واستدلوا بالسنة أيضاً بقوله ﷺ فيما رواه مسلم وأحمد: «ولكن اليمين على المدعى عليه» وفي لفظ «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» وقال ﷺ لمدعٍ: «شاهداك أو يمينه» (١).
فالحديث الأول أوجب اليمين على المدعى عليه، فلو جاز القضاء بشاهد ويمين المدعي، لما بقيت اليمين واجبة على المدعى عليه. ثم إنه في هذا الحديث وفي الحديث الثاني جعل الرسول ﵊ جنس اليمين حجة للمنكر، فإن قبلت يمين المدعي، لم يكن جميع أفراد اليمين على المنكرين.
وكذلك تضمن الحديث الثاني قسمة وتوزيعاً بين المتخاصمين، والقسمة تنافي اشتراك الخصمين في أمر وقعت القسمة فيه.
والحديث الثالث خير المدعي بين أمرين لا ثالث لهما: إما البينة أو يمين المدعى عليه، والتخيير بين أمرين يمنع تجاوزهما إلى غيرهما أو الجمع بينهما.
٢ - وقال جمهور الفقهاء (٢): يقضى باليمين مع الشاهد في الأموال، واستدلوا بما ثبت عن النبي ﷺ : «أنه قضى بشاهد ويمين» (٣).
стр. 5812
قال الشافعي: وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما يشده. وقال النسائي: إسناده جيد. وقال البزار: في الباب أحاديث حسان، أصحها حديث ابن عباس وقال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل العلم في صحته.
الإقرار:
الإقرار سيد الأدلة غالباً، وهو إذا كان بيِّناً لا خلاف في وجوب القضاء به. وسأخصص مبحثاً مستقلاً له.
المبحث الخامس - حكم تعارض الدعويين مع تعارض البينتين:
قد ترفع دعويان للقضاء حول موضوع واحد، ويكون لكل واحد من المتداعيين بينة تساند مدعاه، وتثبت حقه في موضوع الدعوى المتنازع عليه، فكيف يقضي القاضي بينهما؟
تنازع الدعويين قد يكون في ملك مطلق أو في ملك مقيد بسبب. والملك المطلق: أن يدعي شخص الملك من غير أن يتعرض لذكر سبب الملكية، بأن يقول: «هذا ملكي» ولا يقول: «هذا ملكي بسبب الشراء أو الإرث أو نحوهما».
والملك المقيد بسبب: أن يدعي شخص ملكية شيء مع بيان سبب الملكية كنتاج ونكاح وشراء وإرث (١).
وتعارض الدعويين في ملك مطلق يحدث عادة بين اثنين: أحدهما - يكون الشيء في يده وهو المسمى صاحب اليد أو الداخل أو الحائز (٢). والثاني - لا يكون
стр. 5813
الشيء في يده، ويسمى في لغة الفقهاء: الخارج أو غير الحائز، وقد يتم التنازع بين الخارجين عن ذي اليد، أو بين ذوي اليد أنفسهم.
وقد تكون بينة كل من المتنازعين مؤرخة، أو إحداهما مؤرخة، والأخرى بدون تاريخ، أو أن تاريخ إحداهما أسبق من الأخرى.
تبحث هذه الافتراضات في نوعين: دعوى الملك المطلق ودعوى الملك المقيد.
النوع الأول - تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في ملك مطلق:
نجد في هذا القسم احتمالات ثلاثة: وهي التعارض في الدعويين بين الخارج عن ذي اليد وذي اليد، والتعارض في الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد، والتعارض في الدعويين بين ذوي اليد.
الأول - تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد: إذا كانت الدعوى من الخارج أي (غير الحائز) على ذي اليد أي (الحائز) دعوى الملك، وأقام كل منهما بينة، فإما أن تكون البينتان غير مؤرختين، أو مؤرختين وتاريخهما سواء، أو تاريخ أحدهما أسبق من الآخر، أو أحدهما بتاريخ، والآخر من غير تاريخ.
ففي هذه الصور قال الحنفية والحنابلة في الجملة: تقدم بينة المدعي، أي الخارج إلا أن تكون بينة أحدهما أسبق تاريخاً من الأخرى، فتقدم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق؛ لأنها لا تفيد أكثر مما تفيد اليد؛ إذ أن ظاهر الملك ثابت له باليد فلم تثبت له شيئاً زائداً. والتفصيل فيما يأتي (١):
стр. 5814
١ - إذا كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد بدون تاريخ: فبينة المدعي وتسمى بينة الخارج أولى بالقبول عند الحنفية والحنابلة؛ لقول النبي ﷺ : «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» (١) فجعل جنس البينة على المدعي، فلا يؤبه لبينة ذي اليد؛ لأنه ليس بمدع، فلا تكون البينة حجته (٢). والدليل على أنه ليس بمدع عدم انطباق وصف المدعى عليه، لأن المدعي: هو من يخبرعما في يد غيره لنفسه. والموصوف بهذه الصفة هو الخارج، لا ذو اليد؛ لأنه يخبر عما في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعياً، وإنما هو مدعى عليه، فلا تكون البينة حجة له، فتعد بينته لاغية.
ولأن بينة المدعي أكثر فائدة، فوجب تقديمها كتقديم بينة الجرح على التعديل، ودليل كثرة فائدتها: أنها تثبت شيئاً لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت أمراً ظاهراً تدل اليد عليه، فلم تكن مفيدة، أي أن بينته لا تفيد أكثر مما تفيد اليد، أي الحيازة فقط.
٢ - إذا كانت البينتان مؤرختين، وتاريخهما سواء: يقضى للمدعي الخارج؛ لأنه لم يثبت سبق ملك أحدهما؛ إذ أنه بطل اعتبار الوقتين للتعارض، فبقي الحال حال دعوى ملك مطلق، كالصورة الأولى.
٣ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: يقضى للأسبق وقتاً أيهما كان عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وروي في النوادر عن محمد أنه رجع عن هذا القول عند رجوعه من الرقة، وقال: لا تقبل من صاحب اليد بينة على وقت ولا غيره إلا في النتاج؛ لأنه لا قيمة لبينته إذ أنه مدعى عليه، والبينة حجة المدعي.
стр. 5815
والصحيح القول الأول وهو ظاهر الرواية؛ لأن بينة صاحب الوقت الأسبق أظهرت الملك له في وقت لا ينازعه فيه أحد، فيثبت له الحق في موضوع النزاع إلى أن يثبت الآخر سبباً لنقل الملكية له.
٤ - إذا أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر: يقضى للخارج عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الملك المطلق يحتمل التأخر والسبق، لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقتت بينته، كان وقتها أسبق. فوقع الاحتمال في سبق الملك المؤقت، وإذا حصل الاحتمال في شيء سقط اعتباره، فيسقط اعتبار الوقت، وتبقى الدعوى دعوى ملك مطلق، فيقضى للخارج.
وقال أبو يوسف: يقضى لصاحب البينة المؤرخة؛ لأن بينة صاحب الوقت أظهرت الملك له في وقت معين خاص به، لا يعارضها فيه بينة مدعي الملك المطلق بيقين، بل تحتمل بينته المعارضة وعدمها، والمعارضة لا تثبت بالشك، فبقيت بينة صاحب التاريخ سالمة عن المعارضة، فيقضى له.
وقال المالكية والشافعية في هذه الصور (١): تقدم بينة صاحب اليد وتسمى بينة الداخل على الإطلاق؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، فتعارضت البينتان، وترجحت بينة صاحب اليد بيده أي بحيازته، كترجيح أحد الحديثين المتعارضين بالقياس، فيقضى بالشيء لصاحب اليد، ولأن بينة المدعى عليه تفيد معنى زائداً على كون الشيء المدعى فيه موجوداً بيده.
ولأن جانب المدعى عليه أقوى، استصحاباً للأصل، فالأصل معه وهو بقاء ما كان على ما كان، ويمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان، وجب
стр. 5816
إبقاء يد صاحب اليد على ما كانت عليه، ويقدم هو، كما لو لم تكن بينة لأحد المتنازعين.
ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله: «أن النبي ﷺ اختصم إليه رجلان في دابة أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة بأنها له أنتجها، فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده» (١).
