٥ - السواك ولو كان مبلولا ً بالماء؛ لأنه سنة.
٦ - المضمضة والاستنشاق، ولو فعلهما لغير الوضوء، لكن لا يبالغ فيهما لئلا يدخل شيء إلى الجوف.
٧ - الاغتسال أو السباحة، أو التلفف بثوب مبتل، للتبرد لدفع الحر، وإدخال عود إلى الأذن.
٨ - الاغتياب، ونية الفطر، ولم يفطر.
٩ - دخول الدخان، أوالغبار ولو غبار الطاحون، أو الذباب، أوأثر طعم الأدوية إلى الحلق، بلا صنع الصائم أي رغماً عنه وهو ذاكر الصوم؛ لأنه لا يمكن الاحتراز أو الامتناع عنها.
لكن لو تبخر ببخور، فآواه إلى نفسه، واشتم دخانه، ذاكراً لصومه، أفطر، لإمكان التحرز عنه. ولا يتوهم أنه كشم الورد ومائه، والمسك، لوجود الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله.
١٠ - خلع الضرس، ما لم يبتلع شيئاً من الدم أو الدواء، فيفطر.
١١ - صب ماء أو دهن أو حقنة في الإحليل (مجرى البول في قبل الرجل)، أو دخول ماء في الأذن بسبب خوض نهر، أو إدخال العود في الأذن وإخراج درن الصماخ؛ لأن الإحليل ليس بمنفذ مفتوح، ودخول الماء في الأذن للضرورة، ولعدم وصول المفطر إلى الدماغ بإدخال العود للأذن، والأولى ترك ذلك كله.
١٢ - ابتلاع النخامة، واشتنشاق المخاط عمداً وابتلاعه، لنزوله من الدماغ، لكن الأولى رميه لقذارته، وخروجاً من خلاف من أفسد الصوم بابتلاعه.
стр. 1647
١٣ - القيء قسراً عنه، أو عودته قهراً ولو كان ملء الفم، في الصحيح، والاستقاءة عمداً بما هو أقل من ملء الفم على الصحيح، لكن لو أعاد ما قاء أو قدر حمصة
منه، وكان أصل القيء ملء الفم، أفطر باتفاق الحنفية ولا كفارة، على المختار، وإن عاد قسراً، لم يفطر، سواء أكان القيء العائد قليلاً أم كثيراً (١).
والخلاصة: أن القيء عامداً ملء الفم أو إعادة القيء مفطر يوجب القضاء فقط دون الكفارة، أما القيء قهراً أو عودة القيء بنفسه أو القيء أقل من ملء الفم فلا يفطر.
١٤ - أكل ما بين الأسنان، وكان دون الحمصة، لأنه تبع لريقة. أو مضغ مثل سمسمة من خارج فمه، حتى تلاشت ولم يجد لها طعماً في حلقه، لعدم ابتلاع شيء.
١٥ - إذاأصبح جنباً، ولو استمر يوماً بالجنابة؛ لأن الجنابة لا تؤثر في صحة الصوم للزومها الصوم للضرورة، كما تقدم سابقاً، وإن كان الغسل فرضاً للصلاة، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥] ولأنه من آداب الإسلام، لقوله ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب» (٢).
١٦ - الحُقَن في العضل أو تحت الجلد أو في الوريد، والأولى عند الإمكان تأخيرها إلى المساء، أما الحقن الشرجية فتفطر.
١٧ - شم الروائح العطرية كالورد أو الزهر والمسك أو الطيب.
стр. 1648
المالكية (١): ما يفسد الصيام نوعان: أحدهما - يوجب القضاء فقط، والثاني - يوجب القضاء والكفارة.
الأول - ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط: هو ما يأتي:
١ - الإفطار متعمداً في صيام فرض غير رمضان، كقضاء رمضان، والكفارات والنذر غير المعين، وصوم المتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي.
أما النذر المعين، كما لو نذر صوم يوم معين، أو أيام معينة، أو شهر معين، فإن أفطر فيه لعذر مانع من صحته كحيض ونفاس وإغماء وجنون، أو لعذر مانع من أدائه كمرض واقع، أو شدة ضرر أو زيادته أو تأخر برئه، فلا يقضى لفوات وقته، وإن زال عذره وبقي منه شيء، وجب صومه.
٢ - الإفطار متعمداً في صيام فرض رمضان إذا لم تتوافر شروط الكفارة، كالإفطار لعذر مبيح كالمرض والسفر، أو لعذر يرفع الإثم كالنسيان والخطأ والإكراه، والإفطار بسبب خروج المذي، أو خروج المني بنظر أو فكر مع لذة معتادة بلا استدامة نظر وكانت عادته الإنزال عند الاستراحة. وفي الجملة: كل فرض أفطر فيه يجب عليه قضاؤه إلا النذر المعين لعذر.
٣ - الإفطار متعمداً في صوم التطوع؛ لأن الشروع في النفل ملزم عندهم، كما تقدم. فإن أفطر فيه ناسياً أو بعذر مبيح، فلا قضاء عليه.
والخلاصة: إن من أفطر عامداً في جميع أنواع الصيام، فعليه القضاء، ولا يكفِّر إلا في رمضان، ومن أفطر في جميعها ناسياً، فعليه القضاء دون الكفارة، إلا في التطوع فلا قضاء ولا كفارة.
стр. 1649
أما المفطرات فهي خمسة:
١ - الجماع الذي يوجب الغسل.
٢ - إخراج المني أو المذي بالتقبيل أو المباشرة أو النظر أو الفكر المستديمين.
٣ - الاستقاءة (تعمد القيء) سواء ملأ الفم أم لا، بخلاف ما إذا غلبه القيء إلا إذا رجع شيء منه ولو غلبة، فيفسد صومه.
٤ - وصول مائع إلى الحلق من فم أو أنف أو أذن، عمداً أو سهواً أو خطأ أو غلبة كماء المضمضة أو السواك، وفي حكم المائع: البخور وبخار القِدْر إذا استنشقهما، فوصلا إلى حلقه، والدخان المعروف، والاكتحال نهاراً ودهن الشعر نهاراً إذا وجد طعمهما في الحلق، فإن تحقق عدم وصول الكحل والدهن للحلق فلاشيء عليه، كأن حدث ذلك ليلاً.
٥ - وصول أي شيء إلى المعدة، سواء أكان مائعاً أم غيره من فم أو أنف أو أذن أو عين أو مسام رأس، إذا كان وصوله عمداً أو خطأ أوسهواً أو غلبة. أما الحقنة في الإحليل (وهو ثقبة الذكر) فلا تفسد الصوم، وكذا نبش الأذن بنحو عود لا شيء فيه، ولا يضر ابتلاع ما بين الأسنان من طعام ولو عمداً فلا يفطر.
وهكذا: كل ما وصل للمعدة من منفذ عال سواء أكان مائعاً أم غير مائع موجب للقضاء، سواء أكان ذلك المنفذ واسعاً أم ضيقاً، بخلاف ما يصل للمعدة من منفذ سافل، فإنه يشترط كونه واسعاً كالدبر وقبل المرأة والثقبة. لا كإحليل رجل وجائفة: وهي الخرق الصغير جداً الواصل للبطن، وصل للمعدة أو لا، ويشترط كونه مائعاً لا جامداً، فوصول المائع للمعدة مفسد مطلقاً، سواء أكان المنفذ عالياً أم من الأسفل، ووصول الجامد لها لا يفسد إلا إذا كان المنفذ عالياً.
стр. 1650
ويجب القضاء على من أفطر في صوم الفرض مطلقاً، أي سواء حدث الفطر عمداً أو سهواً أوغلبة أو إكراهاً، وسواء أكان الفطر حراماً أم جائزاً أم واجباً كمن أفطر خوف هلاك، وسواء وجبت الكفارة أم لا، أو كان الفرض أصلياً أم نذراً.
الثاني - ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معاً بالفطر في رمضان فقط دون غيره: هو ما يأتي:
١ - الجماع عمداً: أي إدخال الحشفة في فرج مطيق ولو بهيمة، وإن لم ينزل المني، إذا انتهك حرمة رمضان بأن كان غير مبال بها بأن تعمدها اختياراً بلا تأويل قريب، احترازاً من الناسي والجاهل والمتأول، وذلك سواء أتى زوجته أو أجنبية، فإن طاوعته المرأة فعليه الكفارة وعليها، وإن وطئها نائمة أو مكرهة كفر عنه وعنها، وإن جامع ناسياً أو مكرهاً أو متأولاً، فلا كفارة عليه.
