المدخلُ
إلى علمِ السُّنَنِ
للإمام أبي بكرٍ أحمدَ بن الحُسَين البيهقيّ
(٣٨٤ هـ - ٤٥٨ هـ).
رحمه الله تعالى
النَّصُّ الكامل
اعتنى به وخرَّجَ نقُولَه
محمّد عوّامة
المجلد الأوَّل
دارُ اليُسر
دار المنهاج
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
المدخلُ
إلى علمِ السُنَنِ
(١)
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين الموفق لكل خير، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين الداعي إلى كل خير، وعلى آله وأصحابه وأتباعه منارات كل خير، وعلينا معهم بفضل منك وكرم يا أكرم الأكرمين.
وبعد: فهذا هو كتاب "المدخل إلى علم السنن" للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي (٣٨٤ - ٤٥٨) رحمه الله تعالى، أحد أعلام السنة النبوية في الشرق الأقصى، كما كان الإمام أبو بكر أحمد ابن علي الخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣) رحمه الله تعالى في الشرق الأوسط، وكما كان الإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمَري القرطبي في الأندلس (٣٦٨ - ٤٦٣) رحمه الله تعالى.
ولكل واحد من هؤلاء الثلاثة، ومن سواهم من علماء الأمة الإسلامية، جهود مشكورة في خدمة العلم والدين، تغمدهم الله برحماته، فمنهم من توجّه لخدمة الدين من علم واحد، ومنهم من توجّه لخدمة الدين من علم واحد بفنونه وأبوابه، ومنهم من توجّه إلى علوم وفنون متعدّدة، وكان الإمام البيهقي واحدًا من رجال هذا الصنف الثالث، فقد كتب في الحديث الشريف رواية: الأربعون حديثًا الكبرى، والصغرى، وفي الحديث الشريف (أحاديث الأحكام): السنن الكبرى،
стр. 5
والوسطى (معرفة السنن والآثار)، والصغرى، وصنف في أبواب من الآداب والأخلاق: الزهد الكبير، والصغير، والدعوات الكبير، والصغير، وصنف في أبواب من العقيدة: الأسماء والصفات - وهو أهمها -، والاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، وهو أجمعها، على صغر حجمه، والقدر، وإثبات الرؤية، وإثبات عذاب القبر، وألف في المناقب والفضائل، أولها وأجلها: دلائل النبوة، وفضائل الصحابة، ومناقب الشافعي، ومناقب أحمد، وغيرها وغيرها.
* * *
أما كتابه "المدخل": فهذه كلمات عنه، وعن الأصلين المعتمدين في إخراجه، ثم كلمات أخرى عن طريقة إخراجه.
أما عن كتاب "المدخل ": فينبغي الوقوف عند اسمه العَلَمي الدقيق، وأول ما يجب الاعتماد عليه: اعتماد تسمية المؤلف لكتابه في المقدمة - إن كان-، ومن وجه النسخة الخطية، وإلا فمما يكتب على وجه النسخ الخطية الأصلية، وعندي نسختان منه، الأولى تامة، والثانية قطعة منه تعدل ثلثه الأخير.
أما الأصل الأول: فقد أفادنا تسمية الكتاب من الطرفين، من كلام الإمام المصنف في المقدمة، ومن وجه النسخة الخطية.
فقد قال المصنف ﵀ بعد مقدمة طويلة في اللوحة العاشرة: "سميته: كتاب المدخل إلى علم السنن"، وجاء هذا على وجه النسخة: "الجزء الأول من كتاب المدخل إلى علم السنن، للبيهقي، إلى ثمانية أجزاء، كلها موجودة في هذا الكتاب، وبها يتم الكتاب إلى آخره". وتكرر
стр. 6
هذا القول أول كل جزء: "الجزء الثاني من كتاب المدخل إلى علم السنن"، "الجزء الثالث .. "، وهكذا.
أما الأصل الثاني: فهو قطعة منه، تعدل ثلثه الأخير، وليس في أولها تسمية الكتاب، إنما جاء في خاتمتها تسميته: "آخر كتاب المدخل إلى كتاب السنن للإمام أبي بكر البيهقي ﵁ وأرضاه".
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في مقدمة كتابه "اختصار علوم الحديث" لابن الصلاح: "اختصرت ما بَسَطه، ونظمت ما فَرَطه .. ، وأُضيفُ إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي المسمَّى بـ "المدخل إلى كتاب السنن"، وقد اختصرته أيضًا" (١).
فهذا تأييد للاسم الذي جاء آخر الأصل الثاني، وتأييد آخر له: قال الإمام البيهقي نفسه في أوائل كتابه "معرفة السنن والآثار" ١: ٢١٥، وهو يتحدث عن كتابه المشتهر باسم "السنن الكبرى"، وسماه هو هناك: "سنن المصطفى ﷺ "، فقال: "وجعلت له مدخلًا في اثني عشر جزءًا"، فهو - إذًا -: المدخل إلى كتاب السنن الكبرى، أو: المدخل إلى كتاب سنن المصطفى ﷺ ، وأشار إليه في مواطن أخرى في هذا الكتاب وغيره، وكان يذكره باسم "المدخل" فقط.
وواقع الكتاب - كما سيأتي إن شاء الله - لا يخالف أن يقال عنه: المدخل إلى علم السنن، أو: إلى كتاب السنن، أو: إلى كتاب السنن
стр. 7
الكبرى، لكن من المعلوم بداهة في فن تحقيق التراث التزام ما بين يدي محقق الكتاب من تسمية أو تسميات للكتاب مثبتةٍ على الأصل أو الأصول الخطية، ولا يحسن بحالٍ تجاوزها، مهما كانت مسوغات ذلك.
فالكتاب: كتاب المدخل إلى علم السنن، كما جاء أول الأصل الأصيل له، وبيْن صاحبِ النسخة ومالكها، وبين مؤلفه واسطة واحدة، فمالك النسخة هو الإمام أبو القاسم ابن عساكر، يرويه عن أبي المعالي الفارسي، عن مؤلفه الإمام البيهقي، وتكرر هذا الاسم ثماني مرات، أول كل جزء، كما قدمته قبل قليل، وكذلك سُمي مرة تاسعة وعاشرة في أحد سماعات الجزء الثاني، والثامن.
والمراد بكلمة (المدخل): أن دراسة هذا الكتاب - أيِّ مدخلٍ كان - ضرورية لأنها تمهيد وتأصيل للعلوم التي يتضمنها ذلك الكتاب، وإن شئتَ قلتَ: إعطاء فكرة عامة عن الكتاب وعن مصطلحاته، ودراسة لموضوعاته.
فـ "المدخل" الذي كتبه الإمام البيهقي لكتابه "دلائل النبوة": موضوعه: دراسة موجزة للكتاب ومنهجه فيه، و"المدخل" الذي كتبه شيخه الحاكم لكتابه "الإكليل": هذا موضوعه: دراسة موجزة، وبيان لمصطلحاته فيه. وهكذا وهكذا.
وكذلك "المدخل إلى علم السنن": فيه دراسة ومعارف لمن أراد الدخول على علم السنة النبوية والحديث الشريف، فهو بهذا يتفق مع كتاب "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي، أي: من أراد الدخول على دراسة وقراءة كتب السنة النبوية فعليه أن يقرأ هذا الكتاب، ليتعرف
стр. 8
على مناهج ومصطلحات علماء الرواية، ففيه "الكفاية" لطالب ذلك العلم.
و"المدخل" بهذا المعنى والدراسة يشابه كثيرًا ما صار يسمى عند علمائنا المتأخرين بـ "الختم"، وذلك حين يفرغ الشيخ من قراءة كتاب يعمل "ختمًا" لقراءته، ويدوِّن ذلك في كتاب، فيعرف- مثلًا- بـ "ختم صحيح البخاري"، وغيره، وقد يكون كتابًا من غير كتب السنة، مثل "ختم كتاب الشفا"، وهكذا، ويكون في هذا الختم دراسة عن الكتاب، لكن الفرق الجوهري بين (المدخل) و (الختم): أن المدخل دراسة بقلم مؤلف الكتاب الأصل، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا كتبه البيهقي مدخلًا إلى كتاب آخر له، هو "السنن الكبرى"، أما ختم كتاب "صحيح" البخاري: فهو بقلم عالم قرأه أو قرئ على غير الإمام البخاري.
