٤ - أخت الزوجة ومحارمها (الجمع بين الأخت وعمتها أو خالتها أوغيرها من المحارم) (١): يحرم على الرجل أن يجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها أو خالتها أو كل من كان مَحْرماً لها: وهي كل امرأة لو فرضت ذكراً حرمت عليها الأخرى. وذلك سواء أكانت المحرم شقيقة، أم لأب، أم لأم.
لقوله تعالى في بيان محرَّمات النساء: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء:٢٣/ ٤] ولأن الجمع بين ذوات الأرحام يفضي إلى قطيعة الرحم، بسبب ما يكون عادة بين الضرتين من غَيْرة موجبة للتحاسد والتباغض والعداوة، وقطيعة الرحم حرام، فما أدى إليه فهو حرام.
والجمع بين المرأة وابنتها حرام أيضاً، كالجمع بين الأختين، بل هوأولى؛ لأن قرابة الولادة أقوى من قرابة الأخوة، فالنص الوارد في الجمع بين الأختين وارد هنا من طريق أولى.
وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها أوخالتها حرام أيضاً كالجمع بين الأختين؛ لأن العمة بمنزلة الأم لبنت أخيها، والخالة بمنزلة الأم لبنت أختها. وصرحت السنة بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، عن أبي هريرة قال: «نهى النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» (٢) وفي رواية الترمذي وغيره: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، لا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» ولا يخفى أن هذا الحديث خصص عموم قوله تعالى:
﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء:
стр. 6442
٤/ ٢٤] (١)، ولأن الجمع بين ذواتي محرم في النكاح سبب لقطيعة الرحم؛ لأن الضرتين يتنازعان ولا يختلفان ولا يأتلفان عرفاً وعادة، وهو يفضي إلى قطع الرحم، وإنه حرام، والنكاح سبب لذاك فيحرم، حتى لا يؤدي إليه. وقد أشار النبي ﷺ إلى علة النهي في رواية ابن حبان وغيره: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم».
قاعدة الجمع بين المحارم: استنبط الفقهاء من النصين: القرآني والنبوي قاعدة لتحريم الجمع بين المحارم هي: «يحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلاً، لا يجوز له نكاح الأخرى من الجانبين جميعاً» أو «يحرم الجمع بين كل امرأتين أيتهما قدِّرت ذكراً، حرمت عليه الأخرى» (٢)
لا يحل الجمع بين الأختين؛ لأننا لو فرضنا كل واحدة منهما رجلاً، لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأنها أخته. ولا يحل الجمع بين المرأة وعمتها؛ لأن كل واحدة لو فرضت رجلاً، كان عماً للأخرى، ولا يجوز للرجل أن يتزوج بعمته. وكذلك يحرم الجمع بين المرأة وخالتها، إذ لو فرضنا كل واحدة منهما رجلاً كان خالاً للأخرى، ولا يصح للرجل أن يتزوج بنت أخته.
فإن فرض كون كل منهما رجلاً، وجاز له أن يتزوج بالأخرى كالمرأة وابنة عمها، جاز الجمع بينهما، لأنها تكون ابنة عمه، وللرجل أن يتزوج بابنة عمه.
стр. 6443
وإن كان تحريم الزوج على فرض واحد من أحد الجانبين دون الآخر، فلا يحرم الجمع بينهما، كالمرأة وابنة زوج كان لها من قبل من غيرها، وكالمرأة وزوجة كانت لأبيها؛ لأنه لا رحم بينهما، فلم يوجد الجمع بين ذواتي رحم، إذ لو فرضنا في المثال الأول البنت رجلاً، لم يجز له أن يتزوج بهذه المرأة؛ لأنها زوجة أبيه، أما عند فرض المرأة: زوجة الأب رجلاً، فتزول عنه صفة زوجة الأب، فيجوز له الزواج بالبنت، إذ هي أجنبية عنه. وقد جمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بين زوجة عمه علي، وهي ليلى بنت مسعود النهشلية، وبين ابنته من غيرها وهي أم كلثوم بنت السيدة فاطمة ﵂، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
ويجوز الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال أو الخالة من عمين أو خالين أو خالتين بالاتفاق، لعدم النص فيهما بالتحريم، ودخولهما في عموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ماوراء ذلكم﴾ [النساء:٢٤/ ٤] ولأن إحداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكراً. وفي كراهة زواجهما رأيان: رأي بالكراهة خوف قطيعة الرحم، وهو مروي عن ابن مسعود والحسن البصري، وأحمد في رواية عنه، ورأي بعدم الكراهة؛ إذ ليست بينهما قرابة تحرم الجمع، وهو منقول عن الشافعي والأوزاعي.
حكم العقد الواحد أو العقدين على الأختين ونحوهما:
إذا تزوج رجل امرأتين بينهما محرمية كالأختين وكالبنت وخالتها، والبنت وعمتها، ففي حكم الزواج تفصيل (١):
أـ إن تزوجهما معاً في عقد واحد، فسد زواجهما معاً ولم يبطل؛ لأن إحداهما ليست أولى بفساد الزواج من الأخرى، فيفرق بينه وبينهما، ثم إنه إن
стр. 6444
كان التفريق قبل الدخول فلا شيء لهما، أي لا مهر لهما، لا عدة فيهما؛ لأن الزواج الفاسد لا حكم له قبل الدخول، وكذلك بعد الخلوة.
وإن كان قد دخل بهما، فلكل واحدة منهما عند الحنفية مهر المثل على ألا يزيد عن المسمى، لرضاها به، كما هو حكم الزواج الفاسد، وعليهما العدة؛ لأن هذا هو حكم الدخول في الزواج الفاسد.
ب - وإن تزوج كلاً منهما بعقد مستقل، الواحدة بعد الأخرى، صح زواج الأولى وفسد زواج الثانية؛ لأن الجمع حصل بزواج الثانية، فاقتصر الفساد عليه، ويفرق بينه وبين الثانية. فإن تم التفريق قبل الدخول فلا شيء لها ولا عدة عليها، وإن تم التفرق بعد الدخول، وجب لها مهر المثل على ألا يزيد عن المسمى لرضاها به؛ لأن «الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر - أي حد زاجر - أو عُقْر - أي مهر جابر» وقد سقط الحد بشبهة العقد، فيجب مهر المثل دون زيادة على المسمى. وعليها العدة.
ويحرم على الزوج أن يطأ الأولى، أي قربان زوجته الأولى حتى تنقضي عدة الثانية، لئلا يكون جامعاً بينهما، والجمع بين المحارم حرام.
جـ - وإن تزوج كلاً منهما بعقدين لا يدري أيهما الأول، يفرق بينه وبينهما؛ لأن زواج إحداهما فاسد بيقين، وهي مجهولة، ولا يتصور حصول مقاصد الزواج من المجهولة، فلا بد من التفريق. فإن ادعت كل واحدة منهما أنها هي الأولى ولا بينة لها، يقضى لها بنصف المهر؛ لأن الزواج الصحيح أحدهما، وقد حصلت الفرقة قبل الدخول، لا بسبب المرأة، فكان الواجب نصف المهر، ويكون بينهما لعدم الترجيح، إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى.
стр. 6445
وقال الجمهور: إن جمع بين الأختين ونحوهما من رضاع أو نسب بعقد واحد بطل نكاحهما، وإن كان مرتباً بطل الثاني، ولمن دخل بها مهر المثل عند الشافعية والحنابلة. وصداقها المسمى عند المالكية (١).
الجمع بين الأختين ونحوهما في العدة (٢):
اتفق الفقهاء على أنه يجوز الجمع بين المرأة ومحارمها بعد الفرقة بسب وفاة إحداهما، فلو ماتت زوجة رجل، جاز له أن يتزوج بأختها أو عمتها مثلاً من غير انتظار مدة بعد الوفاة.
واتفقوا أيضاً على عدم جواز الجمع بين المرأة ومحارمها في أثناء العدة من طلاق رجعي، فلو طلق زوجته طلاقاً رجعياً، لم يجز له الزواج بواحدة من قريباتها المحارم إلا بعد انقضاء العدة؛ لأنها باقية في حكم الزواج السابق.
واختلفوا في الجمع بين المحارم إذا كانت إحداهن معتدة من طلاق بائن. فقال الحنفية والحنابلة: يحرم الجمع بين الأختين ومن في حكمهما إذا كانت واحدة منهما في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى؛ لقوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجمع ماءه في رحم أختين» (٣)، ولأن البائن ممنوعة من الزواج في العدة لحق الزوج، فأشبهت الرجعية، ولأن الزواج بالأخت ونحوها من المحارم في العدة يؤدي إلى قطيعة الرحم، التي أمر الله بوصلها. وهذا الرأي هو الراجح.
