مدْخل
...
مدرسة الدعْوَة
فَضِيلَة الدكتور مُحَمَّد السَّيِّد الْوَكِيل
وَكيل كُلية الحَدِيث الشريف
نشأت الدعْوَة فِي مَكَّة المكرمة، وَكَانَت أول مدرسة لَهَا هِيَ دَار الأرقم بن أبي الأرقم المَخْزُومِي، حَيْثُ كَانَ الرَّسُول ﷺ يلتقي بالرعيل الأول هُنَاكَ، فيعلمهم العقيدة الصَّحِيحَة، وينتزع مَا بَقِي فِي قُلُوبهم من آثَار الوثنية، ويقتلع من نُفُوسهم قدسية الْأَصْنَام ومنزلتها، ويغرس فِيهَا الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر، وَمَا فِيهِ من الْبَعْث والحساب وَالْجنَّة وَالنَّار إِلَى غير ذَلِك من أصُول العقيدة.
وَقد تميزت مدرسة الدعْوَة بخصائص لم تتوفر لغَيْرهَا، كَانَ لَهَا أكبر الْأَثر على الدعاة، فخرّجت جيلا ضحى فِي سَبِيل الدعْوَة بِمَا يملك من النَّفس وَالْمَال وَالْولد، وَلم يضن عَلَيْهَا بِشَيْء تحْتَاج إِلَيْهِ، كَمَا كَانَ للجهد الْعَظِيم الَّذِي بذله الدعاة نتائج هائلة وثمرات جَيِّدَة، وَبِذَلِك أَصبَحت مدرسة الدعْوَة فِي تِلْكَ الآونة مدرسة فريدة فِي موضوعها، فريدة فِي منهاجها، فريدة فِي نتائجها.
стр. 2
خَصَائِص مدرسة الدعْوَة:
أول هَذِه الخصائص ربانية الْمنْهَج:
لقد كَانَ مَنْهَج هَذِه الْمدرسَة من صنع الله ﵎ جَاءَ بِهِ جِبْرِيل من عِنْده سُبْحَانَهُ وَحيا يُوحى؛ لهَذَا كَانَ منهجا متكاملا، لم يتْرك مِمَّا يصلح بِهِ البشرية فِي دينهَا ودنياها إِلَّا حث عَلَيْهِ وَأمر بِهِ.
стр. 3
وَكَانَ أول مَا اهتم بِهِ الْمنْهَج هُوَ تَصْحِيح العقيدة من الانحراف الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهَا، لِأَن الْغَايَة من خلق آدم وَذريته هُوَ تَحْقِيق معنى الْعُبُودِيَّة لله فِي الأَرْض، بِاتِّبَاع الْمنْهَج القويم الَّذِي جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاء والمرسلون، وَذَلِكَ بِعبَادة الله - تَعَالَى - وإخلاص الطَّاعَة لَهُ - سُبْحَانَهُ -.
وَكَانَ النَّاس فِي تِلْكَ الآونة من الزَّمَان قد نسوا الْبَعْث، بل أنكروه، كَمَا هُوَ حَالهم فِي فترات الزَّمَان المتباعدة، فَكَانَت الدعْوَة الإسلامية عَاملا مهما من عوامل إيقاظ هَذَا الْمَعْنى فِي النُّفُوس، وركزت عَلَيْهِ تركيزا بِحَيْثُ لم يعد هُنَاكَ مجَال للشَّكّ فِيهِ.
وَقد ثبَّت الْمنْهَج هَذِه العقيدة بأساليب مُخْتَلفَة، فَضرب الْأَمْثِلَة، وانتقل من الْمَعْقُول إِلَى المحسوس، ولفت أنظار النَّاس إِلَى قدرَة الله فِيمَا حَولهمْ وَفِيمَا يجْرِي بَينهم؛ حَتَّى تكون الوقائع الماثلة شاهدة على مَا يُخْبِرهُمْ بِهِ الله فِي كِتَابه على لِسَان نبيه.