وفرق آخر: أن مما يكتبه كاتب (الختم) ثناء الأئمة على الكتاب ومزاياه، أما كاتب (المدخل) فلا يكتب ثناء على كتابه. والله أعلم.
وهذا "المدخل" هو مدخل إلى علم السنن، لكن كان الإمام البيهقي يلاحظ ملحظًا آخر زائدًا على ملحظ الخطيب، هو صلة كتابه هذا بكتابه الآخر "سنن المصطفى ﷺ "، وفيه أدلة الأحكام الشرعية، أو بمصطلحنا المعاصر: أحاديث الأحكام، وفيه (الفقه المقارن) خاصة مع الحنفية، فلا بدّ للقارئ فيه، أو: لا بد لقارئه من دراسةٍ ومدخلٍ على علم أصول الفقه، فجمع الإمام البيهقي بين الأبواب الضرورية لقارئ كتب الرواية عامة، وأحاديث الأحكام خاصة، مع الفقه المقارن، جمع بينهما في هذا (المدخل)، فجاء مدخلًا إلى علم أصول الحديث، وعلم أصول الفقه.
стр. 9
وبما أنه كان يلاحظ صلة كتابه هذا بكتابه "السنن"، وهو كتاب جامع لأدلة مذهبه الشافعي، فإنه - لا ريب - كتاب في (المصطلح الشافعي) و (الأصول الشافعي)، وقد صرح بهذا المعنى في كلام له يطول نقله هنا، فينظر في كتابه "مناقب الشافعي" ١: ٦٩، ٧٠.
وبهذ الاعتبار كان هذا (المدخل) حجر أساسٍ في كتب المصطلح الشافعي لمن جاء بعده، إلى جانب كتاب شيخه أبي عبد الله الحاكم: "معرفة علوم الحديث"، وكتاب عصريه الخطيب "الكفاية"، لكن لهذين الكتابين الآخرين ذكرٌ أكثرٌ في كتب علوم الحديث، بسبب تناولهما أنواعًا وأبوابًا من علوم الحديث، أكثرَ من تناول البيهقي لها في هذا الكتاب.
* * *
ويمكن جعل أبواب هذا (المدخل) ثلاث زمر: اصطلاحية حديثية، وأصولية فقهية، وآداب العالم والمتعلم .
وأول ذلك: حجية السنة، وتثبيت خبر الواحد، وأكّد على صحة رواية أربعة من الصحابة ﵃ جميعًا: ابن عمر، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومعاوية بن أبي سفيان، للبدعة التي كانت قائمة ظاهرة في بلده بيهق، ودخل بعد ذلك على أبواب خاصة في علوم الحديث: من يقبل خبره ومن يردّ، والرواية بالمعنى وبعض فروعها، والتدليس، والكذب، والتمييز بين الصحيح والسقيم، والمراسيل، ومن حدث ونسي، واستوعبت منه هذه المباحث ثلاث مئة صفحة، من صفحة ٧٥ إلى صفحة ٤٠٦.
ثم دخل على المباحث الأصولية: فتكلم عن الإجماع، والاجتهاد،
стр. 10
والقياس، والعام والخاص، والأمر والنهي، ومفهوم المخالفة، والناسخ والمنسوخ، ومختلِف الحديث، وإبطال الاستحسان، والتقليد، واستوعبت هذه المباحث منه من صفحة ٤٠٧، إلى صفحة ٦٦٩.
ثم تناول الزمرة الثالثة: فضل العلم والعلماء، وآداب العالم والطالب، وعرض فيها لمسألة: كراهية كتابة العلم، ثم الرخصة فيه، وأخذ منه هذا الفصل الثالث من صفحة ٦٧٠ إلى صفحة ٨٨٦.
فهذه جملة مباحث الكتاب.
وهو بهذا الإجمال لأبوابه يشبه كثيرًا ثلاثة كتب معاصرة له: "جامع بيان العلم" لابن عبد البر، و"آداب الفقيه والمتفقه" و"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" كلاهما للخطيب البغدادي.
* * *
أما موارده فيه: فأهمها وجلُّها في الزمرة الأولى والثانية هي كتب الإمام الشافعي: "الرسالة"، و"الأم"، و"المسند"، و"اختلاف الحديث"، و"أحكام القرآن".
ومنها الكتب في مناقب الإمام الشافعي: لشيخه الحاكم، والآبري، وابن أبي حاتم.
ومنها كتب الرواية: "المستدرك"، و"سنن" أبي داود، اعتمدها كثيرًا، فهو يروي الحديث من طريقها، وكثيرًا ما يعزوه بعده إلى الصحيحين أو أحدهما، وكثيرًا ما يروي الحديث من طريق الطيالسي، أو الحميدي، وغيرهما.
стр. 11
ومن كتب التاريخ: اعتمد كثيرًا على "المعرفة والتاريخ" ليعقوب بن سفيان، وجاء عنده نقول عنه ليست في القسم المطبوع الأصلي منه، ولا في الزوائد الكثيرة التي استدركها محققه الفاضل الأستاذ الدكتور أكرم العمري حفظه الله وجزاه خيرًا.
وهذه أرقامها لتستفاد: (١٤٧، ٤١٧، ٤١٨، ٤٤٧، ٥٩١، ٧١٩، ١٢١١، ١٤٨٢، ١٦٢٨، ١٧١٨).
ووقفت عَرَضًا على خبر آخر في "الكفاية" ص ٣٧٧ تحت: باب القول في الرجل يروي الحديث يتقن سماعه إلا أنه لا يدري ممن سمعه.
وفي "شعب الإيمان" (١٠٧٣) روى البيهقي حديثًا من طريق يعقوب، ونقل عنه إعلاله إياه برواية يوسف بن السَّفْر.
* * * * *
стр. 12
الأصل الخطيّ للكتاب ، ومنهج إخراجه
اعتمدت في إخراج الكتاب على مخطوطتين، إحداهما تامة، وثانيتهما قطعة من آخره تعدل ثلثه الأخير، وكلتاهما أصل أصيل، معتمد بذاته، مقروء موثَّق، ويتفقان في أمر آخر، وهو أن أصل كلّ منهما نيسابوريّ البلد، ثم انتقل إلى دمشق، وتداولهما أئمة الحديث في دمشق: ابن عساكر وأسرته، وابن الصلاح ومدرسته.
أما الأصل الأول الخطي التام فهو: أصل وحيد- والله أعلم-، ومقرُّه في مكتبة آل البساطي بالمدينة المنورة.
وقد كنت قبل نحو سنتين سَعِدت بزيارة الأخوين الكريمين الشقيقين الأستاذ بكر البساطي، والأستاذ عمر البساطي حفظهما الله، وجزاهما خيرًا، قاصدًا زيارة مكتبتهم العامرة، وكنت أسمع بها وباحتفاظها بأصول خطية لكتب نادرة، ورأيت فيها كما كنت أسمع، ومما لفت نظري "المدخل" للإمام البيهقي، ومكتوب عليه ما يفيد أن النسخة كاملة، فرأيت أني حظيت بدرَّة نفيسة، فرجوتهما أكرمهما الله تصوير نسخة منه، فكان ذلك والحمد لله.
لكن عاقني عن المبادرة إلى إخراجه ثِقَل عملي بخدمة "تدريب الراوي" للإمام السيوطي ﵀، ولما قاربت الفراغ منه، رأيت الوقت مناسبًا للتوجه إلى إخراجه، وأسأل الله العون والتوفيق.
وهذه النسخة أصل أصيل عريق، تامّ مؤلَّف من ثمانية أجزاء حديثية،
стр. 13
كل جزء ٤٠ صفحة، عدد لوحاته ١٥٩ لوحة، وصفحة واحدة ١٦٠/ أ، وبلدها الأول: نيسابور، بلدة أبي المعالي الفارسي، ثم انتقلت إلى دمشق حرسها الله وحفظها من هذه الفتنة العمياء، وسائرَ بلاد الإسلام، نقلها الإمام ابن عساكر، فقرئت في المسجد الأموي، وفي المدرسة الظاهرية، والرواحية، وغيرهما من دور العلم والحديث.
