٢ - مجمع القسطنطينية:
دعا الإمبراطور (ثيودسيوس) سنة (٣٨١) م, إلى عقد مجمع القسطنطينية لمواجهة دعوات كانت منتشرة بين الكنائس.
- منها دعوة (مقدونيوس) الذي كان أسقفًّا للقسطنطينية، الذي نادى بأن الروح القدس مخلوق وليس إلها.
- ودعوة (صابيليوس) الذي كان ينكر وجود ثلاثة أقانيم.
- ودعوة (أبوليناريوس) الذي كان أسقفًّا على اللاذقية والشام، والذي أنكر وجود نفس بشرية في المسيح.
فحضر ذلك المجمع مائة وخمسون أسقفًّا، قرروا فيه ألوهية الروح القدس، ولعن وطرد من خالف ذلك، فاكتمل بذلك ثالوث النصارى.
وكما هو ظاهر فإن هذا المجمع عقد بدعوة من الإمبراطور (ثيودسيوس) الذي كان قد سن القوانين والتشريعات لمصلحة القائلين بألوهية المسيح والمثلثين من النصارى.
стр. 282
٣ - مجمع أفسس سنة (٤٣١) م:
انعقد هذا المجمع لمواجهة قول (نسطور) أسقف القسطنطينية، الذي قيل عنه: إنه كان يقول بأن المسيح له طبيعتان: إلهية وإنسانية بشرية، وأن مريم والدة الإنسان وليست والدة الإله.
فعقد المجمع في أفسس سنة (٤٣١) م, بحضور مائة وستين أسقفًّا، وقُرِّر فيه أن المسيح إله وإنسان ذو طبيعة واحدة وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم، وحكم على (نسطور) بالطرد من الكنيسة.
وبعد مجمع أفسس عُقدت مجامع عديدة كلها تبحث في طبيعة المسيح ﵇، منها:
стр. 283
٤ - مجمع خلقيدونيه سنة (٤٥١) م:
في هذا المجمع عادوا للبحث في طبيعة المسيح، وقرَّر المجتمعون: أن المسيح له طبيعتان: إلهية وبشرية بلا اختلاط ولا تحول ولا انقسام ولا انفصال! وكان المناصرون لهذا القول هم الأساقفة الغربيين الذين لعنوا وطردوا من لا يقول بهذا القول. ولم توافقهم الكنائس الشرقية على هذا، وقد أصروا على قرارهم السابق في مجمع (أفسس) بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية، وهذا من أهم الفوارق بين الكاثوليك القائلين بالطبيعتين، والأقباط والأرمن والسريان القائلين بالطبيعة الواحدة.
بعد هذا عقدت مجامع عديدة من أهمها:
стр. 284
٥ - المجمع السابع سنة (٧٥٤، ٧٨٧) م:
المراد بالمجمع السابع مجمعان: المجمع الأول انعقد سنة (٧٥٤) م, بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الخامس وذلك للنظر في موضوع الصور والتماثيل، وما يقدم لها من التقديس والعبادة. وخرج بقرار يلعن به كل من يصور المسيح أو أمه أو آباء الكنيسة باعتبار أنها وثنية.
ثم أمر الإمبراطور أن يُمحى ويُدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل، كما حمل على الرهبان فأغلق الأديرة وصادر أموالها، كما أرغم الرهبان على أن يتزوجوا الراهبات، وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الخامس سنة (٧٧٥) م, تولى على الإمبراطورية زوجته إيريني التي كانت تؤيد الصور والتماثيل، فدعت إلى مجمع عام سنة (٧٨٧) م في نيقية حضره (٣٥٠) أسقفًّا خرجوا بقرار وجوب تعليق الصور والتماثيل للمسيح وأمه وقديسيهم وكذلك الملائكة، ويقدم لهم صنوف التكريم من التقديس والسجود، ويستشفع بهم إلى الله في الحاجات لما لهم من المكانة، والدالة على الله - تعالى الله عن قولهم - كما لعن المجمع كل من لا يكرم تلك الصور والتماثيل، واستمر النصارى على هذا إلى أن جاء البروتستانت فحملوا على الصور والتماثيل، وحرَّموها وانشقوا بذلك عن بقية النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس.
стр. 285
٦ - المجمع الثامن سنة (٨٦٩) م:
وكان سبب انعقاده: الخلاف بين كنيسة القسطنطينية، وكنيسة روما في الروح القدس: هل انبثق من الأب فقط -وهو زعم كنيسة القسطنطينية- أم من الأب والابن معاً، كما هو زعم كنيسة روما؟
وقد قرر في هذا المجمع قول كنيسة روما بأن الروح القدس انبثق من الأب والابن معاً.
ولم يوافق على ذلك بطريرك القسطنطينية ومن كان معه وأصروا على قولهم، وعقدوا لذلك مجمعاً سنة (٨٧٩) م, قرروا فيه أن الروح القدس انبثق من الأب وحده، فانقسمت بسببه الكنيسة إلى قسمين:
١) الكنيسة الغريبة ويتزعمها البابا في روما وهم الكاثوليك.
٢) الكنيسة الشرقية ويتزعمها بطريرك القسطنطينية وهم الأرثوذكس.
стр. 286
٧ - المجمع الثاني عشر الذي عقد سنة (١٢١٥) م:
وقد تقرر فيه أن العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم المسيح، وأن الكنيسة البابوية الكاثوليكية تملك حق الغفران، وتمنحه لمن تشاء.
стр. 287
٨ - مجمع روما عام (١٧٦٩) م:
والذي تقرر فيه عصمة البابا في روما.
من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض المجامع النصرانية وقراراتها يتبين لنا ما يلي:
أولاً- أن النصارى لا يملكون أدلة صحيحة صريحة في أكثر دعاويهم؛ لهذا اختلفوا تلك الاختلافات الخطيرة التي تمس جميع نواحي العقيدة لديهم.
ثانياً - أن ما يستند إليه النصارى ويتحمسون له لا يعدو أن يكون فهما خاصا يسعى أصحابه لتثبيته عن طريق تلك المجامع، ولا يخلو الأمر من الأهواء والأغراض الخاصة من حب الرئاسة وفرض السيطرة.
ثالثاً- أن المجامع لم تكن يوماً من الأيام هيئات شورية يتباحث القسس فيها الآراء، ويتوصلون فيها إلى الحق بأدلته، بل كانت في الأغلب تعقد لفرض رأي أو تصور عن طريق تلك المجامع وبقوة السلطان أو قوة الكنيسة.
رابعاً- أن تلك المجامع كانت أداة بيد الأباطرة الرومان يسخرونها لرغباتهم في التوسع والسيطرة، أو تحقيق أغراض سياسية.
خامساً - أن تلك المجامع كانت من أعظم أسباب الفرقة وتثبيتها في العالم النصراني، بحيث إنهم لم يخرجوا في واحد منها متفقين، بل كلما اجتمعوا في مجمع من تلك المجامع يزداد اختلافهم، وبالتالي انقسامهم.
سادساً - أن المجامع صاغت العقيدة وقررتها بعد خلاف طويل، وهذا يدلُّ على أن العقيدة النصرانية في الإله وفي المسيح، وفي نقاط عديدة ليس لأدلتها من الوضوح ما يكفي لجعلها مسلمات وقطعية الدلالة لكل نصراني نظر في الأناجيل وعلم أقوال المسيح، وهذا أمر يجب التوقف عنده والتفكير في مهمة المسيح ماذا كانت؟ فإنه إذا لم يكن وضَّح وجلَّى تلك القضايا، وأبان عنها البيان الكامل الذي لا يفتح مجالاً للاختلاف فيها، وخاصة أنها من أصول الديانة، وأهم العقائد، فما هي مهمته إذاً؟
هل جاء ليلقي كلاماً مبهماً لا يعرف معناه يحار الناس فيه قروناً؟ أم أنه تكلم بكلام واضح وجلي كما هي حقيقة مهمة الرسل إلا أن الناس حرَّفوا كلامه بعد ذلك، وحملوه على غير محامله ونسبوا إليه ما لم يقل؟!
سابعاً- إن المجامع قررت قرارات ولعنت وحرمت من لم يقل بها، وقررت أن سبيل النجاة هو اعتقاد تلك الأقوال- وهنا سؤال يطرح نفسه ماهو حال حواريي المسيح وأوائل النصارى الذين لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولم يتكلموا فيها بكلمة، كالتثليث، وطبيعة المسيح وانبثاق الروح القدس من الأب أو الأب والابن معاً إلى غير ذلك.
ثامناً- إن المجامع قد صاغت العقيدة النصرانية بكل تفاصيلها، وذلك يدل على أن تلك العقيدة بتفاصيلها صنعة بشرية لم ينزلها الله تعالى على المسيح ﵇.
تاسعاً- أن المجامع النصرانية هي المصدر الحقيقي للديانة النصرانية المحرفة؛ لأن تلك الفهوم التي كانت تقرر وتصدر وفقها القرارات لم تكن تعتمد على نصوص قطعية واضحة، بل أحياناً كانت تعتمد على نصوص متشابهة وكلام محتمل لأكثر من معنى، ويكون من أقلها احتمالاً المفهوم الذي تدعيه الكنيسة، كما في دعوى ألوهية المسيح ﵇.
وأحياناً كانت لا تعتمد على أي نصوص موجودة لديهم وهو الأكثر، بل يكون تركيباً ذهنيًّا وهميًّا، أو تصوراً خاطئاً بني على تصور خاطئ، كما في قراراتهم المتعلقة بألوهية الروح القدس، وطبيعة المسيح، وتقديس الصور والتماثيل، وعصمة البابا ونحو ذلك.
ويصدق عليهم فيما يدعونه من عقيدة ويشرعونه للناس أنهم جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله يحلون ويحرمون، فينطبق عليهم قول الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:٣٠ - ٣١].
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٤٩
стр. 288
تمهيد:
المسيح ﵇ جاء بالديانة بيضاء نقية توحيدا خالصا، ومنهجا ربانيا واضحا، كما تقدم بيانه أول الكلام على النصرانية.
إلا أن النصارى انحرفوا بهذه الديانة عن وجهها الصحيح، إلى وثنية خالصة، وعقائد منحرفة لم يعرفها المسيح ﵇ ولا حواريوه.
وقد كان ابتداء تحريفها من دخول بولس (شاؤول اليهودي) هذه الديانة بعد رفع المسيح ﵇.
وهذه الديانة المحرفة لم تقرر على ما هي عليه في الوقت الحاضر إلا بعد انصرام ما يقارب خمسة قرون من رفع المسيح ﵇، حيث أصبحت تقوم على ثلاثة أسس هي:
١ - التثليث. ٢ - الصلب والفداء. ٣ - محاسبة المسيح للناس.
وسنبين بيانا مختصراً مقولتهم في كل واحد من هذه العقائد، ونبين بإذن الله بطلانها.
стр. 289
المبحث الأول: التثليث:
• المطلب الأول: استدلالات النصارى على التثليث:.
• المطلب الثاني: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث:.
• المطلب الثالث: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:.
стр. 290
المطلب الأول: استدلالات النصارى على التثليث:
ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمَّى دليلا؛ إذ إن ما ذكروه يدل على أنهم لفَّقوا كلاماً زعموا أنه دليلٌ، فمن ذلك قولهم:
١ - إن الله ورد اسمه بالعبرية (ألوهيم) الذي يدل على الجمع، وأنه استخدم صيغة الجمع في التحدث عن نفسه في مثل ما ورد في سفر التكوين (١/ ٢٦) (وقال الله: نعمل الإنسان).
٢ - ألفاظ الصورة الموضوعة للمعمودية، وهي (عمدوا باسم الآب والابن والروح القدوس) الواردة في إنجيل متى (٢٨/ ١٩).
٣ - الأحوال التي واكبت تعميد المسيح حيث ورد في إنجيل متى (٣/ ١٦) (فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة، وآتياً عليه، وصوت من السماوات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت).
بهذه الأدلة التي هي أوهى من خيوط العنكبوت يزعم النصارى أن الله ثلاثة، وأن هؤلاء الثلاثة واحد، ويتركون جميع أسفار العهد القديم التي نصت على وحدانية الله، وانفراده جلَّ وعلا في وحدانية الذات، والصفات، والعبادة، وكذلك جميع النصوص الواردة في العهد الجديد التي تدل على ذلك أيضاً، وسيأتي إيراد بعض ذلك.
стр. 291
المطلب الثاني: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث:
أدلة النصارى المذكورة هي من الضعف بحيث يَهُمُّ العاقل بالإعراض عنها، إلا أنه لابد من الرد عليهم؛ لأن استدلالهم بها يعني أن لها شأناً عظيماً في نفوسهم، فنقول:
أما الدليل الأول:
فدعواهم أن (ألوهيم) تعني الجمع، فهذا باطل بنص التوراة التي نصت على أن الله واحد.
كما أن اليهود الذين وجِّه إليهم الخطاب بهذا لم يفهموا ذلك، ولم يعملوا به، بل يعتبرون أن ادعاء إله غير الإله الواحد الذي هو الله شرك أكبر، يستحق معتقده القتل.