وَحَيْثُ كَانَ الْمنْهَج ربانيا فَإِنَّهُ جَاءَ مناسبا لكل زمَان وَمَكَان، لَا يَعْتَرِيه نقص، وَلَا يطْرَأ عَلَيْهِ تَغْيِير، لِأَن صفة الربانية لهَذَا الْمنْهَج تكسبه معنى الصلاحية والثبات، وَكَونه منهجا لآخر رِسَالَة فِي هَذِه الْحَيَاة يكسبه معنى الخلود إِلَى آخر هَذِه الْحَيَاة، فلسنا إِذا فِي حَاجَة إِلَى تَغْيِير من فَتْرَة إِلَى فَتْرَة، وَلَا فِي حَاجَة إِلَى التَّعْدِيل فِيهِ من حِين إِلَى حِين.
وَأما ثَانِيَة الخصائص فَهِيَ جمعهَا بَين مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة:
قد يخْطر بالبال أَن ربانية الْمنْهَج فِي تِلْكَ الْمدرسَة يدل على أَنَّهَا تتَنَاوَل أُمُور الدّين فَقَط، وَلَا تلْتَفت إِلَى الدُّنْيَا فِي قَلِيل أَو كثير، وَالْوَاقِع خلاف ذَلِك؛ فَإِن تِلْكَ الْمدرسَة قد جمعت بَين مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فِي تناسق تَامّ وتوازن عَجِيب، فَلم تتْرك أحد الْجَانِبَيْنِ يطغى عل الآخر، وَلم تهمل شَيْئا مِنْهُمَا على حِسَاب الآخر، ذَلِك لِأَن الْإِسْلَام ينظر إِلَى الدُّنْيَا على أَنَّهَا هِيَ المزرعة الَّتِي يحصد مِنْهَا الْإِنْسَان زَاده للآخرة، بل هِيَ الجسر الَّذِي يعبر عَلَيْهِ ليصل إِلَى مقره الَّذِي يسْعَى جاهدا لبلوغه.
وَمن جَانب آخر فَإِن الْأَعْمَال الدُّنْيَوِيَّة كلهَا تتحول إِلَى أَعمال دينية إِذا حسنت فِيهَا النِّيَّة، فَأَنت تَأْكُل لتعيش فَقَط هَذَا عمل دُنْيَوِيّ صرف، وَأَنت تَأْكُل لتستعين على طَاعَة الله، وَتقوم بواجبك، بِهَذِهِ النِّيَّة يَنْقَلِب الْعَمَل الدنيوي إِلَى عمل ديني لَك أجره ومثوبته، وَأَنت تتَزَوَّج لتَكون رب أسرة وتنجب الْبَنِينَ وَالْبَنَات، وَأَنت نَفسك تتَزَوَّج لتعف نَفسك وتغض
стр. 4
بَصرك وَتحفظ فرجك، أما الزواج الأول فدنيوي صرف، وَأما الثَّانِي فديني صرف، وَكِلَاهُمَا زواج سَتَكُون فِيهِ رب أسرة، وَأَبا للبنين وَالْبَنَات.
وَهَكَذَا كل الْأَعْمَال تَسْتَطِيع أَن تحولها إِلَى أَعمال دينية مهما كَانَت درجتها الدُّنْيَوِيَّة، وَيكون لَك عَلَيْهَا من الْأجر وَالثَّوَاب مثل بَقِيَّة الْأَعْمَال العبادية أَو الدِّينِيَّة الصرفة.
وَبِذَلِك تكون مدرسة الدعْوَة الإسلامية قد مزجت مزجا تَاما بَين أَعمال الدُّنْيَا وَالدّين، ونهجت فِي سَبِيل تَوْحِيد الْأَعْمَال نهجا قويما عبر عَنهُ الْقُرْآن فَقَالَ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
ألم تَرَ أَن الْآيَة الْكَرِيمَة جمعت بَين ابْتِغَاء الْآخِرَة، وتذكير الْإِنْسَان بِنَصِيبِهِ من الدُّنْيَا حَتَّى لَا يكون فِي شغله بِطَلَب الْآخِرَة مَا ينسيه نصِيبه من الدُّنْيَا؟
وَنحن نلاحظ فِي الْآيَة أَيْضا أَنَّهَا أمرت بِالْإِحْسَانِ، وَهُوَ من أَعمال الْآخِرَة، وحذرت من الْفساد فِي الأَرْض وَهُوَ من أَعمال الدُّنْيَا.