كتب على الصفحة اليمنى من اللوحة الأولى فهرس أبوابه بخط قديم سريع غير منقوط، ثم كتب على الصفحة اليسرى:
"الجزء الأول من كتاب المدخل إلى علم السنن، تصنيف الشيخ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ﵀، مما أخبرنا به الشيخ أبو المعالي محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين الفارسي، عنه، سماع علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، نفعه الله بالعلم منه".
وتحته بخط مغاير: "وهو بخط ولده الحافظ بهاء الدين أبي محمد القاسم ابن أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر"، وعمدة هذه الإفادة ما جاء في آخر الكتاب: "تم الكتاب بحمد الله ومنّه، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وأصحابه أجمعين، ووقع الفراغ منه في العشرين من رجب سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وكَتَب: القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي".
وكان والده الإمام ابن عساكر يكتب بقلمه آخر كل جزء سماعه له بقراءة الإمام السمعاني، على أبي المعالي الفارسي، على مؤلفه البيهقي.
ومما يحسن ذكره: أن الإمام ابن عساكر رحل إلى نيسابور مرتين، كما قاله في ترجمة شيخه أبي عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفَراوي، من
стр. 14
كتابه "تبيين كذب المفتري" ص ٣٢٤ - ٣٢٥، وقال: "صحبته سنة كاملة، وغنمت من مسموعاته فوائد حسنة طائلة"، ومما تحمّله منه كتابا البيهقي: "الدعوات الكبير"، و"القضاء والقدر".
وغير هذا وذاك، التراث العظيم للإمام البيهقي: "سننه الكبرى"، و"معرفة السنن والآثار"، فقد تحمَّلَهما الإمام ابن عساكر ورجع بهما إلى دمشق، تحمّل "السنن الكبرى" عن زاهر بن طاهر الشحامي (٤٤٦ - ٥٣٣)، كما هو ظاهر فيما أُثْبتَ في ١٠: ٣٥١ من "السنن" من كلام ابن الصلاح، وتحمل "المعرفة" عن أبي محمد عبد الجبار بن محمد الخُوَاري البيهقي (٤٤٥ - ٥٣٦)، كما هو في مقدمة النسخة المطبوعة منه.
ومما يُنَوَّه به: أن هذا الكتاب تسلسل سماعه في هذه الأسرة الكريمة، فأولهم الإمام أبو القاسم، ثم ابنه أبو محمد القاسم، ثم ابنه علي (الثاني)، ئم ابنه (النجيب أبو محمد القاسم) الثاني، كما جاء في سماعات الجزء الأول ص ٥، ورحم الله تسلسل خدمة العلم والدين في الأُسَر والعائلات الإسلامية.
ثم كُتب عدّة تملكات، أحدها للعلامة أحمد ابن العجمي (١٠١٤ - ١٠٨٦) ﵀، صاحب الحواشي التي كتبها على نسخته من "تدريب الراوي"، وقد جرَّدتها بتمامها وطبعتها في التعليق على "التدريب"، وهو صاحب "الثبَت" الذي طبعته أيضًا مع مقدمات "التدريب".
وكأن هذه النسخة الأصيلة كانت ضمن مجموع كبير، أو هي في مجلد واحد مع كتب أخرى، يدل عليه: ما كُتب على هذا الوجه:
стр. 15
فيه: المدخل، كامل، وفيه: [؟ ؟ ] (١)، وصحيح إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة، ولم يكتب معه ما يفيد أن الموجود منه قطعة أو أبواب خاصة منه، فهل كانت النسخة تامة؟ .
وكان يُكتب في خاتمة كل جزء سماعاتٌ طويلة، ويهمني هنا أولها، ونصه: "بلغتُ من أول هذا الجزء سماعًا بقراءة الشيخ الإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، على الشيخ أبي المعالي الفارسي، وسمع محمود بن ميمون الدبوسي، في جمادى الأولى سنة ثلاثين وخمس مئة بنيسابور، في مسجد بقرب مدرسة أبي علي الصَّنْدلي، وكَتَب: علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، بخطه، وصحّ، والحمد لله".
ونحو هذا في خاتمة كل جزء، إلا أنه أرّخ سماع الجزء الثالث بشهر جمادى فقط، وترك بياضًا بعده، ولم يقيده بالأولى أو الثانية، وهكذا إلى سماع الجزء السابع، أما الثامن فقيَّده بجمادى الآخرة، ويستفاد من "السير" ٢٠: ٤٥٧ أن هذا كان أوائل رحلة السمعاني إلى نيسابور.
ويلاحظ أن القارئ هو الإمام أبو سعد السمعاني (٥٠٦ - ٥٦٢) ﵀، وتاريخ هذا السماع سنة ٥٣٠، فيكون عمر السمعاني حينئذ أربعة وعشرين عامًا، ومع ذلك يصفه ابن عساكر في السماعات الثمانية بالشيخ الإمام، ويصف أبا المعالي الفارسي فيها كلِّها أيضًا بالشيخ فقط، وكان تاريخ ولادته ووفاته (٤٤٨ - ٥٣٩) ﵀، فعمره وقت السماع ثنتان وثمانون سنة، وترجمه الذهبي في "السير" ٢٠: ٩٣ ووصفه بقوله:
стр. 16
الشيخ الثقة الجليل المسند، ولما ترجم للسمعاني ٢٠: ٤٥٦ وصفه بقوله: الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة محدث خراسان، فرضي الله عن علمائنا الأمناء على منحهم الألقاب العلمية بدقة.
ومع هذا السماع سماعات متعددة قصيرة، أو بلاغات كُتبت على الحواشي، لكن هناك سماعات كثيرة طويلة، جمعتها وأثبتُّها آخر الكتاب.
ومما ينبغي التنبيه إليه أمران، أولهما: أنه وجد في هذا الأصل الحفيل عدد يسير جدًا من الأوراق فيه تقديم وتأخير، لم يؤثر ولم يضرّ، وتم ترتيبها بكل دقة، والحمد لله.
ثانيهما: أنني قدمت قول الإمام البيهقي في أوائل كتابه "معرفة السنن والآثار" ١: ٢١٥، وهو يتحدث عن كتاب "السنن الكبرى": "جعلت له مدخلًا في اثني عشر جزءًا"، وقدمت معه أيضًا ما كتب على وجه الجزء الأول، قبل الورقة الأولى حسب ترقيمها في الأصل، وبخط قديم: "الجزء الأول من كتاب المدخل إلى علم السنن للبيهقي، إلى ثمانية أجزاء، كلها موجودة في هذ الكتاب، وبها يتم الكتاب إلى آخره".
وسببه: اختلاف تجزئة الفرع، عن تجزئة الأصل، وقد جاء على حاشية الأصل الأول عند الحديث (٣٠٠) ما نصه: "آخر الثالث من الأصل" أي: أصل المصنف، لكن جاء هذا في الورقة ٣٥/ أ، أي: عند ما يعادل ثلاثة أرباع الجزء الثاني من هذا الفرع أ، فهذا يشير إلى اختلاف تجزئة الفرع عن تجزئة الأصل، وانظر التعليق على (٧٤٥).
ومن المهم معرفته في أمر هذا الأصل: ترجمة خمسة رجال: المصنف: الإمام البيهقي، والراوي المباشر عنه: أبو المعالي الفارسي،
стр. 17
والراوي عنه: الإمام ابن عساكر، والقارئ للكتاب على أبي المعالي: الإمام أبو سعد السمعاني، وصاحب النسخة: أبو محمد القاسم ابن الإمام ابن عساكر، ومما يذكر لأبي محمد هذا: أنه سمع "المدخل" على أبيه، وحصلت له الإجازة به من أبي المعالي، وكان عمره يوم السماع ثلاث سنين، أما حين وفاة أبي المعالي فكان عمره اثنتي عشرة سنة.
أما البيهقي وابن عساكر وأبو سعد السمعاني: فالتعريف بهم - إن لم يأتِ بجديد-: منكر من القول وفضول.
وأما أبو المعالي: فترجمه الذهبي في "السير" ٢٠: ٩٣، وحلّاه بما قدمته: الشيخ الثقة الجليل المسند، وترجمه في "تاريخ الإسلام" ١١: ٧١٧ وما حلّاه بشيء إلا أنه نقل قول السمعاني فيه: ثقة مكثر، وهو في "السير" أيضًا، وذكر بعض شيوخه، ومنهم البيهقي قرأ عليه "السنن الكبرى"، و"المدخل"، وبعض تلامذته، ولم يترجمه مع الحفاظ في "التذكرة"، ولهذا ملحظ علميّ.
