← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

متهم في إقراره على نفسه، ويؤمر بأداء الحق لصاحبه. وإن أنكر، طلب القاضي من المدعي إثبات حقه بالبينة، فإن أقام البينة قضى بها، لترجح جانب الصدق على الكذب بالبينة. وإن عجز المدعي عن تقدم البينة، وطلب يمين خصمه المدعى عليه، استحلفه القاضي (١)، لقول النبي ﷺ في قصة خصمين: «ألك بينة؟ قال: لا، فقال النبي: فلك يمينه» أي يمين المدعى عليه (٢). المرحلة الثانية - طرق إثبات الحق: إثبات الحق: هو إقامة الحجة أمام القضاء على الحق أو حدوث الواقعة. ولا يمكن للقاضي الفصل في أي خصومة أو قضية بمجرد الادعاء بدون إثبات بإحدى الوسائل الشرعية المتعددة وأهمها ما يأتي: ١ - الشهادة: وهي شرعاً إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء. وهي حجة المدعي لقوله ﷺ : «البينة على المدعي» (٣) وقوله أيضاً لمدعٍ: «شاهداك أو يمينه» (٤). ونظام الشهادة محدد صراحة في القرآن الكريم: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] ﴿ولا يأب الشهداء

стр. 6092

إذا ما دعوا﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] ﴿ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢] ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥]. والبحث في الشهادة يطول، أكتفي هنا بتعداد أهم شروطها؛ لأن الفقهاء اشترطوا شروطاً لتحمل الشهادة وأدائها. أما شروط تحمل الشهادة فهي ثلاثة عند الحنفية (١). أولها - أن يكون الشاهد عاقلاً، أي مميزاً، فلا تصح شهادة المجنون والصبي غير المميز. ثانيها - أن يكون بصيراً وقت التحمل، فلا يصح التحمل من الأعمى بسبب اختلاط الأصوات عليه وجواز اشتباهها عليه. وأجاز الحنابلة (٢) شهادة الأعمى فيما يسمع كالبيع والإجارة وغيرهما إذا عرف القاضي المتعاقدين وتيقن أنه كلامهما. ثالثها - معاينة المشهود به بنفسه، لا بغيره، إلا فيما تصح فيه الشهادة بالتسامع من الناس والاستفاضة، لقوله ﷺ للشاهد: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع» (٣) ولا يتم العلم مثل الشمس إلا بالمعاينة. وتصح الشهادة بالتسامع في النكاح، والنسب، والموت، ودخول الرجل على امرأته، وولاية القاضي، فللشاهد أن يشهد بهذه الأمور إذا أخبره بها من يثق به استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها خواص الناس، ولو لم يقبل

стр. 6093

فيها الشهادة بالتسامع، لأدى الأمر إلى الحرج وتعطيل الأحكام. والتسامع: هو بأن يشتهر ذلك ويستفيض بين الناس، وتتواتر به الأخبار، بأن يخبر الشاهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان، ليحصل له نوع من العلم واليقين. وقال المالكية (١): تجوز شهادة التسامع في عشرين حالة: منها عزل قاض أو وال أووكيل، وكفر، وسفه، ونكاح، ونسب، ورضاع، وبيع، وهبة، ووصية. وأما شروط أداء الشهادة: فكثيرة، منها في نفس الشهادة (٢): وهي أن تكون بلفظ الشهادة، وأن تكون موافقة للدعوى، ومنها في مكان الشهادة (٣): وهي أن تكون في مجلس القضاء، ومنها فيما يخص بعض الشهادات (٤): وهي التعدد، أي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين في الحقوق المدنية والأموال كالبيع والإجارة ونحوهما. والاتفاق في الشهادة عند التعدد، فإن حدث اختلاف في جنس الشهادة كأن يشهد أحدهما بالبيع والآخر بالميراث أو في القدر كأن يشهد أحدهما بألفين، والآخر بألف، أو في الفعل كالقتل والغصب، رفضت الشهادة. ومنها وأهمها ما يشترط في الشاهد وهو سبعة شروط كما تقدم (٥): أولها - أهلية العقل والبلوغ: فلا تقل شهادة المجنون والسكران والطفل. ثانيها - الحرية: فلا تصح شهادة الرقيق على الحر.

стр. 6094

ثالثها - الإسلام: فلا تقبل شهادة الكافر على مسلم؛ لأنه متهم في حقه، وأجاز الحنفية والحنبلية شهادة الكافر في الوصية في السفر، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية: اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم﴾ [المائدة:١٠٦/ ٥]. رابعها - البصر: فلا تقبل شهادة الأعمى عند أبي حنيفة ومحمد والشافعية، لأنه لا بد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة، ولا يميز الأعمى ذلك إلا بنغمة الصوت، وفيها شبهة؛ لأن الأصوات تتشابه. وأجاز المالكية والحنابلة وأبو يوسف شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، لعموم الآيات الواردة في الشهادة، ولأن السمع أحد وسائط العلم. خامسها - النطق: فلا تقبل شهادة الأخرس عند الجمهور، وإن فهمت إشارته؛ لأن الشهادة تتطلب اليقين. وأجاز المالكية قبول شهادة الأخرس إذا فهمت إشارته؛ لأنها تقوم مقام نطقه في طلاقه ونكاحه. سادسها - العدالة: فلا تصح شهادة الفاسق باتفاق العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥]. سابعها - عدم التهمة: فترد شهادة المتهم بإجماع الفقهاء. والتهمة: أن يجلب الشاهد إلى المشهود له نفعاً أو ضرراً بسبب القرابة أو الخصومة أو العداوة، فلا تقبل شهادة الأب لابنه، أو الأم لابنها، ولا الخصم لخصمه كالوكيل والموصى عليه وهو اليتيم، ولا العدو على عدوه، لقوله ﷺ : «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين» (١) «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غِمْر - حقد - على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» (٢) والقانع: الذي ينفق على أهل البيت.

стр. 6095

٢ - الإقرار: وهو إخبار الشخص عن ثبوت حق للغير على نفسه. وهو إما أن يكون بلفظ صريح، مثل (لفلان علي ألف درهم) أو بلفظ ضمني، مثل: (لي عليك ألف درهم) فيقول المخاطب: (قد قضيتها) أو (أجلني بها) أو (أبرأتني منها). وقد اتفق الفقهاء (١) على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره. و شروط الإقرار هي ما يأتي: أولها - أهلية العقل والبلوغ: فلا يصح إقرار المجنون والصبي غير البالغ، لقوله ﵊: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» (٢). ثانيها - الطواعية أو الاختيار: فلا يصح إقرار المستكره، لقوله ﵊: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٣). ثالثها - عدم التهمة: فإن اتهم المقر بملاطفة صديق أو نحوه بطل الإقرار. رابعها - أن يكون المقر معلوماً: فلو قال رجلان: «لفلان على واحد منا ألف درهم» لا يصح الإقرار، إذ لا فائدة من هذا الإقرار. والإقرار حجة قاصرة على المقر، لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية المقر على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقر نفسه.