إِن الْآيَة الْكَرِيمَة قد مزجت بَين الْعَمَل الدائب للآخرة بِكُل أَنْوَاعه، وَبَين الْعَمَل الدنيوي الَّذِي يعود على النَّاس بالنفع وَالْخَيْر، وَإنَّك مهما حاولت التَّأَمُّل فِي الْآيَة لن تشعر بفاصل بَين الْعَمَل للدنيا وَالْعَمَل للآخرة، وَمهما أرهفت حسك الأدبي فَلَنْ تدْرك - مهما بالغت - ثقلا أَو صعوبة فِي الِانْتِقَال من أَعمال الْآخِرَة إِلَى أَعمال الدُّنْيَا، لِأَن الْآيَة الْكَرِيمَة قد ساقتهما فِي نسق وَاحِد، وتأليف فريد.
إِنَّك بحسك الأدبي وذوقك الفني تدْرك أَن موسيقى الْأَلْفَاظ وَاحِدَة فِي الْآيَة من أَولهَا إِلَى آخرهَا، وتقسيم الفواصل لَا يخْتَلف فِيهَا، ونلاحظ أَن أَعمال الْآخِرَة وَردت فِي الْآيَة بِصِيغَة الْأَمر وأعمال الدُّنْيَا جَاءَت بِصِيغَة النَّهْي، وَلَعَلَّ ذَلِك لِكَثْرَة مَا يَقع النَّاس فِي الْمَحْظُورَات؛ فَجَاءَت صِيغَة النَّهْي للتحذير من الْوُقُوع فِي مخالب الدُّنْيَا ومفاتنها الَّتِي تشغل النَّاس عَن أَعمال الْآخِرَة؛ فَنَاسَبَ أَن تَأتي بِصِيغَة الْأَمر لأعمال الْآخِرَة ﴿وَابْتَغِ﴾ .. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ ، وناسب أَن تَأتي أَعمال الدُّنْيَا بِصِيغَة النَّهْي ﴿وَلا تَنْسَ﴾ .. ﴿وَلا تَبْغِ﴾ .
стр. 5
وَإنَّك لتلاحظ هَذَا المزج فِي كثير من آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم، وتلمسه وَاضحا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ ١.
فَإِن الْآيَة الْكَرِيمَة جمعت بَين الْعِبَادَة ورمزت لَهَا بِالصَّلَاةِ، وَبَين الْأَعْمَال العادية وأشارت إِلَيْهَا بالنسك وَهُوَ الذَّبِيحَة، ثمَّ أجلات فَجعلت حَيَاة الْمُؤمن ومماته لله، وَذكرت التَّوْحِيد بِنَفْي الشّرك.
وَهَكَذَا تتَنَاوَل الْآيَة أَعمال الدّين الْخَالِصَة، والأعمال الَّتِي هِيَ فِي الأَصْل عمل دُنْيَوِيّ حولهَا الْإِسْلَام إِلَى عبَادَة، ثمَّ ذكر التَّوْحِيد صَرَاحَة وَهُوَ العقيدة الَّتِي لَا يقبل من الْإِنْسَان سواهَا.
وَآيَة أُخْرَى يَقُول ﵎: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢، وَالْآيَة كَمَا ترى تجمع بَين الصَّلَاة الَّتِي هِيَ أهم أَرْكَان الْإِيمَان بعد الشَّهَادَتَيْنِ، وَبَين الذّبْح الَّذِي هُوَ أَمر لَا حرج على من لم يَفْعَله وَلَا إِثْم، وَالصَّلَاة فِي الْآيَة وَإِن كَانَ الْمَقْصُود بهَا صَلَاة الْعِيد إِلَّا أَنَّهَا من جنس الْفَرِيضَة الَّتِي فَرضهَا الله على الْمُؤمنِينَ، وَهِي فِي الأَصْل عمل ديني لَا يشوبه شَائِبَة من شوائب الدُّنْيَا.