الثاني - تعارض الدعويين بين الخارجين عن ذي اليد في ملك مطلق:
إذا تنازع اثنان عيناً، وهي في يد شخص ثالث، وهو منكرلها، وأقام كل منهما بينة يريد بها إثبات حقه فيها.
فقال الشافعية في الأرجح: تهاترت البينتان أي تساقطتا وبطلتا لتناقض موجبيهما، سواء أكانت البينتان مطلقتي التاريخ، أم متفقتين فيه، أم إحداهما مطلقة عن التاريخ والأخرى مؤرخة. فأشبه ذلك تعارض الدليلين ولا مرجح بينهما، فكأنه لا بينة، ويصار إلى الحكم في القضية، كما لو تداعيا ولا بينة لواحد منهما، فيحلف كل واحد منهما يميناً، ويقضى بالشيء بينهما نصفين. وفي قول عندهما: يقرع بينهما، ويرجح من خرجت قرعته (٢).
وكذلك قال المالكية: تسقط البينتان، ويقضى كأنه لا بينة فيحلف كل منهما يميناً، ويقسم الشيء بينهما، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضي له (٣).
стр. 5817
والراجح عند الحنابلة: أنه تسقط البينتان ويقترع المدعيان على اليمين كما لو لم تكن بينة، فمن خرجت له قرعته حلف، وأخذ العين (١).
وقال الحنفية في الجملة: يقضى بالشيء بينهما نصفين إلا أن يكون تاريخ أحدهما أسبق، فيقضى له به، وتفصيله في الصور الأربعة الآتية (٢):
١ و ٢ - إذا كانت الدعوى من الخارجين، وقامت البينتان على ملك مطلق، بلا تاريخ أو تاريخهما سواء، والشيء في يد ثالث: فيقضى به بينهما نصفين، عملاً بالبينتين بقدر الإمكان (٣)، صيانة لهما عن الإلغاء؛ لأن العمل بالدليل واجب بالقدر الممكن، أي أنه إذا تعذر العمل بالبينتين في كل الشيء المتنازع فيه، أمكن العمل بهما في بعض الشيء، فيقضى لكل واحد منهما بالنصف؛ لأنهما تساويا في الدعوى، فيتساويان في القسمة.
ويؤيده «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له، فقضى رسول الله ﷺ به بينهما نصفين» (٤).
стр. 5818
٣ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: فالأسبق أولى؛ لأن كلاً من الخارجين ينطبق عليه وصف المدعي، فكانت بينتاهما مسموعتين مقبولتين قضاء، فترجح إحداهما بأسبقية التاريخ؛ لأنها أثبتت الملك في وقت لم تعارضه فيه البينة الأخرى، فيؤمر صاحب اليد بتسليم الشيء المتنازع عليه إلى المقضي له، إلى أن يثبت الآخر انتقال الملكية إليه بطريق ما.
٤ - إن أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر: يقضى بينهما نصفين عند أبي حنيفة، ولا عبرة للتاريخ؛ لأن الملك المؤرخ يحتمل أن يكون سابقاً عن تاريخ ملك الآخر، ويحتمل أن يكون متأخراً عنه، لوجود احتمال أن صاحب الملك الآخر لو أرخ لكان تاريخه أقدم، ونظراً لطروء الاحتمال في التاريخ، سقط اعتباره، فبقي ادعاء ملك مطلق بالنسبة لكل منهما. وعند أبي يوسف: يقضى لصاحب الوقت، أي صاحب الملك المؤرخ؛ لأن البينة المؤرخة أظهرت الملك في زمان لا تعارضها فيه بيقين البينة المطلقة عن التاريخ، بل تحتمل المعارضة وعدم المعارضة، فلا تثبت المعارضة بالشك، فتثبت بينة صاحب التاريخ بلا معارض، فيكون هو أولى بالشيء.
وعند محمد: يقضى لصاحب الملك المطلق الذي لم تذكر بينته تاريخاً؛ لأن البينة القائمة على الملك المطلق أقوى؛ إذ أنه مالك من الأصل حكماً، بدليل استحقاقه زوائد الشيء من أولاد وألبان وأصواف وغلات ونحوها.
الثالث - تعارض الدعويين في ملك مطلق بين ذوي اليد:
إذا كانت هناك دار يحوزها اثنان، أي تحت يدهما، فادعاها كل منهما، وأقام كل منهما بينة على ملكيته لها، فقال الشافعية على الصحيح (١): تهاترت البينتان،
стр. 5819
أي تساقطتا وبطلتا لتعارضهما وتناقض موجبهما، كتعارض الدليلين دون مرجح لأحدهما، فيقضى ببقاء الدار في يدهما، كما كانت قضاء ترك، إذ ليس أحدهما أولى بها من الآخر. وفي قول: يقرع بينهما كما أشرت سابقاً.
وقال الحنابلة: إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما، وأقام كل واحد منهما بينة، وتساوت البينتان، تعارضتا، وقسمت العين بينهما نصفين، لما روى أبو موسى ﵁: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين» رواه أبو داود، ولأن كل واحد من المتنازعين يعد بالنسبة لما في يده داخلاً في نصف الشيء، وخارجاً عن النصف الآخر (١) وقد عرفنا أنه يقضى ببينة الخارج؛ لأنه هو المدعي.
وقال الحنفية في الجملة: يقضى بالشيء بين صاحبي اليد نصفين، إلا أن تكون بينة أحدهما أسبق تاريخاً من بينة الآخر، وتفصيله فيما يأتي (٢).
١ - إن أقام كل واحد من صاحبي اليد بينة أن الشيء له: فإنه يقضى لكل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه؛ لأنه كما ذكر عند الحنابلة يعتبر خارجاً بالنسبة لذلك النصف، والخارج: هو المدعي، وهوالذي تقبل بينته، وأما النصف الذي في يده فيترك في يده قضاء ترك، وعلى هذا فكأن الدار الواحدة بمنزلة دارين، في يد كل واحد منهما دار، وكل واحد منهما يدعيها، فكان كل واحد منهما مدعياً لما في يد صاحبه، فعليه البينة، ومنكر الدعوى: صاحبه بالنسبة لما في يده.
стр. 5820
وكذلك إن أقام أحدهما البينة ولم يقم الآخر بينة: يقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه، وأما ما في يده فيترك في يده قضاء ترك.
وأيضاً إذا لم يكن لأحدهما بينة: يترك الشيء في يديهما قضاء ترك، حتى لو قامت لأحدهما بينة بعدئذ تقبل؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه حقيقة.
٢ - إن أرخ كل منهما بينته، وتاريخهما سواء يقضي بالشيء بينهما نصفين، كما في الصورة الأولى.
٣ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق: فالأسبق أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: لا عبرة للتاريخ بالنسبة لصاحب اليد، فيكون الشيء بينهما نصفين، والحجج سبق بيانها.
٤ - إن أرخ أحدهما دون الآخر: يقضى بالشيء بينهما نصفين عند أبي حنيفة ومحمد، ولا عبرة للوقت؛ لأنه ساقط الاعتبار لوجود الاحتمال في تقدمه عن تاريخ بينة الآخر وتأخره. وقال أبو يوسف: هو لصاحب التاريخ، وأدلة كل من الفريقين عرفت فيما سبق.
هل ترجح بينة أحد المتداعيين بكثرة عدد الشهود أو اشتهار العدالة؟.
في الصور السابقة الذكر وغيرها من حالات تعارض البينات قرر جمهور الفقهاء أنه لا ترجح إحدى البينتين بكثرة عدد الشهود، ولا اشتهاد العدالة؛ لأن كلاً من البينتين حجة كاملة من الطرفين بتقدير الشرع، فلا تتقوى بالزيادة، كما هو الشأن في الديات: لا يختلف مقدارها باختلاف الأشخاص.
стр. 5821
وقال الإمام مالك: يرجح بزيادة العدالة، كما يرجح بها أحد الخبرين
المرويين، ولا يرجح بكثرة العدد (١).
النوع الثاني - تعارض الدعويين مع تعارض البينتين في دعوى الملك بسبب: دعوى الملك بسبب كما عرفنا: هي أن يذكر فيها سبب الملك من إرث أو شراء أو نتاج. وأبحث كل حالة على حدة فيما يأتي. ومجمل القول في الملك المقيد عند الحنفية: هو أنه إذا ادعى اثنان تلقي الملك من واحد وأحدهما قابض، أو ادعيا الشراء من اثنين، وأرخا وتأريخ ذي اليد أسبق، ففي هاتين الصورتين تقبل بينة ذي اليد باتفاق الحنفية.