стр. 6096

٣ - اليمين: وهي الحلف بالله تعالى أمام القاضي لإثبات الحق أو الفعل، أو نفيهما. وهي حجة المدعى عليه، لقوله ﵊: «واليمين على المدعى عليه» (١)، فإن حلف المدعى عليه، قضى القاضي بفصل الدعوى، وتنتهي الخصومة بين طرفي الدعوى إلى أن يتمكن المدعي من إقامة البينة. واتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف (٢)، لقوله ﷺ : «اليمين على نية المستحلف» «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (٣). كما أنهم اتفقوا على أن الشخص يحلف على البت (وهو القطع والجزم) في فعله إثباتاً كان أو نفياً؛ لأنه يعلم حال نفسه، ويطلع عليها، فيقول في البيع مثلاً حالة الإثبات: «والله لقد بعت بكذا» وفي حالة النفي: «والله ما بعت بكذا». ٤ - الكتابة: وهي إثبات الحق بواسطة دليل كتابي معد مسبقاً. وهي حجة باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] والكتابة من قبيل الإقرار. وقد نص فقهاء الحنفية على أنه يعمل بدفتر السمار والصراف والبياع؛ لأن كل واحد من هؤلاء لا يكتب في دفتره إلا ماله وعليه (٤). ٥ - القرائن: القرينة: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه. وهي تتفاوت في القوة والضعف، فقد تصل إلى درجة الدلالة القطعية، كالدخان فإنه قرينة قطعية على وجود النار. وقد تضعف حتى تصير مجرد احتمال. فإن

стр. 6097

كانت القرينة قطعية كانت بينة نهائية كافية للقضاء، كما لو رئي شخص خارجاً من دار وهو مرتبك وفي يده سكين ملوث بالدم، ووجد في الدار شخص مضرج بدمائه، فيعتبر الخارج هو القاتل. وإذا كانت القرينة غير قطعية الدلالة والبيان، ولكنها ظنية أغلبية كالقرائن العرفية، فإن الفقهاء يعتمدونها دليلاً أولياً مرجحاً حجة الخصم مع يمينه، حتى يثبت خلافها بالبينة المعارضة. والقرائن تعتمد على ذكاء القاضي وفراسته واجتهاده بملاحظة الظروف المقارنة للواقعة، فلا يمكن حصرها وتحديدها. ومنها الفراسة والقيافة، ووضع اليد، ووصف اللقطة، واللوث في الدماء، ودلائل الأحوال (١). ٦ - العلم الشخصي للقاضي نفسه: إذا اطلع القاضي على الحادثة، فهل له القضاء بعلم نفسه؟ اختلف الفقهاء فيه. قال متقدمو الحنفية: يقضي القاضي بعلم نفسه، بالمعاينة أو بسماع الإقرار أو بمشاهدة الأحوال على النحو الآتي (٢): له أن يقضي بعلم حدث له زمن القضاء وفي مكانه في الحقوق المدنية كالإقرار بمال لرجل، أو الحقوق الشخصية كطلاق رجل امرأته، أو في بعض الجرائم: وهي قذف رجل أو قتل إنسان. ولا يجوز قضاؤه بعلم نفسه في جرائم الحدود الخالصة لله ، إلا أن في السرقة يقضي بالمال، لا بحد القطع؛ لأن الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم القاضي.

стр. 6098

فإن علم القاضي بالحادثة قبل أن يتسلم منصب القضاء، فلا يقضي به عند أبي حنيفة؛ لأن علمه حينئذ ليس في معنى البينة. ويقضي به في غير الحدود الخالصة لله عند الصاحبين، قياساً على جواز قضائه فيما علمه في زمن القضاء. وقال الشافعية (١) مثل الحنفية تقريباً: الأظهر أن القاضي يقضي بعلمه قبل ولايته أو في أثناء ولايته، أو في غير محل ولايته، سواء أكان في الواقعة بينة أم لا، إلا في حدود الله تعالى، فيقضي في الأموال، وفي القصاص وحد القذف، لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان، فقضاؤه بعلمه أولى. وأما الحدود الخالصة لله كالزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها. وقال متأخرو الحنفية والشافعية: المفتى به عدم جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقاً في زماننا لفساد قضاة الزمان. وقال المالكية والحنابلة (٢): لا يقضي الحاكم بعلم نفسه في حد ولا غيره، لا فيما علمه قبل الولاية ولابعدها. ولكن يجوز له أن يقضي بما علمه في مجلس القضاء، بأن أقر الشخص بين يديه طائعاً. ودليلهم قوله ﷺ في الحديث المتقدم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن - أي أفطن - بحجته من بعض، فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» فدل على أنه يقضي بما يسمع، لا بما يعلم. وقال النبي ﷺ في قضية الحضرمي والكندي السابقة: «شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذاك».

стр. 6099

٧ - الخبرة والمعاينة: الخبرة: هي الاعتماد على رأي المختصين في حقيقة النزاع بطلب القاضي. والمعاينة: هي الاعتماد على ما يشاهده القاضي بنفسه أو بنائبه من محل النزاع الذي يختصم فيه الخصمان. وهذان يجوز الإثبات بهما باتفاق الفقهاء. ٨ - كتاب القاضي إلى غيره: اتفق الفقهاء على أن القاضي له أن يقضي بكتاب قاض آخر إليه فيما ثبت عنده في الحقوق المالية للحاجة إليه. فقد يكون لامرئ حق في غير بلده، ولا يمكنه إتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضي، بشرط أن يشهد شاهدان عدلان على أن الكتاب المرسل هو كتاب قاض، وأن يشهدهم بثبوت الحكم عنده على نحو معين. وذلك في الحقوق المدنية كالديون، أو الشخصية كالنكاح (١). وأجاز الإمام مالك أن يحكم القاضي بكتاب قاضٍ في الحدود والقصاص أيضاً (٢). هذه هي إجمالاً أهم وسائل الإثبات الشرعية التي يعتمد عليها القاضي لفصل النزاع، ويظهر منها أن البينة تظهر الحق باتفاق الفقهاء بشرط ثبوت عدالة الشهود عند القاضي، وكذلك الإقرار حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذباً. واليمين تسقط بها دعوى المدعي الذي لا بان له. ويثبت بها عند الإمام مالك حق المدعي الذي أنكره عليه خصمه.