كما أن كلمة (ألوهيم) كما يذكر الدارسون واردة في نص من النصوص التي تتكون منها التوراة الحالية، وأنه يقابلها في النص الآخر لنفس القصة لفظ (يهوه).
أما ما أوردوه من سفر التكوين وهو قول: (وقال الله: نعمل الإنسان). فلا يعني أكثر من أنها وردت على صيغة التعظيم.
ومن أولى بالتعظيم والتفخيم في الخطاب من الله ؟ كما أن مئات الأقوال واردة في العهد القديم على لفظ الإفراد، فكيف تترك تلك المئات، ويؤخذ بهذه اللفظة الواحدة وشبهها؟.
أما الدليل الثاني:
وهو لفظ المعمودية (عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس) فهؤلاء ثلاثة وليسوا واحدا، ولا تعني أكثر من طلب الإيمان بهؤلاء الثلاثة الذين هم: الله ﷻ ، ورسوله المسيح ﵇، والملك جبريل ﵇، كل على ما يليق به، إذا صدق راوي هذه العبارة، وسيأتي زيادة إيضاح لهذه العبارة في الكلام على الروح القدس.
أما الدليل الثالث:
فعلى فرض صحة الرواية بذلك فهي تدل على ثلاثة، وهم:
المسيح الذي اعتمد، والروح القدس الذي نزل على شكل حمامة، وقائل من السماء: (هذا ابني الحبيب). أين أن هؤلاء الثلاثة واحد، هذا ما لا يستطيع النصارى إثباته لا نقلا ولا عقلا.
стр. 292
المطلب الثالث: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:
التوحيد دين الرسل جميعاً ولم يخالف في ذلك إلا النصارى الذين ادعوا على المسيح ﵇ أنه جاء بالتثليث، والتوحيد أوضح مطالب التوراة والكتب الملحقة بها؛ إذ يقوم الكتاب كله على التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية بكل أشكالها.
ومن الأدلة على هذا ما ورد في سفر التثنية (٤/ ٣٥) (إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه).
وكذلك ما ورد في سفر التثنيه (٦/ ٤) (اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد).
وفي إنجيل متى (٤/ ٧) (قال له يسوع: اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد) ومثله ورد في إنجيل لوقا (٤/ ٨).
وفي إنجيل مرقس (١٢/ ٢٨) أن أحد اليهود سأل المسيح (أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد ... فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه).
فهذه وصية المسيح وبيَّن أنها أول الوصايا وأعظمها، ولو كان يقول بالتثليث لوجب عليه أن ينص عليه في مثل هذا الموطن؛ إذ كيف يمكن أن يكون مبلغاً عن الله ، ولم يوضح أهم ما أمر به؟
وفي إنجيل يوحنا (١٧/ ٣) أن المسيح ﵇ قال في آخر أيامه: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته).
لقد أنطق الله هؤلاء الكتاب بالحق والصدق، وهو أن لا إله إلا الله وحده، وعيسى المسيح رسوله، فأين هذا الكلام النوراني الواضح من دعوى التثليث المظلمة التي افتراها ضلال النصارى، وغلوا في دينهم، وقالوا بها على الله غير الحق؟ قال الله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً [النساء:١٧١].
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٧٧
стр. 293
المبحث الثاني: الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة:
• المطلب الأول: الأقنوم الأول: الأب:.
• المطلب الثاني: الأقنوم الثاني: الابن:.
• المطلب الثالث: الأقنوم الثالث: الروح القدس:.
• المطلب الرابع: إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇:.
стр. 294
المطلب الأول: الأقنوم الأول: الأب:
١ - المراد به: يراد بالأب عندهم: الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن. مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود، بل الابن أزلي الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر. وليس له عمل عندهم إلا الاختيار والدعوة.
٢ - أدلتهم على أبوة الله للمسيح - تعالى الله عن قولهم-:
وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة، وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح، منها ما ورد في إنجيل متى (١٠/ ٣٢): (فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السماوات).
وأيضاً قوله عن وقت القيامة (٢٤/ ٣٦): (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد من ملائكة السماوات إلا أبي وحده).
ورد في إنجيل لوقا (٢/ ٤٩) من كلام المسيح لأمه وزوجها في زعمهم: (فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي).
وورد أيضاً في إنجيل يوحنا (٨/ ١٩): (فقالوا له: أين هو أبوك؟ فأجاب يسوع: لستم تعرفونني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً).
فبناءً على هذه النصوص زعم النصارى أن الله تعالى (أبٌ) للمسيح أبوة حقيقية، وهو كلام باطل، ووهم خاطئ، وافتراءٌ على الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرا.
٣ - الرد عليهم وبيان بطلان قولهم:
يُرد عليهم من عدة أوجه:
أولاً: أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل الأربعة وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الأناجيل كما سبق بيانه لا تصلح أن تكون مستنداً لهذا؛ لأنها كتب غير موثقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهم، فضلاً عن أن ينسبوها إلى المسيح ﵇ أو إلى الله .
كما أن بينها اختلافات عديدة في هذه الألفاظ نفسها، فكلمة (أبي) وردت في (إنجيل متى) من كلام المسيح ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة، ولا تكاد تراها في (إنجيل مرقص)، أما (إنجيل لوقا) فذكرت في موضعين تقريباً، وأما (إنجيل يوحنا) فوردت فيه فيما يقارب ثمانية عشر موضعا، مما يدل على أن هذه الكلمة تتبع عقيدة خاصة وفهما خاصا لدى الكاتب، لا يرتبط فيه ولا يلتزم بعبارة المسيح وألفاظه، وإنما يكتبها ويعبر عنها الكاتب وفق عقيدته وتصوره.
مثال ذلك: أن المثال السابق المذكور عن وقت الساعة من إنجيل متى، ورد فيه (أبي وحده)، وقد ذكر مرقس في (١٣/ ٣٢) هذه الجملة، إلا أنها عنده هكذا: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب). فهنا قال: الأب. بدون ياء النسب وهناك في (متى) قال: (أبي). وبينهما فرق عظيم.
ثانياً: أن النصارى لا يعتقدون أن الله أبٌ للمسيح أبوة حقيقية من ناحية أن الأب غير الابن، وأنه قبله في الوجود، بل يرون ويعتقدون أن الله تعالى أب للمسيح، وهو في نفس الوقت هو هو، ليس هو غيره، حيث يقولون: إنهما جوهر واحد، ولم يسبق الأب الابن في الوجود، وهذا يجعل كلمة الأب الواردة في الأناجيل لديهم ليس لها مفهوم حقيقي، وهذا يبطل استدلالهم بهذه النصوص، ويجعلهم يستدلون بها على غير ما يقصدون ويعتقدون.
ثالثاً: على فرض صحة الروايات الواردة لديهم في الأناجيل في كلمة (الأب) فيجب أن تفسَّر على معنى غير الأبوة الحقيقة لأمرين:
١ - أنهم أوردوا على لسان المسيح كلاماً كثيراً لا يمكن أن يحمل على المعنى الظاهري، بل لابد من حمله على المجاز كقوله: (فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة). يوحنا (٦/ ٣٥) وأيضا أنه قال لليهود: (أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا). يوحنا (٨/ ٤٤).
стр. 295
فهذا كلام لا يؤخذ على ظاهره، فكذلك أبوة الله للمسيح.
٢ - أن نسبة الأبوة إلى الله ليست خاصة في المسيح لديهم، بل وردت في العهد القديم، وفي الأناجيل منسوبة إلى غير المسيح، ومن ذلك ما ورد في سفر صموئيل الثاني (٧/ ١٤) في كلام الله في زعمهم عن سليمان بن داود ﵉: (أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا).
وورد في إنجيل متى (٦/ ١) من كلام المسيح لتلاميذه: (احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم أمام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات).
وفي إنجيل مرقص (١١/ ٢٥) من قول المسيح لتلاميذه أيضاً: (ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء؛ لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم- الذي في السماوات- زلاتكم، وإن لم تغفروا أنتم لا يغفر لكم أبوكم- الذي في السماوات- أيضاً زلاتكم).
في إنجيل لوقا (١١/ ٢) من قول المسيح لتلاميذه: (فقال لهم: متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات).
وفي إنجيل يوحنا (٢٠/ ١٧) وهو من آخر كلام المسيح بعد القيامة المزعومة: (قال لها يسوع: لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي، وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم).
فهذه النصوص على فرض صحتها فيها دلالة واضحة على نسبة أبوة الله تعالى للتلاميذ، والمراد بها في كلام النصارى في هذه المواضع أبوة النعمة.
وما سبق ذكره من النصوص التي ورد فيها أبوة الله للمسيح لا تختلف عن هذه النصوص، فالقول فيها مثل القول في هذه.
فمن هنا يتضح أنه ليس في هذا اللفظ ما يدل على معتقد النصارى في الله، وأنه أب للمسيح سوى من ناحية النعمة والإحسان
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف - ص ٢٨٢
стр. 296
المطلب الثاني: الأقنوم الثاني: الابن:
المراد بالابن عندهم كلمة الله المتجسدة وهو المسيح ﵇، ويزعمون أن الابن مساو للأب في الوجود، وأن الأب خلق العالم بواسطة الابن، وأنه الذي نزل إلى الأرض بالصورة البشرية فداء للبشر، وهو الذي يتولَّى محاسبة الناس يوم القيامة. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيراً.
أدلتهم على أن المسيح ابن الله، تعالى الله عن قولهم:
استدلَّ النصارى على أن المسيح ابن لله بما ورد في الأناجيل من النصوص التي تنسب المسيح ابنا لله، ومن تلك النصوص ما ورد في إنجيل متى (١٦/ ١٦) من قول بطرس لما سأله المسيح عن نفسه ماذا يقول الناس عنه قال: (أنت هو ابن الله الحي).
وفي إنجيل يوحنا (١١/ ٤) ورد على لسان المسيح في زعمهم: (فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله).
فبمثل هذه الإطلاقات اعتقد النصارى أن المسيح ابن الله، بمعنى أنه خرج من الله ، وهو قول باطل وافتراء على الله ، تعالى الله عن قولهم.
الرد عليهم:
وللرد على النصارى يمكن القول بأن ما أوردوه من أدلة لا تصلح أن تكون مستنداً لإثبات عقيدة خطيرة كهذه؛ لما يلي:
أولاً: أن كتبهم التي يستندون إليها في هذا هي كتب غير موثقة، وغير سليمة من التحريف، وقد سبق بيان هذا.
ثانياً: أن البنوة التي يزعمها النصارى تختلف عن ظاهر لفظ (ابن الله) الوارد في الأناجيل، فالابن في الأصل جزء من الأب، ومتخلق من نطفته، ويكون الأب سابقا للابن في الوجود، والفضل له في وجوده، وما يعتقد النصارى في المسيح لا يتفق مع البنوة الحقيقية، وإنما يزعمون أن الابن هو الأب، وأنه مساوٍ له في الجوهر والوجود والمجد، وهي أمور لم ترد في الأناجيل، ولا يستطيع النصارى أن يقيموا عليها الدليل العقلي فضلاً عن الشرعي.
ثالثاً: أن هذا الوصف- وهو (ابن الله) - أطلق على غير المسيح في مواطن كثيرة من أناجيلهم، منها في إنجيل متى (٥/ ٩): (طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يدعون)، وفي (٥/ ٤٥) أن المسيح خاطب تلاميذه قائلاً: (وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات).
وفي إنجيل يوحنا (١/ ١٢) فقد ورد عن المؤمنين بالمسيح (وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله).
وفي إنجيل لوقا (٢٠/ ٣٦) قال: (لأنهم مثل الملائكة، وهم أبناء الله أبناء القيامة).
وورد وصف يعقوب وبنيه بذلك، ففي سفر الخروج (٤/ ٢٢) أن الله خاطب موسى قائلا له: (فتقول لفرعون هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر. فقلت لك: أطلق ابني ليعبدني) وكذلك ورد في سفر إشعياء (٤٣/ ٦): (ائت ببني من بعيد وببناتي من أقصى الأرض).
والنصارى لا يقولون: إن بني إسرائيل والحواريين أبناء الله حقيقة. وإنما يقولون: هذه بنوة مجازية، تعني العبادة من طرف العباد، والحفظ واللطف والرعاية من قبل الله لهم، فكذلك إذاً ما ورد من بنوة المسيح لله لا تعني غير ذلك، إذ إن العبارتين واحد، فيجب أن يستويا في الدلالة والمعنى، ما لم يدلَّ دليل على خلاف ذلك، وليس هناك ما يدلُّ على خلاف ذلك.
رابعاً: أن المسيح ﵇ قد دلت الأدلة الكثيرة على بشريته، وأنه رسول الله، كما أوردت الأناجيل وصفه بأنه ابن الإنسان وابن داود وغير ذلك من الأوصاف الدالة على بشريته، ومن ذلك ما ورد في إنجيل متى (٨/ ٢٠): (فقال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه).
وفي إنجيل مرقص (٢/ ٢٨): (ابن الإنسان هو رب البيت أيضاً).
وفي إنجيل لوقا (٧/ ٣٤) من كلام المسيح لليهود: (جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون: هو ذا إنسان أكول شريب خمر محب للعشارين والخطاة).