٢ - إخراج المني أو المذي يقظة مع لذة معتادة بتقبيل أو مباشرة فيما دون الفرج، أو بنظر أو تفكر عند الاستدامة أو كانت عادته الإنزال عند الاستدامة، أو كانت عادته الإمناء بمجرد النظر، فمن قبَّل فأمنى فقد أفطر اتفاقاً، وإن أمذى فيفطر عند مالك وأحمد دون غيرهما.
ولا كفارة على الراجح إذا أمنى بتعمد النظر أو الفكر، ولم تكن عادته الإنزال بهما، أو أمنى بمجرد الفكر أو النظر من غير استدامة لهما (١).
٣ - الأكل والشر ب عمداً، ومثلهما بلع كل ما يصل إلى الحلق من الفم خاصة، ولو لم يغذ كنحو حصاة وصلت الجوف، وتعمد القيء وابتلاع شيء منه
стр. 1651
ولو غلبة، وتعمد الاستياك بجوزاء (١) نهاراً وابتلاعه ولوغلبة، وذلك قياساً على الجماع والإنزال، لانتهاك حرمة شهر رمضان. ولا تجب الكفارة بالإفطار ناسياً، ولا بما يصل إلى الجوف من غير الفم كالأنف والأذن؛ لأن الكفارة معللة بالانتهاك الذي هو أخص من العمد.
٤ - تجب الكفارة بالإصباح بنية الفطر، ولو نوى الصيام بعده على الأصح، وبفرض النية أي رفعها نهاراً على الأصح.
٥ - تعمد الفطر لغير عذر، ثم مرض أو سافر، أو حاضت المرأة، فتجب الكفارة على المشهور.
ولا تجب الكفارة إلا بالشروط السبعة الآتية المفهومة مما سبق بيانه وهي:
أولاً - أن يكون الفطر في أداء رمضان، فلا تجب الكفارة في غيره، كقضاء رمضان وصوم منذور، وصوم كفارة أو نفل.
ثانياً - أن يتعمد الفطر: فلا كفارة على ناس، أو مخطئ، أو معذور بعذر كمرض أو سفر.
ثالثاً - أن يكون مختاراً: فلا كفارة على مستكره، أو مفطر غلبة.
رابعاً - أن يكون عالماً بحرمة الفطر، فلا كفارة على جاهلها، كحديث عهد بالإسلام، ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع، فجامع، فلا كفارة عليه. ولا كفارة على من جهل حلول رمضان، كمن أفطر يوم الشك قبل ثبوت الهلال.
خامساً - أن ينتهك حرمة شهر رمضان أي لا يبالي بها: فلا كفارة على متأول
стр. 1652
تأويلاً قريباً: وهو المستند في فطره لأمر موجود، مثل أن يفطر ناسياً أو مكرهاً، ثم أكل أو شرب عمداً، ظاناً عدم وجوب الإمساك عليه، فلا كفارة عليه لاستناده لأمر موجود سابقاً وهوالفطر نسياناً أو بإكراه. ومثل من أفطر بسبب سفر أقل من مسافة القصر، ظاناً أن الفطر مباح له، لظاهر قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢ - ١٨٥] ونحو من تعمد الفطر يوم الثلاثين من رمضان منتهكاً للحرمة، ثم تبين أنه يوم العيد، وكذلك الحائض تفطر متعمدة، ثم تعلم أنها حاضت قبل فطرها، فلا كفارة عليها على المعتمد.
أما المتأول تأويلاً بعيداً كمن اعتاد الحُمَّى أو الحيض في يوم معين، فبيت نية الفطر، ولم يحدث العارض، فعليه الكفارة. ومثله من اغتاب ظاناً بطلان صومه فأفطر متعمداً، فعليه الكفارة.
سادساً - أن يكون الواصل من الفم: فلو وصل شيء من الأذن أو العين فلا كفارة، وإن وجب القضاء، كما أبنت.
سابعاً - أن يكون الوصول للمعدة: فلو وصل شيء إلى حلق الصائم، ورده، فلا كفارة عليه.
ما لا يفسد الصوم:
لا يفسد الصوم بأحوال قد يتوهم فيها وهي:
١ - من غلبه القيء، ولم يرجع منه شيء لحلقه، أو غلبه الذباب أو البعوض، أوغبار الطريق، أو غبار الدقيق لصانعه وهو الطحان والناخل والمغربل والحامل ونحوه في أثناء مزاولة المهنة كحافر القبر وناقل التراب لغرض، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، ولضرورة الصنعة. أما غير الصانع فعليه القضاء.
стр. 1653
٢ - الحقنة في الإحليل أي ثقبة الذكر، ولو بمائع، لأنه لا يصل عادة للمعدة.
٣ - دهن الجائفة بالدواء: أي دهن الجرح في البطن أو الجنب الواصل للجوف، لأنه لا يصل لمحل الأكل والشرب، وإلا لمات من ساعته.
٤ - نزع المأكول أو المشروب أو الفرج عند طلوع الفجر، فإن ظن النازع إباحة الفطر، فأفطر، فلا كفارة عليه، لأن فطره بتأويل قريب.
٥ - من غلبه المني أو المذي بمجرد النظر أو الفكر أي غير المستديم.
٦ - من ابتلع ريقه، أو ما بين أسنانه من بقايا الطعام، إلا إذا كان كثيراً عرفاً.
٧ - المضمضة للعطش، والإصباح بالجنابة، والسواك في كل النهار لمقتض شرعي من وضوء وصلاة وقراءة وذكر الله تعالى.
٨ - الحجامة لا تفطر، ولكنها تكره.
الشافعية (١): ما يفسد الصوم نوعان: نوع يوجب القضاء فقط، ونوع يوجب القضاء والكفارة.
الأول - ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط:
يفسد الصوم ويجب القضاء فقط دون الكفارة بالأمور الآتية، ويجب الإمساك بقية النهار على من أفطر بغير عذر؛ لأنه أفطر بغير عذر.
١ - وصول شيء مادي (عين) إلى الجوف وإن قل كسمسمة، أو لم يؤكل
стр. 1654
عادة كحصاة أو تراب، من منفذ مفتوح كالفم والأنف والأذن والقُبُل (الإحليل) والدبر وجرح الدماغ، إذا كان عمداً؛ لأن الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف، وهذا ما أمسك، فمن أكل أو شرب ناسياً، أو مكرهاً، أو جاهلاً بأن ذلك مفطر بسبب قرب عهده بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، لم يفطر، سواء أكان المأكول قليلاً أم كثيراً، لعدم توافر العمد. وعدم الفطر بالإكراه هو الأظهر. ولو وصل جوفَه ذباب أو بعوضة، أو غبار الطريق، ولو تعمد فتح فمه حتى دخل التراب جوفه، أو غربلة الدقيق، أو وصول الأثر كوصول الريح بالشم إلى دماغه، لم يفطر، لعدم توافر القصد، ولما فيه من المشقة الشديدة، ولأنه معفو عن التراب في حال تعمد فتح الفم. لكن لو استخدم مريض الربو بخاخة الهواء عند ضيق النِّفَس، فإنه يفطر؛ لأن ما يعفى عن جنسه كالتراب والهواء مقصور على حالة الابتلاء العام، فإن كان الشيء خاصاً، كتعمد ابتلاع رائحة شواء لحم، فيفطر، لسهولة الاحتراز عنه. ومثل ذلك تناول حب تصلب الشرايين عند الإحساس بالضيق.
ولا يفطر ببلع ريقه الطاهر الخالص من معدنه (وهو الفم جميعه الذي فيه قراره ومنه ينبع) ولو بعد جمْعه ثم ابتلاعه في الأصح وإن أخرجه على لسانه لعسر الاحتراز عنه، ولأنه في حال جمعه لم يخرج عن معدنه، فهوكابتلاعه متفرقاً من معدنه. فإن خرج الريق عن فمه ثم رده وابتلعه؛ أو بلّ خيطاً بريقه، ورده إلى فمه، وعليه رطوبة تنفصل، وابتلعها؛ أو ابتلع ريقه مخلوطاً بغيره، أو متنجساً، أفطر في الحالات الثلاث، أما الأولى فلخروجه عن معدنه فصار كالأعيان الخارجة، وأما الثانية فلأنه لا ضرورة إليه، وأما الثالثة فلأنه أجنبي عن الريق.