стр. 6100

المرحلة الثالثة - الحكم القضائي: الحكم: هو فصل الخصومة وحسم النزاع بقول أو بفعل يصدر عن القاضي بطريق الإلزام. وهو يعتمد أساساً على حجية الإثبات التي تتوافر لدى القاضي. ويعتبر غاية القضاء ورمز العدالة. وينبغي - كما بان في آداب القاضي - مراعاة أمرين قبل إصداره. أولهما - مصالحة الخصمين: فلا بأس للقاضي أن يرد الخصوم إلى الصلح، إن تأمل منهما المصالحة لقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء:١٢٨/ ٤] فكان طلب الصلح طلباً للخير. وقال سيدنا عمر: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن». ثانيهما - مشاورة الفقهاء: يندب للقاضي أن يجلس معه جماعة من الفقهاء يشاورهم ويستعين برأيهم فيما يجهله من الأحكام، أو يشكل عليه من القضايا. قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران:١٥٩/ ٣] وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما رأيت أحداً بعد رسول الله ﷺ أكثر مشاورة لأصحابه منه» (١). فإن اتفق رأي الفقهاء على أمر قضى به، كما فعل الراشدون، وإن اختلفوا أخذ بأحسن أقاويلهم وقضى بما رآه صواباً، إلا أن يكون غيره أفقه منه، فيجوز له الأخذ برأيه وترك رأيه الشخصي. وهناك أوصاف للحكم تراعى في الإسلام وهي: أولاً - المسارعة إلى إصدار الحكم بعد ثبوت الحق أمام القاضي، ولا يجوز تأخيره إلا في حالة الريبة، ورجاء الصلح بين الأقارب، وإمهال المدعى عليه فترة محدودة لرد الشهادة.

стр. 6101

ثانياً - إصدار الحكم حضور ياً أمام الخصوم. إذ لا يجيز الحنفية كما تقدم القضاء على الغائب إلا لضرورة أو مصلحة. وأجاز غير الحنفية القضاء على الغائب وإصدار الحكم الغيابي على المدعى عليه. ثالثاً - تعليل الأحكام: يفضل كون الحكم معللاً مبيناً في أسبابه التي بني عليها. رابعاً - تدوين الأحكام: جرى القضاة على تسجيل الأحكام في سجلات بدءاً من العهد الأموي، حفاظاً عليها، وحرصاً على تنفيذها. تنفيذ الأحكام: اتفق الفقهاء على أمرين خطيرين في التنفيذ وهما: ١ - حق التنفيذ منوط بالحاكم، أي السلطة التنفيذية في الدولة. ٢ - منع الثأر والانتقام الشخصي أوعدم وجود أي سلطة شخصية لصاحب الحق على المسؤول. ف في نطاق العقوبات الجنائية: الدولة هي المختصة بتطبيق العقاب الجزائي، سواء أكان مقدراً أم غير مقدر، حداً أو تعزيراً أو قصاصاً. وذلك حفظاً للنظام ومنع الفوضى ودرء الفساد وانتشار المنازعات بين الناس وإبطال عادة الأخذ بالثأر. فلا يجوز لأي إنسان عادي القيام بتنفيذ العقوبة الجنائية، من قصاص وجلد وقطع وحبس وتوبيخ وتشهير أوتجريس، وإذا أراد ولي الدم وهو وارث القتيل ضرب رقبة القاتل، فيتم القصاص بإشراف الدولة، دون أن يكون له الحق في إثبات الجريمة، وإصدار حكم القصاص. وتمكين مستحق القصاص من استيفائه بإشراف الحاكم منوط بكونه يحسن القتل، ففيه شفاء لألم المصاب، دون ضرر بالجاني، وربما يكون ذلك أدعى لرحمة صاحب الحق وعفوه عن القاتل عندما يراه

стр. 6102

تحت سلطته، وعلى القاضي أن يتفقد آلة القتل منعاً للتعذيب (١)، أي أن تدخل ولي الدم يقتصر على الدور الذي يقوم به الجلاد أو السياف، دون أن يكون له الحق في تسلم القاتل يفعل به كما يرى، كما تصور بعض الجاهلين. و في نطاق القضايا المدنية: يقتصر حق الدائن على المطالبة بحقه بالتراضي، أو بواسطة رفع الدعوى إلى القضاء لاستصدار حكم يجبر المدين على إيفاء دينه في حال يساره وقدرته على الوفاء بالتزامه. وينتظر في حال إعساره وعجزه، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢]. وللقاضي إجبار المدين على الوفاء بدينه بأحد الوسائل الآتية: الحبس، و الحجر، والبيع الجبري. أما الحبس فمشروع إذا امتنع المدين الموسر عن الوفاء بدينه، لقوله ﷺ : «ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» (٢) أي أن مماطلة الغني تجيز الطعن به ومعاقبته. ويؤيده حديث آخر: «مَطْل الغني ظلم» (٣). ويظل المدين المماطل عند أبي حنيفة محبوساً حتى يوفي دينه. وقال صاحباه وبقية أئمة المذاهب: يحبس للتضييق عليه، فإذا لم يؤد الدين يحجر عليه ويباع ماله جبراً عنه، ويقسم بين الدائنين قسمة غرماء. وإذا ثبت إعساره يفرج عنه. ونظرة الميسرة والإفراج حال الإعسار دليل على أن الحبس مجرد وسيلة إكراه على الوفاء بالدين، وليس تنفيذاً على شخص المدين، كما هو الحال عند الرومان. وأما الحجر على المدين (أي منعه من التصرف بماله تصرفاً يضر بمصلحة

стр. 6103

الدائنين) فأجازه صاحبا أبي حنيفة إذا كانت ديونه مستغرقة أمواله، أو كان يماطل في الوفاء بديونه. وأفتى به متأخرو الحنفية سداً للذرائع، أي حماية لمصلحة الدائنين من تصرفات المدين التي تضر بحقوقهم، وعملاً بقوله ﷺ : «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته». وأيد الحجر فقهاء المالكية والمتأخرون من فقهاء المذهب الحنبلي استحساناً. ووافق الإمام الشافعي على جواز الحجر على المدين إذا كانت ديونه مستغرقة. وأما في حالة مماطلته فلا يرى لزوماً له؛ لأن القاضي يستطيع الحكم عليه ببيع أمواله جبراً عنه، وإيفاء ديونه من ثمنها. ولا حجر على المدين المعسر، كما لا حبس عليه كما سبق. وأما بيع مال المدين جبراً عنه فهو جائز عند الفقهاء الذين أجازوا الحجر عليه في الحالتين السابقتين. فقد أجاز صاحبا أبي حنيفة بيع أموال المدين إذا قرر القاضي الحجر عليه، ولم يجد مسوغاً لتأجيل البيع، أو متى طلب الدائنون ابتدءً ذلك، وأبدوا أسباباً معقولة لطلبهم. ويقسم الثمن بين الدائنين قسمة غرماء. ووافق المالكية على رأي الصاحبين، وأجاز الشافعي والحنابلة بيع المال ابتداء للمدين الموسر دون حجر عليه. ويتم البيع في جميع الأحوال بمعرفة القاضي وبحضور الدائنين والمدين وفي سوق السلعة، أو في غير سوقها بثمن المثل، وبالمزاد العلني للوصول إلى أعلى سعر ممكن. هذه هي أهم قواعد نظام القضاء في الإسلام، أوجزتها في بحث نظام الحكم في الإسلام، وقد كنت فصَّلت الكلام في القضاء وطرق إثبات الحق في الباب الخامس المتقدم.