стр. 6446
وقال المالكية والشافعية: يصح الزواج بأخت المطلقة ومن في حكمها من المحارم في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى، لانقطاع أثر الزواج السابق، فلا تحل لمن طلقها إلا بعقد جديد، وحينئذ لا تجتمع المرأتان في حكم فراش واحد.
وذكر الحنابلة (١): أنه لو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية، أو انفسخ النكاح بين الزوجين بخلع أو رضاع، أو فسخ بعيب أو إعسار أو غيره، لم يكن له أن يتزوج أحداً ممن يحرم الجمع بينه وبين زوجته، حتى تنقضي عدتها.
وإن أسلمت زوجته، فتزوج أختها في عدتها، ثم أسلما في عدة الأولى، اختار منهما واحدة، كما لو تزوجهما معاً. وإن أسلم الرجل بعد انقضاء عدة الأولى، بانت منه، وثبت نكاح الثانية.
وإن زنى الرجل بامرأة، فليس له أن يتزوج بأختها، حتى تنقضي عدتها. وحكم العدة من الزنا، والعدة من وطء الشبهة، كحكم العدة من النكاح.
فإن زنى بأخت امرأته، فقال أحمد: يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض المزني بها ثلاث حيضات. وقد ذكر عن أحمد في المزني بها: أنها تستبرأ بحيضة واحدة؛ لأنه وطء من غير نكاح، ولا أحكامه أحكام النكاح.
وإذا ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها، وكذبته، أبيح له نكاح أختها، وأربع سواها في الظاهر. أما في الباطن فيبني على صدقه في ذلك؛ لأنه حق فيما بينه وبين الله تعالى، فيقبل قوله فيه.
стр. 6447
٥ - المرأة الخامسة لمتزوج بأربع سواها (الجمع بين الأجنبيات): لا يجوز للرجل في مذهب أهل السنة أن يتزوج أكثر من أربع زوجات في عصمته في وقت واحد ولو في عدة مطلقة، فإن أراد أن يتزوج بخامسة، فعليه أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، وينتظر حتى تنقضي عدتها، ثم يتزوج بمن أراد؛ لأن النص القرآني لا يبيح للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع في وقت واحد، وهو قوله تعالى:
﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً، أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [لنساء:٣/ ٤] والمعنى: إن علمتم الوقوع في ظلم اليتامى، فلم تعدلوا في مهورهن أو في نكاحهن، أو تحرجتم من الولاية عليهم، فخافوا أيضاً من ظلم النساء عامة، وقللوا عدد الزوجات، واقتصروا على أربع منهن، وإن خفتم الجور في الزيادة على الواحدة، فاقتصروا على زوجة واح، ويلاحظ أن لفظ «مثنى» معدول به عن اثنين اثنين، تقول: جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين. وهكذا ثلاث ورباع، بياناً لأنواع الزيجات وفئات الناس وما يباح لهم أثناء تعدد الزوجات، فالعطف بالواو للتخيير لا للجمع.
ويوضح مدلول الآية حديث ابن عمر، قال: «أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً» (١).
وروى أبو داود وابن ماجه عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمانُ نسوة، فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: اختر منهن أربعاً.
стр. 6448
وروى الشافعي عن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبي ﷺ : أمسك أربعاً، وفارق الأخرى (١).
ولم ينقل عن أحد من السلف في عهد الصحابة والتابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع، فدل العمل على وفق السنة على أنه لا يجوز الزواج بأكثر من أربع نسوة، ولأحاديث في مجموعها لا تقتصر عن رتبة الحسن لغيره، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال، كما ذكر الشوكاني.
وذهب بعض المتأولين الشذاذ إلى أنه يجوز للرجل أن يتزوج تسعاً، أخذاً بظاهر الآية: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣/ ٤] لأن الواو للجمع لا للتخيير، أي يكون المجموع تسعاً. وأجيب عن ذلك بأن الآية محمولة على عادة العرب في خطاب الناس على طريق المجموعات، وأريد بها التخيير بين الزواج باثنتين وثلاث وأربع، كما في قوله تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ [فاطر:١/ ٣٥] أي أنهم فئات، فمنهم ذو الجناحين، ومنهم ذو الثلاثة أجنحة، ومنه ذو الأربعة أجنحة؛ لأن المثنى ليس عبارة عن الاثنين، بل أدنى ما يراد بالمثنى مرتان من هذا العدد، وأدنى ما يراد بالثلاث ثلاث مرات من العدد، وكذا الرباع.
السبب في الاقتصار على أربع: إن إباحة الزواج بأربع فقط قد يتفق في رأينا مع مبدأ تحقيق أقصى قدرات وغايات بعض الرجال، وتلبية رغباتهم وتطلعاتهم مع مرور كل شهر، بسبب طروء دورة العادة الشهرية بمقدار أسبوع لكل واحدة
стр. 6449
منهن، ففي المشروع غنى وكفاية، وسد للباب أمام الانحرافات، أوما قد يتخذه بعض الرجال من عشيقات أو خدينات أو وصيفات، ثم إن في الزيادة على الأربع خوف الجور عليهن بالعجز عن القيام بحقوقهن؛ لأن الظاهر أن الرجل لايقدر على الوفاء بحقوقهن، وإلى هذا أشار القرآن الكريم بقوله : ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ [النساء:٣/ ٤] أي لا تعدلوا في القَسْم والجماع والنفقة في زواج المثنى، والثلاث، والرباع، فواحدة، فهوأقرب إلى عدم الوقوع في الظلم (١).
وهكذا فإن الاقتصار على أربع عدل وتوسط، وحماية للنساء من ظلم يقع بهن من جراء الزيادة، وهو بخلاف ما كان عليه العرب في الجاهلية والشعوب القديمة حيث لا حد لعدد الزوجات وإهمال بعضهن.
وهذه الإباحة أضحت أمراً استثنائياً نادراً، فلا تعني أن كل مسلم يتزوج أكثر من واحدة، بل أصبح مبدأ وحدة الزوجة هو الغالب الأعظم.
قيود إباحة التعدد:
اشترطت الشريعة لإباحة التعدد شرطين جوهريين هما:
١ - توفير العدل بين الزوجات: أي العدل الذي يستطيعه الإنسان، ويقدر عليه، وهو التسوية بين الزوجات في النواحي المادية من نفقة وحسن معاشرة ومبيت، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [النساء:٣/ ٤] فإنه تعالى أمر بالاقتصار على واحدة إذا خاف الإنسان الجور ومجافاة العدل بين الزوجات.
стр. 6450
وليس المراد بالعدل - كما بان في أحكام الزواج الصحيح - هو التسوية في العاطفة والمحبة والميل القلبي، فهوغير مراد؛ لأنه غير مستطاع ولا مقدور لأحد، والشرع إنما يكلف بما هو مقدور للإنسان، فلا تكليف بالأمور الجبلِّية الفطرية التي لا تخضع للإرادة مثل الحب والبغض.
ولكن خشية سيطرة الحب على القلب أمر متوقع، لذا حذر منه الشرع في الآية الكريمة: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء، ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل، فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء:١٢٩/ ٤] وهو كله لتأكيد شرط العدل، وعدم الوقوع في جور النساء، بترك الواحدة كالمعلقة، فلا هي زوجة تتمتع بحقوق الزوجية، ولا هي مطلقة. والعاقل: من قدَّر الأمور قبل وقوعها، وحسب للاحتمالات والظروف حسابها، والآية تنبيه على خطر البواعث والعواطف الداخلية، وليست كما زعم بعضهم لتقرير أن العدل غير مستطاع، فلا يجوز التعدد، لاستحالة تحقق شرط إباحته.
٢ - القدرة على الإنفاق: لا يحل شرعاً الإقدام على الزواج، سواء من واحدة أو من أكثر إلا بتوافر القدرة على مؤن الزواج وتكاليفه، والاستمرار في أداء النفقة الواجبة للزوجة على الزوج، لقوله ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج … » والباءة: مؤنة النكاح.
حكمة تعدد الزوجات:
إن نظام وحدة الزوجة هو الأفضل وهو الغالب وهو الأصل شرعاً، وأما تعدد الزوجات فهو أمر نادر استثنائي وخلاف الأصل، لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة الملحة، ولم توجبه الشريعة على أحد، بل ولم ترغب فيه، وإنما أباحته الشريعة لأسباب عامة وخاصة.
