← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

ومن جنس الدية، ومن خلاف جنسها بشرط قبول الجاني؛ لأن القصاص ليس مالاً (١). أما الصلح على الدية فلا يجوز بأكثر من الدية، حتى لا يقع المتصالحان في الربا. والصلح يختص بالإسقاط بمقابل. أما العفو فقد يقع مجاناً أو في مقابل مال، لكن إن وقع العفو عن القصاص على الدية، اعتبر عند الحنفية والمالكية صلحاً لا عفواً، ويسمى أيضاً عند الشافعية والحنابلة عفواً بمقابل. وقد رغب الشرع في الصلح عموماً في قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء:١٢٨/ ٤] وقول النبي ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» (٢). ودلت السنة على مشروعية الصلح في الدماء لإسقاط القصاص، بدليل قوله ﷺ : «من قَتَل عمداً، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية: ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خَلِفة (٣)، وما صولحوا عليه فهو لهم» (٤) وذلك لتشديد حرمة القتل. وحكم الصلح: هو حكم العفو، فمن يملك العفو يملك الصلح، وأثر الصلح كأثر العفو في إسقاط القصاص، وإذا تعدد الأولياء، وصالح أحدهم الجاني على مال، سقط القصاص، وبقي حق الآخرين في المال. وإذا بادر أحد الأولياء بقتل الجاني بعد الصلح، فهو قاتل له عمداً، لكنه لا قصاص عليه عند الحنفية ما عدا زفر. وعليه القصاص عند الشافعية والحنابلة.

стр. 5532

واتفق الفقهاء على أن الصلح الصادر من ولي الصغير أو المجنون أو من الحاكم لا يجوز على غير مال، ولا على أقل من الدية؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه، ولأنه تصرف لا مصلحة فيه للصغير. فإن وقع الصلح على أقل من الدية صح عند المالكية والحنفية، ووجب باقي الدية في ذمة الجاني، ويرجع الصغير عند المالكية بعد رشده على القاتل في حال ملاءته (١)، أي يسره وغناه. ٤ - إرث القصاص: يسقط القصاص إذا كان ولي الدم هو وارث الحق في القصاص، كما إذا وجب القصاص لإنسان، فمات من له القصاص، فورث القاتل القصاص كله، أو بعضه، أو ورثه من ليس له القصاص من القاتل وهو الابن (٢). فتكون لدينا صورتان لإرث القصاص: ١ - مثال كون القاتل وارث القصاص: أن يقتل ولد أباه، وللولد أخ، ثم يموت الأخ صاحب الحق في القصاص، ولا وارث له إلا أخوه القاتل، فيصبح القاتل وارث دم نفسه من أخيه، فيسقط القصاص؛ لأن القصاص لا يتجزأ أو لا يتبعض، ولا يصح استيفاء القصاص من شخص طالب ومطلوب في آن واحد. كذلك يسقط القصاص إذا ورث القاتل بعض الحق في القصاص، بأن ورث القاتل أحد ورثة القتيل، ويكون لهؤلاء الورثة نصيبهم من الدية.

стр. 5533

٢ - ومثال كون وارث القصاص من ليس له القصاص من القاتل: أن يقتل أحد الوالدين الوالد الآخر، وكان لهما ولد (ذكر أو أنثى) فيسقط القصاص؛ لأن الولد هو صاحب الحق فيه، ولا يجب للولد قصاص على والده، بدليل أنه لو جنى الوالد على ولده، وقتله، لا يقتص منه؛ للحديث النبوي: «لا يقاد الوالد بالولد» فمن باب أولى لا يقتص للولد من الوالد إذا جنى الوالد على غير ولده. كذلك يسقط القصاص إذا كان للمقتول ولد آخر، أو وارث آخر؛ لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه، ولا يمكن وجوبه، وإذا لم يثبت بعضه سقط كله، لأنه لا يتبعض، وصار الأمر كما لو عفا بعض مستحقي القصاص عن نصيبه منه. العقوبة الأصلية الثانية للقتل العمد عند الشافعية - الكفارة: ورد تشريع الكفارة (١) في القتل الخطأ (٢) في القرآن الكريم في آية: ﴿ومن قَتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله إلا أن يصدَّقوا … ﴾ [النساء:٩٢/ ٤] إلى قوله تعالى: ﴿فمن لم يجدْ فصيام شهرين متتابعين، توبةً من الله، وكان الله عليماً حكيماً﴾ [النساء:٩٢/ ٤] أي أن الواجب تحرير رقبة مؤمنة إن وجدت، فإن لم توجد فصيام شهرين متتابعين. فهل يقاس القتل العمد على القتل الخطأ في إيجاب الكفارة أو لا؟ هناك رأيان للفقهاء أو ثلاثة:

стр. 5534

١ - قال جمهور الفقهاء (١) (غير الشافعية): لا تجب الكفارة في القتل العمد؛ لأنه لا قياس في الكفارات؛ لأنها مقدرات شرعية للتعبد، فيقتصر فيها على محل ورودها، وقد اقتصر النص القرآني على الكفارة في القتل الخطأ جبراً للذنب غير المقصود. أما القتل العمد فجزاؤه جهنم؛ لأنه كبيرة، ولم يوجب القرآن كفارة فيه، فدل النص بمفهومه على أنه لا كفارة فيه، ولو كانت واجبة لبينها القرآن؛ لأن المقام يقتضي البيان. والقتل العمد يوجب القصاص، فلا يوجب كفارة كزنا المحصن. ويرشد إليه: «أن سويد بن الصامت قتل رجلاً، فأوجب النبي ﷺ عليه القود، ولم يوجب كفارة»، وعمرو بن أمية الضَّمري قتل رجلين في عهد النبي ﷺ «فو داهما النبي ﷺ ، ولم يوجب كفارة» (٢). ٢ - وقال الشافعية (٣): تجب الكفارة في القتل العمد على كل قاتل بالغ وصبي ومجنون وعبد وذمي وعامد ومخطئ، ومتسبب، وفي شبه العمد، أي أن الكفارة تجب سواء أكان القاتل كبيراً عاقلاً أم صغيراً أم مجنوناً، مسلماً أم ذمياً، فاعلاً أصلياً أم شريكاً، مباشرة أم تسبباً، وكان المقتول مسلماً ولو بدار حرب، أوذمياً أو أجنبياً حتى ولو بقتل نفسه. ولا تجب الكفارة بقتل مباح الدم كالحربي والباغي والصائل والمقتص منه، والمرتد والزاني المحصن. هذا .. وقد حدد الشوكاني محل وجوب الكفارة في القتل العمد فيما إذا

стр. 5535

عفي عن القاتل أو رضي الوارث بالدية، وأما إذا اقتص منه، فلا كفارة عليه، بل القتل كفارته، لحديث عبادة بن الصامت في أن الحدود كفارات لأهلها، ولما أخرجه أبو نعيم في المعرفة: أن النبي ﷺ قال: «القتل كفارة» (١). والدليل على وجوب الكفارة في العمد: أن المقصود من تشريع الكفارة هو رفع الذنب، ومحو الإثم، والذنب في القتل العمد أعظم من القتل الخطأ، فكانت الكفارة في العمد أحرى وأولى، والعامد أحوج إليها لرفع الذنب وتكفير الخطيئة. ويدل له خبر واثلة بن الأسقع، قال: «أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا، قد استوجب النار بالقتل، فقال: أعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار» (٢). وكفارة القتل مثل كفارة الظهارفي الترتيب: عتق رقبة أولاً، فإن لم يجد (٣) فصيام شهرين متتابعين (٤)، كما نصت الآية، لكن لا إطعام فيها في الأظهر عند العجز عن الصوم، اقتصاراً على الوارد فيها، إذ المتبع في الكفارات النص، لا القياس، ولم يذكر الله تعالى في كفارة القتل غير العتق والصيام. وعلى هذا فمن لم يستطع الصوم ثبت ديناً في ذمته، ولا يجب شيء آخر. والواجب في عصرنا هو الصوم فقط. ٣ - وقال المالكية (٥): تستحب الكفارة في قتل الجنين م وجوب دية الجنين،