стр. 6104

الفَصْلُ الرَّابع: الدَّولة الإسلاميَّة نشأتها، وظائفها، علاقاتها الخارجية، حصاناتها، زوالها يشتمل هذا الفصل على مبحث تمهيدي وخمسة مباحث أصلية: المبحث التمهيدي - مقدمات المطلب الأول: أولاً - المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث. ثانياً - التمييز بين المفهومين. ثالثاً - اتجاه تطور كل من المفهومين. المطلب الثاني - نشأة مصطلح الدولة الإسلامية: ١ - عن طريق من بحثوا في تطبيق مفهوم الدولة الحديث على مبادئ الإسلام السياسية والواقع التاريخي لسيادة هذه المبادئ. ٢ - وعن طريق من بحثوا أو حاولوا تقديم صورة حديثة لهذا المصطلح للتطبيق في هذا العصر.

стр. 6105

٣ - هل يوجب الإسلام إقامة دولة؟ المبحث الأول - أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها: المطلب الأول: أركان الدولة الإسلامية: الركن الأول - الشعب: أولاً - موقع هذا الركن مادياً، وأساسيته في مفهوم الدولة الإسلامية. ثانياً - بيان اختلاف هذا الركن عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر «اللاعنصرية». الركن الثاني - الإقليم: أولاً - موقع هذا الركن مادياً وبيان اختلافه عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر «اللا إقليمية». ثانياً - مشمول إقليم الدولة: ١ - ما هو جزء أساسي من الأقليم: أـ الأرض. ب - الأنهار الوطنية. جـ - المياه الساحلية - المنطقة الملاصقة - الامتداد القاري - المياه الداخلية (موانئ وخلجان وبحار داخلية).

стр. 6106

٢ - ما هو امتداد أو ملحق بالإقليم اعتباراً: وسائل النقل الدولية: (السفن، القطارات، الطائرات). ٣ - ما يعتبر أصلاً جزءاً من إقليم الدولة، ولكن تترتب عليه حقوق ارتفاق لدولة أو لدول أخرى: أـ الجزء الواقع في إقليم الدولة من الأنهار الدولية. ب - طبقات الجو عمودياً وما تستتبعه من حقوق في الملاحة الجوية والمواصلات والإذاعات (اللاسلكية). ٤ - الأقاليم المشتركة بين عدة دول. ٥ - ما لا يعتبر جزءاً من الإقليم ولا تتناوله سيادة دولة ما، ويمكن اعتباره امتداداً مشتركاً مشاعاً لإقليم كل دولة، وتعتبر فيه حقوق مشاعة أو مرافق مشتركة يباح فيها مالا يضر بالآخرين دون ما يضر كتلويث مياه البحار والجو بالإشعاع النووي وغيره: أـ أعالي البحار. ب - الفضاء الكوني. الركن الثالث - السيادة: تمهيد: ١ - نظرية السيادة في المفهوم الحديث للدولة والنظريات البديلة كمعيار للدولة.

стр. 6107

٢ - تمييز السيادة عما يشتبه بها كالسلطة الفعلية غير الأصلية، وكحق الملكية وحقوق الارتفاق. أولاً - موقع هذا الركن اعتبارياً في الدولة الإسلامية وبيان اختلافه عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة من حيث إن الإسلام يقرر أن الحاكمية لله. ثانياً - نصاب هذه الحاكمية أو حدها الأدنى في التحقق، والفرق بينه وبين الحد الأدنى في تطبيق أحكام الإسلام لتحقق مفهوم دار الإسلام. ثالثاً - هل يشترط وحدة السلطة على كافة أجزاء دار الإسلام؟. المطلب الثاني - نشأة الدولة الإسلامية: مبدأ نشوء الدولة بمجرد تكامل أركانها أولاً - طرق نشأة الدولة الإسلامية: ١ - نشوء جديد كلية. ٢ - نشوء جديد من عناصر قديمة. ثانياً - الاعتراف وأنواعه ونتائجها في المجال الدولي النوع الأول - الاعتراف الكامل: ١ - بالدولة. ٢ - بالحكومة واستلزامه الاعتراف بالدولة. النوع الثاني - الاعتراف الناقص أو التمهيدي:

стр. 6108

١ - بالأمة. ٢ - بالثورة. ٣ - بالحكومة في الخارج (حكومة المنفى). النوع الثالث - الاعتراف بحالة الحرب: ثالثاً - شخصية الدولة الإسلامية: إيضاح الشخصية الاعتبارية للدولة، وبيان موقع الدولة في الذروة من أنواع الشخص الاعتباري. المبحث الثاني: خصائص الدولة الإسلامية ومقارنتها بالدولة الحديثة: المطلب الأول - خصائص الدولة الإسلامية: أولاً - كونها دولة فكرة ومبادئ لإصلاح الحياة البشرية. ثانياً - كون غايتها أداء رسالة الإسلام وجوباً اعتقادياً. المطلب الثاني - مقارنتها بالدولة الحديثة: أولاً - بيان مدى ارتباط الدول الحديثة بالمبادئ والأديان. ثانياً - مقارنة بالدولة الشيوعية.

стр. 6109

المبحث الثالث - وظيفة دولة الإسلام: تمهيد: دراسة مختلف التعاريف التي وضعها العلماء في هذا الصدد. الوظيفة الأولى - وظيفتها في الداخل: أولاً - وظيفة تقوم على اعتبار ضرورات المجتمع. ١ - المحافظة على الأمن والنظام. ٢ - تنظيم القضاء وإقامة العدل. ٣ - إدارة المرافق العامة. ٤ - الإعداد لحماية الدولة والدعوة لتدريب الشعب وتصنيع الأسلحة. ثانياً - وظيفة تقوم على اعتبار خصائص الدولة الإسلامية وأهدافها: ١ - تقوية وحدة الأمة وتعاونها وأخوة أبنائها. ٢ - تحقيق المصالح الأساسية التي تدور عليها الشريعة (وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال). ٣ - عمارة الأرض. ٤ - صيانة الآداب الإسلامية. ٥ - إقامة العدالة الاجتماعية. ٦ - تحقيق الحياة الطيبة للأفراد بالنظر الإسلامي.

стр. 6110

٧ - تحقيق المجتمع الخيّر. ٨ - العمل باستمرار على تحقيق الأفضل والأصلح والأمثل في جميع نواحي الحياة الإنسانية. ٩ - إعداد الدعاة لنشر الدعوة في الداخل والخارج. الوظيفة الثانية - وظيفتها في الخارج: أولاً - وظيفة تقوم على اعتبار ضرورات الحياة الدولية: ١ - الدفاع عن أراضي الإسلام وتحرير شعوبه، وحماية أقلياته. ٢ - دعم التعاون بين أقاليم الدولة الإسلامية، وتحقيق أقصى روابط الوحدة والتنسيق بينها في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، وحل خلافاتها بصورة منظّمة. ٣ - دعم السلام العالمي. ٤ - دعم مبادئ كرامة الإنسان والعدالة والحرية والمساواة في العالم أجمع. ثانياً - وظيفة تقوم على اعتبار خصائص الدولة الإسلامية وأهدافها: ١ - التعاون مع المخلصين من غير المسلمين؛ سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من غير أهل الكتاب. ٢ - الدعوة إلى الإسلام. ٣ - دفع شبهات الكنيسة والمستشرقين والملاحدة عموماً، والشيوعيين خاصة.