стр. 6451
أما الأسباب العامة: فمنها معالجة حالة قلة الرجال وكثرة النساء، سواء في الأحوال العادية بزيادة نسبة النساء، كشمال أوربا، أم في أعقاب الحروب، كما حد ث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، إذ أصبحت نسبة النساء للرجال واحداً إلى أربعة أو إلى ستة، فقامت النساء الألمانيات بمظاهرات يطالبن بالأخذ بنظام تعدد الزوجات، بعد أن قتلت الحرب معظم رجال ألمانيا، وبعد أن كثر اللقطاء في الشوارع والحدائق العامة.
وحينئذ يصبح نظام التعدد ضرورة اجتماعية وأخلاقية، تقتضيها المصلحة والرحمة، وصيانة النساء عن التبذل والانحراف، والإصابة بالأمراض الخطيرة مثل مرض فقد المناعة (الإيدز)، والإيواء في ظل بيت الزوجية الذي تجد فيه المرأة الراحة والطمأنينة، بدلاً من البحث عن الأصحاب الوقتيين، أو حمل لافتات في مواطن إشارات المرور يعلن فيها عن الرغبة في الاتصال الجنسي، أو العرض الرخيص في واجهات بعض المحلات في الشوارع العامة كما في ألمانيا وغيرها.
ومن هذه الأسباب: احتياج الأمة أحياناً إلى زيادة النسل، لخوض الحروب والمعارك ضد الأعداء، أو للمعونة في أعمال الزراعة والصناعة وغيرها.
وقد أباحت اليهودية تعدد الزوجات، ولم يرد في المسيحية نص يمنع التعدد، وأذنت به الكنيسة في عصرنا للأفارقة المسيحيين.
ومن هذه الأسباب: الحاجة الاجتماعية إلى إيجاد قرابات ومصاهرات لنشر الدعوة الإسلامية كما حدث للنبي ﷺ ، فإنه عدد زوجاته التسع في سن الرابعة والخمسين من أجل نشر دعوته وكسب الأنصار لدين الله الجديد. وبقي إلى هذه السن على زوجة واحدة هي السيدة خديجة ﵂.
стр. 6452
وأما الأسباب الخاصة فكثيرة منها:
١ - عقم المرأة أو مرضها، أو عدم توافق طباعها مع طباع الزوج:
قد تكون المرأة عقيماً لا تلد، أو أن بها مرضاً منفراً يحول بينها وبين تحقيق رغبات الزوج، أو أن طبعها لم ينسجم مع طبع الزوج، فيكون من الأفضل والأرحم ومن المروءة أن تظل هذه الزوجة في رباط الزوجية؛ لأنه أكرم لها وأحب إلى نفسها، وتعطى الفرصة للرجل بالزواج من ثانية تحقق له السعادة بإنجاب الأولاد، وإرواء غريزة حب الأولاد. وقد يزول مرض المرأة، وتتحسن طبائعها وأخلاقها مع مرور الزمن ونضوج العقل، فتجد في زوجها الأمل، وتنأى به عن الحرمان واليأس والعُقَد النفسية، وذلك في حدود أربع نسوة تتناسب مع طاقة الرجل وقدرته في عيشه على تحمل أعباء الحياة الزوجية.
وقد بينت أن سبب الاقتصار على أربع هو كونه أقرب إلى تحقيق العدل والرحمة بالمرأة التي ينقطع عنها زوجها ثلاث ليال ثم يعود إليها.
أما ما قد يؤدي إليه التعدد من فساد الأسرة بسبب التحاسد والتنافر بين الضرائر، أوتشرد الأولاد، فهو ناشئ غالباً من ضعف شخصية الرجل، وعدم التزامه بقواعد الشرع وما يوجبه عليه من عدل وقَسْم في المبيت، وعناية بالأولاد، وإحساس كبير بمطالب الحياة الزوجية، فإذا عدل الرجل بين زوجاته، وسوّى بين أولاده في التربية والتعليم والنفقة، ووضع حداً لكل زوجة لا تتجاوزه، فإنه يساهم إلى حد كبير في استئصال كل بذور الفتنة والسوء، والضغينة والبغضاء بين أفراد أسرته، وهو خير كبير له، فيريح فكره من الهموم وحل المشكلات، ويتفرغ لواجباته المعيشية وأعماله خارج المنزل.
فإن بقي بعدئذ شيء في نفس المرأة والأولاد من الغيرة الطبيعية الذاتية، فهو
стр. 6453
شيء عادي لا تخلو عنه كل المجتمعات الصغيرة، ويمكن التغلب على آثاره بالحكمة والعدل وعدم الإصغاء لتدخلات الجيران والمعارف.
أما منع تعدد الأزواج: ففيه توفير مصلحة المرأة نفسها، إذ تكون عادة مبعث نزاع حاد بين الرجال، وتنافس وتزاحم بين الشركاء يلحق بها ضرراً ومتاعب، وفي هذا التعدد ضرر اجتماعي، وفساد كبير، بسبب ضياع الأنساب، واختلاط أصول الأولاد، وضياعهم في نهاية الأمر، إذ قد يتخلى كل هؤلاء الرجال عن إعالتهم، بحجة أنهم أبناء الآخرين.
٢ - اشتداد كراهية الرجل للمرأة في بعض الأوقات: قد ينشأ نزاع عائلي بين الزوج وأقارب زوجته، أو بينه وبين زوجته، وتستعصي الحلول، وتتأزم المواقف، ويتصلب الطرفان، فإما فراق نهائي يأكل كبد المرأة للأبد، وإما صبر وقتي من الرجل، تتطلبه الأخلاق والوفاء، والحكمة والعقل، ولا شك أن اتخاذ الموقف الثاني بإبقاء الزوجة في عصمة زوجها مع زوجة أخرى أهون بكثير من الطلاق: «أبغض الحلال إلى الله».
٣ - ازدياد القدرة الجنسية لبعض الرجال: قد يكون بعض الناس ذا طاقة جنسية كبيرة، تجعله غير مكتفٍ بزوجة واحدة، إما لكبر سنها، أو لكراهيتها الاتصال الجنسي، أو لطول عادتها الشهرية ومدة نفاسها، فيكون الحل لمثل هذه الظروف ومقتضى الدين الذي يتطلب التمسك بالعفة والشرف هو تعدد الزوجات، بدلاً من البحث عن اتصالات غير مشروعة، بما فيها من سخط الله ، وضرر شخصي واجتماعي عام مؤكد الحصول بشيوع الفاحشة أو الزنا.
والخلاصة: أن إباحة تعدد الزوجات مقيد بحالة الضرورة أو الحاجة أو العذر، أو المصلحة المقبولة شرعاً.
стр. 6454
الدعوة إلى جعل تعدد الزوجات بإذن القاضي:
ظهرت دعوات جديدة في عصرنا تمنع تعدد الزوجات إلا بإذن القاضي، ليتأكد من تحقق ما شرطه الشرع لإباحة التعدد، وهو العدل بين الزوجات والقدرة على الإنفاق؛ لأن الناس وخصوصاً الجهلة أساؤوا استعمال رخصة التعدد المأذون بها شرعاً لغايات إنسانية كريمة. لكن تولى المخلصون دحض مثل هذه الدعوات لأسباب معقولة هي ما يأتي (١):
١ - إن الله أناط بالراغب في الزواج وحده تحقيق شرطي التعدد، فهو الذي يقدر الخوف من عدم العدل، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا، فواحدة﴾ [النساء:٣/ ٤] فإن الخطاب فيه لنفس الراغب في الزواج، لا لأحد سواه، من قاض أوغيره، فيكون تقدير مثل هذا الخوف من قبل غير الزوج مخالفاً لهذا النص. وكذلك البحث في توافر القدرة على الإنفاق، فإنه منوط بالراغب في الزواج، لقوله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج .. » فهو خطاب للأزواج، لا لغيرهم.
٢ - إن إشراف القاضي على الأمور الشخصية أمر عبث، إذ قد لا يطلع على السبب الحقيقي، ويخفي الناس عادة عنه ذلك السبب، فإن اطلع على الحقائق، كان اطلاعه فضحاً لأسرار الحياة الزوجية، وتدخلاً في حريات الناس، وإهداراً لإرادة الإنسان، وخوضاً في قضايا ينبغي توفير وقت القضاة لغيرها، ومنعاً وأمراً في غير محله، فالزواج أمر شخصي بحت، يتفق فيه الزوجان مع أولياء المرأة، لا يستطيع أحد تغيير وجهته، وتبديل قيمه. وإن أسرار البيت المغلقة لا يعلم بها أحد غير الزوجين.