والخصيصة الثَّالِثَة هِيَ تَسَاوِي النَّاس جَمِيعًا أَمَام نظمها: فَلَيْسَ هُنَاكَ عبيد وأحرار، وَلَا سادة وعوام، وَلَا نبلاء ودهماء، بل الْكل فِي ذَات الله سَوَاء، يجمعهُمْ الْإِيمَان بِاللَّه، ويفاضل بَينهم الْعَمَل الصَّالح، ويتنافسون فِي ميدان التَّقْوَى الرحب الفسيح.
وَكَانَ الرَّسُول ﷺ يَقُول لَهُم: "كلكُمْ بَنو آدم، وآدَم خلق من تُرَاب؛ لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أَو لَيَكُونن أَهْون على الله من الْجعلَان" ٣.
وَالله يَقُول فِي الْقُرْآن الْكَرِيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٤.
стр. 6
وَمَا دَامَ النَّاس كلهم أَوْلَاد آدم ﵇ فَكيف يفرق بَينهم فِي النّسَب؟ وَكَيف يفخر بَعضهم على بعض؟
وَمَا دَامَ النَّاس جَمِيعًا من أَب وَاحِد وَأم وَاحِدَة فَكيف يسوغ التخاصم والنزاع؟
إِن الأولى للنَّاس جَمِيعًا أَن يتعارفوا وَأَن يأتلفوا، وَأَن يَكُونُوا جَمِيعًا فِي منزلَة وَاحِدَة أَمَام قوانين النظام الَّذِي ردهم على أصلهم، ونهاهم أَن يفتخروا بآبائهم.
النَّاس من جِهَة التَّمْثِيل أكفاء ... أبوهم آدم وَالأُم حَوَّاء
فَإِن يكن لَهُم فِي أصلهم شرف ... يفاخرون بِهِ فالطين وَالْمَاء
قَالَ الشَّاعِر:
وَمن أجل تَحْقِيق تِلْكَ الْمُسَاوَاة كَانَت التَّكْلِيف عَامَّة لم يُكَلف بهَا جنس دون جنس، وَكَانَت الْوَاجِبَات عل الْجَمِيع سَوَاء بِسَوَاء لم يعف مِنْهَا أحد مهما كَانَ.
كَذَلِك كَانَت الْمَحْظُورَات مَحْظُورَات على كل الْمُسلمين لم يسْتَثْن مِنْهَا أحد مهما كَانَ شريفا، والمنهيات مُحرمَة على الْجَمِيع لم يعف مها مُسلم قطّ.
وَهَكَذَا كَانَت الْمُسَاوَاة فِي الْحُقُوق والواجبات من خَصَائِص تِلْكَ الْمدرسَة ومميزاتها.
وباجتماع تِلْكَ الخصائص فِي مدرسة الدعْوَة تفوقت الدعْوَة على كل مَا عَداهَا، وأصبحت مدرستها فريدة فِي نهجها، فذة فِي تربيتها، وحيدة فِي تفوق نتائجها.
وَلَقَد أَصبَحت هَذِه الخصائص شعارات لتِلْك الْمدرسَة عرفت بهَا، وغرستها فِي قُلُوب طلابها، فآمنوا بهَا إِيمَانًا أصبح وَاقعا عمليا فِي حياتهم، وَكَانُوا النماذج الْحَيَّة الَّتِي يَرَاهَا النَّاس لتِلْك الدعْوَة بسلوكهم قبل كَلَامهم، وبواقعهم قبل دعايتهم.
وانتظم الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم – فِي تِلْكَ الْمدرسَة، وحرصوا على أَن يتلقوا فِيهَا علومهم، حَتَّى كَانَ الرّجلَانِ المشتركان فِي تِجَارَة أَو نَحْوهَا يتناوبان مجَالِس الْعلم، ويخبر
стр. 7
الْحَاضِر مِنْهُم الْغَائِب بِمَا سَمعه من الْعُلُوم فِي نوبَته فيتعلمه مِنْهُ١.