стр. 6111

المبحث الرابع - حصانات الدولة وإعفاءاتها في الخارج - شرح المراد بالحصانة وتاريخ هذا الاصطلاح المطلب الأول - ما تشمله الحصانات والإعفاءات: شخصية الدولة - سفنها - وكالاتها ومؤسساتها - وحداتها السياسية - سفاراتها. المطلب الثاني - أنواع الحصانات والإعفاءات: أولاً - الحصانة القضائية. ثانياً - الحصانة المالية. ثالثاً - الاستثناءات: أـ النشاط التجاري - الملكية الخاصة. ب - حالة رضا الدولة. المبحث الخامس - تغير حالة الدولة الإسلامية وزوالها وآثار ذلك المطلب الأول - حالة الدولة الإسلامية: النوع الأول: التغيير الكياني في التنظيم السياسي الداخلي: ١ - بالانقلاب. ٢ - بحرب أهلية. ٣ - بالثورة - الفرق بين الانقلاب والثورة.

стр. 6112

النوع الثاني: التغيير في النطاق الإقليمي (إضافة وانتقاصاً). أولاً - بما لا يمس إقليم دولة أخرى: ١ - بالإضافة. ٢ - بالاستيلاء على أرض غير خاضعة لدولة أخرى. ثانياً - بما يمس إقليم دولة أخرى: ١ - بطريق المعاهدة. ٢ - بطريق التقادم. ٣ - بالفتح عند قيام موجباته بالنظر الإسلامي (الجهاد). المطلب الثاني - زوال الدولة الإسلامية: أولاً - الزوال الكلي بزوال واحد أو أكثر من أركان الدولة الإسلامية. ثانياً - الزوال الجزئي بالتجزؤ وزوال وحدة السيادة. موقف السلطة العليا الأصلية في الحالات الآتية: أـ حالة إمكان إخضاع الجزء المنفصل. ب - حالة العجز عن إخضاعه وما تحتها من احتمالات: ١ - إذا كان الجزء المنفصل معترفاً بالسلطة العليا الأصلية وبارتباطه بها ولو اسماً.

стр. 6113

٢ - إذا كان الجزء المنفصل غير معترف بالسلطة العليا، بل يدعي أنه هو صاحبها. المطلب الثالث - أثر تغير حالة الدولة أو زوالها في خَلَفها (التعاقب) أولاً - أثره في المعاهدات. ثانياً - أثره في ديون الدولة. ثالثاً - أثره في أملاك الدولة. رابعاً - أثره في التشريع. خامساً - أثره في الأحكام القضائية. سادساً - أثره في جنسية الأفراد.

стр. 6114

المبحث التمهيدي: مقدمات وفيه مطلبان: المطلب الأول: أولاً - المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث: فقرة ١ - كانت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة (يثرب) وما سبقها من بيعتي العقبة أساساً في نشأة أو تكوين الدولة الإسلامية، أو دار الإسلام في اصطلاح فقهائنا؛ إذ بذلك تميزت شخصية المسلمين عن المشركين، وتوطدت لهم في المدينة الدعائم الأولى للأمن والاستقرار، وبرزت السلطة السياسية للنبي، وهذه السلطة تعتبر الآن هي العنصر الجوهري في تكوين الدولة (١). وكان من مظاهر ممارسة النبي ﵇ لتلك السلطة أنه قام بموادعة اليهود في المدينة حينما كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم (٢). وبدأ التشريع القرآني ينظم أوضاع الجماعة الإسلامية لتدبير شؤونها وسياسة ملكها، وكان النبي ﷺ يمارس سلطانه السياسي في تنفيذ القوانين والأنظمة المشرعة، وتأديب العصاة، ومعاقبة الجناة، وعقد الاتفاقات أو المعاهدات ومحاربة الأعداء؛ إذ أنه بعد اثني عشر شهراً من مقدمه ﵇ إلى المدينة

стр. 6115

وقعت أول غزوة في الإسلام: وهي غزوة الأبواء التي خرج فيها الرسول ﷺ يريد قريشاً، فوادعته بنو ضمرة بودَّان (١). الهجرة إذن كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام تمخص عنها ميلاد دولة جديدة لم يعرف لهامثال سابق بين العرب أطلق عليها الفقهاء اصطلاح (دار الإسلام)، لأن اصطلاح (الدولة) لم يكن معروفاً وقتذاك، ولأنه كان هناك تلازم بين مفهومي الدولة ودار الإسلام. ويلاحظ أنه تميزت دولة دار الإسلام في بدء تكوينها بأنها دولة متحدة تجمع كل من استجاب لدعوة الإسلام، وآمن برسالة محمد ﷺ على أساس أن حكم الإسلام أو شرعه يسودها، وإن ولايته الشخصية تمتد إلى مختلف الأقاليم الإسلامية (٢). فقرة ٢ - وأما مفهوم الدولة الحديث فقد ظهر في أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد أن تحطمت السلطة البابوية. وانهار النظام الإقطاعي، أو مبدأ الزعامات الإقطاعية الذي كان يقوم على الجمع بين ملكية الأرض وبعض الامتيازات كقيادة الجيش أو جمع الضرائب مثلاً، دون أن يكون للملك سلطة حقيقية إلا على أرضه التي اقتطعها لنفسه. وقد أدى تجمع سكان الإقطاعات إلى ما يدعى بالأمة كالأمة الإيطالية والأمة الفرنسية، ثم تولد عن ذلك ما يعرف بالدولة بوجود سلطة سياسيةفي المجتمع، لأن السلطة السياسية هي الصورة الحديثة للجماعة السياسية. وهكذا توالى ظهور الدول الحديثة ذات القومية الواحدة، وتوطدت أركانها

стр. 6116

الاقتصادية، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وأسبانيا، والبرتغال والسويد والدانمرك والنرويج، والمجر وبولندة وروسيا، وأصبحت القاعدة أن تتمتع الدول بالسيادة ولا تخضع لسلطة عليا أخرى. وتحددت فكرة العائلة الدولية منذ مؤتمر وستفاليا سنة (١٦٤٨) م، وكانت مقصورة في أول الأمر على دول غرب أوربا، ثم انضمت إليها سائر الدول المسيحية، غير الأوربية، ثم اتسعت في سنة ١٨٥٦ م فشملت تركيا الدولة الإسلامية ودولاً أخرى غير مسيحية كاليابان والصين (١). ثانياً - التمييز بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية: ٣ - على الرغم مما كان قائماً من وجود التلازم بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية، فإن دار الإسلام تتميز بارتكازها على أساس العنصر المادي (أي الأرض أو الاقليم) (٢) وأما الدولة الإسلامية فتتميز بما لها من صفة السيادة (أو الاستقلال) والشخصية المعنوية ذات الأهلية والذمة المالية المستقلة عن ذمة أشخاص رعاياها، فلها مالية مستقلة عن أموالهم تتمثل في بيت المال (٣). وكانت الدولة الإسلامية مستقلة لا تخضع لأي سلطة أخرى، كما كانت مستقلة