وأما القاسم ابن الإمام ابن عساكر: فترجمه الذهبي في كتبه الثلاثة: "التذكرة" ٤: ١٣٦٧ وقال: فيه: الحافظ المحدث الفاضل، و"السير" ٢١: ٤٠٥ وقال فيه: الإمام المحدث الحافظ العالم الرئيس، و"تاريخ الإسلام" ١٢: ١٢٢٤، وحلّاه فيه: الحافظ المفيد المسند الورع، وأرخ ولادته ووفاته (٥٢٧ - ٦٠٠) ﵀، لكن ذكره في جزئه "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (٦٣٥) وقال فيه: "ما هو بحافظ، بل له مشاركة قوية".
ويهمني من سيرته ما حكاه في "التذكرة" - وبنحوه في الكتابين
стр. 18
الآخرين - قال: "كان محدثًا صدوقًا متوسط المعرفة، مكرمًا للغرباء، له أُنْسة بالحديث، وخطه ضعيف ردئ، قال الحافظ المنذري: قلت لشيخنا ابن المفضَّل: أقول: حدثنا القاسم بن عليٍّ الحافظِ- بالكسر- صفة لأبيه؟ فقال: قل بالضم، اجتمعت به بالمدينة فأملى عليَّ أحاديث من حفظه، ثم بعث إليَّ أصوله فقابلتها فوجدتها سواءً".
وفي "التذكرة": ذَكَر عبد الرحمن بن مقرَّب، المتوفى سنة ٦٤٣، عن نَدَى الرضيّ- رضي الدين الحنفي المتوفى سنة ٦٠٤ - قال: قرأت على بهاء الدين القاسم ابن عساكر، فقلت: عن ابن لَهيعة، فردَّ عليّ بالضم، فراجعته، فلم يرجع. قلت- هو الذهبي-: من ضَمّ مثل هذا ضُمَّه إلى الشيوخ لا إلى الحفاظ.
وعلّق الذهبي أيضًا في "السير" على قصة المنذري مع شيخه ابن المفضل بقوله: وبمثل هذا يوصف المحدث في زماننا بالحفظ، وعلق عليه في "تاريخ الإسلام" فقال: ليس هذا هو الحفظَ العرفي.
قلت: قول الذهبي: ضُمّه إلى الشيوخ، يريد: ضمّه إلى الرواة، لا إلى علماء الحديث ذوي الدراية، وأيضًا: فينبغي القول فيه: إن من يغلط في ضبط (لَهيعة) ويصرّ فلا يرجع، ينبغي أن يقال فيه: هو في أول الطريق، لا في نهايته، بحيث إنه يقرأ عليه! ! أو أن يُحمل الخبر على محمل مقبول، بأنْ كان ﵀ في حال نُعاس، أو إرهاق شديد، ونحو هذا.
ومما يتصل بالكلام عن خطه ﵀: ما نقله الذهبي أيضًا عن "التقييد" لابن نقطة ٢: ٧٧٤، قال: "كَتَب الكثير، إلا أن خطه لا يشبه خط أهل الضبط والإتقان"، وقال الذهبي من عنده في "السير": خطّه نادر
стр. 19
النقط والشكل.
قلت: أما الشكل والضبط والتقييد: فنعم، وأما النَّقْط: فأقول: عما رأيته في هذا الأصل: إن النقط في الكتاب مناسب لتاريخه: (٥٤١)، والله أعلم، ومعلوم أنه كلما تقدم تاريخ الخطّ، قلّ النَّقْط.
وأيضًا: وصفُ الذهبي لخطه بأنه ضعيف رديء: قد يكون هذا الوصف لخطه المتأخر قليلًا عن هذا الخط، فخطّه هنا جيد متمكّن فيه، لأنه في سنّ اليَفَاعة، وفي أول - أو: أوائل - توجهه لكتابة الكتب ونسخها، وقد وصفه الذهبي نفسه - وغيره ممن سبقه - بأنه كتب الكثير، ومَن كَتَب كثيرًا تعجّل في الكتابة حتى تصير له العجلة عادة وديدنًا، أما في مرحلة البداية فيجوِّد الخط ويتقنه.
وفي هذه النسخة - وهي كما تقدم بخطه - تحريفات، وبعضها على قلَّته، فاحش، لكن قد يشفع له فيها كونه كان في سنّ مبكرة: له من العمر أربع عشرة سنة، كالذي يجده القارئ في التعليق على (٧٧، ٥٣٧، ٥٩٤، ٥٩٧, ٦٧١، ١٠١١، ١٠٢٤).
مع ما فيها من معالم الجودة والضبط على قواعد المحدثين.
ومن المستحسن تلخيص ما تقدم:
النسخة أصل أصيل قديم، مالكها: الإمام أبو القاسم ابن عساكر (ت ٥٧١) بقراءة ابن السمعاني (ت ٥٦٢)، سماعًا على أبي المعالي الفارسي (ت ٥٣٩)، وتاريخ السماع سنة ٤٥٦، عن مؤلفه الإمام البيهقي (ت ٤٥٨)، وناسخها: القاسم ابن الإمام ابن عساكر (ت ٦٠٠)، وكان عمره سنة نسخه إياها أربع عشرة سنة.
стр. 20
والنسخة: صرّح ناسخها أنها تامة، لكنها في ثمانية أجزاء، مع تصريح مؤلفها الإمام البيهقي أنها في اثني عشر جزءًا.
وفي خاتمة كل جزء سماع الإمام ابن عساكر له على الفارسي بقراءة السمعاني، ثم بعده سماعات كثيرة وطويلة، تأتي إن شاء الله مجموعة آخر الكتاب، وعليها بلاغات كثيرة، وسماعات قصيرة، أثبتُّها في مواضعها.
وعدد لوحاتها ١٦٠ لوحة إلا نصف لوحة، وهي تعدل ٣١٩ صفحة.
وكُتب فوق عنوان كل جزء: "مفروغ حسن بن إسماعيل بن الحسن الإسكندراني، نسخًا وسماعًا وعرضًا"، أي: فرغ من نسخه وسماعه وعَرَضه فلان. وبجانبه- إلا الجزء الأول-: "فرغه وما قبله سماعًا وعرضًا إسماعيل بن عبد الله ابن الأنماطي، بدمشق".
هذا، وكثيرًا ما أذكر هذه النسخة في التعليق باسم: الأصل، أو برمزها: أ.
* * *
أما الأصل الثاني: فكان مقرُّه أيضًا في عاصمة العلم والعلماء: دمشق، لكنه الآن في مدينة كلكتا من مدن الهند، بين مخطوطات الجمعية الآسيوية، والموجود المحفوظ منه نحو ثلثه الأخير: سبع وخمسون ورقة، يبدأ من أثناء الخبر ذي الرقم (١٠٨٦)، وينتهي بآخر الكتاب.
قرئ على الأخ الأكبر للإمام ابن عساكر، وهو- كما وصفه الذهبي في "السير" ٢٠: ٤٩٥ - : الشيخ الإمام العالم الفقيه المفتي المحدث صائن الدين أبو الحسين- أو: أبو الحسن- هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن
стр. 21
عبد الله، أخو الحافظ أبي القاسم ابن عساكر صاحب "تاريخ دمشق".
وأرخ ولادته ووفاته (٤٨٨ - ٥٦٣) رحمه الله تعالى، وقال: حدث عنه أخوه أبو القاسم، وابن أخيه القاسم، وابن أخيه زين الأمناء، وغيرهم.
وقرئ على الإمام الشهير أبي عمرو ابن الصلاح، وشهرته تغني عن ذكر ألقابه رحمه الله تعالى.
وهو أصل أصيل بذاته، مقروء محرَّر، لكن يبدو أن النسخة الورقية ضعيفة رديئة، لم تكن في حرز وحفظ مناسب، وفيها طمس أحيانًا، وكثير من حواشيها لا يظهر، وبعضها يظهر بعض كلماته.