وفي إنجيل يوحنا (١/ ٥١): (الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان).
وفيه أيضا (٨/ ٤٠) يقول لهم المسيح (وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله).
فورد وصفه بأنه ابن الإنسان في ثمانية وستين موضعا تقريباً في الأناجيل الأربعة، أما ما ورد وفيه إطلاق (ابن الله) عليه فقد ورد في ثلاثة وعشرين موضعا تقريباً في الأناجيل الأربعة، منها أربعة مواضع فقط التي ورد فيها هذا الوصف من كلام المسيح، أما الباقي فليس من كلام المسيح بل بعضه من كلام إبليس والشياطين، فكيف يترك المعنى الظاهر الواضح الذي تؤيده النصوص الكثيرة والواقع، والذي يتفق مع العقل والمنطق إلى المعنى الخفي البعيد الذي تعارضه النصوص ولا يتفق مع العقل ولا المنطق!!
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٨٨
стр. 297
المطلب الثالث: الأقنوم الثالث: الروح القدس:
وهو عندهم مساو للأب والابن في الذات والجوهر والطبع، وهو في كلامهم روح الله الذي يتولى تأييد أتباع المسيح وتطهيرهم.
وقد استدلوا على قولهم بألوهية الروح القدس بأن الكتاب المقدس لديهم وصف الروح القدس بصفات لا يوصف بها إلا الله ، فدلَّ هذا عندهم على ألوهيته.
وللرد عليهم نقول:
إن ما أورده النصارى مما نقلوه عن الأناجيل، فليس في الأناجيل أي عبارة تدل على المعنى الذي يدَّعونه في الروح القدس، وهو الألوهية. فقد ورد اسم الروح القدس في حمل مريم بالمسيح ﵇ في إنجيل متى (١/ ١٨): (لما كانت مريم مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس).
والروح القدس في هذه القصة المراد به جبريل ﵇، كما فسَّره بذلك لوقا في إنجيله (١/ ٢٦): (وفي الشهر السادس أُرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصره إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم).
فعلى هذا التفسير يكون الروح القدس المراد به جبريل ﵇ في كل موطن ورد ذكره فيه، إلا أن تكون الصفة المطلقة عليه لا تطلق إلا على الله فهنا لابد من التحقق من صحة العبارة ودقة نقل الألفاظ.
ومما ورد لديهم في هذا ما ورد في إنجيل يوحنا عن (الباركليت) أو (المعزى) فمما قالوا فيه (١٦/ ١٢): (وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية).
فهذا فيه دلالة واضحة على أن الموصوف بأنه روح الحق شخصية مستقلة، وهو مبلغ لرسالة أوكل إليه تبليغها، فليس فيه ما يدل على ألوهيته، ولا أنه جزء من الإله، وإلا للزم أن يكون الأنبياء آلهة أيضا؛ لأنهم يعلمون كل ما علَّمهم الله به، ويخبرون عن أمور آتيه مستقبلة.
أما ما أوردوه من إنجيل متى (٢٨/ ١٩) أن المسيح قال لتلاميذه بعد قيامته: (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس).
فأولاً: هذا النص لم يذكره إلا صاحب إنجيل متى، وهو إنجيل غير موثق، وغير ثابت النسبة إلى متى الحواري.
ثانياً: على فرض صحة هذه العبارة فإن هؤلاء ثلاثة وليسوا واحداً، وكل واحد منها له مدلوله الواضح تفسيره، فالأب هو: الرب جلَّ وعلا.
أما الابن فلا يمكن أن يكون المقصود به البنوة الحقيقية، وقد سبق بيان هذا، وأن المراد به العبد الصالح، فيكون المقصود به المسيح ﵇، وهو عبد الله ورسوله.
أما الروح القدس فلا يمكن أن يكون المقصود به جزء من الإله الذي هو صفة الحب أو الحياة أو نحو ذلك؛ إذ إن ذلك لا دليل عليه إنما يعني الملك جبريل ﵇، كما هو مصرح به في رواية لوقا السابق ذكرها التي فيها أن الملاك جبريل ﵇ هو الذي نزل على مريم، فتكون العبارة هي دعوة الناس إلى الإيمان بالله والنبي والملك.
فمن هذا كله يتضح لنا أن عقيدة النصارى –التثليث- ليس لها أدلة تثبت صحتها، كما أن كل أقنوم من أقانيم الثالوث لا يوجد له أدلة تثبت مفهومهم له، مما يجعل التثليث كله قائم على دعاوى لا دليل عليها، ولا مستند لها شرعي ولا عقلي.
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٩٣
стр. 298
المطلب الرابع: إبطال التثليث بأقوال المسيح ﵇:
القول الأول: في الآية الثالثة من الباب السابع من إنجيل يوحنا قول عيسى ﵇ في خطاب الله هكذا: (وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) فبيَّن عيسى ﵇ أن الحياة الأبدية عبارة عن أن يعرف الناس أن الله واحد حقيقي وأن عيسى ﵇ رسوله. وما قال: إن الحياة الأبدية أن يعرفوا أن ذاتك ثلاثة أقانيم ممتازة بامتياز حقيقي، وأن عيسى إنسان وإله. أو: أن عيسى إله مجسم. ولما كان هذا القول في خطاب الله في الدعاء فلا احتمال ههنا للخوف من اليهود، فلو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لبيَّنه، وإذا ثبت أن الحياة الأبدية اعتقاد التوحيد الحقيقي لله، واعتقاد الرسالة للمسيح، فضدهما يكون موتا أبديًّا وضلالا بيِّنا البتة، والتوحيد الحقيقي ضد التثليث الحقيقي كما عرفت مفصلا في الفصل الأول، وكون المسيح رسولا ضد لكونه إلها؛ لأن التغاير بين المرسل والمرسل ضروري، وهذه الحياة الأبدية توجد في أهل الإسلام بفضل الله. وأما غيرهم فالمجوس ومشركو الهند والصين محرومون منها؛ لانتفاء الاعتقادين فيهم، وأهل التثليث من المسيحيين محرومون منها؛ لانتفاء الاعتقاد الأول، واليهود كافة محرومون منها؛ لانتفاء الاعتقاد الثاني.
القول الثاني: في الباب الثاني عشر من (إنجيل مرقس) هكذا (٢٨): (فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله: أية وصية هي أول الكل؟). (٢٩): (فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا: اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد).
стр. 299
(٣٠): وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى (٣١) وثانية مثلها هي: أن تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى أعظم من هاتين. (٣٢) فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت؛ لأنه) أي: الله (واحد وليس آخر سواه). (٣٣) (ومحبته من كل القلب، ومن كل الفهم، ومن كل النفس، ومن كل القدرة، ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح (٣٤) (فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل قال له: لست بعيدا عن ملكوت الله). وفي الباب الثاني والعشرين من إنجيل متى في قوله ﵇ بعد بيان الحكمين المذكورين هكذا: (بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس والأنبياء). فعلم أن أول الوصايا الذي هو مصرح به في التوراة، وفي جميع كتب الأنبياء، وهو الحق، وهو سبب قرب الملكوت، أن يعتقد أن الله واحد ولا إله غيره، ولو كان اعتقاد التثليث مدار النجاة لكان مبينا في التوراة وجميع كتب الأنبياء؛ لأنه أول الوصايا، ولقال عيسى ﵇: أول الوصايا: الرب واحد ذو أقانيم ثلاثة ممتازة بامتياز حقيقي. لكنه لم يبين في كتاب من كتب الأنبياء صراحة، ولم يقل عيسى ﵇ هكذا، فلم يكن مدار النجاة. فثبت أن مدارها هو اعتقاد التوحيد الحقيقي، لا اعتقاد التثليث، وهوسات التثليثيين باستنباطه من بعض كتب الأنبياء لا يتم على المخالف؛ لأن هذا الاستنباط خفي جدًّا مردود بمقابلة النص، وغرض المخالف هذا أن اعتقاد التثليث لو كان له دخل ما في النجاة لبينه الأنبياء الإسرائيلية بيانا واضحا، كما بينوا التوحيد في الباب الرابع من كتاب الاستثناء - (٣٥) (لتعلم أن الرب هو الله وليس غيره). (٣٩) (فاعلم اليوم واقبل بقلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت وليس غيره). وفي الباب السادس من السفر المذكور (٤) (اسمع يا إسرائيل: إن الرب إلهنا فإنه رب واحد). (٥) (حب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك). وفي الباب الخامس والأربعين من كتاب إشعياء – (٥) (أنا هو الرب وليس غيري، وليس دوني إله، شددتك ولم تعرفني). (٦) (ليعلم الذين هم من مشرق الشمس والذين هم من المغرب أنه ليس غيري أنا الرب وليس آخر). فالواجب على أهل المشرق والمغرب أن يعلموا أن لا إله إلا الله وحده لا أن يعلموا أن الله ثالث ثلاثة. وفي الآية التاسعة من الباب السادس والأربعين من كتاب إشعياء – (٢) (إني أنا الله وليس غيري إلها وليس لي شبه).
(القول الثالث) في الآية الثانية والثلاثين من الباب الثالث عشر من إنجيل مرقس قول المسيح ﵇ هكذا: (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب) وهذا القول ينادي على بطلان التثليث؛ لأن المسيح ﵇ خصص علم القيامة بالله، ونفى عن نفسه كما نفى عن عباد الله الآخرين، وسوَّى بينه وبينهم في هذا، ولا يمكن هذا في صورة كونه إلها، سيما إذا لاحظنا أن الكلمة وأقنوم الابن عبارتان عن علم الله، وفرضنا اتحادهما بالمسيح، وأخذنا هذا الاتحاد على مذهب القائلين بالحلول، أو على مذهب اليعقوبية القائلين بالانقلاب، فإنه يقتضي أن يكون الأمر بالعكس ولا أقل من أن يعلم الابن كما يعلم الأب، ولما لم يكن العلم من صفات الجسد فلا يجري فيه عذرهم المشهور أنه نفى عن نفسه باعتبار جسميته، فظهر أنه ليس إلها لا باعتبار الجسمية، ولا باعتبار غيرها.
стр. 300
(القول الرابع): في الباب العشرين من إنجيل متى هكذا: (٢٠) (تقدمت إليه أم ابني زيدي مع ابنيها وسجدت وطلبت منه شيئا). (٢١) (فقال لها: ماذا تريدين قالت له: قل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك). (٢٢) (فأجاب يسوع) إلخ. (٢٣) (الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدلهم من أبي) انتهى ملخصا. فنفى عيسى ﵇ ههنا عن نفسه القدرة وخصصها بالله، كما نفى عن نفسه علم الساعة وخصصه بالله، ولو كان إلها لما صح هذا.
(القول الخامس): في الباب التاسع عشر من إنجيل متى هكذا: (١٦) (وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟). (١٧) (فقال له: لماذا تدعوني صالحا؟ ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله). فهذا القول يقلع أصل التثليث، وما رضي تواضعا أن يطلق عليه لفظ الصالح أيضا، ولو كان إلها لما كان لقوله معنى، ولكان عليه أن يبين لا صالح إلا الأب وأنا وروح القدس، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وإذا لم يرض بقوله الصالح فكيف يرضى بأقوال أهل التثليث التي يتفوهون بها في أوقات صلاتهم (يا ربنا وإلهنا يسوع لا تضيع من خلقت بيدك) حاشا جنابه أن يرضى بها.
(القول السادس): في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى هكذا: (٤٦) (ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائل: إيلي إيلي لما شبقتني؟. أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟). (٥٠) (فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح). وفي الآية السادسة والأربعين من الباب الثالث والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: (ونادى يسوع بصوت عظيم وقال: يا أبتاه، في يديك أستودع روحي). وهذا القول ينفي ألوهية المسيح رأسا، سيما على مذهب القائلين بالحلول أو الانقلاب؛ لأنه لو كان إلها لما استغاث بإله آخر بأن قال: (إلهي إلهي لماذا تركتني؟ ولما قال: يا أبتاه في يديك أستودع روحي). ولامتنع العجز والموت عليه. الآية الثامنة والعشرون من الباب الأربعين من كتاب أشعيا هكذا: (أما عرفت أو ما سمعت إله سرمدي الرب الذي خلق أطراف الأرض لن يضعف ولن يتعب وليس فحصا عن حكمته). والآية السادسة من الباب الرابع والأربعين من الكتاب المذكور هكذا: (هكذا يقول الرب مثلك إسرائيل وفاديه باب الجنود أنا الأول وأنا الآخر وليس إله غيري). والآية العاشرة من الباب العاشر من كتاب أرسياء هكذا: (أما الرب هو إله حق هو إله حي وملك سرمدي) إلخ. وفي الآية الثانية عشرة من الباب الأول من كتاب حقوق هكذا: (يا رب إله قدوسي ولا تموت). وفي الآية السابعة عشرة من الباب الأول من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس هكذا: (وملك الدهور الذي لا يفنى لا يُرى الإله الحكيم وحده). فكيف يعجز ويموت الذي هو إله سرمدي بريء من الضعف والتعب حي قدوس لا يموت؟، ولا إله غيره، أيكون الفاني العاجز إلها؟ حاشا وكلا، بل الإله الحقيقي هو الذي كان عيسى ﵇ يستغيث به هذا الوقت على زعمهم. والعجب أنهم لا يكتفون بموت الإله، بل يعتقدون أنه بعد ما مات دخل جهنم أيضا. نقل جواد بن ساباط هذه العقيدة من كتاب (الصلاة) المطبوع سنة (١٥٠٦) هكذا: (كما أن المسيح مات لأجلنا ودفن، فكذا لابد أن نعتقد أنه دخل جهنم) انتهى.