стр. 5536

ولا تجب، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الكفارة لما كانت لا تجب عندهم في العمد، وتجب في الخطأ، وكان الاعتداء على الجنين متردداً بين العمد والخطأ، استحسن الإمام الكفارة في الجنين، ولم يوجبها. ولا تجب الكفارة على قاتل الباغي والصائل والحربي والمرتد والزاني المحصن والذي يقتص منه؛ لأن هؤلاء مباحو الدم بالنسبة للقاتل. النوع الثاني - العقوبة البدلية في القتل العمد: إذا سقط القصاص بعفو ولي القتيل أو بموت الجاني أو بغيرهما، طبقت عقوبتان أخريان وهما: ١ - الدية التي هي بدل حتمي عن القصاص عند الحنابلة، أو إذا عفي إليها عند الشافعية، وبرضا الجاني عند الحنفية والمالكية. ٢ - التعزير الذي هو بدل حتمي أيضاً عند المالكية، وباختيار الحاكم عند الجمهور. ويلاحظ أن صيام شهرين متتابعين عند الشافعية هو أحد خصال الكفارة على الترتيب الواجب بعد عتق الرقبة. ولا يقال: إن الصوم بدل مطلق عن الكفارة، وإنما هو بدل عن الخصلة الأولى فيها، لذا فإنه لا يعدُّ عقوبة بدلية في القتل العمد، وإنما هو عقوبة أصلية كما تقدم. وأبحث هنا فقط حكم الدية والتعزير. العقوبة البدلية الأولى - الدية: الكلام فيها يتناول تعريف الدية، ومشروعيتها، وشروط إيجابها، ونوعها ومقدارها، تغليظها وتخفيفها وقت أدائها، الملزم بها (أو من تجب عليه)، متى تجب كاملة، وهل يتساوى كل الناس في مقدارها؟

стр. 5537

أولاً - تعريف الدية: هي في الشرع (١): المال الواجب بالجناية على النفس أو ما في حكمها. والأرش: المال الواجب المقدر شرعاً بالاعتداء على ما دون النفس (٢)، أي مما ليس فيه دية كاملة من الأعضاء. وبناء عليه تطلق الدية على بدل النفس أو ما في حكمها، والأرش على دية العضو. و حكومة العدل: هو الأرش غير المقدر في الشرع، بالاعتداء على ما دون النفس من جرح أو تعطيل وغيرهما. ويترك أمر تقديره للحاكم بمعرفة أهل الخبرة العدول. ثانياً - مشروعية الدية: ثبتت مشروعية الدية في القرآن والسنة والإجماع أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله، إلا أن يصَّدَّقوا﴾ [النساء:٩٢/ ٤] وهذه الآية وإن كانت في القتل الخطأ، إلا أن العلماء أجمعوا على وجوب الدية في القتل العمد، في حالات سقوط القصاص المار ذكرها. وأما السنة فأحاديث كثيرة أشهرها حديث عمرو بن حزم في الديات. وهو: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وكان في كتابه «أن من اعتبط (٣) مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء

стр. 5538

المقتول، وإن في النفس: الدية مئة من الإبل … » (١). وأول من سنَّها مئة عبد المطلب جد الرسول ﷺ . وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة. ثالثاً - شروط وجوب الدية: يشترط لوجوب الدية عند الحنفية (٢) شرطان: ١ - العصمة: وهو أن يكون المقتول معصوماً، أي مصون الدم، فلا دية بقتل الحربي والباغي لفقد العصمة. ورأي الجمهور متفق مع الحنفية في هذا الشرط، إلا أن الباغي معصوم الدم في غير حال الحرب عند الشافعية ومن وافقهم وهم الجمهور غيرا لحنفية. ٢ - التقوم: وهو أن يكون المقتول متقوماً، فلا تجب الدية عند الحنفية بقتل الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا، وكان قاتله مسلماً أو ذمياً خطأ. وقال الجمهور: تجب الدية؛ لأن التقوم عندهم بالإسلام، وهذا مسلم قتل خطأ، والله تعالى يقول: ﴿ومن قتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله﴾ [النساء:٩٢/ ٤]. والتقوم عند الحنفية بدار الإسلام، وهذا ليس من أهل دار الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم، وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء:٩٢/ ٤] فقد أوجب الله جزاء قتله: الكفارة فقط وهي عتق الرقبة، فلا يكون داخلاً تحت صدر الآية، وهي التي احتج بها الجمهور؛ لأنه مؤمن ديناً، لا

стр. 5539

داراً، وهو في دار الحرب مكثر سواد الكفار، ومن كثَّر سواد قوم فهو منهم، على لسان رسول الله ﷺ (١). وأما الاتصاف بصفة «الإسلام» فليس من شرائط وجوب الدية، لا بالنسبة لقاتل، ولا بالنسبة للمقتول، فتجب الدية سواء أكان القاتل أو المقتول مسلماً أم ذمياً أم حربياً مستأمناً. وكذلك العقل والبلوغ ليس شرطاً لإيجاب الدية، فتجب الدية في مال الصبي والمجنون، لعموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا﴾ [النساء:٩٢/ ٤]. كما تجب الدية بقتل الذمي والمستأمن، لقوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلَّمة إلى أهله﴾ [النساء:٩٢/ ٤]. هل تضمن الدية بسبب ممارسة حق التأديب؟ إذا ضرب السلطان أو الوالي متهماً، أو ضرب الأب ابنه للتأديب المشروع، أو ضرب الولي أو الوصي الصبي اليتيم، أو ضرب الزوج زوجته بسبب نشوزها، أو لتركها الصلاة مثلاً، أو أدَّب المعلم صبياً بغير إذن أبيه، فمات المؤدَّب بسبب هذا التأديب المشروع المعهود في العرف بين الناس، فهل يضمن هؤلاء فعلهم؟ للفقهاء فيه آراء: ١ - قال أبو حنيفة والشافعي (٢): إنه يجب ضمان الدية في هذه الحالات؛

стр. 5540

لأن المقصود هو التأديب والزجر، لا الهلاك، فإذا أفضى التأديب إلى التلف، تبين أنه تجاوز الحد المشروع له، أو تخطى حدود السلطة المخولة إياه، ولأن هذا الفعل وهو التأديب أمر مباح، فيتقيد بشرط السلامة للغير كالمرور في الطريق العام ونحوه، فإن استيفاء الإنسان حقه مقيد بشرط السلامة للآخرين. ٢ - وقال المالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية (١): لا ضمان في هذه الحالات، ما لم يكن هناك إسراف أو زيادة على ما يحقق المقصود، أو يتجاوز المعتاد؛ لأن التأديب فعل مشروع للزجر والردع، فلا يضمن التالف به، كما هو الشأن عند تطبيق الحدود الشرعية أو التعزيرات (٢)، والقاعدة الفقهية تقول: «الجواز الشرعي ينافي الضمان». رابعاً - نوع الدية ومقدارها: اختلف الفقهاء على آراء ثلاثة في تحديد نوع الدية، وهي ما يأتي: ١ - رأي أبي حنيفة ومالك، والشافعي في مذهبه القديم (٣): إن الدية تجب في واحد من ثلاثة أنواع: الإبل، والذهب، والفضة. ويجزئ دفعها من أي نوع. ودليلهم ما ثبت في كتاب عمرو بن حزم في الديات: «وإن في النفس الدية، مئة