وكذلك لا يفطر بابتلاع ما بقي من الطعام بين الأسنان من غير قصد إن عجز عن تمييزه ومجه، لأنه معذور فيه غير مقصر، فإن قدر على تمييزه ومجه وابتلعه
стр. 1655
ولو قليلاً دون الحمصة، فإنه يفطر، فيفطر بجري الريق بما بين الأسنان لقدرته على مجه، ويفطر - كما سيأتي - بالنخامة أيضاً وهي التي تنزل من الرأس أو الجوف، ووصلت إلى حد الظاهر من الفم، فأجراها هو. أما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها فلا يفطر للعذر، كما لا يفطر إذا لم تصل إلى حد الظاهر، كأن نزلت من دماغه إلى حلقه، وهي في حد الباطن، ثم إلى جوفه، وإن قدر على مجها، لأنها نزلت من جوف إلى جوف.
ويفطر بتناول الدخان المعروف ونحوه كالتمباك والنشوق، وبوصول شيء إلى باطن الدماغ، والبطن، والأمعاء، والمثانة، وبالحقنة في الإحليل (مخرج البول من الذكر، واللبن من الثدي)، وبالتقطيرفي باطن الأذن، وبإدخال عود ونحوه لباطن الأذن؛ لأن كل ذلك جوف، وقد وصل إليه من منفذ مفتوح.
ولا يضر وصول الدهن إلى الجوف بتسرب المسام (وهي ثقب البدن) ولا الاكتحال وإن وجد طعم الكحل في حلقه؛ لأن الواصل إليه ليس من منفذ وإنما من المسام، وقد روى البيهقي أنه ﷺ «كان يكتحل بالإثمد وهو صائم» فلا يكره الاكتحال للصائم.
٢ - ابتلاع النُّخامة: وهي ما ينزل من الرأس أو الجوف، أما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها، فلا يفطر، وإن تركها مع القدرة على لفظها، فوصلت الجوف، أفطر في الأصح لتقصيره، كما تقدم بيانه أيضاً.
٣ - سبق ماء المضمضة أوالاستنشاق المشروع إلى جوفه، في حال المبالغة في ذلك؛ لأن الصائم منهي عن المبالغة. فإن لم يبالغ فلا يفطر، لأنه تولد من مأمور به بغير اختياره.
وإن سبق الماء غير المشروع إلى جوفه، كما في حال التبرد، أو العبث، أو في
стр. 1656
المرة الرابعة من المضمضة أو الاستنشاق، أفطر؛ لأنه غير مأمور بذلك، بل منهي عنه في الرابعة.
٤ - الاستقاءة أي تعمد القيء، حتى لو تيقن على الصحيح أنه لم يرجع شيء إلى جوفه، لأن المفطر عينها، لظاهر خبر ابن حبان وغيره: «من ذرَعه القيء (١)، وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض» هذا إذا كان عالماً بالتحريم عامداً مختاراً لذلك، فإن كان جاهلاً لقرب عهده بالإسلام، أو نشأ بعيداً عن العلماء، أو ناسياً أو مكرهاً، فإنه لا يفطر.
٥ - الاستمناء (وهو إخراج المني بغير جماع، محرَّماً كأن أخرجه بيده، أو غير محرَّم كإخراجه بيد زوجته)، وخروج المني بلمس وقبلة ومضاجعة بلا حائل؛ لأنه إنزال بمباشرة.
ولا يفطر بإنزال المني بفكر (وهو إعمال الخاطر في الشيء)، أو نظر بشهوة، أو بضم امرأة بحائل بشهوة؛ إذ لا مباشرة، فأشبه الاحتلام، مع أنه يحرم تكريرها وإن لم ينزل.
٦ - أن يتبين الغلط بالأكل نهاراً بسبب طلوع الفجر، أو لعدم غروب الشمس، إذ لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه.
ويحل الإفطار آخر النهار بالاجتهاد بسبب قراءة ورد أو غيره كوقت الصلاة، والاحتياط ألا يأكل آخر النهار إلا بيقين، ويجوز الأكل آخر الليل إذا ظن بقاء الليل أوشك؛ لأن الأصل بقاء الليل. ولو طلع الفجر، وفي فمه طعام، فلفظه، صح صومه، وكذا يصح لو كان مجامعاً فنزع في الحال، فإن مكث بطل الصوم.
стр. 1657
٧ - يفطر بطروء الجنون والردة والحيض والنفاس، لمنافاة ذلك مع شروط صحة الصوم من العقل والإسلام والطهارة من الدماء الطارئة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في المرأة، وقد سئل عن نقصان دينها: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟».
الثاني - ما يوجب القضاء والكفارة والتعزير:
يجب القضاء والكفارة مع التعزير وإمساك بقية اليوم، بشيء واحد، وهو الجماع الذي يفسد صوم يوم من رمضان بشروط أربعة عشر وهي:
١ - أن يكون ناوياً للصوم ليلاً: فلو ترك النية لم يصح صومه، ويجب عليه الإمساك.
٢، ٣، ٤ - أن يكون متعمداً مختاراً، عالماً بالتحريم: فلا كفارة على ناس أو مكره، أو جاهل التحريم بسب قرب إسلامه.
٥ - أن يحدث الجماع في نهار رمضان: فلا كفارة على جماع مفسد غير رمضان من نفل أو نذر أو قضاء، أو كفارة، والجماع في نهار رمضان حرام لقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ … ﴿فالآن باشروهن﴾ - إلى قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة:١٨٧/ ٢].
٦ - أن يفسد الصوم بالجماع وحده: فإن أكل ثم جامع، لا كفارة عليه، ولا كفارة بغير الجماع كالأكل والشرب والاستمناء باليد، والمباشرة فيما دون الفرج المفضية إلى الإنزال.
стр. 1658
٧ - أن يكون آثماً بهذا الجماع: فلا كفارة على صبي، ولا على صائم مسافر أو مريض جامع بنية الترخص أو بغيرها في الأصح، لإباحة الفطر له، ولا على من زنى ناسياً للصوم؛ لأنه ناسٍ، ولا على مسافر أفطر بالزنا مترخصاً بالفطر؛ لأن الفطر جائز له.
٨ - أن يكون معتقداً صحة صومه: فلا كفارة على من جامع عامداً بعد الأكل ناسياً وظن أنه أفطر بالأكل، لأنه يعتقد أنه غير صائم، وإن كان الأصح بطلان صومه بهذا الجماع.
٩ - ألا يكون مخطئاً: فلا كفارة على من جامع ظاناً وقت الجماع بقاء الليل، أو دخول المغرب، فتبين أنه جامع نهاراً، لانتفاء الإثم.
١٠ - ألا يجن أو يموت بعد الوطء في أثناء النهار الذي جامع فيه قبل الغروب: فلا كفارة على من جن أو مات حينئذ لعدم الأهلية، فحدوث الجنون أو الموت يسقط الكفارة قطعاً، لأنه تبين بطروء ذلك أنه لم يكن في صوم، لمنافاته له، أي أن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقاً، فلم يجب بالوطء فيه كفارة، كصوم المسافر، أو كما لو قامت البينة أنه من شوال.
١١ - أن يكون الوطء منسوباً إليه: فلو عَلَتْه امرأة وأنزل بالإدخال، فلا كفارة عليه، إلا إن أغراها بذلك.
١٢ - أن يكون الجماع بإدخال الحشفة، أو قدرها من مقطوعها، فلا كفارة على من لم يتحقق منه الإيلاج بالقدر المذكور، ولكن يجب عليه الإمساك.
١٣ - أن يتم الجماع في فرج ولو دبراً، أو ميتة أو بهيمة: فلا كفارة على من وطئ في غير فرج. ووطء المرأة في الدبر، واللواط، كالوطء في الفرج.
стр. 1659
١٤ - أن يكون واطئاً لا موطوءاً: فلا كفارة على المفعول به مطلقاً وإنما الكفارة على الفاعل، وتلزم المرأة بالقضاء فقط.
وحدوث السفر أو المرض أو الإغماء أو الردة بعد الجماع لا يسقط الكفارة، لتحقق هتك حرمة الصوم قبل ذلك؛ لأن المرض والسفر لا ينافيان الصوم، فيتحقق هتك حرمته، وأما طروء الردة فلا يبيح الفطر.
ويجب قضاء اليوم الذي أفسده (يوم الإفساد) على الصحيح مع الكفارة.
وتتعدد الكفارة بتعدد الفساد، فمن جامع في يومين لزمه كفارتان؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فلا تتداخل كفارتاهما، كحجتين جامع فيهما، ولو جامع في جميع أيام رمضان لزمه كفارات بعددها.
وتلزم الكفارة من انفرد برؤية الهلال، وجامع في يومه.
ما لا يفسد الصوم عند الشافعية:
لا يفسد الصوم بوصول شيء إلى الجوف بنسيان أو إكراه أو جهل يعذر به شرعاً، ولا بما عجز عن مجه كالنخامة وما بين الأسنان من الطعام، ولا بما يشق الاحتراز عنه كغبار الطريق وغربلة الدقيق والذباب والبعوض.