стр. 301
(القول السابع): في الآية السابعة عشرة من الباب العشرين من (إنجيل يوحنا) قول المسيح ﵇ في خطاب مريم المجدلية هكذا: (لا تلمسيني؛ لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) فسوَّى بينه وبين الناس في هذا القول (أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) لكيلا يتقولوا عليه الباطل، فيقولوا: إنه إله أو ابن إله. فكما أن تلاميذه عباد الله وليسوا بأبناء الله حقيقة، بل بالمعنى المجازي، فكذلك هو عبد الله وليس بابن الله حقيقة، ولما كان هذا القول بعد ما قام عيسى ﵇ من الأموات على زعمهم قبل العروج بقليل، ثبت أنه كان يصرخ بأني عبد الله إلى زمان العروج، وهذا القول يطابق ما حكى الله عنه في القرآن المجيد: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة:١١٧].
(القول الثامن): في الآية الثامنة والعشرين من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا قول المسيح ﵇ هكذا: (إن أبي أعظم مني) ففيه أيضا نفي لألوهيته؛ لأن الله ليس كمثله شيء فضلا عن أن يكون أعظم منه.
(القول التاسع): في الآية الرابعة والعشرين من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا قول المسيح ﵇ هكذا: (الكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للأب الذي أرسلني) ففيه أيضا تصريح بالرسالة، وبأن الكلام الذي تسمعونه وحي من جانب الله.
(القول العاشر): في الباب الثالث والعشرين من (إنجيل متى) قول المسيح ﵇ في خطاب تلاميذه هكذا: (٩) (ولا تدعوا لكم أبا على الأرض؛ لأن أباكم واحد الذي في السماوات). (١٠) (ولا تدعوا معلمين؛ لأن معلمكم واحد المسيح). فهنا أيضا صرح: (بأن الله واحد وإني معلم لكم).
(القول الحادي عشر): في الباب السادس والعشرين من (إنجيل متى) هكذا: (٣٦) (حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها: جشيماني. فقال للتلاميذ: اجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلي هناك). (٣٧) (ثم أخذ معه بطرس وابني زيدي وابتدأ يحزن ويكتئب). (٣٨) (فقال لهم: نفسي حزينة جدا حتى الموت، امكثوا ههنا واسهروا معي). (٣٩) (ثم تقدَّم قليلا وخرَّ على وجهه، وكان يصلي قائلا: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ليس كما أريد، بل كما تريد أنت). (٤٠) (ثم جاء إلى التلاميذ ... إلخ). (٤٢) (فمضى أيضا ثانية، وصلى قائلا: يا أبتاه إن لم يكن أن تعبر عني هذه الكأس ألا أشربها فلتكن مشيئتك). (٤٣) (ثم جاء ... إلخ). (٤٤) (فتركهم ومضى أيضا، وصلى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينه). فأقواله وأحواله المندرجة في هذه العبارات تدل على عبوديته ونفي ألوهيته. أيحزن ويكتئب الإله ويموت ويصلي لإله آخر ويدعو بغاية التضرع؟ لا والله. ولما جاء جنابه الشريف إلى العالم، وتجسد؛ ليخلص العالم بدمه الكريم من عذاب الجحيم، فما معنى الحزن والاكتئاب، وما معنى الدعاء: بـ (إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس)؟!
(القول الثاني عشر): كان من عادته الشريفة أنه إذا عبر عن نفسه كان يعبر بابن الإنسان غالبا كما لا يخفى على ناظر هذا الإنجيل المروج أيضا: مثلا في الآية ٢٠ باب ٨، ٦ باب ٩، ١٣، ٢٧ باب ١٦، ٩، ١٢، ٢٢ باب ١٧، ١١ باب ١٨، ٢٨ باب ١٩، ١٨، ٢٨ باب ٢٠، ٢٧ باب ٢٤، ٢٤، ٣٥، ٦٤ باب ٢٦ من إنجيل متى وهكذا في غيره، وظاهرٌ أن ابن الإنسان لا يكون إلا إنسانا.
المصدر: إظهار الحق لرحمة الله الهندي ٣/ ٧٣٦ فما بعدها
стр. 302
المبحث الثالث: الاتحاد: (التجسد):
الاتحاد لدى النصارى المراد به هو: أن الله ﵎ اتخذ جسد المسيح له صورة، وحلَّ بين الناس بصورة إنسان هو المسيح، تعالى الله عما يقولون.
أدلتهم على دعواهم في الاتحاد (التجسد):
النصارى يزعمون أن لهم أدلة على هذه الدعوى، ومن أظهر ما يستدلون به على ذلك ما ورد في إنجيل يوحنا في بدايته (١/ ١ - ١٤) من قول صاحب الإنجيل: (في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله ... والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا).
ومن أدلتهم أيضاً ما ورد في إنجيل متى (١/ ٢٣) من البشارة بالمسيح وهو قولهم: (وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: (هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه) عمانوئيل (الذي تفسيره الله معنا).
ويستدلون أيضاً بقول بولس في رسالته الأولى لتيموثاوس (٣/ ١٦): (عظيم هو سر التقوى. الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح).
كما يستدلون أيضاً بما ورد في الرسالة إلى العبرانيين (١/ ٢):
(الذي به أيضاً عمل العالمين الذي هو بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته).
فهذا أهم ما يستدلون به ويعولون عليه في هذه القضية الخطيرة والعقيدة العجيبة.
الرد عليهم:
يُرد على النصارى في هذه العقيدة الباطلة من عدة أوجه:
أولاً: هذه العقيدة من المستحيل عقلاً قبولها؛ لأنها تعني أن الله ﷻ ، وتقدست أسماؤه قد تقمص هيئة النطفة أو هيئة الجنين، ودخل في بطن مريم، وعاش في تلك الأوحال والأقذار فترة من الزمن، يرتضع الدم ثم اللبن، وتمرُّ عليه أحوال وأطوار الجنين والوضع ثم الطفولة ومستلزماتها.
فهل في الأقوال والتصورات أشد بطلاناً وأقبح تصوراً من هذه العقيدة وهذه المقولة؟ إن الإنسان السوي ليعجز عن التعبير عن قباحة مثل هذه اللوازم لهذه المقولة الفاسدة.
ثم يقال لهم: من الذي كان يدير العالم ويدبر شؤونه، وربه وسيده ومدبره في زعمهم الفاسد في بطن امرأة يتقلب بين الفرث والدم؟ فهل يعقل النصارى ما يقولون ويزعمون، أم لا يعقلون؟
ثانياً: إن دعوى التجسد لديهم بما فيها من اللوازم الفاسدة، والتصورات القبيحة المهينة في حق الله ﷻ ، وتقدست أسماؤه إنما هي مبررات للصلب ثم الفداء في زعمهم - وسيأتي بيان بطلان ذلك كله، وأنها من مخترعات النصارى التي لا دليل عليها - فعلى ذلك فما بني على باطل فهو باطل أيضاً.
ثالثاً: ما يستندون إليه مما ورد في إنجيل يوحنا فقد سبق بيان عدم الثقة به؛ لعدم وجود إسناد يثبت صحة ذلك الإنجيل، وأنه أقل الكتب نصيباً من الصحة، بل صرَّح الكثير من النصارى- كما سبق بيانه- بأنه إنجيل مزور، كما أن النص المذكور منه هو نص مضطرب لفظاً ومعنى، ولا يتضح مدلوله، إنما ينبئ عن عقيدة مهزوزة مضطربة، ليست واضحة المعالم لدى قائله، فقوله: (في البدء كان الكلمة). ما هو الذي كان الكلمة؟ إذا كان الله تعالى، فهل الله كلمة؟ هذا ما يبدو من سياق العبارة حيث يضيف (وكان الكلمة الله) فهل في عقيدة النصارى أن الله كلمة؟
ذلك باطل ولا يقول به النصارى، كما أن معنى ذلك أن كلمة أنتجت كلمة، والكلمة الأولى هي الله، والكلمة الثانية هي المسيح، ولا يقول النصارى بذلك، فهي عبارة مضطربة لا معنى لها في عقيدة النصارى.
ثم ما المراد بالبدء؟ هل يعنى ذلك بداية الله، أم بداية الكلمة التي يزعمون أنها المسيح؟ كلاهما باطل في عقيدة النصارى، فهم يعتقدون أن الله أزلي والكلمة معه أزلية, وأن الله لم يسبق المسيح في الوجود، فهذه أيضاً لا مدلول ولا معنى لها في عقيدة النصارى، بل هي تناقض عقيدتهم.
стр. 303
وما بعدها أعجب منها حيث يقول: (وكان الكلمة عند الله). فكيف هي الله؟ وكيف هي عنده؟ هذا ما لا يقبله العقل السليم، أما عقول النصارى الضالة فتقبله؛ لأنهم يزعمون أن المسيح هو ابن الله وهو الله، وهو عند الله في وقت واحد.
ثم قوله: (والكلمة صار جسداً ثم حلَّ بيننا). هذا بيت القصيد لدى النصارى، وهو أن الكلمة تحولت إلى جسد، وهو المسيح، وحلَّت بين الناس، ومرادهم بالكلمة في تأويلاتهم الفلسفية: عقل الله أو فكر الله، وهي مقولة الفلاسفة الوثنيين حيث زعموا أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهذا الذي صدر عنه هو العقل الفعَّال، وهو الذي خُلق العالم بواسطته، فهذه مقولة الفلاسفة اقتبسها كاتب الإنجيل، وضمنها كتابه بدون أي مستند من وحي سماوي.
رابعاً: النص المذكور من إنجيل متى واستشهادهم بالنبوءة السابقة قد سبق بيان أنها غلط من أغلاطهم، ومن دلائل تحريفهم، وأن ما كتبوه إنما أملاه البشر، وليس من عند الله؛ إذ إن هذه النبوءة المقصود بها شخص آخر ولد وتحققت النبوءة، وانتهت في زمن ذلك النبي (إشعياء)، كما نص على ذلك العهد القديم.
فعليه فهو استشهاد خاطئ، وما بني عليه خطأ وضلال، ثم إن النصارى- لتعمقهم في إضلال أنفسهم وأتباعهم- يحرفون تفسيره من (الله معنا) إلى (الله ظاهر لنا)، ومعلوم أن معية الله لا يتضح منها التجسد صراحة، فأضافوا (الله ظاهر لنا) حتى تكون مفسرة للمعية، وهذا من تعمقهم في الضلال وإضلال الناس.
خامساً: ما أوردوه من كلام بولس هو كلام مردود عليه وغير مقبول؛ إذ يجب عليه أن يبين مستنده لما يقول من كلام المسيح نفسه، وإلا يعتبر مدعيا كاذبا، وهذه حقيقة ذلك الرجل الذي أضل النصارى عن دين المسيح حيث تنسب إليه جميع التحريفات التي عليها النصارى.
سادساً: ما أوردوه من الرسالة إلى العبرانيين، فإن صحَّ كلامهم في نسبة الرسالة إلى بولس فالقول فيها ما سبق. وإن لم يثبت نسبتها إلى بولس، فكيف يأخذ النصارى عقيدة خطيرة كهذه من كتاب لا يعرف كاتبه، ولا يدرى من هو؟! كما يدلنا هذا على مستوى اهتمام النصارى بالأمور الدينية وعنايتهم بصحة ثبوتها والثقة بناقليها، حيث إنهم اعتمدوا على أقوال المجهولين والنكرات في أخطر عقيدة يعتقدونها، وهي التجسد المزعوم، وذلك يبين لنا مدى وضوح النداء القرآني لهم في قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَما أنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ [المائدة:٦٨].
سابعاً: أن هذه العقيدة مع خلوها من النصوص الشرعية التي تثبتها فهي مناقضة للعقل، ويعترف النصارى بذلك، ويجعلونها من الأسرار، وفي هذا يقولون عن التجسد: (فهو سر الأسرار الذي فيه يستعلن الله العظيم الأبدي إلى الإنسان الضعيف في صورة الناس المنظورة وتحت حكم الزمن، وبالعقل لا يدرك الإنسان من هذا السر شيئاً، وإنما يمكن للروحانيين بالروح القدس أن يعرفوا حتى أعماق الله).
لقد قطع النصارى على أنفسهم نعمة النظر واستخدام العقل الذي وهبهم الله إياه، وتحكموا في أتباعهم بإجبارهم على إلغاء عقولهم فيما يملون عليهم من ترهات وسخافات، وذلك بقولهم بزعمهم: (أنها سر لا يدرك) ولا يفهم ولا يعرف. والأمر إذا خلا من الدليل الشرعي والدليل العقلي لا يكون إلا من إملاء الشياطين وأتباعهم.