الحالة الأولى - دعوى الملك بسبب الإرث:
يكون بحث تعارض دعويي الملك بسبب الإرث في حالتين: حالة ما إذا كان أحد المتداعيين خارجاً، والآخر صاحب يد، وحالة ما إذا كان التداعي بين خارجين على ما في يد ثالث.
أولاً - تعارض الدعويين بين الخارج وذي اليد في دعوى الملك بالإرث: إذا كان متاع في يد رجل، فأقام رجل البينة أن أباه مات وتركه ميراثاً له، وأقام صاحب اليد البينة أن أباه مات وتركه ميراثاً له، فقال الحنفية: يقضى به للخارج سواء ذكروا وقتاً أم لم يؤقتوا، أو أرخوا وكان تاريخهما سواء. فإن كان تاريخ أحدها أسبق فهو له. وتفصيله فيما يأتي (٢):
стр. 5822
١ - إذا أقام كل واحد من الخارج وذي اليد البينة على أنه ملكه مات أبوه وتركه ميراثاً له: يقضى به للخارج؛ لأن كل واحد من المتداعيين أثبت ملكية المتاع للميت، لكن قام الوارث مقام الميت فيما يملكه، فكأن الوارثين ادعيا ملكاً مطلقاً من غير سبب، فيقضى به للخارج، كما عرفنا في دعوى الملك المطلق.
٢ و ٣ - كذلك يقضى بالمتاع المتنازع عليه للخارج إذا أرخا وتاريخهما سواء أو ذكر أحدهما تاريخاً دون الآخر؛ لأنه في الصورة الأولى سقط اعتبار الوقتين للتعارض، فبقي دعوى مطلق الملك. وفي الصورة الثانية: لا عبرة للوقت؛ لأنه يحتمل تأخر ملك الآخر وتقدم، ومع الاحتمال لا ينظر إلى الوقت.
٤ - إذا كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر: فهو لصاحب الوقت الأسبق عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن بينته أثبتت له الملك في وقت لا ينازعه فيه الآخر.
وقال محمد: يقضى به للخارج؛ لأن دعوى الإرث دعوى ملك الميت، فكل واحد من البينتين أظهرت ملك الميت، لكن قام الوارث مقام الميت في ملك الميت، فكأن المورثين ادعيا ملكاً مطلقاً أو مؤرخاً منذ سنة مثلاً من غير ذكر سبب للملك، وقد عرفنا أنه في هذه الحالة يقضى بالشيء للخارج عند محمد.
ثانياً - تعارض الدعويين بين الخارجين عن ثالث في دعوى الإرث: إذا وجدت دار في يد شخص، ثم أقام شخصان آخران غيره، كل منهما البينة على أن الدار ملك له، مات أبوه، وترك الدار ميراثاً له.
قال الحنفية (١): يقضى بالدار بين الشخصين نصفين، سواء أرخت البينتان
стр. 5823
وقت الإرث أم لم تؤرخاه، أو كان تاريخهما سواء، لما ذكر أن الملك الموروث هو ملك الميت بعد موته، وإنما الوارث يخلفه، ويقوم مقامه في ملكه، فكأن المورثين حضرا وادعيا ملكاً مطلقاً عن الوقت لهما في يد ثالث، أو مؤقتاً وكان تاريخهما سواء، أو أحدهما مؤقتاً والآخر مطلقاً، وقد عرفنا أنه يقضى بالشيء حينئذ مناصفة بين الخارجين؛ لأنهما مدعيان متساويان في الادعاء.
وإن كان تاريخ أحدهما أسبق: فهو له عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الوارث بإقامة البينة يظهر الملك للمورث لا لنفسه، فيصير كأنه حضر المورثان، وأقام كل واحد منهما بينة مؤرخة، وتاريخ أحدهما أسبق، وحينئذ يقضى لأسبقهما وقتاً، لإثباته الملك في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر.
وقال محمد: يقضى بالشيء بين الخارجين في هذه الحالة نصفين، ولا عبرة للتاريخ عنده في الميراث، لما ذكر أن الموروث ملك الميت، والوارث قام مقامه، فلم يكن الموت تاريخاً لملك الوارث، فسقط اعتبار التاريخ لملكه، وكأنه لم يكن، فبقي دعوى الملك المطلق عن التاريخ، فيتساوى الخارجان حينئذ.
الحالة الثانية - دعوى الملك بسبب الشراء:
إذا تنازع اثنان على ملكية دار مثلاً، وكانت الدار في يد أحدهما فادعى أحدهما الشراء من الآخر، أو ادعى كل منهما الشراء من صاحبه، أو كانت الدار في يد شخص ثالث، فادعى كل منهما الشراء من صاحب اليد أو من رجل آخر غير الذي ادعى عليه صاحبه، فكيف يحكم القاضي بينهما؟ يعرف الجواب من الصور الآتية:
стр. 5824
١ - التنازع بين الخارج وذي اليد (١):
نجد في هذه الحالة افتراضات ثلاثة:
أولاً - إذا ادعى الخارج أنه اشترى هذه الدار من صاحب اليد بألف ليرة ونقده الثمن: يقضى للخارج بالبينة؛ لأنه هو المدعي.
ثانياً - إذا ادعى صاحب اليد الشراء من خارج: يقضى له بالبينة؟ لأنه يصح تلقي الملك من الخارج؛ لأنه هو المدعي.
ثالثاً - إذا ادعى كل واحد من الخارج وصاحب اليد أنه اشترى الدار من صاحبه بألف ليرة ونقده الثمن، وأقام كل واحد منهما البينة على ذلك ولم يؤرخا وقت الشراء، أو أرخا وتاريخهما سواء:
ف إن لم يثبتا قبض المبلغ بالبينة: لا تقبل البينتان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يجب لواحد منها على صاحبه شيء، ويترك المدعى به في يد الحائز، أي صاحب اليد؛ لأن كل مشترٍ يكون مقراً بكون المبيع ملكاً للبائع. وعلى هذا تعد دعوى الشراء من كل واحد منهما إقراراً بملك المبيع لصاحبه، وتكون البينتان قائمتين على إثبات إقرار كل واحد منهما بالملك لصاحبه، وبين موجبي الإقرارين تناف وتناقض، فتعذر العمل بالبينتين أصلاً.
وقال محمد: يقضى بالبينتين، ويؤمر صاحب اليد بتسليم المدعى به للخارج؛ لأن الجمع والتوفيق بين الدليلين مطلوب بقدر الإمكان، والتوفيق هنا ممكن: بتصحيح العقدين بأن نفترض أن صاحب اليد اشترى المبيع أولاً من الخارج
стр. 5825
وقبضه، ثم اشتراه الخارج ثانية من صاحب اليد، ولم يقبضه، وإنما باعه مرة أخرى لصاحب اليد. فبذلك يمكن تصحيح العقدين: الأول والثاني بالتقدير المذكور.
ولا يصح افتراض العكس: بأن نقدر أن الخارج اشترى أولاً من صاحب اليد، ولم يقبضه، وإنما باعه ثانية لصاحب اليد؛ لأنه يترتب على هذا الافتراض إفساد العقد الثاني؛ لأن هذا بيع للعقار المبيع قبل قبضه، وهذا البيع غير جائز عند محمد، كما هو معروف في عقد البيع.
وإذا صح العقدان بحسب الافتراض الأول، فيبقى الشيء في يد الحائز صاحب اليد، فيؤمر بتسليمه إلى الخارج.
وأما إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق، ولم تذكر البينتان قبضاً: فإنه يقضى لصاحب البيع المتأخر وقتاً، والبيع الثاني ينقض البيع الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعند محمد: يقضى للخارج؛ لأن بيعه إذا كان أسبق، افترض كأنه اشترى الدار أولاً، ولم يقبضها، ثم باعها لصاحب اليد، وبيع العقار قبل القبض لا يجوز عنده، وإذا لم يجز بقي المبيع على ملك الخارج. أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، فيجوز، فصح البيعان ويقضى بالشيء لصاحب اليد.
وإذا كان بيع صاحب اليد أسبق: فيقضى بالدار للخارج اتفاقاً؛ لأنه إذا كان وقته أسبق يجعل سابقاً في الشراء، كأنه اشترى من الخارج وقبض، ثم اشترى منه الخارج ولم يقبض، فيؤمر بتسليم الدار إليه.