стр. 5541

من الإبل» (١) وأن عمر فرض على أهل الذهب في الدية ألف دينار ومن الورِق عشرة آلاف درهم (٢). ورأي أبي حنيفة هو الصحيح في مذهبه. ٢ - رأي الصاحبين وأحمد (٣): إن الدية تجب من ستة أجناس، وهي الإبل أصل الدية، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والحُلل. والخمسة الأولى هي أصول الدية عند الحنابلة، وأما الحلل فليست أصلاً عندهم؛ لأنها تختلف ولا تنضبط. وروي عن أحمد: أنها أصل، وقدرها مئتا حلة من حلل اليمن، كل حلة بُرْدان: إزار ورداء جديدان. وأي شيء أحضره الملزم بالدية، لزم ولي القتيل قبوله، سواء أكان الجاني من أهل ذلك النوع، أم لا؛ لأنها أصول في قضاء الواجب، يجزئ واحد منها، فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة. ودليل هذا الرأي: أن عمر قام خطيباً فقال: «ألا إن الإبل قد غلت، قال الراوي، فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة» (٤). وأخرج أبو داود مثله عن جابر بن عبد الله أنه قال: «فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مئة من الإبل … الخ» (٥).

стр. 5542

٣ - رأي الشافعي في مذهبه الجديد (١): إن الواجب الأصلي في الدية هو مائة من الإبل إن وجدت، وعلى القاتل تسليمها للولي سليمة من العيوب، فإن عدمت حساً بأن لم توجد في موضع يجب تحصيله منه، أو عدمت شرعاً بأن وجدت فيه بأكثر من ثمن مثلها، فالواجب قيمة الإبل، بنقد البلد الغالب (٢)، وقت وجوب تسليمها بالغة ما بلغت؛ لأنها بدل متلف، فيرجع إلى قيمتها عند فقد الأصل. ودليله الحديث السابق وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد الرسول ﷺ ثمان مئة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، كان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر ﵁، فقام عمر خطيباً، فقال: «ألا إن الإبل قد غلت، فقال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة» (٣) ويؤكده من المعقول أن ما ضمن بنوع من المال وتعذر، وجبت قيمته، كذوات الأمثال (٤). وأما مقدار الدية فيتضح من الأحاديث السابقة، ولم يختلف الفقهاء في المقادير إلا في دراهم الفضة (أي الوَرِق). وسبب الاختلاف فيها: هو سعر صرف الدينار، فعند الحنفية: الدينار يساوي عشرة دراهم بدليل حديث عَبيدة السلماني المتقدم. وعند الجمهور (٥):

стр. 5543

الدينار يساوي اثني عشر درهماً، بدليل حديث عمر السابق، وأن رجلاً من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفاً (١). وعلى هذا: الواجب من الإبل مئة، ومن الذهب ألف دينار (٢)، ومن الفضة عشرة آلاف درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم عند الجمهور، ومن البقر مئتا بقرة، ومن الغنم ألفان، ومن الحلل، أي الثياب مئتا حلة: إزار ورداء. خامساً - تغليظ الدية وتخفيفها: الدية إما مغلظة أو مخففة، وتجب الدية عند الحنفية في شبه العمد وفي الخطأ وفي شبه الخطأ وفي القتل بسبب، وفي العمد أيضاً إذا اشتمل القتل على شبهة: وهي الحالة التي يقتل فيها الأب ابنه. وقد تجب الدية في العمد برضا القاتل وولي الدم، أي عند التراضي عليها فيما إذا حصل عفو من ولي القتيل أو من بعض الأولياء، فيكون للباقي نصيبه من دية العمد. ولا تتغلظ الدية إلا في حالة الوفاء بها بالإبل خاصة؛ لأن الشرع ورد بها، والمقدرات الشرعية لا تعرف إلا سماعاً ونقلاً من طريق الشرع، إذ لا مدخل للرأي فيها؛ فلا تتغلظ الدية في الدنانير والدراهم، بأن يُزاد على ألف دينار، أو على عشرة آلاف درهم (عند الحنفية). وتتغلظ الدية في القتل العمد وفي شبه العمد عند الجمهور (٣). وقال

стр. 5544

المالكية (١): تتغلظ الدية في القتل العمد إذا قبلها ولي الدم، وفي حالة قتل الوالد ولده. وإذا غلظت الدية تجب مثلثة عند المالكية والشافعية ومحمد بن الحسن (أي ثلاثون حقه وثلاثون جَذَعة، وأربعون خَلِفة أي حاملاً، لخبرالترمذي بذلك). وهذا عند المالكية في حال قتل الأصل ولده، أما في القتل العمد إذا عفا ولي الدم، فتجب الدية عندهم مربعة، بحذف ابن اللبون من الأنواع الخمسة الواجبة في القتل الخطأ. وتجب حينئذ مربعة، أي أرباعاً عند الحنفية ما عدا محمداً، والحنابلة (٢): (خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة) (٣). وأما الدية المخففة في القتل الخطأ ونحوه، فتجب مخمسة، أي أخماساً باتفاق المذاهب (وهي عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة) وهذا رأي الحنفية والحنابلة، بدليل ما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض» (٤) ولأن ابن اللبون يجب على طريق البدل عن ابنة المخاض في الزكاة إذا

стр. 5545

لم يجدها، فلا يجمع بين البدل والمبدل في واجب واحد (١). وجعل المالكية والشافعية (٢) مكان (بني المخاض): (بني اللبون) بدليل ما روى الدارقطني وسعيد بن منصور، في سننهما عن النَّخعي عن ابن مسعود، وقال الخطابي: روي أن النبي ﷺ ودى الذي قتل بخيبر بمئة من إبل الصدقة، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. وتغلظ عند الشافعية والحنابلة (٣) دية القتل الخطأ في النفس والجراح في حالات ثلاث: ١ - إذا حدث القتل في حرم مكة، تحقيقاً للأمن. ٢ - أو حدث في الأشهر الحرم: وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ٣ - أو قتل القاتل قريباً له ذا رحم محرم، كالأم والأخت. وعلى هذا الرأي تغلظ الدية بأحد أسباب خمسة: كون القتل عمداً، أو شبه عمد، أو في الحرم، أو الأشهر الحرم، أو لذي رحم محرم. والدليل على تربيع (٤) الدية المغلظة عند الحنفية ما عدا محمداً، وعند الحنابلة: هو ما رواه الزهري عن السائب بن يزيد، قال: كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعاً: «خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض» وقضى بذلك ابن مسعود،

стр. 5546

ولأن الدية حق يتعلق بجنس الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل في بعضها، كالزكاة والأضحية (١). وأما دليل المالكية والشافعية ومحمد بن الحسن في تثليث (٢) الدية المغلظة، فهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «من قَتَل متعمداً، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفة، وما صولحوا عليه فهو لهم» (٣) وذلك لتشديد القتل. وحديث آخر عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» (٤). والخلاصة: أن دية العمد تغلظ عند الجمهور بتخصيصها بالجاني، وتعجيلها عليه، أي كونها حالَّة عند غير الحنفية، وتربيعها في رأي الحنفية والحنابلة، وتثليثها في رأي عند المالكية والشافعية. ودية شبه العمد: تخفف من ناحيتين (وهما فرض الدية على العاقلة، والتأجيل بثلاث سنين) وتغلظ من ناحية واحدة: وهي التربيع في رأي، والتثليث في رأي آخر. ودية الخطأ: تخفف من نواح ثلاث: إلزام العاقلة بها، والتأجيل ثلاث سنين، وتخميسها.