стр. 304
ثم إن النصارى يخدعون الناس بما يزعمون من أن الأمر يدرك بالروح القدس. فإن هذا من الكلام الفارغ الذي لا معنى تحته؛ لأن معنى قولهم هذا أن قبول شخص من الأشخاص لهذه العقيدة إنما يتم بالروح القدس، فإذا لم يقبلها عقله ولا قلبه بناءً على خلوها من الدليل الشرعي والعقلي، قالوا له: إن الروح القدس لم يهبك الإيمان بها.
وهذا كلام فارغ؛ إذ من المعلوم أن جميع الوثنيين يؤمنون بترهاتهم وشركهم، وإيمانهم بها لم يقم على دليل شرعي ولا عقلي، وهذا وجه بطلان عقائدهم. إذاً فقبولهم لها تمَّ عن طريق التسليم لعلمائهم ودعاتهم بدون دليل أو وعي صحيح، فمن هنا يشبه النصارى الوثنيين من ناحية دعواهم بوجوب التسليم لمقولتهم بدون استناد على الشرع، أو استخدام للعقل في القضية.
أما الروح القدس فأقحم هنا إقحاماً، وإلا فما الذي يثبت أن الروح القدس هو الذي جعل أحدهم يؤمن بما يقال له، وليس شيطاناً من الشياطين؟ كيف يفرق الإنسان بين الاثنين؟ ليس هناك وسيلة للتفريق إلا بالدليل الشرعي والعقلي معاً. وقد استطاع النصارى بخبث شديد أن يعطلوهما ويلغوهما لما زعموا أن الأمر سر من الأسرار الكنسية التي يجب الإيمان به إيماناً مجرداً عن الفهم.
وهم إذا عجزوا عن فهم قضية وإقامة الدليل عليها زعموا أنها سر. ولازم ذلك: أن كبارهم وعلماءهم إما أن يعلموا ذلك السر أولا يعلمونه.
والحقيقة أنهم لا يعلمونه ولا يدرون له وجهاً، وأن علم الطالب المبتدئ منهم مثل علم أكبر القسس فيهم في مثل هذه القضايا، وإذا كان أمر لا يعرفه الكبير ولا الصغير فكيف يقبلونه؟! فلا بالشرع استناروا، ولا بالعقل استرشدوا، ودعوى أن الروح القدس يعلمهم، دعوى فارغة لا حقيقة لها، وإلا وجب أن يوحى إليهم بالسر، وهم يعلمون الناس، حتى تكون للناس قناعة، وهم أنفسهم يجدوا القناعة بما يقولون ويعتقدون.
ثم ما هذه الدعوى العريضة التي زعموا، وهي أن الروحانيين يعرفون أعماق الله، ماذا يعرفون عن أعماق الله؟
انظر كيف فتحوا الباب للافتراء على الله والكذب عليه جلَّ وعلا بما لا يستطيعون أن يأتوا منه بشيء، والله يقول: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة:٢٥٥]. ويقول: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:١١٠] جلَّ وعلا عن افتراءات الجاهلين وتخرصات المتخرصين الظالمين.
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٢٩٦
стр. 305
المطلب الأول: الصلب:
الصلب هوالتعليق على خشبة الصليب.
واليهود والنصارى يعتقدون أن المسيح ﵇ مات مصلوباً.
ويزعم اليهود أن المسيح كفر بالله؛ لهذا حملوا عليه وطالبوا بدمه، وزعموا أنه مات مصلوباً.
والموت على الصليب يستلزم اللعنة عندهم، فقد ورد في سفر التثنية (٢١/ ٢٢): (وإذا كان على إنسان خطيئة حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة، فلا تبت جثته على الخشبة، بل تدفنها في ذلك اليوم؛ لأن المعلق ملعون من الله).
أما النصارى فهم يعتقدون كذلك أن المسيح مات مصلوبا، إلا أنهم يعللون ذلك بأنه صلب فداء للبشر؛ لتخليصهم من خطيئة أبيهم آدم ﵇، وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها، فانتقلت تلك الخطيئة إلى أبنائه، وأغضبت الله عليهم أيضاً، فكان لابد من وسيط يتحمل هذا الإثم، ويرضى بأن يموت على الصليب، وهذا الوسيط المخلص في زعمهم لابد أن يكون ذا وضع متميز خال من الإثم والخطأ، ولا يكون هذا إلا ابن الله - الذي هو الله في زعمهم- ثم لابد أن يكتسب الخطيئة عن طريق الجسد، فهذا ما جعله يتجسد في صورة عيسى، ويخرج من بطن مريم ثم يموت على الصليب فداء للبشر، فيرضى الله بذلك عن بني آدم، وترتفع عنهم تلك الخطيئة؛ لأنهم يزعمون أن الله جلَّ وعلا منذ وقع آدم في الخطيئة، وهو غضبان على بني آدم بسبب الخطيئة، ولابد بناء على عدله أن يعذبهم، وهو بناء على رحمته يحب أن يرحمهم، فأنزل ابنه ليكون الوسيط والفداء الذي يقع عليه العدل، فيعذب على الصليب حتى الموت، فيكون موته فداء لبني آدم، فيمكن بعد ذلك رحمة بني آدم؛ لأن العقاب قد حلَّ بالوسيط المخلص، فكان بهذا المسيح هو الذي جمع بين عدل الله ورحمته، وفتح باب رحمة الله لخلقه مرة أخرى.
فتبين أن هنا أمران وهما: الصلب، والفداء فنبين ما يتعلق بكل واحد منهما:
الصلب:
أ- قصة الصلب إجمالا كما وردت في الأناجيل:
يعتقد النصارى كما سبق بيانه أن المسيح مات مصلوباً. وقصة الصلب كما وردت في الأناجيل باختصار هي: أن المسيح ﵇ طلبه اليهود ليقتلوه؛ لأنه في زعمهم كفر بالله، فدلَّهم على مكانه أحد أتباعه- وهو يهوذا الإسخريوطي- بعد أن أغروه بالمال، فقبضوا عليه ليلة الجمعة بعد أن كان قد فرغ من صلاة طويلة تضرع وتوسل فيها إلى الله أن لا يذيقه هذه الكأس، ثم ساقوه إلى دار رئيس كهنة اليهود الذي تحقق من أنه مستحق للقتل، ثم حمل إلى دار الوالي الروماني الذي حكم عليه بالصلب بناء على رغبة اليهود، فصلب الساعة الثالثة صباحاً من يوم الجمعة ومات على الصليب الساعة التاسعة مساء، أي: وقت العصر، بعد أن صاح: (إلهي إلهي لماذا تركتني).
ثم أُنِزْل من الصليب في تلك الليلة، وأُدِخْل قبرا بقي فيه تلك الليلة، ثم نهار السبت، ثم ليلة الأحد، ولما جاؤوا إليه صباح الأحد وجدوا القبر خاليا، وقيل لهم: إنه قام من قبره ثم إنه ظهر لهم في الجليل وكلمهم، وبقي معهم أربعين يوماً، ثم ارتفع إلى السماء وهم ينظرون إليه، هذا ما ورد في الأناجيل عن قصة الصلب اجمالاً.
ب- اختلاف المعلومات الواردة في الأناجيل عن الصلب:
إذا نظرنا إلى قصة الصلب في الأناجيل نجدها مختلفة في أكثر نقاطها، وإليك بيان الاختلافات الموجودة في رواية هذه القصة:
١ - ذكر لوقا: أن ملكاً من الملائكة تراءى للمسيح يقوي عزيمته في آخر صلاة صلاها. ولم يذكر ذلك الآخرون.
٢ - ذكر لوقا: أن المسيح صلى مرة واحدة، ولم يوقظ تلاميذه إلا مرة واحدة، أما متَّى ومرقص، فذكرا أن ذلك تكرر ثلاث مرات، ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئاً.
стр. 306
٣ - أن الأناجيل الثلاثة متَّى ومرقص ولوقا ورد فيها: أن العلامة بين يهوذا الذي دلَّ اليهود على مكان المسيح، واليهود الذين جاؤوا للقبض على المسيح هي أن من يقبله فهو المسيح، ويوحنا ذكر أن المسيح خرج إليهم وسألهم عمن يطلبون، فقالوا: يسوع. فقال لهم: أنا هو.
٤ - أن يوحنا ذكر: أن اليهود لما قبضوا على المسيح ساقوه إلى حنان الذي كان حماً لرئيس الكهنة قيافا، أما الأناجيل الأخرى فلم تذكر ذلك، بل ذكرت أنهم ذهبوا به مباشرة إلى قيافا رئيس كهنة اليهود.
٥ - ذكر يوحنا: أن بطرس وتلميذاً آخر تبعا المسيح إلى رئيس الكهنة بعد أن قبض عليه، أما الآخرون فلم يذكروا سوى بطرس الذي خرج بعد ذلك، ولم يشاهد المحاكمة.
٦ - سؤال رئيس الكهنة للمسيح وقت المحاكمة حسب مرقص: (أأنت المسيح ابن المبارك؟ فقال يسوع: أنا هو، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء).
وفي متَّى: (أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ قال له يسوع: أنت قلت. وأيضا أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء).
وفي لوقا أن الجماعة سألوه: (إن كنت أنت المسيح فقل لنا، فقال لهم: إن قلت لكم لا تؤمنون، وإن سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقوني. ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسا عن يمين قدرة الله. فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون: إني أنا هو).
وفي يوحنا أن رئيس الكهنة سأل المسيح عن تلاميذه وعن تعليمه، فأجابه، وليس في شيء منها قوله السابق عن نفسه.
٧ - الأناجيل الثلاثة ذكرت: أن المسيح لما ذهب به اليهود إلى بيلاطس الوالي الروماني، فسأله عما يتهمونه به من أنه ملك اليهود، لم يجبه المسيح بشيء حتى تعجب منه بيلاطس.
أما أنجيل يوحنا فيذكر كلاماً بين المسيح وبيلاطس.
٨ - الأناجيل الثلاثة ذكرت أن الصليب الذي صلب عليه المسيح سخر له رجل اسمه (سمعان القيرواني) لحمله.
أما أنجيل يوحنا فيذكر أن المسيح هو الذي حمل صليبه.
٩ - ذكر لوقا: أن المسيح التفت إلى الجموع وهو في طريقه إلى الصليب، وحذَّرهم مما سيقع لهم في الأيام القريبة من الأمور الخطيرة العظيمة. ولم يذكر ذلك أي من الأناجيل الأخرى.
١٠ - إن علة صلب المسيح حسب لوقا مكتوبة على الصليب هكذا (هذا هو ملك اليهود) باليونانية واللاتينية، والعبرانية.
وفي مرقص (ملك اليهود) ولم يذكر اللغات التي كتب بها.
وفي متَّى (هذا هو يسوع ملك اليهود) ولم يذكر اللغات.
وفي يوحنا (يسوع النصارى ملك اليهود) باليونانية واللاتينية والعبرانية.
١١ - أن مرقص ومتَّى ذكرا: أن اللصين اللذين صلبا مع المسيح كانا يعيرانه مع الناس.
أما لوقا فقد ذكر: أن أحدهما عيَّره، أما الآخر فردَّ عليه، ودافع عن المسيح، ولم يذكر يوحنا ذلك.
١٢ - ذكر يوحنا: أنه كان يقف عند الصليب أم المسيح وأخت أمه ومريم المجدلية مع التلميذ الذي يحبه المسيح، ويعني نفسه.
وأما لوقا ومرقص ومتَّى فقد ذكروا: أن نساء من بعيد كن ينظرن إليه، من بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويسى وسالومة وأخر كثيرات، ولم يذكروا حضور أي تلميذ من تلاميذه الصلب.
١٣ - في متَّى ومرقص: أن المسيح صرخ في الساعة التاسعة وقال: (ألوى ألوى لما شبقتني. الذي تفسيره (إلهي إلهي لماذا تركتني؟).
وفي لوقا قال: (ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا: يا أبت في يديك أستودع روحي).
وفي يوحنا أنه لم يصرخ وإنما قال: (قد أكمل، ونكس رأسه، وأسلم الروح).
стр. 307
١٤ - الاختلاف في الأحداث بعد الصلب حيث قال متَّى: (انشق حجاب الهيكل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبر بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين).
وفي مرقص (انشق حجاب الهيكل إلى اثنين).
وفي لوقا (أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل).
ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئا.
١٥ - الاختلاف في عدد ووقت الذين جاؤوا صباح الأحد لمشاهدة القبر الذي فيه المسيح ووجدوه خاليا - وقد سبق ذكر ذلك.