وأما إن أثبتا القبض بالبينة: فقد تهاترت البينتان، أي تساقطتا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويقضى بالدار قضاء ترك لمن كانت الدار في يده.
стр. 5826
وقال محمد: يقضى بالدار لمن كانت في يده قضاء حقيقة، وتحصل مقاصة بين ثمن البيع الأول وثمن البيع الثاني، فمن زاد له أخذ الزيادة من صاحبه، كأن الخارج اشترى الدار من الداخل صاحب اليد، فقبضها ثم اشتراها الداخل منه، وقبض، تصحيحاً لتصرف الإنسان؛ لأنه مهما أمكن أن يجعل القبض قبض بيع، يجعل.
٢ - التنازع بين الخارجين على ما في يد شخص ثالث:
نجد في هذه الحالة افتراضين:
أولاً - أن يدعي الخارجان الشراء من شخص واحد على صاحب اليد: إذا ادعى اثنان داراً عند إنسان آخر، كان قد اشتراه كل منهما من واحد معين، وأقاما البينة على الشراء منه بثمن معلوم، ونقد الثمن:
قال الحنفية (١): فإن لم يذكرا تاريخاً للشراء ولا قبضاً للمبيع: يقضى بالدار بينهما نصفين ويثبت لهما الخيار كما سيُبين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وقبول محل النزاع للاشتراك فيه.
وقال الشافعية في هذه الحالة: تعارضت البينتان، فتساقطتا، لتناف بين موجبيهما ومقتضاهما، فكأنه لا بينة، فيحلف كل منهما يميناً على نفي كونه للآخر بأن يقول: إن هذا الشيء ليس لك، ثم يجعل الشيء بينهما، أي يقسم بينهما نصفين لقضائه ﷺ بذلك، كما صححه الحاكم على شرط الشيخين. وفي قول: يقرع بينهما (٢).
стр. 5827
ثم قال الحنفية: أما إذا أرخا، وتاريخ أحدهما أسبق: فيقضى للأسبق؛ لأن بينته تظهر الملك له في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر، أي أن الأسبق أثبت الشراء في زمان لا ينازعه فيه أحد، فاندفع الآخر به.
ولو أرخت بينة أحدهما دون الآخر: فيقضى لصاحب الوقت، لثبوت ملكه في ذلك الوقت، فاحتمل الآخر أن يكون قبله أو بعده، فلا يقضى له بالشك.
ولو لم تؤرخ البينتان، أوأرخت إحداهما دون الأخرى، أو كان تاريخهما سواء، ولكن مع أحدهما قبض: أي أن القبض ثابت في يده معاينة: فهو أولى بالشيء المتنازع عليه، لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شرائه، ولأن المتداعيين استويا في إثبات الشراء بالبينة، والقبض أمر مرجح، فلا تزول اليد الثابتة بالشك. هذا .. إلا أن تشهد بينة التاريخ أن شراءه قبل شراء الآخر فيقضى له، ويرجع الآخر بالثمن على البائع.
والخلاصة: أن بينة ذي اليد أولى من بينة غير القابض في دعوى الملك بسبب، خلافاً لحالة دعوى الملك المطلق، فإن بينة الخارج أولى.
وإذا ادعى اثنان على ثالث ذي يد، أحدهما يدعي شراء منه، والآخر هبة وقبضاً، وأقاما البينة على ذلك، ولا تاريخ معهما، فالشراء أولى؛ لأنه أقوى، لكونه معاوضة من الجانبين؛ ولأنه يثبت بنفسه بخلاف الهبة، فإنه يتوقف على القبض. وإن ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأة أنه تزوجها على هذا الشيء، فهما سواء لاستوائهما في القوة؛ لأن كلاً منهما معاوضة من الجانبين، ويثبت الملك لنفسه. وإن ادعى أحدهما رهناً وقبضاً، والآخر هبة وقبضاً، فالرهن أولى؛ لأن المرهون مضمون، والموهوب غير مضمون وعقد الضمان أولى.
стр. 5828
ثانياً - أن يدعي كل واحد من الخارجين الشراء من رجل غير الذي ادعى عليه صاحبه: إذا ادعى شخصان داراً في يد شخص آخر، وأقام كل واحد منهما البينة على أنه اشتراها من شخص غير الذي ذكره صاحبه سوى صاحب اليد: يقضى به بينهما نصفين؛ لأن المشتريين قاما مقام البائعين، كأنهما حضرا، وأقاما البينة على ملك مطلق، ولو كان الأمر كذلك يقضى به بينهما نصفين، فكذا هذا، ويثبت لهما الخيار كما سأبين.
ولو أرخا وكان تاريخهما سواء أو أرخت بينة أحدهما ولم تؤرخ الأخرى: يقضى به بينهما نصفين أيضاً. وإن كان تاريخ أحدهما أسبق من الآخر، فالأسبق تاريخاً أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذا عند محمد في رواية الأصول بخلاف الميراث: إنه يكون بينهما نصفين عنده.
والفرق بالنسبة لمحمد بين الميراث والشراء: هو أن المشتري يثبت الملك لنفسه، والوارث يثبت الملك للميت.
وفي رواية عن محمد في الإملاء: أنه سوى بين الميراث والشراء، وقال: لا عبرة بالتاريخ في الشراء أيضاً، إلا أن يؤرخ المدعيان ملك البائعين (١).
ثبوت الخيار لمن يقضى لهما: في حالة القضاء بالدار بين المتداعيين الخارجين مناصفة، سواء في ادعاء الشراء من واحد أو من اثنين: يثبت الخيار لكل واحد من مدعيي الشراء: إن شاء أخذ كل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن، وإن شاء ترك لتفريق الصفقة عليه؛ لأن غرض كل واحد من المتداعيين الوصول إلى شراء
стр. 5829
جميع المبيع، ولم يحصل له شراؤه، مما ترتب عليه حدوث خلل في رضا كل منهما، فلا يرضى بالنصف مشتركاً مع الآخر، فأثبت لهما الخيار.
فإن اختار كل واحد منهما أخذ نصف الدار، رجع على البائع بنصف الثمن؛ لأنه لم يحصل له في ملكه إلا نصف المبيع.
وإن اختار كل منهما رد المبيع ونقض البيع، رجع كل واحد منهما بجميع الثمن على البائع؛ لأنه انفسخ البيع.
وإن اختار أحدهما الرد، والآخر الأخذ: فإن حدث هذا قبل تخيير الحاكم لهما، والحكم لهما نصفين، فللآخر أن يأخذ جميع المبيع بجميع الثمن؛ لأن المستحق له بالعقد كل المبيع، وامتناع استحقاقه للكل بسبب مزاحمة الآخر له، فإذا زالت الخصومة فقد زال المانع من الاستحقاق، فيأخذه كله.
وأما إن حدث ذلك بعد قضاء القاضي وتخييره إياهما: فليس له أن يأخذ إلا النصف بنصف الثمن؛ لأنه بحكم القاضي ينفسخ العقد بالنسبة لكل واحد منهما في النصف، فلا يعود إلا بالتجديد (١).
الحالة الثالثة - دعوى الملك بسبب النتاج:
النتاج: هو ولادة الحيوان، مشتق من فعل (نُتجت) المبني للمجهول: يعني ولدت ووضعت. والمراد هنا: ولادة الحيوان في ملك الإنسان نفسه أو في ملك بائعه، أو في ملك مورثه.
إذا تنازع رجلان في دابة مثلاً، فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون
стр. 5830
صاحبه، وأقام كل واحد منهما بينة أنها له نُتجت عنده أو عند بائعه أو عند مورثه، فكيف يقضي القاضي بينهما؟
نجد هنا ثلاثة افتراضات أذكر حكمها عند الحنفية:
أولاً - أن يدعي الخارج وصاحب اليد نتاج أي (منتوج) دابة، ويقيم كل واحد منهما بينة على النتاج من غير تاريخ، أو أرخا تاريخاً واحداً: فصاحب اليد أولى؛ لأن صاحب اليد لا يستحق الملك هنا بظاهر يده فقط، وإنما تثبت بينته شيئاً آخر عدا الحيازة باليد، وهوأولية الملك بالنتاج؛ لأن النتاج لا يتكرر حدوثه، كما تُثبت بينة الخارج، فاستوت البينتان في إظهار أولية الملك، وترجحت بينة ذي اليد باليد، فيقضى له. وذلك بخلاف الملك المطلق فهناك لا تُثبت بينته إلا ما هو ثابت له بظاهر يده، باعتبار أن الملك ينتقل ويتكرر حدوثه.