واستطاع هَؤُلَاءِ الْأَصْحَاب أَن يتحملوا الْأَمَانَة، وَأَن يبلغوها كَمَا حملوها، وَكَانَ ﷺ يحثهم عل التَّبْلِيغ ويرغبهم فِيهِ وَيُعلمهُم أَن الْمبلغ قد يكون أوعى من السَّامع، وَأَن حَامِل الْفِقْه قد يكون غير فَقِيه، ويخلص من هَذَا إِلَى وجوب التَّبْلِيغ على الْمُسلمين فَيَقُول ﷺ : "بلغُوا عني وَلَو آيَة" ٢٣.
كَمَا كَانَ ﷺ يبين للْمُسلمين الْأَسْبَاب الداعية إِلَى التَّبْلِيغ الْمُوجبَة للْقِيَام بِهِ فَيَقُول: "نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فحفظه حَتَّى يبلغهُ غَيره، فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ، وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه"١.
وَهَكَذَا يُوضح الرَّسُول ﷺ منزلَة تَبْلِيغ الدعْوَة ونقلها إِلَى من لم يسْمعهَا، لِأَن الدعْوَة قد تصل عَن طَرِيق الْبَلَاغ إِلَى من يقدرها قدرهَا وَيدْرك مِنْهَا مَا لم يُدْرِكهُ غَيره وَلَو كَانَ سَمعهَا من فَم الدَّاعِي إِلَيْهَا، وَقد يكون حماس الْمبلغ للدعوة ودأبه على نشرها وحرصه على الْقيام بِحَقِّهَا أعظم مِمَّن سَمعهَا، وَذَلِكَ لِأَن فقهه لأهدافها، وإدراكه لمراميها يشعره بِعظم حَقّهَا عَلَيْهِ، فيبذل من وقته ليبلغها وَمن مَاله لنشرها، وَمن فقهه ليرغب فِيهِ.
وَلَيْسَ أدعى للتضحية فِي سَبِيل المبدأ من فقهه وَالْإِيمَان بِهِ، وَلَيْسَ أقوى للنَّفس وأجرأ للقلب فِي سَبِيل نشر الفكرة من عقيدة تسيطر على صَاحبهَا فتحوله إِلَى حَرَكَة لَا تهدأ، وَعمل لَا يفتر حَتَّى يصل إِلَى غَايَته.
وَلنْ يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا لرجل فهم دَعوته وَأدْركَ عظمتها؛ فَدفعهُ ذَلِك إِلَى الْعَمَل الدائب من أجل تبليغها وإيجاد الْقُلُوب الَّتِي تحملهَا وتضحي فِي سَبِيلهَا.
وَلِهَذَا كَانَ حرص رَسُول الله ﷺ – على تَبْلِيغ الدعْوَة إِلَى من لم تبلغه، وَحملهَا إِلَى كل مَكَان لَعَلَّهَا تصادف من يعيها، وَيفهم حَقِيقَتهَا، وَيدْرك عظمتها، فيهب لحملها ويتولى الدفاع عَنْهَا حَتَّى ينصرها الله .
стр. 8
الصَّحَابَة فِي ميدان الدعْوَة:
شحن الصَّحَابَة ﵃ تِلْكَ الشّحْنَة الإيمانية العميقة، وخالطت بشاشة الْإِيمَان سويداء قُلُوبهم، وَعَلمُوا أَن من حَقّهَا عَلَيْهِم تبليغها لكل من يلقونه، وَحملهَا إِلَى كل مَكَان يذهبون إِلَيْهِ.
لم يغب عَن الصَّحَابَة أَن الطَّرِيق لن يَخْلُو من عقبات، وَأَن تَبْلِيغ الدعْوَة سيحملهم الْكثير من المشقات، وَأَنَّهُمْ سيواجهون أَصْحَاب عقائد فَاسِدَة يذعنون لَهَا ويدافعون عَنْهَا، وَلم يثنهم ذَلِك عَن حمل العبء الثقيل مضحين بِأَنْفسِهِم وَأَمْوَالهمْ، وَجَهْدهمْ وأوقاتهم.
