ففي الجائفة: ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم: «وفي الجائفة ثلث الدية».
وغير الجائفة: فيها حكومة عدل.
حكومة العدل (ضابطها وتقديرها) أشرت لذلك سابقاً، وأوضح الآن مايلي:
أما ضابط حكومة العدل فهو: كل ما لا قصاص فيه من الجنايات على ما دون النفس، وليس له أرش مقدر، ففيه حكومة (١). مثل كسر العظم إلا السن، واليد الشلاء ونحوها.
وأما كيفية تقديرها: فقد أشرت لطريقتين، أولاهما للطحاوي الحنفي وهي المفتى بها عند الحنفية، والمقررة في المذاهب الأخرى (٢): وهي أن يقوَّم المشجوج أو المجروح كما لو كان عبداً بدون شج أو جرح، ثم يقوَّم وهما به، فيجب بمقدار التفاوت بين القيمتين، بنسبتهما من الدية في الأحرار، فلو كانت قيمته وهو عبد صحيح عشرة، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة، فيكون فيه عشر ديته.
ولكن يتعذر اللجوء لهذه الطريقة في الوقت الحاضر، لعدم وجود الرق.
والطريقة الثانية - هي للكرخي: وهي أن تقرب الجناية إلى أقرب الجنايات التي لها أرش مقدر، ففي الشجاج مثلاً ينظر كم مقدار الشجة من الموضحة، فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية المقرر للموضحة (٣).
стр. 5602
غير أن هذه الطريقة محصورة التطبيق في شجاج الرأس والوجه.
وقيل بطريقة ثالثة ربما كانت أنسب الطرق في عصرنا، وهي أن تقدر الجناية بمقدار ما يحتاج إليه المجني عليه من النفقة وأجرة الطبيب والأدوية إلى أن يبرأ (١). فإن لم يبرأ الجرح وأحدث عاهة مستديمة، أو ترك أثراً دائماً فيلاحظ الأثر.
ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح؛ لأن أرش الجرح المقدر إنما يستقر بعد برئه، فإن لم تنقصه الجناية شيئاً، مثل: إن قطع أصبعاً أو يداً زائدة، أو قلع لحية امرأة، فلم ينقصه ذلك، بل زاده حسناً فلا شيء على الجاني؛ لأن حكومة العدل لأجل جبر النقص، ولا نقص حينئذ، فأشبه ما لو لطم وجهه فلم يؤثر (٢).
دية جراح المرأة: للفقهاء رأيان في تقدير ديات جراح المرأة:
١ - قال الحنفية والشافعية (٣): الجناية على ما دون النفس في المرأة تقدر بحسب ديتها، وبما أن دية المرأة نصف دية الرجل، فتكون جراحها وشجاجها نصف جراح الرجل وشجاجه، إلحاقاً لجُرحها بنفسها.
٢ - وقال المالكية والحنابلة (٤): دية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيما دون ثلث الدية الكاملة، فإن بلغت الثلث أو زادت عليها رجعت إلى نصف دية الرجل. وعلى هذا إن قطعت أصبع المرأة ففيها عشر من الإبل، وإن قطعت ثلاث أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، فإن قطع أربعة أصابع ففيها عشرون من الإبل.
стр. 5603
ودليلهم ما روى النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها». وروى مالك في الموطأ، والبيهقي، وسعيد بن منصور عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب، كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: لما عظمت مصيبتها قل عقلها؟ قال سعيد: هكذا السنة ياابن أخي.
ويضيف البيهقي جواباً على اعتراض ربيعة قول ابن المسيب: أعراقي أنت؟ قال ربيعة: عالم متثبت، أو جاهل متعلم، قال: يا ابن أخي، إنها السنة (١).
المبحث الثاني - عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ:
إن عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ، هي الدية أو الأرش (٢). والدية المقصودة هنا هي الكاملة، والأرش المقصود هنا: هو الأقل من الدية. وليس هناك أية عقوبة بدلية أخرى. وقد أبنت أحوال وجوب الدية والأرش في إبانة الأطراف والشجاج والجراح العمد.
ولكن من يتحمل الدية أو الأرش المقدر (لا حكومة العدل عند الحنفية) في حال الخطأ؟ العاقلة هي التي تتحملها فيما زاد عن نصف عشر الدية في رأي الحنفية، أو عن ثلث الدية ولو في الطرف أو الجرح في رأي المالكية والحنابلة.
стр. 5604
وتتحمل العاقلة عند الشافعية كل التعويض الواجب، حتى الحكومات قل أو كثر، كما تبين في مقدار ما تتحمله العاقلة في شبه العمد.
ويلاحظ أن عمد الصبي والمجنون عند الجمهور خطأ تحمله العاقلة (١)، والأظهر عند الشافعية كما بان سابقاً: أن عمد الصبي عمد إذا كان مميزاً، وإلا فهو خطأ، لكن لا قصاص عليه في حالة العمد، لكن تجب الدية في ماله، ولا تتحملها عنه عاقلته (٢).
стр. 5605
الفَصْلُ الثّالث: الجِناية على نفس غير مكتملة (الجناية على الجنين، أو الإجهاض) إذا ضرب إنسان (أب أو أم أو غيرهما) امرأة حاملاً على بطنها أو ظهرها، أو جنبها أورأسها أو عضو من أعضائها، أو أخافها بالضرب أو القتل أو الصياح عليها فأجهضت أوألقت جنينها، فإما أن تلقيه ميتاً أو حياً، وفيه مبحثان:
المبحث الأول - حالة إلقاء الجنين ميتا ً:
إذا انفصل الجنين عن أمه ميتاً، فعقوبة الجاني هي دية الجنين، ودية الجنين ذكراً أو أنثى، عمداً أو خطأ: غرة (١) - عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل، أي نصف عشر الدية، أو ما يعادلها وهو خمسون دينارا أو خمس مئة درهم عند الحنفية أو ست مئة درهم عند الجمهور (٢)، على الخلاف في تقويم الدينار بالدراهم.
والدليل عليه أحاديث صحيحة متعددة، منها: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما
стр. 5606
في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرة - عبد أو وليدة (١)، وقضى بدية المرأة (٢) على عاقلتها» (٣).
من تجب عليه الغرة: إذا كانت الجناية عمداً، وجبت مغلظة، أي حالَّةً معجلة في مال الجاني المتعمد، ولا يتصور العمد إلا عند المالكية، وبناء عليه قالوا: دية الجنين تكون حالَّة معجلة لا منجَّمة (أي مقسّطة)، وتكون من النقدين: الذهب أو الفضة، ولا تكون من الإبل، وتكون في مال الجاني في العمد مطلقاً، وكذا في حالة الخطأ إلا أن تبلغ ثلث دية الجاني فأكثر، فتكون حينئذ على العاقلة (٤)، كما لو ضرب مجوسي مسلمة فألقت جنيناً.
وأما في حالة الخطأ أو شبه العمد، وهذا هو المتصور عند الجمهور، فتحمل العاقلة الدية، والجاني واحد من العاقلة عند الجمهور، وليس واحداً منها عند الحنابلة، كما بان في دية القتل شبه العمد. والدليل له حديث المغيرة: «أن امرأة ضربتها ضَرَّتها بعمود فِسطاط (خيمة)، فقتلتها وهي حبلى، فأتي بها النبي ﷺ ، فقضى فيها على عصبة القاتلة بالدية في الجنين غرة، فقال عصبتها: أندي مالا طعِم ولا شرب ولا صاح ولا استهل (٥)، مثل ذلك يُطَلّ (٦)؟ فقال: سجع مثل سجع الأعراب» (٧).