وفي هذا ورد حديث جابر: «أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندي، وأقاما بينة، فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده» (١) ويقضى في ظاهر مذهب الحنفية لصاحب اليد قضاء حقيقة، لا أن يترك في يده قضاء ترك. وهو موافق لمذهب الشافعية.
وقال عيسى بن أبان: تتهاتر البينتان ويترك المدعى به في يد صاحب اليد قضاء ترك (٢).
ثانياً - أن يقيم أحد المتنازعين على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن النتاج: إذا أقام أحد المتخاصمين البينة على النتاج، والآخر على الملك المطلق عن
стр. 5831
النتاج، بأن قال: هو ملكي، فبينة النتاج أولى، سواء أكان خارجاً أم ذا اليد، لما ذكر أنها تثبت أولية الملك لصاحبه، فلا تثبت لغيره إلا بالتلقي منه (١).
ثالثاً - ادعاء النتاج من الخارجين على ثالث يدعي ملكاً مطلقاً: إذا ادعى الخارجان النتاج وهو في يد شخص ثالث يدعي ملكاً مطلقاً: فهو بين الخارجين نصفين، لا ستوائهما في سبب الاستحقاق.
فإن أرخت البينتان، واتفق تاريخهما، فيقضى بالمدعى به أيضاً نصفين، لسقوط اعتبار الوقتين بالتعارض.
وإن اختلف التاريخان يحكَّم سن الدابة: فيقضى لصاحب الوقت الذي يوافقه سن الدابة إن علم سنها؛ لأنه ظهر أن البينة الأخرى كاذبة بيقين.
فإن أشكل السن، كانت الدابة بينهما نصفين؛ لأنه سقط اعتبار التاريخ، وجعل كأنهما لم يذكرا تاريخاً؛ لأنه يحتمل أن يكون سنها موافقاً لتاريخ أحدهما أو مخالفاً لهما.
وإن خالف سنها الوقتين جميعاً، سقط اعتبار التاريخ في ظاهر الرواية؛ لأنه ظهر بطلان اعتبار التوقيت، فكأنهما لم يؤقتا، فبقيت البينتان قائمتين على ملك مطلق.
وذكر الحاكم الشهيد في مختصره (الكافي) أنه تتهاتر البينتان، ويبقى النتاج في يد صاحب اليد قضاء ترك، قال: وهو الصحيح.
والواقع أن الأصح في هاتين الحالتين: حالة إشكال السن ومخالفته للوقتين
стр. 5832
هو ما قاله محمد، وهو أن تكون الدابة بينهما نصفين، سواء أكانت الدابة في يديهما، أم في يد أحدهما، أم في يد شخص ثالث (١).
ما يتكرر سببه وما لا يتكرر:
كل ما ذكرمن الأحكام في تعارض الدعويين في الملك المطلق أو بسبب الإرث أو الشراء، ينطبق على كل ما يتكرر فيه سببه، ويصنع مرتين فأكثر كبناء وغرس ونسج خز (٢) وزرع بر ونحوه، يقضى بالمدعى به للخارج، فلو ادعى رجل ثوباً أنه ملكه من خزه، أو ادعى داراً أنهاملكه بناها بماله، أو ادعى غرساً أنه ملكه غرسه بنفسه، أو ادعى حنطة أنها ملكه زرعها أو حباً آخر من الحبوب، وأقام على مدعاه بينة وادعى ذو اليد مثل ذلك، وأقام عليه بينة، قضي به للخارج؛ لأن هذه الأشياء ليست في معنى النتاج لتكررها.
وكل ما ذكر من الأحكام في النتاج ينطبق على ما لا يتكرر فيه سبب الملك ولايعاد، ولا يصنع مرتين كنسج الثياب التي لا تنسج إلا مرة واحدة، وغزل قطن، وحلب لبن، وجز صوف، ونحوها؛ لأنه في معنى النتاج، يقضى به لصاحب اليد. فلو ادعت امرأة غزل قطن أنه ملكها، غزلته بيدها، أو ادعى رجل ثوباً أنه ملكه، نسجه بيده، وهو مما لا يتكرر نسجه، أو ادعى لبناً أنه ملكه حلبه من شاته، أو ادعى جبناً أنه ملكه، صنعه بيده، أو ادعى صوفاً مجزوزاً بأنه ملكه، جزَّه من شاته، وأقام على مدعاه بينة، فادعى ذو اليد مثل ذلك، وأقام عليه بينة، فإنه يقضى به لذي اليد؛ لأنه في معنى النتاج، فيلحق به (٣).
стр. 5833
المبحث السادس - حكم تعارض الدعويين في أصل الملك فقط، وحكم الملك وما يقتضيه من حقوق:
يتناول هذا المطلب قضيتين مختلفتين، وإنما جمعتُ بينهما؛ لأن كلاً منهما لا يستحق على الانفراد مطلباً مستقلاً لقلة الكلام فيه، ولأن بينهما ارتباطاً جزئياً من جهة ولاية التصرف في الشيء.
حكم تعارض الدعويين في أصل الملك فقط أو التنازع بالأيدي:
انتهى بيان تعارض الدعويين مع تعارض البينتين، والكلام في هذا المطلب عن تعارض الدعويين لا غير، تمسكاً بظاهر اليد، فيحكم بين المتداعيين بأرجحية يد أحدهما على الآخر، ويظهر الحكم في المسائل الآتية (١):
١ - إذا تنازع اثنان في دابة: أحدهما راكبها، والآخر متعلق بلجامها، فالراكب أولى؛ لأن تصرفه أقوى، فإن الركوب يختص بالملك غالباً.
وكذلك إذا كان أحدهما راكباً على السرج، والآخر رديفه، فالراكب أولى، لقوة يده، وهذا رأي أبي يوسف، وهو الذي مشى عليه القدوري في مختصره «الكتاب». أما في ظاهر الرواية: فالدابة بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في أصل الاستعمال. وكذلك تكون الدابة بينهما اتفاقاً إذا كانا راكبين على السرج، لاستوائهما في التصرف.
وإن تنازعا في بعير عليه لأحدهما حمل، وللآخر عليه مخلاة معلقة فصاحب الحمل أولى، لأنه هو المتصرف، فهو ذو اليد في الواقع.
стр. 5834
٢ - إذا تنازع اثنان في قميص: أحدهما لا بسه، والآخر متعلق به، فاللابس أولى؛ لأنه أقواهما تصرفاً، فهو مستعمل للقميص.
ولو تنازعا في بساط أحدهما جالس عليه، والآخر متعلق به: فهو بينهما نصفان، قضاء ترك، لا قضاء حقيقة؛ لأن القعود عليه ليس بيد عليه، حتى إنه لا يعتبر غاصباً بالقعود عليه، وإنما تكون اليد، أي الحيازة على البساط إما بالنقل والتحويل، أو بكونه في بيته، والجلوس عليه ليس بشيء من الأمرين، فلا يكون يداً عليه. وبما أنهما يدعيانه على السواء، فيترك في يديهما لعدم وجود منازع ينازعهما.
وإذا كان ثوب في يد رجل، وطرف منه في يد آخر، فهو بينهما نصفان؛ لأن الزيادة من جنس الحجة، فإن كل واحد منهما متمسك باليد، إلا أن أحدهما أكثر استمساكاً، ومثله لا يوجب الرجحان، كزيادة عدد الشهود، لا تُرجح بينة أحد الخصمين.
٣ - إذا كان حائط بين دارين: فادعاه كل من المالكين المتجاورين، وليس لأحدهما عليه جذوع (١) ولا هو متصل ببناء كل منهما، فإنه يكون بينهما، لاستوائهما في الاستظلال به.
وإن كان لأحدهما عليه جذوع، فهو له؛ لأنه مستعمل للحائط.
ولو كان لكل واحد منهما جذوع، على السواء، أو لأحدهما أكثر من الآخر، بأن كان ثلاثة فصاعداً، فهو بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في استعمال الحائط، فاستويا في ثبوت اليد عليه، والزيادة على الثلاثة من جنس الحجة.