خرج أَبُو بكر ﵁ بعد أَن التقى برَسُول الله ﷺ وتلقى عَنهُ أصُول الدعْوَة، فبشر بهَا ودعا إِلَيْهَا كل من يَثِق فِيهِ، وعرضها على أصدقائه فِي أسلوب أخاذ، فَاسْتَجَاب لَهُ جمَاعَة من وجهاء مَكَّة، وآمن على يَدَيْهِ كبار الصَّحَابَة: عُثْمَان بن عَفَّان، الزبير بن الْعَوام، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد بن أبي وَقاص، وَطَلْحَة بن عبيد الله.
وَلم يكد هَؤُلَاءِ الأفاضل يعلنون إسْلَامهمْ، ويذعنون للحق الَّذِي دعاهم إِلَيْهِ أَبُو بكر حَتَّى ذهب بهم إِلَى رَسُول الله فأسلموا١.
وَيجْلس أَصْحَاب رَسُول الله يَوْمًا فيتذاكرون قُريْشًا وموقفها من الْإِسْلَام، ويتمنون لَو أَن أحدا يسمعهم الْقُرْآن مَا قد يكون سَببا فِي هدايتهم أَو يغيظهم ويقلقهم، فَيَقُولُونَ: من رجل يسمعهم الْقُرْآن؟ ويتطوع عبد الله ابْن مَسْعُود ﵁ – وَيخَاف عَلَيْهِ أَن يُؤْذِيه الْقَوْم، وَلَيْسَ لَهُ عشيرة تَمنعهُ إِن أرادوه بِسوء.
قَالَ ابْن مَسْعُود: دَعونِي! فَإِن الله سيمنعني.
وَغدا الداعية إِلَى حَيْثُ يجْتَمع الْقَوْم فِي أَنْدِيَتهمْ حول الْكَعْبَة وَقَامَ عِنْد الْمقَام، وَأخذ يَتْلُو سُورَة الرَّحْمَن.
стр. 9
وأنصت أَعدَاء الله إِلَى مَا يردد ابْن مَسْعُود، وتساءلوا فِي دهشة مَاذَا قَالَ ابْن أم عبد؟
وَأجَاب بَعضهم: إِنَّه يَتْلُو بعض مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد، فانهالوا عَلَيْهَا ضربا فِي وَجهه، وَهُوَ يَتْلُو غير مبال بِمَا يَفْعَلُونَ بِهِ، حَتَّى بلغ مِنْهَا مَا شَاءَ الله أَن يبلغ.
وَانْصَرف الداعية الجريء إِلَى أَصْحَابه، وَقد أثر الضَّرْب فِي وَجهه، فرق لَهُ الْمُسلمُونَ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي خشينا عَلَيْك، فَقَالَ: مَا كَانَ أَعدَاء الله أَهْون عَليّ مِنْهُم الْآن، وَلَئِن شِئْتُم لأغادينهم بِمِثْلِهَا غَدا، قَالُوا: حَسبك قد أسمعتم مَا يكْرهُونَ٢.
ويتوالى الدعاة، وتختلف أساليب التَّبْلِيغ، فَتَارَة تكون بنشر الدعْوَة بِالْكَلِمَةِ وَالتَّفْصِيل، وَتارَة تكون بالتمسك بهَا والإصرار عَلَيْهَا، وَتارَة تكون بِالصبرِ على الْأَذَى فِي سَبِيلهَا، وَتحمل المشقات من أجلهَا.
والأسلوب الْأَخير وَإِن كلف الدعاة كثيرا من الدِّمَاء، وَكَثِيرًا من الْجهد، وَكَثِيرًا من العناء إِلَّا أَنه أثبت أَن للدعوة رجَالًا قد آمنُوا بهَا إِيمَانًا ملك عَلَيْهِم حواسهم ومشاعرهم، وتغلغل فِي قُلُوبهم تغلغلا أنساهم آلامهم، وَمَا يلقون فِي سَبِيلهَا من المتاعب والصعاب.