стр. 5547

سادساً - وقت أداء الدية: تجب دية العمد وشبه العمد والخطأ عند الحنفية (١) مؤجلة في ثلاث سنين، عملاً بفعل عمر ﵁، ويكفي العامد تغليظ الدية عليه، وإيجابها في ماله. وقال جمهور الفقهاء (٢): دية العمد تجب معجلة (حالَّة) في ماله، غير مؤجلة؛ لأن الدية فيه بدل عن القصاص، وبما أن القصاص حالّ الأداء، فبدله وهو الدية حال مثله، ولأن في التأجيل تخفيفاً على القاتل، والعامد يستحق التغليظ لا التخفيف، بدليل وجوب الدية في ماله لا على العاقلة. وأما دية الخطأ فتجب عند الجمهور كالحنفية مؤجلة في مدى ثلاث سنوات، تخفيفاً عن العاقلة، بدليل ما روي عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ولا مخالف لهما في عصرنا، فكان إجماعاً (٣). وكذلك دية شبه العمد عند الجمهور تجب مؤجلة لثلاث سنين، في كل سنة ثلثها. سابعاً - الملزم بأداء الدية: اتفق الفقهاء على أن دية القتل العمد تجب على القاتل في ماله وحده،

стр. 5548

ولاتحملها العاقلة؛ لأن الأصل في كل إنسان أن يسأل عن أعماله الشخصية المدنية كالإتلافات، والجنائية كالجرائم، ولا يسأل عنها غيره لقوله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ [الطور:٢١/ ٥٢] ﴿ولا تزو وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام:١٦٤/ ٦] ﴿قل: لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون﴾ [سبأ:٢٥/ ٣٤]. ويؤيده ما جاء في السنة من قول النبي ﷺ : «لا يجني جانٍ إلا على نفسه» (١)، وقال النبي ﷺ لبعض أصحابه حين رأى معه ولده: «ابنك هذا؟» قال: نعم، قال: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه» (٢). وثبت في السنة بنحو خاص: «لا تعقل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً» (٣). ويرى الفقهاء ما عدا المالكية (٤) أن دية شبه العمد، والخطأ على العاقلة، كما سيأتي في عقوبة كل منهما. وأما دية القتل العمد الصادر من الصبي أو المجنون، فقال الحنفية والمالكية والحنابلة (الجمهور) (٥): إنها على عاقلته، وعبارتهم فيها: عمد الصبي وخطؤه

стр. 5549

سواء، بدليل أن مجنوناً صال على رجل بسيف، فضربه، فرفع ذلك إلى علي ﵁، فجعل ديته على عاقلته، بمحضر من الصحابة ﵃، وقال: عمده وخطؤه سواء. وقال الشافعية (١): الأظهر أن عمد الصبي عمد إذا كان مميزاً، وإن لم يكن له تمييز فهو خطأ قطعاً، أي أنه سواء أكان مميزاً أم غير مميز لا قصاص عليه لعدم تكليفه بالحلال والحرام شرعاً، لكن تجب الدية في ماله، ولا تتحملها عنه عاقلته إذا كان مميزاً، وكان القتل عمداً؛ لأن العاقلة (العصبة) لا تتحمل دية القتل العمد أو حالة الصلح أو الاعتراف، كما تقدم. وبما أن فعله يعدّ عمداً إذا كان مميزاً في الراجح عند الشافعية، فلا تتحمل العاقلة دية القتيل الذي جنى عليه، وتكون الدية عليه مغلظة. ثامناً - متى تجب الدية كاملة، وهل يتساوى كل الناس في دية العمد؟ قال الحنفية والمالكية (٢): دية العمد عند العفو عن القصاص غير محدودة، والواجب هو ما يتم التراضي أو الاتفاق عليه بين الجاني وولي الدم، سواء أكان المال قليلاً أم كثيراً، فإن انبهمت أي لم تحدد الدية كانت بحسب المقدار الشرعي (مئة من الإبل أو ما ينوب منابها من الدنانير والدراهم). وقال الشافعية والحنابلة (٣): دية العمد بحسب المقدار المحدد شرعاً: مئة بعير، لقوله ﷺ في حديث عمرو بن حزم في الديات: «في النفس مائة من الإبل».

стр. 5550

وأما تساوي الديات بين الناس: ففيه خلاف: قال الشافعية (١): قد يعرض للدية ما ينقصها، وهو أحد أسباب أربعة: الأنوثة، والرق، وقتل الجنين، الكفر، فالأول يردها إلى الشطر، والثاني إلى القيمة المختلفة بحسب كل شخص، والثالث إلى الغرة، والرابع إلى الثلث أو أقل. وأذكر هنا الخلاف في أمرين: الأنوثة، والكفر. الأنوثة (دية المرأة): اتفق الفقهاء ما عدا النادر (٢) على أن دية المرأة نصف دية الرجل، عملاً بأحاديث وآثار وبالمعقول. أما الأحاديث، فمنها قوله ﵇ مرفوعاً عن معاذ: «دية المرأة نصف دية الرجل» (٣)، وروي موقوفاً عن علي: «عقل المرأة على النصف من عقل الرجل في النفس، وفيما دونها» (٤). والآثار فيها كثيرة مروية عن عمر وعلي وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت رضوان الله عليهم، فكان هناك إجماع من الصحابة على تنصيف دية المرأة. والمعقول: أن المرأة في ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل، فكذلك ديتها.

стр. 5551

وحكي عن ابن عُلَيَّة وأبي بكر الأصم من نفاة القياس: أن دية المرأة كدية الرجل، لقوله ﵊ في حديث عمرو بن حزم: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل». الكفر (دية غيرالمسلم): اختلف الفقهاء في تقدير دية غير المسلم على آراء ثلاثة: ١ - قال الحنفية (١): إن دية الذمي والمستأمن كدية المسلم، فلا يختلف قدر الدية بالإسلام والكفر، لتكافؤ الدماء، وعملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلَّمة إلى أهله﴾ [النساء:٩٢/ ٤] ولأنه ﵊ «جعل دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار» (٢). ٢ - وقال المالكية والحنابلة (٣): دية الكتابي (اليهودي والنصراني) المعاهد أو المستأمن نصف دية المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين، أي كنساء المسلمات، لقوله ﵊: «دية المعاهد نصف دية المسلم» (٤) أو «إن دية المعاهد نصف دية المسلم» (٥) أو «دية عقل الكافر نصف عقل المسلم» (٦). ٣ - وقال الشافعية (٧): دية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن ثلث دية