стр. 5835
أما إن كان لأحدهما ما دون الثلاثة، وللآخرأكثر، فهو لصاحب الكثير؛ لأن أصل الاستعمال لا يحل بما دون الثلاثة؛ لأن الجدار لا يبنى له عادة، وإنما يبنى لأكثر من الثلاثة، إلا أن الأكثر لا نهاية له، والثلاثة أقل الجمع الصحيح، فقيِّد به. ولكن يبقى لصاحب القليل حق الاستناد على الحائط، وليس لصاحب الحائط الحق في أن يطلب رفع الجذوع، إلا إذا أثبت بالبينة أن الحائط له، فحينئذ يرفع الجذع.
وإن لم يكن لهما جذوع، ولأحدهما اتصال بالبناء اتصال التزاق وارتباط، فهو لصاحب الاتصال، لأنه كالمتعلق به.
ولو كان لأحدهما اتصال التزاق، وللآخر جذوع، فصاحب الجذوع أولى؛ لأنه مستعمل للحائط، ولا استعمال من صاحب الاتصال.
ولو كان لأحدهما اتصال التزاق وارتباط، وللآخر اتصال تربيع (١)، فصاحب التربيع أولى؛ لأن اتصال التربيع أقوى من اتصال الالتزاق.
ولو كان لأحدهما اتصال تربيع وللآخر جذوع: فالحائط لصاحب التربيع، ولصاحب الجذوع حق وضع الجذوع، أي استنادها عليه؛ لأن الظاهر ليس بحجة في الاستحقاق. والسبب في ترجيح صاحب الاتصال: أن الحائطين بالاتصال يصيران كبناء واحد. وقال السرخسي: صاحب الجذوع أولى؛ لأن لصاحب الاتصال اليد، ولصاحب الجذوع التصرف والتصرف أقوى. والرأي الأول أرجح؛ لأن اتصال التربيع يكون حالة البناء، وهو سابق على وضع الجذوع، فكانت يده أسبق من وضع الآخر جذوعه، فصار مثل سبق التاريخ.
стр. 5836
ثم إن الاتصال الذي وقع الاختلاف السابق في ترجيح صاحبه على صاحب الجذوع أو على العكس: هو الاتصال الذي وقع في أحد طرفي أو جانبي الحائط المتنازغ فيه. وأما إذا وقع اتصال التربيع في طرفيه أو جانبيه، فصاحب الاتصال أولى بلا خلاف (١).
ولو كان وجه البناء على الحائط في أحد الجانبين، فلا يرجح به باتفاق الحنفية؛ لأن هذا لا يختص بالملك.
٤ - إذا كان خُص (٢) بين دارين، أو بين حقلين، والقُمط (٣) إلى أحدهما، وادعى كل واحد الخص، فهو بينهما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى عليه، ولا ينظر إلى القمط؛ لأن هذا دليل الحيازة واليد في الماضي، لا وقت الدعوى، فلا يفيد في الإثبات.
وقال الصاحبان: صاحب القمط أولى بالعرف والعادة، فإن الناس في العادة يجعلون وجه البناء والطاقات (ما عطف من الأبنية) وأنصاف اللبن والقمط إلى صاحب الدار، فيدل على أنه بناؤه.
تنبيه: كل موضع قضي فيه بالملك لأحد المتنازعين لكون المدعى به في يده، تجب عليه اليمين لصاحبه إذا طلب، فإن حلف برئ، وإن نكل يقضى عليه بالنكول (٤).
стр. 5837
حكم الملك وما يقتضيه من حقوق:
حكم الملك أو مقتضاه عند الحنفية: هو أن يثبت لصاحبه ولاية التصرف في الشيء المملوك بمطلق اختياره، دون أن يكون لأحد عليه حق الإجبار على التصرف إلا لضرورة، أو حق المنع من التصرف، وإن تضرر به إلا إذا تعلق به حق الغير، فيمنع عن التصرف مراعاة لحق الغير، ولا يكون لغير المالك شيء من حقوق التصرف في ملك غيره بدون إذنه أو رضاه إلا لضرورة.
وبناء عليه للمالك أن يتصرف في ملكه أي تصرف شاء، سواء أكان تصرفاً يتعدى ضرره إلى غيره، أم لا يتعدى، فله أن يبني في ملكه مرحاضاً أو حماماً أورحى أو تنوراً، وله أن يؤجر بناءه لحداد أو قصار، وله أن يحفر في ملكه بئراً أو بالوعة، وإن كان يتأذى به جاره، وليس لجاره أن يمنعه؛ لأن حق الملكية حق مطلق، ويتقيد هذا الحق عند وجود عارض من تعلق حق الآخرين به، لكن يجب أن يمتنع الإنسان عن كل ما يؤذي جاره ديانة، لقوله ﷺ : «المؤمن من أمن جاره بوائقه» (١).
فلو تصرف المالك في ملكه تصرفاً أدى إلى أن يوهن بناء جاره أو سقوط حائط جاره، لا يضمن؛ لأنه لم يتعد على ملك الغير.
العلو والسفل: وعلى هذا لو كان لأحد الجوار سفل، وللآخر علو عليه كطوابق المنازل الحديثة، فأراد صاحب السفل أن يفتح باباً أو نافذة، أو يحفر طاقاً، أو يدق وتداً على الحائط، أو يتصرف فيه تصرفاً لم يكن في القديم، من غير رضا صاحب العلو سواء أضر بالعلو، بأن ترتب عليه وَهْن الحائط أم لم يضرَّ به، فليس له ذلك عند أبي حنيفة؛ لأن حرمة التصرف في ملك الغير وحقوقه لا تتوقف على وقوع الضرر، بل هو حرام، سواء تضرر به أم لا.
стр. 5838
وقال الصاحبان: لصاحب السفل أن يفعل في ملكه ما يشاء إن لم يضر بصاحب العلو؛ لأن صاحب السفل يتصرف في ملك نفسه، فلا يمنع إلا لحق الغير، وحق الغير لا يمنع المالك من التصرف لذاته، وإنما لما يترتب عليه من إيقاع الضرر به، بدليل أن الإنسان لا يمنع من الاستظلال بجدار غيره، ومن الاصطلاء بنار غيره، لعدم تضرر المالك. والرسول ﷺ يقول: «لا ضرر ولا ضرار» (١).
وإذا انهدم السفل والعلو: لم يجبر صاحب السفل على البناء؛ لأن الإنسان لا يجبر على عمارة ملك نفسه، ولكن يقال لصاحب العلو: إن شئت فابن السفل من مال نفسك، وضع عليه علوك، وارجع عليه بقيمته مبنياً، ثم امنع صاحب السفل عن الانتفاع بالسفل حتى يرد عليك قيمة البناء؛ لأن البناء، وإن كان تصرفاً في ملك الغير، لكن فيه ضرورة؛ لأنه لا يمكنه الانتفاع بملك نفسه إلا بالتصرف في ملك غيره. وأما رجوعه بقيمة البناء، فلأنه ملكه بإذن الشرع، فله ألا يمكن صاحب السفل من الانتفاع بملكه إلا بعد دفع قيمته.
أما إذا هدم صاحب السفل منزله، فانهدم الطابق العلوي، فيجبر على إعادته؛ لأنه أتلف حق صاحب العلو بنفسه.
ويجري هذا الخلاف في الحائط بين الدارين إذا انهدم، ولهما عليه جذوع، فإنه لا يجبر واحد منها على بنائه، ولكن إذا أبى أحدهما البناء، يقال للآخر: إن شئت فابن من مال نفسك، وضع خشبك عليه، وامنع صاحبك من الوضع والاستناد، حتى يرد عليك نصف قيمة البناء، أو نصف ما أنفقته.
فإن هدمه أحدهما، يجبر على عمارته (٢).
стр. 5839
الفَصْلُ الثَّالث: طرق الإثبات يشتمل هذا الفصل على المباحث الأربعة التالية:
١ - الشهادة.
٢ - اليمين.
٣ - الإقرار.
٤ - القرائن.
المبحث الأول - الشهادة والرجوع عنها:
أشرت في الفصل السابق إلى أن البينات ومنها الشهادات من أهم طرق إثبات الحق عند القاضي، ووعدت بتخصيص مبحث مستقل للشهادة أتكلم فيه عن حكم أداء الشهادة وشروط تحملها؛ وشروط أدائها، وحكم الرجوع عن الشهادة، في المطالب الستة الآتية:
المطلب الأول - تعريف الشهادة و ركنها وحكمها.