стр. 6117

عن أشخاص الحكام فيها، وكان يعد الحاكم بمثابة أمين على السلطة ونائباً عن الأمة (١). وهذا هو المعنى الذي يرمز إليه فقهاء القانون الوضعي القائلون بأن الدولة توجد حينما تجد السلطة السياسية سندها لا في إنسان، ولكن في شخص معنوي مجرد له طابع الدوام والاستقرار والاستقلال عن أشخاص الحكام أنفسهم (٢). ثالثاً - اتجاه تطور مفهومي دار الإسلام والدولة الحديثة: ٤ - المبدأ أو الأصل الفقهي أن تكون دولة الإسلام أو دار الإسلام موحدة السياسة وشاملة لجميع الأقاليم الإسلامية، وذلك لتحقيق غاية الإسلام الأساسية: وهي قوة الإسلام والمسلمين بأن يكونوا جميعاً يداً واحدة، فيتجهون، اتجاهاً واحداً، وتسوسهم سياسة واحدة تحقق الخير والمصلحة للجميع. وقد ظلت الخلافة أو الدولة الإسلامية بناء على ذلك موحدة الصف طوال القرون الثلاثة الأولى الهجرية، ثم تجزأت دار الإسلام خلافاً للمبدأ السابق، فقامت دول إقليمية في عهد الدولة العباسية، وانقسمت الخلافة العباسية إلى دويلات: في العراق نفسها، وإيران والشام ومصر وشمالي إفريقية، ثم فيما بعد في الأندلس، فظهرت في أسبانيا الدولة الأموية الثانية (٣١٧ - ٤٢٣ هـ)، وقامت الخلافة الفاطمية (٢٩٧ - ٥٦٧ هـ)، في المغرب، ثم انتقلت إلى مصر في عهد المعز لدين الله سنة

стр. 6118

(٣٦٢ هـ). وهكذا وجدت في وقت واحد ثلاث خلافات إسلامية: خليفة عباسي في العراق، وخليفة أموي في الأندلس، وخليفة فاطمي في إفريقية وجنوبي إيطاليا وصقلِّية، ثم مصر وقسم كبير من الشام (١). وكان من أهم عوامل التجزئة وفصم عرى الوحدة الإسلامية هو الفتنة الأولى أو الكبرى التي انتهت بمصرع عثمان بن عفان ﵁، والفتنة الثانية التي انتهت بقتل الحسين بن علي وآل بيته ﵃ في كربلاء. وفي وسط هذا الاختلاف بين أهل السنة والشيعة وتشعب الآراء وتعدد الفرق وانقسام المسلمين إلى دويلات، انقض التتر والمغول على الخلافة العباسية في بغداد، فأزالوا معالمها ثم استولوا على دمشق. ثم جاءت الدولة العثمانية، فاستولت على البلاد الإسلامية وعاصرت انسلاخ الأندلس وطرد المسلمين منها ومن سائر أوربا بسبب ضعفهم أمام العدو، وطلبهم النصرة بل الحماية من العدو المشترك أيام (ملوك الطوائف). ثم ضعفت الدولة العثمانية: فانقض المستعمرون الغربيون على الأقاليم الإسلامية يتقاسمونها بينهم بالحماية أو الانتداب أو الوصاية مستفيدين من النُّعَرة الوطنية (٢) وظل الحال كذلك إلى أن استقل معظم البلاد في وحدات اقليمية أو دويلات متعددة بنحو خمسين دولة إسلامية في الوقت الحاضر. والخلاصة: إن مفهوم دار الإسلام اتجه خلافاً للمبدأ الإسلامي نحو التجزؤ

стр. 6119

والانقسام في واقع الحياة الإسلامية مما أدى إلى ضعف دولة الإسلام. وبسط نفوذ المتسلطين عليها، ومعاناة مختلف أشكال الاستعمار القديم والجديد. ٥ - وأما الدول الحديثة فإنها بعد أن قامت على أساس الإقليمية الضيقة، دأبت على توفير أو استكمال خصائصها أوعناصرها: وهي النظام (١) والسيادة (٢) والشخصية القانونية (٣).

стр. 6120

إلا أن نظريةالسيادة المطلقة تعرضت في العصر الحديث لانتقادات جوهرية، وهجرها الكثيرون على اعتبار أنها لا تتفق مع الظروف الحالية للمجتمع الدولي (١)، وبرز اتجاه معاصر نحو إمكان الانتقاص من السيادة على الصعيدين: الإقليمي والدولي، ففي مجال التعاون الإقليمي نما الإدراك لدى بعض الشعوب والأمم بوجوب التجمع في صور تغاير صورة الدولة بعناصرها التكوينية الحالية، وبوجوب التعديل في عنصر السيادة الذاتية، وظهرت الاتحادات القارِّية كالاتحاد الأمريكي الذي نشأ في أواخر القرن الماضي، ثم تجدد تنظيمه بعد الحرب العالمية الثانية، وكالاتحاد الأوربي الذي برز إلى حيز التحقيق العملي بعد الحرب العالمية الأولى، ثم بدت أهم مظاهره بعد الحرب العالمية الثانية، فنشأ المجلس الأوربي سنة (١٩٤٩ م)، وعقدت اتفاقية السوق الأوربية المشتركة عام (١٩٥٧ م)، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وقعت روسيا والدول الشيوعية ميثاق وارسو سنة (١٩٥٥ م) (٢). وهكذا تتجه الدول الحديثة في النطاق الإقليمي نحو الوحدة أو الاتحاد لتقوية شأنها ودعم نفوذها. وعلى الصعيد الدولي طرأ على مفهوم السيادة قيد جديد، فأصبحت الدول من الناحية النظرية القانونية لا الواقعية الفعلية غير مطلقة التصرف في ميدان العلاقات الدولية لخضوعها للقانون الدولي العام المفروض على الدول بناء على اعتبارات تعلو على إرادتها، والذي هو يورد قيوداً على تصرفات الدول، ويحكم علاقاتها مع الدول الأخرى ومع الهيئات الدولية، فمثلاً: تضمَّن ميثاق الأمم المتحدة قيداً على مبدأ السيادة المطلقة في مظهرها الخارجي، فقضى على حق