ولا يفسد الصوم أيضاً بالفصدِ، إذ لا خلاف فيه، ولا بالحجامة؛ «لأنه ﷺ احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرِم» (١)، لكنها تكره إلا لحاجة.
ولا يفسد بالاكتحال ولكنه خلاف الأولى على الراجح، ولا بالتقبيل ولكنه
стр. 1660
يكره لمن حركت القبلة شهوته، ولا بالمعانقة والمباشرة، ولا بالإنزال بفكر ونظر بشهوة، ولا بمضغ العلك (اللبان غير المشوب بشيء) أو ذوق الطعام، ولكنهما يكرهان إلا لحاجة، ولا بالسواك، ولكنه يكره بعد الزوال إلا لسبب يقتضيه كأكل بصل نسياناً، ولا بالتمتع بالشهوات من المبصرات والمشمومات والمسموعات، ولكنه يكره.
الحنابلة (١): إفساد الصوم إما أن يوجب القضاء أو القضاء والكفارة.
الأول - ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط: هو مايأتي:
١ - دخول شيء مادي من منفذ إلى الجوف أو الدماغ عمداً واختياراً، مع تذكر الصوم، ولو جهل التحريم، سواء أكان مغذياً كالأكل والشرب أم غير مغذٍّ كالحصاة وابتلاع النخامة والسعوط (النشوق) والدواء أو الدهن الذي يصل إلى الحلق أو الدماغ، والحقنة في الدبر، وابتلاع الدخان قصداً، لأنه واصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل. فلا يفطر بوصول شيء غير قاصد الفعل، أو ناسياً أو نائماً أو مكرهاً، لحديث: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وحديث «من نسي وهو صائم … ».
٢ - الاكتحال بكحل يتحقق معه وصوله إلى الحلق؛ لأن النبي ﷺ «أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم» (٢)، ولأن العين منفذ، لكنه غير معتاد، كالواصل من الأنف. فإن لم يتحقق وصوله إلى حلقه، فلا فطر، لعدم تحقق ما ينافي الصوم.
стр. 1661
٣ - الاستقاءة أي استدعاء القيء عمداً، فقاء طعاماً أو مراراً، أو بلغماً أو دماً أوغيره، ولو قل، لحديث أبي هريرة المرفوع: «من ذَرَعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض» (١)
٤ - الحجامة: يفطر بها الحاجم والمحجوم إذا ظهر دم، وإلا لم يفطر، لحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢) وقالوا: إن حديث الجمهور القاضي بعدم الإفطار بالحجامة منسوخ بهذا الحديث، بدليل ما روى ابن عباس أنه قال: احتجم رسول الله ﷺ بالقاحة بقرن وناب، وهو محرم صائم، فوجد لذلك ضعفاً شديداً، فنهى رسول الله ﷺ أن يحجم الصائم (٣).
٥ - التقبيل والاستمناء واللمس والمباشرة دون الفرج فأمنى، أو أمذى، وتكرار النظر فأمنى لا إن أمذى، إذ فعل ذلك عامداً، وهو ذاكر لصومه: يوجب القضاء بلا كفارة إذا كان صوماً واجباً، لما روى أبو داود عن عمر: أنه قال: «هششت، فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، إني فعلت أمراً عظيماً، قبّلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فَمهْ» فشبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقدمات الفطر، فإن القبلة إذا كان معها نزول، أفطر وإلا فلا، فلا فطر بدون إنزال، لقول عائشة: «كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٤).
والإفطار بتكرار النظر والإمناء، لأنه إنزال بفعل يلتذ به، ويمكن التحرز منه،
стр. 1662
فأشبه الإنزال باللمس. أما عدم الإفطار بتكرار النظر والإمذاء، فلأنه لانص فيه، والقياس على إنزال المني، لمخالفته إياه في الأحكام.
٦ - الردة مطلقاً، لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر:٦٥/ ٣٩].
٧ - الموت يفسد صوم اليوم الذي مات فيه الصائم في صوم النذر والكفارة، فيطعم من تركته مسكين.
٨ - تبين الغلط في الأكل نهاراً: فإن أكل أو شرب شاكاً في غروب الشمس أفطر وقضى؛ لأن الأصل بقاء النهار، أو أكل أو شرب ظاناً بقاء النهار ما لم يتحقق أنه كان بعد الغروب؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الصوم إلى الليل، ولم يتمه، أو أكل ظاناً أنه ليل، فبان نهاراً؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الصوم، ولم يتمه. ويقضي أيضاً لو أكل ونحوه ناسياً فظن أنه أفطر، فأكل ونحوه عمداً.
ولا يقضي إن أكل ونحوه ظاناً غروب الشمس، ودام شكه، ولم يتبين له الحال؛ لأن الأصل براءته. أو إن أكل وبان أن أكله كان ليلاً؛ لأنه أتم صومه.
الثاني - ما يوجب القضاء والكفارة معا ً:
وهو شيء واحد وهو الجماع في نهار رمضان، بلا عذر سابق كمن به مرض، في فرج: قبل أو دبر من آدمي أو غيره كبهيمة، من حي أو ميت، أنزل أم لا.
إذا كان عامداً أو ساهياً، أو مخطئاً، أو جاهلاً، أو مختاراً أو مكرهاً، سواء أكره في حال اليقظة أم في حال النوم، لحديث أبي هريرة المتفق عليه في إيجاب الكفارة على المجامع، وأما كون الساهي أو الناسي كالعامد في ظاهر المذهب،
стр. 1663
والمكره كالمختار، النائم كالمستيقظ، فلأنه ﷺ لم يستفصل الأعرابي، ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والسؤال معاد في الجواب، كأنه قال: إذا واقعت في صوم رمضان فكفِّر، ولأنه عبادة يحرم الوطء فيه، فاستوى عمده وغيره كالحج. وأما كونه لا فرق بين أن ينزل أو لا، فلأنه في مظنة الإنزال، وأما الكفارة في حالة الإكراه: فلأن الإكراه على الوطء لا يمكن؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة، فكان كغير المكره.
وأما كونه لا فرق بين كون الفرج قبلاً أو دبراً، من ذكر أو أنثى، فلأنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج، فأوجب الكفارة. وأما الوطء في فرج البهيمة فلأنه وطء في فرج موجب للغسل مفسد للصوم، فأشبه وطء الآدمية، ويفسد صوم المرأة كالرجل بالجماع، لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل، وتلزمها الكفارة إذا جومعت بغير عذر؛ لأنها هتكت حرمة صوم رمضان بالجماع، فتلزمها الكفارة كالرجل. ولا تلزمها الكفارة مع العذر، كنوم أو إكراه، أو نسيان، أو جهل؛ لأنها معذورة، ويفسد صومها بذلك، فيلزمها القضاء.
لكن لو استدخلت صائمة ذكر نائم أو صبي أو مجنون، بطل صومها للجماع، فيجب عليها القضاء والكفارة، إن كان في نهار رمضان.
وإن تساحقت امرأتان وإن أنزلا، أوأنزل مجبوب بالسحاق، فسد الصوم: لأنه إذا فسد الصوم باللمس مع الإنزال، ففيما ذكر بطريق الأولى، ولا كفارة عليهما ولا على المجبوب في الأصح؛ لأن ذلك ليس بمنصوص، ولا في معنى المنصوص عليه، فيبقى على الأصل.
وإن جامع في يومين من رمضان واحد، ولم يكفر لليوم الأول، فعليه كفارتان؛ لأن كل يوم عبادة، وكالحجتين، وكيومين من رمضانين، وأما إن جامع
стр. 1664
ثم جامع في يوم واحد قبل التكفير، فعليه كفارة واحدة بغير خلاف. وإن جامع ثم كفر، ثم جامع في يومه، فعليه كفارة ثانية، لأنه وطء محرم، وقد تكرر فتتكرر هي كالحج.
وتلزم الكفارة إذا وطئ كل من لزمه الإمساك، كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامداً، ثم جامع، لهتكه حرمة الزمن به، ولأنها تجب على المستديم للوطء.
وإذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، فعليه القضاء والكفارة، لأنه ترك صوم رمضان بجماع، أثم به لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة، كما لو وطئ بعد طلوع الفجر.
وإن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر، فعليه القضاء والكفارة، فالنزع جماع، فلوطلع عليه الفجر وهو مجامع، فنزع في الحال، مع أول طلوع الفجر الثاني، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه يلتذ بالنزع، كما يلتذ بالإيلاج.