стр. 6455
٣ - إن تعدد الزوجات ليس بهذه الكثرة المخيفة، وإنما هو على العكس محدود ونادر لا يتجاوز نسبة ٤% في مصر وليبيا في الخمسينات، وفي سورية بنسبة ١%، ومثل هذه النسب لا تستوجب إصدارقوانين خاصة بها، بل إنه إذا صدرت القوانين فلن يتغير من الأمر شيء؛ لأن هذه القضايا تحتاج لضوابط وكوابح داخلية هي الدين والوجدان والأخلاق.
٤ - ليس تعدد الزوجات هو السبب في تشرد الأطفال، كما يزعمون، وإنما السبب يكمن في إهمال الأب تربية النشء، وإدمان الخمر، وتعاطي المخدرات، والانصراف في إرواء اللذات طيشاً وعبثاً، وفعل الميسر وارتياد المقاهي، وإهمال شأن الأسرة، وغيرها من الأسباب. وكانت نسبة المتشردين بسبب تعدد الزوجات لا تزيد في مصر في الخمسينات عن (٣%)، ويرجع التشرد في الحقيقة إلى الفقر في الدرجة الأولى. وعلاج مساوئ التعدد يكون بأمرين:
أولاً - تربية الجيل تربية دينية وخلقية حصينة، بحيث يدرك الزوجان خطورة رابطة الزوجية المقدسة، وارتكازها على أساس الود والرحمة، كما قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم:٢١/ ٣٠].
ثانياً - معاقبة من يظلم زوجته، أو يقصر في حقوقها، أو يهمل تربية أحد أولاده، فمن فرط في واجبه يؤاخذ في الدنيا والآخرة.
خلاصة موانع الزواج الشرعية كما ذكرها المالكية:
يحسن تلخيص الموانع الشرعية للزواج في فقه المالكية، لتصنيفها البديع لديهم، فإنهم قسموا كغيرهم هذه الموانع إلى موانع مؤبدة وموانع غير مؤبدة.
стр. 6456
و الموانع المؤبدة تنقسم إلى متفق عليها، ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة: نسب وصهر ورضاع. والمختلف فيها: الزنا واللعان.
وغير مؤبدة تنقسم إلى تسعة:
أحدها: مانع العدد، والثاني: مانع الجمع، والثالث: مانع الرق، والرابع: مانع الكفر، والخامس: مانع الإحرام، والسادس: مانع المرض، والسابع: مانع العدة، على اختلاف في عدم تأبيده، والثامن: مانع التطليق ثلاثاً للمطلق. والتاسع: مانع الزوجية. وتكون الموانع الشرعية أربعة عشر مانعاً (١).
١ - أما مانع النسب: فاتفق الفقهاء على أن النساء المحرمات من قبل النسل: السبع المذكورات في القرآن، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت. والأم: كل أنثى لها عليك ولادة، من جهة الأم أو من جهة الأب. والبنت: كل أنثى لك عليها ولادة من قبل الابن أو من قبل البنت أو مباشرة. والأخت: كل أنثى شاركتك في أحد أصليك، أو في مجموعهما أي الأب أو الأم، أو في كليهما. والعمة: كل أنثى هي أخت لأبيك أو لكل ذكر له عليك ولادة. والخالة: أخت أمك، أوأخت كل أنثى لها عليك ولادة. وبنات الأخ: كل أنثى لأخيك عليها ولادة من قبل أمها أو من قبل أبيها أو مباشرة. وبنات الأخت: كل أنثى لأختك عليها ولادة مباشرة، أو من قبل أمها أو من قبل أبيها.
٢ - وأما مانع المصاهرة: فيحرم أربع بالمصاهرة: زوجات الآباء، وزوجات الأبناء، وأمهات النساء، وبنات الزوجات (الربائب)، واتفقوا على أن اثنين منهن يحرمن بنفس العقد: وهو تحريم زوجات الآباء والأبناء، وواحدة تحرم بالدخول
стр. 6457
وهي ابنة الزوجة، وأما أم الزوجة فتحرم عند الجمهور بالعقد على البنت، دخل بها أو لم يدخل. وفي رأي ضعيف أم الأم إلا بالدخول على البنت، كالحال في البنت، وهو مروي عن علي وابن عباس ﵄ من طرق ضعيفة.
٣ - وأما مانع الرضاع: فاتفقوا على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، أي أن المرضعة تنزَّل منزل الأم، فتحرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب.
واتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن لبن الفحل يحرِّم، أي يصير الرجل الذي له اللبن، وهو زوج المرأة أباً للمرضع، فيحرم بينهما ومن جهتها ما يحرم من الآباء والأبناء الذين من النسب.
٤ - وأما مانع الزنا أي زواج الزانية: فأجازه الجمهور، ومنعه قوم، ومنشأ اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور:٣/ ٢٤] هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟
٥ - وأما مانع العدد: فاتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من النساء، ورأى الجمهور أنه لا تجوز الخامسة، لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣/ ٤] ولقوله ﵊ لغيلان لما أسلم وتحته عشر نسوة: «أمسك أربعاً، وفارق سائرهن» وقال الشيعة والظاهرية: يجوز تسع، ومذهبهم مذهب الجمع، أي جمع الأعداد في قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣/ ٤].
٦ - وأما مانع الجمع: فاتفقوا على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد زواج، لقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء:٢٣/ ٤] واتفقوا أيضاً على أنه
стр. 6458
يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، لحديث أبي هريرة المتواتر كما قال ابن رشد، أو المشهور كما قال الحنفية: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها».
والعمة: هي كل أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة، إما بنفسك، وأما بواسطة ذكر آخر. والخالة: هي كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ولادة، إما بنفسها، وإما بتوسط أنثى غيرها، وهن المحرمات من قبل الأم.
٧ - وأما مانع الرق: فاتفقوا على أنه يجوز للعبد أن ينكح الأمة، وللحرة أن تنكح العبد إذا رضيت به هي وأولياؤها. ولا يجوز نكاح الحر الأمة إلا بشرطين عند الجمهور غير ابن القاسم المالكي: وهما الخوف على نفسه العَنت أي الزنا، والعجز عن طَوْل الحرة أو الكتابية، أي المهر الذي يتزوجها به من عين أو عرض، لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ … ﴿ذلك لمن خشي العَنت منكم﴾ [النساء:٤/ ٢٥]. وهذا هو الراجح كما في شروح خليل، ولكن قال ابن رشد: رأي ابن القاسم هو المشهور من مذهب مالك وهو أنه يجوز زواج الحر من الأمة بإطلاق.
٨ - وأما مانع الكفر: فاتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الوثنية، لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة:١٠/ ٦٠]، واتفقوا على أنه يجوز أن ينكح الكتابيةالحرة إلا ما روي في ذلك عن ابن عمر. وقال الشيعة الإمامية (١) في الأظهر من القولين: لا يجوز نكاح الكتابية غبطة، ويجوز متعة.
٩ - وأما مانع الإحرام: فلا يجوز عند الجمهور نكاح المحرم، فلا يَنْكح
стр. 6459
المحرم ولا يُنكح، فإن فعل فالنكاح باطل. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك، لتعارض حديثين: حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم، وحديث ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال. وإذا قلنا: تعارض الفعل فسقط الاستدلال به، فيرجح القول، وهو حديث «لا ينكح المحرم ولا ينكح».
١٠ - وأما مانع المرض: فقال مالك في المشهور عنه: لا يجوز نكاح المريض مرض الموت، وقال الجمهور: إنه يجوز، وسبب اختلافهم تردد النكاح بين البيع وبين الهبة؛ لأنه لا تجوز هبة المريض إلا من الثلث، ويجوز بيعه. ولاختلافهم أيضاً سبب آخر: وهل هو يتهم في إضرار الورثة بإدخال وارث زائد، أو لا يتهم؟
١١ - وأما مانع العدة: فاتفقوا على أن النكاح لا يجوز في العدة، سواء أكانت عدة حيض أم عدة حمل، أم عدة أشهر، وسواء من نكاح أم شبهة نكاح. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها ودخل بها، فقال مالك والأوزاعي والليث: يفرق بينهما، ولا تحل له أبداً، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد: يفرق بينهما، وإذا انقضت العدة، فلا بأس في تزوجه إياها مرة ثانية. وسبب اختلافهم اختلاف أقوال الصحابة، فالفريق الأول أخذ بقول عمر ﵁ حينما فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي، لما تزوجها في العدة من زوج ثان، وقال: «أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرِّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطباً من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرِّق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبداً».