стр. 5607
لكن الشافعية قالوا: إن كانت الجناية خطأ وجبت دية مخففة، وإن كانت شبه عمد، وجبت دية مغلظة كما في الدية الكاملة. ونص الحنفية على أن العاقلة تضمن الغرة إذا أسقطت الأم عمداً جنينها ميتاً بدواء أو فعل، كأن ضربت هي بطنها، بلا إذن زوجها. فإن أذن أو لم يتعمد فلا غرة، لعدم التعدي (١). ولا خلاف بين العلماء في إلزام الأم بالغرة في هذه الحالة، وأضاف إليها الشافعية والحنابلة وجوب الكفارة (٢).
وتتعدد الغرة بتعدد الأجنة.
وتجب دية الجنين عند الحنفية والحنابلة في سنة (٣)، وهو الأصح عند الشافعية (٤)؛ لأن التأجيل في ثلاث سنين خاص بدية نفس كاملة. فإن كانت الدية بمقدار ثلث دية المسلم كدية الذمي فتؤجل سنة فقط. ومثلها دية المأمومة.
من تجب له الغرة: اتفق أئمة المذاهب الأربعة وهو الراجح عند المالكية (٥) على أن الغرة تورث عن الجنين بحسب الفرائض الشرعية المعلومة لذوي الفرض والتعصب. والجاني الضارب إذا كان قريباً ولو أباً لا يرث من الغرة شيئاً؛ لأنه قاتل بغير حق، والقاتل لا يرث بنص الحديث النبوي.
شروط وجوب دية الجنين: يشترط لوجوب دية الجنين شرطان:
١ - أن تؤثر الجناية في الجنين كضرب أو إيجار دواء ونحوهما.
стр. 5608
٢ - انفصال الجنين ميتاً، فلو لم ينفصل أو انفصل حياً، لم تجب له الدية.
هل تجب الكفارة على الضارب؟ لا كفارة عند الحنفية (١) على الضارب، إن سقط الجنين كامل الخلقة ميتاً، إلا أن يشاء ذلك، فهو أفضل، تقرباً إلى الله تعالى بما يشاء إن استطاع، ويستغفر الله سبحانه مما صنع، أي أنه لا كفارة وجوباً بل ندباً.
وكذلك قال المالكية (٢): تستحب الكفارة في قتل الجنين، ولا تجب.
وقال الشافعية والحنابلة (٣): تجب الكفارة في الإجهاض، سواء ألقت الأم الجنين حياً أم ميتاً؛ لأنه نفس مضمونة، ولقوله تعالى: ﴿ومن قتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء:٩٢/ ٤] والجنين محكوم بإيمانه تبعاً لأبويه أو لأحد أبويه. وإن كان من أهل الذمة فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، وقد نص الله على الكفارة في أهل الميثاق. فمن لم يجد الرقبة حساً، أو شرعاً بأن وجدها بأكثر من ثمن المثل، صام شهرين متتابعين.
متى يجب التعويض المالي (الغرة) عن الجنين؟
اختلف الفقهاء في وقت وجوب الغرة عن الجنين: فقال الحنفية: يكفي استبانة بعض خلقه كظفر وشعر (٤). وقال المالكية: تجب الغرة إذا كان الجنين
стр. 5609
مضغة أو كاملاً، أما إن كان علقة أي دماً مجتمعاً بحيث إذا صب عليه الماء الحار يذوب، فليس فيه شيء (١).
وقال الشافعية والحنابلة: تجب غرة الجنين إذا كان مضغة وثبت ذلك بالشهادة، فعند الشافعية: بشهادة أربعة نسوة، وعند الحنابلة بشهادة ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية. ولا شيء فيه إذا كان نطفة أو علقة (٢).
المبحث الثاني - حالة إلقاء الجنين حيا ً:
إذا انفصل الجنين حياً ثم مات بسبب الجناية عمداً، فهل يجب القصاص من الضارب؟
قال المالكية (٣): الراجح وجوب القصاص إذا أدى الفعل في الغالب إلى الموت كالضرب على البطن أو الظهر. وتجب الدية فقط لا الغرة إذا لم يؤد الفعل غالباً إلى نتيجة كالضرب على اليد أو الرجل؛ لأن الجنين إذا استهل صار من جملة الأحياء، فلم يكن فيه غرة (٤).
وقال الحنفية والحنابلة والأصح عند الشافعية (٥): إن الجناية على الجنين لا تكون عمداً، وإنما هي شبه عمد أو خطأ؛ لأنه لا يتحقق وجود الجنين وحياته حتى يقصد، فتجب الدية كاملة. ولا يرث الضارب منها شيئاً.
стр. 5610
وأوجب الحنفية في هذه الحالة الكفارة، كما قال الشافعية والحنابلة في إيجابها مطلقاً، سواء في حالة إلقاء الجنين ميتاً أو حياً.
وتتعدد الدية بتعدد الأجنة.
فإن ماتت الأم أيضاً من الضربة بعد موت الجنين، أو أنه خرج الجنين بعد موت الأم حياً ثم مات، فعلى الضارب ديتان: دية الأم، ودية الجنين لوجود سبب وجوبهما، وهو قتل شخصين.
موت الجنين بعد موت الأم:
إن خرج الجنين بعد موت الأم ميتاً، فعلى الضارب دية الأم ولا شيء عليه عند الحنفية والمالكية (١) في الجنين، وإنما عليه التعزير، إذ لم يقم دليل قاطع على أن الجناية أدت لموت الجنين أو انفصاله، وإنما يحتمل أنه مات بموت الأم، فهو يجري حينئذ مجرى أعضائها.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): يجب على الضارب دية الأم وغرة الجنين، سواء ألقته في حياتها أم بعد موتها؛ لأنه جنين تلف بجناية الضارب، وعلم موته بخروجه، فوجب ضمانه؛ لأنه أتلفه مع الأم، كما لو خرج الجنين ميتاً ثم ماتت الأم. فإذا لم تسقط الأم جنينها فلا شيء فيه؛ لأنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه.
جنين غير المسلمة: تجب غرة جنين المرأة الذمية بالجناية عليها، لكن تقدير الغرة مختلف فيه بحسب كون الجنين مسلماً أو غير مسلم ولو من أب كافر.
стр. 5611
أما الحنفية: فغرته عندهم مثل غرة الجنين المسلم؛ لأن دية الكافر كدية المسلم عندهم، وكذلك غرته مثل غرة المسلم عند الحنابلة (١)؛ لأن الجنين مسلم تبعاً لدار الإسلام، فتقدر الذمية مسلمة.
وعند المالكية (٢): غرة الجنين من الذمية تساوي عشر دية الأم.
والأصح عند الشافعية (٣): غرة جنين اليهودي أو النصراني كثلث غرة المسلم، بناء على أن الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب.
стр. 5612
الفَصْلُ الرّابع: حالات طارئة من الاعتداء بطريق التّسبيب جناية الحيوان، وجناية الحائط المائل
الكلام فيه في مبحثين:
الأول - في جناية الحيوان.
والثاني - في جناية الحائط المائل.
المبحث الأول - جناية الحيوان:
اتفق الفقهاء على أن حارس الحيوان (المالك أو الراكب أو السائس أو غيرهم من كل حائز ذي يد بصفة الرهن أو الإعارة أو الإجارة أو الغصب) هو الضامن لما يتلفه الحيوان إذا كان متسبباً في إحداث الضرر، بأن تعمد الإتلاف أو الجناية، بواسطة الحيوان، أو قصر في حفظه مع بعض الشروط أو القيود أحياناً، التي أبينها أثناء توضيح آراء الفقهاء فيما يأتي:
فإن لم يكن متسبباً في الضرر، فإن الفقهاء اختلفوا في شأن تضمين القائم على الحيوان (ملكاً أو حيازة).