وَكَثِيرًا مَا يكون الصَّبْر والثبات أبلغ فِي التَّأْثِير من الْكَلِمَة مهما كَانَت بليغة مقنعة، وَكَثِيرًا مَا يذل الصَّبْر والثبات كبرياء الجبارين؛ فيستسلمون أَمَام هَذَا الصمود صاغرين.
لقد أذلّ بِلَال العَبْد الضَّعِيف كبرياء أُميَّة بن خلف، وأرغمه بصبره وثباته على الْحق على أَن يطْلب من أبي بكر شِرَاءَهُ ليخلصه مِنْهُ.
يَقُول ابْن هِشَام: إِن أَبَا بكر مرّ بأمية بن خلف وَهُوَ يعذب بِلَالًا؛ فَقَالَ لَهُ: أَلا تتقي الله فِي هَذَا الْمِسْكِين؟ حَتَّى مَتى؟ ٣.
وَكَأن ابْن خلف كَانَ ينْتَظر أَن يَقُول أَبُو بكر ذَلِك، وَكَأَنَّهُ قد نفد صبره، ووهنت عزيمته، وَلم يعد لَهُ قدرَة على التعذيب، لقد صَبر بِلَال صبرا أتعب ابْن خلف
стр. 10
وافقده لأمل فِي أَن يستجيب بِلَال لما يعرضه عَلَيْهِ من العودة إِلَى الْكفْر، فاستسلم، وَقد صادفت كلمة الصّديق هوى فِي نَفسه لم يكن ليفصح عَنهُ مَخَافَة أَن يرْمى بالضعف - وَهُوَ السَّيِّد المطاع - أَمَام صَبر هَذَا العَبْد الضَّعِيف، وَلِهَذَا لم يكد الصّديق يلقِي عَلَيْهِ كَلمته حَتَّى قَالَ: أَنْت الَّذِي أفسدته، فأنقذه مِمَّا ترى١.
وإننا لنفهم من كلمة أُميَّة بن خلف أَمريْن هامين جديرين بِالتَّأَمُّلِ:
أما الأول: فَهُوَ أَن الصّديق- ﵁ كَانَ لَا يكف عَن تَبْلِيغ الدعْوَة ونشرها فِي كل الأوساط، السَّادة وَالْعَبِيد، والأغنياء والفقراء؛ وَلِهَذَا يرميه ابْن خلف بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أفسد بِلَالًا.
وَأما الثَّانِي: فَهُوَ إفلاس ابْن خلف أَمَام صَبر بِلَال، وعجزه عَن الِاسْتِمْرَار فِي التعذيب، ورغبته فِي التَّخَلُّص من هَذَا المأزق الَّذِي انحدر إِلَيْهِ، وَلم يعد قَادِرًا على التَّخَلُّص مِنْهُ، نلمس ذَلِك فِي قَوْله لأبي بكر: فأنقذه مِمَّا ترى.
إِن ابْن خلف لَو بَقِي لَدَيْهِ شَيْء من الأمل فِي عودة بِلَال إِلَى الْكفْر لما ضحى بِهِ، ولظل يعذبه حَتَّى يُحَقّق ذَلِك الأمل، لِأَنَّهُ يعلم تَمام الْعلم أَن انْتِقَال بِلَال إِلَى بَيت أبي بكر يضمن لَهُ الْحَيَاة الهادئة فِي ظلّ العقيدة الَّتِي يحاربها، ويعذبه من أجل تَركهَا والعدول عَنْهَا.
وَهَكَذَا يكون بِلَال ﵁ قد أذلّ كبرياء ابْن خلف بصبره، وأرغمه على الاستسلام لما يُرِيد بثباته.
ولندع هَذَا المشهد المثير لنقف أَمَام مشْهد أَكثر إثارة وأعجب مِنْهُ دهشة، إِنَّه مشْهد امْرَأَة ضَعِيفَة تقهر كبرياء رجل قَاس عنيد، أما الْمَرْأَة فَهِيَ جَارِيَة بني مُؤَمل، وَأما الرجل فَهُوَ عمر بن الْخطاب.