واحتج الفريق الثاني بقول علي وابن مسعود ﵄، خلافاً لرأي عمر ﵁، فلم يقضيا بتحريمها عليه.
стр. 6460
١٢ - وأما مانع الزوجية: فإنهم اتفقوا على أن الزوجية بين المسلمين مانعة، وكذا بين الذميين، لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء:٢٤/ ٤].
١٣ - وأما مانع اللعان: فتقع به عند الجمهور غير الحنفية الفرقة المؤبدة، فلا تحل له أبداً، وإن أكذب نفسه. والفرقة عند أبي حنيفة تنتهي إذا أكذب نفسه.
١٤ - وأما مانع التطليق ثلاثاً للمطلق: فاتفقوا على أنه لا يجوز للمطلق أن يعقد عليها مرة أخرى حتى تتزوج زواجاً طبيعياً بزوج آخر، ثم يطلقها بنحو طبيعي، ثم تنقضي عدتها من الثاني، لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢].
المحارم من النساء في القانون السوري:
أـ الحرمات المؤبدة:
المادة (٣٣) - يحرم على الشخص أصوله وفروعه وفروع أبويه والطبقة الأولى من فروع أجداده.
المادة (٣٤) - يحرم على الرجل:
١ - زوجة أصله أو فرعه وموطوءة أحدهما.
٢ - أصل موطوءته وفرعها وأصل زوجته.
المادة (٣٥) - «١ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا ما قرر فقهاء الحنفية استثناءه.
стр. 6461
٢ - يشترط في الرضاع للتحريم أن يكون في العامين الأولين، وأن يبلغ خمس رضعات متفرقات، يكتفي الرضيع في كل منها، قل مقدارها أو كثر».
ب - الحرمات المؤقتة:
المادة (٣٦) - «١ - لا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة طلقها ثلاث مرات إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها فعلاً.
٢ - زواج المطلقة من آخر يهدم طلقات الزوج السابق، ولو كانت دون الثلاث، فإذا عادت إليه يملك عليها ثلاثاً جديدة».
المادة (٣٧) - لا يجوز أن يتزوج الرجل خامسة حتى يطلق إحدى زوجاته الأربع، وتنقضي عدتها.
المادة (٣٨) - لا يجوز التزوج بزوجة آخر ولا بمعتدته.
المادة (٣٩) - لا يجوز الجمع بين امرأتين لو فرضت كل منهما ذكراً، حرمت عليه الأخرى، فإن ثبت الحل على أحد الفرضين جاز الجمع بينهما.
стр. 6462
الفَصْلُ الرّابع: الأهليَّة والولاية والوكالة في الزّواج فيه مباحث ثلاثة:
المبحث الأول - أهلية الزوجين:
يرى ابن شبرمة وأبو بكر الأصم وعثمان البتي ﵏ أنه لا يزوج الصغير والصغيرة حتى يبلغا، لقوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء:٦/ ٤] فلو جاز التزويج قبل البلوغ، لم يكن لهذا فائدة، ولأنه لا حاجة بهما إلى النكاح. ورأى ابن حزم أنه يجوز تزويج الصغيرة عملاً بالآثار المروية في ذلك. أما تزويج الصغير فباطل حتى يبلغ، وإذا وقع فهو مفسوخ (١).
ولم يشترط جمهور الفقهاء لانعقاد الزواج: البلوغ والعقل، وقالوا بصحة زواج الصغير والمجنون.
الصغر: أما الصغر فقال الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة، بل ادعى ابن المنذر الإجماع على جواز تزويج الصغيرة من كفء، واستدلوا عليه بما يأتي (٢):
стр. 6463
١ - بيان عدة الصغيرة - وهي ثلاثة أشهر - في قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥] فإنه تعالى حدد عدة الصغيرة التي لم تحض بثلاثة أشهر كاليائسة، ولا تكون العدة إلا بعد زواج وفراق، فدل النص على أنها تزوج وتطلق ولا إذن لها.
٢ - الأمر بنكاح الإناث في قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور:٣٢/ ٢٤] والأيم: الأنثى التي لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة.
٣ - زواج النبي بعائشة وهي صغيرة، فإنها قالت: «تزوجني النبي وأنا ابنة ستٍ، وبنى بي وأنا ابنة تسع» (١) وقد زوجها أبوها أبو بكر ﵄. وزوج النبي ﷺ أيضاً ابنة عمه حمزة من ابن أبي سلمة، وهما صغيران.
٤ - آثار عن الصحابة: زوَّج (أي عقد) علي ابنته أم كلثوم، وهي صغيرة من عروة بن الزبير، وزوج عروة بن الزبير بنت أخيه من ابن أخيه وهما صغيران. ووهب رجل بنته الصغيرة لعبد الله بن الحسن بن علي، فأجاز ذلك علي ﵄، وزوجت امرأة بنتاً لها صغيرة لابن المسيب بن نخبة، فأجاز ذلك زوجها عبد الله ابن مسعود ﵁.
٥ - قد تكون هناك مصلحة بتزويج الصغار، ويجد الأبُ الكفءَ، فلا يفوت إلى وقت البلوغ.
стр. 6464
وهناك رواية: معقولة: وهي بنت ثلاث عشرة.
من الذي يزوج الصغار؟ اختلف الجمهور القائلون بجواز تزويج الصغار فيمن يزوجهم.
فقال المالكية والحنابلة (١): ليس لغير الأب أو وصيه أو الحاكم تزويج الصغار، لتوافر شقفة الأب وصدق رغبته في تحقيق مصلحة ولده، والحاكم ووصي الأب كالأب، لأنه لا نظر لغير هؤلاء في مال الصغار ومصالحهم المتعلقة بهم، ولقوله ﷺ : «تستأمر اليتيمة في نفسها، وإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» (٢) وفي رواية أحمد: « .. لم تكره» وروي عن ابن عمر أن قدامة ابن مظعون زوج ابن عمر ابنة أخيه عثمان، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «إنها يتيمة ولا تُنكح إلا بإذنها» (٣) واليتيمة: هي الصغيرة التي مات أبوها، لحديث: «لا يُتْم بعد احتلام» (٤) دل الحديث على أن الأب وحده هو الذي يملك تزويج الصغار.
وقال الحنفية (٥): يجوز للأب والجد ولغيرهما من العصبات تزويج الصغير والصغيرة، لقوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء:٤/ ٣] أي في نكاح اليتامى، بإلحاق الظلم بهم، فالآية تأمر الأولياء بتزويج اليتامى، وأجاز أبو حنيفة في رواية عنه خلافاً للصاحبين لغير العصبات من قرابة الرحم كالأم والأخت والخالة تزويج الصغار إن لم يكن ثمة عصبة، ودليله عموم قوله
стр. 6465
تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين﴾ [النور:٣٢/ ٢٤] من غير تفرقة بين العصبات وغيرهم.
وقال الشافعية (١): ليس لغير الأب والجد تزويج الصغير والصغيرة، لخبر الدارقطني: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها» ورواية مسلم: «والبكر يستأمرها أبوها» والجد كالأب عند عدمه؛ لأن له ولاية وعصوبة كالأب.
والخلاصة:
المالكية قالوا: القياس ألا يجوز تزويج الصغار إلا أنا تركنا ذلك في حق الأب للآثار المروية فيه، فبقي ما سواه على أصل القياس. والحنابلة رأوا أن الأحاديث مقصورة على الأب. والشافعية استدلوا بالأحاديث، لكنهم قاسوا الجد على الأب، والحنفية أخذوا بعموم الآيات القرآنية التي تأمر الأولياء بتزوج اليتامى أو بتزويجهن من غيرهم.
واشترط أبو يوسف ومحمد في تزويج الصغار الكفاءة ومهر المثل؛ لأن الولاية للمصلحة، ولا مصلحة في التزويج من غير كفء ولا مهر مثل.
وكذلك اشترط الشافعية في تزويج الصغير وجود المصلحة، وفي تزويج الأب الصغيرة أو الكبيرة بغير إذنها شروطاً سبعة هي:
الأول - ألا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة.
الثاني - أن يزوجها من كفء.
الثالث - أن يزوجها بمهر مثلها.