стр. 5613
١ - قال الحنفية (١): إما أن يكون الحيوان عادياً أو خطراً: أـ فإن كان الحيوان عادِيَاً (متعدياً أو مؤذياً)، فأتلف شيئاً بنفسه، مالآً أو إنساناً، فلا ضمان على حارسه، سواء وقع الاعتداء ليلاً أو نهاراً، لقوله ﷺ : «العجماء جُرْحها جُبَآر» (٢) أي المنفلتة هدَر لا يغرم.
فإن كان صاحبه معه سائقاً أو راكباً أو قائداً، أو أرسله وأتلف شيئاً فور إرساله ونحوه، ضمن ما يتلفه.
وإذا أتلف الحيوان شيئاً في المراعي المباحة أو أثناء السير في الطرقات العامة أو أثناء ربطه في الأسواق العامة أو المرابض المخصصة لربط الحيوانات، لا ضمان فيه، كما لو كان لقرية خيول أو بقر في المرعى، فعض أحدها أو ضرب برجله، فأتلف حيوان شخص آخر، لا ضمان على صاحبه.
وذلك بخلاف المحل المملوك، فإن الضمان على غير المالك، كأن يكون لرجل مربط، فيجيء آخر، ويربط دابته عند دابة المالك، فتتلف دابة المالك، فالضمان على المعتدي، ولا ضمان على المالك إذا أتلف دابته دابة الآخر (٣).
ب - وأما إن كان الحيوان خطراً: كالثور والكلب العقور، فيضمن صاحبه أو حارسه ما يتلفه إذا لم يحفظه، إذا تقدم إليه الناس الراغبون بدفع الأذى عنهم، وأشهدوا على تقدمهم، طالبين منع أذى هذا الحيوان كما في الحائط المائل. فإن لم يفعل، كان مقصراً في حفظه، فيضمن بالتسبب لتعديه.
стр. 5614
هذا ما لم يكن الكلب كلب حراسة بستان أو حقل عنب مثلاً، فلا يضمن صاحبه شيئاً مطلقاً، سواء تقدم إليه الناس وأشهدوا على تقدمهم أم لا (١).
وأما إن قام صاحب الحيوان أو حارسه بإرسال طير، أو دابة، أو إشلاء كلب أو إغراء حيوان، فأصاب إنساناً، فيضمن مايتلفه بكل حال أي مطلقاً، سواء أكان سائقاً له أم قائداً أم لا، بسبب التعدي. وهذا قول أبي يوسف، وبه أخذ عامة مشايخ الحنفية، وعليه الفتوى (٢).
٢ - وقال المالكية في الراجح عندهم، والشافعية والحنابلة (٣): إن ما تفسده البهائم من الزروع والشجر ونحوه مضمون على صاحبها، أو راعيها أو ذي اليد عليها إن لم يوجد صاحبها إذا وقع الضرر ليلاً، ولا ضمان على ما تتلفه نهاراً إذا لم يكن معها صاحبها. فإن كان معها صاحبها أو ذو اليد الحائز كالغاصب والمستأجر والمستعير راكباً أو سائقاً أو قائداً، فهو ضامن لما تفسده من النفوس والأموال، لما روي أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً (بستاناً) فأفسدت فيه، فقضى نبي الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (٤).
стр. 5615
أما البهائم والجوارح الضارية (أي معتادة الجناية) فيضمن صاحبها مطلقاً ماتتلفه من مال أو نفس لتفريطه.
ضمان الراكب ومن في معناه وحوادث التصادم: أورد فقهاء الحنفية أمثلة فقهية واقعية لتحديد الضامن في حوادث السير والركوب والتصادم وإتلاف الحيوان، ويمكن معرفة أحكامها في ضوء القواعد الفقهية التالية وهي:
«ما لا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه» «يضاف الفعل إلى المتسبب ما لم يتخلل واسطة»، «المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي»، «المباشر ضامن وإن لم يتعدّ»، «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر»، تضمين المتسبب والمباشر معاً عند تعدي كل منهما.
أولاً - (مالا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه): ومعناها أن كل ما يشق البعد عنه لا يكون سبباً موجباً للضمان، لأنه من الضرورات، ولأن ما يستحق على المرء شرعاً يعتبر فيه الوسع والطاقة. وأما ما يمكن تجنبه أو الاحتياط عنه فيكون سبباً موجباً للضمان.
وبناء عليه (١)، للناس الانتفاع بالمرافق العامة كالطرقات مشياً أو ركوباً بشرط السلامة، وعدم الإضرار بالآخرين بما يمكن التحرز عنه، دون ما لا يمكن التحرز عنه، حتى يتيسر للناس سبيل الانتفاع، ويتهيأ لهم ممارسة حقوقهم وحرياتهم على أساس العدل والأمن والاستقرار.
стр. 5616
فما تولد من سير الماشي أو الراكب من تلف، مما يمكن الاحتراز عنه، فهو مضمون. وما لا يمكن الاحتراز عنه، فليس بمضمون، إذ لو جعلناه مضموناً، لصار الشخص ممنوعاً عن السير، وهو مأذون به.
- فما أثارت الدابة بسنابكها من الغبار، أو الحصى الصغار، لا ضمان فيه، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه وهو أمر معتاد. وأما الحصى الكبار أو الغبار الزائد عن المعتاد فيجب الضمان فيهما؛ لأنه يمكن التحرز عن إثارتهما.
وكذلك يضمن الراكب إذا ركب دابة نزقة لا يؤثر بها كبح اللجام، لخروج ذلك عن المعتاد. ولو كبح الدابة باللجام، فنفحت (١) برجلها أو بذنبها، ومثله البول والروث واللعاب، فهو هَدر لا ضمان فيه لعموم البلوى به، ولأن الاحتراز عنه غير ممكن، ولقوله ﷺ : «الرِجْل جبار» (٢) أي نفحها. فإن أوقفها صاحبها في الطريق، ضمن النفحة؛ لأنه يمكن التحرز عن الإيقاف والوقوف.
- ويضمن الراكب أو القائد أو السائق ما وطئت دابته بيد أو رجل أو رأس، أو كدمت (٣)، أو صدمت بصدرها، أو خبطت بيدها؛ لأن الاحتراز عن ذلك ممكن؛ لأنه ليس من ضرورات السير في الطريق.
وهذا هو مذهب الشافعية، ويلاحظ أنه لا ضمان على الراكب عند المالكية في هذه الأحوال عملاً بحديث: «العجماء جرحها جبار» وفرق الحنابلة بين ما
стр. 5617
جنت الدابة بيدها فيضمنه الراكب، وما جنت برجلها فلا ضمان عليه، عملاً بحديث: «الرِجْل جبار» (١) ومفهومه وجوب الضمان في جناية غير الرِجْل (٢).
- ويضمن صاحب الدابة ما تتلفه بالوطء والصدم ونحوهما إذا أوقفها في الطريق العام أو المحجة (جادة الطريق) التي لم يؤذن فيها بالوقوف، أو على باب المسجد لأنه متعدٍ في الوقوف.
- ولكن لا ضمان عليه إذا أوقف الدابة في الأسواق أو الأماكن المخصصة من قبل السلطات للوقوف (أو المأذون بها من جهته كالمحطات الجانبية) أو في الفلاة؛ لأن الوقوف فيها مباح لعدم الإضرار بالناس. فإن كان راكباً عليها فوطئت إنساناً فقتلته يضمن؛ لأنه قتل بطريق المباشرة.
