهم في الحياة الدنيا، في عاجل الدنيا قبل آجل الآخرة) (٤). وقال ابن عاشور: (معنى: نيل الذلة إياهم أنهم يصيرون مغلوبين لمن يغلبهم، فقد يكون ذلك بتسليط العدو عليهم، أو بسلب الشجاعة من نفوسهم. بحيث يكونون خائفين العدو، ولو لم يسلط عليهم، أو ذلة الاغتراب إذ حرمهم الله ملك الأرض المقدسة فكانوا بلا وطن طول حياتهم حتى انقرض ذلك الجيل كله، وهذه الذلة عقوبة دنيوية قد لا تمحوها التوبة، فإن التوبة إنما تقتضي العفو عن عقاب التكليف، ولا تقتضي ترك المؤاخذة بمصائب الدنيا، لأن العقوبات الدنيوية مسببات تنشأ عن أسبابها، فلا يلزم أن ترفعها التوبة إلا بعناية إلهية خاصة) (٥).

стр. 768

- وقال تعالى: قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]. قال الشوكاني: (وجعلوا أعزة أهلها أذلة أي: أهانوا أشرافها، وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتم لهم الملك، وتستحكم لهم الوطأة وتتقرر لهم في قلوبهم المهابة) (١). وقال القاسمي: (معنى قولها إن الملوك إذا دخلوا قرية أي عنوة وقهرا أفسدوها أي أخربوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة أي بالقهر والغلبة والقتل والأسر ونهب الأموال وكذلك يفعلون) (٢). - وقال تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً [الإسراء:١١١]. قال الطبري: (ولم يكن له ولي من الذل يقول: ولم يكن له حليف حالفه من الذل الذي به، لأن من كان ذا حاجة إلى نصرة غيره، فذليل مهين، ولا يكون من كان ذليلا مهينا يحتاج إلى ناصر إلها يطاع) (٣). قال ابن كثير: (ولم يكن له ولي من الذل أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى شأنه خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومقدرها ومدبرها بمشيئته وحده لا شريك له، قال مجاهد في قوله: ولم يكن له ولي من الذل لم يحالف أحدا ولا يبتغي نصر أحد، وكبره تكبيرا أي: عظمه وأجله عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا) (٤). وقال القاسمي: (ولم يكن له ولي من الذل أي ناصر من الذل ومانع له منه، لاعتزازه به. أو لم يوال أحدا من أجل مذلة به، ليدفعها بموالاته) (٥). وقال ابن عطية: (قيد لفظ الآية نفي الولاية لله بطريق الذل وعلى جهة الانتصار، إذ ولايته موجودة بتفضله ورحمته لمن والى من صالحي عباده) (٦). ذم الذل والنهي عنه في السنة النبوية: - عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة الباهلي قال: ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل)) (٧).

стр. 769

- قال ابن بطال: (قال المهلب: معنى هذا الحديث - والله أعلم - الحض على معالي الأحوال، وطلب الرزق من أشرف الصناعات لما خشي النبي على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله، لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة، والوقوع بذلك تحت أيدي السلاطين وركاب الخيل. ألا ترى أن عمر قال: تمعددوا واخشوشنوا، واقطعوا الركب، وثبوا على الخيل وثبا لا يغلبكم عليها رعاة الإبل. أي دعوا التملك والتدلك بالنعمة، وخذوا أخشن العيش لتتعلموا الصبر فيه، فأمرهم بملازمة الخيل والتدريب عليها والفروسية، لئلا تملكهم الرعاة الذين شأنهم خشونة العيش، ورياضة أبدانهم بالوثوب على الخيل، وقد رأينا عاقبة وصيته فى عصرنا هذا بميلنا إلى الراحة والنعمة. قال المؤلف: فمن لزم الحرث وغلب عليه، وضيع ما هو أشرف منه، لزمه الذل كما قال ﵇، ويلزمه الجفاء فى خلقه لمخالطته من هو كذلك .... - فمن - شأن ملازمة هذه المهن توليد ما ذكر من هذه الصفات ومن الذل الذى يلزم من اشتغل بالحرث ما ينوبه من المؤنة بخراج الأرضين) (١). - وعن تميم الداري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر)) وكان تميم الداري، يقول: (قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية) (٢). - وجاء من طريق المقداد بن الأسود الكندي ﵁ بنحو حديث تميم ﵁ وفيه بيان لصورة العز والذل فقال ﷺ : ((يعزّهم الله فيجعلهم من أهلها أو يذلّهم فلا يدينوا لها)) (٣). قال المباركفوري: (وذل بضم الذال ذليل أي أو يذله الله بها – كلمة الإسلام - حيث أباها بذل سبي أو قتال حتى ينقادون لها طوعاً أو كرهاً، أو يذعن لها ببذل الجزية، والحديث مقتبس من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣]، ثم فسر العز والذل بقوله إما يعزهم الله أو يذلهم (فيدينون لها) بفتح الياء أي فيطيعون وينقادون لها، من دان الناس أي ذلوا وأطاعوا) (٤).