ولو جامع يعتقد بقاء الليل، فبان نهاراً وأن الفجر كان قد طلع، وجب عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لا فرق بين العامد والمخطئ، كما بينا. ولو جامع في أول النهار، ثم مرض أو جن، أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار، لم تسقط الكفارة؛ لأنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها كالسفر، ولأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه، كما لولم يطرأ عذر.
وإن جامع دون الفرج عمداً، فأنزل ولومذياً، فسد الصوم، ولا كفارة، لأنه ليس بجماع، وإن لم ينزل لم يفسد صومه، كاللمس والقبلة.
стр. 1665
ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان، باتفاق أكثر العلماء، لأنه جامع في غير رمضان، فلم تلزمه كفارة، كما لو جامع في صيام الكفارة، ويفارق القضاء الأداء، لأنه متعين بزمان محترم، فالجماع فيه هتك له، بخلاف القضاء.
ومن به شبق يخاف أن ينشق ذكره أو أنثياه أو مثانته، جامع وقضى ولا يكفر للضرورة مثل أكل الميتة للمضطر، وإن اندفعت شهوته بغير الجماع كالاستمناء بيده أو يد زوجته ونحوه كالمفاخذة، لم يجز له الوطء، كالصائل يندفع بالأسهل، لا ينتقل إلى غيره.
وحكم المريض الذي ينتفع بالجماع في مرضه حكم من خاف تشقق فرجه في جواز الوطء.
وفي حال الضرورة إلى وطء حائض وصائمة بالغ، يكون وطء الصائمة أولى من وطء الحائض؛ لأن تحريم وطء الحائض بنص القرآن. وإن لم تكن الزوجة بالغاً، وجب اجتناب الحائض، للاستغناء عنه بلا محذور، فيطأ الصغيرة وكذا المجنونة.
وإن تعذر قضاء ذي الشبق لدوام شبقه، فهو ككبير عجز عن الصوم، فيطعم لكل يوم مسكيناً، ولا قضاء إلا مع عذر معتاد كمرض أو سفر.
مالا يفسد الصوم:
لا يفطر الصائم بما يأتي:
١ - بما لا يمكن الاحتراز عنه: كابتلاع الريق وغبار الطريق وغربلة الدقيق والتقطير في إحليل ولو وصل مثانته، لعدم المنفذ، وكذا إن جمع الريق ثم ابتلعه قصداً، لم يفطر؛ لأنه يصل إلى جوفه من معدنه (أي فمه)، فإن خرج ريقه إلى
стр. 1666
ثوبه، أو بين أصابعه، أو بين شفتيه، ثم عاد فابتلعه، أو بلع ريق غيره، أفطر؛ لأنه ابتلعه من غير فمه، فأشبه ما لو بلع غيره. ولا يفطر ببصق النخامة بلا قصد من مخرج الحاء المهملة، فإن ابتلعها أفطر.
٢ - بالمضمضة والاستنشاق بغير خلاف، سواء أكان في الطهارة أم غيرها وسواء بالغ أم زاد عن الثلاث، بدليل حديث عمر السابق في القبلة، وقياسها على المضمضة، لكن تكره المضمضة عبثاً ولحر أو عطش.
٣ - بمضغ العلك: وهو الذي لا يتحلل منه أجزاء، وإنما الذي يصلب ويقوى كلما مضغه، ولكن يكره مضغه ولا يحرم؛ لأنه يجمع الريق، ويورث العطش.
٤ - بالقبلة واللمس والمفاخذة ونحوها بدون إنزال: فإن أنزل فسد صومه، ولا كفارة عليه؛ لأنه ليس بجماع.
٥ - الإمذاء بتكرار النظر، لأنه لا نص فيه، والإمناء بغير تكرار النظر، لعدم إمكان التحرز من النظرة الأولى، وتكرار النظر بغير إنزال. ولا يفطر إن فكر فأمنى أو أمذى، لقوله ﷺ : «عفي لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به» (١).
كما لا يفطر إن حصل الإنزال بفكر غالب أي غير اختياري، بأن لم يتسبب فيه، أو احتلم أو أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المني لمرض أو لسقطة من موضع عال، أو خروجاً منه لهيجان شهوة من غير أن يمس ذكره بيد، أو أمنى نهاراً من وطء ليل، لأنه لم يتسبب إليه في النهار، أو أمنى ليلاً من مباشرته نهاراً.
стр. 1667
٦ - الفصد والشرط، وإخراج الدم برعاف، وجرح الصائم نفسه أو جرحه غيره بإذنه ولم يصل إلى جوفه شيء من آلة الجرح، ولو كان الجرح بدل الحجامة، لأنه لا نص فيه، والقياس لا يقتضيه.
٧ - دخول شيء إلى الجوف غير قاصد الفعل: بأن فعل ذلك ناسياً أو مكرهاً أو نائماً، لأنه لا قصد للنائم، وللحديث المتقدم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». ويجب على من رأى الصائم إعلامه إذا أراد الأكل أو الشرب ناسياً أو جاهلاً، كإعلام نائم إذا ضاق وقت الصلاة.
٨ - الشك في طلوع الفجر: من أكل أو شرب أو جامع شاكاً في طلوع الفجر، ودام شكه؛ لأن الأصل بقاء الليل، فيكون زمانه الشك منه، ولظاهر الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة:١٨٧/ ٢]. لكن يفطر وعليه القضاء إن أكل ظاناً أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب، لأنه يمكن التحرز منه.
٩ - غلبة القيء: فمن ذرعه القيء (١) فلا شيء عليه، بخلاف من استقاء فعليه القضاء.
١٠ - السواك كل النهاروعدم الاغتسال من الجنابة، لكن يستحب الغسل ليلاً قبل طلوع الفجر الثاني لكل من لزمه الغسل من جنابة وحائض ونفساء انقطع دمها، وكافر أسلم، خروجاً من الخلاف.
стр. 1668
١١ - الكحل إن لم يجد طعمه في الحلق، وتلطيخ باطن القدم بالحناء، مع وجود طعمه بالحلق.
١٢ - إدخال المرأة أصبعها أو غيرها في فرجها ولو مبتلة.
وخلاصة آراء المذاهب في أهم المواضع السابقة: أن الجماع في نهار رمضان موجب للقضاء والكفارة والإمساك بقية النهار، وكذلك الأكل والشرب عمداً عند الحنفيةوالمالكية خلافاً لغيرهم قياساً على الجماع، بجامع انتهاك حرمة الشهر.
ويفطر الصائم بالاتفاق بالقيء عمداً أو بتناول أي شيء مادي يصل إلى الجوف عمداً، سواء أكان مغذياً أم غير مغذٍّ، ولا يفطر بالفصد اتفاقاً كما لا يفطر عند الجمهور بالأكل ونحوه ناسياً، ويفطر عند المالكية، ولا يفطر بالأكل مكرهاً عند الشافعية والحنابلة، ويفطر عند المالكية والحنفية، ولا يفطر عند الحنابلة بغلبة ماء المضمضة ويفطر بها عند المالكية، وأما عند الشافعية فيفطر في حالة المبالغةأو العبث والتبرد أو الزيادة على الثلاث.
ولا يفطر بالاكتحال عند الشافعية والحنفية، ويفطر به عند المالكية والحنابلة، إن وجد طعم الكحل في الحلق. ولا يفطر عند الجمهور بالحقنة في الإحليل، ويفطر بها عند الشافعية. ولا يفطر عند الجمهور بنبش الأذن بعود أو إدخاله فيها، ويفطر به عند الشافعية.
ولا يفطر بالحجامة عند الجمهور وإنما تكره، ويفطر بها عند الحنابلة. ولا يفطر بإنزال المذي عند الحنفية والشافعية، ويفطر به عند المالكية والحنابلة في حال التقبيل أو المباشرة فيما دون الفرج، أما في حال تكرار النظر فلا يفطر به عند الحنابلة، ويفطر في رأي المالكية به أو بالتفكر عند الاستدامة، أو الاعتياد.
стр. 1669
وتتداخل الكفارة فلا تجب إلا واحدة بتكرر الإفطار في أيام عند الحنفية، وتتعدد الكفارة بتعدد الإفطار في أيام مختلفة عند الشافعية والحنابلة والمالكية (الجمهور).
المبحث الثامن - قضاء الصوم وكفارته وفديته:
وفيه مطالب ثلاثة:
المطلب الأول - قضاء الصوم:
أولاً - لوازم الإفطار: قال المالكية: يترتب على الإفطار سبعة أمور هي: القضاء، والكفارة الكبرى، والكفارة الصغرى (وهي الفدية)، والإمساك، وقطع التتابع، والعقوبة، وقطع النية (١).