- ولا ضمان عليه أيضاً إذا أوقف الدابة أو سار بها أو ساقها أو قادها في ملكه الخاص، إلا ما تحدثه بالإيطاء برجلها أو بيدها، وهو راكبها، فيضمن ماتحدثه؛ لأنه تصرف في ملكه الخاص، فلا يتقيد تصرفه بشرط السلامة، أما الوطء فهو بمنزلة فعله لحصول الهلاك بثقله، ومن تعدى على الغير في دار نفسه، يضمن.
- والسائق والقائد والرديف كالراكب، إلا أن الفرق أن الراكب قاتل بوطء الدابة بثقله وفعله، أي أنه مباشر، وليس بمتسبب. والسائق ونحوه متسبب. فتجب الكفارة على الراكب في ملكه أو في غير ملكه دون السائق والقائد.
فإذا قاد الرجل قافلة (قطاراً) من الدواب، فما أوطأته دابته يكون ضامناً. وكذا إذا صدم إنساناً؛ لأن القائد مقرب للبهيمة إلى الجناية، وهذا مما يمكن الاحتراز عنه في الجملة، بأن يذود الناس عن الطريق.
стр. 5618
ـ ولو نفرت الدابة أو انفلتت من حارسها (المالك أو غيره): فما أصابت في فورها، فلا ضمان عليه لقوله ﵊: «العجماء جبار» أي البهيمة جُرْحها جُبَار: هدر، ولأنه لا صنع له في نَفَارها وانفلاتها، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها، فلا يكون الناشئ عنه مضموناً.
ـ ولو أرسل دابته، فما أصابت من فورها، ضمن؛ لأن سيرها في فورها مضاف إلى إرسالها، فكانت متعدياً في الإرسال، فصار كالدافع لها، أو كالسائق. فإن عطفت (مالت أو تحولت) يميناً أو شمالاً، ثم أصابت شيئاً ففيه احتمالان:
إن لم يكن لها طريق آخر إلا ذاك، وجب الضمان على المرسل؛ لأنها باقية على الإرسال.
وإن كان لها طريق آخر، لا يضمن مرسلها؛ لأنه انقطع أثر الإرسال، وصارت كالمنفلتة.
وفي كل هذه الأحوال: ما كان من جناية الحيوان على بني آدم، فهو على العاقلة؛ لأن حائز الحيوان متسبب متعد. وما كان على المال، فهو على المسؤول عن الحيوان، في ماله، حالاً، أي أن ضمان النفس على العاقلة، وضمان المال في مال المتعدي. وهذا ما نص عليه الحنفية والشافعية (١).
ثانياً ـ ضمان المتسبب وحده: المتسبب: هو من يفعل فعلاً يؤدي إلى ضرر ما، ولكن بواسطة أخرى. ويضمن المتسبب أثر فعله بشرطين:
стр. 5619
١ - إذا كان متعدياً، والتعدي: هو فعل السبب بغير حق، سواء أكان متعمداً الضرر أم لا يقصد الضرر.
٢ - وإذا كان هو العامل الأهم في إحداث الضرر، بأن يغلب السبب المباشرة، كما في الأمثلة التالية:
- من ضرب دابة عليهاراكب، أو نخسها بعود بلا إذن الراكب، فنفحت شخصاً أو ضربته برجلها أو بذنبها، أو نفرت، فصدمت إنساناً في فور النخسة، ضمن الناخس أو الضارب، دون الراكب؛ لأن الأول متعد في فعله، فما تولد عنه، مضمون عليه، والراكب ليس بمتعد، فترجح جانب الناخس في التغريم للتعدي. ويلاحظ أن اشتراط كون النفحة فور النخس أمر ضروري ليتوافر معنى السببية في إحداث الضرر (١).
فإذا انقطع الفور بعد النخس، فينسب الضرر إلى اختيار الدابة، لا إلى الناخس.
وإذا حدث النخس أو الضرب بأمر الراكب، فنفحت الدابة برجلها إنساناً، فقتلته: فإن وقع الفعل في مكان مأذون فيه فلا ضمان. كأن كان الراكب يسير في الطريق، أو كان واقفاً في ملكه الخاص، أو في موضع قد أذن فيه بالوقوف من الأسواق العامة ونحوها؛ لأن الناخس فعل بأمر الراكب فعلاً يملكه الراكب، فصار فعله كفعل الراكب نفسه، وفعل الراكب حينئذ لا يضمن، فلا يضمن مثله.
أما إن وقع النخس في مكان لم يؤذن بالوقوف فيه، كالطريق العام، فيشترك
стр. 5620
الناخس والراكب في الضمان، وتكون دية المجني عليه مثلاً عليهما مناصفة. وسأذكر أمثلة أخرى في حال اشتراك المتسبب والمباشر في الضمان.
ثالثاً - ضمان المباشر وحده: المباشر: هو الذي حصل الضرر بفعله بلا واسطة، أي دون تدخل فعل شخص آخر مختار. ويكون هو الضامن إذا كان السبب لا ينفرد بالإتلاف إذا ترك وحده دون مباشرة، أي أنه كان هو المؤثر الأقوى في إحداث الضرر، ودور السبب ضعيف إذا قورن به.
مثاله: إذا كان هناك قائد قطار (١) إبل، وكانت الإبل وقوفاً لاتقاد، فجاء رجل، وربط إليها بعيراً، والقائد لا يعلم، فقاد البعير معها، فوطئ البعير إنساناً، فقتله، فالدية على القائد، تتحملها عنه عاقلته ولا ترجع على عاقلة الرابط بشيء؛ لأن الرابط، وإن تعدى في الربط، وكان سبباً لوجوب الضمان، لكن القائد لما قاد البعير عن ذلك المكان الذي كانت الإبل واقفة فيه، قد أزال تعديه، فيزول الضمان عنه، ويتعلق بالقائد، كمن وضع حجراً في الطريق، فجاء إنسان، فدحْرَجَه عن مكانه، ثم عطب به إنسان، فالضمان على الثاني، لا على الأول.
أما لو كانت الإبل سائرة، وجاء رجل وربط مع آخرها بعيراً، فوطئ البعير إنساناً، ضمنت عاقلة القائد الدية، ثم رجعت بها على عاقلة الرابط؛ لأن الرابط متعد في الربط، وهو المتسبب الأقوى في إلزام الضمان، فيستقر الضمان عليه (٢).
стр. 5621
رابعاً - ضمان المتسبب والمباشر معاً: يضمن المتسبب والمباشر بالاشتراك معاً إذا تساوى أو تعادل أثرهما في الفعل الذي يترتب عليه إحداث الضرر. وعلى حد تعبير الحنفية والشافعية: يضمن المتسبب مع المباشر إذا كان للسبب تأثير يعمل بانفراده في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة. أي أن اشتراك المتسبب مع المباشرة في الضمان مشروط عندهم بأن يكون السبب مما يعمل بانفراده. وعند المالكية والحنابلة (١) مشروط بأن تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، بحيث لو تخلفت السببية لزالت علة الإتلاف كاشتراك المكره والمستكره في القصاص والضمان، واشتراك الممسك مع القاتل في رواية عند الحنابلة، وفي الرواية الأخرى: يختص المباشر بالعقوبة، ويحبس الممسك حتى يموت، وكما لو دل الوديع لصاً على الوديعة فسرقها.