стр. 6466
الرابع - أن يكون من نقد البلد.
الخامس - ألا يكون الزوج معسراً بالمهر.
السادس - ألا يزوجها بمن تتضرر بمعاشرته كأعمى وشيخ هرم.
السابع - ألا يكون قد وجب عليها الحج، فإن الزوج قد يمنعها لكون الحج على التراخي، ولها غرض في تعجيل براءتها، ويجوز أن يزوج الصغير أكثر من واحدة.
وأجاز المالكية للأب تزويج البكر الصغيرة، ولو بدون صداق المثل، ولو لأقل حال منها، أو لقبيح منظر، وتزوج البالغ (أو البالغة) بإذنها، إلا اليتيمة الصغيرة التي بلغت عشر سنين، فتزوج بعد استشارة القاضي على أن يكون الزواج بكفء وبمهر المثل.
ورأى الحنابلة: أن يزوج الأب ابنه الصغير والمجنون بمهر المثل وغيره، ولو كرهاً؛ لأن للأب تزويج ابنته البكر بدون صداق مثلها، وهذا مثله، فإنه قد يرى المصلحة في تزويجه، فجاز له بذل المال فيه كمداواته فهذا أولى. وإذا زوج الأب ابنه الصغير، فيزوجه بامرأة واحدة لحصول الغرض بها، وله تزويجه بأكثر من واحدة إن رأى فيه مصلحة، وضعَّف بعض الحنابلة هذا، إذ ليس فيه مصلحة، بل مفسدة، وصوِّب أنه لا يزوجه أكثر من واحدة. أما الوصي فلا يزوجه أكثر بلا خلاف؛ لأنه تزويج لحاجة، والكفاية تحصل به، إلا أن تكون غائبة أو صغيرة أو طفلة، وبه حاجة، فيجوز أن يزوجه ثانية. ولسائر الأولياء تزويج بنت تسع سنين فأكثر بإذنها، لما روى أحمد عن عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» أي في حكم المرأة.
стр. 6467
العقل: وأما العقل فليس شرطاً بالاتفاق، فيجوز للولي أباً أو غيره عند الحنفية (١) أن يزوج المجنون أوالمجنونة أو المعتوه أو المعتوهة (٢) صغيراً أم كبيراً، بكراً أم ثيباً.
وللأب عند المالكية (٣) تزويج المجنون أو المجنونة ونحوهما، في حال الصغر أو الكبر، ولو ثيباً، لعدم التمييز، ولا كلام لولدهما معه إن كان لهما ولد رشيد، إلا من يفيق أو تفيق من جنونها أحياناً، فتنتظر إفاقتها لتستأذن ولا تجبر، وذلك إذا لم يلزم على تزويج المجنونة ضرر عادة، كتزويجها من خصي أو ذي عاهة، كجنون وبرص وجذام، مما يردّ الزوج به شرعاً.
ورأى الشافعية (٤): أنه لا يزوَّج مجنون صغير أو كبير، إلا لحاجة للزواج، ويزوجه امرأة واحدة فقط الأب، ثم الجد، ثم السلطان، دون سائر العصبات كولاية المال. ويزوج الأب أو الجد لوفور شفقتهما المجنونة الصغيرة أو الكبيرة إن ظهرت مصلحة في تزويجها، ولا تشترط الحاجة قطعاً، فإن لم يكن أب أو جد لم تزوج في صغرها، فإن بلغت زوجها السلطان في الأصح للحاجة للزواج، لا لمصلحة في الأصح، كتوفر المؤن.
وقال الحنابلة (٥): لسائر الأولياء تزويج المجنونة إذا ظهر منها الميل إلى الرجال؛ لأن لها حاجة إلى الزواج لدفع ضرر الشهوة عنها، وصيانتها عن
стр. 6468
الفجور. ويعرف ميلها إلى الرجال من كلامها وتتبعها الرجال وميلها إليهم ونحوه من قرائن الأحوال، وكذا إن قال الأطباء (ثقة أو اثنان): إن علتها تزول بتزويجها. فإن لم يكن لها ولي إلا الحاكم زوَّجها.
وإن احتاج المجنون البالغ أو الصغير العاقل إلى الزواج أو لغيره كالخدمة، زوجهما الحاكم عند عدم الأب والوصي، وليس لغير الأب ووصيه والحاكم التزويج، ولا يجوز التزويج إن لم يحتج المجنون والصغير إليه؛ لأنه إضرار بهما بلا منفعة.
موقف القانون السوري من زواج الصغير والمجنون:
أخذ القانون السوري بما يخالف رأي الجمهور في زواج الصغار والمجانين بالاعتماد على مبدأ الاستصلاح، فأخذ برأي ابن شبرمة ومن وافقه في عدم صحة زواج الصغار، مراعاة لأوضاع المجتمع، وتقديراً لمخاطر مسؤوليات الزواج. ولم يصحح القانون زواج المجنون أو المعتوه مطلقاً، إلا إذا ثبت طبياً أن زواجه يفيد في شفائه، فللقاضي الإذن بالزواج.
وهذا ما نصت عليه المادة (١٥):
١ - يشترط في أهلية الزواج العقل والبلوغ.
٢ - للقاضي الإذن بزواج المجنون والمعتوه إذا ثبت بتقرير هيئة من أطباء الأمراض العقلية أن زواجه يفيد في شفائه.
سن البلوغ: كذلك أخذ القانون السوري بما يخالف رأي جمهور الفقهاء في تحديد سن البلوغ، ففي الأحوال المدنية أو الشؤون المالية نص القانون المدني
стр. 6469
(م ٤٦/ ٢) على أهلية الشخص الطبيعي، وهي بلوغ سن الثامنة عشرة، للذكر والأنثى على السواء عملاً بمبدأ الاستصلاح. ونص المادة هو
:١ - كل شخص بلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية، ولم يحجر عليه، يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية.
٢ - وسن الرشد: هي ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة. أما في الأحوال الشخصية أو الزواج: فقد نص قانون الأحوال الشخصية على أن أهلية الفتى ثمانية عشر عاماً، والفتاة سبعة عشر عاماً. وذلك في المادة (١٦) وهي:
تكمل أهلية الزوج في الفتى بتمام الثامنة عشرة، وفي الفتاة بتمام السابعة عشرة من العمر.
لكن أجاز هذا القانون أيضاً للقاضي: أن يأذن بزواج الفتى بعد إكماله سن الخامسة عشرة، والفتاة بعد إكمالها سن الثالثة عشرة، إذا طلبا الزواج، وادعيا البلوغ، وتبين له صدقهما في ادعاء البلوغ. وهذا مراعاة لمصلحة الشباب في التبكير بالزواج، صوناً لهم عن الانحراف.
ونص القانون (م ١٨) ما يأتي:
١ - إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكماله الخامسة عشرة، أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة، وطلبا الزواج، يأذن به القاضي إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما.
٢ - إذا كان الولي هو الأب أو الجد، اشترطت موافقته.
أما رأي فقهائنا في سن الزواج: فإنهم اتفقوا على عدم انعقاد زواج الصغير غير المميز، أما الصبي المميز فينعقد زواجه موقوفاً عند الحنفية على إجازة وليه،
стр. 6470
ويبطل زواجه كسائر عقوده عند الجمهور، وإنما يزوجه وليه، فإذا بلغ خمسة عشر عاماً تزوج بنفسه، وعند أبي حنيفة إذا بلغ سن الثامنة عشرة.
المبحث الثاني - الولاية في الزواج:
اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة الزواج أن يكون لمن يتولاه ولاية إنشائه، إما بالنفس وإما بالغير، فإذا وجدت هذه الولاية، صح العقد ونفذ، وإن فقدت بطل العقد عند الجمهور، وكان موقوفاً عند الحنفية.
فإن تم العقد من الرجل بالأصالة عن النفس صح العقد بالاتفاق، وإن تم بإنابة من الشارع، صح أيضاً بصفة الولاية، وإن وجد الزواج بالنيابة عن الشخص، صح بصفة الوكالة.
ونبحث في الولاية: معناها، أنواعها، اشتراطها في زواج المرأة، شروط الولي، من له الولاية، المولى عليه، ترتيب الأولياء، كيفية إذن المرأة بالزواج، عضل الولي، غيبة الولي وأسره أو فقده.
أولاً - معنى الولاية وسببها:
الولاية لغة إما بمعنى المحبة والنصرة، كما في قوله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله، والذين آمنوا، فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة:٥/ ٥٦] وقول سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة:٧١/ ٩].