стр. 770

وقال الألباني: (مما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان) (١). - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه. قالوا: وكيف يذلّ نفسه؟ قال: يتعرّض من البلاء لما لا يطيق)) (٢). ومعنى الحديث لا يجوز للمؤمن أن يأتي ما يكون سببا في ذله وهوانه بالتعرض لما لا يطيق من البلاء كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر من لا يسلم غالبا من أذاه على نفسه وماله وأهله فليس له والحال كذلك أن يأمر أو ينهى لما يترتب عليه من ذل وهوان للمؤمن (٣). - وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة فقالت: ((يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض خباء أحبّ إليّ من أن يذلّوا من أهل خبائك. وما أصبح اليوم على ظهر الأرض خباء أحبّ إليّ من أن يعزّوا من أهل خبائك. فقال رسول الله ﷺ : وأيضا والّذي نفسي بيده)) (٤). قال بدر الدين العيني: (خباء هي الخيمة التي من الوبر أو الصوف على عمودين أو ثلاثة. وقال الكرماني: يحتمل أن تريد به نفسه ﷺ فكنت عنه بذلك إجلالا له، وأهل بيته، والخباء يعبر به عن مسكن الرجل وداره. قوله: (قالت: وأيضا والذي نفسي بيده)، هذا جواب لهند بتصديق ما ذكرته يعني: وأنا أيضا بالنسبة إليك مثل ذلك، وقيل: معناه وأيضا ستزيدين في ذلك ويتمكن الإيمان في قلبك فيزيد حبك لرسول الله، ﷺ ويقوى رجوعك عن غضبه، وهذا المعنى أولى وأوجه من الأول) (٥).

стр. 771

أقسام الذل ينقسم الذل إلى محمود ومذموم: - الذل المذموم: وهو التذلل لغير الله على وجه الهوان والضعف والصغار والانكسار والذلة. - الذل المحمود: قال الراغب الأصفهاني: (الذل متى كان من جهة الإنسان نفسه لنفسه فمحمود، نحو قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة: ٥٤]) (١). - ويشمل الذل المحمود: ١ - الذل لله : وهذا الذل عنوان العز والشرف والنصر في الدنيا والآخرة. قال عمر بن عبد العزيز: (لا يتقي الله عبد حتى يجد طعم الذل) (٢). وقال الذهبي: (من خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه) (٣). ٢ - الذل للمؤمنين: وهو بمعنى التراحم والتواضع والعطف وليس بمعنى التذلل والانكسار على وجه الضعف والخور. قال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:٥٤]. قال ابن القيم: (لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني هذه الأفعال. فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل. وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول) (٤). وقال الطبري: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أرقَّاء عليهم، رحماءَ بهم ... ويعني بقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، أشداء عليهم، غُلَظاء بهم) (٥). وقال ابن كثير: (قوله تعالى: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه) (٦). ٣ - الذل للوالدين: قال تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء:٢٤]. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: وكن لهما ذليلا رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبَّا) (٧). وقال السعدي: (تواضع لهما ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر لا لأجل الخوف منهما أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد) (٨).

стр. 772

الآثار السلبية للذل ١ - ضعف النفس وهوانها. ٢ - الاستضعاف من الآخرين والاحتقار والاستهانة بالذليل. ٣ - لحوق الخزي والعار بالإنسان الذليل والأمة الذليلة. ٤ - ضياع الحقوق. ٥ - حدوث التنافر والوحشة والتباغض. ٦ - تغلب الأعداء والهزيمة. ٧ - ضعف الإرادة والتخلف عن الرقي والريادة.