وإسناد هذه النسخة ينتهي إلى أبي المعالي الفارسي من غير طريق ابن عساكر، فقد جاء في آخره بخط ناسخه أحمد بن محمد بن عبدالله الموصلي: أنه سمع الكتاب على الإمام ابن الصلاح، عن أبي بكر منصور ابن عبد المنعم الفراوي، عن أبي المعالي الفارسي، عن مؤلفه الإمام البيهقي.
وتاريخ هذا السماع ومكانه: سنة ٦٢٥ بالمدرسة الرواحية الملاصقة للجدار الشرقي الشمالي من الجامع الأموي بدمشق.
وقد أثبتُّ ما وضح من سماعات هذا الأصل وبلاغاته المختصرة في محالّها، أما السماعات الطويلة - نسبيًا- فألحقتها آخر الكتاب.
ومما يُذكر: أن الإمام ابن الصلاح ﵀ كان يشرح ويضبط أحيانًا بعض الغريب والمشكل، ويصدِّرها كاتبها عنه بقوله: قال شيخنا. والله أعلم.
стр. 22
وأمر آخر: أنني رمزت لهذا الأصل بحرف: ب، وأكتب رقم الصفحة المخطوطة على الحاشية هكذا: ب: ١/ ب، ب: ٢/ أ، فحرف ب الذي بعده، نقطتان هو رمز هذا الأصل، وحرف ب الذي بعد الخط المائل هو رمز الوجه الثاني للصفحة المخطوطة.
وأثبتُّ جلَّ حواشي هذا الأصل التي فيها إشارة إلى مغايراتٍ من نسختين أُخريين، يرمز الناسخ لإحداهما بحرف: م، وهي مغايرات كثيرة، ويرمز للأخرى بحرف: ص.
لكن مَن مراده بحرف (م)، الله أعلم، أما حرف (ص) فغالب الظن أنه يرمز به لنسخة الإمام صائن الدين ابن عساكر أخي الإمام الشهير.
وقد التزمت صياغة واحدة في الإشارة إلى ذكر مغايرات هذين الرمزين فأقول: على حاشية ب من نسخة م: كذا، أو: على حاشية ب من نسخة ص: كذا. أما مغايرات الأصل ب مع الأصل أفأذكرها بما هو معتاد فأقول: في ب كذا.
وأشرت باختصار إلى تراجم رجال إسناد الأصل الأول: وهم الإمام ابن عساكر- وولده القاسم-، ومعه الإمام السمعاني، وأبو المعالي الفارسي.
وكذلك أقول في رجال إسناد الأصل الثاني: وهم الإمام ابن الصلاح، وشيخ شيخه أبو المعالي.
أما شيخه الفراوي- بفتح الفاء وضمها-: فهو كما في "السير" ٢١: ٤٩٤: الشيخ الجليل العدل المسند أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله الصاعدي الفراوي النيسابوري، وأرخ ولادته ووفاته (٥٢٢ -
стр. 23
٦٠٨) رحمه الله تعالى، فيكون قد عُمِّر ستًا وثمانين سنة، وزاد من علوّ إسناده أنه بُكِّر بإسماعه الحديث، فقد وجد له سماع وعمره أربع سنوات وخمسة أشهر، كما في "التقييد" لابن نقطة ٢: ٨١٣.
وكذلك أقول في الإمام ابن الصلاح ما قلته في الإمام ابن عساكر: إنه رحل إلى نيسابور، ورجع منها بعلم غزير، ومما رجع به- سوى هذا "المدخل"-: التراث العظيم للإمام البيهقي، وهو "سننه الكبرى"، سمعه من أبي بكر منصور بن أبي المعالي عبد المنعم بن أبي البركات عبد الله بن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي (٥٢٣ - ٦٠٨) رحمه الله تعالى.
وقد قرئ "السنن الكبرى" على الإمام ابن الصلاح في دار الحديث الأشرفية ما بين عامي (٦٣٠ - ٦٣٥) في / ٧٥٧/ مجلسًا، كما يظهر من النظر في ختام المجلد الثامن، والعاشر، من "السنن"، مع غاية الضبط والإتقان، وتسجيل صورة دقيقة كأنها (فوتوغرافية) لحال السامعين، وهي مسجلة مطبوعة آخر المجلد الثامن من طبعة الهند لـ "السنن الكبرى"، ونقلها وحفظها من هذا (الضياع)، وجلّا مكانتها العلمية الحديثية شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة تغمده الله برحمته، وذلك في جزئه "صفحات مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين"، وطبعه مع جزئه الآخر: "الإسناد من الدين"، وهما مما يزيد المؤمن إيمانًا، وليسا من كتب الإسناد والرواية فقط.
وأعود إلى تلخيص ما تقدم فأقول: إن الأصل الثاني- ورمزه ب-: أصل أصيل، وبلده الأول نيسابور، ثم صار إلى دمشق، بنقل الإمام ابن
стр. 24
الصلاح له، وقراءته إياه على أصحابه في دار الحديث الأشرفيه، وقراءة غيره في مدارس أخرى، كالرواحية، والظاهرية، مما هو مدوَّن على حواشي هذا الأصل، وأثبتُّه في مواضعه، لقصره وقلة كلامه.
* * *
أما منهج إخراج الكتاب: فأقمته على أمرين: إخراج النص، وتخريج نقوله.
أما إخراج النص: فكان القصد إلى تحرير ألفاظه، ورسم كلماته، والتثبت من الضبط الذي في الأصلين، بقدر ما يسعف عليه وضوحهما، وحَرَصت على إثبات المغايرات والفوارق بينهما، وأثبتُّ جلّ الحواشي التي على الأصل الثاني ب، التي أُخذت عن نسختين أخريين، يُرمز لإحداهما بحرف: م، وللثانية بحرف: ص.
وأما تخريج نقوله: فإن من شأن أئمتنا المحدثين- من كان منهم من الطبقات المتقدمة- أن لا يذكروا كلمة- فضلًا عن خبر أو أثر- إلا بإسناده، ومنهم الإمام البيهقي، ﵏ جميعًا، ولا ريب أنه ينقل هذا الخبر عن مصدر سابق له به سماع، فهو يروي الخبر من طريق هذا المصدر.
ومروياته على نحوين: مرفوعات، وغير مرفوعات.
والمرفوعات يرويها- مثلًا من طريق أحد الأئمة: مالك، عبد الرزاق، الطيالسي، الحميدي، أبي داود، الحاكم، وغيرهم، فأنا أخرِّج الحديث أولًا من طريق الإمام المذكور، إن كان من كتاب له مطبوع، وأزيد عليه عزوه وتخريجه من الكتب المشهورة التي هي أعلى رتبةً من الكتاب
стр. 25
المذكور، وكثيرًا ما يعزو المصنف البيهقي الحديثَ بعد روايته له من طريق الطيالسي- مثلًا- إلى الصحيحين أو أحدهما، فأذكر تخريجه عنهما مع تخريجي له من طريق الطيالسي، أفعل ذلك، زيادة في تقوية الخبر وتقريب إفادته.
وسلكت في تخريج هذه الزيادات طريقة تخريج الفقهاء: التزام الاتفاق مع الصحابي راوي الحديث، ولم أقف عند ذكر الاتفاق بين رجال السند، إلا ما اضطررت إليه، كأن يكون ذلك مقصدًا للمصنف.
كما سلكت طريقة المحدثين في الجمع بين مصادر التخريج، مادام الاتفاق بينها في الألفاظ من حيث الجملة.
ولم أقف عند التصحيح والتضعيف، والتجريح والتعديل.
أما غير المرفوعات: فالتزمت تخريجها من المصدر المروي منه، كأنْ ينقل المصنف خبرًا من طريق "المعرفة والتاريخ" ليعقوب بن سفيان، وهو كثير، أو "آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم، وهو قليل، أو "طبقات" ابن سعد، وهو نادر، فإني أخرجه منه، ولا أزيد عليه، إلا إذا كان النص يحتاج إلى تقويم، فإني أبحث عنه في مصدر آخر، وقد أحتاج إلى ذكره، فأذكره، وقد لا أحتاج فلا أذكره.
ويجب تنبيهي إلى أمر يسير، يحصل به اشتباه كبير، هو أن من عادة المصنف- كغيره من علمائنا ﵏ أنه يصدر كثيرًا مقولات له باسمه، فيقول: قال أحمد، وقد يضيف إليه الناسخ كلمة "الإمام" فيصير الكلام: قال الإمام أحمد، وقد يأتي القول: قال الشيخ أحمد، وهذا في الأصل أ، أما الأصل ب فيأتي فيه كثيرًا: قال أبو بكر البيهقي، أو: قال
стр. 26
الإمام، ونحو ذلك.