وإما بمعنى السلطة والقدرة، يقال: (الولي) أي صاحب السلطة.
وفي اصطلاح الفقهاء: القدرة على مباشرة التصرف من غير توقف على
стр. 6471
إجازة أحد. ويسمى متولي العقد (الولي) ومنه قوله تعالى: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢].
وسبب مشروعية ولاية تزويج القصر والمجانين (ولاية الإجبار): هو رعاية مصالح هؤلاء، وحفظ حقوقهم بسبب عجزهم وضعفهم حتى لا تضيع وتهدر.
ثانياً - أقسام الولاية: قسم الحنفية الولاية ثلاثة أقسام: ولاية على النفس، وولاية على المال، وولاية على النفس والمال معاً.
والولاية على النفس: هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية، كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل، وهي تثبت للأب والجد وسائر الأولياء.
والولاية على المال: هي تدبيرشؤون القاصر المالية من استثمار وتصرف وحفظ وإنفاق. وتثبت للأب والجد ووصيهما، ووصي القاضي.
والولاية على النفس والمال: تشمل الشؤون الشخصية والمالية، ولا تكون إلا للأب والجد فقط.
ومحل البحث في الزواج هو الولاية على النفس.
نوعا ولاية النفس: تنقسم ولاية النفس إلى نوعين: ولاية إجبار، وولاية اختيار، أو ولاية حتم وإيجاب، وولاية ندب واستحباب (١).
١ - ولاية الإجبار: هي تنفيذ القول على الغير. وهي بهذا المعنى العام تثبت بأربعة أسباب: القرابة والملك، والولاء، والإمامة.
стр. 6472
ولاية القرابة: تثبت لصاحبها بسبب قرابته من المولى عليه، إما بقرابة قريبة كالأب والجد والابن، أو بقرابة بعيدة كابن الخال وابن العم.
وولاية المِلْك: هي الولاية التي تثبت للسيد على مملوكه، فله تزويج عبده أو أمته جبراً عنهما، ويتوقف نفاذ زواجهما على إذنه.
وشرط ثبوت هذه الولاية للسيد: أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا ولاية للمجنون والمعتوه ولا للصبي قبل البلوغ على تزويج العبد أو الأمة.
وولاية الولاء نوعان: ولاء عتاقة، وولاء موالاة.
وولاء العتاقة: هو الحق الشرعي الذي يثبت للمعتق على عتيقه، حتى إنه يرثه به، وله أن يزوجه إذا كان العتيق صغيراً أو كبيراً مجنوناً أو معتوهاً. وشرط ثبوت هذه الولاية أن يكون المعتق عاقلاً بالغاً.
وولاء الموالاة: هو الذي يثبت بناء على عقد بين اثنين على أن يناصره، ويغرم عنه إذا جنى، ويرثه إذا مات. وتثبت بهذا العقد ولاية تزويجه. ويشترط لثبوت هذه الولاية أن يكون الولي عاقلاً بالغاً حراً، وألا يكون للمولى عليه أحد يرثه من النسب أو العصبة السببية.
وولاية الإمامة: هي ولاية الإمام العادل ونائبه، كالسلطان والقاضي، فلكل منهما تزويج عديم الأهلية أو ناقصها بشرط ألا يكون له ولي قريب، للحديث السابق: «السلطان ولي من لا ولي له» (١). وولاية الإجبار بالمعنى الخاص: هي حق الولي في أن يزوج غيره بمن شاء.
стр. 6473
وتثبت ولاية الإجبار بهذا المعنى عند الحنفية: على الصغيرة ولو كانت ثيباً، وعلى المعتوه والمجنونة والأمة المرقوقة. ويقال لصاحبها: ولي مُجْبر.
٢ - وأما ولاية الاختيار: فهي حق الولي في تزويج المولى عليه بناء على اختياره ورضاه، ويقال لصاحبها: ولي مُخَيِّر. وهي مستحبة عند أبي حنيفة وزفر في تزويج المرأة الحرة البالغة العاقلة، سواء أكانت بكراً أم ثيباً، رعاية لمحاسن العادات والآداب التي يراعيها الإسلام، إذ للمرأة عندهم أن تتولى تزويج نفسها باختيارها وإرادتها، لكن يستحب لها أن تولي أمر العقد لوليها. وشرط ثبوت هذه الولاية هو رضا المولى عليه لا غير.
والخلاصة: أنه لا ولي عند الحنفية إلا الولي المجبر، فليس عندهم ولي غير مجبر يتوقف عليه العقد، وكل ولي: مجبر.
أنواع الولاية عند المالكية:
الولاية عند المالكية قسمان: خاصة وعامة (١):
١ - الولاية الخاصة: هي التي تثبت لأناس معينين، وهم ستة أصناف: الأب، ووصيه، والقريب العصبة، والمولى، والكافل، والسلطان. وأسباب هذه الولاية ستة هي:
الأبوة، والإيصاء، والعصوبة، والملك، والكفالة، والسلطنة. أما الولاية بالكفالة: فهي أن يكفل رجل امرأة فقدت والدها. وغاب عنها أهلها، فقام بتربيتها مدة خاصة، فيكون له عليها حق الولاية في تزويجها، ويشترط لثبوت هذه الولاية شرطان.
стр. 6474
أحدهما: أن تمكث عنده زمناً يوجب حنانه وشفقته عليها عادة وبالفعل، فلا حاجة لتقدير زمن معين كأربع سنوات أو عشر على الأظهر.
والثاني: ألا تكون شريفة، والشريفة: هي ذات الجمال أو المال، فإن كانت ذات جمال فقط أو ذات مال فقط، زوجها الحاكم. ورجح بعض المالكية أن ولاية الكفيل عامة تشمل الشريفة والدنيئة.
٢ - والولاية العامة: تثبت بسبب واحد هو الإسلام، فهي تكون لكل مسلم، على أن يقوم بها واحد منهم، بأن توكل امرأة أحد المسلمين ليباشر عقد زواجها، بشرط ألا يكون لها أب أو وصيه، وبشرط أن تكون دنيئة لا شريفة. والدنيئة: هي الخالية من الجمال والمال والحسب والنسب. والخالية من النسب: بنت الزنا أو الشبهة أو المعتوقة من الجواري. والحسب: هو الأخلاق الكريمة كالعلم والتدبير والكرم ونحوها من محاسن الأخلاق.
يصح الزواج بالولاية العامة في امرأة دنيئة، مع وجود ولي خاص غير مجبر، كأب وابن عم، كما يصح زواج شريفة بالولاية العامة مع وجود ولي خاص غير مجبر إن دخل الزوج بها، وطال الدخول مدة هي أن يمضي زمن تلد فيه الأولاد كثلاث سنين، كطول مدة زواج الصغيرة التي لا أب لها إذا زوجت مع فقد الشروط أو بعضها. وتجوز الولاية العامةإذا تعذرت الولاية الخاصة.
وتثبت ولاية الإجبار عند المالكية بأحد سببين: البكارة، والصغر فيقع، الإجبار للبكر وإن كانت بالغاً، وللصغيرة وإن كانت ثيباً، ويستحب استئمارها.
والولي المجبر عندهم أحد ثلاثة: مالك الأمة أو العبد، فالأب، فوصي الأب عند عدم الأب.
стр. 6475
والولي غير المجبر: يشمل العصبة، ثم المولى (من أعتق المرأة ثم عصبته) ثم الكافل، ثم الحاكم.
وقرابة العصبة كالابن والأخ والجد وابن العم، لا يزوجون إلا البالغة بإذنها، وتأذن الثيب بالكلام، والبكر بالصمت.
والولي غير المجبر يزوج البالغ لا الصغيرة بإذنها ورضاها، سواء أكانت البالغ بكراً أم ثيباً.
أنواع الولاية عند الشافعية:
الولي عن المرأة مطلقاً شرط عند الشافعية (١) لصحة أي عقد من عقود الزواج، فلا تزوِّج امرأة نفسها بإذن وليها، ولا غيرها بوكالة، ولا تقبل زواجاً لأحد.
والولاية نوعان: ولاية إجبارية وولاية اختيارية:
أما ولاية الإجبار: فتثبت للأب، وللجد عند عدمه، فللأب تزويج البكر صغيرة أو كبيرة بغير إذنها، ويستحب استئذانها، ويكفي في البكر البالغة العاقلة إذا استؤذنت في تزويجها سكوتها في الأصح. ودليلهم خبر الدارقطني: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها» ورواية مسلم: «والبكر يستأمرها أبوها، وإذنها سكوتها» وقد حملت رواية مسلم على الندب، ولأن البكر شديدة الحياء إذ لم تمارس الرجال بالوطء.