وأمثلة الحنفية هي ما يأتي (٢):
- لو اجتمع على قيادة الدابة سائق وراكب، أوقائد وسائق (٣)، فالضمان عليهما؛ لأن سَوق الدابة يؤدي إلى التلف، وإن لم يكن هناك شخص راكب عليها. وقائد قطار الإبل والسائق سواء في الضمان؛ لأن على القائد الحفظ كالسائق، فيصير متعدياً بالتقصير فيه، والتسبب بوصف التعدي سبب الضمان. لكن ضمان النفس على العاقلة، وضمان المال في مال المتعدي كما تقدم.
стр. 5622
ـ وكذلك إذا نخس شخص الدابة أو ضربها بأمر راكبها، يكون الضمان على الاثنين؛ لأن الناخس بمنزلة السائق.
ـ ولو نخس الدابة بغير أمر الراكب، فوطئت إنساناً بقدمها أثناء الدفع، فمات، فالضمان عليهما؛ لأن الموت حصل بسبب فعل الناخس، وثقل الراكب. والرديف كالراكب.
إلا أن الراكب يختلف عن الناخس والسائق أو القائد في إيجاب الكفارة عليه، وحرمانه من الميراث والوصية عند الحنفية لمباشرته القتل، وأما غيره فهو متسبب، والمتسبب لا كفارة عليه ولا يحرم الميراث والوصية.
وفي قيادة قطار الإبل يجب الضمان على القائد فيما أوطأه أو أصابه أو صدمه البعير الأول أو الأوسط أو الأخير؛ لأنه فعل فعلاً سبب حصول التلف وهو مما يمكن الاحتراز عنه. ولا يختلف الحكم كيفما كان السائق في الوسط أو الآخر.
ـ ولو كان على القطار محامل (١) فيها أناس نيام أوغير نيام، مشتركون في القود أو السوق، فهم شركاء السائق والقائد في الضمان. وعلى الركبان وحدهم الكفارة. فإذا لم يكن من المحامل اشتراك في القود أو السوق، فهم كالمتاع، لا شيء عليهم.
ويلاحظ أن هذه الأحكام لا تنطبق على السيارات اليوم، لعدم اشتراك الركاب مع السائق في شيء، فتكون مسؤولية الضمان على السائق وحده.
التصادم: إذا تصادم راكبان أو فارسان أو ملاحان أو سائقا سيارة أو ماشيان أو راكب وماشٍ، فماتا، أو تلف شيء بسبب التصادم، وجب على كل واحد
стр. 5623
منهما عند الحنفية والحنابلة (١) تحمل تبعة الضمان كاملة للآخر، لكن في الموت تتحمل عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، واليوم يتحمل كل واحد لا عاقلته تبعة فعله. وفي الإتلاف يجب على كل منهما تعويض ضرر الآخر؛ لأن الضرر قد حدث لكل واحد منهما بفعل نفسه وبفعل صاحبه أيضاً.
هذا إذا كان التصادم خطأ، فإن كان عمداً وجب عند الحنفية تحمل نصف قيمة الضمان، أي نصف الدية أو التعويض المالي.
ويرى المالكية (٢): أنه إذا تصادم الفارسان، فإن كان عمداً وماتا فلا قصاص لفوات محله، وإن مات أحدهما اقتص من الآخر له. وإن كان خطأ ومات كل واحد منهما، فعلى كل واحد منهما دية الآخر، وتتحملها عنه العاقلة، كما قال الحنفية. فإن تصادمت سفينتان فتلفتا أو تلفت إحداهما فهدر، لا قود ولا ضمان؛ لأن جريهما بالريح، وليس من عمل أربابهما (٣).
وقال الشافعية، وزفر الحنفي (٤): إذا اصطدم فارسان أو ماشيان، أو سفينتان بتفريط من ربانهما، بأن قصرا في صيانة آلاتهما، أو قدرا على ضبطهما فلم يضبطا، أو سيرا المركبين في ريح شديدة لاتسير السفن في مثلها، وجب على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف للآخر (وكان في الماضي الضمان على عاقلة كل منهما)؛ لأن التلف حصل بفعلهما، أي أن كل واحد هلك بفعله وفعل
стр. 5624
صاحبه فيهدر النصف، وينقسم الضمان عليهما، ويهدر النصف الآخر بسبب فعل كل واحد في حق نفسه. وعند الشافعية يجب نصف الدية مغلظة على عاقلة كل منهما لورثة الآخر؛ لأن القتل شبه عمد؛ إذ الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض، فلا يتعلق به القصاص. فإن حدث التصادم بين السفينتين دون تفريط، وإنما بقوة قاهرة كريح شديدة عصفت، فلا ضمان على أحد.
أما إذا كان المخطئ أحد المتصادمين، كان الضمان عليه باتفاق الفقهاء، كما لو صدم الماشي واقفاً، فالضمان على الماشي؛ لأنه هو المتسبب، ولو صدمت سفينة جائية سفينة واقفة، كان الضمان على صاحب السفينة الجائية إذا لم تكن الواقفة متعدية في وقوفها.
المبحث الثاني - جناية الحائط المائل ونحوه مما يحدثه الرجل في الطريق - سقوط البناء أو الجدار:
يجب في الجملة في حالة سقوط البناء الضمان على المتسبب في إحداث الضرر، إما لأنه يمكن الاحتراز عنه، أو بسبب تقصيره وإهماله. وإذا حدث موت، فالدية تجب على عاقلة مالك البناء، لأنه متسبب. لكن لا تجب عليه الكفارة ولا يحرم من الميراث والوصية عند الحنفية، كما هو المقرر عندهم في حالة القتل بالتسبب، وعلى هذا إذا كانت الجناية على نفس فالواجب هو الدية، وإذا كانت على ما دون النفس فالواجب بها الأرش على العاقلة إن بلغ عند الحنفية نصف عشر دية الرجل وعشر دية الأنثى. وإن كانت الجناية على المال فيجب التعويض في مال المتسبب.
стр. 5625
وسقوط البناء: إما أن يكون بسبب خلل أصلي عند الإنشاء، أو بسبب خلل طارئ (١).
المطلب الأول - سقوط البناء أو الجدار بسبب خلل أصلي فيه:
لا خلاف بين الفقهاء في وجوب ضمان الضرر الحادث بسبب سقوط البناء أو الجدار الذي بناه صاحبه مائلاً إلى الطريق العام أو إلى ملك غيره؛ لأنه متعد بفعله، فإنه ليس لأحد الانتفاع بالبناء في هواء ملك غيره، أو هواء مشترك، ولأنه ببنائه المشتمل على الخلل يعرضه للوقوع على غيره في غير ملكه (٢).
ومثله: ما تولد من جناح (٣) إلى شارع، سواء أكان يضر أم لا، أذن فيه الإمام أم لا، أو ما يتلف بالميازيب المخرجة إلى الشارع أو بما سال من مائها؛ لأنه ارتفاق بالشارع، والارتفاق بالشارع مشروط بسلامة العاقبة، فكل ما يحدث يكون صاحبه ضامناً.
ومثله أيضاً: لو طرح تراباً بالطريق ليطين به سطحه، أو وضع حجراً أو خشبة أو متاعاً فزلق به إنسان، ضمنه. وكذلك لو طرح قمامات (كناسة) وقشور بطيخ في طريق، أو صب ماء في الطريق، فتلف بفعله شيء، أو قعد في الطريق للاستراحة أو لمرض فعثر به عابر، فوقع فمات أو وقع على غيره فقتله، يكون مضموناً؛ لأن الانتفاع بالطريق مشروط بسلامة العاقبة؛ ولأن فيه ضرراً على المسلمين.