ثانياً - حكم القضاء: يجب باتفاق الفقهاء القضاء على من أفطر يوماً أو أكثر من رمضان، بعذر كالمرض والسفر والحيض ونحوه، أو بغير عذر كترك النية عمداً أو سهواً (٢)، لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢ - ١٨٥] والتقدير: فأفطر فعدة. وقالت عائشة في حديث سابق: «كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم».
ويأثم المفطر بلا عذر، لقوله ﷺ : «من أفطر يوماً من رمضان من غير
стр. 1670
رخصة (١)، ولا مرض، لم يقضه (٢) صوم الدهر كله، وإن صامه» (٣).
والمقضي وجوباً: هو رمضان، وأيام الكفارة، والنذر، وحالة الشروع في التطوع في رأي الحنفية والمالكية، لكن المالكية أوجبوا القضاء على من أفطر في التطوع متعمداً، أما من أفطر فيه ناسياً، أتم ولا قضاء عليه إجماعاً، وإن أفطر فيه بعذر مبيح فلا قضاء.
و وقت قضاء رمضان: ما بعد انتهائه إلى مجيء رمضان المقبل، ويندب تعجيل القضاء إبراء للذمة ومسارعة إلى إسقاط الواجب، ويجب العزم على قضاء كل عبادة إذا لم يفعلها فوراً، ويتعين القضاء فوراً إذا بقي من الوقت لحلول رمضان الثاني بقدر ما فاته، ويرى الشافعية وجوب المبادرة بالقضاء أي القضاء فوراً إذا كان الفطر في رمضان بغير عذر شرعي، ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم. وأما إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر، فقال الجمهور: يجب عليه بعد صيام رمضان الداخل القضاء والكفارة (الفدية). وقال الحنفية: لا فدية عليه سواء أكان التأخير بعذر أم بغير عذر. وتتكرر الفدية عند الشافعية بتكرر الأعوام.
ولكن لا يجزئ القضاء في الأيام المنهي عن صومها كأيام العيد، ولا في الوقت المنذور صومه كالأيام الأولى من ذي الحجة، ولا في أيام رمضان الحاضر؛ لأنه متعين للأداء، فلا يقبل صوماً آخر سواه. ويجزئ القضاء في يوم الشك لصحة صومه تطوعاً، كما تقدم.
стр. 1671
والقضاء يكون بالعدد، فإذا كان رمضان تسعة وعشرين يوماً، وجب قضاء ذلك المقدار فقط من شهر آخر.
تتابع القضاء: اتفق أكثر الفقهاء (١) على أنه يستحب موالاة القضاء أو تتابعه، لكن لا يشترط التتابع والفور في قضاء رمضان، فإن شاء فرقه وإن شاء تابعه، لإطلاق النص القرآني الموجب للقضاء، إلا إذا لم يبق من شعبان المقبل إلا ما يتسع للقضاء فقط، فيتعين التتابع لضيق الوقت، كأداء رمضان في حق من لاعذر له.
ودليل عدم وجوب التتابع ظاهر قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢ - ١٨٥] فإنه يقتضي إيجاب العدد فقط، لا إيجاب التتابع.
وشرط الظاهرية والحسن البصري التتابع، لما روي عن عائشة أنها قالت: «نزلت: فعدة من أيام أخر متتابعات» فسقط: متتابعات.
صوم الولي عن الميت قضاء: من مات وعليه صيام شيء من رمضان فله حالان (٢):
أحدهما - أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم، فلا شيء عليه عند أكثر العلماء لعدم تقصيره، ولا إثم عليه؛ لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت، فسقط حكمه إلى غير بدل كالحج. وبناء عليه: إن مات المريض أو المسافر، وهما على حالهما، لم يلزمهما القضاء.
стр. 1672
الحال الثاني - أن يموت بعد إمكان القضاء، فلا يصوم عنه وليه أي لم يجب صومه عند أكثر الفقهاء، ولم يصح صومه عنه عند الشافعية في الجديد؛ لأنه عبادة بدنية محضة، وجبت بأصل الشرع فلم تدخلها النيابة في الحياة وبعد الموت كالصلاة، ولحديث: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدّ من حنطة» (١) ويستحب عند الحنابلة للولي أن يصوم عن الميت؛ لأنه أحوط لبراءة الميت.
وهل يجب الإطعام عنه من التركة؟ قال الحنفية والمالكية: إن أوصى بالإطعام، أطعم عنه وليه لكل يوم مسكيناً نصف صاع (٢) من تمر أوشعير؛ لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره، فصار كالشيخ الفاني، ولا بد من الإيصاء.
وقال الشافعية في الجديد والحنابلة على الراجح: الواجب أن يطعم عنه لكل يوم مد طعام (٣) لكل مسكين، للحديث السابق، ولقول عائشة أيضاً: «يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام عنه» (٤) ولحديث ابن عمر: «من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً» (٥).
هذا … ويرى أصحاب الحديث وجماعة من محدثي الشافعية وأبو ثور
стр. 1673
والأوزاعي والظاهرية وغيرهم أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات، وعليه صوم، أي صوم كان من رمضان أو نذراً، والولي على الأرجح: هو كل قريب، ودليلهم أحاديث ثابتة، منها حديث عائشة المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» (١) وقيد ابن عباس والليث وأبو عبيد وأبو ثور ذلك بصوم النذر.
المطلب الثاني - الكفارة:
وأما الكفارة: فالكلام في موجبها و حكمها ودليلها، وأنواعها وتعددها (٢):
فموجبها: إفساد صوم رمضان خاصة، عمداً قصداً، لانتهاك حرمة الصوم من غير مبيح للفطر، فلا كفارة على من أفطر في قضاء رمضان عند الجمهور، ولا كفارة على الناسي والمكره، ولا تجب في القبلة، ولا على الحائض والنفساء والمجنون والمغمى عليه؛ لأنه من غير فعلهم، ولاعلى المريض والمسافر، والمرهق بالجوع والعطش، والحامل، لعذرهم، ولا على المرتد؛ لأنه هتك حرمة الإسلام، لا حرمة الصيام خصوصاً. وقد سبق بحث الحالات الموجبة للكفارة في المذاهب، وأهمها الجماع بالاتفاق، والإفطار المتعمد بالأكل ونحوه عند الحنفية والمالكية.
وحكمها: أنها واجبة بالفطر في رمضان فقط دون غيره إن أفطر فيه - لدى الحنفية والمالكية - منتهكاً لحرمته، أي غير مبال بها، بأن تعمدها اختياراً، بلا تأويل
стр. 1674
قريب - على حد تعبير المالكية - احترازاً من الناسي والجاهل والمتأول، فلا كفارة عليهم، كما أبنت، وكان الفطر بجماع ونحوه، وبأكل ونحوه عند الحنفية والمالكية. واشترط الشافعية لإيجاب هذه الكفارة أن يكون المجامع ذاكراً لصومه، عالماً بالحرمة، غير مترخص بسفر أو مرض. فمن جامع ناسياً أو جاهلاً بالحرمة، أو أفسد صوماً غير صوم رمضان، أو أفطر متعمداً بغير الجماع، أو كان مسافراً، فلا كفارة عليه، وعليه القضاء فقط.
و دليل إيجابها: حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: هلكتُ يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا.
قال: ثم جلس، فأُتي النبي ﷺ بعَرَق (١) فيه تمر، قال: تصدق بهذا، قال: فهل على أفقر منا، فما بين لابتيها (٢) أهلُ بيت أحوج إليه منا؟! فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: اذهب فأطعمه أهلك (٣).
وفي لفظ ابن ماجه قال: أعتق رقبة؟ قال: لا أجدها، قال: صم شهرين متتابعين؟ قال: لا أطيق، قال: أطعم ستين مسكيناً. وفي لفظ لابن ماجه وأبي داود في رواية: «وصم يوماً مكانه».
стр. 1675
قال الشوكاني: استدل به على سقوط الكفارة بالإعسار لما تقرر أنها لا تصرف في النفس والعيال، ولم يبين ﷺ استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعي، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية، وقال الجمهور: لاتسقط بالإعسار، قالوا: وليس في الخبر ما يدل على سقوطها عن المعسر، بل فيه ما يدل على استقرارها عليه، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة (نيل الأوطار: ٤/ ٢١٦). قال ابن تيمية الجد: وفيه دلالة قوية على الترتيب. وظاهر لفظ الدارقطني: أن المرأة كانت مكرهة.
ويجب قضاء اليوم مع الكفارة. ويجب القضاء على الزوجة الموطوءة إن لم تجب عليها الكفارة.