стр. 5552

المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ «فرض على كل مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم» (١). وقضى بذلك عمر وعثمان ﵄ (٢)، ولأنه أقل ما أجمع عليه في المسألة. واتفق غير الحنفية على أن دية المجوسي والوثني المستأمن كعابد الشمس والقمر والزنديق ثمان مئة درهم، أي ثلثا عشر دية المسلم بتقدير الجمهور، وأن نساءهم نصف دياتهم، أي أربع مئة درهم، كما قال بعض الصحابة مثل عمر وعثمان وابن مسعود ﵃، ربعض التابعين كسعيد بن المسيب وسليمان ابن يسار وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم (٣). والمذهب المنصوص عند الشافعية: أن من لم يبلغه الإسلام: إن تمسك بدين لم يبدَّل، فتجب له دية أهل دينه، فإن كان كتابياً فدية كتابي، وإن كان مجوسياً فدية مجوسي، وإن تمسك بدين بدِّل فديته كدية المجوسي. وقال الحنابلة والحنفية: لا يجوز قتل هذا الشخص إن وجد، حتى يدعى إلى الإسلام، فإن قتل قبل الدعوى من غير أن يعطى أماناً، فلا ضمان فيه؛ لأنه لا عهد له ولا إيمان. العقوبة البدلية الثانية للعمد - التعزير: إذا سقط القصاص في القتل العمد، كان التعزير عقوبة بدلية عنه؛ لكن هل التعزير أمر واجب أو جائز؟ وقد أشرت له في حالة عفو ولي الدم.

стр. 5553

١ - قال المالكية (١): يجب تعزير القاتل العمد إذا لم يقتص منه، والعقوبة هي جلد مئة، وحبس سنة، عملاً بأثر ضعيف عن عمر. ٢ - وقال الجمهور (٢): لا يجب التعزير، وإنما يفوض الأمر للحاكم، يفعل ما يراه مناسباً للمصلحة، فيؤدب الشرير بالحبس أو الضرب أوالتأنيب ونحوها. ويمكن أن يكون التعزير عند الحنفية والمالكية هو القتل أو الحبس مدى الحياة. النوع الثالث - العقوبة التبعية للقتل العمد - الحرمان من الميراث والوصية: ثبت في السنة تشريع عقوبة أخرى للقتل العمد وهي الحرمان من الإرث، والوصية، وذلك في قوله ﷺ : «ليس لقاتل ميراث» (٣) وفي رواية: «لا يرث القاتل شيئاً» (٤). وفي قوله ﵊: «ليس لقاتل وصية» (٥). فإذا قتل الوارث مورثه، أو الموصى له الموصي، حرم من الميراث والوصية، عملاً بمبدأ سد الذرائع، كيلا يطمع أحد بمال مورثه، فيتعجل موته بالقتل. لكن اختلف الفقهاء في نوع القتل المانع من الميراث أو الوصية. أولاً - الحرمان من الميراث: القتل من حيث المبدأ مانع من الميراث بالاتفاق، لكن الخلاف في تحديد صفة القتل.

стр. 5554

فقال الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (١): إن القتل العدوان بغير حق، الصادر من البالغ العاقل، عمداً أم خطأ، مانع من الميراث. لكن يشترط عند الحنفية أن يكون القتل مباشرة لا تسبباً. ولم يميز الشافعية والحنابلة بينهما، فقالوا: لا فرق بين المباشرة والتسبب، فكلاهما مانع من الإرث. وإذا كان القتل بحق وهو القتل غير المضمون كالقتل قصاصاً أو حداً أو دفاعاً عن النفس أو قتل العادل الباغي، أو كالقتل الحادث بسبب التأديب كضرب الأب والزوج والمعلم، فلا يمنع الميراث عند الحنفية والحنابلة، ويمنع الميراث عند الشافعية، أي أن القتل غير المضمون يمنع الإرث عند الشافعية، وعند الحنابلة لايمنع. والقتل بإكراه مضمون عند الشافعية والحنابلة، فيمنع الميراث. والقتل الصادر من الصبي أو المجنون أو النائم لا يمنع الميراث عند الحنفية، ويمنع الميراث عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه قتل بالتسبب. وقال المالكية (٢): إن القتل العمد، ومثله شبه العمد المعروف عند غيرهم والمقرر استثناء لديهم هو المانع من الميراث، سواء أكان مباشرة أم تسبباً، وأما القتل الخطأ فلا يحرم الإرث. وعلى هذا فأشد المذاهب في جعل القتل مانعاً من الميراث هم الشافعية ثم الحنابلة، ثم الحنفية ثم المالكية. والسبب في التشدد إطلاق حديث: «ليس للقاتل شيء» ولأن القاتل لو ورث لم يؤمن أن يستعجل الإرث بالقتل، فاقتضت المصلحة حرمانه: «من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه».

стр. 5555

ثانياً - الحرمان من الوصية: القتل المانع من الوصية عند الحنفية (١): هو القتل المانع من الإرث وهو أن يكون صادراً من بالغ عاقل، ومباشرة لا تسبباً، وعدواناً أي بغير حق، سواء أكان عمداً أم خطأ. وعند المالكية (٢): لا يصلح القتل الخطأ مانعاً من الوصية كالميراث، وأما القتل العمد ومثله شبه العمد، فهو مانع من الوصية على الراجح إن لم يعلم الموصي بأن الموصى له ضربه. فإن علم الموصي بمن ضربه أو قتله، ولم يغير وصيته، أو أوصى له بعد الضرب صحت الوصية، سواء قتله عمداً أم خطأ. ومثلهما قال الحنابلة (٣): الأصح أن القتل بغير حق، سواءأكان عمداً أم خطأ يبطل الوصية؛ لأنه يمنع الميراث، وهو آكد منها، فهي أولى بحرمان القاتل منها. وقال الشافعية (٤): الأظهر أن الموصى له لو قتل الموصي ولو تعدياً، استحق الموصى به؛ لأن الوصية تمليك بعقد فأشبهت عقد الهبة، وخالفت الإرث. والخلاصة: إن القتل المانع من الميراث مانع عند الجمهور من الوصية. وأما عند الشافعية: فلا يعتبر القتل مانعاً من الوصية، وإن منع الميراث. المبحث الثالث - القتل شبه العمد وعقوبته: لايعرف المالكية القتل شبه العمد، فهو في حكم العمد إلا في حالة قتل الأب

стр. 5556

ابنه فهو شبه عمد عندهم (١). وعرفه الجمهور، ولكنهم كما تبين اختلفوا في تحديد معناه، فهو عند أبي حنيفة: أن يتعمد الجاني الضرب بما ليس بسلاح أو ما في حكمه، كالقتل بالمثقل من عصا أو حجر أو خشب كبير. وعند الصاحبين والشافعية والحنابلة: القتل بالمثقل عمد. وشبه العمد: أن يتعمد الجاني الضرب بما لا يقتل غالباً كالحجر والخشب الصغير والعصا الصغيرة. وعقوبات القتل شبه العمد أنواع ثلاثة: أصلية، وبدلية، وتبعية. النوع الأول - العقوبة الأصلية: هناك عقوبتان أصليتان للقتل شبه العمد: وهما الدية والكفارة. المطلب الأول - الدية المغلظة: لا قصاص في القتل شبه العمد، بل فيه الدية المغلظة على العاقلة وهي العقوبة الأولى فيه (٢)، لقوله ﷺ : «ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا، مئة من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها» (٣) وهو رأي المالكية والشافعية، وتجب هذه الدية مربعة عند الحنابلة والحنفية. ودية شبه العمد مثل دية العمد في نوعها ومقدارها، وتغليظها، لكنها