المطلب الثاني - شروط تحمل الشهادة.
المطلب الثالث - شروط أداء الشهادة.
المطلب الرابع - حكم الرجوع عن الشهادة.
стр. 5840
المطلب الخامس - عقوبة شاهد الزور.
المطلب السادس - شهادة غير المسلمين.
المطلب الأول - تعريف الشهادة وركنها وحكمها:
الشهادة: مصدر شهد من الشهود بمعنى الحضور، وهي لغة: خبر قاطع. وشرعاً: إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (١).
وركنها: لفظ (أشهد) لا غير؛ لأن النصوص اشترطت هذا اللفظ، إذ الأمر القرآني ورد فيها بهذه اللفظة، ولأن فيها زيادة تأكيد، فإن قوله: (أشهد) من ألفاظ اليمين. وهي تتضمن معنى المشاهدة أي الإطلاع على الشيء. فلو قال: (شهدت) لا يجوز؛ لأن الماضي موضوع للإخبار عما وقع، والشهادة يقصد بها الإخبار في الحال (٢).
والأصل في الشهادة قبل الإجماع: الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] وقال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥]، ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] أمر إرشاد لا وجوب.
وأما السنة فمثل قوله ﷺ لمدع: «شاهداك أو يمينه» (٣) وخبر في السنة: «أنه
стр. 5841
ﷺ سئل عن الشهادة، فقال للسائل: ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد، أو دع» (١).
و حكم الشهادة: وجوب القضاء على القاضي بموجبها بعد توافر شروطها. وأما حكم تحمل الشهادة وأدائها، فهو فرض كفائي إذا دعي الشهود إليه، إذ لو تركه الجميع، لضاع الحق، ويصبح أداء الشهادة بعد التحمل فرض عين، فيلزم الشهود بأداء الشهادة، ولا يجوز لهم كتمانها إذا طالبهم المدعي بها، لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢] وقوله : ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] (٢).
ويجب أداء الشهادة بلا طلب في حقوق الله تعالى، كطلاق امرأة بائناً، ورضاع، ووقف، وهلال رمضان، وخلع، وإيلاء، وظهار. قال الحنفية (٣): الذي تقبل فيه الشهادة حسبة (٤) بدون الدعوى أربعة عشر: وهي الوقف، وطلاق الزوجة، وتعليق طلاقها، وحرية الأمة، وتدبيرها، والخلع، وهلال رمضان، والنسب، وحد الزنا، وحد الشرب، والإيلاء، والظهار، وحرمة المصاهرة، ودعوى المولى نسب العبد. وزاد ابن عابدين: الشهادة بالرضاع.
لكن الشهادة في الحدود: يخير فيها الشاهد بين الستر والإعلام؛ لأنه يكون متردداً بين شهادتي حسبة: في إقامة الحد، والتوقي عن هتك حرمة مسلم، والستر
стр. 5842
أولى وأفضل؛ لقوله ﷺ للذي شهد عنده: «لو سترته بثوبك لكان خيراً لك» (١) وقوله ﵊: «من ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة» (٢) وقد عرفنا في الحدود أن الرسول ﵊ لقن ماعزاً الرجوع عن الإقرار بقوله: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» ففي هذا دلالة ظاهرة على أفضلية الستر.
لكن الأولى أن يقول الشاهد في السرقة: أخذ المال إحياء لحق المسروق منه، ولا يقول: سرق صوناً ليد السارق عن القطع، فيكون بهذا قد جمع بين الستر والإعلام أو الإظهار (٣).
المطلب الثاني - شروط تحمل الشهادة:
تحمل الشهادة: عبارة عن فهم الحادثة وضبطها بالمعاينة أو بالسماع. ويشترط لتحمل الشهادة شروط ثلاثة عند الحنفية (٤).
أولها - أن يكون الشاهد عاقلا ً: فلا يصح تحمل الشهادة من المجنون والصبي الذي لايعقل؛ لأن التحمل يتطلب الفهم والإدراك، وهو يحصل بالعقل.
стр. 5843
ثانيها - أن يكون بصيراً وقت التحمل، فلا يصح التحمل من الأعمى؛ لأن شرط التحمل هو السماع من الخصم، ولا يعرف الخصم إلا بالرؤية؛ لأن نغمات الأصوات يشبه بعضها بعضاً.
وقال الحنابلة (١): تحمل الشهادة يكون بالرؤية والسماع، فيجوز للأعمى أن يشهد فيما يتعلق بالسماع كالبيع والإجارة وغيرهما إذا عرف المتعاقدين، وتيقن أنه كلامهما.
وقال الشافعية (٢): لا تجوز شهادة الأعمى فيما يتعلق بالبصر لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحاكي الإنسان صوت غيره، كما قال الحنفية، فلا يجوز أن يكون شاهداً على الأفعال كالقتل والإتلاف والغضب والزنا وشرب الخمر، وهذا ما قال به الحنابلة أيضاً، كما لا يجوز أن يكون شاهداً على الأقوال كالبيع والإقرار والنكاح والطلاق، إلا فيما سماه الشافعية بصورة الضبط: وهي أن يقر شخص في أذن الأعمى بنحو طلاق أو مال لشخص معروف، فيتعلق الأعمى به ويضبطه إلى أن يحضر عند الحاكم، فيشهد عليه بما سمعه منه، فتقبل شهادته في هذه الحالة على الصحيح.
ثالثها - معاينة المشهود به بنفسه لا بغيره إلا فيما تصح فيه الشهادة بالتسامع من الناس والاستفاضة ؛ لقوله ﷺ للشاهد: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع» (٣) ولا يتم العلم مثل الشمس إلا بالمعاينة.
ولا يشترط لتحمل الشهادة البلوغ والحرية والإسلام والعدالة، وإنما هي شروط للأداء.
стр. 5844
وأما ما تصح فيه الشهادة بالتسامع: فهي النكاح، والنسب، والموت، ودخول الرجل على امرأته، وولاية القاضي، فللشاهد أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها خواص الناس، ويترتب عليها أحكام دائمة على ممر السنين والأعوام، فلو لم يقبل فيها الشهادة بالتسامع، لأدى ذلك إلى الحرج وتعطيل الأحكام.
والتسامع عند أبي حنيفة: هو بأن يشتهر الخبر ويستفيض بين الناس، وتتواتر به الأخبار ليحصل له نوع من اليقين. وعند الصاحبين: بأن يخبر الشاهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان، واختار قولهما بعض الفقهاء بدليل أن القاضي يحكم بشهادة شاهدين، ولو لم يرد المشهود به أو يسمعه بنفسه. وعند أداء الشهادة بالتسامع لا يذكر الشاهد أمام القاضي أن شهادته بالتسامع، وإنما يقول: أشهد بكذا.
أما فيما عدا المذكور فلا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة: وهي المعاينة، وتتم بالعلم، فلا تجوز الشهادة إلا بما علمه الإنسان، بدليل قوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق، وهم يعلمون﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ولا تقْف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ [الإسراء:٣٦/ ١٧] (٢).
وقال المالكية: تجوز شهادة التسامع في عشرين حالة: منها عزل قاض أو والٍ أو وكيل، وكفر، وسفه، ونكاح، ونسب، ورضاع، وبيع، وهبة ووصية (٣).
стр. 5845
والتسامع: أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور، وذلك بأن يشتهر النسب مثلاً المشهود به بين الناس العدول وغيرهم. ويشترط أن يقول الشهود: سمعنا أو لم نزل نسمع سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم أن فلاناً ابن فلان.
وقال الشافعية في الأصح: تجوز الشهادة بالتسامع أو الاستفاضة في النسب والموت، والوقف، والنكاح، وملكية الأشياء، فإن استفاض في الناس أن فلاناً ابن فلان، جاز أن يشهد به؛ لأن سبب النسب لا يدرك بالمشاهدة، وإن استفاض في الناس أن فلاناً مات، جاز أن يشهد به؛ لأن أسباب الموت كثيرة، ويتعذر الاطلاع عليها، وإن استفاض في الناس أن هذه الدار لفلان جاز أن يشهد به؛ لأن أسباب الملك لا تضبط … وهكذا (١).