أنواع الكفارة: ثلاثة: عتق، وصيام، وإطعام، مثل كفارة الظهار والقتل الخطأ في الترتيب عند الجمهور، فإن عجز عن العتق بأن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صومهما أطعم ستين مسكيناً. والإطعام عند المالكية أفضل الخصال، والكفارة واجبة عندهم على التخيير لا على الترتيب (١). قال الشوكاني: في حديث أبي هريرة دليل على أنه يجزئ التكفير بواحدة من الثلاث الخصال. وظاهر الحديث أيضاً أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب. قال البيضاوي: لأن ترتيب الخصال بالفاء. وأضاف الشوكاني قائلاً: وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة (٢)، فيكون دليل المالكية العمل برواية أخرى فيها التخيير.
والخلاصة: إن الكفارة مرتبة في رأي الجمهور، وقال المالكية: الكفارة واجبة في ثلاثة أنواع على التخيير، إما إطعام ستين مسكيناً وهو الأفضل، وصيام شهرين متتابعين، أوعتق رقبة.
فالعتق: تحرير رقبة مؤمنة عند الجمهور غير الحنفية: سليمة من العيوب أي عيوب فوات منفعة البطش والمشي والكلام والنظر والعقل، قياساً في اشتراط الإيمان على كفارة القتل الخطأ، وقال الحنفية: ولو كانت غير مؤمنة، لإطلاق نص الحديث السابق.
стр. 1676
والصيام عند العجز عن الرقبة: صيام شهرين متتابعين، ليس فيهما يوم عيد، ولا أيام التشريق، ولا يجزئه الصوم إن قدر على العتق قبل البدء بالصوم، فلو قدر على العتق في أثناء الصوم ولو في آخر يوم، لزمه العتق عند الحنفية، ولم يلزمه عند الجمهور الانتقال عن الصوم إلى العتق، إلا أن يشاء أن يعتق، فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى أي يندب له عتق الرقبة. فلو أفطر ولو لعذر إلا لعذر الحيض استأنف عند الحنفية الصوم من جديد، ويستأنف الصوم عند المالكية إن أفطر متعمداً.
ولا يستأنف إن أفطر ناسياً أو لعذر، أو لغلط في العدد. وقال الشافعية: لو أفسد يوماً ولو اليوم الأخير ولو بعذر كسفر ومرض وإرضاع ونسيان نية، استأنف الشهرين، لكن لا يضر الفطر بحيض ونفاس وجنون وإغماء مستغرق؛ لأن كلاً منها ينافي الصوم مع كونه اضطرارياً، وقال الحنابلة: لا ينقطع التتابع بالفطر لمرض أو حيض.
والإطعام عند عدم استطاعة الصوم: إطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين عند الجمهور مد من القمح بمد النبي ﷺ أو نصف صاع من تمر أوشعير، وعند الحنفية: مدان، أو يغذيهم ويعشيهم غداء وعشاء مشبعين، أو غداءين أو عشاءين، أو عشاء وسحوراً. والمدان أو نصف الصاع: هما من بُر أو دقيقه أو سويقه، أو يعطي كل فقير صاع تمر أوصاع شعير أوزبيب أو يعطي عند الحنفية قيمة نصف الصاع من البر، أو الصاع من غيره من غير المنصوص عليه، ولو في أوقات متفرقة، لحصول الواجب.
ولا يجوز للفقير صرف الكفارة إلى عياله، كالزكاة وسائر الكفارات، وأما خبر «أطعمه أهلك» فهو خصوصية، أو أن لغير المكفر الذي تطوع بالتكفير عن
стр. 1677
غيره صرف الكفارة للمكفر عنه تطوعاً. والأصح عند الشافعية أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام لغُلمة (أي شدة الحاجة للنكاح)؛ لأن حرارة الصوم وشدة الغلمة قد يفضيان به إلى الوقاع، ولو في يوم واحد من الشهرين، وذلك يقتضي استئنافها لبطلان التتابع، وهو حرج شديد.
وتشترط النية عند أداء الكفارة في رأي الشافعية، بأن ينوي العتق أو الصوم أو الإطعام عن الكفارة؛ لأنها حق مالي أو بدني يجب تطهيراً كالزكاة والصيام، فلا بد لصحتها من النية.
تعدد الكفارة أو تداخلها بتعدد الإفطار في أيام: إن تكرر الجماع، أو الإفطار بأكل ونحوه في رأي الحنفية والمالكية، قبل التكفير عن الأول، فإما أن يكون في يوم واحد، أو في يومين:
أـ فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه، بالاتفاق.
ب - وإن كان في يومين أو أكثر من رمضان: فعليه كفارتان أو أكثر، عند الجمهور؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت بإفساده، لم تتداخل، كرمضانين وكالحجتين.
وتجزئ كفارة واحدة عند الحنفية عن جماع وأكل متعمد متعدد في أيام لم يتخلله تكفير، ولو من رمضانين على الصحيح، فإن تخلل تكفير لا تكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية؛ لأن الكفارة جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها، والمقصود بها الزجر، فيجب أن تتداخل كالحد، ويحصل بها مقصودها، وفي حال تخلل التكفير لم يحصل الزجر بعوده لانتهاك حرمة الشهر.
ومن عجز عن الكفارة، استقرت في ذمته، والمعتبر حاله حين التكفير، فإن قدر على خصلة فعلها.
стр. 1678
طروء العذر بعد الإفطار عمدا ً: إن حدوث السفر أو المرض بعد الجماع، أو الأكل المقيس عليه عند القائلين به، لا يسقط الكفارة عند الشافعية والمالكية والحنابلة؛ لأن العذر معنى طرأ بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها، ولأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر عند غير الحنابلة، فلا يؤثر فيما وجب من الكفارة، ولأن المرض، لا ينافي الصوم، فيتحقق هتك حرمته.
ورأى الحنفية أن الكفارة تسقط بعد الإفطار بطروء حيض أو نفاس أو مرض مبيح للفطر في يومه الذي أفسده؛ لأن اليوم لا يتجزأ ثبوتاً وسقوطاً للكفارة، فتمكنت الشبهة في عدم استحقاقه من أوله بعروض العذر في آخره، ولا تسقط عمن سوفر به كرهاً أو سافر اختياراً، بعد لزومها في ظاهر الرواية، والفرق بين الحالين أنه في السفر المكره عليه لم يجئ العذر من قبل صاحب الحق، وفي غير السفر تمكنت الشبهة في عدم استحقاق الكفارة من أول اليوم بعروض العذر في آخره؛ لأن الكفارة إنما تجب في صوم مستحق، وهو لا يتجزأ ثبوتاً وسقوطاً.
المطلب الثالث - الفدية:
أما الفدية: فالكلام في حكمها، وسببها، وتكررها بتكرر السنين (١):
ف حكم الفدية: الوجوب، لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢] أي على الذين يتحملون الصوم بمشقة شديدة الفدية. والفدية عند الحنفية: نصف صاع من بُرّ، أي قيمته، بشرط دوام عجز الفاني والفانية إلى
стр. 1679
الموت. ومد من الطعام من غالب قوت البلد عن كل يوم عند الجمهور، بقدر ما فاته من الأيام. ومصارف الفدية والنذور المطلقة والكفارات والصدقات الواجبة: هي مصارف الزكاة.
و سببها:
١ - العجز عن الصيام، فتجب باتفاق الفقهاء على من لا يقدر على الصوم بحال، وهو الشيخ الكبير والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً، للآية السابقة: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢] وقول ابن عباس: «نزلت رخصة للشيخ الكبير» ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء. والشيخ الهمّ (١) له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزاً عن الإطعام أيضاً فلا شيء عليه، و ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة:٢٨٦/ ٢] وقال الحنفية: يستغفر الله سبحانه، ويستقبله أي يطلب منه العفو عن تقصيره في حقه.
وأما المريض إذا مات فلا يجب الإطعام عنه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعل، حتى مات؛ لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة.
٢ - وتجب الفدية أيضاً بالاتفاق على المريض الذي لا يرجى برؤه، لعدم وجوب الصوم عليه، كما تقدم، لقوله : ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج:٧٨/ ٢٢].
٣ - وتجب الفدية كذلك عند الجمهور (غير الحنفية) مع القضاء على الحامل
стр. 1680
والمرضع إذا خافتا على ولدهما، أما إن خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء فقط، بالاتفاق. ودليله الآية السابقة: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية .. ﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢] وهما داخلتان في عموم الآية، قال ابن عباس: «كانت رخصة الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا» (١)، ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة، فوجبت به الكفارة كالشيخ الهرم.