стр. 5557

تختلف عنها في الملزم بها، وفي وقت أدائها، فدية العمد تجب على الجاني في ماله معجلة، ودية شبه العمد تجب على العاقلة مؤجلة في مدى ثلاث سنين. لكن الإمام مالك يرى أن شبه العمد كالعمد، في وجوب الدية في مال الجاني. إلا في حالة قتل الأب ابنه فيما إذاحذفه بسيف أو عصا، فقتله، ففيه دية شبه عمد: مغلظة مثلثة، مؤجلة كدية الخطأ. أولاً - الملزم بأداء دية شبه العمد: قال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) (١): تجب دية شبه العمد بطريق التعاون والتخفيف والمواساة للجاني على العاقلة، لا في مال الجاني. وبما أن المالكية (٢) يقسمون القتل إلى نوعين فقط: وهما العمد والخطأ، وليس عندهم شبه العمد، وهو في حكم العمد، فإنهم يوجبون دية شبه العمد في مال القاتل، لا في مال العاقلة إلا فيما استثناه الإمام مالك. وهذا موافق لرأي جماعة من فقهاء المذاهب غير المشهورة (وهم ابن سيرين والزهري والحارث العُكلي وابن شُبرمة وقتادة وأبو ثور وأبو بكر الأصم)؛ لأن هذا القتل موجَب فعل قصده الجاني، فلا تتحمله العاقلة عنه كالعمد المحض، ولأن دية هذا القتيل دية مغلظة، فأشبهت دية العمد. ودليل الجمهور حديث أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله

стр. 5558

ﷺ فقضى أن دية جنينها غرّه (١): عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها» (٢). قال ابن تيمية: وفيه دليل على أن دية شبه العمد تحملها العاقلة. ويؤكده أنه قتل لا يوجب قصاصاً، فتجب ديته على العاقلة، كالخطأ، ويختلف عن العمد المحض؛ أن العمد قصد فيه الجاني الفعل وإرادة القتل، فاستحق تغليظ الدية بكونها في ماله، وتدفع فوراً، وشبه العمد قصد فيه الجاني الفعل، ولم يرد القتل، فاستحق التخفيف من ناحيتين: هما كون الدية على العاقلة، وكونها مؤجلة كما في القتل الخطأ. و هل تجب الدية ابتداء على العاقلة أو على القاتل؟ هناك رأيان للفقهاء: قال الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية (٣): تجب ابتداء على القاتل؛ لأن سبب وجوبها وهو القتل، وجد منه، لا من العاقلة، فكان الوجوب عليه، لا على العاقلة، وإنما العاقلة تتحمل دية واجبة عليه. ويتحمل القاتل جزءاً من الدية مع العاقلة؛ لأنه هو المطالب أصالة بتحمل جريرة فعله، ودور العاقلة تابع، فهو مطالب بحفظ نفسه من ارتكاب الجرائم، وعاقلته مطالبة أيضاً بحفظه من الجريمة، فإذا لم يحفظوا فرَّطوا، والتفريط منهم ذنب. والقاتل يعتمد على مناصرة عاقلته وحمايتها له، فتشاركه في تحمل تبعة المسؤولية، لا أنها تستقل بتحملها عنه. وبناء على هذا الرأي: إذا لم يكن للجاني عاقلة يرجع بالدية كلها عليه،

стр. 5559

وهذا هو الأظهر عند الشافعية. لكنهم قالوا في حال وجود العاقلة: متى وزع الواجب في السنة الأولى على العاقلة أو بيت المال، وفضل شيء منه فهو على الجاني مؤجلاً عليه كالعاقلة. وقال الحنابلة (١): تجب الدية على العاقلة ابتداء؛ لأنه لا يطالب بها غيرهم، ولايعتبر تحملهم ولا رضاهم بها، فلا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل. ولا يتحمل القاتل عند الحنابلة جزءاً من الدية؛ لأن الدية تلزم العاقلة ابتداء، فإن لم توجد عاقلة أو عجزت، وكان الجاني مسلماً أخذت الدية أوباقيها من بيت المال حالَّة دفعة واحدة؛ لأن الدية إنما أجلت على العاقلة تخفيفاً ولا حاجة للتأجيل في بيت المال. ثانياً - وقت أداء دية شبه العمد: تؤدى دية شبه العمد كما تقدم في دية العمد مؤجلة في مدى ثلاث سنين، في آخر كل سنة ثلثها، وهو مروي عن النبي ﷺ ، ومحكي عن عمر وعلي ﵄، وكونها في آخر السنة لتتمكن العاقلة دفعها من إنتاج المواسم. وكونها في كل سنة الثلث، توزيعاً لها على السنين الثلاث. ويعتبر بدء السنة عند الحنفية (٢) من يوم الحكم أو القضاء بها، وهو رأي المالكية (٣) في دية الخطأ.

стр. 5560

وعند الشافعية والحنابلة (١): تبدأ السنة من وقت وجوب الدية، فإن كانت دية نفس، فمن حين الموت؛ لأنه وقت استقرار الوجوب في الذمة، وإن كانت دية غير النفس، فمن حين الجناية؛ لأنها تلك حالة الوجوب. ثالثاً - مقدار ما تتحمله العاقلة من دية شبه العمد: يرى الحنفية (٢): أن العاقلة لاتتحمل ما دون نصف عشر الدية (وهو خمس من الإبل: أرش الموضِحة) إذا كانت الجناية فيما دون النفس. أما بدل النفس فتحمله العاقلة، وإن قل؛ لأن بدل النفس ثبت بالنص على العاقلة. وأما ما دون النفس فعلى الجاني، لقول الشعبي: «لا تعقل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون أرش الموضحة» (٣). والأصح عند الحنفية: أنه لا يؤخذ في كل سنة من كل واحد من أفراد العاقلة إلا درهم، أو درهم وثلث، بحيث يؤخذ منه في مجموع الثلاث السنوات ثلاثة أو أربعة دراهم. وقال المالكية، والحنابلة (٤): لا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية؛ لأن عمر ﵁ قضى في الدية ألا يحمل منها شيء، حتى تبلغ عقل المأمومة، أي تعويضها، وهو ثلث الدية.

стр. 5561

ويتحمل عندهم كل فرد من أفراد العاقلة على قدر ما يطيق، بحسب اجتهاد الحاكم، وليس فيه تقدير شرعي محدد، فلا يكلف أحد ما يجحف به ويشق عليه؛ لأن تكليف العاقلة مشروع على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه. وأقل عدد للعاقلة عند المالكية بحيث لا ينقص عنه: هو سبع مئة، وقيل: ألف، فإذا وجد من العصبة هذا العدد، فلا يضم إليهم أحد، وإن نقصوا عن هذا العدد، ولو كانوا أغنياء، ضم إليهم ما يكمِّلهم من الموالي، أي المعتِقون. وقال الشافعية (١): تحمل العاقلة جميع الدية، قلَّت أو كثرت؛ لأنه إذا ألزمت بالكثير فالقليل من باب أولى. وتوزع على النحو التالي: على الغني من العاقلة: نصف دينار ذهب أو قدره، وعلى المتوسط (٢) ربع دينار أو ثلاثة دراهم، كل سنة من الثلاث السنوات؛ لأنها وجبت مواساة متعلقة بالحول، فتتكرر بتكرره كالزكاة. فيصبح جميع ما يلزم الغني في الثلاث السنين ديناراً ونصفاً، والمتوسط يلزمه نصف دينار وربع. رابعاً - هل تحمل العاقلة خطأ الحاكم؟ تتحمل العاقلة الخطأ الشخصي للإمام والحاكم: وهو الذي لا صلة له بالحكم والاجتهاد. أما الخطأ الناجم عن الحكم والاجتهاد ففيه رأيان (٣):