وقال الحنابلة: تصح الشهادة بالاستفاضة في النسب والولادة، والنكاح والموت، والملك، والوقف، والولاية والعزل (٢).
ويشرط التسامع عند الشافعية والحنابلة في الأصح مثلما قال أبو حنيفة: سماع المشهود به من جمع كثير يؤمن تواطؤهم (أي توافقهم) على الكذب بحيث يحصل العلم (أي اليقين) أو الظن القوي بخبرهم. ولا بد من أن يقول الشاهد: أشهد بكذا.
الشهادة على الكتابة: بما أن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه الشاهد، فلا يحل للشاهد عند أكثر العلماء أن يشهد بما رآه من خط نفسه، إلا أن يتذكر الشهادة؛ لأن الخط يشبه الخط، والمطلوب في الشهادة العلم بالحادثة، والشيء المشتبه فيه لا يفيد العلم، فإن تذكر القضية أو الشهادة، يشهد حينئذ على ما علم لا على أنه خطه.
стр. 5846
وقال أبو يوسف ومحمد وفي رواية عند الحنابلة: يجوز للشاهد أن يشهد بما يجده من خط نفسه (١).
أنواع ما يتحمله الشاهد:
مايتحمله الشاهد نوعان: أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه. وهو ما يعرف بالسماع المباشر كالبيع والإقرار، أو رؤية الفعل بالذات كالغصب والقتل.
فللشاهد إذا سمع أورأى أن يشهد به، ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول: أشهدني؛ لأنه كذب. ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد؛ لأن النغمة تشبه النغمة.
والثاني: ما لا يثبت حكمه بنفسه: وهو ما لا يوجب الشهادة بنفسه، وإنما بالنقل إلى مجلس القضاء والإنابة في الأداء. فإذا سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجز أن يشهد بنفسه على شهادته إلا أن يشهده على شهادته، ويأمره بأدائها ليكون نائباً عنه. وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته ويأمره بأدائها لم يسع السامع له أن يشهد؛ لأنه لم يحمله الشهادة، وإنما حمل غيره (٢).
فالنوع الثاني إذن يكون بتكليف الشاهد لغيره نقل شهادته أمام القضاء.
المطلب الثالث - شروط أداء الشهادة:
يشترط في مذهب الحنفية لجواز أداء الشهادة عند القاضي شروط في الشاهد وفي الشهادة نفسها، وفي مكان الشهادة. وفي إيضاح هذه الشروط نتبين من تقبل
стр. 5847
شهادته، ومن لا تقبل، وحالة اختلاف الشهود في الشهادة، وصفة العدالة في الشهود.
شروط الشاهد:
يشترط في الشاهد شرائط عامة في كل الشهادات، وشرائط خاصة ببعض أنواع الشهادات.
أما الشرائط العامة فهي ما يأتي (١):
١ - أهلية العقل والبلوغ: يشترط أن يكون الشاهد عاقلاً بالغاً باتفاق الفقهاء، فلا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعاً، مثل المجنون والسكران والطفل؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله، ولا تقبل شهادة صبي غير بالغ؛ لأنه لا يتمكن من أداء الشهادة على الوجه المطلوب، لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] والصبي ممن لا يرضي؛ ولأن الصبي لا يأثم بكتمان الشهادة، فدل على أنه ليس بشاهد.
وأما شهادة الصبيان بعضهم على بعض، فتجوز عند الإمام مالك في الجراح وفي القتل، خلافاً لجمهور الفقهاء، بشرط أن يتفقوا في الشهادة، وأن يشهدوا قبل تفرقهم، وألا يدخل بينهم كبير (٢).
٢ - الحرية: اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على أن الشاهد يشترط فيه أن
стр. 5848
يكون حراً، فلا تقبل شهادة رقيق، لقوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء﴾ [النحل:٧٥/ ١٦] ولأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو لا ولاية له.
وقال الحنابلة والظاهرية: تقبل شهادة العبد، لعموم آيات الشهادة، ولأن العبودية ليس لها تأثير في الرد، وقيدها الحنابلة فيما عدا الحدود والقصاص (١).
٣ - الإسلام: اتفق الفقهاء على اشتراط كون الشاهد مسلماً، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم؛ لأنه متهم في حقه، وأجاز الحنفية والحنبلية شهادة الكافر في الوصية في السفر، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم﴾ [المائدة:١٠٦/ ٥] وأجاز الحنفية خلافاً للجمهور شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض إذا كانوا عدولاً في دينهم، وإن اختلفت مللهم كاليهود والنصارى (٢)، لما روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله: «أن النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض» (٣) وفي بعض رجاله مقال.
ولا تقبل شهادة الحربي المستأمن على الذمي؛ لأنه لا ولاية له عليه؛ لأن الذمي من أهل ديارنا، وهو أعلى حالاً منه. وتقبل شهادة الذمي على الحربي المستأمن، كما تقبل شهادة المسلم عليه وعلى الذمي. وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا أهل دار واحدة.
стр. 5849
٤ - البصر: يشترط عند أبي حنيفة ومحمد والشافعية: أن يكون الشاهد مبصراً، فلا تقبل شهادة الأعمى؛ لأنه لا بد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة، ولا يميز الأعمى بين الناس إلا بنغمة الصوت، وفيه شبهة؛ لأن الأصوات تتشابه. وتشدد الحنفية فمنعوا قبول شهادة الأعمى وإن كان بصيراً عند تحمل الشهادة.
وأجاز المالكية والحنابلةوأبو يوسف شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت؛ لعموم الآيات الواردة في الشهادة، ولأنه رجل عدل مقبول الرواية، فقبلت شهادته كالبصير، ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين، ولهذا أجاز الشافعية شهادة الأعمى فيما يثبت بالاستفاضة. كما أجازوا أن يكون شاهداً في الترجمة؛ لأنه يفسر ما سمعه بحضرة الحاكم، وسماعه كسماع البصير (١).
٥ - النطق: اشترط الحنفية والشافعية والحنابلة أن يكون الشاهد ناطقاً، فلا تقبل شهادة الأخرس، وإن فهمت إشارته؛ لأن الإشارة لا تعتبر في الشهادات؛ لأنها تتطلب اليقين، وإنما المطلوب التلفظ بالشهادة.
وأجاز المالكية قبول شهادة الأخرس إذا فهمت إشارته؛ لأنها تقوم مقام نطقه في طلاقه ونكاحه وظهاره، فكذلك في شهادته (٢).
٦ - العدالة: اتفق العلماء على اشتراط العدالة في الشهود، لقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] فلا تقبل شهادة الفاسق كالزاني والشارب
стр. 5850
والسارق ونحوهم، وكذا مجهول الحال، وروي عن أبي يوسف: أن الفاسق إذا كان وجيهاً في الناس، ذا مروءة، تقبل شهادته؛ لأنه لا يستأجر لشهادة الزور لوجاهته، ويمتنع عن الكذب لمروءته. وقال جمهور الحنفية: لا تقبل شهادة الفاسق مطلقاً، إلا أن القاضي لو قضى بشهادة الفاسق نفذ قضاؤه، ويكون القاضي عاصياً.
والعدالة: لغة التوسط، وشرعاً: اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر. والحقيقة أن اجتناب الكبائر كلها هو شرط لصحة الشهادة، وبعد توقيها يلاحظ الشأن الغالب، فمن كثرت معاصيه أثَّر ذلك في شهادته، ومن ندرت منه المعصية قبلت شهادته. وهذا هو حد العدالة المعتبرة، حتى لا يترتب على التشدد سد باب الشهادة وإماتة الحقوق.
وضابط عدالة الشاهد في مذهب الشافعية: أن يكون مجتنباً الكبائر، وغير مصر على الصغائر، وسليم السريرة أي العقيدة، ومأموناً عند الغضب، ومحافظاً على مروءة مثله.
واكتفى أبو حنيفة بظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن الشهود، حتى يطعن الخصم بها إلا في الحدود والقصاص، فإنه يسأل عن الشهود، وإن لم يطعن فيهم الخصوم، ودليله على الاكتفاء بظاهر العدالة قوله ﷺ : «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف» (١) ومثله مروي عن عمر ﵁ (٢). وأما دليله على استثناء الحدود والقصاص، فهو أن القاضي يتحايل