стр. 6121

الدولة في إعلان الحرب متى شاءت، لأن الميثاق يقوم على فكرة نبذ الحروب ووجوب استتباب الأمن والسلم الدولي (١). والخلاصة: أن الاتجاه الحالي للدول نحو التجمع والاتحاد يتفق مع أصل الفكرة الشرعية الداعية إلى وحدة السلطة أو السيادة في جميع أقاليم دار الإسلام. المطلب الثاني - نشأة مصطلح الدولة الإسلامية: ١ - السبب في إطلاق مصطلح الدولة الإسلامية على نظم الحكم الإسلامية: ٦ - لم يضع العلماء المجتهدون نظرية عامة للدولة تبين أسسها النظرية أو العملية، وإنما كانوا يضعون الحلول ويقدمون الآراء بمناسبة كل حالة طارئة، كما هو الشأن في أغلب أحكام الفقه الإسلامي، لكنهم مع ذلك يلاحظ أنهم يسيرون على هدى مبادئ ونظريات عامة ثابتة، وهكذا فإن الدولة الإسلامية قامت على دعائم جديدة مبتكرة تختلف تماماً عن الدعائم التي قامت عليها بيزنطة وفارس، ومنها أن الإسلام نبذ فكرة سيطرة الحاكم، وفكرة خضوع المحكومين في الشؤون الدينية والدنيوية معاً لغير مبادئ الإسلام، فالله وحده هو صاحب السلطان في شؤون الآخرة من ثواب أو عقاب، ويقوم نظام الحكم في الشؤون الدنيوية على القواعد الشرعية في حفظ المصالح ودرء المفاسد بحسب حال الزمان والمكان،

стр. 6122

وعلى أسس العدل والشورى والمساواة والمعاملة بالمثل والأخلاق، وعدم التمييز بين الناس في الجنس واللغة أو اللون أو الإقليم (١). ٧ - ونلاحظ أن عناصر الدولة الحديثة نفسها التي تتكون منها الآن كانت متوافرة في تكوين الدولة الإسلامية في الماضي (٢): وهي الجماعة من الناس، والخضوع لنظام معين، والتسليم المحدد، والسلطان أو السيادة، والشخصية المعنوية. هذه العناصر والخصائص توافرت بذاتها في الحكومة النبوية التي أقامها الرسول ﷺ في المدينة، فالمسلمون الأولون من المهاجرين والأنصار هم شعب الدولة، والشريعة الإسلامية هي نظامها، والمدينة هي إقليمها، والنبي صاحب السلطان لا يشاركه فيه سلطة أخرى، والجماعة الإسلامية تمثل الشخصية المعنوية للدولة فيكون لها حقوق، وعليها التزامات، وتظل المعاهدات التي يعقدها الحاكم الأعلى نافذة المفعول لا تنتقض أو لا تنتهي بوفاته. وكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية قبل الهجرة (٣) على الإيمان بالله وبرسوله، وعلى السمع والطاعة للرسول ﵊، وحمايته ونصرته هما الركيزة الأولى في الاتفاق على تكوين دولة المدينة (٤).

стр. 6123

كانت إذن الحكومة النبوية في المدينة جديرة بإطلاق مصطلح الدولة الإسلامية عليها، ويؤكد ذلك ما قام به النبي ﷺ من إصلاحات اجتماعية وسياسية عقب الهجرة مباشرة، فجمع بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم، ووادع يهود المدينة، وكانت هذه المعاهدة بين المسلمين وغيرهم بمثابة الدستور الذي نظم شؤون المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم داخل المدينة وخارجها (١) على نحو أشبه ما يسمى اليوم بالميثاق الوطني. وكان النبي ﷺ يمارس شؤون السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، فكان عن طريق الوحي والاجتهاد الخاص يضع قواعد السلوك للناس في حياتهم الاجتماعية، ويحكم بين الخصوم، ويجبي الصدقات، ويوزع الغنائم، ويولي الأمراء على القبائل والمدن ويحدد لهم الاختصاصات، ويرسل القضاة إلى الأمصار، ويقود المعارك، ويعقد عقود الصلح أو الموادعة. أنشأ النبي ﷺ بهذه التصرفات تنظيماً أو جهازاً إدارياً بالتدريج توضحت معالمه واستكملت عناصر بنيانه قبل وفاته بسنتين، حيث أرسل الأمراء والعمال إلى البلاد التي آمنت برسالته، وكان في كل وقت شديد الحرص على مشاورة أصحابه، ويقوم أحد كتاب الوحي عنده بالكتابة إلى الملوك والأمراء، ويتخصص بعض الكتاب لحوائج الناس أو لمنازعاتهم، أو لعلاقات القبائل وتوزيع الحقوق فيما بينهما ونحو ذلك مما يثبت أن الرسول ﵊ لم يكن رسولاً فحسب، وإنما كان كذلك حاكماً ورئيساً لدولة (٢).

стр. 6124

٨ - واستمرت الخلافة الراشدية على الأسس نفسها التي قامت عليها الحكومة النبوية مع إضافة اصلاحات رائعة في عهد عمر بن الخطاب في نظام القضاء والإدارة بوضع الدواوين وتعيين القضاة وتحديد صلاحيات الولاة والعمال في الأمصار الإسلامية (١). إلا أنه في عهد أبي بكر فصلت السلطة القضائية عن السلطة الإدارية بدليل قول أبي عبيدة لأبي بكر: أنا أكفيك المال، وقول عمر له: وأنا أكفيك القضاء. وكانت الخلافتان الأموية والعباسية رمز قوة الدولة وصاحبة الكلمة النافذة في العالم مع وضوح التقسيمات الإدارية للدولة وتعيين اختصاصات الولاة والأمراء. وكذلك كان شأن الدولة العثمانية عدة قرون. وهكذا ظلت الدولة الإسلامية طوال عشرة قرون مثالاً صحيحاً للدولة نظمت شؤونها على نحو سليم يتضمن كل ما تتطلبه مقومات الدولة الأساسية في الوقت الحاضر، مع ملاحظة فارق التطور والتقدم العلمي الحديث. ٢ - صلاحية نظام الحكم الإسلامي للتطبيق في الوقت الحاضر: ٩ - الخلافة (أو الإمامة أو إمارة المؤمنين) أو أي نظام شوري يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة كلها ذات مدلول واحد، لا يختلف عما هو متعارف الآن من أنظمة الحكم الدستورية النيابية إلا في أن الخلافة ذات صبغة دينية وسياسية أو

стр. 6125

رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا ولجميع المسلمين في كل قطر (١)، فهي تقوم على أساس الشورى أو الانتخاب، ويلتزم فيها تطبيق شريعة الإسلام، وتسود فيها مبادئ المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع، مهما اختلفت الأجناس والألوان، وتباينت الأقدار، وتتوخى تطبيق العدالة بحق، وتوفر لأبنائها الحرية الكافية في القول والرأي والنقد في ظل من القيم الخلقية الأصيلة (٢). والحاكم ليس هو صاحب السيادة، وإنما الأمة والشريعة معاً هما صاحبا السيادة في الدولة الإسلامية (٣). وهذا كله من الناحيتين النظرية والعملية قابل للتطبيق في الوقت الحاضر كما طبق في عصر صدر الإسلام، بشرط أن يتوافر لدى الناس الاستعداد الكافي وحسن التفهم والإدراك العقلي والتجريبي، مع مراعاة وسائل التطبيق الزمنية، إذ أن من مبادئ الفقه الإسلامي المرونة ومراعاة المصالح، وقابلية التطور في الأحكام الفقهية الاجتهادية، ودفع الضرر، وإقامة العدل ومنع العدوان. وبالتزام هذه المبادئ يتيسر على الناس اختيار شكل الحكم الذي يحقق تلك الأهداف دون تقيد بتسمية معينة كنظام الخلافة، وذلك عملاً بمبدأ نفي الحرج في الإسلام. ٣ - هل يوجب الإسلام إقامة دولة؟ ١٠ - الإسلام نظام ديني ومدني متكامل، ويتلازم وجود المسلمين مع قيام