стр. 5562

قال الجمهور (الشافعية في قول راجح والمالكية والحنابلة): يجب على عاقلته أيضاً، لما روي عن عمر ﵁ أنه بعث إلى امرأة ذكرت بسوء، فأجهضت جنينها، فقال عمر لعلي: عزمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على قومك (١)، أي قريش، ولأن الحاكم جانٍ، فكان خطؤه على عاقلته كغيره. وقال الحنفية (٢): عقل (أي تعويض) خطأ الحاكم في بيت المال؛ لأن الخطأ يكثر في أحكامه واجتهاده، فإيجاب عقله على عاقلته مجحف بهم، ولأن الحاكم نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله، فكان أرش جنايته في مال الله سبحانه. وهذا هو رأي العز بن عبد السلام من الشافعية (٣). خامساً - من العاقلة، وهل تتحمل الدية في العصر الحاضر؟ العاقلة: هي التي تتحمل العقل أي الدية، وسميت الدية عقلاً؛ لأنها تعقل الدماء من أن تسفك، أي تمسكه، ومنه سمي العقل؛ لأنه يمنع القبائح. واختلف الفقهاء في تحديد العاقلة على ثلاثة مذاهب: ١ - قال الحنفية (٤): العاقلة: هم أهل الديوان (٥)، إن كان القاتل من أهل

стр. 5563

الديوان، وهم الجيش أو العسكر الذين كتبت أساميهم في الديوان: وهو جريدة الحساب. أو هم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين، أي أهل الرايات والألوية، تؤخذ من عطاياهم أو من أرزاقهم (١) لا من أصول أموالهم. بدليل فعل عمر ﵁، فإن الدية كانت على أهل النصرة، وكانت بأنواع: بالقرابة، والحلف، والولاء، والعقد، فلما دوَّن عمر الدواوين جعل العقل (الدية) على أهل الديوان بمحضر من الصحابة ﵃ (٢). وإن لم يكن القاتل من أهل الديوان، فعاقلته: قبيلته وأقاربه، وكل من يتناصر هو بهم؛ لأنه يستنصر بهم. فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسباً على ترتيب العصبات: الأقرب فالأقرب، فيقدم الإخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام ثم بنوهم، وأما من لم يكن له عاقلة كاللقيط والحربي أو الذمي الذي أسلم فعاقلته بيت المال في ظاهر الرواية. والقاتل داخل مع العاقلة، فيكون - كما تقدم - فيما يؤدي مثل أحدهم؛ لأنه هو الجاني، فلا معنى لإخراجه، ومؤاخذة غيره، بل هو أولى بتحمل تبعة فعله. ولا يدخل في العاقلة آباء القاتل وأبناؤه (٣) ولا الأزواج؛ لأنه لا يتحقق بهم الكثرة، ولا النساء والصبيان والمجانين؛ لأن تحمل العاقلة تبرع بالإعانة، وهؤلاء ليسوا من أهل التبرع. ولا تتحمل العاقلة جناية العبد، ولاالعمد، ولا ما لزم صلحاً ولا اعترافاً،

стр. 5564

لقول الشعبي السابق ذكره، ولأنه لا يتناصر بالعبد، ولأن الإقرار مقصور على نفس المقر، فلا يتعدى إلى العاقلة، إلا أن يصدقوه في إقراره، ولأن ما لزم بالصلح عن دم العمد، يجب في القصاص، فإذا صالح عنه الجاني كان بدله في ماله. كما لا تتحمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعداً كما تبين، وما نقص عن هذا المقدار، فهو في مال الجاني. ٢ - ومذهب المالكية: أن العاقلة هم أهل الديوان (وهو الدفتر الذي يضبط فيه أسماء الجند وعددهم وعطاءاتهم وقدمهم) فإن لم يكن ديوان فالعصبة (ويبدأ بالإخوة، ثم بالأعمام، ثم من بعدهم من الأقارب) ثم بيت المال إن كان الجاني مسلماً؛ لأن بيت المال لا يعقل عن كافر، فإن لم يكن بيت مال، فتقسط الدية على الجاني (١). ٣ - وقال الشافعية والحنابلة (٢): العاقلة: هم قرابة القاتل من قبل الأب، وهم العصبة النسبية كالإخوة لغير أم والأعمام، دون أهل الديوان، بدليل ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قضى في المرأة بديتها على عصبة القاتل (٣). ويدخل عند المالكية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: الآباء والأبناء خلافاً لما قال الحنفية؛ لأنهم أحق العصبات بميراث الجاني، فكانوا أولى بتحمل عقله، أي ديته.

стр. 5565

واستثنى الشافعية كالحنفية الأصل من أب وإن علا، والفرع من ابن وإن سفل؛ لأنهم أبعاض الجاني، فكما لا يتحمل الجاني الدية لا يتحمل أبعاضه وهم الآباء والأبناء. وروى النسائي: «لا يؤخذ الرجل بجريرة (أي جريمة) ابنه» وفي رواية لأبي داود في خبر المرأتين اللتين اقتتلتا، من هذيل، السابق (١): «وبرأ الولد» أي من العقل، وقيس به غيره من الأبعاض. وفيها أيضاً «وبرأ زوجها». ويقدم الأقرب فالأقرب من العصبة: البنوة، ثم الأبوة عند من يدخلهم في العاقلة، ثم الأخوة، ثم العمومة. وأعمام الأب ثم بنوهم مقدمون على أعمام الجد ثم بنوهم. ومن لم تكن له عاقلة أديت ديته من بيت المال، لقوله ﷺ : «أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه» (٢). فإن فقد بيت المال فالواجب عند المالكية والشافعية على الجاني، والجاني أحد العاقلة؛ لأن الدية عندهم تلزمه ابتداء، تتحملها العاقلة. وليس عند الحنابلة على القاتل في هذه الحالة شيء، كما أنه ليس واحداً من العاقلة؛ لأن الدية عندهم لزمت العاقلة ابتداء. وتوزع الدية على أفراد العاقلة قريبهم وبعيدهم، حاضرهم وغائبهم، صحيحهم ومريضهم، ولو هرماً وزمِناً وأعمى؛ لأن النبي ﷺ قضى في امرأة بني لَحْيان التي توفيت بسبب الاعتداء عليها وعلى جنينها بأن العقل على عصبتها (٣)، كما أن النبي ﷺ في حادثة أخرى قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها (٤).

стр. 5566

ولا تؤخذ الدية من فقير من العاقلة ولا امرأة ولا صبي ولا زائل العقل؛ لأن تحمل الدية للتناصر، والمواساة، والفقير لا يقدر على المواساة، وغيره ليس من أهل النصرة. ومن مات من العاقلة أو افتقر أو جُنَّ قبل آخر الحول لم يلزمه شيء؛ لأنه مال يجب في آخر العام على سبيل المواساة، فأشبه الزكاة. مصير نظام العواقل في الوقت الحاضر في رأي متأخري الحنفية: إن نظام العواقل مستثنى من القاعدة العامة في تحمل كل مخطئ وزر نفسه، ولكن دون أن يلزم العاقلة شيء من ذنب الجاني أخروياً. والسبب في هذا الاستثناء هو مواساة القاتل ومناصرته وإعانته والتخفيف عنه، ودعم أواصر المحبة والألفة والإصلاح بين أفراد الأسرة، والحفاظ على حقوق المجني عليه حتى لاتذهب الجناية عليه هدراً إذا كان القاتل فقيراً، وأغلب الناس فقراء، فكان في ذلك النظام عدالة ومساواة في المجتمع، حتى لا يحرم أحد من التعويض بسبب فقر الجاني. ثم إن هذا النظام فيه تقدير للباعث الذي يشاهد عند القاتل، إذ لولا استنصاره بأسرته واعتماده على قوتهم لتثبت في الأمر ملياً، وصدرت أفعاله عن روية كاملة ووعي تام، لذا اعتبر الفقه الإسلامي أن الجناية الواقعة منسوبة ضمناً إلى كل فرد من أفراد العاقلة، فأوجبت الدية عليهم جميعاً (١). وكان بذل المال من العاقلة بديلاً عن النصرة التي كانت في الجاهلية، حيث كانت القبيلة تمنع الجاني وتحميه كيلا يدنو منه أولياء القتل للأخذ بالثأر.