فهذه الاختلافات العديدة بينهم في رواية أعظم حادث في حياة المسيح- حسب معتقد النصارى- وهو: الصلب، إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أنه ليس لديهم علم مؤكد ومحقق في هذا الأمر، وأن ذلك كله من باب الظن والخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، ولو كان عندهم فيه شيء مدون، أو رواة ثقات عاينوا وشاهدوا الأحداث لما اختلفوا فيه. وإن من دلالة صدق الرواة لحدث من الحوادث اتفاقهم على رواية الخبر وتفاصيل وقائعه، وإن من دلالة كذب الرواة أو عدم علمهم به اختلافهم في رواية الخبر وتباين كلامهم عنه. وهذا حقيقة حال النصارى في هذا الحادث الذي قامت النصرانية المحرفة كلها عليه، كما سبق بيانه، فإنهم ليس عندهم علم به مؤكد، إن يظنون إلا ظنا. وانظر واستمع إلى دقة كلام الله في تعبيره عن الواقعة وعن رواتها حيث قال : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:١٥٧ - ١٥٨]
فأكَّد الله جلَّ وعلا عدم صلبه، وأنه رفعه إليه، وبيَّن أن الأمر قد شُبِّه على اليهود الذين زعموا أنهم صلبوه، كما أن الذين اختلفوا فيه- وهم النصارى الضالون- علمهم فيه غير مؤكد؛ إذ هم متبعون للظن في قولهم وزعمهم، ويؤكد ذلك ويبينه أن الأناجيل الثلاثة متَّى، ومرقس، ولوقا, قد ذُكر فيها: أن التلاميذ حال القبض على المسيح تركوه وفروا جميعاً، فهم لم يعاينوا القبض عليه، ولا محاكمته، ولا رفعه على الصليب، ولا موته، ولا دفنه، ولا قيامته من القبر، وأن الذي شاهد الصلب مجموعة من النساء كن ينظرن إليه من بعيد.
أما رواية إنجيل يوحنا بأن التلميذ الذي يحبه المسيح كان حاضراً وقت المحاكمة وعند الصلب، وكذلك أم المسيح كانت موجودة وقت الصلب، فهي رواية غير صحيحة لاشك لمخالفتها لرواية الأناجيل الثلاثة الأخرى. كما أن إنجيل يوحنا هو أقل الأناجيل نصيباً من الصحة - كما سبق بيانه في فصل المصادر.
جـ - حقيقة نهاية المسيح ﵇ على الأرض ومجيئه مرة أخرى:
الحق بالنسبة للمسيح ﵇ أن الله أنجاه من أعدائه اليهود، وهذا الذي يتناسب مع سؤال المسيح وتضرعه إلى الله أن يعبر عنه هذه الكأس، فقد استجاب الله له ورفعه إليه، قال الله تعالى:
стр. 308
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِما أنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. [آل عمران:٥٢ - ٥٥]
وقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ المراد به من الاستيفاء وهو القبض، أو النوم، على معنى قول الله : وَهُوَ
الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ [الأنعام:٦٠]، أو أن فيها تقديما وتأخيراً، تقديره رافعك إليَّ ومتوفيك.
وقال رادًّا على اليهود ادعاءاتهم على المسيح وأمه مبيناً الحق فيما يتعلق بنهاية المسيح ﵇: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. [النساء: ١٥٦ - ١٥٨].وقد دلت السنة على أن المسيح ﵇ سينزل آخر الزمان، وفي هذا يقول نبينا ﵊: ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لايقبله أحد)) (١).
وقد أجمع المسلمون على هذه العقيدة وهي أن المسيح ﵇ سينزل آخر الزمان بناء على تواتر الأحاديث في ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع من العقلانيين في هذه الأزمان المتأخرة ممن زعموا أن هذه عقيدة يهودية دخلت على المسلمين، وتابعهم على ذلك كثير من الكتاب الذين ليس لهم علم بهذه الأمور سوى التقليد. والحق أن هذه العقيدة ثبتت بالأدلة الصحيحة من السنة، وأجمع علماء الإسلام عليها، مما لاحاجة لنا معه إلى قول أحد من الناس وتخرصاته.
ومما يجدر ذكره هنا أن النصارى يعتقدون رجعة المسيح قبل يوم القيامة، وأنه سيحاسب الناس ويضم أتباعه إليه.
ومن النصوص الدالة على ذلك عندهم ماورد في سفر أعمال الرسل (١/ ١٥) بعد رفع المسيح إلى السماء قولهم: (أيها الرجال الجليليون، مابالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء).
وكذلك اليهود يؤمنون بأن مسيحاً سيأتي آخر الزمان، وينتصر به اليهود على أعدائهم، واليهود منذ زال ملكهم وهم ينتظرون ذلك المسيح الذي يعيد إليهم ملكهم.
وإن في ذلك أمراً عجيباً له دلالات عجيبة غريبة، نشير إلى ما يبدو منها مما فيه تأييد للوحي والحق، فأقول:
стр. 309
إن مما لاشك فيه ولا مرية أن المسيح ﵇ قد رفعه الله إلى السماء، كما ذكر الله ذلك في القرآن، وسوف ينزل آخر الزمان كما ثبت في السنة، وهما المصدران اللذان لم تشُبهما شائبة التحريف، ولم يطلهما تغيير ولاتبديل، وكما ارتفع المسيح ﵇ بشراً، سيعود بشراً ليس إلهاً ولا ابن إله، كما زعم النصارى, ونزوله ﵇ من علامات الساعة الكبرى، أي: الأمارات الدالة على قرب قيام الساعة.
ومما لاشك فيه ولامرية أيضاً أن هناك رجلا آخر سيسبق مجيء المسيح عيسى ﵇ ألا وهو المسيح الدجال، وهو مسيح الضلالة والغواية، والدعوة إلى الكفر، ونصير الكفار، فهما مسيحان سيأتيان في وقت متقارب جدًّا إذا ظهر أولهما لحقه الآخر، هذا مما ثبت لدينا نحن المسلمين بالأدلة القاطعة الثابتة، فإلى أيهم سينتمي الناس؟.لاشك أن المسلمين الصادقين سينتمون إلى مسيح الهداية والخير عيسى بن مريم ﵇، بل إن المسيح عيسى بن مريم ﵇ سينزل عليهم في جماعتهم عند إقامة الصلاة، فقد ورد في حديث جابر ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)) (١) وقال: ((فينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (٢).
أما اليهود والمنافقون والكفار فإنهم ينضمون إلى مسيح الضلالة، المسيح الدجال. أما أنحياز اليهود إليه فلأنه يهودي منهم، فقد ورد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن ابن صياد قال لأبي سعيد ﵁: يا أصحاب محمد ﷺ ، ألم يقل نبي الله ﷺ : ((إنه يهودي))؟ يعني الدجال. (٣) وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة)) (٤) كما أن قتله يكون بين اليهود في فلسطين بباب لد.
فهذا فيه دلالة واضحة على أن المسيح الدجال هو الزعيم والملك الذي ينتظره اليهود بفارغ الصبر.
стр. 310
وإن من عجيب قدر الله جلَّ وعلا أن اليهود كانوا قبل مجيء المسيح عيسى ﵇ ينتظرون مسيحاً، إلا أن آمالهم كانت متعلقة بشخصية محاربة يملكون بها الدنيا، ويعيدون لأنفسهم بها ما سلف من مجدهم، وما أندثرمن عزهم بسبب كفرهم، ويرفعون عن أنفسهم تسلط الرومان، الذين كانوا متسلطين عليهم في ذلك الزمان، فلما جاءهم المسيح عيسى بن مريم ﵇ نبيًّا كريماً ذا خصال حميدة وخلال كريمة، يدعو إلى التوبة والإيمان، والتقوى والإحسان، والعفو عن الظالم، والصبر على البلاء، نفروا منه نفوراً شديداً، وكرهوه وكرهو دعوته ﵊، فسعوا بناء على ذلك إلى قتله تخلصاً منه، حيث خيب آمالهم في تملك الدنيا، وإخراجهم من الذل الذي كانوا فيه، إلا أن الله سبحانه بكريم فضله وعظيم إنعامه أنقذ عبده ورسوله منهم وأنجاه ورفعه إليه، وحاق بالذين حاولوا قتله البلاء العظيم، فبعده بمدة وجيزة حلَّ باليهود عذاب أليم وبلاء شديد، تشتتوا بسببه في أنحاء الارض شذر مذر. ثم إن مما سيكون من عجيب القدر والتقدير أن الذي هو أمل اليهود في السيطرة على العالم، وزعيمهم الذي سيخُضِع العالم لهم سيأتي ولا قِبَل لأحد من الناس به، إلا أن الله ادَّخر له عيسى ابن مريم ﵇ الذي لم يقبله اليهود؛ لأنه لم يحقق لهم أطماعهم، ولم يستجب لأهوائهم، حيث سيكون على يديه الكريمتين هلاك ملك اليهود، ورجائهم في السيطرة والغلبة، فبعد ظهور المسيح الدجال واتباع اليهود وأهل الضلالة له، ينزل عيسى ابن مريم ﵇، كما قال ﵊: ((فينزل - يعني عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه. فيطلبه – أي: المسيح عيسى ﵇ يطلب ويلحق المسيح الدجال- حتى يدركه بباب لدٍّ في فلسطين فيقتله .. )) (١). فيكون بذلك دمار اليهود النهائي، ودمار ملكهم على يدي المسيح عيسى بن مريم ﵇ أولاً، ثم سائر المؤمنين من بعده، حيث ستكون مقتلة عظيمة يقتل بها جميع اليهود في فلسطين، والمسيح الدجال من أعظم البلايا والفتن على بني الإنسان، فإنه ما من نبي إلا حذَّر أمته منه، فقد روى عبدالله بن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال: ((إني لأنذركموه، ما من نبي إلا وقد أنذره قومَه، لقد أنذره نوح قومَه، ولكن أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلموا أنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور)) (٢).وللدجال طاقات ومقدرة وقوة يفتن بها الناس، ويدعو الناس إلى عبادة نفسه، حيث سيزعم أنه رب وإله، فمن تابعه نال مما معه من لذة الدنيا ومتعها، ومن خالفه أصابه بلاء وعناء، وفي هذا يقول ﵊ في بيان سرعته في السير في الأرض وماأُعْطِيَ من قوة: ((قلنا: يارسول الله، وما إسراعه في الأرض؟، قال: (كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرُّ بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل)) (٣).
فلهذه الفتن التي تكون معه يتبعه المنافقون وأهل الأهواء والكفار.
أما النصارى ..... والله أعلم أن أكثرهم سيكون من أتباع مسيح الضلالة المسيح الدجال، وأنه سيكون فتنة عظيمة لهم. وذلك أن النصارى ينتظرون مسيحاً هو الرب والإله في زعمهم، فإذا جاء المسيح الدجال فإنه يدَّعي الربوبية ومعه جنة ونار- كما ورد في الحديث- فمن آمن به أدخله جنته، ومن لم يؤمن به أدخله ناره، وماجنته إلا نار الآخرة وما ناره إلا جنة الآخرة.
ثم إن النصارى يظنون أنه سيكون في هذه الدنيا حساب وإدانة للناس من قبل المسيح عيسى في زعمهم، فهذه كلها دلائل تشير إلى أنهم سيفتنون به إلا من عصمه الله منهم، واستبان له حقيقة ذلك الدجال بما جعل الله في خلقته من القبح والنقص، وما سيكون لاشك في دعوته وديانته من الفساد والانحراف والكفر. ولكن أنَّى للنصارى أن يتبينوا الفساد في الديانة، وهم على ديانة غاية في الانحراف، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – بتصرف - ص ٣٠٤
стр. 311
المطلب الثاني: الفداء:
الفداء: هو اعتقاد النصارى أن موت المسيح كان كفارة لخطيئة آدم التي انتقلت إلى أبنائه بالوراثة.
أ- أدلة النصارى على الفداء:
يزعم النصارى أن مستندهم في ذلك الكتاب المقدس، ونورد فيما يلي بعض النصوص التي يستدل بها النصارى لهذه العقيدة منها:
١ - (أنا هو الراعي الصالح، الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف). يوحنا (١٠/ ١١).
٢ - (لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية) يوحنا (٣/ ١٦).
٣ - (إن ابن الإنسان لم يأت ليُخْدَمَ بل ليَخْدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين) مرقص (١٠/ ٤٥).
هذا مما ورد في الأناجيل.
ومما ورد في كلام النصارى في العهد الجديد:
١ - في رسالة يوحنا الأولى (٣/ ١٦): (بهذا أظهرت المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا).
٢ - قال بولس في رسالته لكورنثوس (١/ ١٥/٣): (مات من أجل خطايانا حسب الكتب).
وأيضاً في كورنثوس (٥/ ٢١): (إن الله جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا؛ لنصير نحن برَّ الله فيه).
وقال في رسالته لأهل أفسس (٢/ ١٦): (أسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة).
ب- بيان بطلان أدلتهم وكلامهم في الفداء:
الأدلة التي أوردها النصارى لا قيمة لها ولا اعتبار في مسألة الفداء؛ لعدة أمور:
أولاً: أن الاستدلال بما ورد في الأناجيل فرع عن ثبوت صحة تلك الأناجيل وسلامتها من التحريف، وقد سبق بيان حال هذه الأناجيل، وأن النصارى لا يملكون أدلة لثبوتها.
ومثلها في الضعف الرسائل الملحقة بها، وبولس الذي كثر كلامه عن الفداء في رسائله، كلامه غير مقبول؛ لأنه لم يشاهد المسيح، ولم يسمع كلامه، فما ذكره لم يسنده عن الحواريين، ولم يبين مصدره فيه، فهو من قِبَل نفسه.