стр. 773

أسباب الوقوع في الذل ١. استمراء المعاصي وتسويف التوبة: قال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [آل عمران: ١١٢]. قال أبو حيان الأندلسي: (لما ذكر تعالى حلول العقوبة بهم من ضرب الذلة والمسكنة والمباءة بالغضب، بين علة ذلك، فبدأ بأعظم الأسباب في ذلك، وهو كفرهم بآيات الله. ثم ثنى بما يتلو ذلك في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم أعقب ذلك بما يكون من المعاصي، وما يتعدى من الظلم) (١). وقال الحسن البصري: (أما والله لئن تدقدقت بهم الهماليج ووطئت الرحال أعقابهم، إن ذل المعاصي لفي قلوبهم ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله) (٢). ٢. الإشراك بالله تعالى والابتداع في الدين: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف: ١٥٢]. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلهًا سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ، بتعجيل الله لهم ذلك وذلة وهي الهوان، لعقوبة الله إياهم على كفرهم بربهم في الحياة الدنيا، في عاجل الدنيا قبل آجل الآخرة) (٣). وقال الشاطبي: (كل من ابتدع في دين الله، فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء. وأيضا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك; استخفى ببدعته، وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية) (٤). ٣. محاربة الله ورسوله ومخالفة أمرهما: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ [المجادلة: ٢٠]. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله، يعني: الذين هم في حد والشرع في حد، أي: مجانبون للحق مشاقون له، هم في ناحية والهدى في ناحية، أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أي: في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب، الأذلين في الدنيا والآخرة) (٥). وقال الشوكاني: (أولئك في الأذلين أي: أولئك المحادون لله ورسوله، المتصفون بتلك الصفات المتقدمة، من جملة من أذله الله من الأمم السابقة واللاحقة لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذل بهذا المكان قال عطاء: يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة) (٦). ٤. النفاق والاعتزاز بغير الله : قال تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨].

стр. 774

قال الكلاباذي: (قال الله لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]، فكان الأذل هو الأعز عند نفسه بكثرة أتباعه وكثرة أنصاره .. ، فالذلة هي التعزز بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا، فهو كما قال الله ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣] .. ، فلا أذل ممن رد إلى نفسه الأمارة بالسوء، وانفرد في متابعة هواه، وظلمة رأيه، وانقطع عمن له العزة، فإن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين .. فيجوز أن يكون الذلة التي أمر رسول الله ﷺ بالتعوذ منها متابعة الهوى في دين الله ، والتعزز بما دون الله تعالى) (١). ٥. الكبر والأنفة عن قبول الحق: قال الرسول ﷺ : ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان)) (٢). قال ابن القيم: (من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه) (٣). ٦. اتباع الهوى: قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: ٢٣]. قال ابن تيمية: (من قهره هواه ذل وهان وهلك وباد) (٤). وقال ابن القيم: (لكل عبد بداية ونهاية فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه بل يصير له ذلك في نهايته عذابا يعذب به في قلبه) (٥). وقال ابن القيم أيضاً: (تجد في المتبع لهواه - من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن حصاه ... وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته) (٦). وقال أبوسعيد الخادمي: (من غلب عليه الهوى يغلب عليه الهوان والذلة فيصير مستقبحا ومستنكرا؛ ولأنه أسير وشأن الأسير مهان على كل حال لعل ذلك إنما هو عند التعمق وعند تجرده لتلذذ النفس كما يقال إن الإصرار على المباحات قد ينقلب صغيرة وإلا فبالنية الحميدة يكون المباح حسنة مثابا به) (٧). ٧. مفارقة جماعة المسلمين: قال الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥].

стр. 775

قال الكلاباذي - من -: (خالف أولياء الله باتباعه غير سبيلهم، فهو الوحيد العزيز، الشريد، الطريد، الحقير، الذليل، النذر، القليل، جليس الشيطان، وبغيض الرحمن، قال رسول الله ﷺ : عليكم بالجماعة، فإن الذئب يأخذ الشاة والعاصية) (١). ٨. ترك الجهاد وحب الدنيا وكراهية الموت: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليهم ذلاً لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم)) (٢). قال ابن رجب: (من أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول ﷺ ترك ما كان عليه من جهاد أعداء الله فمن سلك سبيل الرسول ﷺ عز، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل ... ورأى النبي ﷺ سكة الحرث فقال: ((ما دخلت دار قوم إلا دخلها الذل)) (٣). فمن ترك ما كان عليه النبي ﷺ من الجهاد مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة حصل له من الذل فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟) (٤). وقال الحسن البصري: (قد رأينا أقواما آثروا عاجلتهم على عاقبتهم فذلوا وهلكوا وافتضحوا) (٥). وقال الحسن: (ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله) (٦). وقال أبو العتاهية: ألا إنما التقوى هي العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم (٧) ٩. البخل وشيوع الربا وأكل أموال الناس بالباطل:
следующие страницы →