стр. 5567

وبالرغم من كل هذه المزايا، فإن نظام العاقلة كان مناسباً للبيئة التي كانت فيه الأسرة الواحدة متماسكة البنيان، متناصرة فيما بينها على السراء والضراء. أما وإنه قد تفككت الأسر، وتحللت عرى الروابط بين الأقارب، وزالت العصبية القبلية، ولم يعد الاهتمام بالنسب أمراً ذا بال، فلم يبق بالتالي محل لنظام العواقل، لفقدان معنى التناصر بين أفراد الأسرة. يرشد إليه أن نظام العاقلة تطور - في رأي الحنفية - من الأسرة إلى العشيرة، فالقبيلة، ثم إلى الديوان، ثم إلى الحرفة (١) (أو النقابة في عصرنا) ثم إلى بيت المال. وبما أن نظام العشيرة قد زال، وبيت المال قد تغير نظامه، واختلف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وفقدت عصبية القبيلة بعضهم لبعض، وصار كل امرئ معتمداً على نفسه دون قبيلته كما في النظام الحاضر، فإن دية القتل الخطأ أو شبه العمد، أصبحت في زماننا هذا واجبة في مال الجاني وحده، وقد نص عليه الحنفية (٢). وهذا موافق لرأي أبي بكر الأصم والخوارج الذين يجعلون الدية على القاتل لا على العاقلة، أخذاً بعموم الآيات والأحاديث التي تقرر مبدأ المسؤولية الفردية أو الشخصية عن الأفعال (٣). وهو أيضاً منسجم مع رأي باقي المذاهب الذين قرروا وجوب الدية على الجاني إذا لم توجد له عاقلة ولم يوجد بيت المال.

стр. 5568

المطلب الثاني - العقوبة الأصلية الثانية: الكفارة: القتل شبه العمد عند جمهور الفقهاء (١) القائلين به وهم غير المالكية: تجب فيه كفارة؛ لأنه ملحق بالخطأ المحض في عدم القصاص، وتحمل العاقلة ديته، وتأجيلها ثلاث سنين، فجرى مجرى الخطأ في وجوب الكفارة على الجاني. والكفارة كما تقدم في القتل العمد: هي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجدها في ملكه، أو لم يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته لشراء الرقبة وإعتاقها، أو لم يجد الرقبة فعلاً، وجب عليه صيام شهرين متتابعين، كما ورد في النص القرآني. والمالكية (٢) يعتبرون شبه العمد مثل العمد لا يوجب كفارة. ويلاحظ أن حوادث الدهس بالسيارات اليوم توجب الدية وكفارة القتل بالتسبب. النوع الثاني - العقوبة البدلية في القتل شبه العمد: إذا سقطت الدية لسبب ما، حل محلها التعزير، وعلى الحاكم عند المالكية تعزير القاتل بما يراه مناسباً. وجمهور الفقهاء يتركون الخيار في التعزير للحاكم، كما تقدم في تعزير القاتل عمداً. وأما الصوم فهو خصلة من خصال الكفارة التي هي عقوبة أصلية، ولكنها تأتي مُرتَّبة بعد العجز عن عتق الرقبة. النوع الثالث - العقوبة التبعية في القتل شبه العمد: يعاقب القاتل شبه العمد بعقوبتين أخريين عدا الدية، وهما الحرمان من الميراث والحرمان من

стр. 5569

الوصية، على النحو المبين في جزاء القتل العمد، عملاً بعموم حديثين هما: «ليس للقاتل ميراث» و «ليس لقاتل وصية» لكن الأول صحيح والثاني في سنده متروك يضع الحديث. المبحث الرابع - القتل الخطأ وعقوبته: القتل الخطأ كما عرفنا: هو ألا يقصد به الضرب ولا القتل، مثل لو سقط شخص على غيره فقتله، أو رمى صيداً فأصاب إنساناً، فهو نوع واحد عند الجمهور. ونوعان عند الحنفية؛ لأنهم يعتبرون حالة سقوط النائم على غيره، مما جرى مجرى الخطأ. ولا قصاص في الخطأ وشبهه باتفاق الفقهاء، وإنما له عقوبتان فقط: أصلية: وهي الدية والكفارة، وتبعية: وهي الحرمان من الميراث والوصية. وكذلك عقوبات القتل شبه الخطأ عند الحنفية هي مثل عقوبات الخطأ (الكفارة، والدية على العاقلة، وحرمان القاتل من الميراث والوصية) وأما القتل بالتسبب عند الحنفية كحافر البئر فله عقوبة واحدة هي الدية على العاقلة، وليس فيه كفارة ولا حرمان من الميراث والوصية (١)، وهو عند الجمهور كالقتل الخطأ. أما الصيام فهو أحد خصلتي الكفارة المنصوص عليها في القرآن الكريم في آية عقوبة القتل الخطأ: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلَّمة إلى أهله﴾ … ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ .. [النساء:٤/ ٩٢] وقد ذكر في الآية ثلاث كفارات: الأولى بقتل المسلم في دار الإسلام خطأ، والثانية بقتله في دار الحرب وهو لا يعرف إيمانه، والثالثة بقتل المعاهد وهو الذمي.

стр. 5570

أما دية الخطأ فهي - كما تقدم في العمد - مخمسة، أي تؤخذ أخماساً: ٢٠ بنت مخاض، و ٢٠ ابن مخاض، و ٢٠ بنت لبون، و ٢٠ حقة، و ٢٠ جذعة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة. وجعل المالكية والشافعية عشرين بني لبون مكان «عشرين بني مخاض». واستدل كل من الفريقين برواية عن ابن مسعود (١). واتفق الفقهاء (٢) على أن دية الخطأ على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين، عملاً بقضاء النبي ﷺ بدية الخطأ على العاقلة (٣)، وبفعل عمر وعلي ﵄ بجعل هذه الدية على العاقلة في ثلاث سنين (٤). والتأجيل عند الحنفية يشمل ما تحمله العاقلة والجاني معاً، وأما عند الجمهور فيجب حالاً كل ما لا تحمله العاقلة؛ لأنه بدل متلف، فلزم حالاً كقيم المتلفات. أما الذي تحمله العاقلة فيجب مواساة، فلزم التأجيل تخفيفاً على متحمله غير الأصلي. والسبب في إلزام العاقلة الدية: أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له تخفيفاً عنه؛ إذ كان معذوراً في فعله بسبب عدم قصده، وينفرد هو بالكفارة. ولا تتغلظ دية الخطأ عند الحنفية والمالكية. وتتغلظ عند الشافعية والحنابلة في حالات ثلاث، كما تقدم في دية العمد.
следующие страницы →