وقد اقتصرت في الكتاب كله على ما يأتي في الأصل أ، وجعلته بحرف بارز متميز أسود، أول السطر، فكل ما يراه القارئ بهذا الشكل فالمراد به المصنف البيهقي، لا الإمام أحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى وإيانا.
* * *
أما المسائل المذهبية - فقهية كانت أو أصولية-: فلم أقف عندها أبدًا، وأكتفي بالتنبيه الذي ذكرته أول هذه المقدمة: أن الكتاب مدخل لطالب العلم المتمذهب للإمام الشافعي، يجد فيه ما يهمه من علم أصول الحديث، وعلم أصول الفقه، على وَفْق المذهب، وقد ملأ المصنف هذين البابين من هذا الكتاب من النقول عن إمام المذهب فقط، ﵁، وعن سائر علماء الإسلام، وهذا الاقتصار كافٍ للدلالة على ما قلت.
والإنصاف العلمي يوجب عليّ أن أقول: إن البتَّ والترجيح القاطع في مسائل الاجتهاد متعذِّر لا متعسِّر، وإن محاولة ذلك من متقدم أو متأخر أمر لا ينبغي، وغاية ما في الأمر أن أُثبت- من غير إجحاف ولا اعتساف- أن للمذهب الذي أتعبد الله تعالى به دليلًا قام عليه حكم المذهب، حسب قواعده وأصوله، لا حسب قواعد غيره وأصوله.
وقد قال الإمام البيهقي في "معرفة السنن والآثار" ١: ٢١٢ - ٢١٣ كلامًا في ترجيحه مذهب الشافعي وأنه أكثر الأئمة اتّباعًا للكتاب والسنة، وأقواهم احتجاجًا، وأصحهم قياسًا، وأوضحهم إرشادًا، لكنه رحمه الله
стр. 27
أبرأ ذمته وعهدته إذ قال قبل هذه الكلمات مباشرة: "وذلك بمبلغ علمي"، فهو قد أبرأ ذمته، وهو يريد بذلك منا أن نعذره فيقول لنا: هذا مبلغ علمي.
لكن كان ينبغي له أن يعذر غيره فلا يؤاخذَه، ويتهمَه في علمه ودينه، كما فعل هذا مع الإمام أبي جعفر الطحاوي بعد ست صفحات بحواشيها ١: ٢١٩.
وهو على علم اليقين أن هذه المسائل اجتهادية، وقد قال قبل صفحتين ١: ٢١٧ عن الإمام الشافعي معتذرًا عنه فيما يخالف به أهلَ الحديث، قال: "وقد يثق- الشافعي- ببعض من هو مختلَف في عدالته، على ما يؤدي إليه اجتهاده، كما يفعله غيره".
وهذه كلمات ذهبية، لكن ينبغي أن تقال في حق كل متأهّل، ورضي الله عن الجميع، والله وليّ الهداية والتوفيق.
* * * * *
стр. 28
سماعات كتاب المدخل إلى علم السنن
بين يدي السماعات:
قدمت في دراسة هذا الكتاب أني اعتمدت في إخراجه على أصلين: الأول تام، والثاني يوجد منه ثلثه الأخير.
وقد وصلا إلينا هنا في المشرق العربي، الأول منهما: عن طريق الإمام ابن عساكر، عن أبي المعالي الفارسي، عن البيهقي.
والثاني منهما: عن طريق الإمام ابن الصلاح، عن منصور بن عبد الكريم الفراوي، عن أبي المعالي.
ويضاف إليهما من خلال سماعات الأصل الأول إمام آخر، هو، كما قال الذهبي في "السير" ٢٢: ٨٠: الشيخ الإمام، العالم المفتي، المعمَّر الصالح، مسند الشام، شيخ الإسلام، قاضي القضاة، جمال الدين أبو القاسم، عبد الصمد بن محمد ابن أبي الفضل ابن علي بن عبد الواحد الأنصاري، الدمشقي الشافعي، ابن الحرستاني، من ذرية سعد بن عبادة ﵁.
وأرخّ ولادته ووفاته (٥٢٠ - ٦١٤) رحمه الله تعالى. وهو من بيت علم كبير في دمشق، تنظر تراجمهم في كتاب "موسوعة البيوتات العلمية بدمشق" لفضيلة الأخ الدكتور محمد مطيع الحافظ حفظه الله ١: ٧٢٤ فما بعدها.
стр. 29
جاء ذكر هذا الإمام في سماعات الجزء الأول والثاني والأخير فقط، وسُمي عدد كبير من الحضور فيهما، بالكتاب إلى مؤلفه الإمام البيهقي في السماع الأخير، ففيه: "سَمع جميع كتاب المدخل .. على القاضي .. الحرستاني، بحقّ إجازته من أبي القاسم زاهر .. الشحامي، وأبي المعالي الفارسي، وغيرهما بسماعهم من المؤلف".
فأفادنا راويًا ثانيًا له عن مؤلفه، هو زاهر الشحامي، وراويًا ثالثًا أو أكثر بقوله "وغيرهما"، وزاهر الشحامي ولد وتوفي (٤٤٦ - ٥٣٣) ﵀، وأسمعه أبوه وهو في الخامسة من عمره، ومما سمعه على البيهقي "سننه الكبرى"، كما في "السير" ٢٠: ١٠، وكان ابن أربع عشرة سنة من العمر لما توفي البيهقي سنة ٤٥٨.
ولقد أخذتْ هذه السماعات جهدًا جهيدًا في قراءتها وتصحيح أسماء الأعلام، إذ إن جلَّهم ليسوا ممن له ذكر وشهرة وتآليف ليسهل تحرير أسمائهم، وأيضًا: فمن المشهور عند المعتنين بالكتب المسموعة على العلماء أن كاتبي طباق السماع يتقصدون الكتابة بطريقة تحكي (السلسلة) الآخذة بحلقات بعضها بعضًا، فتخليص الكلمات والحروف من بعضها فيه مشقة كبيرة، ليحصل الاطمئنان إلى صحة نص السماع.
وكان في قراءتها وحل مشكلاتها جهد مشكور لولدي عبد الله، لزم عليَّ ذكره له، وفقه الله تعالى، ومع ذلك فقد بقيت كليمات لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة تحتاج إلى تبيُّن وحلّ، ولكل أجل كتاب.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* * * * *
стр. 30
سماعات الأصل الأول أ
سماعات الجزء الأول:
لوحة ٢٠ - ٢١
بلغت من أول الجزء سماعًا بقراءة الشيخ الإمام أبي سعد عبد الكريم ابن محمد بن منصور السمعاني، على الشيخ أبي المعالي الفارسي، وسمع محمود بن ميمون الدبُوسي في جمادى الأولى سنة ثلاثين وخمس مئة بنيسابور، في مسجدٍ بقرب مدرسة أبي علي الصَّنْدلي. وكتب: علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي بخطه، وصحّ، والحمد لله وحده.
* * *
سمع جميعَ هذا الجزء على الشيخ الإمام الحافظ الثقة العالم، جمال السنة، شمس الحفاظ، أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن الحسين الشافعي أيده الله، بحق سماعه من شيخه المذكور: أبو القاسم الحسن بن هبة الله بن سُفَير، بقراءة كاتب الأسماء: هبة الله بن محفوظ ابن الحسن بن صَصْرَى التغلبي الشافعي، وذلك في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وخمس مئة، بالمسجد الجامع بدمشق عمره الله آمين. وصحّ وثبت.