ثانياً: أن جميع النصوص التي يذكرونها في الدلالة على أن الصلب وقع فداء للبشر ليس فيها نص واحد يعيِّن الخطيئة التي يزعم النصارى أن الفداء كان لأجلها، وهي خطيئة أبينا آدم التي انتقلت في زعم النصارى إلى أبنائه بالوراثة، فجميع النصوص لا تعيِّن هذا الأمر ولا تحدده، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى المتأخرين، الذين حاولوا أن يرقعوا بها فساد القول بالفداء كفارة عن الخطايا.
ثالثاً: أن كلام النصارى في الخطيئة التي رفعها المسيح ﵇ بموته المزعوم على الصليب كلام مضطرب، ولا ينصون في كلامهم على الخطيئة التي كفرها المسيح في كل مقام.
رابعاً: أن المراد من كون المسيح كفارة للخطايا أحد أمرين:
أحدهما: تكفير خطايا الناس التي اقترفوها في الماضي، أو التي سيقترفونها في المستقبل، وكلاهما باطل.
أما الخطايا الماضية فلا تستحق هذا الفداء الإلهي في زعمهم، وقد كان يتم تكفيرها بالتوبة والقربان لدى اليهود قبلهم وكان كافيا.
أما الخطايا المستقبلة فلا يستطيع النصارى أن يزعموا أن صلب المسيح مكفر لها؛ لأن ذلك يعني إباحتها، وعدم ترتب العقوبة على ذنب من الذنوب مهما عظم، وفي هذا إبطال لدعوة المسيح ودعوة الحواريين وبولس إلى تنقية النفس من الآثام والخطايا، وفتح للإباحية والفجور والكفر. مع العلم أن تكفير الخطايا إذا أطلق لا يراد به سوى ما وقع فيه الإنسان من الآثام، وهي الخطايا الماضية؛ إذ التكفير من كفر، أي: ستر وغطَّى، ولا يكون ذلك إلا فيما وقع وحدث.
ثانيهما: ما ذكره كثير من النصارى- وهو تكفير خطيئة آدم ﵇ التي انتقلت إلى أبنائه- هو ادعاء باطل كما سبق بيانه، وسيأتي زيادة لبيان أوجه البطلان أيضا.
стр. 312
وحقيقة قولهم في الفداء هو: أنهم اخترعوا هذه الفرية، وادَّعوها بدون دليل من شرع أو عقل حتى يبرروا قضية الصلب التي اعتقدوها وآمنوا بها، ويرفعوا عن المسيح تلك السبة الشنيعة التي تلحقه بالصلب وهي اللعن، فادَّعوا أن الصلب هو الشرف الحقيقي، وهو الهدف الأسمى من رسالة المسيح، وأنه لولا الصلب ما جاء المسيح، فأخذوا يدندنون حول هذا الأمر، ويبحثون له عن الأوجه التي تجعله في حيز المقبول والمعقول.
إلا أن كلامهم في الحقيقة يزيد الأمر تعقيداً وإرباكا للقارئ والسامع، وإليك مقتطفات من كلام (ج. ر. و. ستوت) في كتابه (المسيحية الأصيلة) في الموضوع حيث افتتح الكلام عن معنى الصليب بقوله: (ولكن لا أجسر أن أتناول الموضوع (يعني معنى الصلب) قبل أن أعترف بصراحة بأن الكثير منه سوف يبقى سرًّا خفيًّا؛ ذلكم لأن الصليب هو المحور الذي تدور حوله أحداث التاريخ! وياللعجب كيف أن عقولنا الضعيفة لا تدركه تماماً، ولابد أن يأتي اليوم الذي فيه ينقشع الحجاب، وتحل كل الألغاز، ونرى المسيح كما هو ... ).
ثم يقول في آخر الكلام بعد فلسفة مطولة استغرفت عشر صفحات: (ومن المدهش أن هذه القصة الخاصة بيسوع ابن الله الذي حمل خطايانا ليست محبوبة في عصرنا الحاضر، ويقال عن حمله خطايانا ورفعه قصاصها عنا: إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء ... ثم قال:
وفوق الكل يجب أن لا ننسى (أن الكل من الله) نتيجة رحمته ونعمته المتفاضلة، فلم يفرض على المسيح قصاصاً لم يكن هو نفسه مستعدًّا له، فإن الله (كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه) فكيف يمكن أن يكون الله في المسيح بينما جعل المسيح خطية لأجلنا؟ هذا ما لا أستطيع أن أجيب عنه. ولكن الرسول عينه يضع هاتين الحقيقتين جنبا إلى جنب، وأنا أقبل الفكرة تماماً، كما قبلت أن يسوع الناصري هو إنسان وإله في شخص واحد. وان كانت تبدو ظاهريا على شيء من التناقض، لكني أراه في عمله كما أراه في شخصه، وإن كنا لا نستطيع أن نحل هذا التناقض، أو نفك رموز هذا السر، فينبغي أن نقبل الحق كما أعلنه المسيح وتلاميذه، بأنه احتمل خطايانا، بمعنى أنه احتمل قصاص الخطية عنا كما تعلمنا الكتب).
وإننا لنعجب غاية العجب من هذا الاعتراف بعدم معقولية هذه العقيدة ثم الإصرار عليها، فهذا غاية الضلال والانحراف، وكان الأولى بهم إذ لم يعقلوا هذه المسائل أن يبحثوا في مصادرها حتى يظهر لهم الحق، فان تلك المصادر أساس الانحراف والضلال الذي يوجد لدى النصارى، سواء في ذلك الأناجيل أو الرسائل الملحقة بها، ولكن يزول عجبنا إذا علمنا أن ما عليه النصارى من انحراف وضلال إنما هو صيغة محسنة من الوثنيات السابقة، فرأى النصارى أنها شيء جميل بالنسبة لما كانوا عليه من الوثنيات، وما عرفوا الإسلام وما فيه من الحق والجمال والانسجام والوضوح الذي يبعث في النفس الطمأنينة والراحة، لما هي عليه من عقيدة، ولو أن النصارى وأهل الكتاب عموماً أصغوا إلى الدعوة الربانية الواردة في القرآن الكريم لزالت وانكشفت عنهم من الحيرة التي ولجوا فيها ولم يستطيعوا الخروج منها، ومن ذلك آيتان كريمتان فيهما شفاء لما هم فيه، أما الآية الأولى فقوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:١٥ - ١٦].
أما الآية الثانية: فقوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧].
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٣٢٠
стр. 313
المطلب الثالث: بيان بطلان دعوى النصارى في الصلب والفداء:
إن دعوى الصلب والفداء مناقضة في الحقيقة للشرع والعقل، فمما يبين ذلك ويدل على بطلان دعواهم- إضافة لما سبق- أن يقال لهم:
١ - إن آدم ﵇ الذي يزعمون أن الصلب والفداء كان لأجل خطيئته قد تاب من خطيئته بقوله : ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:١٢٢]. وقد قبل الله توبته. كما أنه عوقب ﵇ بإخراجه من الجنة وتأثر أبناؤه بالعقوبة، وإن لم يكونوا مقصودين بها.
كما أورد اليهود في كتابهم أن الله قال لآدم: (لأنك يوم تأكل من الشجرة موتا تموت) سفر التكوين (٢/ ١٧). وقد وقع هذا لآدم بعد الأكل من الشجرة بإخراجه وزوجته من الجنة إلى الأرض ثم موتهم فيها، فقد عوقبا بذلك، كما ينص اليهود على إخراجهما من الجنة إلى الأرض التي فيها الكد والتعب. فمن أين أتى النصارى بفرية خطيئة آدم، وأحيوها هذا الإحياء، وألبسوها هذا اللبوس؟!!!
٢ - إن ما وقع من آدم ﵇ هو أكله من الشجرة بإغواء الشيطان له، وهذا ذنب منه في حقِّ الله الذي نهاه عن الأكل منها، فالذنب بهذا لم يكن يلزم للتكفير عنه أن ينزل الرب جل وعلا ليصلب على الصليب، بعد أن يُهان ويُذل من أجل أن يرضي نفسه، بل الأمر يكفي فيه قبول التوبة ومغفرة الذنب فقط، وهذا الذي وقع كما نص على ذلك القرآن الكريم.
٣ - أن ما وقع من آدم ﵇ يعتبر يسيرا بالنسبة لما فعله كثير من أبنائه من سب الله والاستهزاء به، وعبادة غيره جلَّ وعلا، والإفساد في الأرض بالقتل، ونشر الفساد والفتن، وقتل أنبيائه ومحاربة أوليائه إلى غير ذلك، فهذه أعظم بكثير من خطيئة آدم ﵇. فعلى كلام النصارى أن الله لابد أن ينزل كل وقت ليصلب حتى يجمع بين عدله ورحمته في زعمهم.
٤ - إن صلب المسيح الذي هو الله في زعمهم- تعالى الله عن قولهم- قد تمَّ بلا فائدة تذكر، فإن خطيئة آدم ليست على بال بنيه ولا تقض مضاجعهم إنما ما يقلق الإنسان ويخيفه ذنوبه وجرائمه، وهذه لا تدخل في كفارة المسيح في زعمهم.
٥ - إن الأنبياء السابقين ليس فيهم من ذكر خطيئة آدم، وسأل الله أن يغفرها له، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى.
٦ - إن الأنبياء السابقين والدعاة والصالحين قبل المسيح بناء على كلامهم هذا, كانوا يدعون إلى ضلالة، وقد أخطؤوا الطريق إذ لم يرشدوا الناس إلى حقيقة تلك الخطيئة، ويوعوهم بخطورتها، كما يفهمها النصارى.
٧ - إن الأنبياء السابقين وعباد الله الصالحين كلهم هالكون إذ لم تكفر عنهم تلك الخطيئة؛ لأنه لا يتم تكفيرها إلا عن طريق المسيح المصلوب في زعم النصارى.
٨ - إن بين آدم وعيسى ﵉ زمناً طويلاً، فمعنى ذلك أن الله بقي متحيراً كل هذه المدة إلى أن اهتدى إلى الوسيلة التي يعقد المصالحة فيها بين الناس ونفسه.
٩ - إن الخطيئة وقعت من آدم ﵇ فلا تنتقل إلى أبنائه، ولا يستحقون هم العقوبة عليها؛ لأنه لا أحد يعاقب بذنب غيره، بل هذا ينافي قواعد العدل، وقد نصَّ الله على هذا في القرآن الكريم بقوله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:٣٨]. وكذلك ورد في التوراة (لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل). سفر التثنية (٢٤/ ١٦).
١٠ - هل من العدل أن يعاقب غير المذنب؟ والمسيح في زعم النصارى ابن الله، فهو ليس من جنس بني آدم، فكيف يعاقب بدلاً عن آدم وذريته ودعواهم أنه تقمص الجسد البشري لا يزيل هذه الحقيقة؛ لأنه ليس من جنس البشر حسب كلامهم.
стр. 314
١١ - أن المسيح في زعم النصارى ابن الله، فأين الرحمة التي جعلت الله في زعمهم يشفق على عبيده وخلقه، ويترك ابنه للعذاب والبلاء والإهانة واللعن والموتة الشنيعة؟!
١٢ - في زعم النصارى أن المسيح هو ابن الله وهو الله، وأن المصلوب المهان الملعون- تعالى الله عن قولهم، وتقدَّس- هو الله ﷻ وتقدست أسماؤه، فهل يوجد كفر أعظم من هذا، وافتراء على الله أكبر من هذا؟ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:١٣٩].
١٣ - هل يليق أو يعقل أن ينزل الله ﷻ وتقدست أسماؤه من عليائه وعرشه، ويسمح لأبغض أعدائه إليه اليهود قتلة الأنبياء، والرومان الوثنين أن يهينوه ويعذبوه ويصلبوه؟ ثم هو يفعل هذا؟ لماذا؟ لأجل أن يرضي نفسه؟ لأجل من؟ من أجل عبيده؟
هذا مما لا يمكن أن يقال ويقبل بحال من الأحوال، بل يجب أن يستعاذ بالله من الشيطان الرجيم عند مرور مثل هذا الخاطر والوسواس، ويقال: سبحانك هذا بهتان عظيم!
١٤ - حسب عقيدة الفداء لدى النصارى يكون أعظم الناس برًّا وفضلاً على النصارى والبشرية عموماً اليهود والرومان والواشي بالمسيح؛ لأنهم الذين تحقق على أيديهم في زعم النصارى الهدف الأسمى الذي جاء من أجله المسيح، وهو الموت على الصليب.
١٥ - إن جميع تحركات المسيح ودعوته وفق اعتقاد النصارى في الصلب والفداء لم تكن إلا تمثيلاً أحسن المسيح أداء الدور فيه، مما جعل اليهود يغضبون عليه، فيعلقونه على الصليب.
١٦ - بناء على دعوى النصارى في أن المسيح فدى البشر بدمه، فمعنى ذلك أنه لا حاجة إلى الإيمان به واعتقاد صلبه وألوهيته وما إلى ذلك؛ لأن الخطيئة قد ارتفعت عن جميع البشر ببذله نفسه، مثل من كان عليه دين فجاء أحد من الناس فقضى ذلك الدين عنه، فالمطالبة تسقط عنه بمجرد القضاء، وهذا ما لا يقول به النصارى مخالفين في ذلك دليل العقل.