стр. 5626
ومن حفر بئراً عدواناً كحفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في شارع ضيق أو واسع لمصلحة نفسه بغير إذن الإمام: ضمن ما تلف فيها من آدمي أو غيره (١). والمراد بالضمان: الدية - دية شبه عمد في القتل، والتعويض المالي في الإتلافات المالية. وكل ما ذكر ضمان بالتسبب، والقاعدة تقول: «يضاف الفعل إلى المتسبب ما لم يتخلل واسطة».
ودليل الضمان في تلك الحالات وأمثالها هو قوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (٢).
المطلب الثاني - سقوط البناء أو الجدار بسبب خلل طارئ عليه:
إذا بنى الشخص بناءه أو حائطه مستوياً أو مستقيماً، ثم مال إلى الطريق أوإلى دار إنسان، أو تشقق بالعرض لا بالطول، فسقط على شيء فأتلفه، ففي ضمان الشيء المتلف رأيان للفقهاء:
١ - مذهب الشافعية والراجح عند الحنابلة (٣): لا ضمان به في هذه الحالة؛ لأن صاحبه تصرف في ملكه، والميل لم يحصل بفعله، فأشبه ما إذا سقط بلا ميل، سواء أمكنه هدمه وإصلاحه أم لا، وسواء طولب بالنقض أم لا.
٢ - مذهب الحنفية والمالكية (٤): في الأمر تفصيل:
стр. 5627
أـ إن لم يطالب بنقضه، حتى سقط على إنسان، فقتله، أو على مال فأتلفه، فلا ضمان؛ لأنه بناه في ملكه، والميل حادث بغير فعله، فأشبه ما لو وقع قبل ميله، كثوب ألقته الريح في يده، فما تولد منه، لا يؤاخذ به.
ب - وأما إن طولب بنقضه، فلم يفعل، ثم سقط بعدئذ يمكنه فيها نقضه، فهو ضامن ما تلف به من نفس أو مال؛ لأنه حينئذ يصبح متعدياً، كما لو امتنع عن تسليم (أو رد) ثوب ألقت به الريح في دار إنسان، وطولب به، فهلك، يضمن. ولأن للناس حق المرور دون ضرر، وليس لأحد منعهم منه.
أما إذا لم يفرط في نقضه، وذهب حتى يستأجر عاملاً يهدمه، فسقط، فأفسد شيئاً، فلا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه فقط إزالة الضرر بقدر الإمكان.
والمطالبة بالنقض أو الإصلاح هو المعروف بشرط التقدم، والتقدم: هو التنبيه والتوصية أولاً بدفع وإزالة مضرة مظنونة (م ٨٨٩ مجلة).
الإشهاد على المطالبة بالنقض: لا يشترط الإشهاد لصحة التقدم أو المطالبة بالإصلاح، وإنما الإشهاد كما قال الحنفية أمر ضروري لإثبات سبب الضمان أي لإثبات حصول الطلب عند القاضي والإلزام بالضمان عند الإنكار. فلو اعترف صاحب الدار أنه طولب بنقض الجدار، وجب عليه الضمان، وإن لم يشهد عليه.
معنى الإشهاد: الإشهاد هو أن يقول الرجل: «اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا» أي أن المعتبر هو المطالبة بالهدم (١). وتعتبر شهادة رجلين أو رجل وامرأتين على التقدم، أي المطالبة.
стр. 5628
عناصر الإشهاد:
١ - الذي يطالب بالإشهاد: إن كان ميلان الحائط إلى دار إنسان، فالإشهاد إلى صاحب الدار إن كان فيها، أو إلى الساكن إن كانت مسكونة. وإن كان الميلان إلى الطريق العام، فالإشهاد إلى كل من له حق المرور، مسلماً كان أو ذمياً. أما إن مال بعض البناء للطريق وبعضه لدار إنسان، فأي طلب من إنسان يصح، لأنه إذا صح الإشهاد في البعض، صح في الكل.
٢ - المشهود عليه: يصح الإشهاد على من يملك نقض الجدار، وهو المالك، أو صاحب الولاية على الغير كالأب والوصي وقيِّم الوقف؛ لأن المطالبة بالنقض ممن لا يملكه عبث ولا فائدة منه. فلا يطالب بالنقض المستأجر والمرتهن، والمستعير والوديع، لعدم ولايتهم على النقض والتصرف، فكان الإشهاد عليهم وعدمه سواء.
فترة الطلب والإشهاد: لا يصح الطلب والإشهاد إلا بعد ميل البناء وقبل السقوط؛ لأن ما قبل الميل لا يوجد تعدٍ، وما بعد السقوط لا فائدة من الطلب. كما لا تتحقق المسؤولية عن الضمان إلا بعد مضي مدة يقدر فيها صاحب الحائط على نقضه؛ لأن الضمان يجب بترك النقض الواجب، ولا وجوب من دون الإمكان أو الاستطاعة. فلو ذهب يطلب من ينقضه أو يهدمه، فسقط الحائط، فتلف به شيء، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يكن متعدياً بالتفريط أو الإهمال.
طلب التأجيل أو الإبراء بعد الإشهاد: إن كان ميل الحائط إلى دار إنسان من مالك أو ساكن، فطلب منه الهدم وأشهد على طلبه، ثم طلب صاحب الحائط تأجيله أو إبراءه من الجناية، فأجل أو أبرأ، صح؛ لأن الحق الخاص يملك صاحبه التنازل عنه. وأما إن كان الميل إلى الطريق، فأبرأ أو أجل الذي طلب النقض أو أشهد على صاحب الحائط، وهو من له حق المرور، أو القاضي، فلا يصح ولا يبرأ؛ لأن هذا حق عام، والحق العام لا يملك أحد التنازل عنه،
стр. 5629
وتصرف القاضي في الحق العام نافذ فيما ينفعهم لا فيما يضرهم (١).
التصرف في البناء بعد الإشهاد: إذا تصرف صاحب الحائط أو الدار في البناء ببيع أو غيره كهبة، بعد الإشهاد، فسقط الحائط بعد قبض المشتري المبيع، أو بعد ما ملكه بالإيجاب والقبول قبل القبض، في زمان لا يتمكن من نقضه، فلا ضمان على صاحب الحائط الأصلي، فيما هلك بسقوطه، لزوال ولايته بالبيع ونحوه، فلا يملك النقض، فسقط حكم الإشهاد، حتى إنه لو رد المبيع على البائع بقضاء أو غيره أو بخيار شرط أو رؤية للمشتري، لم يضمن البيع، إلا إذا طولب بعد الرد. وأما إن كان الخيار للبائع ونقض البيع، ثم سقط الحائط وأتلف شيئاً، كان ضامناً؛ لأن خيار البائع لا يلغي ولاية الإصلاح، فلا يلغي الإشهاد.
فإن سقط الحائط بعد تفريط صاحبه قبل البيع، التزم بالضمان. ويعتبر الجنون والردة مثل التصرف بالبناء، فلو جن صاحب الحائط جنوناً مطبقاً أو ارتد ولحق بدار الحرب، ثم أفاق من جنونه، أو عاد مسلماً وردت عليه الدار، لا يضمن إلا بإشهاد جديد في المستقبل (٢).
стр. 5630
الفَصْلُ الخامس: طرق إثبات الجناية فيه مبحثان:
المبحث الأول - لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة.
المبحث الثاني - إثبات القتل بطريق خاص - القسامة.