* * *
стр. 31
سمع جميعَ هذا الجزء على سيدنا الشيخ الأجل، الفقيه الإمام العالم، الحافظ الثقة، ثقةِ الدينِ، صدر الحفاظ، ناصر السنة، محدث الشام، أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي أيده الله: ابناه الشيخ الفقيه بهاء الدين أبو محمد القاسم، وأبو الفتح الحسن، وحافده أبو طاهر محمد بن القاسم، وبنو أخيه زين الأمناء: أبو البركات الحسن، وأبو المظفر عبد الله، وأبو منصور عبد الرحمن، وأبو المحاسن نصر الله، وأبو نصر عبد الرحيم بنو القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسن، بقراءة القاضي بهاء الدين أبي المواهب الحسن:
أخوه الشيخ الفقيه أبو القاسم الحسين ابنا القاضي أبي الغنائم هبة الله بن محفوظ بن صَصْرَى، والشيخ الفقيه جمال الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعد الله الحنفي، وفخر الدين أبو عبد الله ابن محمد ابن عماد الدين أبي حفص عمر ابن أبي الحسن الحَمَوي، والشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن عقيل بن علي الثعلبي، والشيخان الفقيهان: أبو علي الحسن بن علي ابن شيخ الإسلام، وأبو علي الحسين ابن علي ابن أبي نصر الهداريان.
والقاضي أبو المعالي محمد ابن القاضي أبي الحسن علي بن محمد ابن يحيى القرشي، وابنُ أخيه عبد العزيز ابن أبي علي، والقاضي أبو المجد سليمان ابن القاضي أبي اليسر شاكر بن عبد الله التنوخي، وأبو عبد الله الحسين بن عبد الرحمن بن الحسين بن عبدان، والوجيه أبو القاسم ابن محمد بن معاذ الخرقاني، ومسعود ابن أبي الحسن ابن عمر التَّفْليسي، وموسى بن علي بن عمر الهَمَذاني، وعثمان بن محمد بن أبي
стр. 32
بكر الإسفرايني الصوفيون.
والخطيبان أبو البيان محمد بن الحسن بن محمد، وأبو الفرج عبد الوهاب بن أحمد بن عقيل السُّلَمي، وأبو محمد جامع بن باقي بن عبد الله التميمي، وأبو زكري يحيى بن علي بن مؤمل القرشي، وإسحاق ابن سليمان بن علي (١)، وابنه مكي، وعيسى بن أبي بكر بن أحمد الضرير، وعبد الرحمن بن جعبر بن حازم الأموي، وأبو بكر محمد ابن الشيح الأمين أبي الفهم عبد الوهاب بن عبد الله، وأبو عبد الله بن الفضل ابن الفتح الأنصاريان، وإسماعيل بن عمر ابن أبي القاسم الإسفندآباذي، وأبو الحسن علي بن محمد بن هبة الله، وأبو الفتوح بن أبي بكر بن علي الفارسي، وعبد الجبار بن عبد الغني بن علي، وأحمد بن ناصر بن طعان البُصْراوي.
وأبو المكارم فضالة بن نصر الله بن جواس العُرْضي، وعبد الواحد بن بركات ابن أبي الحسين الصفار، وعمر بن إبراهيم بن عبد الله القيسي، وإبراهيم بن مهدي بن علي الشاغوري، وعبد القادر وعبد الرحمن ابنا أبي عبدالله ابن محمد بن الحسن العراقي، وعبد الله بن ياسين بن عبد الله اليمني، وعبد المؤمن بن عنين ابن أبي طالب، وإبراهيم بن محمد بن زياد المغربي، وحمزة بن إبراهيم بن عبد الله، وهبة الله بن محسن بن سراج، وفضائل بن طاهر بن حمزة.
وأبو المكارم سعيد بن عمر بن أحمد الموصلي، ويوسف بن فتوح بن
стр. 33
عبد الملك البغدادي، وعلي بن بندار بن الحسين البصري، وفارس بن أبي طالب بن نجا، وتمام بن أحمد بن سلمان، وأبو عبد [؟ ] بن علي بن صالح المغربي، وكاتب الأسماء عبد الرحمن ابن أبي منصور ابن نسيم بن الحسين بن علي الشافعي.
وذلك في يوم الاثنين تاسع عشر ذي الحجة سنة ست وستين وخمس مئة، بالمسجد الجامع بدمشق حرسها الله ، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
سمع جميعَ هذا الجزء على سيدنا الفقيه الإمام العالم، الحافظ الثقة، بهاء الدين، ناصر السنة، محدث الشام، جمال الإسلام، أبي محمد القاسم ابن الإمام العالم الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي أيده الله، بحق الإجازة له من الإمام أبي المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، وسماعه من والده ﵀، عنه، عن المصنف ﵀:
الشيوخ: الفقيه الإمام أبو جعفر أحمد بن علي بن أبي بكر بن إسماعيل القرطبي، وابنُه أبو الحسن محمد، بقراءة الفقيه أبي بكر بن حرز الله بن حجاج التونسي، والإمام أبو علي الحسن بن علي بن عبد الوارث التونسي، وأبو محمد مهدي بن يوسف بن حجاج المِكْناسي، وأبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد البَلَوي، وأبو الحسين يحيى بن المعطي بن عبد النور الزواوي، وأبو محمد عبد السلام بن أبي بكر بن
стр. 34
أحمد الدمشقي، وأبو حفص عمر بن محمد ابن أبي الفضل الصِّقِلِّي، وأبو الحسن علي بن بركات بن إبراهيم الخُشُوعي، وأبو حفص عمر بن محمد ابن حيدرة، وأبو العباس الخضِر بن عبد العزيز بن رمضان، وابنه أبو حفص عمر، وأبو بكر صديق بن رمضان بن علي، وأبو الفهم ابن فضائل ابن سليمان، وأبو محمد سعد بن الحسن بن سعد البعلبكي، وأبو حفص عمر بن يحيى بن إبراهيم، وأبو عبدالله محمد بن ميمون بن مالك، وكاتب الأسماء: بدل ابن أبي المعمَّر ابن إسماعيل التبريزي.
وسمع من أوله إلى: باب الترغيب في تعليم كتاب الله : أبو الحسين إسماعيل ابن الإمام أبي جعفر أحمد بن علي القرطبي، وعمره حينئذ في السنة الخامسة، والفقيه أبو طاهر إبراهيم بن حمزة بن قوام المري، وأبو إسحاق إبراهيم بن بركات بن إبراهيم الخشوعي، وخليل ابن أبي الزهر ابن عبد الله، والفقيه أبو الفضل ابن صالح الدمشقي، ورمضان ابن علي الدمشقي.
وسمع من: باب الترغيب في تعليم كتاب الله إلى آخر الجزء: أبو عبد الله محمد بن عمر بن بهستين، وأبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن أسعد الصوفي، وأبو طالب ابن أبي الفرج الكناني، وأبو محمد عبد السلام ابن أبي القاسم بن الحسن، وأبو محمد عبد الرحمن بن طالب ابن سبع، وابن أخته فضيل بن صديق، وأبو بكر ابن أبي الخير ابن أحمد المغربي، وأبو حفص عمر بن عيسى بن معالي، وإسماعيل بن جوهر بن مطر، وظافر بن نجا بن يوسف، وأبو الحسين ابن أحمد ابن أبي طاهر، وآخرون بفوات.
стр. 35
وذلك في مجلسين آخرهما يوم الاثنين العشرون من رجب سنة خمس وثمانين وخمس مئة بدمشق.
* * *
سمع جميع هذا الجزء الأول على سيدنا القاضي الإمام، الأجل الفقيه، العالم العامل، جمال الدين، شيخ الإسلام، بقية السلف، أبي القاسم عبد الصمد بن محمد ابن أبي الفضل الأنصاري أيده الله بطاعته، بحق إجازته من أبي المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، بقراءة الشيخ الإمام، العالم المفيد، تقي الدين أبي طاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الأنصاري ابن الأنماطي أبقاه الله:
ابنه القاضي الإمام عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم، وابن ابن أخته، القاضي شرف الدين، أبو المظفر أسعد بن نصر الله بن عبد الكريم، وصاحب الجزء، الإمام الحافظ العالم، عماد الدين، أبو القاسم علي ابن الإمام الحافظ أبي محمد القاسم، ابن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، وابنه الولد النجيب أبو محمد القاسم، والإمام بدر الدين أبو الفضل يونس بن محمد بن محمد الفارقي، وسبطه الولد أبو حامد محمد ابن الإمام أبي الحسين علي بن محمود بن أحمد الصابوني، والقاضي الفقيه شرف الدين أبو المواهب عبد الرحمن ابن أبي الغنائم سالم بن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صَصْرَى التغلبي، وعز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عثمان ابن أبي طاهر الإربلي، وابن أخيه يوسف بن يعقوب.