١٧ - إن دعوى النصارى بأن الصلب وقع على الجسد البشري الذي حمل الخطيئة، وأن هذا الجسد مات. دعوى تنقضها وتبطلها قصة قيامة المسيح عندهم، فلو كان تجسد لأجل تحمل الخطيئة، فالواجب أن يفني ذلك الجسد بعد حلول العقوبة عليه.
١٨ - إن دعوى أن المسيح قام من قبره ولمسوه وتأكدوا منه، ثم ارتفع إلى السماء تنقض دعوى أنه ابن الله وأنه تجسد بالصورة البشرية؛ لأن الدور الذي تجسد من أجله قد أدَّاه وانتهى، ثم إن الجسد البشري لا حاجة إليه حيث يذهب المسيح في زعمهم عن يمين أبيه، وهذا من أوضح القضايا لو كانوا يعقلون.
بعد هذا كله من حق الإنسان أن يتساءل: هل النصارى على درجة كبيرة من الذكاء والخبث الشيطاني الذي جعلهم يُغلِّفون بغضهم لله ، وبغضهم للمسيح ﵇ بهذه الدعاوى الكاذبة التي يظهرونها، ويُصرون على التمسك بها بدون أدنى دليل عقلي أو شرعي، زاعمين أنهم يعبرون بذلك عن شدة حبهم لله وشدة حبهم للمسيح أيضاً؟!
أم أنهم على درجة شديدة من الغباء والحمق الغالي الذي جعلهم لا يميزون بين ما هو ثناء وحب حقيقي، وبين ما هو طعن وسخرية وبغض وأحقاد تنفث على الله وعلى نبيه المسيح ﵇؟
وصدق الله القائل: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:٨].
وفي ختام الكلام على هذه العقيدة الباطلة لابد من الإشارة إلى أن الديانة النصرانية كلها تقوم على مسألة الصلب، وأن الدعوة إلى النصرانية تقوم عليها، إذ ليس في النصرانية أي عامل جذب يمكن أن يجذب الناس إليها، وليس فيها ما يمكن أن يتحدث فيه، ويقدم للناس سوى هذه القضية التي يركزون عليها تركيزاً شديداً، وهي مسألة: الصلب والفداء، وذلك بإيحائهم للناس أنهم هالكون مردودة عليهم أعمالهم مغضوب عليهم منذ ولادتهم وقبل أن يولدوا، مما يجعل الإنسان الجاهل بحقيقة الأمر يحس بثقل عظيم على كاهله من تلك الرزية والخطيئة التي لم يكن له دور فيها، ثم إنهم بعد أن يوقعوا الإنسان فريسة الشعور بالذنب والخطيئة، وتأنيب الضمير، والخوف من الهلكة، يفتحون له باب الرجاء بالمسيح المصلوب، فيزينون له ذلك العمل العظيم الذي قام به المسيح لأجل الناس، ويدعونه إلى الإيمان به، فإذا كان ممن لم يتنور عقله بنور الهداية الربانية ونور الإسلام يجد أن هذه هي الفرصة العظيمة التي يتخلص بها، وما علم المسكين أن الأمر كله دعوى كاذبة وخطة خبيثة للإيقاع به وأمثاله.
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٣٢٧
стр. 315
المبحث الخامس: أهم الأفكار والمعتقدات الأخرى:
يمكن إجمال أفكار معتقدات النصرانية بشكل عام فيما يلي، علماً بأنه سيفصل فيما بينهم من خلاف في المباحث التالية: الألوهية والتثليث: مع أن النصرانية في جوهرها تُعنى بالتهذيب الوجداني، وشريعتها هي شريعة موسى ﵇، وأصل اعتقادها هو دين الإسلام حيث يقول النبي ﷺ : ((الأنبياء إخوة لعَلَّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد)) (١) لكنه بعد ضياع الإنجيل وظهور العشرات من الأناجيل والمجامع والدعاوى المنحرفة استقرت أصول عقائد النصرانية على ما يلي:
- الإله: الإيمان بالله الواحد، الأب مالك كل شيء، وصانع ما يرى وما لا يرى. هكذا في قانون إيمانهم، وواضحٌ تأثُّرهم بألفاظ الفلاسفة في قولهم: صانع ما يرى. والأولى قولهم: خالق ما يرى وما لا يرى. حيث بينهما فرق كبير؛ فالصانع يخلق على أساس مثال سابق، بينما الخالق على العكس من ذلك.
- المسيح: إن ابنه الوحيد يسوع المسيح بكر الخلائق، ولد من أبيه قبل العوالم، وليس بمصنوع (تعالى الله عن كفرهم علوًّا كبيراً)، ومنهم من يعتقد أنه هو الله نفسه- عن إفكهم- وقد أشار القرآن الكريم إلى كلا المذهبين، وبيَّن فسادهما، وكفَّر معتقدهما؛ يقول تعالى: وقَالت اليهودُ عُزيرٌ ابنُ الله وقَالت النصارى المسيحُ ابن الله [التوبة: ٣٠]. وقال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيحُ ابنُ مَريم [المائدة: ٧٢].
ـ روح القدس: إن روح القدس الذي حلَّ في مريم لدى البشارة، وعلى المسيح في العماد على صورة حمامة، وعلى الرسل من بعد صعود المسيح، الذي لا يزال موجوداً، وينزل على الآباء والقديسين بالكنيسة يرشدهم ويعلمهم، ويحل عليهم المواهب، ليس إلا روح الله وحياته، إله حق من إله حق.
- الأقانيم: ولذلك يؤمنون بالأقانيم الثلاثة: الآب، الابن، الروح القدس، بما يُسمونه في زعمهم وحدانية في تثليث، وتثليث في وحدانية. وذلك زعمٌ باطل صعُب عليهم فهمه، ولذلك اختلفوا فيه اختلافاً متبايناً، وكفرت كل فرقة من فرقهم الأخرى بسببه، وقد حكم الله تعالى بكفرهم جميعاً إن لم ينتهوا عما يقولون، قال تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٧٣].
- الصلب والفداء: المسيح في نظرهم مات مصلوباً فداءً عن الخليقة؛ لشدة حب الله للبشر ولعدالته، فهو وحيد الله - تعالى الله عن كفرهم- الذي أرسله ليخلص العالم من إثم خطيئة أبيهم آدم وخطاياهم، وأنه دفن بعد صلبه، وقام بعد ثلاثة أيام متغلباً على الموت ليرتفع إلى السماء.
- قال تعالى مبيناً حقيقة ما حدث وزيف ما ادعوه: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٥٧، ١٥٨].
- الدينونة والحساب: يعتقدون بأن الحساب في الآخرة سيكون موكولاً للمسيح عيسى بن مريم الجالس- في زعمهم- على يمين الرب في السماء؛ لأن فيه من جنس البشر مما يعينه على محاسبة الناس على أعمالهم.
стр. 316
- الصليب: يعتبر الصليب شعاراً لهم، وهو موضع تقديس الأكثرين، وحملُه علامة على أنهم من أتباع المسيح، ولا يخفى ما في ذلك من خفة عقولهم وسفاهة رأيهم، فمن الأولى لهم أن يكرهوا الصليب ويحقروه؛ لأنه كان أحد الأدوات التي صلب عليه إلههم وسبب آلامه. وعلى حسب منطقهم فكان الأولى بهم أن يعظموا قبره الذي زعموا أنه دفن فيه، ولا مس جسده تربته فترة أطول مما لامس الصليب.
مريم البتول: يعتقد النصارى على ما أضيف في قانون الإيمان أن مريم ابنة عمران والدة المسيح ﵇، هي والدة الإله، ولذا يتوجَّه البعض منهم إليها بالعبادة.
- الدين: يؤمن النصارى بأن النصرانية دين عالمي غير مختص ببني إسرائيل وحدهم، ولا يخلو اعتقادهم هذا أيضاً من مخالفة لقول المسيح المذكور في (إنجيل متى)، الإصحاح (١٠:٥، ٦): (إلى طرق الأمم لا تتجهوا، ومدن السامريين لا تدخلوا، بل انطلقوا بالحري إلى الخراف الضالة من آل بني إسرائيل).
- الكتاب المقدس: يؤمن النصارى بقدسية الكتاب المشتمل على:
العهد القديم: والذي يحتوي التوراة - الناموس - وأسفار الأنبياء التي تحمل تواريخ بني إسرائيل وجيرانهم، بالإضافة إلى بعض الوصايا والإرشادات.
العهد الجديد: والذي يشمل الأناجيل الأربعة: (متَّى، مرقس، لوقا، يوحنا) فقط، والرسائل المنسوبة للرسل، على أن ما في العهد الجديد يلغي ما في العهد القديم؛ لأنه في اعتقادهم كلمة الله، وذلك على خلاف بين طوائفهم في الاعتقاد في عدد الأسفار والرسائل، بل وفي صحة التوراة نفسها.
- المجامع (التقليد): يؤمن النصارى بكل ما صدر عن المجامع المسكونية من أمور تشريعية، سواء في العقيدة أو في الأحكام، وذلك على خلاف بينهم في عددها.
- الختان: يؤمن النصارى بعدم الختان للأطفال على عكس شريعة التوراة.
المصدر: الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 317
المطلب الأول: الخطيئة والخلاص:
تزعم النصرانية أن آدم لما وقع في خطيئة الأكل من الشجرة احتاج الجنس البشري إلى التكفير، وإلى مخلِّص ينقذهم منها، وأن الله رحم بني آدم فنزل ابنه الوحيد ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا ـ لكي يصلب ويقتل تكفيرا عن تلك الخطيئة، ومن هنا وجب على كل البشر الإيمان بالمسيح ابناً لله، ومخلصا للبشر، ومكفرا عن خطيئتهم، ولهذا يقدس النصارى الصليب، ويجعلونه شعارهم الدائم.
стр. 318
المطلب الثاني: التثليث:
يتفق النصارى جميعا على أن الله ثلاثة، ويسمونها (ثلاثة أقانيم) وهي: الآب، والابن، وروح القدس، ثم يقولون: إن الثلاثة واحد.
ولكنهم يختلفون في معنى الأقنوم، وفي طبيعة كل أقنوم وخصائصه اختلافا كبيرا، وما يزالون على مدار ألفي سنة يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا بسبب ذلك.
ويشهد التاريخ الأوروبي أن ضحايا هذه الاختلافات فيما بينهم تفوق من قتل منهم على أيدي المسلمين واليهود والمجوس أضعافا كثيرة.
والعجيب أن من أسباب هذا الاختلاف عدم تصور حقيقة التثليث حتى اعتقد بعض علمائهم أنه لا يمكن معرفته إلا يوم القيامة عندما تتجلى الحقائق.
стр. 319
المطلب الثالث: التوسط والتحليل والتحريم:
تؤمن المسيحية المحرفة بالتوسط بين الله والخلق في العبادة، وهذا التوسط هو مهمة رجال الدين، فعن طريقهم يتم دخول الإنسان في الدين واعترافه بالذنب وتقديم صلاته وقرابينه، وقد أدَّى هذا إلى أن يتحوَّل رجال الدين إلى طواغيت يستعبدون الناس، ويحللون لهم ويحرمون من دون الله، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١].وقد فسَّر الرسول ﷺ عبادتهم بأنها طاعتهم في التحليل والتحريم، كما في حديث عدي بن حاتم (١)، وما يزال النصارى إلى اليوم إذا رأوا أن المصلحة تقتضي تحريم شيء أو تحليله يطلبون ذلك من (البابا) ورجال الدين، فتصدر القرارات التي قد تخالف نصوص الإنجيل.
وقد أدَّى هذا المبدأ إلى نتائج سيئة؛ منها: إصدار صكوك الغفران، واحتكار رجال الدين القراءة والكتابة قرونا طويلة.
٤ـ الإيمان بالكتب المقدسة عندهم (العهد القديم والعهد الجديد) وهي التوراة والرسائل.
المصدر: أصول الفرق والأديان والمذاهب لسفر الحوالي – ص ٩٥
стр. 320
المبحث السابع: دعوى محاسبة المسيح الناس:
يزعم النصارى أن المسيح ﵇ سوف يتولَّى يوم القيامة محاسبة الناس وإدانتهم، ولهم على ذلك نصوص من إنجيل يوحنا وغيره. ومن ذلك ما ورد في (إنجيل يوحنا) (٥/ ٢٦): (كما أن الأب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً؛ لأنه ابن الإنسان).
وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (٥/ ١٠): (لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح؛ لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً). وثبوت هذه العقيدة فرع عن ثبوت أصلها، وهي الأناجيل أو الرسائل، أما الأناجيل فقد سبق الحديث عنها، و (إنجيل يوحنا) أقلها نصيباً من الصحة. أما كلام بولس في رسائله فإنه غير مقبول؛ لأنه كما سيتبين يهودي متعصب، وهو أول من انحرف بالديانة النصرانية عن وجهها إلى الشرك ودعوى ألوهية المسيح إلى غير ذلك من الضلالات. وما نعتقده في ذلك أن الله هو الذي يتولَّى حساب الناس يوم القيامة، ويكون الرسل شهوداً على أقوامهم.
المصدر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص ٣٣٣