ولا تجب عليهما الفدية مطلقاً عند الحنفية، لحديث أنس بن مالك الكعبي: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم - أو الصيام - والله لقد قالها رسول الله ﷺ ، أحدهما أو كليهما» (٢) فلم يأمر بكفارة، ولأنه فطر أبيح لعذر، فلم يجب به كفارة كالفطر للمرضى.
ورأي الجمهور أقوى وأصح لدي؛ لأنه نص في المطلوب، وحديث أنس مطلق لم يتعرض للكفارة.
٤ - وتجب الفدية أيضاً مع القضاء عند الجمهور (غير الحنفية) على من فرط في قضاء رمضان، فأخره حتى جاء رمضان آخر مثله بقدر ما فاته من الأيام، قياساً على من أفطر متعمداً؛ لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم، ولا تجب على من اتصل عذره من مرض أو سفر أو جنون أو حيض أو نفاس.
تكرر الفدية: ولا تتكرر الفدية عند المالكية والحنابلة بتكرر الأعوام وإنما
стр. 1681
تتداخل كالحدود، والأصح في رأي الشافعية: أنها تتكرر بتكرر السنين؛ لأن الحقوق المالية لا تتداخل (١). وقال الحنفية: لا فدية بالتأخير إلى رمضان آخر، لإطلاق النص القرآني. ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢ - ١٨٥] فكان وجوب القضاء على التراخي، حتى كان له أن يتطوع، فلا يلزمه بالتأخير شيء ولأنه القياس في الكفارات، غير أنه تارك للأولِى من المسارعة في القضاء.
والفدية والكفارة والنذر وقتها العمر كله، والأولى التعجيل بقدر الإمكان وأن تكون الفدية في رمضان، لأن الثواب فيه أكثر. ويرى الحنابلة أن النذر والكفارة واجبان على الفور؛ لأنه مقتضى الأمر.
باقي لوازم الإفطار: أما إمساك بقية اليوم وعقوبة منتهك حرمة صوم رمضان فقد سبق الكلام عليهما.
وأما قطع التتابع: فهو عند المالكية لمن أفطر متعمداً في صيام النذر والكفارات المتتابعات كالقتل والظهار، فيستأنف، بخلاف من قطع الصوم ناسياً أو لعذر، أو لغلط في العدة، فإنه يبني على ما كان معه. وقد عرفنا رأي بقية المذاهب الأخرى.
وأما قطع النية: فإنها تنقطع بإفساد الصوم أو تركه مطلقاً لعذر أو لغير عذر، ولزوال تحتم الصوم كالسفر، وإن صام فيه، وإنما ينقطع استصحابها حكماً. وهذا عند المالكية الذين يكتفون بنية واحدة أول شهر رمضان.
стр. 1682
ملحق - ما يلزم الوفاء به من منذور الصوم والصلاة وغيرهما:
قال الحنفية (١): إذا نذر الإنسان شيئاً لزمه الوفاء به بشروط أربعة:
١ - أن يكون من جنسه واجب: فلا تلزم عيادة المريض أو قراءة المولد النبوي، إذ ليس من جنسها واجب، وإيجاب الإنسان شيئاً على نفسه معتبر بإيجاب الله تعالى، إذ له الاتباع، لا الابتداع.
وأجاز الحنفية نذر صوم يوم العيد، لأن صومه عندهم حرام بوصفه، لا بأصله، أي لما يترتب عليه من الإعراض عن ضيافة الله، أما أصل الصوم فمشروع.
٢ - أن يكون مقصوداً لذاته، لا لغيره: فلا يلزم الوضوء بنذره، ولا قراءة القرآن، لكون الوضوء ليس مقصوداً لذاته، لأنه شرع شرطاً لغيره، كحل الصلاة.
٣ - ألا يكون واجباً: فلا يصح نذر الواجبات كالصلوات الخمس؛ لأن إيجاب الواجب محال، ولا يصح نذر الوتر وسجدة التلاوة عند الحنفية القائلين بوجوبهما؛ لأنها واجبة بإيجاب الشارع.
٤ - ألا يكون المنذور محالاً كقوله: لله علي صوم الأمس أو البارحة، إذ لايلزمه.
وبناء عليه يصح نذر الاعتكاف، والصلاة غير المفروضة، والصوم والتصدق بالمال، والذبح، لوجود شيء من جنسها شرعاً كالأضحية. ويصح - كما تقدم - عند الحنفية نذر صوم العيدين وأيام التشريق في المختار، لكن يجب فطرها وقضاؤها، وإن صامها أجزأه مع الحرمة.
стр. 1683
وإن نذر شيئاً مطلقاً كصلاة ركعتين، أو معلقاً بشرط، مثل إن رزقني الله غلاماً، فعلي إطعام عشرة مساكين، ووجد الشرط، لزمه الوفاء به، لقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] ولقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه» (١).
ويلغى عند الحنفية ماعدا زفر تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير، فيجزئه صوم رجب عن نذره صوم شعبان، ويجزئه صلاة ركعتين بأي بلد، وقد كان نذر أداءهما بمكة، أو المسجد النبوي، أو الأقصى، لأن صحة النذر باعتبار القربة، لا المكان؛ لأن الصلاة تعظيم الله تعالى بجميع البدن، والأمكنة كلها في هذا المعنى سواء، وإن تفاوت الفضل. ويجزئه التصدق بدرهم عن درهم عينه له، والصرف لزيد الفقير بنذره لعمر؛ لأن المقصود من الصدقة سد خلة المحتاج، أو ابتغاء وجه الله، وهذا المعنى حاصل بدون مراعاة زمان ومكان وشخص.
وإن علق النذر بشرط، مثل «إن قدم فلان فلله علي أن أتصدق بكذا» لا يجزئه عنه ما فعله قبل وجود شرطه؛ لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجوده، وإنما يجوز الأداء بعد وجود السبب الذي علق النذر به.
وسيأتي في بحث النذر تفصيل آراء المذاهب الأخرى.
стр. 1684
الفَصْلُ الثَّاني: الاعتِكَاف
فيه مباحث ستة وهي:
المبحث الأول - تعريف الاعتكاف ومشروعيته والهدف منه، ومكانه وزمانه.
المبحث الثاني - حكم الاعتكاف وما يوجبه النذر على المعتكف.
المبحث الثالث - شروط الاعتكاف.
المبحث الرابع - ما يلزم المعتكف وما يجوز له.
المبحث الخامس - آداب المعتكف، ومكروهات الاعتكاف ومبطلاته.
المبحث السادس - حكم الاعتكاف إذا فسد.
وأبدأ ببحثها على الترتيب المذكور.
المبحث الأول - تعريف الاعتكاف ومشروعيته والهدف منه، ومكانه وزمانه:
تعريفه: الاعتكاف لغة: اللبث وملازمة الشيء أو الدوام عليه خيراً كان أو شراً. ومنه قوله تعالى: ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف:١٣٨/ ٧] وقوله:
стр. 1685
﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء:٥٣/ ٢١] وقوله سبحانه: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة:١٨٧/ ٢].
وشرعاً له تعاريف متقاربة في المذاهب، قال الحنفية (١): هو اللبث في المسجد الذي تقام فيه الجماعة، مع الصوم، ونية الاعتكاف، فاللبث ركنه؛ لأنه ينبئ عنه، فكان وجوده به، والصوم في الاعتكاف المنذور والنية من شروطه. ويكون من الرجل في مسجد جماعة: وهو ماله إمام ومؤذن، أديت فيه الصلوات الخمس أو لا، ومن المرأة: في مسجد بيتها: وهو محل عينته للصلاة، ويكره في المسجد، ولا يصح في غير موضع صلاتها من بيتها.
وقال المالكية (٢): هو لزوم مسلم مميز مسجداً مباحاً لكل الناس، بصوم، كافاً عن الجماع ومقدماته، يوماً وليلة فأكثر، للعبادة، بنية. فلا يصح من كافر، ولا من غير مميز، ولا في مسجد البيت المحجور عن الناس، ولا بغير صوم، أي صوم كان: فرض أو نفل، من رمضان أو غيره، ويبطل بالجماع ومقدماته ليلاً أو نهاراً، وأقله يوم وليلة ولا حد لأكثره، بقصد العبادة بنية، إذ هو عبادة، وكل عبادة تفتقر للنية.
وعبارة الشافعية (٣): هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية.
وعبارة الحنابلة (٤): هو لزوم المسجد لطاعة الله، على صفة مخصوصة، من مسلم عاقل ولو مميزاً، طاهر مما يوجب غسلاً، وأقله ساعة، فلا يصح من كافر ولو مرتداً، ولا من مجنون ولا طفل، لعدم النية، ولا من جنب ونحوه ولو متوضئاً، ولا يكفي العبور، وإنما أقله لحظة.