المبحث الأول - لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة:
لا حظنا في أثناء الكلام عن الحدود أن الفقهاء يبحثون باختصار طرق إثبات الجريمة الموجبة للحد من شهادة أو إقرار ونحوهما، لما للحد من خطورة خاصة تتطلب توقف الحكم به على ثبوت الجريمة ثبوتاً قاطعاً أو مؤكداً. وذلك بالإضافة إلى وجود مباحث مستقلة لطرق الإثبات في كل كتاب فقهي.
وكذلك الشأن في الجنايات، لا بد من الإشارة لما تثبت به، تسهيلاً على القاضي في إصدار أحكامه عليها، ولفت نظره لضرورة التأكد من وقوع الجناية الموجبة لعقوبة بدنية كالقصاص أو التعزير أو لعقوبة مالية كالدية أو الأرش.
لذا فإني أعطي هنا فكرة أو لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة من إقرار وشهاد وقرينة ونكول عن اليمين، لبيان مدى صلاحية إحداها لإثبات الجناية، سواء عند جمهور الفقهاء أو عند بعض الفقهاء، وأحيل بالتفصيل على البحوث المستقلة الخاصة بكل منها في هذا الكتاب أو غيره.
стр. 5631
ويلاحظ أن العلماء اتفقوا على جواز إثبات جرائم القصاص في القتل والجرح العمد بالإقرار أو شهادة رجلين.
أولاً - الإقرار: الإقرار: هو إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه (١)، وهو حجة قاصرة على المقر لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية الإقرار على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه. ويؤخذ بمقتضى الإقرار؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه.
ولا خلاف في جواز الاعتماد على الإٍقرارفي العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجرائم أو الجنايات والحدود، فقد أجمعت الأمة على صحة الإقرار مطلقاً، وكونه حجة في مختلف العصور، إذا كان صحيحاً.
واتفق العلماء على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره (٢).
ويشترط في الإقرار بالجناية أو الجريمة الموجبة لحد أو قصاص أو تعزير أن يكون واضحاً مفصلاً، قاطعاً في الاعتراف بارتكاب الجرم، عمداً أو خطأ أو شبه عمد.
فلا يصح الإقرار المجمل الغامض أو المشتمل على شبهة، حتى يتحدد نوع العقاب، إذ لا عقاب مثلاً على القتل دفاعاً عن النفس أو المال، أو استعمالاً لحق، أو تنفيذاً لقصاص.
стр. 5632
ولا يصح إقرار المتهم في إقراره لملاطفة صديق ونحوه؛ لأن التهمة تخل برجحان جانب الصدق على الكذب في إقراره.
ولا يصح إقرار عديم العقل كالمجنون، وغير المميز. ويصح عند الحنفية خلافاً لبقية الأئمة إقرار الصبي المميز بالديون والأعيان؛ لأنه من ضرورات التجارة.
ولا يصح إقرار المستكره أو المتهم الذي يضرب ليقر في الأموال والجنايات الموجبة لحد أو قصاص، ويلغى، ولا يترتب عليه أي أثر، إلا أن المالكية يقولون: لا يلزم إقرار المستكره، بمعنى أنه يخير بعد زوال الإكراه بين إجازة الإقرار أو إلغائه أو إبطاله (١).
ولا يصح إقرار زائل العقل بنوم أو إغماء أو دواء. أما السكران المتعدي بسكره (وهو من تعاطى مسكراً متعمداً) (٢): فيصح إقراره في كل تصرفاته وجناياته عند الشافعية. ويصح إقراره عند الحنفية في الأموال والأحوال الشخصية وفي القتل والجناية على ما دون النفس وعلى الجنين؛ لأنها حقوق شخصية للعباد، ولا يصح إقراره في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة، لوجود الشبهة، وهي تدرأ بالشبهات، لكن يضمن السكران الشيء المسروق وإن كان لا يحد.
ولا يصح إقرار السكران بحق أو جناية أو غيرهما عند المالكية والحنابلة؛ لأنه غير عاقل.
стр. 5633
واتفق الفقهاء (١) عى أنه يجوز للمقر الرجوع عن إقراره في حقوق الله تعالى كالردة والزنا وشرب خمر وسرقة وقطع طريق من أجل إسقاط الحد، لا إسقاط المال؛ لأنها تدرأ بالشبهات.
أما حقوق الآدميين كالإقرار بالقتل أو الجُرْح أو قطع طرف، أو إسقاط جنين، فلا يجوز للمقر الرجوع عن إقراره بها، لتعلقها بحقوق الناس الشخصية، ولو أن القصاص مما يدرأ بالشبهات؛ لأن الأصل ألا يجوز إلغاء كلام المكلف بلا مقتضٍٍ.
ولا يشترط تعدد الإقرار، ويكفي مرة واحدة إلا في الإقرار بالزنا عند الحنفية والحنابلة، فإنه يطلب كونه أربع مرات، طلباً للتثبت في إقامة الحد، وعملاً بواقعة إقرار ماعز بن مالك أمام الرسول ﷺ أربع مرات.
ثانياً - الشهادة: إن أغلب وقائع الخصومات في الحقوق المالية والجرائم يثبت بالشهادة. وهي: إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (٢). ولا خلاف بين الفقهاء في جواز الاعتماد على الشهادة في الإثبات، لورود النصوص القرآنية والنبوية الدالة على مشروعيتها والقضاء بها (٣).
وعدد الشهود اثنان إلا في الزنا، فلا بد فيه من أربعة شهود لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ [النور:١٣/ ٢٤].
стр. 5634
وتقبل عند الحنفية (١) شهادة النساء مع الرجال في الأموال والأحوال الشخصية (الزواج والطلاق وتوابعهما). وعند المالكية والشافعية والحنابلة (٢): لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها وعقودها.
ولا تقبل شهادة النساء مع الرجال في المذاهب الأربعة في الحدود والجنايات والقصاص، وإنما لا بد فيها من شهادة رجلين عدلين، لخطورتها وضرورة التأكد من ثبوتها، وتضييقاً في طرق إثباتها، واحتيالاً لدرئها، ولأن في شهادة المرأة بدلاً عن الرجل شبهة البدلية، لقيامها مقام شهادة الرجال، فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات. ويقول الزهري: «مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود» (٣) وقال علي كرم الله وجهه: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود والدماء» (٤).
وبما أن هناك خلافات فقهية في أنواع الشهادات في الجرائم فإني أضيف لما سبق التوضيح التالي:
١ - جرائم القصاص في النفس أو ما دونها: لا تثبت عند أئمة المذاهب الأربعة إلا بشهادة رجلين عدلين. ولا تقبل فيها
стр. 5635
شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة شاهد ويمين المدعي - المجني عليه (١)، ولا تثبت بالشهادة على الشهادة (٢)، ولا بكتاب القاضي إلى قاض آخر (٣)؛ لأن القصاص عقوبة خطيرة، فيحتاط لدرئه باشتراط شاهدين عدلين.
إلا أن المالكية (٤) أجازوا استحساناً في جراح النفس عمداً أو خطأ إثباتها بشهادة شاهد واحد ويمين المجني عليه. كما أنهم أجازوا إثبات جراح العمد بشاهد عدل وامرأتين، أو أحدهما مع اليمين. وهذه إحدى المستحسنات الأربع، إذ هي ليست بمال، ولا آيلة له.
٢ - جرائم التعزير البدني كالضرب والحبس ونحوهما: يرى الحنفية (٥) أن التعزير يغلب فيه حق الآدمي، فتثبت جريمة التعزير عندهم بما تثبت به سائر حقوق العباد من الإقرار والبينة والنكول عن اليمين (٦)، وعلم القاضي، وشهادة النساء مع الرجال، والشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي.