стр. 6126

الدولة، ومن أهم أركان كل دولة كما أشرت سابقاً وجود سلطة عامة سياسية عليا يخضع لهاجميع الأفراد المكونين للجماعة (١). لذلك نرى الأكثرية الساحقة من علماء الإسلام (وهم أهل السنة والمرجئة والشيعة والمعتزلة إلا قليلاً منهم، والخوارج ما عدا النجدات) تقرر وجوب إقامة حكومة عليا (أو إمارة أو دولة أو إمامة). والمراد بالوجوب هنا هو المعروف في علم أصول الفقه المرادف عند جمهور العلماء لمعنى الفرضية، وقد قال العلماء فعلاً: إن الإمامة فرض كفاية (٢). قال ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لاتتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي ﷺ : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة (٣). وقال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل

стр. 6127

يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ ، حاشا النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم (١). إلا أن هؤلاء الموجبين للإمامة فريقان: قال أكثر الأشعرية، والمعتزلة، والعترة؛ إنها تجب شرعاً، لأن الإمام يقوم بأمور شرعية. وقال الشيعة الإمامية: تجب الإمامة عقلاً فقط للحاجة إلى زعيم يمنع التظالم ويفصل بين الناس في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكان الأمر فوضى. وقال الجاحظ والبلخي والكعبي وأبو الحسن الخياط والحسن البصري: تجب الإمامة عقلاً وشرعاً. وشذ جماعة (وهم المُحكِّمة الأولى والنجدات من الخوارج، وضرار، وأبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم المعتزلي وهشام الفُوطَي) فقالوا بجواز الإمامة وأنها لا تجب، قال الأصم: لو تكافَّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام. واستدل كل فريق على رأيه بأدلة مطولة لا مجال هنا لذكرها (٢).

стр. 6128

المبحث الأول - أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها المطلب الأول - أركان الدولة الإسلامية: تمهيد: ١١ - الدولة في العرف الحديث: مجموع كبير من الناس يقطن بصفة دائمة في إقليم جغرافي معين، ويخضع لسلطة عليا أو تنظيم سياسي معين. يظهر من هذا التعريف التقليدي للدولة أن عناصرها أو أركانها ثلاثة: هي الشعب أو مجموعة من الأفراد، والإقليم، والسلطة الحاكمة. ويربو عدد الدول الآن على (١٧٠) دولة. وتتصف الدولة بوصفين أو خاصتين: وهما السيادة والشخصية المعنوية أو القانونية، فالسيادة هي المعيار التقليدي للدولة، أي الذي يميزها عن غيرها من الجماعات (١). وسأبحث هنا ركنين من أركان دولة الإسلام: وهما الشعب والإقليم (٢) وأبحث أيضاً وصف (السيادة) الذي يعتبره بعض فقهاء القانون الدستوري ركناً من أركان الدولة (٣).

стр. 6129

فصارت مواضيع هذا المبحث ثلاثة: الشعب والإقليم والسيادة. الركن الأول - الشعب: أولاً - موقع هذا الركن مادياً وأساسيته في مفهوم الدولة الإسلامية: ١٢ - الشعب أو الأمة في المفهوم الحديث يقوم على عنصرين: عنصر مادي وهو الاستقرار على بقعة معينة من الأرض، وعنصر معنوي: وهو الرغبة في الحياة المشتركة. ويعتبر أول عناصر الدولة هو العنصر الإنساني وهو الشعب، وتعد ضخامة عدد أفراد الدولة الحديثة من مميزاتها إذا قورنت بدولة (المدينة) السياسية القديمة. والشعب في مفهوم تكوين الدولة الإسلامية هو شعب دار الإسلام الذي يتألف من المسلمين الذين يؤمنون برسالة الإسلام ديناً وشرعاً وعقيدة ونظاماً سياسياً ومن الذميين، أي غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة في دار الإسلام، فمن هؤلاء جميعاً يتكون شعب الدولة الإسلامية أو رعاياها الذين يرتبطون في المفهوم الحديث برابطة سياسية وقانونية هي رابطة الجنسية أو الرعوية. وتنحصر غاية المسلمين في توحيد الله والدعوة إليه وإلى تطبيق الدستور الإسلامي في الحياة عامة في كل مكان، دون تمييز بين الناس إلا على أساس العقيدة والفضيلة والكفاية والكفاح التي تجمعها كلمة (التقوى). ولقد كان الهدف من تركيز هجرة المسلمين إلى المدينة وتلاقيهم مع الأنصار هو إيجاد ركيزة الشعب المكون للدولة الإسلامية الأولى، إذ لا يمكن لدولة أن تعيش في فراغ عن السكان، كما أن تنفيذ شريعة الإسلام أيضاً يتطلب وجود المكلفين المؤمنين بها.

стр. 6130

وقد يوجد مع شعب الدولة مؤقتاً مستأمنون أوأجانب بلغة العصر. ثانياً - اختلاف هذا الركن عن نظيره في المفهوم الحديث للدولة: ١٣ - يختلف مدلول الشعب في الدولة الإسلامية عن مدلوله في المفهوم الحديث للدولة، فالشعب أو الأمة في المفهوم الحديث شعب محصور في حدود جغرافية، يعيش في إقليم واحد، تجمع بين أفراده روابط من الدم أو الجنس أو اللون أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العادات والمصالح المشتركة (١) أي أن الشعب يقوم في الغالب على أساس عنصري. أما الشعب في مفهوم الدولة الإسلامية فإنه يقوم على أساس مبادئ وغايات أساسها ما جاء به الإسلام من نظام صالح للحياة البشرية قائم على محاربة العنصرية أو القبلية أو العصبية الإقليمية أو القومية. والرابطة أصلاً هي الوحدة في العقيدة أي في الفكرة والوجدان، فكل من اعتنق الإسلام من أي جنس أو لون ووطن وكل من التزم أحكام الإسلام من غير المسلمين وأقام في دار الإسلام، فهو أحد مواطني دولة الإسلام، مما يدل على أن نظرة الإسلام إنسانية وأفقه عالمي، لأن أساس تجمع الأفراد المكونين للدولة الإسلامية ليس هو الأرض ولا اللون ولا اللغة ونحوها، وإنما أساس الارتباط بالدولة هو إما الإقرار بعقيدة الإسلام أو الولاء السياسي للدولة الإسلامية. ١٤ - ومن هنا يتحدد مفهوم الأمة والقومية في الإسلام: أما الأمة في مفهوم الإسلام فليست هي التي تربط بين أفرادها وحدة الجنس
следующие страницы →