стр. 36
وعز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام ابن أبي القاسم الشافعي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد المرادي، وأبو الحسن علي بن محمد بن منصور اليمني، وأبو إسحاق إبراهيم ابن أبي المحاسن ابن رسلان الشافعي، وابنه محمد، وأبو محمد عبد المنعم بن أبي طالب ابن عبد الغفار التغلبي، وأبو الحزم مكي بن المحاسن بن عثمان، وأبو المظفر يحيى، وأبو بكر عبد الرحمن ابنا أحمد بن محمد بن هبة الله الشيرازي، وأبو محمد عبد المعطي بن علي بن محمد بن محمد بن محارب الغنيمي، وأبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف الأنصاري.
وأبو بكر محمد، وأبو العباس عمر ابنا علي بن مظفر بن القاسم البُشْتي، وأبو بكر بن محمد بن سليمان العامري، وابنه محمد، وعبد الله ابن قابوس بن جميل النجاتي المغربي، وعبد المنعم بن علي بن عبد الغني الصِّقِلِّي، وأبو محمد عبد الرحيم ابن أبي الفضل ابن أبي البركات ابن أبي يعلى الشافعي، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن عدي الخلال، وأحمد بن عباس بن أحمد الفاقوسي، وأحْضَر ابنَه عبد الرحمن وهو في السنة الثالثة، وأبو بكر بن إبراهيم بن مالك المغربي، ومثبت أسمائهم: عبد الجليل بن عبد الجبار بن عبد الواسع الأبهري أصلحه الله.
وسمع جميعه سوى ست قوائم ونصف من أوله أبو عبد الله ابن عبد الرحمن بن عماد العسقلاني، وفتاه أقش بن عبد الله الأبيض التركي.
وسمع من: باب ما يجب على المجتهدين معرفته من علم الكتاب إلى آخره: الشرف أبو عمرو عثمان بن عبد الكريم بن محمد بن الهادي القيسي، وصاحبه عيسى بن عبد الله ابن أبي الفضل الكردي، وفتاه أقش
стр. 37
ابن عبد الله التركي، وعبد الرحمن بن يونس بن إبراهيم التونسي، وعبد الرحمن بن صديق بن أبي طالب المزني، وإبراهيم ابن أبي البدر ابن ميزان الجوهري، وعلي بن عبد الواحد بن المسلم بن الحسين الشافعي، وحسن بن عطية بن مخلوف الكناني، وإقبال وياقوت ابنا عبد الله الحبشي الصوابي المرشدي، وأبو القاسم ابن أبي بكر بن إبراهيم الصفار، وقايماز ابن عبد الله الأرمني فتى العماد ابن الشيخ المسموع منه.
وسمع من أوله إلى الباب المذكور: أبو العباس أحمد ابن أبي الفوارس ابن علي الشافعي، وصح لهم ذلك في مجلسين، آخرهما يوم الجمعة ثالث عشر رجب الأصم سنة عشر وست مئة.
وسمع أيضًا جميعه مكملًا: أبو عبد الله محمد بن محمد بن محارب القيسي، وصح ذلك وثبت، والحمد لله رب العالمين.
* * * * *
стр. 38
سماعات الجزء الثاني:
لوحة ٤٠ - ٤١
بلغت من أول الجزء سماعًا على الشيخ أبي المعالي محمد بن إسماعيل بن محمد الفارسي بقراءة الشيخ الإمام أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، وسمع محمود بن ميمون الدبُوسي في جمادى الأولى سنة ثلاثين وخمس مئة بنيسابور في مسجد بقرب مدرسة أبي علي الصندلي عند رأس المربعة، وكتب: علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي بخطه، وصح وثبت، والحمد لله وحده.
* * *
سمع جميع هذا الجزء على الشيخ الإمام، الحافظ الثقة، العالم، جمال السنة، شمس الحفاظ، أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي أيده الله: أبو القاسم الحسن بن هبة الله بن سُفَير، بقراءة كاتب السماع: هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن صَصْرَى التغلبي الشافعي، وذلك في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وخمس مئة، بالمسجد الجامع بدمشق عَمَره الله تعالى، وصح وثبت.
* * *
سمع جميع هذا الجزء على سيدنا الشيخ الأجل الفقيه، الإمام العالم، الحافظ الثقة، ثقةِ الدينِ، صدر الحفاظ، ناصر السنة، محدث الشام،
стр. 39
حجة أصحاب الحديث، أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي أدام الله علوّه: ابنُه أبو الفتح الحسن، وحافده أبو طاهر محمد بن الشيخ الفقيه أبي محمد القاسم، وبنو زين الأمناء: أبو البركات الحسن، وأبو المظفر عبد الله، وأبو منصور عبد الرحمن، وأبو المحاسن نصر الله، وأبو نصر عبد الرحيم، بنو أبي عبد الله محمد بن الحسن، بقراءة القاضي بهاء الدين أبي المواهب الحسن:
أخوه الشيخ الفقيه أبو القاسم الحسين ابنا القاضي أبي الغنائم هبة الله ابن محفوظ بن صَصْرَى، والشيخ الفقيه جمال الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعد الله الحنفي، والشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن عقيل بن علي الثعلبي، وفخر الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ شيخ الشيوخ، عماد الدين أبي حفص عمر ابن أبي الحسن الحَمَوي.
والشيخان الفقيهان: أبو علي الحسن بن علي ابن شيخ الإسلام، وأبو علي الحسين بن علي ابن أبي نصر الهداريان، وأحمد بن ناصر بن طعان البُصْراوي، والقاضي أبو المعالي محمد ابن القاضي أبي الحسن علي بن محمد بن يحيى القرشي، وابن أخيه أبو محمد عبد العزيز ابن القاضي أبي علي، وأبو عبد الله ابن الحسين بن عبد الرحمن بن الحسين بن عبدان، وأبو محمد جامع بن باقي بن عبد الله التميمي، والوجيه أبو القاسم ابن محمد بن معاذ الخرقاني، ومسعود ابن أبي الحسن بن عمر التَّفْليسي، وعثمان بن أبي بكر بن عمر الإسفرايني، وإسماعيل بن عمر ابن أبي القاسم الإسفندآباذي، وعبد الرحمن بن جعبر بن حازم الأموي، والخطيب عبد الوهاب بن أحمد بن عقيل السلمي، وعبد الرحمن بن عمر
стр. 40
ابن سقير، وابنه عمر، وأبو بكر محمد ابن الشيخ الأمين أبي الفهم عبد الوهاب بن عبد الله، وأبو عبد الله ابن الفضل بن الفتح الأنصاريون.
وعبد الجبار بن عبد الغني بن علي الحرستاني، وأبو عمران موسى بن علي بن عمر الهَمَذاني، وأبو بكر بن محمد بن يحيى التجاني، وبركاسا ابن فرخاور بن قرنون الديلمي، وأبو الحسين ابن علي بن خلدون، وحمزة بن إبراهيم بن عبد الله، وعيسى بن أبي بكر بن أحمد العراقي الغرَّافي، وأبو علي الحسن بن إسماعيل بن الحسن ابن الإسكندارني، وعمر بن إبراهيم بن عبد الله القيسي، وأبو المكارم سعيد بن عمر بن أحمد الموصلي، وإسحاق بن سليمان بن علي، وعبد الله بن ياسين بن عبد الله اليمني، وعبد القادر، وعبد الرحمن ابنا أبي عبد الله محمد بن الحسن العراقي، وفضائل بن طاهر بن حمزة، وعلي بن يوسف بن سلمان، وأبو المحامد حمد ابن الشيخ الفقيه أبي القاسم محمود بن محمد القزويني، ومحمد بن ميمون بن مالك الأندلسي، وعبد الرحمن بن علي ابن محمد الجويني ثم الصوفي، وكاتب الأسماء: عبد الرحمن ابن أبي منصور ابن نسيم بن الحسين بن علي الشافعي.
وسمع من باب بيان بطلان ما يَحتج به بعضُ من ردّ أخبار الآحاد إلى آخره من المسمع: الشيخُ الفقيه بهاء الدين أبو محمد القاسم بن علي، وذلك في يوم الخميس ثاني وعشرين ذي الحجة سنة ست وستين وخمس مئة، بالمسجد الجامع بدمشق.
* * *