والمالكية كما قالوا في جرائم القصاص أجازوا إثبات جرائم التعزير البدني بشاهد ويمين المدعي. وأجاز بعض المالكية التعزير في بعض الجرائم بشاهد واحد
стр. 5636
دون يمين (١)، وقبل الإمام مالك شهادة الصبيان على بعضهم في الجراح (٢) عملاً بالمصلحة المرسلة أو إجماع أهل المدينة.
واقتصر الشافعية والحنابلة (٣) على إثبات جريمة التعزير بما تثبت به جريمة القصاص، وهو شهادة رجلين عدلين؛ لأن العقوبة البدنية خطيرة، فيحتاط فيها بقدر الإمكان، فلا تثبت به بما تثبت به الأموال من شهادة رجل وامرأتين أو شهادة رجل ويمين المدعي.
٣ - جرائم التعزير المالي كالدية أو الغرامة: تثبت هذه الجريمة في المذاهب الأربعة (٤) بما تثبت به الحقوق المالية كشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأنه يقصد بها المال. وأجاز غيرا لحنفية إثباته أيضاً بشاهد ويمين المجني عليه. وأضاف المالكية إمكان إثباتها بامرأتين ويمين المدعي، ولم يجز الحنفية مطلقاً مبدأ قبول شاهد ويمين، ولا يمين وامرأتين، عملاً بما اقتصر عليه النص القرآني في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] فمن زاد على ذلك فقد زاد على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يكون إلا بنص مشابه.
ثالثاً - القرائن: القرينة: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً، فتدل عليه. ومنه يفهم أنه لا بد في القرينة من تحقق أمرين:
стр. 5637
١ - أن يوجد أمر ظاهر معروف يصلح أساساً للاعتماد عليه.
٢ - أن توجد صلة تربط بين الأمر الظاهر والأمر الخفي.
ولا يحكم عند جمهور الفقهاء بالقرائن في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ولا في القصاص إلا في القسامة للاحتياط في أمر الدماء وإزهاق النفوس، بالاعتماد على وجود القتيل في محلة المتهمين عند من لا يشترط قرينة اللوث (العداوة الظاهرة) أو بالاعتماد على مجرد اللوث عند من يشترطه. ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها، ولكنها تقبل إثبات العكس بأدلة أخرى.
وأخذ بعض الفقهاء كابن فرحون المالكي وابن القيم الحنبلي (١) بالقرائن أحياناً مع التحفظ والحذر، ولو في نطاق الحدود، وصار ذلك مذهب المالكية والحنابلة، مثل إثبات الزنا بالحمل، وإثبات شرب الخمر بظهور رائحتها من فم المتهم، وثبوت السرقة بوجود المسروق في حيازة المتهم، ورد المسروقات أو الوديعة أو اللقطة لمن يصفها بعلامات مميزة. ونحوه كثير في إثبات الحق والملكية والأهلية والولادة.
واعتبر الحنفية القرينة القطعية (٢) بينة نهائية كافية للقضاء بها، كما لو رئي شخص مدهوشاً ملطخاً بالدم، ومعه سكين ملوثة بالدم، بجوار مضرج بدمائه في مكان، فيعتبر هو القاتل (م/١٧٤١ من المجلة). أما القرينة غير القطعية الدلالة ولكنها ظنية أغلبية، ومنها القرائن العرفية، أو المستنبطة من وقائع الدعوى
стр. 5638
وتصرفات الخصوم، فهي دليل أولي مرجح لزعم أحد المتخاصمين مع يمينه، متى اقتنع بها القاضي، ولم يثبت خلافها (١).
رابعاً - النكول عن اليمين: النكول عن اليمين: هو الامتناع عن حلف اليمين الموجهة إلى المدعى عليه بطريق القاضي. وهو لا يعدو أن يكون مجرد قرينة على صدق المدعي في اتهام المتهم.
ويقضى به عند الحنفية والحنابلة (٢)؛ لأن النبي ﷺ جعل جنس اليمين في جانب المدعى عليه وحصرها فيه في قوله ﵊: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه».
ويقضى بالنكول عند أبي حنيفة في القصاص في الأطراف حالة العمد، وبالدية حالةالخطأ. ولا يقضى فيه عنده بالقصاص بالنفس لا بالقصاص ولا بالدية، لكن يحبس الجاني حتى يقر أو يحلف.
ولا يقضى بالنكول في القصاص بالنفس أو بالطرف عند الحنابلة والصاحبين.
كما لا يقضى بالنكول باتفاق الحنفية والحنابلة في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة والشرب، لاشتماله على الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
стр. 5639
وأما التعازير فيقضى فيها بالنكول عند الحنفية كما بان سابقاً، أما عند الحنابلة فلا يقضى فيها بالنكول، على ما هول الظاهر في الترجيح بين الروايتين عن أحمد؛ لأنه يرى قصر الأيمان على الأموال والعروض التجارية (١).
ولم يأخذ المالكية والشافعية (٢) بالنكول، وإنما أخذوا باليمين المردودة في جانب المدعي، ويقضى باليمين المردودة عند المالكية في الأموال وما يؤول إليها فقط كخيار وأجل دون ما سواها من القصاص والحدود والتعازير. وأما عند الشافعية: فيقضى باليمين المردودة في جميع الحقوق والتعازير، ما عدا جنايات الدماء والحدود، فلا يقضى فيها بالقصاص ولا بالحد.
المبحث الثاني - إثبات القتل بطريق خاص - القَسامة: وفيه ثمانية مطالب: معنى القسامة، ومشروعيتها، وآراء الفقهاء في شرعيتها، ومحل القسامة (الجريمة التي تجوز فيها) ومتى تكون، وشروطها، وكيفيتها، ومن تجب عليه، وحكمها أو ما يجب بها.
المطلب الأول - معنى القسامة:
القسامة لغة: مصدر بمعنى القسم أي اليمين. وشرعاً: هي الأيمان المكررة في دعوى القتل، وهي خمسون يميناً من خمسين رجلاً. يقسمها عند الحنفية (٣): أهل
стр. 5640
المحلَّة التي وجد فيها القتيل ويتخيرهم ولي الدم، لنفي تهمة القتل عن المتهم، فيقول الواحد منهم: بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلاً. فإذا حلفوا غرموا الدية. وعند الجمهور غير الحنفية (١): يحلفها أولياء القتيل لإثبات تهمة القتل على الجاني، بأن يقول كل واحد منهم: بالله الذي لا إله إلا هو: لقد ضربه فلان فمات، أو لقد قتله فلان. فإن نكل بعضهم (أي ورثة القتيل) عن اليمين، حلف الباقي جميع الأيمان، وأخذ حصته من الدية. وإن نكل الكل أو لم يكن هناك لوث (قرينة على القتل أو العداوة الظاهرة) ترد اليمين على المدعى عليه ليحلف أولياؤه خمسين يميناً. فإن لم يكن له أولياء (عاقلة) حلف المتهم (الجاني) الخمسين، وبرئ.
وإذا حلف أولياء القتيل وجب عند المالكية القصاص في حالة العمد، والدية في الخطأ. وتجب الدية فقط في كل الحالات عند الشافعية، على ما سأبين، وأوجب الحنابلة القصاص في دعوى القتل عمداً، والدية في القتل شبه العمد أو الخطأ.
ف هل القسامة إذن دليل نفي أو دليل إثبات؟ قال الحنفية: القسامة دليل لنفي التهمة عن المدعى عليهم. وقال الجمهور: إنها دليل للمدعين لإثبات تهمة القتل على القاتل إذا لم تتوافر وسائل الإثبات الأخرى.