لقد ظلّ عمر يعذب تِلْكَ الْجَارِيَة المسكينة ليصرفها عَن دينهَا ويردها إِلَى الشّرك والوثنية، وَلَكِن الْجَارِيَة أَبَت العودة إِلَى الْكفْر وأصرت على الْإِيمَان بِاللَّه وَحده، وَيسْتَمر عمر فِي تَعْذِيب الْمَرْأَة وتزداد ثباتا وتمسكا.
стр. 11
وَهَا نَحن نرى عمر يكل ويتعب، وَلَكِن صَبر امْرَأَة وثباتها لم يضعفا وَلم يهنا.
والمشهد يصور لنا ابْن الْخطاب وَهُوَ لَا يزَال على الشّرك جَالِسا ليستريح مِمَّا أَصَابَهُ من التَّعَب والإرهاق، يلتقط أنفاسه التقاطا كَأَنَّهُ عَائِد من معركة مَعَ خصم ذِي بَأْس شَدِيد.
وَفِي الْجَانِب الآخر نشاهد الْجَارِيَة وَقد لاذت بإيمانها، واعتصمت بعقيدتها واقفة كالطود لم ينل مِنْهَا الْأَذَى إِلَّا كَمَا ينَال من الصَّخْرَة حِين يقرعها الوعل بقرنه.
وَيعْتَذر عمر بن الْخطاب لجارية آسفا لعدم قدرته على التعذيب أَكثر من ذَلِك؛ فَيَقُول: إِنِّي أعْتَذر إِلَيْك، إِنِّي لم أتركك إِلَّا ملالة١.
وَترد عَلَيْهِ الْجَارِيَة فِي استعلاء الْمُؤمن بإيمانه: واعتزازه بعقيدته فَتَقول: كَذَلِك فعل الله بك٢.
لَا شكّ أَنه مشْهد يثير الْعجب، وَيبْعَث على الدهشة؛ عمر بن الْخطاب يضعف أَمَام امْرَأَة!، المعذب يُصِيبهُ الْملَل والتعب، والمعذبة لَا تسترحمه وَلَا تستعطفه!، المعذب يعْتَذر لعدم قدرته على التعذيب أَكثر من ذَلِك، والمعذبة مستعدة لتحمل أَكثر من ذَلِك فِي سَبِيل عقيدتها وَمن أجل إيمَانهَا!.
ويستسلم عمر ابْن لخطاب الْقوي الْجَبَّار أَمَام صمود الْجَارِيَة الضعيفة.
وَالْحق أَن الْمَسْأَلَة لَيست مَسْأَلَة عمر وَالْجَارِيَة، وَلَا هِيَ مَسْأَلَة قُوَّة وَضعف، وَلكنهَا فِي حَقِيقَتهَا مَسْأَلَة الْإِيمَان وَالْكفْر، وقصة الْإِيمَان وَالْكفْر بعيدَة الأغوار فِي أعماق التَّارِيخ، لَا يَخْلُو مِنْهَا جيل من الأجيال مُنْذُ خلق الله الْإِنْسَان.
نرى صور تِلْكَ الْقِصَّة، تَتَكَرَّر متماثلة مَعَ اخْتِلَاف الزَّمَان والأجيال يبدؤها ولدا آدم ﵇ وتتكرر مَعَ نوح وَقَومه، ثمَّ مَعَ إِبْرَاهِيم والنمرود، وتتضح معالمها فِي قصَّة مُوسَى مَعَ فِرْعَوْن؛ حَيْثُ يتحدّى السَّحَرَة الْعَزْل فِرْعَوْن، ويصرون على إِيمَانهم بعد أَن هدَاهُم الله إِلَيْهِ، وذاقوا لذته، يهددهم فِرْعَوْن بِعَذَاب تقشعر مِنْهُ الْأَبدَان؛ ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ ٣.
ويظن فِرْعَوْن أَنهم سينزعجون من هَذَا التهديد، وَأَنَّهُمْ سيخرون بَين يَدَيْهِ ساجدين خوفًا من الْعَذَاب، وَنسي أَن الْإِيمَان قد اسْتَقر فِي قُلُوبهم فَأَصْبحُوا بفضله قَادِرين على الصمود