وأما ولاية الاختيار: فتثبت لكل الأولىاء العصبات في تزويج المرأة الثيب،
стр. 6476
فليس للولي تزويج الثيب إلا بإذنها، فإن كانت الثيب صغيرة لم تزوَّج حتى تبلغ؛ لأن إذن الصغيرة غير معتبر، فامتنع تزويجها إلى البلوغ، وتزوج الثيب البالغة بصريح الإذن، ولا يكفي سكوتها. بدليل خبر الدارقطني السابق، وخبر «لا تنكحوا الأيامى حتى تستأمروهن» (١) ولأنها عرفت مقصود الزواج، فلا تجبر بخلاف البكر. ودليل صراحة الإذن: حديث: «ليس للولي مع الثيب أمر» (٢) ولو أذنت بلفظ التوكيل جاز؛ لأن المعنى فيهما واحد.
والحاصل: أن الفرق بين البكر والثيب هوفي حكم الإذن ونوعه، فالبكر يستحب استئذانها، وإذنها صماتها، والثيب يجب استئذانها، بصريح الإذن.
وأما المجنونة فيزوجها الأب، والجد عند عدمه قبل بلوغها للمصلحة.
أنواع الولاية عند الحنابلة:
لا يصح نكاح المرأة إلا بولي عند الحنابلة (٣) كالشافعية والمالكية، فلو زوَّجت امرأة نفسها، أو زوَّجت غيرَها كبنتها وأختها، أو وكلت امرأة غير وليها في تزويجها ولو بإذن وليها في الصور الثلاث، لم يصح النكاح لعدم وجود شرطه، ولأنها غير مأمونة على البُضْع لنقص عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها، كالمبذر في المال، فلا يصح أن توكل فيه، ولا أن تتوكل فيه، فإن حكم بصحته حاكم أو كان المتولي العقد حاكماً يراه، لم ينقض كسائر الأنكحة الفاسدة، إذا حكم بها من يراها، لم ينقض؛ لأنه يسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم بها.
стр. 6477
وولاية الإجبار: تثبت لأب، ووصيه، ثم الحاكم، كما قال المالكية، ولا تثبت للجد وسائر الأولىاء، وذلك عند تزويج الصغيرة فقط.
وولاية الاختيار: تثبت لسائر الأولياء عند تزويج امرأة حرة مكلفة (كبيرة بالغة) ثيباً كانت أو بكراً بإذنها، وإذن البكر: الصمت، وإذن الثيب: الكلام، بدليل حديث أبي هريرة مرفوعاً: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال:
أن تسكت» (١) وحديث «الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها» (٢).
ولسائر الأولياء تزويج بنت تسع سنين فأكثر بإذنها، ولهاإذن صحيح معتبر، لحديث عائشة: «إذا بلغت الجارية تسع سنين، فهي امرأة» (٣) وروي مرفوعاً عن ابن عمر. ومعناه: في حكم المرأة، ولأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه، فأشبهت البالغة.
والخلاصة: يزوج الرجل البالغ العاقل نفسه بالاتفاق بالأصالة عن نفسه، ويزوج الولي الصغار والمجانين والمعتوهين بالاتفاق بالولاية عن الشارع.
واختلف الفقهاء في زواج المرأة البالغة العاقلة، فقال الحنفية: لها أن تتزوج بنفسها، وقال الجمهور: يزوجها وليها، لكن عند الحنابلة بإذنها سواء أكانت بكراً أم ثيباً، وعند المالكية والشافعية: بإذنها إذا كانت ثيباً، وبغير إذنها إذا كانت بكراً صغيرة أم كبيرة.
وكل ولي مجبر عند الحنفية، والمجبر عند المالكية والحنابلة: الأب ووصيه والحاكم، والمجبر عند الشافعية: الأب، والجد فقط عند عدم الأب.
стр. 6478
ويستحب استئذان البنت البكر عند المالكية والشافعية، ولا إذن للصغيرة بحال عند الحنابلة، وليس عندهم للحاكم ولسائر الأولياء تزويج بنت دون تسع سنين.
ثالثاً - اشتراط الولاية في زواج المرأة: للفقهاء كما عرفنا رأيان في انعقاد الزواج بعبارة النساء، رأي الحنفية: أنه يصحح العقد بعبارتها، بدون ولي، ورأي الجمهور: أنه يبطل العقد بدون ولي (١).
أما الرأي الأول - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في ظاهر الرواية: ينفذ نكاح حرة مكلفة (بالغة عاقلة) بلا رضا ولي، فللمرأة البالغة العاقلة أن تتولى عقد زواجها، وزواج غيرها، لكن إذا تولت عقد زواجها، وكان لها ولي عاصب، اشترط لصحة زواجها ولزومه أن يكون الزوج كفئاً، وألا يقل المهر عن مهر المثل. فإذا تزوجت بغير كفء، فلوليها حق الاعتراض على الزواج ويفسخه القاضي، إلا أنه إذا سكت حتى ولدت أو حملت حملاً ظاهراً، سقط حق الولي في الاعتراض على الزواج ويفسخه القاضي، إلا أنه إذا سكت حتى ولدت أو حملت حملاً ظاهراً، سقط حق الولي في الاعتراض وطلب التفريق، حفاظاً على تربية الولد، ولئلا يضيع بالتفريق بين أبويه، فإن بقاءهما مجتمعين على تربيته أحفظ له بلا شبهة.
والمفتى به أن المرأة إذا تزوجت بغير كفء، وقع العقد فاسداً، فلو رضي الولي بعد العقد لا ينقلب صحيحاً.
стр. 6479
ودليله كما سبق: أولاً - حديث «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها» والأيم: التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً، فدل على أن للمرأة الحق في تولي العقد.
ثانياً - للمرأة أهلية كاملة في ممارسة جميع التصرفات المالية من بيع وإيجار ورهن وغيرها، فتكون أهلاً لمباشرة زواجها بنفسها؛ لأن التصرف حق خالص لها.
وأما الرأي الثاني - رأي الجمهور: فهو أن النكاح لا يصح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها، فإن فعلت ولو كانت بالغة عاقلة رشيدة، لم يصح النكاح، وهو رأي كثير من الصحابة كابن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة ﵃. وإليه ذهب سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك، وعبيد الله العنبري وإسحاق وأبو عبيدة رحمهم الله تعالى.
وأدلتهم: أولاً - حديث عائشة وأبي موسى وابن عباس: «لا نكاح إلا بولي» (١) وحديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٢). وحديث أبي هريرة: «لا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» (٣).
стр. 6480
ثانياً - إن الزواج عقد خطير دائم ذو مقاصد متعددة من تكوين أسرة، وتحقيق طمأنينة واستقرار وغيرها، والرجل بما لديه من خبرة واسعة في شؤون الحياة أقدر على مراعاة هذه المقاصد، أما المرأة فخبرتها محدودة، وتتأثر بظروف وقتية، فمن المصلحة لها تفويض العقد لوليها دونها.
رابعاً - شروط الولي: يشترط في الولي شروط متفق عليها بين الفقهاء وهي (١):
١ - كمال الأهلية: بالبلوغ والعقل والحرية، فلا ولاية للصبي والمجنون والمعتوه (ضعيف العقل) والسكران، وكذا مختل النظر بهرَم، (وهو كبر السن) أو خبَل (وهو فساد في العقل)، والرقيق؛ لأنه لا ولاية لأحد من هؤلاء على نفسه، لقصور إدراكه وعجزه في غير الرقيق فلا تكون له ولاية على غيره؛ لأن الولاية تتطلب كمال الحال. وأما الرقيق فلأنه مشغول بخدمة مولاه، فلا يتفرغ للنظر في شؤون غيره.
٢ - اتفاق دين الولي والمولى عليه: فلا ولاية لغيرا لمسلم على المسلم، ولا للمسلم على غير المسلم، أي لا يزوج عند الحنابلة والحنفية كافر مسلمة ولا عكسه، وقال الشافعية وغيرهم: يزوج الكافر الكافرة، سواء أكان زوج الكافرة كافراً أم مسلماً، وقال المالكية: يزوج الكافرة الكتابية مسلم. ولا ولاية للمرتد على أحد مسلم أو كافر، لقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة:٧١/ ٩] وقوله سبحانه: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال:٧٣/ ٨] وقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